خرَّج الإمام أَحمد من حديث العِرْبَاض بن سَارِيَةَ السُّلَمِي (^١) - ﵁ - عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: "إنِّي عِنْدَ اللهِ (^٢) في أمِّ الكتاب، لخَاتمُ النبيين، وإنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ (^٣) في طينتِهِ، وسَوف أنبئكُم بتأويل ذلكَ: دعوةُ أبي إبراهيمَ، وبِشارَةُ عيسى قَوْمَه، ورؤيا أمِّي التي رأتْ أنَّه خَرَجَ منها نورٌ أضاءَتْ له قُصُورُ الشَّام، وكذلك أمَّهاتُ النبيينَ يَرَيْنَ" (^٤). وخرَّجَه الحاكمُ (^٥)، وقال: صحيحُ الإسنادِ.
وقد رُوي معناه من حديثِ أبي أمامةَ البَاهليِّ، ومِن وجوهٍ أُخَرَ مرسلةٍ.
المقصودُ من هذا الحديث أنَّ نبوَّةَ النَّبيِّ - ﷺ - كانتْ مذكورةً معروفةً من قبلِ أن يخلُقَه الله ويُخرِجَه إلى دار الدُّنيا حيًّا، وأنَّ ذلك كان مكتوبًا في أمِّ الكتاب من قبلِ
_________________
(١) نسبة إلى سُلَيم بن منصور بن عكرمة بن خَصْفة بن قيس عيلان بن مضر، وهي قبيلة من العرب، وهو من أعيان أهل الصُّفَّة وأحد من نزل فيه قول الله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ [التوبة: ٩٢]، وقد تقدمت ترجمته.
(٢) في ط: "عبد الله"، وهو خطأ.
(٣) المنجدل: الساقِط. وشرحها المؤلف بعد قليل، فقال: المراد بالمنجدلِ الطريح الملقى على الأرض قبل نفخ الروح فيه.
(٤) رواه أحمد في "المسند" ٤/ ١٢٧ و١٢٨، وابن حبان في "صحيحه" رقم (٢٠٩٣) موارد، والبغوي في "شرح السنة" ١٣/ ٢٠٧. وهو حديث صحيح، وانظر "مجمع الزوائد" للهيثمي ٨/ ٢٢٣ و٢٢٤.
(٥) رواه الحاكم في "المستدرك" ٢/ ٤١٨ و٦٠٠ وصححه، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
[ ١٥٨ ]
نَفْخِ الرُّوحِ في آدَمَ، ﵇. وفُسِّرَ "أمُّ الكتاب" باللَّوحِ المحفوظِ، وبالذِّكرِ، في قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (^١).
وعن ابن عبَّاسٍ - ﵄ - أنه سأل كَعبًا (^٢) عن "أمِّ الكتاب" فقال: عَلِمَ اللهُ ما هو خالقٌ، وما خَلْقُه عَامِلون، فقال لِعلمِهِ: كُنْ كتابًا، فكان كِتابًا، ولا رَيْبَ أنَّ علم الله تَعالى قديمٌ أزلِيٌّ لم يَزلْ عالمًا بما يُحدِثُهُ من مخلوقاتِهِ، ثم إنَّه تعالى كَتَبَ ذلك في كتابِ عندَه قَبْلَ خَلْقِ السَّماوات والأرضِ، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (^٣).
وفي "صحيح البخاري" عن عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "كان اللهُ ولا شيءَ قَبلَهُ، وكان عرشُهُ على الماءِ، وكتَبَ في الذِّكْرِ كلَّ شيءٍ، ثم خلَقَ السَّماوات والأرضَ" (^٤).
وفي "صحيح مسلم" عن عَبْد الله بن عَمْرو بن العَاصِ، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال، (^٥): "إنَّ الله كَتبَ مَقَادِيرَ الخلائِقِ قبلَ أن يخلُقَ السماواتِ والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنةٍ، وكان عرشُهُ على الماءِ" (^٦).
ومن جُمْلةِ ما كتبَهُ فِي هذا الذِّكرِ وهو "أمُّ الكتاب" أن محمدًا خاتَمُ النبيِّينَ، ومن حينئذ انتقلَتِ المخلوقاتُ من مرتبةِ العلمِ إلى مرتبةِ الكتابةِ (^٧)، وهو نوعٌ من أنواعِ الوجودِ الخارجيِّ، ولهذا قال سعيدُ بن راشدٍ (^٨): سألتُ عطاءً: هل كان النَّبيُّ - ﷺ - نبيًّا
_________________
(١) سورة الرعد الآية ٣٩.
(٢) أي كعب الأحبار، وقد سبقت ترجمته.
(٣) سورة الحديد، الآية ٢٢.
(٤) رواه البخاري رقم (٣١٩١) في بدء الخلق: باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ الروم: ٢٧،، و(٧٤١٨) في التوحيد: باب [قوله تعالى]: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]، [وقوله تعالى]: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩].
(٥) ما بين حاصرتين سقط من (آ).
(٦) رواه مسلم رقم (٢٦٥٣) في القدر، باب حجاج آدم موسى ﵉. ورواه الترمذي رقم (٢١٥٦) في القدر، باب رقم (١٨)، وأحمد في "المسند" ٢/ ١٦٩، ولفظه عندهما: "قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة".
(٧) في آ: "الكتاب".
(٨) هو سعيد بن راشد، أبو محمد المازني البصري السماك، روى عن الحسن وابن سيرين وعطاء والزهري. قال البخاري في الكبير ٣/ الترجمة ١٥٧٢: منكر الحديث.
[ ١٥٩ ]
قبلَ أن يُخلَقَ (^١)؟ قال: إي واللهِ، وقبلَ أن تُخلَقَ الدُّنيا بألفي عامٍ.
خرَّجه أبو بكر الآجُرِي (^٢) في "كتاب الشريعة"، وعطاء، الظَّاهِرُ أنَّه الخُرَاسَانيُّ. وهذا إشارة إلى ما ذكرناه من كتابةِ نبوَّتِه - ﷺ - في "أمِّ الكتاب" عند تقديرِ المقاديرِ. وقولُه - ﷺ - في هذا الحديث: "إني عند (^٣) اللهِ في أمِّ الكتاب لخَاتمُ النبيِّينَ، وَإنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِه"، ليس المرادُ بهِ - واللهُ أعلمُ - أنَّه حينئذٍ كُتِبَ في "أمِّ الكتاب" خَتْمُهُ للنبيينَ، وإنَّما المرادُ الإخبارُ عن كون ذلك مكتوبًا في "أمِّ الكتابِ" في تلك الحالِ قبل نَفْخِ الرُّوحِ في آدمَ، وهو أوَّلُ ما خُلِقَ من النَّوعِ الإنسانيّ.
وجاء في حديث آخر (^٤)، أنه في تلك الحال وجبَتْ له النبوَّةُ، وهذه مرتبةٌ ثالثةٌ، وهي انتقالُه من مرتبةِ العِلْمِ والكتابةِ إلى مرتبةِ الوجودِ العَينيِّ (^٥) الخارجيِّ، فإنَّه - ﷺ - استُخرِجَ حينئذ من ظهرِ آدمَ ونُبِّئَ، فصارت نُبوَّتُه موجودةً في الخارج بعد كونها كانت مكتوبةً مقدَّرةً في أمِّ الكتاب. ففي حديث مَيْسَرَةَ الفجر (^٦)، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، متى كُنتَ نبيًّا؟ قال: "وَآدَمُ بين الرُّوحِ والجسدِ". خرَّجَه الإِمامُ أحمد، والحاكم (^٧).
قال الإمام أحمد في رواية مُهَنَّا (^٨): وبعضهم يرويه: "متى كتبت (^٩) نبيًّا؟ "، من الكِتابةِ. فإنْ صحَّتْ هذه الرِّوايةُ، حُمِلَتْ مع حديثِ العِرْباض بن سارِيَةَ على وُجوب نبوَّتهِ وثُبوتها وظهورها (^١٠) في الخارج؛ فإنَّ الكتابَةَ إنَّما تُستعمَلُ فيما هو واجبٌ؛ إمَّا
_________________
(١) في ب: "قبل أن يُخلق الخلق".
(٢) هو محمد بن الحسين بن عبد الله، أبو بكر الآجري، فقيه شافعي محدّث، نشأ في بغداد وانتقل إلى مكة، وتوفي فيها سنة ٣٦٠ هـ. له تصانيف كثيرة، منها "كتاب الشريعة" في السنّة، وهو مطبوع. (وفيات الأعيان ٤/ ٢٩٢، سير أعلام النبلاء ١٦/ ١٣٤).
(٣) في ط: "عبد" وهو تصحيف.
(٤) في ب، ش، ط: "أحاديث أخر".
(٥) لفظة "العيني" سقطت من (آ).
(٦) قال الحافظ ابن حجر في "الإصابة" ٩/ ٣٠٣ - ٣٠٤: ميسرة الفجر صحابي ذكره البخاري، والبغوي، وابن السكن، وغيرهم في الصحابة … وقد قيل: إنه عبد الله بن أبي الجدعاء.
(٧) رواه أحمد في "المسند" ٥/ ٥٩، وابن أبي عاصم في السنة رقم (٤١٠)، والحاكم في "المستدرك" ٢/ ٦٠٨، وله شاهد من حديث أبي هريرة عند أبي نعيم في "أخبار أصبهان" ٢/ ٢٢٦ وهو حديث صحيح. وساقه الحافظ ابن حجر في "الإصابة" ٩/ ٣٠٣ - ٣٠٤، و[قال]: هذا إسناد قوي، لكن اختلف فيه على بُديل بن ميسرة. وانظر تتمة كلامه فيه، فهو مفيد إن شاء الله تعالى.
(٨) هو مُهَنَّا بن يحيى الشامي، صاحب الإمام أحمد بن حنبل، انظر ترجمته في "المنهج الأحمد" ١/ ٢٣١ - ٣٣٣.
(٩) في آ، ب: "كنت".
(١٠) لفظة: "وظهورها" لم ترد في (آ).
[ ١٦٠ ]
شرعًا كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (^١)، أو قَدَرًا كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ (^٢). وفي حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّهم قالوا: يا رسولَ اللهِ! متى وجبَتْ لكَ النبوَّةُ؟ قالَ: "وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والْجَسَدِ". خرَّجه الترمذي وحسَّنه. وفي نسخة: صحَّحه (^٣)، وخَرَّجه الحاكم (^٤).
وروى ابن سعد (^٥) من رواية جابر الجُعْفِي، عن الشَّعْبيِّ. (^٦)، قال: قال رجلٌ للنبي - ﷺ -: متى استُنْبِئْتَ؟ قال: "وآدَمُ بَيْنَ الرُّوْحِ وَالجَسَدِ، حين (^٧) أُخِذَ مِنِّي الميثاقُ" (^٨). وهذه الرِّواية تدُلُّ على أنَّه - ﷺ - حينئذ استُخرِجَ مِن ظهرِ آدَمَ ونُبِّئ، وأُخِذَ ميثاقُهُ. فيحتمِلُ أن يكونَ ذلك دليلًا على أن استِخراجَ ذُريَّةِ آدَمَ من ظهرِه وأخذَ الميثاق منهم كان قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ في آدَمَ. وقد رُوِيَ هذا عن سلمان الفارسيِّ وغيره من السِّلَفِ. ويُستَدَلُّ له أيضًا بظاهِرِ قولهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ (^٩) على ما فسَّره به مُجَاهدٌ (^١٠) وغيره، أن المراد إخراجُ ذُريَّةِ آدمَ من ظهرِهِ قبلَ أمرِ الملائكةِ بالسُّجود (^١١) له، ولكن أكثرَ السَّلفِ على أن استِخراجَ
_________________
(١) سورة البقرة، الآية ١٨٣.
(٢) سورة المجادلة، الآية ٢١.
(٣) في آ، ب: "وصحيحه"، وهو خطأ.
(٤) رواه الترمذي رقم (٣٦٠٩) في المناقب، باب في فضل النَّبيِّ - ﷺ -، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي الباب عن ميسرة الفجر. والحاكم في "المستدرك" ٢/ ٦٠٩، وأخرجه أيضًا أبو نعيم في "أخبار أصبهان" ٢/ ٢٢٦ وهو حديث صحيح بشاهده الذي قبله.
(٥) في آ: "ابن سعيد" وهو تحريف، والحديث في "الطبقات الكبرى" لابن سعد ١/ ١٤٨.
(٦) هو عامر بن شراحيل الهمداني، ثم الشعبي أبو عمرو، من الفقهاء في الدِّين، وجلة التابعين، أدرك خمسين ومئة من الصحابة، وهو من رجال الحديث الثقات، ولد في إمرة عمر بن الخطاب لست سنين خلَت منها، وقيل: ولد سنة إحدى وعشرين ومات سنة (١٠٥) هـ، وقيل: غير ذلك.
(٧) في آ: "حتى" وفي ط: "حيث".
(٨) رواه ابن سعد في "الطبقات" ١/ ١٤٨، من مرسل الشعبي، ورواه الطبراني في "الأوسط"، والبزار في "مسنده"، كما في "مجمع الزوائد" ٨/ ٢٢٣، وجابر الجعفي ضعيف، ولكن الحديث حسن بشواهده التي قبله.
(٩) سورة الأعراف، الآية ١١.
(١٠) في ط: "ابن مجاهد" وهو خطأ. وهو مجاهد بن جَبْر أبو الحجَّاج المكِّي، الإمام شيخ القراء والمفسرين، روى عن ابن عبَّاس، فأكثر وأطاب، وعنه أخذ القرآن، والتفسير، والفقه، وحدث عنه عكرمة البربري، وطاووس بن كيسان، وعطاء، وهم من أقرانه. قال الأنصاري: حدثنا الفضل بن ميمون: سمعت مجاهدًا يقول: عَرَضْتُ القرآن على ابن عباس ثلاثين مرَّة. مات سنة (١٠٢) هـ، وقيل (١٠٤) هـ، وقيل غير ذلك. (سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٤٩، طبقات القراء ٢/ ٤١).
(١١) لفظة: "بالسجود" سقطت من (آ).
[ ١٦١ ]
ذُريَّة آدَمَ منه كان بعد نَفْخِ الرُّوحِ فيه، وعلى هذا تدلُّ أكثرُ الأحاديث، فيحتَملُ (^١) على هذا أن يكون محمدٌ - ﷺ - خُصَّ باستخراجِهِ من ظهرِ آدَمَ قَبْلَ نفخِ الرُّوحِ فيه، فإنَّ محمّدًا - ﷺ - هو المقصودُ من خَلقِ النَّوْعِ الإنسانيِّ، وهو عينُه، وخلاصَتُه (^٢)، وواسطةُ عقدِهِ؛ فلا يبعُدُ أنْ يكونَ أُخرِجَ من ظهرِ آدمَ عند خلقِهِ قبلَ نفخِ الرُّوحِ فيهِ.
وقد رُوِيَ أن آدَمَ - ﵇ - رأى اسمَ محمدٍ - ﷺ - مكتوبًا على العَرْش، وأنَّ الله - ﷿ - قال لآدَمَ: لولا محمَّدٌ ما خلقتُكَ .. وقد خرجه الحاكمُ في "صحيحه" (^٣)، فيكون حينئذٍ من حين صُوِّرَ آدمُ طِينًا استُخْرِجَ منه محمدٌ - ﷺ - ونُبِّئ، وأُخِذَ منه الميثاقُ، ثم أعيدَ إلى ظهر آدمَ حتى خرجَ في وقت خُروجِهِ الذي قدَّرَ الله خروجَه فيه. ويشهدُ لذلك ما روي عن قَتَادَةَ (^٤)، أن النَّبيَّ - ﷺ - قال: "كنْتُ أوَّل النَّبِيِّينَ في الخَلْقِ وآخرَهُم في البعثِ".
وفي روايةٍ: "أوَّل النَّاسِ في الخَلْقِ". خرَّجه ابنُ سعد (^٥) وغيرُه. وخرَّجه الطّبَرانيُّ (^٦) من رواية قتادةَ عن الحسن، عن أبي هُرَيْرةَ مرفوعًا، والمرسَلُ أشبَهُ. وفي
_________________
(١) في (ط): "فتحمل".
(٢) في ع: "وخاصته".
(٣) رواه الحاكم في "المستدرك" ٢/ ٦١٥، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وتعقبه الحافظ الذهبي، فقال: قلت: بل موضوع، وعبد الرحمن (أي عبد الرحمن بن زيد بن أسلم)، واهٍ. وعبد الله بن مسلم الفهري لا أدري من هو. أقول: وعبد الله بن مسلم الفهري هذا، ذكره الحافظ الذهبي في الميزان وذكر له خبرًا باطلًا (يا آدم لولا محمد ما خلقتك)، انظر: "ميزان الاعتدال" ٢/ ٥٠٤.
(٤) هو قتادة بن دعامة السَّدُوسي أبو الخطَّاب، ولد أعمى، وكان من علماء الناس بالقرآن والفقه، ومن حفاظ أهل زمانه. قال الذهبي: وهو حجة بالإجماع إذا بيَّن السماع، وإلا فإنَّه مدلِّسٌ معروف بذلك، وكان يرى القدر، نسأل الله العفو، ومع هذا فما توقف أحد في صدقه وعدالته وحفظه، ولعل الله يَعْذُرُ أمثالَه ممن تلبس ببدعة يُريد بها تعظيمَ الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكم عدل لطيف بعباده، ولا يُسأل عما يفعل. مات بواسط في الطاعون سنة (١١٨) هـ. (سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٦٩ - ٢٨٣).
(٥) في "الطبقات" (٩/ ١٤١)، وهو حديث ضعيف بهذا اللفظ.
(٦) قوله: "وخرجه الطبراني" سقط من (آ). وهو سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم، مسند الدُّنيا، الإمام الحجة، أصله من طبرية الشام وإليها ينسب. ولد بعكا من أرض فلسطين، ورحل إلى معظم الأقطار لجمع الحديث النبوي، وحدَّث عن ألف شيخ أو يزيدون، وصنف ثلاثة معاجم في الحديث النبوي "الصغير" و"الأوسط" و"الكبير". قال أبو العباس الشيرازي: كتبت عن الطبراني ثلاثمائة ألف حديث. مات سنة ٣٦٠ هـ. وعاش مائة سنة. (سير أعلام النبلاء ١٦/ ١١٩).
[ ١٦٢ ]
روايةٍ عن قتادَةَ مرسَلةٍ، ثم تلا: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ (^١)، فبدأ به قبلَ نوحٍ الذي هو أوَّلُ الرسُل. فمحمدٌ - ﷺ - أَوَّلُ الرُّسُلِ خَلْقًا (^٢) وآخرهم بعثًا؛ فإنَّه استُخرِجَ من ظهرِ آدمَ لما صُوِّرَ (^٣)، ونُبِّئ حينئذٍ، وأُخِذَ ميثاقُه، ثم أُعِيدَ إلى ظهرِهِ.
ولا يقالُ: فقد خُلِقَ آدمُ قبلَهُ؛ لأنَّ آدَمَ كان حينئذٍ مَواتًا لا روحَ فيه، ومحمد - ﷺ - كان حيًّا حين استُخرِجَ ونُبِّئَ وأُخِذَ ميثاقُهُ، فهو - ﷺ - أوَّلُ النبيينَ خَلْقًا وآخرُهُم بعثًا، فهو خاتَمُ النَّبِيِّينَ باعتبار أن زمَانَهُ تأخَّرَ عنهم، فهو المُقَفِّي (^٤) والعاقِبُ الذي جاء عقيبَ (^٥) الأنبياء ويقفوهم. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (^٦).
وفي "الصحيحين" عن جَابرٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ - قالَ: "مَثَلِي ومَثلُ الأنبياءِ كمثلِ رجلٍ بَنى دارًا فأكمَلَها وأحسَنَها، إلَّا موضِعَ لَبِنةٍ، فجعَلَ الناسُ يدخُلُونَها ويَعجَبُون منها، ويقولون: لولا مَوضِعُ اللَّبِنَةِ" (^٧). زاد مسلم، قال: "فجئتُ فختمْتُ الأنبياء" (^٧). وفيهما أيضًا عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ - ﷺ - معناه. وفيه: "فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفونَ به ويقولون: هلَّا وُضِعَتِ اللبِنةُ؟ فأنا اللَّبنَةُ، وأنا خاتَمُ النَّبيِّينَ" (^٨). وقد استدل الإمامُ أحمد بحديث العِرْبَاضِ (^٩) هذا على أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - لم يَزَلْ على التوحيدِ منذ نَشَأَ. وَرَدَّ بذلك على مَنْ زَعَمَ غيرَ ذلك. بل قد يُستَدلُّ بهذا الحديث على أنَّه - ﷺ - وُلد نبيًّا، فإنَّ نبوَّتَه وجبَتْ له مِن حين أُخِذَ الميثاقُ منه (^١٠)، حيث استُخرِجَ مِن صُلْب آدَمَ، فكان نبيًّا من حينئذٍ، لكن كانت مدَّةُ خروجه إلى الدُّنيا متأخِّرَةً عن ذلك، وذَلك لا
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية ٧.
(٢) أي في علم الله تعالى، ومدة خروجه إلى الدنيا متأخرة عن ذلك. (ع).
(٣) في آ: "لما صور بل ونبئ".
(٤) المُقَفِّي: المتبع للنبيين، والعاقب: آخر الأنبياء. وكلاهما من أسماء الرسول - ﷺ -. انظر: "زاد المعاد في هدي خير العباد" لابن قيم الجوزية (١/ ٨٦ - ٨٧).
(٥) في ع، ش: "عقب".
(٦) سورة الآحزاب، الآية ٤٠.
(٧) رواه البخاري رقم (٣٥٣٤) في المناقب: باب خاتم النبيين، ومسلم رقم (٢٢٨٧) في الفضائل: باب ذكر كونه - ﷺ - خاتم النبيين.
(٨) رواه البخاري رقم (٣٥٣٥) في المناقب: باب خاتم النبيين، ومسلم (٢٢٨٦) (٢١) في الفضائل: باب ذكر كونه - ﷺ - خاتم النبيين.
(٩) يعني العرباض بن سارية - ﵁ - وقد تقدم تخريج حديثه.
(١٠) لفظة: "منه" سقطت من (آ).
[ ١٦٣ ]
يمنعُ كونَهُ نبيًّا قبلَ خُروجِه، كَمَنْ يُوَلِّي وِلايةً ويؤمَرُ بالتَّصرُّفِ فيها (^١) في زمنٍ مُسْتَقْبَلٍ، فحُكْمُ لوِلايةِ ثابتٌ له من حين ولايتِهِ وإن كان تصرُّفُه يتأخَّر (^٢) إلى حين مجيءِ الوقتِ.
قال حَنْبَلُ (^٣): قلت لأبي عبدِ اللهِ - يعني أحمد: مَنْ زَعَمَ أن النَّبيَّ - ﷺ - كان على دِين قومه أن يُبعَثَ؟ قالَ: هذا قولُ سُوءٍ، ينبغي لصاحب هذه المقالةِ [أن] (^٤) يُحذَرَ كلامُه، ولا يجالَسَ، قُلْتُ له: إنَّ جارنا النَّاقِدَ أبا العبَّاسِ يقولُ هذه المقالَةَ، قال: قاتلَهُ الله! وأيّ شيءٍ أبقَى إذا زَعَمَ أن رسولَ الله - ﷺ - كان على دينِ قَوْمِهِ وهم يعبُدونَ الأصنامَ؟!
قال الله تعالى مخبرًا (^٥) عن عيسى ﵇: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (^٦). قلت له: وزَعَم أن خديجةَ كانتْ على ذلك حين (^٧) تزوَّجَها النَّبيُّ - ﷺ - في الجاهلية. قال: أمَّا خديجةُ فلا أقولُ شيئًا، قد كانَتْ أوَّلَ مَنْ آمنَ به مِن النساء، ثم قال: ماذا يُحدِثُ النَّاسُ مِن الكلام إ؟ هؤلاء أصحابُ الكلام، مَنْ أَحَبَّ الكلامَ (^٨) لم يُفْلِحْ. سبحان اللهِ لهذا القولِ!! واحتجَّ في ذلك بكلامٍ لم أحفَظْهُ. وذكر أن (^٩) أمَّه حين وَلدت رأتْ نورًا أَضاء له [قُصُور الشام] (^١٠)، أو ليس هذا عندما ولدتْ رأتْ هذا، وقبلَ أنْ يُبعَثَ كان طاهرًا مطهَّرًا من الأوثانِ، أو لَيْسَ كان لا يأكُلُ ما (^١١) ذُبِحَ على النُّصُب؟ (^١٢) ثم قال: احذروا (^١٣) الكلام، فإنَّ أصحابَ الكلام لا يؤولُ أمرُهُم إلى خيرٍ. خرجَّه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر (^١٤) في "كتاب السُّنَّ".
_________________
(١) في ب، ش: "بها".
(٢) في آ: "متأخِّرًا".
(٣) هو حنبل بن إسحاق بن حنبل بن هلال بن أسد الشَّيباني، أبو علي، الإمام الحافظ المحدِّث الصدوق، ابن عم الإمام أحمد وتلميذه، مات سنة ٢٧٣ هـ. (سير أعلام النبلاء ١٣/ ٥١).
(٤) زيادة من نسخة (ع).
(٥) في ع، ط: "حاكيًا".
(٦) سورة الصف، الآية ٦.
(٧) في آ: "حتى".
(٨) قوله: "من أحب الكلام" سقط من (ط).
(٩) في آ، ش "وذكرَتْ".
(١٠) ما بين حاصرتين لم يرد في آ، ب.
(١١) في ط: "لما".
(١٢) النُّصُبُ: حجارة كان أهل الجاهلية يعبدونها ويذبحون لها، فنهى الله عن ذلك. قال تعالى - المائدة الآية ٣ -: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِه … وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ …﴾.
(١٣) في آ: "احذر".
(١٤) ويعرف بغلام الخلَّال. مفسِّر، ثقة في الحديث، من أعيان الحَنابلة، من أهل بغداد. كان تلميذًا لأبي بكر الخلال فلقب به. مات سنة ٣٦٣ هـ. (سير أعلام النبلاء ١٦/ ١٤٣).
[ ١٦٤ ]
ومُرادُ [الإمام] أحمدَ الاستِدلالُ بتقديم البشارةِ بنبوَّتهِ من الأنبياءِ الذين قبلَه، وبما شُوهِدَ عندَ ولادتِهِ مِن الآيات، على أَنَّه كان نبيًّا من قبِلِ خروجِهِ إلى الدُنيا وولادتِهِ، وهذا هو الذي يدُل عليه حديثُ العِرْباضِ هذا (^١)؛ فإنَّه - ﷺ - ذكَرَ فيهِ أنَّ نبوَّتَه كانَتْ حاصِلةً مِن حين كانَ آدَمُ مُنْجَدِلًا في طِينتِه؛ والمرادُ بالمُنْجَدِلِ الطَّرِيحُ المُلْقَى على الأرضِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فيه، ويقالُ للقتيل: إنَّه مُنْجَدِلٌ لذلك. ثم استدلَّ - ﷺ - على سَبْقِ ذِكْرِهِ، والتنويهِ باسْمِهِ، ونبوَّتهِ، وشَرَفِ قَدْرِهِ لِخُروجِهِ إلى الدُّنيا، بثلاثِ دَلائِلَ؛ وهو مرادُه بقوله (^٢): "وسأنبئكم بتأويل. ذلك".
الدَّليلُ الأوَّلُ: دعوةُ أبيه إبراهيمَ ﵇؛ وأشارَ بذلك إلى ما قَصَّ اللهُ في كتابه عن إبراهيمَ وإسماعيلَ أنَّهما قالا عند بناءِ البيتِ الذي بمكة: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (^٣).
[فاستجابَ الله دُعاءَهُما وبَعَثَ في أهلِ مكَّةَ منهم رسُولًا بهذِه الصِّفةِ مِن وَلَدِ إسماعيلَ الذي دَعَا مع أبيه إِبراهيمَ - ﵉ - بهذا الدُّعاءِ. وقد امتَنَّ الله تعالى على المؤمنين بِبَعْثِ هذا (^٤) النَّبيِّ فيهم (^٥) على هذه الصِّفة التي دعا بها إبراهيمُ وإسماعيلُ.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ] (^٦)﴾ (^٧). وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ
_________________
(١) سبق في بداية هذا المجلس.
(٢) أي بقوله - ﷺ - في حديث العرباض بن سارية ﵁.
(٣) سورة البقرة، الآيات: ١٢٧ - ١٢٩.
(٤) في ط: "ببعثه لهذا".
(٥) في ع، ش، ط: "منهم".
(٦) ما بين حاصرتين لم يرد في (آ).
(٧) سورة آل عمران، الآية ١٦٤.
[ ١٦٥ ]
مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (^١).
ومَعْلُومٌ أنَّه لم يُبْعَثْ في (^٢) مكَّةَ رسولٌ منهم (^٣) بهذه الصفةِ غيرُ محمَّدٍ - ﷺ -، وهو مِن وَلَدِ إسماعيلَ، كما أن أنبياءَ بنِي إسرائيلَ مِن وَلَدِ إسحاق. وذكر الله تعالى أنَّه مَنَّ على المؤمنينَ بهذه الرِّسالةِ، فليس للهِ نِعمَةٌ أعظم مِن إرسال محمدٍ - ﷺ - يَهْدِي إلى الحقِّ وإلى صراطٍ (^٤) مستقيمٍ.
وقوله: ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ - والمرادُ بهم العَرَبُ - تنبيهٌ لهم على قَدْرِ هذه النِّعمةِ وعِظَمِها، حيثُ كانوا أمِّيِّينَ لا كِتابَ لهم، وليسَ عندَهم شيء من آثارِ النُّبوَّاتِ، كما كان عندَ أهلِ الكتاب، فمنَّ الله عليهم بهذا الرسولِ وبهذا الكتاب، حتى صاروا أفْضَلَ الأمم وأعلَمَهمَ، وعَرَفُوا ضلالَةَ مَنْ ضَلَّ من الأمم قَبلَهم. وفي كونِهِ منهم فائدتان:
إحداهما: أن هذا الرَّسُولَ كان أيضًا أميًّا كأمَّتِهِ المبعوثِ إليهم، لم يقرأْ كتابًا قَطُّ، ولم يَخُطَّهُ بيمينِهِ، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ الآيات (^٥)، ولا خَرَجَ عن ديارِ قَوْمِهِ فأقامَ عندَ غيرِهم حتَّى تعلَّمَ منهم شيئًا، بلْ لم يزَلْ أُمِّيًّا بين أمَّةٍ أمِّيَّةٍ، لا يكتُبُ ولا يَقرأُ حتى كَمَّلَ الأربعينَ من عُمُرِهِ، ثمَّ جاءَ بعد ذلك بهذا الكتابِ المُبين (^٦)، وهذه الشريعةِ الباهِرةِ، وهذا الدِّينِ القيِّمِ، الذي اعترفَ حُذَّاقُ (^٧) أهل الأرضِ ونُظَّارُهُم أنَّه لم يَقْرَعِ العالَمَ ناموسٌ (^٨) أعظَمُ منه. وفي هذا بُرهانٌ ظاهِرٌ على صِدْقِهِ.
_________________
(١) سورة الجمعة، الآيات: ٢ - ٤.
(٢) في ط: "من".
(٣) في ط: "فيهم".
(٤) في ب، ع، ش، ط: "طريق".
(٥) سورة العنكبوت، الآية: ٤٨، وفيها من الآيات قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾.
(٦) من المفيد أن نشير إلى أن الأمية كانت في رسول الله - ﷺ - خاصية ولم تكن نقيصة كما قد يتوهم بعضهم عن جهل أو تعمد.
(٧) حَذَق فلانٌ الشيءَ: مَهَرَ فيه، فهو حاذق، وجمعه حُذَّاقٌ.
(٨) الناموس هنا: الشريعة أو القانون. والناموس أيضًا: جبريل.
[ ١٦٦ ]
والفائدة الثانية: التنبيهُ على أن المبعوثَ فيهم (^١) - وهم الأمِّيُّون خُصوصًا أهل مكَّةَ - يَعرِفُون نَسَبَهُ، وشرَفَهُ، وصِدْقَهُ، وأمَانَتَهُ، وعِفَّتَهُ، وأنَّه نَشَأ بينَهُمْ معروفًا بذلك كُلِّه، وأنَّه لم يكذِبْ قَطُّ؛ فكيفَ كانَ يَدَعُ الكَذِبَ على النَّاسِ ثم يَفْترِي الكَذِبَ على الله ﷿، وهذا (^٢) هو الباطِلُ، ولذلك سَأَلَ هِرقْلُ (^٣) عن هذه الأوصافِ، واستدلَّ بها على صدقِهِ فيما ادَّعاهُ من النُّبوَّةِ والرِّسالةِ.
وقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾، يعني يتلُو عليهم ما أنزَلَ (^٤) الله عليه من آياتِهِ المتلُوَّةِ، وهو القرآنُ، وهو أعظَمُ الكُتبِ السَّماوِيَّةِ، وقد تضمَّنَ من العلوم (^٥) والحِكَم، والمواعِظِ، والقَصَصِ، والترغيب والترهيب (^٦)، وذكرِ أخبارِ مَنْ سَبقَ، وأخبارِ ما يأتي مِن البَعْثِ والنُّشور والجنَّةِ والنَّارِ، ما لمَ يشتمِلْ عليه كتابٌ غيرُهُ، حَتَّى قالَ بعض العلماءِ: لو أن هذا الكتابَ وُجِدَ مكتوبًا في مُصْحَفٍ (^٧) في فلاةٍ من الأرضِ، ولم يُعْلَمْ مَنْ وَضَعَهُ هناك، لشهِدَتِ العُقُولُ السَّلِيمةُ أنَّه منزَلٌ مِن عندِ اللهِ، وأنَّ البَشَرَ لا قدرَةَ لهم على تأليفِ ذلك، فكيف إذا (^٨) جاءَ على يدَيْ أَصْدَقِ الخلْقِ وأبَرِّهِمْ وأتْقاهُم، وقال: إنَّه كلامُ اللهِ، وتحدَّى الخَلْقَ كلَّهم أن يأتوا بسُورةٍ (^٩) من (^١٠) مثلِهِ، فعَجَزُوا. فكيف يَبْقى مع هذا شكٌّ فيه؟ ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (^١١).
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ (^١٢). فلو لم يَكُنْ لِمحمَّدٍ - ﷺ - مِنَ المُعجِزاتِ الدَّالَّةِ على صدقِهِ غَيْرُ هذا الكتابِ [لكفَاهُ] (^١٣)، فكيفَ
_________________
(١) في ب، ش، ط: "منهم".
(٢) في ب، ع، ش: "هذا"، وفي ط: "فهذا".
(٣) من حديث طويل أخرجه الشيخان والترمذي، وانظر رواياته وتخريجه في "جامع الأصول" ١١/ ٢٦٥ - ٢٧١، و"إعلام السائلين" ص ٦٧ - ٨٠.
(٤) في ب، ط، ش: "ما أنزله".
(٥) في آ: "العلم".
(٦) في آ: "الرغب والرهب".
(٧) المُصْحَفُ: مجموعٌ من الصُّحف في مجلد، وغلب استعماله في القرآن الكريم، وجمعه مصاحف.
(٨) في آ: "إذ".
(٩) وذلك في قوله تعالى [البقرة: ٢٣]: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقوله تعالى [يونس: ٣٨]: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
(١٠) لفظة: "من" لم تر في ب، ش، ط.
(١١) سورة البقرة، الآية ٢.
(١٢) سورة العنكبوت، الآية ٥١.
(١٣) زيادة من ب، ش، ع، ط.
[ ١٦٧ ]
وَلَهُ مِن المُعْجِزاتِ الأرضِيَّةِ والسَّماويَّةِ ما لا يُحْصَى. وقوله: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾: يعني أنه يُزَكِّي قلوبَهُم وَيُطَهِّرُها من أدناسِ الشِّركِ والفُجورِ والضَّلالِ؛ فإنَّ النفوسَ تزكو إذا طَهُرَتْ مِن ذلك كلِّه، ومَنْ زكَتْ نَفْسُه فقد أفلَحَ، كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (^١). وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (^٢).
وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، يعني بالكتاب القرآنَ، والمرادُ: وَيعلِّمُهم تِلاوةَ ألفاظِهِ. ويعني بالحكمةِ فَهْمَ معاني القرآنِ والعَمَلَ بما فيه. فالحِكْمَةُ هي فهمُ القرآنِ والعملُ به (^٣)، فلا يُكْتَفَى بتِلَاوةِ ألفاظِ الكتاب حتَّى يُعْلَمَ معناهُ ويُعْمَلَ بمقتضاهُ، فمَنْ جُمِعَ له (^٤) ذلك كلُّه فقد أُوتِيَ الحِكْمَة. قالَ تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (^٥).
قال الفُضَيلُ (^٦): العلماءُ كثيرٌ، والحُكَماءُ قليلٌ. وقال: الحُكَماءُ وَرَثَةُ الأنبياءِ. فالحِكمةُ هي العِلمُ النافعُ الذي يتبَعُه العمَلُ الصَّالحُ. وهي (^٧) نورٌ يُقْذَفُ في القَلْبِ يُفهَمُ بها معنى العلم المنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ، ويحُضُّ على اتِّباعِه والعملِ به. ومَن قال: الحِكْمَةُ السُّنَّةُ، فقولُه حقٌّ؛ لأنَّ السُّنَّةَ تفسِّرُ القرآنَ وتُبيِّنُ (^٨) معانيَهُ وتحُضُّ على اتِّباعِهِ والعَمَلِ به؛ فالحكيمُ هو العالم المستنبطُ لدقائِقِ العِلمِ المنتفَعِ بعلمِهِ بالعمل بِهِ. ولأبي العتاهية (^٩):
وكَيْفَ تُحِبُّ أنْ تُدْعَى حَكِيمًا … وأَنْتَ لِكُلِّ ما تَهْوَى رَكُوبُ
وتَضْحَكُ دَائِبًا ظَهْرًا لِبَطْنٍ … وَتَذْكُرُ مَا عَمِلْتَ فَلَا تَتُوبُ
_________________
(١) سورة الشمس، الآية ٩. والمعنى: لقد فاز وأفلح من زكى نفسه بطاعة الله، وطهَّرها من دنس المعاصي والآثام.
(٢) سورة الأعلى، الآية ١٤. أي قد فاز من طهَّر نفسه بالإيمان، وأخلص عمله للرحمن.
(٣) في ب: "والعمل بما فيه".
(٤) لفظة: "له" لم ترد في (آ).
(٥) سورة البقرة، الآية ٢٦٩.
(٦) هو الفضيل بن عِيَاض بن مسعود التميمي اليربوعي، أبو علي، شيخ الحرم المكي، من أكابر العباد الصلحاء. كان ثقة في الحديث، أخذ عنه خلق منهم الإمام الشافعي. ولد في سمرقند سنة (١٠٥) هـ ونشأ بأيبوَرْد، ودخل الكوفة وهو كبير، وأصله منها، ثم سكن مكة وتوفي بها، من كلامه: "من عرف الناس استراح". مات سنة (١٨٧) هـ. وانظر ترجمته وكثيرًا من أقواله في "صفة الصفوة" ٢/ ٢٣٧ - ٢٤٧.
(٧) في ب، ط: "وهو "وهو تحريف لأن الضمير يعود إلى الحكمة.
(٨) في آ: "تفسير القرآن وتبيين".
(٩) ديوانه ٢٢ - ٢٣ ورواية البيت الثاني: وتُصْبِحُ ضاحِكًا ظَهْرًا لِبَطْنٍ … وتَذْكُرُ ما اجْتَرَمْتَ فلا تذوبُ
[ ١٦٨ ]
وقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (^١)، إشارة إلى ما كان النَّاسُ عليه قبلَ إنزالِ هذا الكتاب من الضلالِ، فإنَّ الله تعالى نظرَ حينئذٍ إلى أهلِ الأرضِ، فمقَتَهُم، عربَهُم وعَجمَهُم، إلَّا بقايا مِن أهلِ الكتابِ تمسَّكُوا بدينِهِم الذي لم يُبَدَّلْ ولم يُغيَّرْ، وكَانوا قليلًا جدًّا.
فأمَّا عامَّةُ أهلِ الكتاب فكانوا قد بدَّلُوا كُتُبَهُم وغيَّرُوها وحَرَفُوها، وأَدْخَلُوا في دينِهِم ما ليسَ منه فَضَلُّوا وأضَلُّوا. وأمَّا غيرُ أهلِ الكتابِ فكانُوا على ضَلالٍ مُبينٍ (^٢)؛ فالأمّيُّون أهلُ شركٍ يَعبُدُونَ الأوثانَ، والمجوسُ يعبُدُونَ النيرانَ ويقولون بإلهَيْنِ اثنينِ، وكذلك غيرُهُم مِن أهلِ الأرضِ؛ منهم مَن كان يعبُدُ النُّجومَ، ومنهم مَن كان يعبُدُ الشَّمسَ أو القمر، فهدَى الله المؤمنينَ بإرسالِ محمَّدٍ - ﷺ - إلى ما جاءَ بهِ مِنَ الهُدَى ودِينِ الحقِّ؛ وأظهَرَ الله دينَهُ حتى بَلَغَ مشارِقَ الأرضِ ومغارِبَها، فظهرَتْ فيها كلمةُ التَّوحيدِ والعَمَل بالعَدْلِ بعد أن كانَتْ الأرضُ كلُّها ممتلئةً مِن ظُلمةِ (^٣) الشِّرْكِ والظُّلْمِ. فالأمّيُّون هم العَربُ، والآخرون الذين لم يَلْحَقُوا بهم هم أَهْلُ فارِسَ والرُّومُ، فكانَتْ أهلُ فارِسَ مجوسًا، والرُّومُ نصارَى، فهدَى اللهُ تعالى جميعَ هؤلاءِ برسالة محمَّدٍ - ﷺ - إلى التوحيدِ.
وقد رُئي الإمامُ أحمدُ (^٤) بعد موتِه في المنام، فسُئِلَ عن حالِهِ، فقال: لولا هذا النَّبيُّ لكنَّا مجوسًا، وهو كما (^٥) قال، فإنَّ أهلَ العِرَاقِ لولا رسالةُ محمدٍ - ﷺ - لكانوا مَجُوسًا، وأهلُ الشَّامِ ومِصْرَ والرُّومُ لولا [رسالةُ] (^٦) محمدٍ - ﷺ -[لكانُوا نصارَى، وأهلُ جزيرة العربِ لولا رسالةُ محمد] (^٧) لكانوا مشرِكينَ عُبَّادَ أَوْثَانٍ. ولكن رَحِمَ اللهُ عبادَهُ بإرسالِ محمدٍ - ﷺ - فأنقذَهُم مِن الضَّلالِ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (^٨). ولهذا قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (^٩). فمن حصَلَ له نصيبٌ من دِين الإِسلامِ فقد حصَلَ له الفَضْلُ العَظِيمُ،
_________________
(١) سورة الجمعة، الآية ٢.
(٢) في ب، ش، ع ٨ ط: "بَيِّن".
(٣) لفظة: "ظلمة" لم ترد في (ط).
(٤) لفظة: "أحمد" لم ترد في (ط).
(٥) قوله: "وهو كما" سقط من (ط).
(٦) لفظة: "رسالة" زيادة من (ط).
(٧) ما بين قوسين سقط من (آ).
(٨) سورة الأنبياء، الآية ١٨٧.
(٩) سورة الجمعة ٨ الآية ٤.
[ ١٦٩ ]
وقد عَظُمَتْ عليه نعمَةُ اللهِ، فما أحوَجَهُ إلى القيام بشكرِ هذه النِّعْمَةِ وسؤالِهِ دوامَها والثَّباتَ عليها إلى المماتِ، والموتَ عليها، فبذلِكَ تَتِمُّ النِّعمةُ.
فإبراهيمُ - ﵇ - هو إمامُ الحنفاء المأمورُ محمَّدٌ - ﷺ - ومَنْ قَبْلَه مِنَ الأنبياءِ - ﵈ - بالاقْتِداء به، وهو الَّذي جَعَلَهُ الله للنَّاسِ إمامًا. وقَدْ دعا هو وابنُه إسماعيلُ - ﵇ - بأن يبعَثَ الله في أهلِ مَكَّةَ رَسُولًا مِنْهُم مَوْصُوفًا بهذِهِ الأوصافِ (^١)، فاستجابَ الله لهما وجَعَلَ هذا النَّبيَّ المَبْعُوثَ (^٢) فيهم مِن وَلَدِ إسماعِيلَ بن إبراهيمَ كما دَعَيا بذلك، وهو النَّبيُّ الَّذِي أَظْهَرَ دِينَ إبراهيمَ الحنِيفَ بعدَ اضمِحلالِهِ وخفائِهِ على أهلِ الأرضِ، فلهذا كان أَوْلَى النَّاسِ بإبراهيمَ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. (^٣).
وقال - ﷺ -: "إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ وَلِيًّا مِن النَّبيِّينَ (^٤) إنَّ وليي (^٥) إبراهيم" (^٦)، ثم تلا هذه الآية. وكان - ﷺ - أَشْبَهَ وَلَدِ إبرَاهِيمَ بهِ صُورةً ومعنىً، حتى إنَّه أشْبَهَهُ في خُلَّةِ (^٧) اللهِ تعالى، فقال: "إنَّ الله اتَّخذَنِي خَلِيلًا كما اتَّخَذَ إبراهيمَ خليلًا" (^٨).
الثاني (^٩): بِشَارةُ عيسى بهِ، وعيسى آخِرُ أنبياءِ بني إسرائيلَ، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (^١٠).
وقد كان المسيحُ - ﵇ - يَحُضُّ على اتِّباعِهِ، ويقولُ: إنَّه يُبعَثُ
_________________
(١) وذلك في سورة البقرة، الآية ١٢٩، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وقد مضى ذكر ذلك.
(٢) في ط: "مبعوثًا".
(٣) سورة آل عمران، الآية ٦٨.
(٤) في ط: "المؤمنين".
(٥) في ع، ط: "وأنا ولي".
(٦) رواه الترمذي رقم (٢٩٩٥) في التفسير، باب ومن سورة آل عمران، والطبري في "تفسيره" رقم (٧٢١٦)، وأحمد في "مسنده" ١/ ٤٠١ والحاكم في "المستدرك" ٢/ ٢٩٢ وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. وقد ذكره المؤلف ﵀ بالمعنى.
(٧) الخُلَّةُ: الصداقة المختصَّة التي ليس فيها خلَلٌ، وجمعها خِلالٌ. والخليل: الصديق.
(٨) قطعة من حديث رواه ابن ماجه رقم (١٤١) في المقدمة، وهو حديث ضعيف جدًّا.
(٩) أي الدليل الثاني على نبوَّته - ﷺ -.
(١٠) سورة الصف، الآية ٦.
[ ١٧٠ ]
بالسَّيْفِ، فَلا يَمنعنَّكُم ذلك منه. ورُوي عنه أنَّه قالَ: سوف أذهَبُ أنا ويأتِي الذي بعدِي لا يَتَحمَّدُكم (^١) بدَعْواهُ، ولكنْ يَسُلُّ السَّيفَ فتدخلُونَه طَوْعًا وكُرْهًا. وفي "المسند" عن أبي الدَّرْدَاء (^٢) ﵁، عن النَّبيِّ - ﷺ -، أن الله ﷿ أَوْحَى إلى عِيسى ﵇: "إنِّي باعثٌ (^٣) بَعْدَكَ أُمَّةً، ان أصَابَهُمْ ما يُحبُّونَ حَمِدُوا وشَكَرُوا (^٤)، وإنْ أصَابَهُم ما يَكْرَهُونَ، احْتَسَبُوا وصَبَرُوا، ولا حِلْمَ ولا عِلْمَ. قال: يا ربّ! كيفَ هذا ولا حِلْمَ ولا عِلْمَ؟ قال: أُعْطِيهم مِن حِلْمِي وعِلْمِي".
قال ابنُ إسحاق (^٥): حدَّثني بعضُ أَهْل العِلْمِ أن عِيسَى بنَ مَرْيَمَ - ﵇ - قال: إنَّ أحَبَّ الأُمَمِ إلى اللهِ ﷿ لأَمَّةُ أحمَدَ. قيلَ له: وما فَضْلُهم الذي تَذكُرُ؟ قال: لم تُذَلَّلْ (^٦) "لَا إلهَ إلَّا اللهُ" على ألسُنِ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ تَذلِيلَها على ألسِنَتِهِم.
الثالث: مِمَّا دل على نُبوَّتِهِ - ﷺ - قبْلَ ظُهورِهِ رُؤيا أمِّهِ التي رَأَتْ أنَّهُ خَرَجَ منها نورٌ أضاءَتْ لهُ قُصُورُ الشَّامِ، وذَكَرَ أن أمَّهَاتِ النَّبيِّينَ كذلك يَرَيْنَ. والرؤيا هنا إنْ أُرِيدَ بها رُؤيا (^٧) المَنَامِ، فَقَدْ رُوِيَ أن آمِنَةَ بنتَ وَهْبٍ رَأَتْ في أوَّلِ حَمْلِها بالنَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّها بُشِّرَتْ بأنَّه يَخرُجُ مِنها عندَ وِلادَتِها نورٌ تُضِيءُ له قُصُورُ الشَّامِ.
_________________
(١) في آ: "لا ينجدكم".
(٢) هو عويمر بن زيد بن قيس، ويقال: عويمر بن عامر، ويقال: عويمر بن عبد الله، وقيل ابن ثعلبة بن عبد الله الأنصاري الخزرجي، حكيم هذه الأمة، وسيد القراء بدمشق وهو معدود فيمن تلا على النبيِّ - ﷺ - وهو معدود فيمن جمع القرآن في حياة رسول الله - ﷺ - وتصدر للإقراء بدمشق في خلافة عثمان - ﵁ - وكان قبل البعثة تاجرًا في المدينة، ثم انقطع للعبادة. قال ابن الجزري: كان من العلماء الحكماء. مات بالشام سنة (٣٢) هـ. قال ابن حبَّان: وقبره بباب الصغير بدمشق مشهور يزار قد زرته غير مرة.
(٣) في آ: "أبعث".
(٤) لفظ: "وشكروا، لم يرد في (آ).
(٥) هو محمد بن إسحاق بن يسار القرشي المطلبي، أبو بكر، وقيل: أبو عبد الله، مولى قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، من أقدم مؤرخي العرب، وكان بحرًا من بحور العلم ذكيًا، حافظًا، طلابة للعلم، أخباريًا، نسابة، علامة، صاحب "السيرة النبوية"، وكل من تكلم في "السيرة" من بعده فعليه اعتماده. ولد في المدينة المنورة، وأخذ العلم عن كبار العلماء فيها، ورحل في طلب العلم إلى أقطار كثيرة إلى أن ألقى عصا الترحال في بغداد، فالتقى بالمنصور، وصنف لابنه المهدي كتاب "السيرة" - التي قام بتهذيبها ابن هشام - وعاش ببغداد إلى أن وافته المنية سنة (١٥١ هـ)، وقيل غير ذلك.
(٦) الذُّلُّ: ضد الصعوبة، وذَلَّ يذلُّ فهو ذلولٌ.
(٧) في ش، ع: "رؤية".
[ ١٧١ ]
وروَى الطبرانِي بإسنادِه عن أبي مَرْيم (^١) الكندِيِّ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - أنَّه سُئِلَ: أيُّ شيءٍ كانَ أوَّل مِنْ أَمْرِ نُبوَّتِكَ؟ قال: "أَخَذَ الله مِنِّي المِيثاقَ كما أَخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ ميثاقَهُم"، وتلا: ﴿[وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ] وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ (^٢) الآية، وبشرَى المسيح بن مريم. ورأَتْ أمُّ رَسولِ اللهِ - ﷺ - في مَنَامِها أنَّه خَرَجَ من بين يَدَيْها سِراجٌ أضاءَتْ لها منهُ قُصُورُ الشَّام. ثم قال: "ووراء (^٣) ذلك" (^٤). مرتين (^٥) أو ثلاثًا. وإِنْ أريدَ بها رؤيا (^٦) عَينٍ، كما قَال ابنُ عبَّاس في قَولِ الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (^٧): إنها رؤيا عَينٍ أُرِيها النَّبيُّ - ﷺ - ليلةَ أُسْرِيَ بِهِ، فقد رُوي أنَّ آمنة (^٨) رأَتْ ذلكَ عندَ وِلادةِ النَّبيِّ - ﷺ -.
قال ابنُ إسحاق (^٩): كانت آمنةُ بنتُ وَهْب تُحدِّثُ أنَّها أُتيَتْ حينَ حَمَلَتْ برسولِ اللهِ - ﷺ -، فقيلَ لها: إنَّكِ حَمَلْتِ بسيِّدِ هذه الأُمَّةِ، فإذَا وَقَعَ إلى (^١٠) الأرض فقُولي: أُعيذُهُ بالواحدِ من شَرِّ كُلِّ حاسد - وآيةُ ذلك أن يخرُجَ معهُ نورٌ يملأُ قُصُورَ بُصْرَى من أرضِ الشَّامِ - فإذا وَقَعَ فسمِّيهِ (^١١) محمَّدًا، فإنَّ اسْمَهُ في التوراةِ أحمدُ، يحمَدُه أهلُ السَّماءِ وأهلُ الأرضِ، واسْمُهُ فِي الإِنجيلِ أحمدُ، يحمَدُهُ أهلُ السَّماءِ وأهلُ الأرض؛ واسْمُهُ في القرآن محمَّدٌ.
وذَكَرَ ابنُ سَعْدٍ (^١٢)، عن الواقِدِيِّ بأسانِيدَ له متعددة، أن آمنةَ بنتَ وَهْبٍ قالَتْ: لَقَد عَلِقْتُ به (^١٣) - تعني النَّبيَّ - ﷺ - فما وَجَدْتُ له مشقَّةً حتَّى وضعْتُه، فلمَّا فُصِلَ منِّي خَرَجَ معه نورٌ أضاءَ له ما بينَ المشرقِ إلى المَغرب، ثم وَقَعَ إلى الأرض معتمِدًا على يَدَيْهِ، ثمَّ أَخَذَ قَبْضَةً مِن التُّراب فَقَبَضَها ورَفعَ رأسَهُ إلى السَّماءِ. وفي حديثِ بعضهِم:
_________________
(١) في آ، ش، ع: "أبي مُرَّة". ولعله أبو مريم الكندي، ذكره البغوي ولم يخرج له شيئًا، وذكره ابن السكن في الصحابة. وقال أبو أحمد الحاكم: له صحبة وحديثه في أهل الشام. (الإصابة برقم ١٠٤٣).
(٢) سورة الأحزاب، الآية ٧.
(٣) في آ: "ورؤيا"، وهو تحريف.
(٤) ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٨/ ٢٢٤ وقال: رواه الطبراني ورجاله وثقوا. وما بين حاصرتين في الحديث مستدرك منه وقد تقدم.
(٥) في ب، ط: "قريتين".
(٦) في ب، ش، ع، ط: "رؤية".
(٧) سورة الإسراء، الآية ٦٠.
(٨) في ط: "أمه".
(٩) انظر: "السيرة النبوية" ١/ ١٥٧ - ١٥٨.
(١٠) في آ: "على".
(١١) في آ: "سميه".
(١٢) في "الطبقات" ١/ ٩٨.
(١٣) عَلِقْتُ به: حَمَلْت به.
[ ١٧٢ ]
وقَعَ جاثيًا على رُكْبَتيهِ وخَرَجَ مَعَهُ نورٌ أضاءَتْ لَهُ قصورُ الشَّام وأسواقُها حتَّى رُؤيتْ أعناقُ الإبِلِ بِبُصْرَى، رافعًا رأسَهُ إلى السَّماءِ.
وروى البيهقِيُّ (^١) بإسنادِهِ، عن عُثْمَانَ بن أبي العَاصِ، حدَّثتني أمِّي أنَّها شَهِدَتْ وِلادَةَ آمِنَةَ بنتِ وَهْبٍ رسولَ اللهِ - ﷺ - لَيْلَةَ وَلَدَتْهُ، قَالَتْ: فَما شَيءٌ أنظُرُ اليهِ مِنَ البيتِ (^٢) إلَّا نور، وإنِّي أنظُرُ إلى النُّجوم تَدنُو حتَّى إنِّي لأقُولُ: لَيَقَعَنَّ عَليَّ (^٣). وخرَّج الإِمامُ أحمدُ مِن حديث عُتْبَةَ (^٤) بن عبَدٍ السُّلَمِي، عن النَّبيِّ - ﷺ - أن أمَّه قالت: إنِّي رَأيْتُ خَرَجَ مِنِّي نُورٌ أضاءَتْ مِنه قُصُورُ الشَّامِ (^٥).
وروى ابنُ إسحاقَ (^٦)، عن جَهْمِ بن أبي جَهْمٍ، عن عبدِ اللهِ بن جعفرٍ، عمَّن حدَّثَ عن حَلِيمةَ أمِّ النَّبيِّ - ﷺ - التي أرضعَتْهُ، أن آمِنةَ بنتَ وَهْبٍ حدَّثَتْها، قالَتْ: إنِّي حَمَلْتُ بِه فلمِ أرَ حَمْلًا قَطُّ كانَ أخفَّ عليَّ منهُ، ولا أعظَمَ بركَةً منه، لَقَدْ رأيْتُ نُورًا كأنَّه شِهابٌ خرَجَ مِنِّي حينَ وضَعْتُه، أضاءَتْ له أَعْنَاقُ الإِبِلِ بِبُصْرَى. وخُروجُ هذا النُّورِ عندَ وَضْعِهِ إشارَةٌ إلى ما يَجيءُ به مِنَ النُّورِ الذي اهْتَدى به أهلُ الأرضِ، وزالت (^٧) به ظلمةُ الشِّرْكِ منها، كما قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٨).
وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (^٩). وفي هذا المعنَى يقولُ [عمُّه] (^١٠) العبَّاسُ في أبياتِهِ المشهورةِ السائرةِ:
_________________
(١) هو أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، الإمام المُحدِّث الكبير، صاحب "السنن الكبرى" و"شعب الإيمان" المتوفى سنة (٤٥٨) هـ.
(٢) قوله: "من البيت" سقط من (ط).
(٣) انظر: "دلائل النبوة" للبيهقي ١/ ١١٢ - ١١٤.
(٤) في آ: "عقبة" وهو تحريف. وهو آخر من مات بالشام من الصحابة. الإصابة (تر ٥٤٠٧).
(٥) رواه أحمد في "المسند" ٤/ ١٢٧ و١٨٤ - ١٨٥ من حديث العرباض بن سارية، ورواه البغوي في "شرح السنة" رقم (٣٦٢٦) وهو حديث صحيح.
(٦) في "السيرة النبوية" ١/ ١٦٥ وقد نقل المؤلف - ﵀ - كلامه بتصرف.
(٧) في ب، ش، ع، ط: "زال".
(٨) سورة المائدة، الآيتان: ١٥، ١٦.
(٩) سورة الأعراف، الآية ١٥٧.
(١٠) زيادة من (ط).
[ ١٧٣ ]
وأَنْتَ لمَّا وُلِدْتَ أَشْرَقَتِ الْـ … أَرْضُ وضَاءَتْ بنُورِت الأفُقُ
فَنَحْنُ في ذلكَ الضِّياءِ وفي الـ … ــنُّورِ وسُبلِ الرَّشاد نَخْتَرِقُ (^١)
وأما إضاءةُ قُصورِ بُصْرَى بالنُّورِ الذي خَرَجَ مَعَهُ فهو إشارَةٌ إلى ما خَصَّ الشَّامَ مِن نُورِ نبوَّتهِ، فإنَّها (^٢) دارُ مُلْكِهِ. كما ذَكَرَ كَعْبٌ أن فِي الكتب السابقةِ: محمدٌ رسولُ اللهِ، مولدُهُ بمكَّةَ، ومهاجَرُه يثرِبُ (^٣)، ومُلْكُهُ بالشَّام؛ فمِنْ مَكَّةَ بُدِئَتْ نبوَّةُ محمَّدٍ - ﷺ -، وإلى الشَّام يَنتهِي مُلْكُهُ، ولهذا أُسْرِيَ بِهِ - ﷺ - إلى الشَّام، إلى بَيْتِ المقدِسِ، كما هَاجَرَ إبراهيَم - ﵇ - من قَبْلِهِ إلى الشَّام.
قال بعضُ السَّلَفِ: ما بعَثَ اللهُ نبيًّا إلَّا مِنَ الشَّامِ، فإنْ لم يُبْعَثْ مِنها هاجَرَ إليها. وفي آخرِ الزَّمانِ يستقرُّ العِلْمُ والإِيمانُ بالشامِ، فيكونُ نُورُ النبوَّةِ فيها أظهَرَ مِنْهُ في سائِرِ بلادِ الإِسلام.
وخرَّج الإمامُ أحمدُ من حديث عمرو بن العاص (^٤)، وأبي الدَّرداء. وخرَّجَ الحاكِمُ من حديثِ عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "رَأَيْتُ عَمُودَ الكِتابِ انتُزِعَ مِنْ تحتِ وسادتِي، فأتْبَعْتُهُ بَصَرِي، فإذا هو عَمُودٌ سَاطِعٌ عُمِدَ بِهِ إلى الشام، أَلَا وإن الإيمانَ إذا وقعَتِ الفِتَنُ بالشام" (^٥). وفي "المسند" والترمذي وغيرهَما، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "سَتكُونُ هِجْرَةٌ بعدَ هِجرةٍ، فخِيارُ أهْلِ الأَرضِ ألزَمُهُم مُهَاجَرَ إبراهيمَ"، يعني الشَّام (^٦).
وبالشام ينزلُ عيسى بنُ مريمَ - ﵇ - في آخِرِ الزَّمانِ، وهو المُبشِّرُ
_________________
(١) البيتان في "أسد الغابة" لابن الأثير ٢/ ١٣٠، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي ٢/ ١٠٣.
(٢) في ط: "بأنها".
(٣) في آ: "بيثرب".
(٤) في ط: "عبد الله بن عمرو بن العاص"، وهو خطأ.
(٥) رواه أحمد في "المسند" ٤/ ١٩٨ والحاكم في "المستدرك" ٤/ ٥٠٩ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - ورواه أيضًا أحمد في "المسند" ٥/ ١٩٩ من حديث أبي الدَّرْدَاء، ﵁. وهو حديث صحيح، وله شواهد أخر.
(٦) رواه أحمد في "المسند" ٢/ ١٩٩ و٢٠٩ وأبو داود رقم (٢٤٨٢) في الجهاد: باب سكنى الشام، والحاكم في "المستدرك" ٤/ ٥١٠ - ٥١١ وصححه ووافقه الذهبي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، ورواه أيضًا أحمد في "المسند" ٢/ ٨٤ من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁، وليس الحديث عنه الترمذي كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى.
[ ١٧٤ ]
بمحمَّدٍ - ﷺ -، [فيقرِّرُ عنذ نُزولِهِ دين محمَّدٍ - ﷺ -] (^١)، ويَحْكُمُ بهِ، ولا يَقْبَلُ مِن أحدٍ غيرَ دينِهِ، فيكسِرُ الصَّلِيبَ، ويقتُلُ (^٢) الخِنزير، ويضَعُ الجِزْيَةَ، ويُصلِّي خَلْفَ إمامِ المسلمينَ، ويقولُ: إنَّ هذه الأمة أئمَّةٌ بعضُهُم لِبَعْض، إشارة إلَى أنَّه متَّبعٌ لِدِينِهم غيرُ ناسخٍ له. والشَّامُ هي في آخِرِ الزَّمانِ أَرْضُ المحشَر والمَنْشَرِ (^٣)، فَيُحْشَرُ النَّاسُ إليها قبلَ القِيامةِ مِن أقطارِ الأرض، فيُهاجرُ خيارُ أهلِ الأرض إلى مُهَاجرِ إبراهيمَ، وهي أرضُ الشَّام طوعًا. كما تقدَّمَ أن خِيَارَ أهلِ الأرض ألزمُهُم مُهَاجَرَ إبراهِيمَ.
وقال - ﷺ -: "عليكم بالشَّام؛ فإنَّها خِيرةُ اللهِ مِن أرضِهِ، يَجْتَبِي (^٤) إليها خِيرَتَهُ مِن عِبَادِهِ". خرَّجَهُ الإِمامُ أحمدُ، وأَبو داود، وابنُ حِبَّانَ، والحاكم في "صحيحيهما" (^٥). وقال أبو أُمامَةَ: لا تقومُ السَّاعَةُ حتَّى ينتقِلَ خِيارُ أهلِ العِراقِ إلى الشامِ، وشرارُ أهْلِ الشام إلى العراقِ. خرَّجه الإمام أحمد (^٦).
وقد ثبتَ في "الصحيحين" عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قالَ: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تخرُجَ نارٌ بن أرض الحِجازِ فتضيء لها أعناقُ الإِبل بِبُصْرَى" (^٧).
وقد خرجت هذه النَّارُ بالحجاز بقرب المدينة، ورُئيتْ أعناق الإبلِ مِنْ ضَوْئِها بِبُصْرَى في سنةِ أربعٍ وخمسين وستمائة (^٨)، وعقيبها جَرَتْ
_________________
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ط).
(٢) في ط: "وينقل" هو تصحيف.
(٣) رواه أحمد في "المسند" ٦/ ٤٦٣، وابن ماجه رقم (١٤٠٧) من حديث ميمونة بنت سعد مولاة رسول الله - ﷺ -، وهو حديث صحيح. وفي اللسان عن ابن عمر، ﵄: فهلَّا إلى الشام، أرض المَنْشر، أي موضع النُّشور، وهي الأرض المقدسة من الشام يحشر الله الموتى إليها يوم القيامة، وهي أرضَ المحشر.
(٤) يجتبي: يصطفي ويختار.
(٥) رواه أحمد في "المسند" ٤/ ١١٠ وأبو داود رقم (٢٤٨٣) في الجهاد: باب في سكنى الشام من حديث عبد الله بن حوالة ﵁، واللفظ لهما، وهو بالمعنى عند الحاكم ٤/ ٥٠٩ و٥١٠ من حديث أبي أمامة، وانظر "مجمع الزوائد" ١٠/ ٥٩.
(٦) رواه أحمد في "المسند" ٥/ ٢٤٩. وإسناده ضعيف.
(٧) رواه البخاري رقم (٧١١٨) في الفتن: باب خروج النار، ومسلم رقم (٢٩٠٢) في الفتن وأشراط الساعة: باب لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز.
(٨) قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ١٣/ ٧٩: قال القرطبي في "التذكرة": قد خرجت نار بالحجاز بالمدينة، وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العتمة، الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة، واستمرت إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت، وظهرت النار بقريظة بطرف الحرة ترى في صورة البلد العظيم عليها سورٌ محيط عليه شراريف وأبراج ومآذن، وترى رجال يقودونها،=
[ ١٧٥ ]
واقعةٌ (^١) ببغداد، وقُتِلَ بها الخليفةُ وعامَّةُ مَنْ كانَ ببغدادَ. وتكاملَ خرابُ أَرْضِ العِراقِ على أيدي التَّتَارِ، وهاجَرَ خِيارُ أهلِها إلى الشام مِن حينئذٍ. فأمَّا شِرارُ النَّاس فتخرجُ نارٌ في آخِرِ الزَّمانِ تسوقُهُم إلى الشَّام قهرًا، حتَّى يجتمعَ الناسُ كلُّهم بالشَّامِ قبلَ قيام السَّاعَةِ.
وفي "سنن أبي داود"، عن أبي الدَّرْداء ﵁، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قالَ: "إنَّ فُسْطَاطَ (^٢) المسلمينَ يومَ المَلْحَمَةِ بالغُوطَةِ (^٣)، إلى جانِبِ مَدِينةٍ يقالُ لها دِمَشْقُ، مِنْ خَيْرِ مدائِنِ الشامِ" (^٤). وخرجه الحاكمُ، ولفظُه: "خيرُ منازِلِ المسلمينَ يومئذٍ" (^٥).
إخوانِي! مَنْ كانَ من هذه الأمة فهو مِن خير الأممِ عندَ اللهِ ﷿. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (^٦). وقال النَّبيُّ - ﷺ -: "أَنْتُمْ تُوفُّونَ سَبعِينَ أُمَّةً، أنتُمْ خيرُها وأكرَمُها على اللهِ ﷿" (^٧).
لمَّا كان هذا الرَّسولُ النَّبِيُّ الأمِّيُّ خَيْرَ الخَلْقِ وأفضلَهُم (^٨)، كانَتْ أمَّتُه خَيْرَ أمَّةٍ وأفضلَها، فما يحسُنُ بِمَنْ كانَ مِن خيرِ الأُممِ، وانتَسَبَ إلى متابَعَةِ خَيرِ الخَلْقِ،
_________________
(١) = لا تمر على جبل إلا دكته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك مثل النهر، أحمر وأزرق، له دوي كدوي الرعد يأخذ الصخور بين يديه وينتهي إلى محط الركب العراقي، واجتمع من ذلك ردم صار كالجبل العظيم، فانتهت النار إلى قرب المدينة، ومع ذلك فكان يأتي المدينة نسيم بارد، وشوهد لهذه النار غليان كغليان البحر. وقال لي بعض أصحابنا: رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام، وسمعت أنها رؤيت من مكة ومن جبال بصرى. وانظر تتمة كلامه.
(٢) في آ: "وقعة". وانظر كلام ابن العماد في "شذرات الذهب" (٥/ ٢٧٠ - ٢٧١) ففيه فائدة.
(٣) الفُسْطَاطُ: بيت من شَعْرٍ. وكل مدينة فسطاط. وفيه لغاتٌ: فُسْتَاط وفُسَّاط.
(٤) الغوطة: اسم البساتين والمياه التي حول دمشق، وهي غوطتها. (النهاية ٣/ ٣٩٦).
(٥) رواه أبو داود رقم (٣٢٩٨) في الملاحم: باب في المعقل من الملاحم، ورواه أيضًا أحمد في "المسند" ٥/ ١٩٧ من حديث أبي الدرداء ﵁، وهو حديث صحيح.
(٦) رواه الحاكم في "المستدرك" ٤/ ٤٨٦ وصححه، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
(٧) سورة آل عمران، الآية ١١٠.
(٨) رواه أحمد في "المسند" (٤/ ٤٤٧) من حديث حكيم بن معاوية عن أبيه معاوية بن حيدة بن معاوية بن كعب القشيري، وهو جد بهز بن حكيم؛ ورواه أيضًا أحمد في "المسند" ٥/ ٥؛ و"الدارمي" ٢/ ٣١٣؛ وابن ماجه رقم (٤٢٨٧) في الزهد، باب: صفة أمة محمد - ﷺ - من حديث بهز بن حكيم عن أبيه، عن جده معاوية بن حيدة القشيري؛ وهو حديث صحيح.
(٩) بعدها في ع: "عند الله سبحانه".
[ ١٧٦ ]
وخُصُوصًا مَنْ كان يَسكُنُ خيرَ منازِل المسلمينَ في آخرِ الزَّمانِ، إلَّا أن يكونَ متَّصِفًا بصِفاتِ الخَيْرِ، مُجْتَنِبًا (^١) لصفاتِ الشَّرِّ، وقَبيحٌ بهِ أن يَرْضَى لنفسِهِ أن يكونَ مِن شَرِّ النَّاسِ مع انتسابه إلى خيرِ الأُممِ ومتابعةِ خيرِ الرُّسُلِ.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ (^٢). فخيرُ النَّاسِ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا. وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (^٣).
وقد روي عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: "خيرُ النَّاسِ مَنْ فَقُهَ في دِينِ اللهِ، ووَصَلَ رَحِمَه، وأمَرَ بالمعروفِ، ونَهَى عَنِ المنكَرِ" (^٤). وفي روايةٍ: "خيرُ النَّاسِ أتقاهُم للكذِبِ (^٥)، وأوصلُهُم للرَّحِم، وآمَرُهُم بالمَعْرُوفِ، وأَنْهَاهُم عن المنكَرِ" (^٦). وقال: "النَّاسُ مَعَادِنُ؛ فخِيارُهُم في الجاهِلِيَّةِ خِيارُهُم في الإسلامِ إذَا فَقِهُوا" (^٧).
وقال: "خَيرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وحَسُنَ عَمَلُهُ، وَشَرُّ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وسَاءَ عَمَلُه" (^٨). وقال: "خيرُكُم مَنْ يُرْجَى خَيْرُه ويُؤْمَنُ شَرُّهُ، وشرُّكُم مَنْ لا يُرْجَى
_________________
(١) في آ: "متجنبًا".
(٢) سورة البيّنة، الآية ٧.
(٣) سورة آل عمران، الآية ١١٠.
(٤) رواه أحمد في "المسند" ٦/ ٤٣٢ من حديث درَّة بنت أبي لهب - ﵂ - بلفظ: "خير الناس أقرؤهم وأتقاهم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم"، ورواه أيضًا الطبراني في "المعجم الكبير" ٢٤/ ٢٥٨. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٧/ ٢٦٣ وعزاه لأحمد والطبراني وقال: رجالهما ثقات وفي بعضهم كلام لا يضر.
(٥) في آ، ط: "للكذب".
(٦) ذكره المنذري في "الترغيب والترهيب" ٣/ ٢٣٠ في الحدود: باب الترغيب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعزاه لأبي الشيخ في "كتاب الثواب" وللبيهقي في "الزهد الكبير" وغيره، من حديث درَّة بنت أبي لهب ﵂.
(٧) قطعة من حديث رواه البخاري رقم (٣٣٨٣) في الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]، ومسلم رقم (٢٥٢٦) في فضائل الصحابة، باب: خيار الناس، و(٢٦٣٨) في البر والصلة، باب: الأرواح جنود مجندة، وفيه زيادة: "كمعادن الفضة والذهب، بعد قوله - ﷺ -: "الناس معادن … الحديث"، وابن حبَّان في "صحيحه" رقم (٩٢) طبع مؤسسة الرسالة، وقد ذكره المؤلف مختصرًا وبالمعنى من حديث أبي هريرة، ﵁.
(٨) رواه الترمذي رقم (٢٣٣٠) في الزهد، باب: رقم (٢٢)، وأحمد في "المسند" (٥/ ٤٠ و٤٣ و٤٤ و٤٧ و٤٨ و٤٩ و٥٠) من حديث أبي بكرة ﵁، والشطر الأول منه عند الترمذي رقم (٢٣٢٩) في الزهد، باب: ما جاء في طول العمر للمؤمن، وعند أحمد في "المسند" ٤/ ١٨٨ و١٩٠ من حديث عبد الله بن بُسْر - ﵁ - وهو حديث صحيح.
[ ١٧٧ ]
خَيْرُه ولا يُؤْمَنُ شَرُّهُ" (^١). وقال: "ألا أخبِرُكُم بخِياركُم؟ "، قالوا: بلى، قال: "الَّذين إذا رُؤوا ذُكِرَ الله، ألا أنبئكُم بشِرارِكم؟ " قالوا: بلى، قال: "المشَّاؤون بالنَّمِيمَةِ، المفرِّقونَ بينَ الأحِبَّةِ، البَاغُونَ (^٢) لِلْبُرآء العَنَتَ (^٣) " (^٤).
وقال: "شَرُّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عندَ اللهِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ" (^٥). وقال: "إنَّ مِن شَرِّ النَّاسِ [يَوْمَ القِيَامَةِ] (^٦) منزِلَةً عندَ اللهِ ذا الوَجْهَيْنِ، الّذي يأتي هؤلاء بوجهٍ، وهؤلاءِ بوجهٍ" (^٧). وقال: "إنَّ مِن شَرِّ النَّاسِ عندَ اللهِ منزِلَةً مَنْ يَقْرأُ كتابَ الله ولا (^٨) يَرْعَوِي إلى ما فيه" (^٩). وقال: "من شَرِّ النَّاس منزِلةً يومَ القيامةِ من أذهبَ آخرته بدنيا غيره" (^١٠).
أعمالُ الأُمَّةِ تُعْرَضُ على نبيِّها في البَرْزَخِ (^١١)، فَلْيَسْتَحِ عَبْدٌ أَنْ يُعْرَضَ على نبيِّهِ مِنْ عَمَلِهِ ما نَهَاهُ عنه.
_________________
(١) رواه الترمذي رقم (٢٢٦٣) في الفتن، باب: رقم (٧٦)، وأحمد في "المسند" ٢/ ٣٦٨ و٣٧٨ من حديث أبي هريرة ﵁. ورواه أيضًا أبو يعلى الموصلي من حديث أنس - ﵁ - وهو حديث صحيح.
(٢) الباغون: الطالبون. وبُرآء: جمع بريء، والعَنَت: المشقة والفساد.
(٣) في آ، ش، ع، ط: "العيب". والمثبت من (ب).
(٤) رواه أحمد في "المسند" ٤/ ٢٢٧ من حديث عبد الرحمن بن غنم و٦/ ٤٥٩ من حديث أسماء بنت يزيد الأنصارية. ورواه الطبراني في "الكبير" من حديث عبادة بن الصامت، وهو حديث ضعيف.
(٥) رواه البخاري رقم (٦٠٥٤) في الأدب، باب: ما يجوز من اغتياب أهل الفسادِ والرَّيب، و(٦١٣١) باب المداراة مع الناس؛ ومسلم رقم (٢٥٩١) في البر والصلة، باب: مداراة من يُتَّقى فحشه؛ وأبو داود في الأدب، باب: في حسن العشرة؛ والترمذي رقم (١٩٩٦) في البر والصلة، باب: ما جاء في المداراة؛ وأحمد في "المسند" ٦/ ٣٨ من حديث عائشة، ﵂.
(٦) قوله: "يوم القيامة" لم يرد في آ، ش، ع.
(٧) رواه البخاري رقم (٦٠٥٨) في الأدب، باب: ما قيل في ذي الوجهين، و(٧١٧٩) في الأحكام، باب: ما يكره من ثناء السلطان، وإذا خرج قال غير ذلك؛ ومسلم رقم (٢٥٢٦) (٩٨) و(٩٩)؛ وأبو داود رقم (٤٧٨٢) في الأدب، باب: في ذي الوجهين؛ وأحمد في "المسند" ٥/ ٢٤٢ و٣٠٧ و٣٣٦ و٤٥٥؛ والترمذي مختصرًا رقم (٢٠٢٥) في البر والصلة، باب: ما جاء في ذي الوجهين، كلهم من حديث أبي هريرة، ﵁.
(٨) في ب، ش، ع، ط: "ثم لا". ولا يرعوي: أي لا ينكفُّ ولا يَنزجرُ.
(٩) رواه أحمد في "المسند" ٣/ ٤٢ و٥٨، والنسائي ٦/ ١٢ في الجهاد، باب: فضل من عمل في سَبيل الله على قدمه. وهو حديث ضعيف.
(١٠) رواه ابن ماجه رقم (٣٩٦٦) في الفتن، باب: إذا التقى المسلمان بسيفيهما.
(١١) البَرْزَخُ: ما بين الدنيا والآخرة قبل الحشر من وقت الموت إلى البعث، فمن مات فقد دخل البَرْزَخَ، والبرزَخُ لغة: الحاجز بين الشيئين. (اللسان).
[ ١٧٨ ]
لمَّا وَقَفَ - ﷺ - عامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، قال: "إنِّي فَرَطُكُم" (^١) على الحَوْض، وإنِّي مكاثِر بِكُم الأمَمَ، فلا تُسَوِّدُوا وَجْهِي" (^٢). يشيرُ إلى أنَّه - ﷺ - يَسْتحِي مِن سيئاتِ أُمَّتِه إذا عُرِضَتْ عليه. وقال: "لَيُؤْخَذَنَّ برجَالٍ مِن أُمَّتِي ذاتَ الشمالِ، فأقولُ: ياربّ! أصحابي، فيقالُ: إنَّك لا تَدْرِي ما أَحْدَثُوا بَعْدَك، فَأَقُولُ: سُحقًا سُحْقًا (^٣) لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي" (^٤).
خيرُ هذهِ الأُمَّةِ أوَّلُها قَرْنًا، كما قال النَّبيُّ - ﷺ -: "خيرُ القُرون قَرْنِي، ثم الذين يَلُونَهُم، ثم الذين يلُونهم" (^٥). وقال: "بُعِثْتُ مِن خَيْرِ قُرونِ بَني آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا، حَتَّى كُنْتُ مِن القَرْنِ الَّذي كُنْتُ منه" (^٦).
كم قدْ جاءَ مدْحُ أصحابه في كتابه [تعالى]: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (^٧). ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (^٨). وخصَّ الصِّدِّيقَ مِن بينهم بالصُّحْبَةِ بقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (^٩).
لمَّا جَلَى الرَّسُول - ﷺ - عَرُوسَ الإِسلامِ وأبرزَها للبصائر مِن خِدْرِها، أخرَجَ
_________________
(١) أنا فَرَطُكُم على الحوض: أي أنا متقدِّمكم إليه. (اللسان).
(٢) رواه بهذا اللفظ ابن ماجه رقم (٣٠٥٧) في سياق حديث طويل في المناسك، باب: الخطيئة يوم النحر، وإسناده حسن، وله شاهد من حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - بلفظ: "أنا فرط لكم على الحوض، وإني مكاثر بكم الأمم"؛ انظر "مجمع الزوائد" (١٠/ ٣٦٥).
(٣) سُحْقًا سُحْقًا: أي بُعْدا بُعْدًا. ومكان سحيق: بعيد. ونصب "سحقًا" على المصدر، التقدير: أسحقهم الله سُحْقًا، أي باعَدَهم من رحمته مباعدة (اللسان).
(٤) رواه البخاري رقم (٦٥٨٤) في الرقاق، باب: في الحوض، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]، و(٧٠٥٠) في الفتن، باب: ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، وأحمد في "المسند" ٥/ ٣٣٣ و٣٣٩ من حديث سهل بن سعد، ﵁.
(٥) رواه البخاري رقم (٢٦٥١) في الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة جور إذا أُشهد؛ ومسلم رقم (٢٥٣٥) في فضائل الصحابة، باب: فضل الصحابة ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، والترمذي رقم (٢٣٠٢) في الشهادات، باب: رقم (٤)؛ والنسائي ٧/ ١٧ - ١٨ في الأَيمان والنذور، باب: الوفاء بالنذر، من حديث عِمْران بن حصين، ﵁.
(٦) رواه البخاري رقم (٣٥٥٧) في المناقب، باب: صفة النَّبيِّ - ﷺ -.
(٧) سورة الفتح، الآية ٢٩.
(٨) سورة الفتح، الآية ١٨.
(٩) سورة التوبة، الآية ٤٠.
[ ١٧٩ ]
أبو بكرٍ - ﵁ - مالَهُ كلَّه نِثارًا لِهذا العَرُوسِ (^١)، فأخْرَجَ عُمَرُ النصفَ موافقةً له، فقامَ عثمانُ بوليمةِ العُرْسِ (^٢)، فجهز جَيْشَ العُسْرَةِ (^٣)، فعلِمَ عليُّ - ﵁ - أن الدُّنيا ضَرَّةُ هذه (^٤) العَرُوسِ، وأنَّهما لا يجتمعان، فَبَتَّ طَلاقَها ثلاثًا. فالحمدُ للهِ الذي خَصَّنا بهذِه الرَّحمَةِ، وأَسْبَغَ علينا هذهِ (^٥) النِّعْمَةَ، وأعطانا ببركَةِ نبيِّنا هذه الفضائلَ الجمَّةَ، فقال لنا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (^٦).
مِن أينَ في الأُمَمِ مثلُ أبي بكرٍ الصِّدِّيق، أو عُمَرَ الذي ما سَلَكَ طريقًا إلَّا هَرَبَ الشَّيطانُ مِن ذلك الطريق، أو عثمانَ الصابر على مُرِّ الضيق (^٧)، أو عليٍّ بحرِ العلمِ العمِيق، أو حمزةَ والعبَّاس؟ أفيهم (^٨) مثلُ طلحةَ والزُّبَيْر القَرِينين (^٩)، أو مثلُ سعدٍ وسعيدٍ (^١٠)، هيهاتَ!! من أينَ (^١١)؟ أو مثلُ ابن عَوْفٍ وأبي عُبيدَة، ومَن مثلُ الاثنين، إِن شَبَّهْتُم (^١٢) بهم فقد أبعدتُم القِياسَ.
من أين في زُهَّادِ الأُممِ مثلُ أُوَيْسٍ (^١٣)، أو في عُبَّادهم مثلُ عامر (^١٤) بن عبد قيس، أو في خائفِهم مثلُ عُمَرَ بن عَبْدِ العزيز؟! هيهات!! ليسَ ضوءُ الشَّمسِ كالمِقياس. أفي علمائهم مثلُ أبي حَنِيْفَةَ ومالك، والشَّافعي السديد (^١٥) المسالك، كيف تمدَحُه وهو أجلُّ مِن ذلك؟ ما أحسَن بنيانَهُ والأساسَ!! أفيهم (^١٦) أعلى من
_________________
(١) في آ، ش: "العرس".
(٢) العُرْسُ: طعام الوليمة، وهو الذي يعمل عند العُرْسِ، يُسَمَّى عُرْسًا باسم سببه. والعروس: يستوي فيه المذكر والمؤنث.
(٣) جيش العُسْرة: هو جيش غزوة تبوك، سمي بها لأنه نَدَبَ الناس إلى الغزو في شدَّةِ القيظ، وكان وقت إيناع الثمرة وطيب الظلال، فعسُر ذلك عليهم وشقَّ. (اللسان).
(٤) في آ: "هذا".
(٥) في آ: "وأسبغ علينا من هذه النعمة".
(٦) سورة آل عمران، الآية ١١٠.
(٧) أراد محنته وقت أن قام نفر من النَّاس بمطالبته باعتزال الخلافة، وما نتج عن ذلك مفصل في كتب التاريخ والسير.
(٨) في آ، ش: "أيهم".
(٩) في ط: "القرنين" وهو تحريف، والقرين: صاحبك الذي يقارنك.
(١٠) أراد سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وهما من العشرة المبشرين بالجنة، ﵃.
(١١) قوله: "من أين" لم يرد في (ب، ط).
(١٢) في آ: "شبهتهم".
(١٣) هو أُوَيْسُ بن عامر بن جزء بن مالك القَرَني المُرادي اليمانيّ، أبو عمرو، سيد التابعين في زمانه، وأحد النساك العبَّاد المقدمين، أدرك حياة النَّبيِّ - ﷺ - ولم يره، فوفد على عمر بن الخطَّاب، ثم سكن الكوفة، وشهد وقعة صفين مع علي بن أبي طالب. ويرجح الكثيرون أنه قتل فيها. (طبقات ابن سعد ١/ ١٦٦، سير أعلام النبلاء ٤/ ١٩ - ٣٣، وتهذيب ابن عسكر ٣/ ١٥٧ ومختصره ٥/ ٧٩).
(١٤) لفظة: "عامر" سقطت من (آ).
(١٥) في آ، ب، ش: "الشديد"، وأثبت ما جاء في ع، ط.
(١٦) في ب، ط: "أثمَّ"، وفي ش: "أيهم".
[ ١٨٠ ]
الحسَنِ البَصْرِي وأَنبَلُ، أو ابن سِيرِينَ الذي بالورعِ تقبَّل، أو سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ الذي بالخوفِ والعلم تَسَرْبَل (^١)، أو مثل أحمدَ الذي بذلَ نفسَهُ لله وسَبَّل، تالله ما في الأمم مثلُ ابن حَنْبَل؛ ارْفَعْ صَوْتَكَ بهذا ولا بأسَ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (^٢).
لَاحَ شَيْبُ الرَّأسِ مِنِّي فَنَصَحْ (^٣) … بَعْدَ لَهْوٍ وَشَبَابٍ وَمَرَحْ
إخْوَتِي تُوبُوا إلى اللهِ بِنَا … قَدْ لَهَوْنا وجَهِلْنَا مَا صَلَحْ
نَحْنُ في دارٍ نَرَى المَوْتَ بها … لَمْ يَدَعْ فيها لِذِي اللُّبِّ فَرَحْ
يَا بَنِي آدَمَ صُونُوا دِينَكُمْ … يَنْبَغِي للدِّين ألَّا يُطَّرَحْ
واحْمَدُوا الله الَّذي أَكْرَمَكُمْ … بنبيٍّ قامَ فيكُم فَنَصَحْ
بِنَبيٍّ فَتَحَ الله بِهِ … كُلَّ خَيْرٍ نِلْتُمُوهُ وَمَنَحْ
مُرْسَلٍ لو يُوزَنُ النَّاسُ بِهِ … في التُّقَى والبرِّ خَفُّوا وَرَجَحْ
فَرسُولُ اللهِ أَوْلَى بالعُلَى … وَرَسُولُ اللهِ أَوْلَى بالمِدَحْ
* * *