اتفقت المصادر التي ترجمت للمؤلف على نسبة الكتاب إليه، غير أنها اختصرت عنوانه وأسمته "اللطائف"، وزاد ابن حجر عبارة "في وظائف الأيام"، وانفرد ابن عبد الهادي الذي حاول استقصاء مؤلفاته، فذكره مرتين؛ الأولى باسم "اللطائف" والثانية "لطائف المعارف".
وفي النسخ المخطوطة للكتاب ورد العنوان مختلفًا؛ ففي نسخة (ب): "لطائف المعارف"، وسقط في (ش)؛ لوجود خرم في أولها. وذكر تامًّا في النسختين (آ) و(ع)، ويوافق ذلك ما جاء في مقدمة المؤلف حيث قال: وسميته الطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف"، وهو ما اشتهر به بين الناس، وما اخترناه أيضًا.
تحدث المؤلف في الخطبة عن غايته من تأليفه، فبين أن الله تعالى علَّق أحكام اليوم من الصلاة بطلوع الفجر، وطلوع الشمس، وزوالها، وغروبها، ومصير ظلّ الشيء مثله، وغروب الشفق. وعلّق أحكام اليوم من الصيام بمدَّة النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وعلَّق بالحساب ما يحتاج إليه الناس من مصالح دينهم ودنياهم؛ كصيامهم، وفطرهم، وحجهم، وزكاتهم، ونذورهم وكفاراتهم، وعِدد نسائهم، ومُدد إيلائهم، ومدد إجاراتهم، وحلول آجال ديونهم، وغير ذلك مما يتوقَّت بالشهور والسنين.
وجعل الله في كل يوم وليلةٍ لعباده المؤمنين وظائف موظَّفة عليهم من وظائف طاعته؛ منها ما هو مفترض، كالصلوات الخمس. ومنها ما يندبون إليه من غير افتراض، كنوافل الصلاة والذِّكْر وغير ذلك.
كما أنَّ للشهور وظائف موظّفة أيضًا؛ منها ما هو مفروض: كالصيام، والزكاة، والحج. ومنها ما هو مندوب: كصيام شعبان، وشوال، والأشهر الحرم.
[ ٢١ ]
وجعل الله لبعض الشهور فضلًا على بعض، كما جعل بعض الأيام والليالي أفضل من بعض.
ورأى المؤلف أنه ما من هذه المواسم الفاضلة موسم إلا ولله تعالى فيه وظيفة من وظائف طاعاته، يتقرَّب بها إليه؛ ولله فيه لطيفة من لطائف نفحاته، يصيب بها من يعود بفضله ورحمته عليه.
والسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات، وتقرَّب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات، فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات، فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات.
ثم قال: "وقد استخرت الله تعالى في أن أجمع في هذا الكتاب وظائف شهور العام وما يختص بالشهور ومواسمها من الطاعات؛ كالصلاة، والصيام، والذكر، والشكر، وبذل الطعام، وإفشاء السلام وغير ذلك من خصال البررة الكرام؛ ليكون ذلك عونًا لنفسي ولإخواني على التزوّد للمعاد، والتأهب للموت قبل قدومه والاستعداد".
ولابن رجب هدف آخر من كتابه وهو أن يفيد منه من يريد أن ينتصب للتذكير والوعظ، وهي سمة بارزة للكتاب، قال: "وليكون أيضًا صالحًا لمن يريد الانتصاب للمواعظ من المذكرين، فإن من أفضل الأعمال عند الله، لمن أراد به وجه الله، إيقاظ الراقدين، وتنبيه الغافلين".
وقد جعل هذه الوظائف المتعلقة بالشهور، مجالس مجالسَ، مرتبة على ترتيب شهور السنة الهلالية، فبدأ بشهر المحرم، وختم بذي الحجّة، وذكر في كل شهر ما فيه من هذه الوظائف. وما لم يكن له وظيفة خاصة لم يذكر فيه شيئًا، فقد ترك ذكر ثلاثة أشهر، هي: ربيع الآخر، وجمادى الأولى، وجمادى الآخرة، فلم يتحدث عنها بشيء.
وختم ذلك كله بوظائف فصول السنة الشمسية، وهي ثلاثة مجالس: في ذكر الربيع، والشتاء، والصيف.
وكان قد بدأ كتابه بمجلسٍ في فضل التذكير بالله، ثم ختمه بمجلس في التوبة والمبادرة قبل انقضاء العمر؛ فإن التوبة وظيفة العمر كلّه.
[ ٢٢ ]
وقد أكثر من الاستشهاد بالقرآن الكريم والحديث الشريف، ومن شعر الوعظ والرقائق، يعزو الحديث إلى مخرّجه، ويبين درجته من الصحة أو الضعف، وغالب ما يذكره من الصحيح، وإن لم يكن كذلك بين موطن ضعفه، وهو العالم الخبير بفنون الحديث وعلله. وقلما ينسب الأبيات إلى قائلها، ولعل بعضها من نظمه، وهي من الشعر المتوسط.
يعمد ابن رجب في كتبه، وفي مقدمتها كتابنا هذا وكتاب "جامع العلوم والحكم" إلى الأسلوب المسجع أحيانًا على عادة عصره، ويهجره حينًا ليتعلق بعبارة الفقهاء والمحدثين، يؤدي ذلك بنبرة خطابية متدفقة، نابعة من إخلاصه وصدقه ووفرة محفوظه، يخاطب فيه القلب والعقل.
ولعل خير ما نصفه به ما قاله الذهبي قديمًا في شيخه ابن تيمية: "ما رأيت أسرع انتزاعًا للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه، ولا أشد استحضارًا للمتون وعزوها منه، كان السنّة نصب عينيه، وعلى طرف لسانه، بعبارة رشيقة وعين مفتوحة".
وكيف لا وهو واحد من تلك الدوحة الوارفة، التي حملت راية الإصلاح وجهرت به بكل إخلاص وصدق، فقد لازم ابن القيّم الجوزية وتأثر به وتتلمذ له حتى وفاته، وابن القيّم كان بدوره لصيقًا بشيخ الإسلام، يدعو دعوته، وينهج نهجه، ويحمل معه تبعات الإصلاح ومحاربة البدع، ويأتي ابن رجب ليتابع المسير بالروح نفسها وبالصدق والإخلاص اللذين عرفا عندهما، ﵏ جميعا.