نَمُتْنَهْ، نحن الآمناتُ فلا نَخَفْنَهْ، نحن المقيماتُ فلا نَظْعَنَّه".
ومن حديث أُمِّ سلمةَ مرفوعًا: "إن نساء أهلِ الجنَّةِ يَقُلْنَ: نحنُ الخالداتُ فلا نموتُ أبدًا، ونحنُ النَّاعماتُ فلا نبأسُ أبدًا، ونحنُ المقيماتُ فلا نَظْعَنُ أبدًا، ونحنُ الراضياتُ فلا نسخَطُ أبدًا، طوبَى لِمن كنَّا له وكان لنا". وفيما ذكرَه - ﷺ - في صفةِ مَن يدخُلِ الجنَّةَ تعريضٌ بِذمِّ الدُّنيا الفانيةِ، فإنَّه من يَدْخُلها وإن نُعِّمَ فيها فإنَّه يبأس، ومَن أقامَ فيها فإنَّه يموتُ ولَا يُخلَّد، ويفنَى شبابُهم، وتبلَى ثيابُهم، بل تبلى أجسامهُم.
وفي "القرآن" نظير هذا، وهو (^١) التعريضُ بذمِّ الدُّنيا وفنائِها، مع مدح الآخرةِ وذكرِ كمالِها وبقائِها، كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (^٢).
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ (^٣)، الآية. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (^٤)، الآية. وقال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (^٥).
وقال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (^٦).
_________________
(١) في ب، ط: "وهذا".
(٢) سورة آل عمران الآية ١٤ و١٥.
(٣) سورة يونس الآية ٢٤.
(٤) سورة يونس الآية ٢٥ و٢٦.
(٥) سورة الكهف الآية ٤٥ و٤٦.
(٦) سورة العنكبوت الآية ٦٤.
[ ٦٩ ]
وقال الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ (^١) إلى قوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ (^٢).
وقال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (^٣). وقال الله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (^٤). وقال الله تعالى عن مؤمنِ آلِ فرعونَ أنه (^٥) قال لقومه: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ (^٦).
والمَتاعُ: هو ما يتمتَّعُ به صاحبُه بُرْهةً ثم ينقطِعُ ويفنَى. فما عِيبَتِ الدُّنيا بأبلغَ (^٧) من ذِكرِ فنائِها وتقلُّب أحوالِها، وهو أدلُّ دليلٍ على انقضائها وزَوالِهَا، فتتبدَّلُ صحتُها بالسُّقْمِ، ووجودُها بالعدَمِ، وشبيبتُها بالهرَمِ، ونعيمُها بالبؤسِ، وحياتُها بالموتِ، فتفارِقُ الأجسامُ النفوسَ (^٨)، وعمارتُها بالخراب، واجتماعُها بفُرْقةِ الأحبابِ، وكُلُّ ما فوقَ التُّرابِ ترابٌ.
قال بعضُ السَّلَفِ في يوم عيدٍ، وقد نظرَ إلى كثرة النَّاسِ وزينةِ لباسِهم: هل تَرَوْنَ إلَّا خِرَقًا تبلَى، أو لحمًا يأكلُه الدُّودُ غدًا؟. كان الإِمامُ أحمدُ ﵁ يقولُ: يا دارُ، تخرَبينَ ويموتُ سُكانُك. وفي الحديث: عجبًا لمن رأى الدُّنيا وَسُرْعَةَ تَقلُّبِها بأهلِها كيفَ يطمئنُّ إليها. قال الحَسَن: إنَّ الموتَ قد فَضَحَ الدُّنيا فلم يَدَعْ لذِي لُبٍّ بها فرحًا. وقال مُطَرِّف (^٩): إنَّ هذا الموتَ قد أفسَدَ على أهل النَّعيم نعيمَهم، فالتمِسُوا نعيمًا لا مَوْتَ فيه.
[وقال بعضهم: ذهَبَ ذِكرُ الموت بلذة كل عيشٍ وسرورِ كلِّ نعيمٍ، ثم بكى
_________________
(١) سورة الحديد الآية ٢٠.
(٢) سورة الحديد الآية ٢١.
(٣) سورة الأعلى الآية ١٦ و١٧.
(٤) سورة التوبة الآية ٣٨.
(٥) لفظة "أنه" سقطت من (آ).
(٦) سورة غافر الآية ٣٩.
(٧) في ب، ط: "بأكثر".
(٨) في ع: "للنفوس".
(٩) هو مطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير العامري البصري، الفقيه العابد، المجاب الدعوات، مات سنة ٩٥ هـ، وقيل غير ذلك. (شذرات الذهب ١/ ٣٨٦) طبع دار ابن كثير.
[ ٧٠ ]
وقال: واهًا لدارٍ لا مَوْتَ فيها] (^١). وقال يونسُ بنُ عُبيد: ما تَرَكَ ذِكْرُ الموتِ لنا قُرَّةَ عَينٍ؛ في أهلٍ ولا مالٍ. وقال يزيد الرَّقاشي (^٢): أمِنَ أهلُ الجنَّةِ الموتَ فطابَ لهم العيشُ وأمِنوا (^٣) الأسقامَ، فهنيئًا لهم في جوارِ اللهِ طولُ المقامِ.
عيوبُ الدُّنيا بادِيةٌ، وهي بعبرها (^٤) ومواعظِها منادِيةٌ، لكنَّ حبَّها يُعمِي ويُصِمُّ، فلا يَسْمَعُ محبُّها نداءَها، ولا يَرى كشفها للغير وإيذاءَها.
قد نادَتِ الدُّنيا على نَفْسِها … لو كانَ في العالَمِ مَن يَسْمَعُ
كَمْ واثقٍ بالعُمر أفنيتُه … وجَامعٍ بَدَّدْتُ ما يَجْمَعُ
كم قد تبدَّلَ نعيمُها بالضرِّ (^٥) والبؤسِ، كم أصبَحَ مَن هو واثقٌ يملِكُها، وأمسَى وهو منها قَنُوطٌ يؤوس. قالت بعضُ بناتِ مُلوكِ العربِ الذين نُكِبُوا: أصبحنا وما في العرب (^٦) أحدٌ إلَّا وهو يحسُدُنا ويخشانا (^٧)، وأمسينا وما في العربِ أحدٌ إلا وهو يرحمُنا، [ثم قالت:
وبينَا نَسُوسُ النَّاسَ والأَمْرُ أَمْرُنا … إذا نحنُ فيهم سُوقَةٌ ليس نُنْصَفُ (^٨)
فأفٍّ لدارٍ لا يَدُومُ نَعِيمُها … تقلَّبُ تاراتٍ بنا وتُصرّفُ] (^٩)
دخلت أمُّ جعفر (^١٠) بن يحيى البَرمكي على قوم في عيد أضحى تطلُبُ جِلْدَ كَبْشٍ تلبَسُهُ، وقالت: هجَمَ عليَّ مثلُ هذا العيدِ وعلى رأسي أربعمائةِ وصيفةٍ قائمةً، وأنا أزعمُ أن ابني جعفرًا عاقُّ لي.
كانت أختُ أحمد بن طولون صاحبِ مصرَ كثيرةَ السَّرَفِ في إنفاقِ المالِ، حتَّى
_________________
(١) ما بين حاصرتين ساقط في (ط).
(٢) في ط: "الهاشمي" خطأ. وهو يزيد بن أَبَان الرَّقاشي، أبو عمرو البصري، القاص، الزاهد، مات قبل سنة ١٢٠ هـ.
(٣) في آ: "وأمنوا من الأسقام".
(٤) في ط: "وهي تغيرها" خطأ.
(٥) لفظ "بالضرّ" لم يرد في آ، ع، ش.
(٦) في ب، ط: "والأرض".
(٧) لفظ "يخشانا" لم يرد في آ، ع.
(٨) في ب: "نعرف". والسوقة: الرعية، وأوساط الناس.
(٩) ما بين حاصرتين سقط من (ط).
(١٠) سيدة جليلة ذات نفوذ وسلطان، كان الرشيد يشاورها مظهرًا لإِكرامها والتبرك برأيها. توفيت في الرقة. انظر أعلام النساء لكحالة ١/ ١٩٦ - ١٩٩.
[ ٧١ ]
إنَّها زوَّجَتْ بعضَ لُعبِها فأنفقَتْ على وليمةِ عُرسِها مائةَ ألفِ دينارٍ، فما مَضَى إلا قليلٌ حتى رؤيت في سوقٍ من أسواقِ بغدادَ وهي تسألُ النَّاسَ.
[خُلِعَ بعضُ خلفاءِ بني العبَّاسِ وكحّلَ وحُبِسَ ثم أُطلقَ، فاحتاج إلى أن وقف يوم جمعةٍ (^١) في الجامع وقال للناس: تصدَّقوا عليَّ فأنا مَن قد عرفْتُم] (^٢).
اجتازَ بعضُ الصالحين بدارٍ فيها فَرَحٌ وقائلةٌ تقولُ في غنائها:
أَلَا يا دارُ لا يَدْخُلْكِ حُزْنٌ … وَلَا يُزْري (^٣) بصاحبِكِ الزَّمانُ
ثم اجتازَ بها عن قريبٍ وإذا البابُ مُسْوَدٌّ، وفي الدَّارِ بكاءٌ وصُراخٌ، فسأل عنهم، فقيل: مات ربُّ الدَّارِ، فطرَقَ البابَ وقال: سمِعتُ من هذه الدَّارِ قائلةً تقولُ كذا وكذا، فبكَت امرأةٌ وقالت: يا عبدَ اللهِ، إنَّ الله يُغيِّرُ ولا يتغيَّرُ، والموتُ غايةُ كلِّ مَخلوقٍ، فانصرَفَ من عندِهم باكيًا.
بعث أبو بكر الصِّدِّيق ﵁ في خلافتِه وفدًا إلى اليمن، فاجْتَازُوا في طريقهم بماءٍ من مياهِ العربِ، عندَهُ قصورٌ مَشِيدَةٌ، وهناك مَواشٍ عظيمةٌ، ورَقيقٌ كثيرٌ، ورأوا نِسوةً كثيراتٍ (^٤) مجتمعاتٍ في عُرسٍ لهُنَّ، وجاريةٌ بيدها دُفٌّ، وهي تقول:
مَعْشَرَ الحُسَّادِ مُوتُوا كمدا … كذا نَكُونُ ما بَقِينا أبدَا
فنزلُوا بقُربِهم فأكرمَهم سيِّدُ الماءِ، واعتذَرَ إليهم باشتغالِه بالعُرسِ، فدعَوا له وارْتَحَلُوا.
ثم إنَّ بعضَ أولئك الوَفدِ أرسلَهم معاويةُ إلى اليمن، فمرُّوا بالقُرْبِ من ذلك الماءِ، فعَدَلُوا إليه لينزلوا فيه، فإذا القُصورُ المَشِيدةُ قد خَرِبَتْ كلُّها وليسَ هَناك ماءٌ ولا أنيسٌ، ولم يبقَ من تلك الآثارِ إلَّا تَلٌّ خَرابٌ، فذهبُوا إليه، فإذا عجوزٌ عمياءُ تأوِي إلى نَقْبٍ في ذلك التَّلِّ، فسألوها عن أهلِ ذلك الماءِ، فقالت: هَلَكُوا كلُّهم، فسألوها عن
_________________
(١) في ع، ش: "الجمعة".
(٢) ما بين قوسين ساقط في (ط).
(٣) في آ، ع: "يودي".
(٤) في ع، ب، ط: "كثيرة".
[ ٧٢ ]
ذلك العُرسِ المتقدِّم، فقالت: كانت العروسُ أختي، وأنا كنتُ صاحبةَ الدَّفِّ، فطلَبُوا أن يحمِلُوها معهم فأبَتْ، وقالت: عزيزٌ عليَّ أنْ أفارِقَ هذه العِظامَ الباليةَ حتَّى أَصيرَ إلى ما صارَتْ إليه. فبينما هي تُحدِّثهُم إذ مالَتْ فنزَعَتْ نَزْعًا يَسِيرًا ثم ماتَتْ، فدفَنُوها وانطَلَقُوا.
حُمِلَ إلى سُليمانَ بن عَبْدِ الملك في خلافتِه من خُراسانَ ستةُ أحمالِ مسكٍ إلى الشام، فأُدْخِلَتْ على ابنِه أيوبَ، وهو وليُّ عهدِه، فدخَلَ عليه الرسولُ بها في دارِه، فدخل إلى دارٍ بيضاءَ وفيها غِلمانٌ عليهم ثيابٌ بياضٌ (^١) وحِليتُهُم فِضَّةٌ، ثم دخلَ إلى دارٍ صفراءَ فيها غلمان عليهم ثيابٌ صفرٌ وحليتهُم الذَّهبُ؛ ثم دخَلَ إلى دارٍ خضراءَ فيها غلمانٌ عليهم ثيابٌ خضرٌ وحليتُهم الزمرّدُ، ثم دخَلَ على أيوبَ وهو وجاريتُهُ على سريرٍ، فلم يَعرِفْ أحدَهما مِن الآخرِ لقُربِ شبَههِما، فوُضِعَ المِسْكُ بين يديه فانتهبَهُ كُلَّه الغِلمانُ، ثم خرَجَ الرسولُ فغابَ بضعةَ عشرَ يومًا، ثم رجعَ فمرَّ بدارِ أيوبَ وهي بلاقِعُ (^٢)، فسأل عنهم، فقيل له: أصابَهم الطاعونُ فماتوا.
كان يزيدُ بن عبد الملك، وهو الذي انتهتْ إليه الخلافةُ بعد عمرَ بن عبد العزيز، له جاريةٌ تُسمَّى حَبَابَة، وكان شديدَ الشّغفِ بها، ولم يقدِرْ على تحصيلِها إلَّا بعدَ جُهدٍ شديدٍ، فلمَّا وصلَتْ إليه خَلا بها يومًا في بستانٍ وقد طارَ عقلُه فرحًا بها (^٣)، فبينما هو يلاعبُها ويُضاحكُها إذْ رَمَاها بحبَّةِ رُمَّانٍ أو حَبَّةِ عِنَبٍ وهي تضحَكُ، فدخلتْ في فيها فشَرِقَتْ بها فماتَتْ، فما سَمَحَتْ نفسُه بدفنِها حتَّى أراحَتْ (^٤)، فعُوتِبَ على ذلك فدفنَها. ويقالُ: إنَّه نبشَها بعدَ دفنِها. ويروى أنه دخَلَ بعد موتِها إلى خزائنها (^٥) ومقاصِيرها ومعه جاريةٌ لها، فتمثلت الجارية ببيت (^٦):
كَفَى حَزَنًا بالوالِهِ الصَّبِّ أنْ يَرَى … مَنازِلَ مَن يَهْوَى مُعَطَّلةً قَفْرَا
فصاحَ وخَرَّ مغشيًّا عليه، فلم يُفِقْ إلى أن مَضَى هَوِيٌّ (^٧) من الليل، ثم أفاقَ فبكَى
_________________
(١) في ع: "بيض".
(٢) مكان بَلْقَع: خالٍ. والبَلْقَعَةُ: الأرض القَفْر التي لا شيء بها، وجمعه بلا قع.
(٣) لفظ "بها" ساقط في "آ".
(٤) أراحت: أنتنَتْ.
(٥) في آ: "خزانتها".
(٦) لفظ "ببيت" لم يرد في ع، ش.
(٧) مَضَى هَوِيٍّ من الليل: أي مضى هزيعٌ منه، أو ساعةٌ.
[ ٧٣ ]
بقيَّةَ ليلتِه ومن الغدِ، فدخَلُوا عليه فوجَدُوه ميتًا. قال بعضُ السَّلَف: ما من حَبْرَةٍ (^١) إلَّا يَتْبَعُها عَبْرَةٌ، وما كان ضَحِكٌ في الدُّنيا إلَّا كان بعدَه بكاءٌ. من عرفَ الدُّنيا حقَّ معرِفتها حَقَرَهَا وأبغضَها، كما قيلَ:
أَمَا لو بيعَتِ الدُّنيا بِفَلْسٍ … أَنِفْتُ لِعَاقِلٍ أنْ يَشْتَرِيها
ومَنْ عَرَفَ الآخِرَةَ وعظمتَها رَغِبَ فيها.
عبادَ الله، هلُمُّوا إلى دارٍ لا يموتُ سكانُها، ولا يخرَبُ بنيانُها، ولا يهرَمُ شُبَّانُها (^٢)، ولا يتغيَّرُ حسنُها وإحسانُها، هواؤها النَّسيمُ، وماؤها التَّسنيمُ (^٣)، يتقلَّبُ أهلُها في رحمةِ أرحمِ الرَّاحمينَ، ويتمتَّعُون (^٤) بالنظر إلى وجهِه الكريمِ كلَّ حينٍ، ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٥).
قال عونُ بن عبد الله بن عُتبَة: بنَى ملِكٌ ممن كان قبلكم (^٦) مدينةً، فتنوَّقَ (^٧) في بنيانها (^٨)، ثم صنَعَ طعامًا ودعا الناسَ إليه، وأقعدَ على أبوابها ناسًا يسألون كلَّ مَن خرَج: هل رأيتم عَيبًا (^٩)؟ فيقولون: لا، حتَّى جاء في آخرِ النَّاسِ قومٌ عليهم أكسِيةٌ (^١٠)، فسألوهم: هل رأيتم عيبًا؟ فقالوا: عَيبَيْن. فأدخَلُوهم على الملِكِ، فقال: هل رأيتم عيبًا؟ فقالوا: عيبَين، قال: وما هما؟ قالوا: تَخْرَبُ، ويموتُ صاحبُها. قال: فتعلمونَ دارًا لا تخرَبُ ولا يموتُ صاحبُها؟ قالوا: نعم، [دار الجنَّةِ] (^١١)، فدعُوه فاستجابَ لهم وانخلَع (^١٢) من مُلْكِهِ وتعبَّدَ معهم. فحدَّثَ عونٌ بهذا الحديثِ عمرَ بن عبد العزيز، فوقَعَ منه موقعًا، حتَّى هَمَّ أن يخلَعَ نفسَهُ مِن الملكِ، فأتاه ابنُ عمِّه مَسْلمة، فقال: اتَّقِ الله يا أميرَ المؤمنين في أمَّةِ محمدٍ، فوالله لئن فعلْتَ لَيَقْتَتِلُنَّ
_________________
(١) الحَبْرَةُ: السرور. والعَبْرَةُ: الدَّمْعَةُ والحزن.
(٢) في ش، ط: "شبابها".
(٣) التَّسنيم: عَيْنٌ في الجنَّة.
(٤) في ع: "ويتنغَّمون".
(٥) سورة يونس الآية ١٠.
(٦) في ش، ب، ط: "قبلنا".
(٧) في هامش ع عن نسخة: "فتأنَّق". وتنوَّقَ في بنيانها: أي تأنَّق، وبالغ في تجويدها.
(٨) في ع، ب، ط: "في بنائها".
(٩) في آ: "عيبًا فيها".
(١٠) عليهم أكسية: أي ما يلبسه الزهاد والعابدون من ثياب خشنة.
(١١) ما بين قوسين زيادة من (ع).
(١٢) في آ: "عن ملكه".
[ ٧٤ ]