فضةٍ، ومِلاطُها (^١) المِسْكُ الأذفَرُ، وحَصْباؤها اللؤلؤ والياقوتُ، وتربتُها الزَّعفرانُ. وقد رُوي أيضًا هذا عن النَّبيِّ - ﷺ - من حديث ابن عُمَرَ مرفوعًا، أخرجه (^٢) الطبرانيُّ. فهذه أربعةُ أشياءَ:
أحدها: بناءُ الجنَّةِ، ويُحتملُ أن المرادَ بُنيانُ قُصورِها ودُورِها، ويُحتملُ أنْ يرادَ بناءُ حائطِها وسورِها المحيطِ بها وهو أشبَهُ. وقد روي من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعًا وموقوفًا وهو أَشبه: "حائطُ الجنَّةِ لَبِنِةٌ من فضةٍ، ولَبِنِةٌ مِن ذَهَبٍ، ودرجُها الياقوتُ واللؤلؤ". قال (^٣): وكنَّا نتحدَّثُ أنَّ رَضْرَاضَ (^٤) أنهارِها اللؤُلؤ وترابها الزَّعفران (^٥). وفي "مسند البزار" عن أبي سَعِيدٍ مرفوعًا: "خَلَقَ اللهُ الجنَّةَ لَبِنَةً مِن فضةٍ ولَبِنَةً مِن ذَهَبٍ، ومِلاطُها المِسْكُ (^٦)، فقال لها تكلَّمِي، فقالتْ: قد أفلَحَ المؤمنون، فقالَتْ الملائكةُ: طُوبَى لكِ منزِل الملوكِ (^٧) ".
ومِمَّا يبيِّنُ أن المرادَ ببناءِ الجنَّةِ في هذه الأحاديث بناءُ سورِها المحيطِ بها ما في "الصحيحين" عن أبي موسى، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "جَنَّتَانِ مِن ذَهَبٍ، آنيتُهُما وما فيهما، وجنَّتانِ مِن فِضَّةٍ آنيتهُما وما فيهما (^٨).
وقد رُوِي عن أبي موسى مرفوعًا وموقوفًا: "جنَّتانِ مِن ذَهَبٍ للمقرَّبينَ، وجنَّتانِ
_________________
(١) المِلاط: الطين الذي يُجعل بين سافَي البناء ويُملَطُ به الحائط. ومسك أذفر: طيب الريح.
(٢) في ع، ش: "خرَّجه".
(٣) لفظ "قال" لم يرد في (آ).
(٤) الرَّضراضُ: الحَصَى الذي يجري عليه الماء.
(٥) الزعفران: نبات صبغي طبّي مشهور.
(٦) قوله - ﷺ -: "وملاطها المسك" ليس في نص الحديث عند البزار، وإنما أدرجها المؤلف فيه من الحديث المتقدم.
(٧) ذكره الهيثمي في "كشف الأستار عن زوائد البزار" ٤/ ١٨٩ وفي سنده سعيد بن إياس الجريري ثقة اختلط قبل موته بثلاث سنين، وباقي رجاله ثقات. ولفظ الحديث عنده: "خلق الله ﵎ الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وغرسها، وقال لها: تكلّمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون، فدخلتها الملائكة، فقالت: طوباكِ منزل الملوك".
(٨) قطعة من حديث رواه البخاري رقم (٧٤٤٤) في التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، ومسلم رقم (١٨٠) في الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾. وفي الأصول: "وآنيتهما" في الموضعين، وما أثبته من مصادر التخريج. ورواه أيضًا أحمد في "المسند" (٤/ ٤١١ و٤١٦)؛ والترمذي رقم (٢٥٢٨) في صفة الجنة، باب ما جاء في صفة غرف الجنة؛ وابن ماجه رقم (١٨٦) في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية.
[ ٦٣ ]
مِن فضَّةٍ لأصحابِ اليمينِ" (^١). وفي الصحيح أيضًا عن النَّبيِّ - ﷺ -، أنَّه قال: "إِنَّها جِنانٌ (^٢) كثيرة (^٣) ". وقد رُوي أن بناءَ بعضِها من دُرٍّ وياقوت. وخرَّج ابنُ أبي الدُّنيا من حديث أنسٍ مرفوعًا: "خلقَ اللهُ جنَّةَ عَدْنٍ بيدِه لَبِنةً من دُرَّةٍ بيضاءَ، ولَبِنةً من ياقوتة حمراءَ، ولَبِنةً من زَبَرْجَدَةٍ خَضْراءَ، مِلاطُها المِسْكُ، وحَصْباؤها اللؤلؤ، وحَشيشُها الزَّعفرانُ، ثم قال لها: انطقي، قالت: قد أفلَحَ المؤمنون، قال: وعِزَّتي لا يُجاوِرُني فيكِ بخيلٌ" (^٤).
وروَى عطيةُ، عن أبي سعيد، قال: إنَّ الله خَلَقَ جنَّةَ عدنٍ من ياقوتةٍ حمراءَ، ثم قال لها: تزيَّنِي فتزيَّنَتْ، ثم قال لها: تكلَّمِي فقالتْ: طُوبَى لمن رضيتَ عنه؛ ثم أطبَقها وعلَّقها بالعرش، فَهي تُفتحُ في كلِّ سَحَرٍ، فذلك بَرْدُ السَّحَرِ. وعن ابن عبَّاس، قال: كان عرشُ الله على الماءِ، ثم اتخذَ لنفسِه جَنَّةً، ثم اتخذَ دونَها أخرى، وطبَّقهما بلؤلؤةٍ واحدةٍ لا يَعلمُ الخلائقُ ما فيهما وهما اللتانِ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٥). وذكر صفوان بن عمرو، عى بعض مشايخه، قال: الجنةُ مائةُ درجةٍ: أولها: درجةُ فِضةٍ، وأرضُها فِضةٌ، ومساكنُها فِضَّةً، وترابُها المِسْكُ.
والثانية: ذَهَبٌ، وأرضُها ذَهَبٌ، وآنيتُها ذَهَبٌ، وترابُها المِسْكُ.
والثالثة: لؤلؤ، وأرضُها لؤلؤ، وآنيتُها لؤلؤ، وترابُها المِسْكُ، وسبعٌ وتسعونَ بعد ذلك ما لا عَيْنٌ رأَتْ، ولا أُذُنٌ سمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ، ثم تلا: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٥).
[وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ -، قال: "يقولُ
_________________
(١) وذكره الحاكم في "المستدرك" ٢/ ٤٧٤ - ٤٧٥ بلفظ "جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من فضة للتابعين" موقوفًا على أبي موسى الأشعري ﵁، ولم نقف عليه في المرفوع.
(٢) في آ: "جنات".
(٣) قطعة من حديث رواه البخاري رقم (٢٨٠٩) في الجهاد: باب من أتاه سهم غرب فقتله، و(٣٩٨٢) في المغازي: باب فضل من شهد بدرًا، و(٦٥٥٠) و(٥٥٦٨) في الرقاق: باب صفة الجنة والنار؛ وأحمد في "المسند" ٣/ ٢١٠ و٢١٥ و٢٦٠ و٢٦٤ و٢٧٢ و٢٨٣ من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٤) لم يوقف عليه، ورواه بنحوه البزار في "مسنده" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. انظر "مجمع الزوائد" ٩/ ٣٩٧.
(٥) سورة السجدة الآية ١٧.
[ ٦٤ ]
الله ﷿ (^١): أعددت لعبادي الصَّالحين ما لا عين رأت، ولا أُذُنٌ سمِعَتْ، ولا خطر على قلب بشرٍ. ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾] (^٢).
وفي "صحيح مسلم" عن المغيرة بن شُعبةَ يَرفعُه: سأل موسى ربَّه، قال: يا ربّ، ما أدنى أهلِ الجنةِ منزلةً؟ قال: هو رجلٌ يجيء بعدَما أُدْخِلَ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ، فيقالُ له: ادخُلِ الجنَّةَ، فيقولُ: يا ربّ، كيفَ وقد أخذَ النَّاسُ (^٣) منازلَهم، وأخذُوا أَخَذَاتِهم (^٤)؟ فيقال له: أترضى أن يكونَ لك مثلُ [مُلْكِ] مَلِكٍ مِن ملوكِ الدُّنيا؟ فيقولُ: رضيتُ يا ربِّ، فيقولُ: لكَ ذلكَ ومثلُهُ، ومثلُهُ ومِثلُهُ [وَمِثْلُهُ]، فقال له (^٥) في الخامسةِ: رضيتُ يا ربّ، فيقال: هذا لكَ وعشرةُ أمثالِه، ولكَ ما اشْتَهَتْ نفسُك ولذَّتْ عينُك، فيقول: رضيتُ ربِّ. قال: فأعلاهم منزِلةً؟ قال: أولئك الَّذِينَ أردْتُ، غرسْتُ كرامَتَهُم بيدي، وختمْتُ عليها، فلم تَرَ عَيْنٌ، ولم تسمَعْ أذُنٌ، ولم يخطُرْ على قَلْبِ (^٦) بشَرٍ. قال: ومِصداقُهُ في كتابِ اللهِ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (^٧) (^٨).
الثاني: مِلاطُ الجنةِ وأنَّه المِسْكُ الأذْفَرُ، وقد تقدَّم مثلُ ذلك في غير حديثٍ (^٩).
والمِلاطُ: هو الطّينُ، ويقال: الطّينُ الذي يُبنَى منه البُنيانُ. والأَذْفَرُ: الخالِصُ (^١٠).
ففي "الصحيحين" عن أنسٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "دخلْتُ الجنَّةَ فإذا فيها جَنابِذُ اللؤلؤ، وإذا ترابُها المِسْكُ" (^١١). والجَنابِذُ (^١٢): مثلُ القِبابِ. وقد قيل: "إنَّه أرادَ
_________________
(١) أي في الحديث القدسي.
(٢) ما بين قوسين ساقط في (ط).
(٣) في صحيح مسلم: "نزل الناس".
(٤) أخذوا أخذاتِهم: أي نزلوا منازلهم.
(٥) لفظ "له" لم يرد في ب، ط.
(٦) لفظ "قلب" ساقط في (آ).
(٧) سورة السجدة الآية ١٧.
(٨) رواه مسلم رقم (١٨٩) في الإِيمان: باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها.
(٩) انظر ص (٦٢).
(١٠) قال ابن الأثير: أي طيّب الريح.
(١١) قطعة من حديث طويل رواه البخاري رقم (٣٣٤٢) في الأنبياء: باب ذكر إدريس ﵇، و(٣٤٩) في الصلاة: باب كيف فرضت الصلوات في الإِسراء؛ ومسلم رقم (١٦٣) في الإِيمان: باب الإِسراء برسول الله - ﷺ - إلى السماوات وفرض الصلوات. ورواه أيضًا أحمد في "المسند" ٥/ ١٤٤.
(١٢) الجَنَابذ: مفردها جُنْبُذَة، وهو ما ارتفع من الشيء واستدار كالقُبَّة.
[ ٦٥ ]
بترابِها ما خالطَه الماءُ، وهو طينُها، كما في صحيح البخاري، عن أنسٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال في الكوثر: "طينهُ المِسْكُ الأَذْفَرُ" (^١).
وقد قيل في تأويل قوله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ (^٢) أن المرادَ بالخِتام ما يبقَى في سُفْلِ الشرابِ من الثُّفْلِ (^٣)، وهذا يدُلُّ على أن أنهارَها تجري على المِسْكِ، ولذلك يرسُبُ منه في الإِناءِ في آخرِ الشرابِ، كما يرسُبُ الطينُ في آنيةِ الماء في الدُّنيا.
الثالث: حَصْباءُ الجنَّةِ وأنَّه اللؤلؤ والياقوتُ، والحَصْباء: الحَصَى الصِغارُ، وهو الرَّضْرَاضُ (^٤). وفي "المسند" عن أنس، عن النَّبيِّ - ﷺ - في ذكر الكوثر أن رَضْرَاضَهُ اللؤلؤ (^٥). وفي روايةٍ: حَصْبَاؤه اللؤلؤ (^٦). وفي الترمذي من حديثِ ابن عُمَرَ عن النَّبيِّ - ﷺ -: "أن مَجراهُ على الدُّرِّ والياقوتِ (^٧) ".
وفي الطَّبَرَانيّ من حديثِ عبد الله بن عمرو، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "حالُهُ المِسْكُ الأبيضُ، ورَضْرَاضُه الجوهرُ، وحَصْبَاؤه اللؤلؤ" (^٨). وفي "المسند" من حديث ابن مسعودٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "حالُهُ المِسْكُ، ورَضْرَاضُه التُّوَم" (^٩)، والتُّومُ: الجَوْهَرُ، والحال: الطّين. قال أبو العالية: قرأتُ في بعض الكتبِ: يا معشرَ الرَّبَّانيينَ مِن أمَّةِ محمدٍ، انتدِبُوا (^١٠) لدارٍ أرضُها زَبَرْجَدٌ أخضَرُ، تجري عليها أنهارُ الجنَّةِ، فيها الدُّرُّ واللؤلؤ والياقوت، وسورُها زَبَرْجَدٌ أخضَرُ متدلّيًا عليها أشجارُ الجنَّةِ بثمارِها.
الرابع: ترابُ الجنَّةِ، وأنَّه الزَّعْفَرانُ، وقد سبق في رواية أخرى: الزَّعْفَرانُ والوَرْسُ (^١١). وقد قيل: إن المرادَ بالتراب ها هنا تُربةُ الأرضِ التي لا ماءَ عليها. فأمَّا
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٦٥٨١) في الرقاق: باب في الحوض.
(٢) سورة المطففين الآية ٢٦.
(٣) الثُّفْلُ: ما سفل من كل شيء، وما رسب.
(٤) مضى تفسير كلمة "الرَّضراض" قبل قليل.
(٥) رواه أحمد في "المسند" ٣/ ٢٣١ - ٢٣٢.
(٦) هي في "المسند" ٢/ ٣٠٥ من حديث أبي هريرة ﵁.
(٧) قطعة من حديث رواه الترمذي رقم (٣٣٦١) في التفسير: باب ومن سورة الكوثر.
(٨) لم أقف عليه بهذا اللفظ.
(٩) قطعة من حديث رواه أحمد في "المسند" ١/ ٣٩٨ - ٣٩٩، وذكره بنحوه الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١٠/ ٦١ - ٦٢ من حديث ابن مسعود، وعزاه لأحمد في "المسند"، والبزار، والطبراني، وقال في آخره: وفي أسانيدهم كلهم عثمان بن عمير، وهو ضعيف.
(١٠) انتدبوا: أجيبوا وسارعوا.
(١١) الوَرْس: نبتٌ أصفر يصبغ به.
[ ٦٦ ]
ما كان عليه ماءٌ فإنَّه مِسْكٌ، كما سبق. وسبَقَ أيضًا في بعض الروايات: حشيشُها الزَّعْفَرانُ، وهو نباتُ أرضِها وترابِها. فأمَّا حديثُ "ترابُها المِسْكُ" فقد قيل: إنه محمولٌ على ترابٍ يُخالِطُه الماءُ، كما تقدم. وقيل: إنَّ المرادَ أن ريحَ تُرابِها ريحُ المِسْكِ، ولونُه لونُ الزَّعفرانِ. ويَشهَدُ لهذا حديثُ الكوثَرِ: أن حالَه المِسْكُ الأبيضُ، فريحُه ريحُ المِسْكِ، ولونُه مشرِقٌ لا يُشْبِهُ لَوْنَ مِسْكِ الدُّنيا، بل هو أبيضُ. وقد يكون منه أبيضُ، ومنه أصفرُ، والله أعلم.
وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي سعيد أن النَّبيَّ - ﷺ - سأل ابنَ صيَّادٍ (^١) عن تُربةِ الجنَّةِ، فقال: دَرْمَكَةٌ (^٢) بيضاءُ مِسْكٌ خالصٌ، فصدَّقه النَّبي - ﷺ - (^٣). وفي روايةٍ أن ابنَ صَيَّادٍ سألَ النَّبيَّ - ﷺ - وصدَّقَه (^٤). وفي "المسند" والترمذي عن البَراء بن عازب أن النَّبيَّ - ﷺ - قال: "تُرْبةُ الجنَّةِ دَرْمَكَةٌ. ثم سأل اليهودَ فقالوا: خُبزةٌ، فقال: الخبزُ من الدَّرْمَكِ" (^٥).
والذي (^٦) تجتمع به هذه الأحاديثُ كلُّها أن (^٧) تربةَ الجنَّةِ في لونها بيضاءُ، ومنها (^٨) ما يُشبِهُ لونَ الزَّعفرانِ في بهجته وإشراقِه، وريحُها ريحُ المِسْكِ الأَذْفَرِ الخالِصِ، وطعمُها طَعْمُ الخبز الحُوَّارى الخالِصِ. وقد يختَصُّ هذا بالأبيضِ منها، فقد اجتمعتْ لها الفضائلُ كلُّها، لا حَرَمنا اللهُ تعالى ذلك برحمتِه وكرمِه (^٩).
وقوله - ﷺ -: "من يدخُلُها يَنْعَمُ لا يبأس، ويخلُدُ لا يموتُ، لا تَبْلَى ثيابُهم، ولا يَفْنَى شبابهُم" إشارة إلى بقاء الجنَّةِ وبقاءِ جميعِ ما فيها من النَّعيمِ، وأنَّ (^١٠) صفاتِ أهلها الكاملة من الشباب لا تتغيَّرُ أبدًا، وملابسهم التي عليهم من الثياب لَا تبلَى
_________________
(١) انظر خبره في "شذرات الذهب" لابن العماد ١/ ١٤٢ - ١٥٠ طبع دار بن كثير، و"جامع الأصول" ١٠/ ٣٦٢ - ٣٦٤.
(٢) الدَّرْمكة: الدقيق الحُوَّارَى. (النهاية ٢/ ١١٤).
(٣) رواه مسلم رقم (٢٩٢٨) (٩٣) في الفتن: باب ذكر ابن صيَّاد؛ ورواه أيضًا أحمد في "المسند" ٣/ ٤ و٢٥.
(٤) هي عند مسلم رقم (٢٩٢٨) (٩٢).
(٥) لم أجده عند أحمد في "المسند"، وهو عند الترمذي رقم (٣٣٢٧) في التفسير: باب ومن سورة المدثر من حديث جابر بن عبد الله ﵁.
(٦) في ب، ط: "والتي".
(٧) لفظة "أن" سقطت من (آ).
(٨) في آ، ش: "وفيها".
(٩) قوله: "لا حرمنا الله تعالى ذلك برحمته وكرمه" لم يرد في ع، ش.
(١٠) في آ: "فإنْ".
[ ٦٧ ]
أبدًا، وقد دَلَّ القرآنُ على مثل هذا في مواضعَ كثيرةٍ، كقوله تعالى: ﴿وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ (^١).
وقوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ (^٢). وقوله تعالى ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (^٣)، في مواضعَ كثيرة. وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "من يدخُل الجنَّةَ ينعم لا يبأس، لا تَبْلَى ثيابُه، ولا يَفنَى شبابُه" (^٤).
وفيه أيضًا عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "إذا دخل أهلُ الجنَّةِ الجَنَّةَ نادَى منادٍ: إنَّ لكم أن تَنْعَمُوا فلا تبأسُوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تصِحُّوا فلا تسقَمُوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تشِبُّوا فلا تَهْرَمُوا أبدًا ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (^٥). وفي روايةٍ لغيره زيادةُ "وأن تَحيَوا فلا تموتوا أبدًا" (^٦). وفي الترمذي عن أبي هريرة (^٧) مرفوعًا: "أهلُ الجنَّةِ جُرْدٌ مُرْدٌ كُحْلٌ، لا يفنَى شبابُهم، ولا تَبْلَى (^٨) ثيابُهم" (^٩).
وعن أبي سعيد مرفوعًا: "يدخُلُ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ (^١٠) أبناء ثلاثين، لا يزيدون عليها أبدًا" (^١١).
ومن حديث عليٍّ مرفوعًا: "إنَّ في الجنَّةِ مجتمعًا للحُورِ العِينِ يرفعْنَ بأصواتٍ (^١٢) لم يسمَعِ الخلائقُ مثلَها؛ يقلْنَ: نحنُ الخالداتُ فلا نبيدُ، ونحنُ الناعماتُ فلا نَبْأسُ، ونحنُ الراضياتُ فلا نسخَطُ، طوبَى لمن كان لنا وكُنَّا له" (^١٣). وخرَّج الطبرانيُّ من حديث ابن عمر مرفوعًا: "إن مما يغنّين به - يعني (^١٤) الحورَ العِينَ: نحنُ الخالداتُ فلا
_________________
(١) سورة التوبة الآية ٢١.
(٢) سورة الرعد الآية ٣٥.
(٣) سورة النساء الآية ٥٧ وغيرها.
(٤) رواه مسلم رقم (٢٨٣٦) في الجنة: باب في دوام نعيم الجنة، وقوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣].
(٥) سورة الأعراف الآية ٤٣.
(٦) رواه مسلم رقم (٢٨٣٧) في الجنة، باب في دوام نعيم الجنة.
(٧) قوله: "عن أبي هريرة" لم يرد في ب، ط.
(٨) لفظة "تبلى" سقطت من آ، ش.
(٩) رواه الترمذي رقم (٢٥٣٩) في صفة الجنة: باب ما جاء في صفة ثياب أهل الجنة، من حديث أبي هريرة ﵁.
(١٠) لفظة "الجنة" الثانية سقطت من (آ).
(١١) رواه الترمذي رقم (٢٥٦٢) في صفة الجنة: باب ما جاء لأدنى أهل الجنة من الكرامة، وقد ذكره المؤلف بالمعنى.
(١٢) في ش: "بأصواتهن".
(١٣) رواه الترمذي رقم (٢٥٦٤) في صفة الجنة: باب ما جاء في كلام الحور العين.
(١٤) في ب، ط: "مما يتغنين به الحور العين"، وفي هامش ب: "مما يتغنى به الحور".
[ ٦٨ ]