خرَّجا في "الصحيحين" (^١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي - ﷺ -، قال: "إنَّ أَخْوَفَ ما أخافُ عليكم ما يُخرِجُ الله لكم من بَرَكاتِ الأرض. قيل: ما بركات الأرض؟ قال: زَهرة (^٢) الدنيا. فقال له رجل: هل يأتي الخيرُ بالشَّرِّ؟ فصَمَتَ رسولُ الله - ﷺ - حتى ظننتُ أنه سَيُنزَلُ عليه. ثم جَعَلَ يمسَحُ عن جبينه. قال: أين السائلُ؟ قال: أنا. قال: لا يأتي الخيرُ إلَّا بالخير؛ إنَّ هذا المالَ خَضِرةٌ (^٣) حُلْوةٌ، وإنَّ كُلَّ ما أنبَتَ الرَّبيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا (^٤) أو يُلِمُّ، إلَّا آكِلَةَ الخضِرِ (^٥)، أكلَتْ، حتى إذا امْتَدَّتْ خاصِرَتَاها استقبلت الشمسَ، فاجترَّتْ وَثَلَطَت (^٦) وبالَت، ثم عادَتْ فأكلَتْ؛
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (١٤٦٥) في الزكاة: باب الصدقة على اليتامى، وفي الجمعة: باب يستقبل الإِمام القوم واستقبال الناس الإِمام إذا خطب، وفي الجهاد: باب فضل النفقة في سبيل الله، وفي الرقاق: باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها. ورواه مسلم رقم (١٠٥٢) في الزكاة: باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا. والنسائي ٥/ ٩٠ في الزكاة: باب الصدقة على اليتيم.
(٢) زهرة الدنيا: حسنها وبهجتها.
(٣) الخضِرة: الناعمة الغَضَّة.
(٤) حَبِطَ بطنه: إذا انتفخ فهلك. وقوله: أو يُلِمّ، من أَلَمَّ به يُلِمُّ، إذا قاربه ودنا منه، يعني: أو يقرب من الهَلاك.
(٥) الخَضِر: ضروب من النبات مما له أصلٌ غامض في الأرض، كالنَّصِيِّ والصّلّيان، وليس من أحرار البقول، وإنما هو من كلأ الصيف في الغيض، والنِّعَم لا تستكثر منه، وإنما ترعاه لعدم غيره. وواحد الخضِر: خَضِرة.
(٦) ثَلَطَ البعيرُ يثلِط: إذا ألقى رجيعَه سهلًا رقيقًا.
[ ٥٢٥ ]
وإنَّ هذا المال خَضِرةً حُلوةٌ، مَنْ أَخَذَهُ بحقِّه، ووضَعَهُ في حقِّه، فَنِعْمَ المعونةُ هو، وإن أخذَهُ بغير حقِّه كان كالذي يأكُلُ ولا يشبع" (^١).
كان النبي - ﷺ - يتخوَّف على أمَّته من فتح الدنيا عليهم، فيخاف عليهم الافتتان بها. ففي "الصحيحين" (^٢) عن عمرو بن عوفٍ أنَّ النبي - ﷺ - قال للأنصار لما جاءه مالٌ (^٣) من البحرين: "أَبْشِرُوا وأَمِّلُوا ما يَسُرُّكُمْ، فوالله ما الْفَقْرَ أَخْشَى عليكم، ولكن أخشَى عليكم أن تُبْسَطَ الدُّنيا عليكم كما بُسِطَتْ على من كان قبلَكم؛ فَتَنَافَسُوها كما تَنَافَسُوها؛ فتهلككُم كما أهلكَتْهم". وكان آخر خطبةٍ خطبَها على المنبر حذَّر فيها من زهرة الدنيا، ففي "الصحيحين" (^٤) عن عقبة بن عامر أن النبي - ﷺ - صَعِدَ المنبر، فقال: "إني لستُ أخشَى عليكم أن تُشركوا بعدي، ولكني أخشَى عليكم الدنيا أن تنافَسُوا
_________________
(١) علَّق ابن الأثير في "جامع الأصول" ٤/ ٥٠٣ على الحديث بقوله: "وفي هذا الحديث مثلان؛ أحدهما: للمفرط في جمع الدنيا، والآخر: للمقتصد في أخذها والانتفاع بها. فأما قوله: وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حَبَطًا أو يُلِمّ، فإنَّه مثلٌ للمفرط الذي يأخذُ الدنيا بغير حقها، وذلك أنَّ الربيع ينبت أحرار البقول، فتستكثر الماشية منه لاستطابتها إياه، حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حدَّ الاحتمال، فتنشقّ أمعاؤها من ذلك فتهلك، أو تقارب الهلاك، وكذلك الذي يجمع الدنيا من غير حقِّها ويمنعها من حقها، قد تعرض للهلاك في الآخرة، لا بل في الدنيا. وأما مثل المقتصد، فقوله: إلا آكلة الخضِر، وذلك أن الخَضِرَ ليس من أحرار البُقول وجيِّدها التي يُنْبِتُها الربيع بتوالي أمطاره فتحسُن وتنعُم، ولكنه من التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويُبْسها، حيث لا تجد سواها، وتسميها العرب: الجَنْبَة، فلا ترى الماشيةَ تُكثر من أكلها ولا تستمرثها، فضرب آكلة الخضر من المواشي مثلًا لمن يقتصِر في أخذ الدنيا وجمعها، ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها، فهو ينجو من وبالها، كما نجت آكلة الخضِر. ألا تراه قال: أكلتْ، حتى إذا امتدَّتْ خاصرتاها استقبلت عين الشمس، فثلطت وبالت؛ أراد أنها إذا شبعت منها بَرَكَتْ مستقبلة عين الشمس، تستمرئ بذلك ما أكلت، وتجترُّ وتثلِط، فإذا ثلطت فقد زال عنها الحَبَط، وإنما تحبط الماشية لأنها تمتلئ بطونها ولا تثلط ولا تبول، فيعرض لها المرض فتهلك". وسيعود المؤلف إلى الحديث وشرحه أيضًا.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٦٤٢٥) في الرقاق: باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، وفي الجهاد: باب الجزية والموادعة مع أهل الحرب، وفي المغازي: باب شهود الملائكة بدرًا. ومسلم رقم (٢٩٦١) في الرقاق.
(٣) في آ، شر، ع: "مال البحرين".
(٤) أخرجه البخاري رقم (٦٥٩٠) و(٦٤٢٦) في الرقاق: باب في الحوض، وباب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، وفي الجنائز: باب الصلاة على الشهيد، وفي الأنبياء: باب علامات النبوة في الإِسلام، وفي المغازي: باب غزوة أحد، وباب أُحُد، يحبنا ونحبه. ورواه مسلم رقم (٢٢٩٦) في الفضائل: باب إثبات حوض نبينا - ﷺ - وصفاته.
[ ٥٢٦ ]
فيها، فتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم". قال عقبة: فكان آخرَ ما رأيتُ (^١) رسول الله - ﷺ - على المنبر.
وفي "صحيح مسلم" (^٢) عن عبد الله بن عمرٍو أنَّ النبيَّ - ﷺ -، قال: "إذا فُتِحَتْ (^٣) عليكم خَزائنُ فارسَ والروم، أيُّ قومٍ أنتم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: نقولُ كما أمرنا اللهُ ﷿. فقال رسولُ اللهُ - ﷺ -: أو غيرَ ذلك، تتنافَسُون، ثم تَتَحَاسَدُون، ثم تَتَدَابَرُون، ثم تَتَبَاغَضُون". وفي "المسند" (^٤) عن عمر، عن النبي - ﷺ -، قال: "لا تُفتَح الدنيا على أحدٍ إلَّا ألقى اللهُ بينهم العداوة والبغضاءَ إلى يوم القيامة. قال عمر: وأنا أشفق من ذلك". وفيه (^٥) أيضًا عن أبي ذرٍّ أنَّ أعرابيًا قال: يا رسولَ الله! أكلتنا الضَّبُعُ، يعني السَّنَةَ والجَدْبَ. فقال النبي - ﷺ -: غيرُ ذلك أخوفُ منِّي عليكم حين تُصَبُّ عليكم الدنيا صَبًّا، فليتَ أمتي لا يلبَسُون الذَّهَبَ.
وفي روايةٍ (^٦): الديباج. وفيه (^٧) أيضًا: عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، قال: "ما أخْشَى عليكم الفَقْرَ، ولكنِّي أخْشَى عليكم التكاثر".
ويُروى من حديث عوف بن مالكٍ وأبي الدَّرداء، عن النبي - ﷺ -، قال: "الفقرَ تخافون؟ والذي نفسي بيدِه، لَتُصَبَّنَّ عليكم الدنيا صبًّا حتى لا يزيغَ قلبُ أحدِكم إن أزاغه إلَّا هي" (^٨).
_________________
(١) في ب، ط: "ما رأيت من رسول الله … ".
(٢) (٢٩٦٢) في الزهد والرقائق، في فاتحته. وفي آخره زيادة: "ثم تنطلقون إلى مساكين المهاجرين، فتجعلون بعضهم على رِقاب بعض".
(٣) في ب، ع، ط: "افتتحت".
(٤) مسند أحمد ١/ ١٦، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١٠/ ٢٣٦ وقال: "رواه أحمد والبزار وأبو يعلى في الكبير، وإسناده حسن". ومثله في "الترغيب" ٤/ ١٨٣.
(٥) مسند أحمد ٤/ ١٥٣، ١٥٥، ١٧٨، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٥/ ١٤٧ و١٠/ ٢٣٧، وقال: "رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح" وانظر "الترغيب" ٤/ ١٨٣.
(٦) ذكرها الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٥/ ١٤٣ وقال: "رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبيدة بن معتب، وهو متروك.
(٧) مسند أحمد ٢/ ٣٠٨، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٢١ و١٠/ ٢٣٦، وقال: "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح".
(٨) مسند أحمد ٦/ ٢٤ عن عوف بن مالك، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١٠/ ٢٤٥، وقال: "رواه الطبراني والبزار بنحوه، ورجاله وثقوا، إلا أنَّ بقية مدلس وإن كان ثقة. وكذلك رواه المنذري في "الترغيب" ٤/ ١٨١ وقال: "رواه الطبراني وفي إسناده بقية".
[ ٥٢٧ ]
وفي رواية عوفٍ: "فإنَّ الله فاتحٌ عليكم فارسَ والروم" (^١). وفي المعنى أحاديث أخر.
وفي "الترمذي" (^٢) أنَّه - ﷺ - قال: "لكل أمة فتنة، وإن فتنة أمتي المالُ". فقوله - ﷺ - في حديث أبي سعيدٍ: "إن أخوفَ ما أخافُ عليكم ما يُخرِجُ الله لكم من بركات الأرض"، ثم فسَّره بزهرة الدنيا؛ ومراده: ما يُفْتَحُ على أمَّته منها من مُلْكِ فارِسَ والروم وغيرهم من الكفار الذين وَرِثَتْ هذه الأمة ديارهم وأموالَهم وأراضيهم التي تَخرجُ منها زروعُهم وثمارُهم وأنهارُهم ومعادنُهم، وغيرُ ذلك مما يَخرجُ من بَرَكات الأرض، وهذا من أعظم المعجزات، وهو إخباره بظهور أمته على كنوز فارِسَ والروم وأموالِهم وديارهم. ووقع على ما أخبر به؛ ولكنَّه لما سمَّى ذلك "بركاتِ الأرض" وأخبر أنه "أخوَفُ ما يخافُه عليهم" أشكَلَ ذلك على بعض مَن سمِعه حيثُ سمَّاه بَرَكَةً، ثم خاف منه أشدَّ الخوفِ؛ فإنَّ البركة إنَّما هي خيرٌ ورحمةٌ.
وقد سمَّى اللّه تعالى المالَ خيرًا في مواضِعَ كثيرةٍ من القرآن، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (^٣)، وقال: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (^٤)، وقالَ تعالى عن سليمان ﵇: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ (^٥). فلمَّا سأله السائل: هل يأتي الخيرُ بالشر؟ صَمَتَ النبيُّ - ﷺ - حتَّى ظنُّوا أنَّه أُوحِي إليه، والظاهر أنَّ الأمر كان كذلك، ويدُلُّ عليه أنَّه ورد في روايةٍ لمسلم في هذا الحديث: "فأَفَاقَ يمسَحُ عنه الرُّحَضَاءَ" (^٦) وهو العَرَقُ، وكان النبي - ﷺ - إذا أوحِي إليه يتحدَّرُ منه مثلُ الجُمان من العَرَقِ من شدَّة الوَحْي وثقله عليه؛ وفي هذا دليل على أنه - ﷺ - كان إذا سُئل عن شيءٍ لم يكن أوحِي إليه فيه شيء انتظر الوحيَ فيه، ولم يتكلَّمْ فيه بشيءٍ حتى يُوحَى إليه فيه، فلمَّا نزل عليه جوابُ ما سئل عنه، قال: أين
_________________
(١) مسند أحمد ٦/ ٢٤.
(٢) رقم (٢٣٣٧) في الزهد: باب ما جاء أن فتنة هذه الأمة المال، من حديث كعب بن عياض ﵁، وإسناده حسن. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب، وصححه الحاكم وأقره الذهبي. ورواه أحمد في "المسند" ٤/ ١٦٠.
(٣) سورة العاديات الآية ٨.
(٤) سورة البقرة الآية ١٨٠.
(٥) سورة ص الآية ٣٢.
(٦) رواه مسلم رقم (١٠٥٢) (١٢٣) في الزكاة: باب تخوّف ما يخرج من زهرة الدنيا.
[ ٥٢٨ ]
السائل؟ قال: ها أنا، فقال النبي - ﷺ -: "إنَّ الخير لا يأتي إلَّا بالخير". وفي رواية لمسلم، فقال: "أوَخيرٌ هو " (^١)؟ وفي ذلك دليل على أنَّ المال ليس بخيرٍ على الإِطلاق، بل منه خيرٌ ومنه شرٌ.
ثم ضرَبَ مثلَ المال ومثلَ مَن يأخُذُه بحقِّه ويصرِفُه في حقه، ومَن يأخذُه من غير حقِّه ويصرفه في غير حقِّه؛ فالمالُ في حقِّ الأوَّل خيرٌ، وفي حقِّ الثاني شرٌّ، فتبيَّن بهذا أنَّ المال ليس بخير مُطلقٍ، بل هو خيرٌ مقيَّدٌ، فإنْ استعان به المؤمنُ على ما ينفعُه في آخرته كان خيرًا له، وإلَّا كان شرًّا له.
فأمَّا المالُ، فقال: إنه خضِرَة حُلْوةٌ، وقد وُصِفَ المالُ والدنيا بهذا الوصف في أحاديثَ كثيرةٍ؛ ففي "الصحيحين" (^٢) عن حكيم بن حِزام، أنَّه سأل النَّبيَّ - ﷺ - فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم سأله، فقال له النبي - ﷺ -: يا حكيم! إنَّ هذا المال خضِرَةٌ حلوةٌ، فَمَنْ أَخَذَه بسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ له فيه، ومَن أخذَه بإشرافِ نَفْسٍ لم يُبَارَكْ له فيه؛ وكان كالذي يأكلُ ولا يشبَعُ".
وفي "صحيحِ مسلم" (^٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي - ﷺ -، قال: "إنَّ الدُّنيا خَضِرةٌ حُلْوةٌ، وإنَّ اللّهَ مُسْتَخْلِفُكم فيها، فناظِرٌ كيفَ تعملون؛ فاتَّقُوا الدنيا، واتقوا النِّساء؛ فإنَّ أوَّلَ فتنةِ بني إسرائيل كانت في النساء". واستخلافُهم فيها هو ما أورثهم اللهُ منها مما كان في أيدي الأمم من قبلهم كفارِسَ والروم، وحذَّرهم من فتنة الدنيا، وفتنة النِّساء خُصوصًا؛ فإنَّ النِّساءَ أوَّلُ ما ذكره اللّه تعالى من شهواتِ الدنيا
_________________
(١) مسلم رقم (١٠٥٢) (١٢١) في الزكاة.
(٢) قطعة من حديث أخرجه البخاري رقم (١٤٧٢) في الزكاة: باب الاستعفاف عن المسألة، وفي الوصايا: باب تأويل قول الله ﷿: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وفي الجهاد: باب ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم، وفي الرقاق: باب قول النبي - ﷺ -: "هذا المال خضرة حلوة". ورواه مسلم رقم (١٠٣٥) في الزكاة: باب أن اليد العليا خير من اليد السفلى.
(٣) رقم (٢٧٤٢) في الذكر: باب أكثر أهل الجنة الفقراء. وهو عند الترمذي رقم (٢١٩٢) بعض حديث طويل في الفتن: باب ما أخبر النبي - ﷺ - أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة.
[ ٥٢٩ ]
ومتاعِها في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (^١).
وفي "المسند" (^٢) و"الترمذي" عن خولةَ بنت قيس، عن النبي - ﷺ - قال: "إنَّ هذا المالَ خضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فمن أصابَه بحقِّه بُورِك له فيه، وَرُبَّ متخوِّض فيما شاءت نفسُهُ من مال اللهِ ورسولِه ليس له يوم القيامة إلَّا النار". وفي "المسند" (^٣) أيضًا عن خولة بنت تامر الأنصارية، عن النبي - ﷺ -، قال: "إنَّ الدُّنيا خَضِرةٌ حُلْوَةٌ، وإنَّ رجالًا يتخوَّضون (^٤) في مال الله بغير حقٍّ، لهم النَّارُ يومَ القيامة". وخرَّج البخاري (^٥) من قوله
"إنَّ رجالًا"، إلى آخره. وفي "المسند" (^٦) أيضًا عن عائشة، عن النبي - ﷺ -، قال: "إن هذه الدنيا خضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فمن آتيناه منها شيئًا بطيب نفس أو طيب طعمة ولا إشراف (^٧)، بُورِك له فيه، ومن آتيناه منها شيئًا بغير طيبِ نَفْس منَّا وغير طيب طعمةٍ وإشراف منه لم يبارَكْ له فيه". وفي المعنى أحاديثُ أخر.
وقوله - ﷺ -: "إن مما يُنبت الربيع يقتُلُ حَبَطًا، أو يُلِمُّ، إلَّا آكِلَةَ الخَضِرِ"، مَثَلٌ آخَرُ ضرَبَه - ﷺ - لزهْرة الدُّنيا وبهجةِ منظرِها وطيبِ نعيمها وحلاوته في النفوس، فمثله كمثل نبات الربيع، وهو المرعى الخضر الذي ينبتُ في زمان الربيع؛ فإنَّه يُعجِبُ الدَّوابّ التي ترعَى فيه وتستطيبه وتكثر (^٨) من الأكل منه أكثَرَ من قدر حاجتها؛ لاستحلائها له؛ فإمَّا أن يقتلَها فتهلك وتموت حَبَطًا؛ والحَبَطُ: انتفاخُ البطن مِن كثرة الأَكْل، أو يقاربُ
_________________
(١) سورة آل عمران الآية ١٤.
(٢) رواه أحمد في "المسند" ٤/ ٣٦٦، ٣٧٨، والترمذي رقم (٢٣٧٤) في الزهد: باب ما جاء في أخذ المال بحقه. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٣) مسند أحمد ٦/ ٤١٠.
(٤) في ب، ش، ط: "سيخوضون". وَيتخَوَّضون: من الخوض، وهو المشي في الماء وتحريكه. وأراد هنا التخليط في المال وتحصيله من غير وجهه كيف أمكن.
(٥) رقم (٣١١٨) في الجهاد: باب قول الله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾.
(٦) لم أجده في المسند، وذكر بعضه الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ٩٩ و١٠/ ٢٤٦ وقال: "رواه البزار ورجاله ثقات". وأورده في "كشف الأستار" ١/ ٤٣٥، قال: قال البزار: لا نعلم أسنده إلا شريك، ورواه غيره عن عروة مرسلًا.
(٧) في ط: "إسراف". والإشراف: التطلع إلى المال والطمع فيه.
(٨) في آ، ع: "وتكثر الأكل منه".
[ ٥٣٠ ]
قتلَها، ويُلِمُّ به، فتمرض منه مَرَضًا مخوفًا مقاربًا للموت، فهذا مَثَلُ مَن يأخُذ من الدنيا بشَرَهٍ وجُوعِ نَفْسٍ من حيثُ لاحَتْ له، لا بقليلٍ يقنع، ولا بكثيرٍ يشبع، ولا يحلل ولا يحرِّمُ، بل الحلال عنده ما حلَّ بيده وقَدَرَ عليه، والحرام عنده ما مُنِعَ منه وعَجَزَ عنه. فهذا هو المتخوِّضُ في مال الله ورسوله فيما شاءت نفسُه، وليس له إلَّا النَّار يومَ القيامة، كما في حديث خَوْلَةَ المتقدِّم.
والمراد بمال الله ومالِ رسوله الأموالُ التي يجب على وُلاة الأمور حِفظُها وصَرفُها في طاعة الله ورسوله من أموال الفيء والغنائم، ويتبع ذلك مالُ الخراج والجزية، وكذلك أموالُ الصَّدقات التي تُصرف للفقراء والمساكين، كمالِ الزَّكاة والوقف ونحو ذلك. وفي هذا تنبيهٌ على أنَّ من تخوَّض من الدُّنيا في الأموال المحرَّمِ أكلُها، كمالِ الرِّبا، ومال الأيتام الذي مَن أكله أَكَلَ نارًا، والمغصوب، والسَّرقة، والغشِّ في البيوع، والخِداع والمكر وَجَحْد الأمانات والدَّعاوَى الباطلة، ونحوِها من الحيل المحرمة، أولى أن يتخوَّض صاحبُها في نار جهنم غدًا. فكلُّ هذه الأموال وما أشبهَها يتوسَّع بها أهلُها في الدنيا ويتلذَّذون بها، ويتوصَّلون بها إلى لذَّات الدنيا وشهواتها، ثم ينقلب ذلك بعد موتهم فيصيرُ جَمْرًا من جَمْر جهنَّم في بطونهم، فما تفي لذَّتُها بتبعتها، كما قيل:
تَفْنَى اللَّذاذَةُ مِمَّن نَالَ لَذَّتَها … مِنَ الحَرَامِ ويَبْقَى الإِثْمُ والعَارُ
تَبْقَى عَوَاقِبُ سُوءٍ مِن مغبَّتِها … لا خَيْرَ في لذَّةٍ مِن بَعْدِها النَّارُ
فلهذا شَبَّهَ النبيُّ - ﷺ - مَن يأخُذ الدنيا بغير حقِّها، ويضعُها في غير حقِّها، بالبهائم الراعِية من خضراء (^١) الربيع حتى تنتفخَ بطونُها من أكلِه؛ فإمَّا أن يقتلَها، وإمَّا أن يقارِبَ قتلها. فكذلك مَن أخذ الدنيا من غير حقِّها ووضَعَها في غير وجهها (^٢)؛ إمَّا أن يقتُلَه ذلك فيموتَ به قلبُه ودينُه، وهو من مات على ذلك من غير توبة منه وإصلاحِ حال، فيستحقُّ النَّارَ بعمله؛ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا
_________________
(١) في آ، ش، ع: "خضر".
(٢) في ش، ع: "حقِّها".
[ ٥٣١ ]
تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (^١). وهذا هو الميتُ حقيقةً؛ فإنَّ الميت من مات قلبه، كما قيل (^٢):
لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتراحَ بميْتٍ … إنَّما المَيْتُ ميِّتُ الأَحْيَاءِ
وإمَّا أن يقاربَ موته ثم يُعافَى، وهو مَن أفاق من هذه السكرة وتاب، وأصلح عمله قبلَ موته. وقد قال عليّ ﵁ في كلامه المشهور في أقسام حَمَلَةِ العلم: أو منهومٌ باللذات سلِسُ القياد للشهوات، أو مُغْرًى بجمع الأموال والادخار، وليسوا (^٣) من رعاة الدين أقربُ شبهًا بهم الأنعامُ السارحة. وفي الأبيات المشهورة التي كان عمر بن عبد العزيز ينشدها كثيرًا:
نَهَارُكَ يا مَغْرُورُ سَهْوٌ وَغَفْلةٌ … ولَيْلُك نومٌ والرَّدَى لَكَ لازِمُ
[تُسَرُّ بما يفنَى وتفرحُ بالمنى … كما سُرَّ باللَّذات في النوم حالِمُ] (^٤)
وتتعبُ فيما سوْفَ تكرَهُ غِبَّهُ … كذلك في الدُّنيا تَعِيشُ البَهَائمِ
وأمَّا اسْتثناؤه - ﷺ - من ذلك "آكِلةَ الخَضِرِ" فمرادُه بذلك مثل المقتصد الذي يأخذ من الدنيا بحقِّها مقدارَ حاجته، فإذا نفِد واحْتاج عاد إلى الأَخْذ منها قَدْرَ الحاجة بحقِّه. وآكِلةُ الخَضِر: دُوَيْبَّةٌ تأكُل من الخضر بقدر حاجتها إذا احتاجت إلى الأكل، ثم تصرِفُه عنها فتستقبل عينَ الشمس، فتصرف (^٥) بذلك ما في بطنها وتخرج (^٦) منه ما يؤذيها من الفضلات. وقد قيل: إنَّ الخَضِر ليس من نبات الربيع عند العرب، إنما هو مِن كلإِ الصيف بعدَ يَبْسِ العُشب وهَيْجه واصْفرارِه، والماشية من الإِبل لا تستكثر
_________________
(١) سورة محمد الآية ١٢.
(٢) هذا البيت شاهد على الجمع بين التشديد والتخفيف في لفظ "ميت"، وقد فرقوا بينهما في المعنى، فقيل: الميْت للذي مات، والميِّت والمائت للذي لم يمت بعد. والبيت أحد أبيات ثلاثة لعدي بن الرَّعلاء، ذكرها صاحب اللسان والتاج (موت)، وهي: ليس من مات فاسْتراح بمَيْت … إنما المَيْت مَيِّتُ الأحياءِ إنَّما المَيْتُ مَن يعيشَ شقيًّا … كاسفًا بالُه قليل الرَّجاءِ فأناسٌ يُمَصِّصُون ثِمادًا … وأناسٌ خُلُوقُهم في الماءِ
(٣) في آ: "وأما"، وفي ب: "وليسا"، وفي ع: "ولسنا"، وفي ش: "وليس"، وأثبت ما جاء في ط.
(٤) زيادة من نسخة (آ).
(٥) في آ، ش: "فيصرف".
(٦) في آ، ش: "ويخرج".
[ ٥٣٢ ]
منه، بل تأخذ منه قليلًا قليلًا، ولا تَحْبَطُ بطونُها منه. فهذا مثل المؤمن المقتصِد من (^١) الدنيا؛ يأخُذُ من حلالها وهو قليل بالنسبة إلى حرامها، قَدْرَ بُلْغَتِه وحاجتِه، ويجتزِئ من متاعِها بأدونِه وأخشنِه، ثم لا يعود إلى الأخذ منها إلَّا إذا نفِدَ ما عندَه وخرجَت فضلاته، فلا يوجِبُ له هذا الأخْذُ ضَررًا ولا مَرَضًا ولا هلاكًا، بل يكون ذلك بلاغًا له، ويتبلَّغ به مُدَّة حياته، ويعينُه على التزوُّد لآخرته. وفي هذا إشارة إلى مدح مَن أخذ من حلال الدنيا بقدر بُلْغَتِه وقنعَ بذلك، كما قال - ﷺ -: "قد أَفْلَحَ مَن هَدَاهُ اللهُ إلى الإسلام، وكان عيشُه كفافًا فقنِعَ به" (^٢). وقال - ﷺ -: "خيرُ الرِّزْقِ ما يكفي " (^٣). وقال: "اللهم! اجْعَلْ رِزْقَ آلِ محمَّد قُوتًا" (^٤).
خُذْ مِن الرِّزق ما كَفَى … وَمِنَ العَيْشِ ما صَفَا
كُلُّ هذا سينقضِي … كسِراجٍ إذا انْطَفا
ثم قال - ﷺ -: "إن هذا المال خَضِرة حُلْوةٌ" فأعاد مرةً ثانية تحذيرًا من الاغترار به، فخضرته بهجةُ منظرِه، وحلاوتُه طِيبُ طَعْمِه؛ فلذلك تشتهيه النفوس وتسارع إلى طلبه، ولكن لو فكرتْ في عواقبه لهربَت منه. الدنيا في الحال حُلوة خضِرةٌ، وفي المآل مُرَّةٌ كدِرَةٌ؛ نعمَتْ المرضِعَةُ، وبئست الفاطمةُ!
_________________
(١) في آ، ش: "في الدنيا".
(٢) رواه مسلم رقم (١٠٥٤) في الزكاة: باب في الكفاف والقناعة، والترمذي رقم (٢٣٤٩) في الزهد: باب ما جاء في الكفاف، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، ولفظه: "قد أفلح من أسلم، وَرُزِق كفافًا". وأخرجه الترمذي أيضًا رقم (٢٣٥٠) من حديث فضالة بن عبيد، ولفظه: "طُوبى لمن هُدِي للإِسلام، وكان عيشه كفافًا وقَنِع". وابن ماجه رقم (٤١٣٨) في الزهد: باب القناعة، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، ولفظه: "قد أفلح من هُدي إلى الإسلام، ورُزق الكفاف، وقَنع به". ورواه أحمد في "المسند" ٢/ ١٦٨، ١٧٣ بنحو رواية مسلم.
(٣) رواه أحمد في "المسند" ١/ ١٧٢، ١٨٠، ١٨٧، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١٠/ ٨١ وقال: "رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن لبينة، وقد وثقه ابن حبان، وقال: روى عن سعد بن أبي وقاص، قلت: وضعفه ابن معين، وبقية رجالهما رجال الصحيح". وفي "الترغيب" ٤/ ١٦١: "رواه أبو عوانة وابن حبان في صحيحيهما والبيهقي". وقد صححه ابن حبان (٢٣٢٣) موارد.
(٤) وفي رواية أخرى: "كفافًا". أخرجه البخاري رقم (٦٤٦٠) في الرقاق: باب كيف كان عيش النبي - ﷺ -، ومسلم رقم (١٠٥٥) في الزهد، والترمذي رقم (٢٣٦٢) في الزهد: باب ما جاء في معيشة النبي - ﷺ -، وابن ماجه رقم (٤١٣٩) في الزهد: باب القناعة.
[ ٥٣٣ ]
إنَّما الدُّنيا نَهَارٌ … ضَوْؤه ضَوْءٌ مُعَارُ
بينما عَيْشُكَ غَضٌّ … ناعِمٌ فيه اخْضِرارُ
إذْ رَمَاهُ زَمَناهُ … فإذا فيه اصْفِرارُ
وكذاكَ اللَّيلُ يأتي … ثم يمحُوه النَّهارُ
مَثَلُ حرامِ الدُّنيا كشجرة الدِّفْلَى (^١)، تعجِبُ من رآها، وتقتُلُ مَن أكلَها.
نَرَى الدُّنيا وَزَهْرَتَها فنصْبُوا … وما يَخْلُو مِنَ الشَّهوَاتِ قَلْبُ
فُضُولُ العَيْشِ أكثَرُهُ همومٌ … وأكثَرُما يضرُّكَ ما تُحِبُّ
إذا اتفَقَ القليلُ وفيه سِلْمٌ … فلا تُرِدِ الكَثيرَ وفيه حَرْبُ
الذي بشَّر أمَّته بفتح الدنيا عليهم حذَّرهم من الاغترار بزهرتها، وخوَّفهم من خُضْرتِها وحلاوتِها، وأخبرَهم بخرابها وفنائها، وأنَّ بين أيديهم دارًا لا تنقطع خُضْرَتُها وحلاوتُها؛ فمن وقف مع زَهْرةِ هذه العاجِلة انقطَعَ وهَلَكَ، ومَن لم يقفْ مَعَهَا وسار إلى تلك (^٢)، وَصَلَ ونجا. في "المسند" (^٣) عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - أتاه فيما يَرَى النائمُ مَلَكانِ، فقعد أحدُهما عند رأسه، والآخرُ عند رجليه، فقال (^٤) أحدُهما للآخر: اضرِبْ له مثَلًا، فقال: إنَّ مَثَلَهُ ومَثَلَ أُمَّتِه كمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ انْتَهَوْا إلى رأسِ مَفَازَةٍ، فلم يكنْ معهم من الزَّاد ما يقطعون به المفازَةَ، ولا ما يرجعون به، فبيما هم كذلك إذْ أتاهم رجلٌ في حُلَّةٍ حِبَرَةٍ، فقال: أرأيتم إنْ وَرَدْتُ بكم رياضًا مُعْشِبةً وحِياضًا رُوَاءً، أَتَتْبعوني؟ قالوا: نعم. قال (^٥): فانطلق بهم فأوردهم رياضًا معشِبةً وحياضًا رُواءً، فأكلوا وشربوا وسَمِنوا، فقال لهم: ألم أَلْقَكم على تلك الحال فجعلتم لي إنْ وردت بكم رياضًا معشِبةً وحياضًا رُواءً أن تَتَّبعوني؟ قالوا: بلى. قال: فإنَّ بين أيديكم رِياضًا
_________________
(١) الدِّفْلَى: شجر مرٌّ أخضر حسن المنظر، يكون في الأودية .. (اللسان: دفل).
(٢) بعده في ش: "الآجلة".
(٣) مسند أحمد ١/ ٢٦٧، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٨/ ٢٦٠ وقال: "رواه أحمد والطبراني والبزار، وإسناده حسن". وحُلَّة حبرة: ضرب من برود اليمن منمر. والرُّواء: المنظر الحسن.
(٤) في المسند: "فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مَثَلَ هذا وَمَثَل أمته، فقال .. ".
(٥) من هنا حتى قوله: "قالوا: بلى" مكرر في المطبوع، وكذا هي في (ب)، إلا أنها شطبت.
[ ٥٣٤ ]
هي أعْشَبُ من هذه، وحِياضًا هي أَرْوَى مِن هذه، فاتَّبعوني. قال: فقالت طائفةٌ: صَدَقَ واللهِ، لنتَّبِعَنَّه. وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نُقيمُ عليه. وقد خرَّجه ابن أبي الدنيا وغيرُه عن الحسن مرسلًا بسياقٍ أبسَطَ من هذا، وفيه أنَّهم لما رَتَعوا وسَمِنوا وأعجَبَهم المنزلُ صاح بهم، فقال: ارتحلوا؛ فإنَّ هذه الروضة ذاهِبةٌ، وإنَّ هذا الماء غائرٌ ذاهبٌ، وإنَّ أمامكم روضَةٌ أعشَبُ من هذه، وماءٌ أَرْوَى من هذا الماء. فكرِه ذلك عامَّةُ الناس، وقالوا: ما نريد بهذه (^١) بدلًا، وهم أكثر الناس. وقال آخرون: والله إنَّ آخر قوله كأوَّله، ارتحلوا، فأبوا، فارتحل قوم فنجَوا، ولم يشعر الذين أقاموا حتى طرقَهُم العدوُّ ليلًا، فأصبحوا من بين قتيل وأسير.
الدنيا خَضْرَاءُ الدِّمَن (^٢). ومعنى ذلك أن خُضْرتَها نابتة على مَزْبَلَةٍ منتنةٍ. يا دَني الهِمَّة، قنِعْتَ بروضةٍ على مَزْبَلةٍ، والملِكُ يدعوك إلى فردوسه الأعلى؛ ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (^٣)، أرضيتم بخرابات البِلى من (^٤) الفردوس؟ يا لها صفقة غبن ما أخسرها (^٥)! أتقنَعُ بخسائسِ الحشائش والرِّياضُ معشِبةٌ بين يديك؟
فإنْ حَنَنْتَ لِلْحِمَى وَرَوْضِهِ … فبالغَضَى ماءٌ وَرَوْضَاتٌ أُخَر (^٦)
وقوله - ﷺ -: "مَن أخذَهُ بحقِّه ووضَعَه في حقِّه، فنِعْمَ المعونة هو؛ ومَن أخذَهُ بغير حقِّه كان كالذي يأكل ولا يشبع" تقسيمٌ لمن يأخذُ المالَ إلى قسمين:
فأحدهما: يُشبِه حالَ آكلةِ الخَضِر، وهو مَن أخذَه بحقِّه ووضَعَه في حقِّه؛ وذكر أنه نِعْم المعونةُ هو؛ فإنَّه نعم العونُ لمن هذه صفته على الآخرة، كما في حديث عمرو بن العاص عن النبي - ﷺ -، قال: "نعم المالُ الصَّالح للرجُل الصَّالح"، (^٧) وهو الذي يأخذُه بحقِّه ويضعه في حَقِّه، فهذا يوصِله مالُه إلى الله ﷿، فمن أخَذَ من
_________________
(١) في آ، ش، ع: "بهذا".
(٢) وفي الحديث: "إياكم وخضراءَ الدِّمَن، قيل: وما ذاك؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء".
(٣) سورة التوبة الآية ٣٨.
(٤) في ط: "في الفردوس الأعلى"، وفي ب: "في الفردوس".
(٥) "ما أخسرها" زيادة من ع، ش.
(٦) هذا البيت لم يرد في ب، ط.
(٧) مسند أحمد ٤/ ١٩٧، وانظر "الفتح" ٨/ ٧٥.
[ ٥٣٥ ]
المال بحقِّه ما يقوِّيه على طاعة الله، ويستعين به عليها، كان أخذُه طاعةً، ونفقتُه طاعةً. وفي الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ -، قال: "إنَّكَ لن تُنْفِقَ نفقةً تبتَغي بها وَجْهَ الله إلا أُجِرْتَ عليها، حتى اللقمةُ ترفَعُها إلى فِي امرأتِك" (^١). وفي حديث آخر: "ما أطعمْتَ نفسَكَ فهو لَكَ صَدَقَةٌ، وما أطعمْتَ أهلَكَ فهو لك صَدَقة، وما أطعمْتَ ولَدَكَ فهو لك صَدَقَة، وما أطعمْتَ خادِمَكَ فهو لك صَدَقة" (^٢). فما أخِذَ من الدُّنيا بنيَّة التقوِّي على طلب الآخرة فهو داخِلٌ في قسم إرادة الآخرة والسَّعي لها، لا في إرادة الدنيا والسعي لها؛ قال الحسن: ليس من حُبِّ الدنيا طلبُكَ ما يُصلحك فيها، ومن زُهدك فيها تركُ الحاجة يسدُّها عنك تَرْكها. ومَن أحبَّ الدنيا وسرَّته ذهب خوفُ الآخرة من قلبه.
وقال سعيد بن جُبَيرٍ (^٣): متاع الغرور ما يُلهيك عن طلب الآخرة، وما لم يُلْهِك فليس بمتاع (^٤) الغرور، ولكنَّه بلاغٌ إلى ما هو خير منه. وقال بعضُ العارفين: كُلُّ ما أصبْتَ من الدنيا تريد به الدنيا فهو مذموم، وكُلُّ ما أصبْتَ منها تريد به الآخرة فليس من الدنيا. وقال أبو سليمان: الدنيا حجابٌ عن الله لأعدائه، ومطِيَّةٌ موصِلَةٌ إليه لأوليائه، فسبحان مَن جَعَلَ شيئًا واحدًا سببًا للاتصال به والانقطاع عنه.
والقسم الثاني: يشبه حالُه حالَ البهائم التي ترعى مما ينبت الربيع، فيقتلها حَبَطًا أو يُلِمُّ، وهو من يأخذ المالَ بغير حقِّه، فيأخذه من الوجوه المحرمة، فلا يقنع منه بقليل ولا بكثير، ولا تشبع نفسُه منه، ولهذا قال: "وكان كالَّذي يأكُلُ ولا يشبَعُ". وكان النبي - ﷺ - "يتعوَّذ من نفسٍ لا تشبع" (^٥).
_________________
(١) قطعة من حديث طويل أخرجه البخاري رقم (١٢٩٥) في الجنائز: باب رثاء النبي - ﷺ - سعد بن خولة، وفي الإيمان، وفي الوصايا وغيرها، ومسلم رقم (١٦٢٨) في الوصية: باب الوصية بالثلث، والموطأ ٢/ ٧٦٣، والترمذي رقم (٩٧٥)، وأبو داود رقم (٢٨٦٤)، والنسائي ٦/ ٢٤١.
(٢) مسند أحمد ٤/ ١٣١ و١٣٢ من حديث المقام بن معد يكرب. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١١٩ وقال: "رواه أحمد، ورجاله ثقات". وقال المنذري في "التركيب" ٣/ ٦٢: "رواه أحمد بإسناد جيد".
(٣) سعيد بن جُبَير الأسدي الكوفي، أبو عبد الله، من التابعين، كان أعلمهم على الإطلاق. وهو حبشي الأصل من موالي بني والبة بن الحارث من بني أسد، أخذ العلم عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر، قتله الحجاج بواسط سنة ٩٥ هـ، لخروجه مع محمد بن الأشعث.
(٤) في ب، ط: "متاع".
(٥) من حديث أخرجه مسلم وغيره.
[ ٥٣٦ ]
وفي حديث زيد بن ثابتٍ، عن النبي - ﷺ -، قال: "من كانَت الدُّنيا همَّه، فرَّقَ اللهُ عليه أمرَه، وجعَلَ فَقْرَه بين عينيه، ولم يأتِه من الدَّنيا إلَّا ما كُتِبَ لَهُ" (^١). فمن كان فقرُه بين عينيه لم يَزَلْ خائفًا من الفقر، لا يستغني قلبُه بشيءٍ، ولا يشبَعُ من الدنيا؛ فإنَّ الغِنَى غِنَى القلب، والفقر فقر النفس. وفي حديث خرَّجه "الطبراني" (^٢) مرفوعًا: "الغِنَى في القَلْب، والفَقْرُ في القَلْب، ومَن كان الغِنَى في قلبه فلا يضرّه ما لقِي من الدُّنيا، ومَن كان الفقرُ في قلبه فلا يغنيه ما أُكثر له منها، وإنما يضُرُّ نفسه [شحُّها] ". وعن عيسى ﵇، قال: مَثَلُ طالبِ الدنيا كشارب البحر، كلما زاد شرْبًا منه زاد عطشًا حتى يقتلَه. قال يحيى بن معاذ: مَن كان غِناهُ في قلبه لم يزل غنيًا، ومَن كان غناه في كسْبه لم يزل فقيرًا، ومن قَصَدَ المخلوقين لحوائجه (^٣) لم يزلْ محرومًا، ويشهدُ لذلك كلِّه الحديثُ الصحيح، عن النبي - ﷺ -: "لو كان لابن آدَمَ وادِيان مِن ذَهَبٍ لابْتَغَى لهما ثالثًا، ولا يملأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلَّا التُّرابُ، وَيتُوبُ اللّهُ على مَن تاب" (^٤). لو فكَّر الطامع في عاقبة الدنيا لقنِع، ولو تذكَّر الجائع إلى فضول مآلها لشبع.
هَب انَّكَ قَدْ مَلَكْتَ الأَرْضَ طُرًّا … وَدَانَ لَكَ العِبادُ فكان ماذا
أليس إذًا مَصِيرُكَ جَوْفَ قَبْرٍ (^٥) … ويحثي التُّرْبَ هذا ثمَّ هذا
وقد ضرب الله تعالى في كتابه مثلَ الدنيا وخُضرتها ونضرتها وبهجتها وسُرعة تقلُّبها وزوالها، وجعل مثَلها كمثل نباتِ الأرض النابت من (^٦) مطر السماء في تقلُّب أحواله ومآله.
_________________
(١) قطعة من حديث رواه الإمام أحمد في "مسنده" ٥/ ١٨٣ وفيه: "ومن كانت نيته الدنيا فرق الله عليه ضيعته .. ". وذكره الهيثمي بنحوه في "مجمع الزوائد" ١٠/ ٢٤٧ وقال: "رواه الطبراني في الأوسط ورجاله وثقوا". وبنحوه رواه الترمذي رقم (٢٤٦٥) في صفة القيامة، من حديث أنس بن مالك.
(٢) ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١٠/ ٢٣٧ عن أبي ذر، مرفوعًا إلى رسول الله - ﷺ -، والزيادة منه، وقال: "رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفه".
(٣) في آ، ش: "بحوائجه".
(٤) أخرجه البخاري ١١/ ٢٥٣ في الرقاق: باب ما يتقى من فتنة المال، ومسلم رقم (١٠٤٨) في الرقاق: باب لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثًا، من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٥) في ع: "أليس مصير روحك جوف ترب"، وفي هامشها: "جسمك" وفي آ، ب: "جوف ترب". والبيت بتمامه لم يرد في نسخة (ش).
(٦) في آ، ش: "عن مطر السماء".
[ ٥٣٧ ]
قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ (^١). وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٢). وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (^٣). وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (^٤).
فالدُّنيا وجميعُ ما فيها من الخُضْرة والبَهْجة والنَّضْرة تتقلَّب أحوالُه وتتبدَّل، ثم تصيرُ حُطامًا يابسًا. وقد عدَّدَ اللهُ سبحانه زِينةَ الدُّنيا ومتاعَها المبهج في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (^٥). وهذا كلُّه يصيرُ ترابًا، ما خلا الذهب والفضة، ولا ينتفع بأعيانهما، بل هما قيم الأشياء، فلا ينتفع صاحبُهما بإمساكهما، وإنما ينتفعُ بإنفاقهما (^٦)، ولهذا قال الحسن: بئس الرفيقُ الدِّرهم والدِّينار، لا ينفعانك حتى يفارقانك.
وأجسام بني آدم، بل وسائرُ الحيوانات، كنباتِ الأرض تتقلَّب من حالٍ إلى حال، ثم تجِفُّ وتصيرُ ترابًا، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ (^٧).
_________________
(١) سورة الكهف الآية ٤٥.
(٢) سورة يونس الآية ٢٤.
(٣) سورة الحديد الآية.٢.
(٤) سورة الزمر الآية ٢١.
(٥) سورة آل عمران الآية ١٤.
(٦) بعده في آ: "في وجوه الخير".
(٧) سورة نوح الآية ١٧ و١٨.
[ ٥٣٨ ]
وما المرءُ إلَّا كالنَّبَاتِ وَزَهْرُه … يَعُودُ رُفاتًا بَعْدَ ما هُوَ سَاطِعُ
فينتقل ابنُ آدم من الشباب إلى الهرم، ومن الصحة إلى السَّقَم، ومن الوجود إلى العدم (^١)، كما قيل:
وما حالاتُنا إلَّا ثلاثٌ … شَبَابٌ ثُمَّ شَيْبٌ ثمَّ مَوْتُ
وآخرُ (^٢) ما يُسَمَّى المرءُ شيخًا … ويتلُوهُ مِنَ الأسْماءِ مَيْتُ
مدة الشباب قصيرة كمدّة زَهْر الربيع وبهجته ونَضَارته، فإذا يَبِسَ وأبْيضَّ فقد آن ارتحالُه، كما أن الزرْع إذا ابْيضَّ فقد آن حصادُهُ. وأَجَلُّ زهور الربيع الوردُ، ومتى كثُر فيه البياضُ فقد قرُبَ زمنُ انتقالِه. قال وهيب بن الوَرْد: إنَّ لله مَلَكًا يُنادِي في السَّماء كُلَّ يومٍ: أبناءَ الخمسين، زرْعٌ دَنَا حَصَادُه. وفي حديث مرفوعٍ: "إنَّ لِكُلِّ شيءٍ حصادًا، وحصادُ أمَّتي ما بينَ السِّتِّين إلى السَّبعين" (^٣).
قَدْ يَبْلُغُ الزَّرْعُ مُنْتَهاهُ … لا بُدَّ للزَّرْعِ مِن حَصَادِ
وقد يدرك الزرعَ آفةٌ قبلَ بلوغ حصادِه فيهلِك، كما أشير إليه في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ (^٤)، الآية. قال ميمون بن مهران لجلسائه: يا معْشرَ الشيوخ! ما يُنتظَرُ بالزَّرع إذا ابيضَّ؟ قالوا: الحصادَ، فنظر إلى الشباب، فقال: يا معشرَ الشباب! إنَّ الزَّرْع قد تدركه الآفةُ قبلَ أن يُسْتَحْصَدَ.
وقال بعضُهم: أكثَرُ مَن يموتُ الشبابُ، وآيةُ ذلك أن الشيوخ في الناس قليل.
أيا ابْنَ آدَمَ لا تغرُرْكَ عافيةٌ … عليكَ ضافيةٌ (^٥) فالعمر معدودُ
ما أنْتَ إلَّا كزرْعٍ عندَ خُضرتِه … بكُلِّ شيءٍ مِن الآفاتِ مَقْصُودُ
فإنْ سَلِمْتَ مِن الآفاتِ أجمعِها … فأنْتَ عِنْدَ كمالِ الأَمْر مَحْصُودُ
_________________
(١) بعده في ش: "ثم إذا شاء الذي أنشاه أعاده كما بدأه".
(٢) في آ، ع: "وآخرها يُسمَّى".
(٣) رواه ابن عساكر، عن أنس، وله شواهد في معناه. انظر "كنز العمال" ١٥/ ٦٧.
(٤) سورة يونس الآية ٢٤.
(٥) في آ: "صائنة"، وفوقها: "شاملة".
[ ٥٣٩ ]
كُلُّ ما في الدنيا فهو مذكِّر بالآخرة، ودليلٌ عليه؛ فنباتُ الأرض واخضِرارها في الربيع بعدَ مُحُولها (^١) ويُبْسها في الشتاء، وإيناعُ الأشجار واخضِرارها (^٢) بعد كونِها خشبًا يابسًا يدُلُّ على بعث الموتى من الأرض، وقد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه في مواضعَ كثيرةٍ، قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (^٣). وقال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ (^٤). وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (^٥).
قال أبو رَزِين (^٦) للنبي - ﷺ -: كَيْفَ يُحيي الله الموتى؟ وما آيةُ ذلك في خَلْقه؟ قال: "هل مررتَ بوادٍ أُهلك مَحْلًا، ثم مررت به يهتزُّ خَضِرًا"؟ قال: نعم. قال: "كذلك يُخرِجُ الله الموتى، وذلك آيته في خلْقه". خرَّجه الإِمام أحمد (^٧).
وقِصَرُ مدَّةِ الزَّرْع والثمار وعَوْدُ الأرض بعد ذلك إلى يُبْسها، والشجر إلى حالها الأول، كعودِ ابن آدم بعد كونه حيًّا إلى التراب الذي خُلق منه.
وفصول السنة تذكِّر بالآخرة؛ فشِدَّةُ حرِّ الصيف يذكِّر بحرِّ جهنم، وهو من سمومها؛ وشدة برد الشتاء يذكِّر بزمهرير جهنَّم وهو من زمهريرها، والخريف يكمُلُ فيه اجْتناءُ [الثمرات التي تبقى وتُدَّخَر في البيوت، فهو مُنَبِّهٌ على اجتناءِ] (^٨) ثمراتِ
_________________
(١) في آ: "قحولها"، وفي ع: "قحولتها"، وفي ش: "تحولها".
(٢) في ع: "وزهوها"، وفي ش: "وزهورها".
(٣) سورة الحج الآيات ٥ - ٧.
(٤) سورة ق الآيات ٩ - ١١.
(٥) سورة الأعراف الآية ٥٧.
(٦) هو لقيط بن صبرة، أو لقيط بن عامر بن صبرة، أبو رَزين العقيلي. روى عن النبي - ﷺ -، وعنه ابنه عاصم.
(٧) مسند أحمد ٤/ ١١، وانظر "زاد المسير" ٦/ ٤٧٦ وثم تخريجه.
(٨) ما بين قوسين لم يرد في ب، ط.
[ ٥٤٠ ]
الأعمال في الآخرة. وأمَّا الرَّبيع فهو أطيبُ فصولِ السَّنة، وهو يذكِّر بنعيم الجنة وطيب عيشها، فينبغي أن يحثَّ المؤمن على الاستعداد لطلب الجنة بالأعمال الصَّالَحة. كان بعضُ السَّلف يخرج في أيام الرَّياحين والفواكه إلى السوق، فيقفُ وينظر ويعتبر، ويسألُ الله الجنَّةَ. وَمَرَّ سعيد بن جبير بشبابٍ من أبناء الملوك جُلوس في مجالسهم في زينتهم، فسلَّموا عليه، فلمَّا بَعُدَ عنهم بكى واشتدَّ بكاؤه، وقال: ذكَّرني (^١) هؤلاء شبابَ أهل الجنَّة.
تزوَّجَ صِلَةُ بن أَشْيَم (^٢) بمُعاذَةَ العدويَّةِ، وكانا من كبار الصالحين، فأدخله ابنُ أخيه الحمّام، ثم أدخلَه على زوجته في بيت مطيَّبٍ منجَّدٍ، فقاما يصليان إلى الصباح، فسأله ابن أخيه عن حاله، فقال: أدخلْتنِي بالأمس بيتًا أذكرْتني به النَّارَ، يعني الحمّام، وأدخلْتني الليلةَ بيتًا أذكرْتني به الجنَّة، فلم يزلْ فكري في الجنة والنار إلى الصباح.
دعا عبدُ الواحد بن زيد إخوانَه إلى طعامٍ صنعَه لهم، فقام على رؤوسهم عُتبةُ الغُلام يخدُمُهم وهو صائم، وهم يأكلون، فجعلَتْ عيناه تهملان. فسأله عبد الواحد عن سبب بكائه، فقال: ذكرْت موائدَ أهل الجنَّة إذا أكلوا وقام الولدانُ على رؤوسهم، إنما خُلِقت الدُّنيا مرآةً لننظر (^٣) بها إلى الآخرة لا لننظر إليها ونُوقَفَ معها.
كَفِى حَزَنًا أن لا أعاينَ بُقْعَةً … مِنَ الأرْض إلَّا ازْدَدْت شوقًا إليكُمُ
وإنِّي متى ما طابَ لي خفْضُ عِيشةٍ … تذكرْتُ أيَّامًا مَضَتْ لي لَديكُم
تدقيقُ النظر والفكر في حال النبات يَستدِلُّ به المؤمن على عظمةِ خالقِه وكمالِ قدرته ورحمته، فتزداد القلوبُ هَيَمانًا في محبَّته، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ
_________________
(١) في آ: "ذكرت بهؤلاء"، وفي ش، ع: "ذكرني هؤلاء بشباب".
(٢) هو صلة بن أَشْيَم، أبو الصهباء العدوي البصريّ، الزاهد العابد، زوج العالمة معاذة العدوية، من رجال "التهذيب"، وحديثها في الكتب الستة. استشهد بسجسستان سنة ٦٢ هـ. والخبر في "صفة الصفوة" ٣/ ٢١٩.
(٣) في آ "لِيُنْظَرَ … ويُوقَف".
[ ٥٤١ ]
مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (^١).
زمانُ الربيع كلُّه واعظٌ يذكِّر بعظمةِ مُوجِدِه وكمالِ قُدْرتِه، ويُشوِّقُ إلى طِيب مجاورته في دار كرامته، كما قال ابن سَمْعُون (^٢) في وصف الربيع: أرضُهُ حريرٌ، وأنفاسُهُ عبيرٌ، وأوقاتُه كلُّها وعظٌ وتذكير.
وقال (^٣) غيره: الأرضُ فيه زُمُرُّدَةٌ، والأشجار حُلَلٌ وَوَشْيٌ، والهواء مسْكٌ، والنَّسيم عبيرٌ (^٤)، والماء راحٌ، والطير قِيانٌ (^٥)، والكُلُّ دالٌّ على كمالِ الصَّانع، شاهدٌ له بالوحدانية.
[أنشد بعضهم في زمان الربيع] (^٦):
يا قوْمَنا فَاحَ الرَّبيع … ولاحَ للأحباب نجدُ (^٧)
الزَّهْرُ مِسْك والرِّيا … ضُ أرِيضَةٌ والمَاءُ جَعْدُ (^٨)
والظِّلُّ منثورٌ وفي … جِيدِ الشقائق منه عِقْدُ
هذا النَّسيمُ مُعَنْبَرٌ … وضَبَابُ هذا النَّوْءِ ندّ (^٩)
والغُصْنُ يرْقُصُ والغَديـ … ـرُ مصفِّق والوُرْقُ تشدُو
والجوُّ بعضٌ منه يا … قُوتٌ وبَعْضٌ لازَوَرْدُ
والكُلُّ يشْهَدُ أنَّ صا … نِعَهُ قدير وَهْوَ فَرْدُ
وأنشد (^١٠) آخر:
الطَّلُّ في سلكِ الغُصون كلؤلؤٍ … رَطْبٍ يصافِحُه النَّسيمُ فيسقُطُ
_________________
(١) سورة الأنعام الآية ٩٩.
(٢) هو محمد بن أحمد بن إسماعيل بن عَنْبَس البغدادي، أبو الحسين. وسمعون: لقب جدِّه إسماعيل. الشيخ الواعظ الكبير المحدِّث، شيخ زمانه ببغداد، كان خادم الشبلي، وكان يلقب الناطق بالحكمة. مولده سنة ثلاثمائة، وتوفي سنة ٣٨٧ هـ. (صفة الصفوة ٢/ ٤٧١، سير أعلام النبلاء ١٦/ ٥٠٥).
(٣) حتى قوله: "بالوحدانية" لم يرد في ب، ط.
(٤) في ع: "عنبر".
(٥) القيان: جمع قَيْنة، وهي المغنّية.
(٦) زيادة من ش، ع، وستأتي في باقي النسخ بعد الأبيات.
(٧) في ط: "يحدو".
(٨) الرياض الأريضة: الزكيَّة الكريمة.
(٩) في آ، ش: "هذا اليوم نِدّ".
(١٠) في آ، ب، ط: "ولبعضهم في وصف زمان الربيع".
[ ٥٤٢ ]
والطَّيرُ يقرأ والغديرُ صحيفة … والرِّيح يكتبُ والغمامُ يُنَقِّطُ
رُؤي بعضُ الشعراء المتقدِّمين في المنام بعد موته، فسُئل عن حاله، فقال: غُفِرَ لي بأبياتٍ قلتها في النَّرجس، وهي:
تَفَكَّرْ في نباتِ الأَرْضِ وانْظُرْ … إلى آثارِ ما صَنَعَ المليكُ
عيونٌ من لُجينٍ ناظِراتٌ … بأحداقٍ هِيَ الذَّهبُ السَّبيكُ
على قُضُبِ (^١) الزَّبَرْجَد شاهدات … بأنَّ الله ليس له شَريكُ
سبحان مَن سبَّحت المخلوقاتُ بحمده، فملأ الأكوانَ (^٢) تحميدُه، وأفصحت الكائنات بالشهادة بوحدانيته، فوَضَحَ توحيدُه، يُسبِّحه النباتُ جمعُه وفريدُه، والشَّجرُ عتيقُه وجديدُه، ويمجِّدُه رُهبان الأطيار (^٣) في صوامع الأشجارِ، فيطرِبُ السَّامعَ تمجيدُه، كلَّما دَرَّسَ الهَزَارُ (^٤) درس شكره فالبلبلُ بالحَمْدِ مُعِيدُه، وكلَّما أقام خطيبُ الحمام النَّوح على منابر الدَّوْحِ هيَّجَ المستهامَ نوحُهُ وتغريدُه، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ (^٥).
واعجبًا للمتقلِّب بين مشاهدة حِكَمه وتناولِ نعمه، ثم لا يشكر نِعمَه ولا يُبصِر حِكَمه، وأعجَبُ (^٦) من ذلك أن يُعصَى المنعِمُ بِنِعَمِه، هذا عُودُ شجرِ الكَرْم يكونُ يابسًا طولَ الشتاء، ثم إذا جاء الرَّبيعُ دَبَّ فيه الماءُ واخضرّ، ثم يُخرِج الحِصْرِمَ فينتفعُ الناسُ به حامِضًا، ويتناولون منه طبخًا واعتصارًا، ثم ينقلِبُ حلوًا فينتفع الناس به حُلوًا رطْبًا ويابسًا، ويستخرجون منه ما ينتفعون بحلاوته طولَ العام، وما يأتدِمُون بحمْضه وهو نِعْمَ الإِدام. فهذه التنقُّلاتُ (^٧) توجِبُ للعاقل الدَّهْشَ والتعجُّبَ مِن صُنع صانعه وقدرة خالقه، فينبغي له أن يُفرِّغ عقلَه للتفَكُّر في هذه النِّعَم والشكر عليها. وأمَّا
_________________
(١) في آ، ش: "على قصب".
(٢) في آ، ع: "الكون"، وفي ش: "الملكوت".
(٣) في ب، ط: "الطيور"، وكلاهما جائز.
(٤) الهَزَار: طائر حسن الصوت، فارسي معرب. ودرَّس: كرر وأعاد.
(٥) سورة العنكبوت الآية ١٩.
(٦) في ش، ع: "وأعجب من ذلك مَن تراكم عليه الجهل بظلمته، فعصى المنعم بنعمه".
(٧) التنقُّلات: هو ما يُتنقَّل به على الشراب من فواكه وكوامخ وغيرها، وما يُتفكَّه به من جوز ولوز وبندق ونحوها.
[ ٥٤٣ ]
الجاهل فيأخذ العِنَبَ فيجعلُه خمرًا فيغطِّي به العَقْلَ الذي ينبغي أن يُستعمَلَ في الفكر (^١) والشُّكر، حتى ينسَى خالِقَهُ المنعِمَ عليه بهذه النِّعم كلِّها، فلا يستطيع بعد السُّكْر أن يذكره ولا يشكره، بل ينسى مَن خلَقه ورَزَقه، فلا يعرِفُه في سُكْره بالكُلِّيَّة، وهذه نهاية كُفْران النِّعم (^٢).
فواعجبًا كيف يُعصَى الإِلهُ … أَمْ كَيْفَ يجحَدُهُ الجاحِدُ
وللُه في كُلِّ تحريكةٍ … وتسكينةٍ أبدًا شاهِدُ (^٣)
وفي كُلِّ شيءٍ لَهُ آيةٌ … تَدُلُّ على أنَّهُ واحِدُ
ومن وجوه الاعتبار في النَّظر إلى الأرض التي أحياها الله بعدَ مَوْتها في فصل الربيع بما ساق إليها من قطر السماء، أنه يُرجَى من كَرَمِه أن يحيى القلوبَ الميّتة بالذنوب وطول الغَفْلة، بسماع الذِّكر النازل من السماء، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (^٤)، ففيه إشارة إلى أنَّ مَن قَدَرَ على إحياء الأرض بعد مَوْتها بوابل القَطْر، فهو قادر على إحياء القلوب الميتة القاسية بالذِّكر. عسى (^٥) لمحة من لمحات عطفه، ونفحة من نفحات لطفه، وقد صَلَحَ من القلوب كل ما فسد، [فهو اللطيف الكريم] (^٦).
عَسَى فَرَجٌ يأتي بهِ اللهُ إنَّه … لَهُ كُلَّ يومٍ في خليقته أَمْرُ
إذا اشْتَدَّ عُسْرٌ فارْجُ يُسرًا فإنَّه … قَضَى الله أنَّ العُسْرَ يتبعه اليُسْرُ (^٧)
عسى مَن أحيا الأرض الميتة بالقطر أن يُحيي القلوب الميتة بالذِّكر. عسى نفحةٌ من نَفَحاتِ رحمته تهب؛ فمن أصابته سعِدَ سعادةً لا يشقى بعدَها أبدًا.
_________________
(١) في ش، ع: "التفكر".
(٢) بعدها في ش، ع: "الوقوع في هذه البلية".
(٣) في آ، ش، ع: "وفي كل تسكينةٍ شاهد".
(٤) سورة الحديد الآية ١٦ و١٧.
(٥) لفظ "عسى" لم يرد في آ، ش، ع.
(٦) زيادة من ش، ع.
(٧) في ب، ط: "يسر"، ولم يرد البيت الثاني في نسخة (آ). وهما في كتاب "الفرج بعد الشدة" لابن أبي الدنيا بتحقيقنا، الفقر ٨١ و١٠٠ و١١٤، وكذلك في "الفرج بعد الشدة" للتنوخي ٤/ ١١٤.
[ ٥٤٤ ]
إذا ما تجدَّدَ فَصْلُ الرَّبيعِ … تجدَّدَ للقلب فَضْلُ الرَّجاءِ
عَسَى الحالُ يصلحُ بَعْدَ الذنوبِ … كما الأرضُ تهتزُّ بَعْدَ الشتاءِ
ومن ذا الذي ليس يرجوك ربّ (^١) وَرَبْعُ عطائِكَ رَحْبُ الفِنَاءِ
* * *