خرَّج الإمامُ أحمد (^١) والنسائي مِن حديث أسامَةَ بن زيد، قال: كان رسولُ الله - ﷺ - يَصُومُ الأيَّامَ يَسرُدُ حتى نقولَ لا يُفطِرُ، ويُفطِرُ الأيَّامَ حتَّى لا يكادُ يَصُومُ، إلَّا يومين من الجمعة إن كانا في صيامِه، وإلا صامَهُمَا. ولَمْ يكُنْ يَصُومُ مِن الشهور ما يَصومُ من شعبانَ. فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّك تصومُ (^٢) لا تكادُ تُفطِرُ، وتُفطِرُ حتَّى لا تكادُ تَصومُ إلَّا يومين إن دخلا في صيامِكَ وإلا صمتَهُما. قال: أي يومين؟ قال: يومُ الاثنين، ويومُ الخميس. قال: ذانك يومانِ تُعرَضُ فيهما الأعمالُ على ربِّ العالمين، وأحِبُّ أن يُعرضَ عملي وأنا صائمٌ. قلْتُ: ولم أركَ تصومُ مِن الشهور ما تَصومُ مِن شعبانَ؟ قال: ذاك شهر يَغْفُلُ الناسُ عنه بينَ رجَبٍ ورمضانَ، وهو شهر تُرفَعُ فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمين ﷿، فأحبُّ (^٣) أَن يُرفَعَ عَملِي وأنا صائم.
قد تضمَّنَ هذا الحديثُ ذكرَ صيام رسولِ الله - ﷺ - من جميع السنة، وصيامَه من أيام الأسبوع، وصيامَهُ من شهورِ السنة. فأمَّا صيامُهُ من السنة فكان يَسْرُدُ الصَّومَ أحيانًا والفِطرَ أحيانًا، فيصومُ حتَّى يقالَ لا يُفطِرُ، ويُفطِرُ حتى يقالَ لا يَصُوم. وقد رَوَى ذلك أيضًا عائشةُ وابنُ عباس وأنسٌ وغيرُهم. ففي "الصحيحين" (^٤) عن عائشة
_________________
(١) مسند الإمام أحمد ٥/ ٢٠١، والنسائي ٤/ ٢٠١ و٢٠٢ في الصيام: باب صوم النبي محمد - ﷺ -.
(٢) في ب، ط: "تصوم حتى لا تكاد".
(٣) في آ، ش، ع: "وأحب".
(٤) أخرجه البخاري رقم (١٩٦٩) في الصوم: باب صوم شعبان، ومسلم رقم (١١٥٦) في الصيام: باب صيام النبي - ﷺ - في غير مضان.
[ ٢٣٦ ]
﵂، قالت: "كان رسولُ الله - ﷺ - يصومُ حتَّى نقولَ: لا يُفطِر، ويُفطِرُ حتَّى نقولَ لا يَصُومُ". وفيهما (^١) عن ابن عباس، قال: "كان رسولُ الله - ﷺ - يَصومُ إذا صام حتى يقولَ القائلُ: لا والله لا يُفْطِرُ، ويُفطِرُ إذا أفطَرَ حتى يقولَ القائلُ: لا واللّهِ لا يَصُومُ". وفيهما (^٢) عن أنس أنَّه سئل عن صيام النبي - ﷺ - فقال: "ما كنْتُ أحبُّ أنْ أراه مِنَ الشهر صائمًا إلَّا رأيتُهُ، ولا مُفْطِرًا إلَّا رأيته، ولا مِن اللَّيلِ قائمًا إلّا رأيتُه، ولا نائمًا إلَّا رأيتُه".
ولمسلمٍ (^٣) عنه، قال: كان رسولُ الله - ﷺ - يَصومُ حتَّى يقالَ: قَدْ صَامَ قَدْ صَامَ، ويفطِرُ حتَّى يقالَ: قَدْ أَفْطَر قَدْ أَفْطَر (^٤). وقد كان رسول اللهِ - ﷺ - يُنكِرُ على مَن يَسْرُدُ صَوْمَ الدَّهرِ ولا يُفطِرُ منه، ويخبِر عن نفسِه أنَّه لا يفعَل ذلك. ففي "الصحيحين" (^٥) عن عبد الله بن عمرو أَنَّ النبي - ﷺ - قال له: "أتصومُ النهارَ وتقومُ اللّيلَ؛ قال: نعم، فقال النبي - ﷺ -: لكنِّي أَصُومُ وأفطِرُ، وأصلِّي وأنامُ، وأَمَسُّ النِساءَ، فمن رَغِبَ عن سُنَّتِي فليسَ منِّي. وفيهما (^٦) عن أنسٍ: أن نفرًا من أصحابِ النبي - ﷺ - قال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضُهم: لا آكُلُ اللَّحمَ، وقال بعضُهم: لا أنامُ على فراشٍ. فبلَغَ ذلك النبيَّ - ﷺ -، فخطَبَ، وقال: "ما بالُ أقوامٍ يقولون كذا وكذا؛ لكنِّي أصلِّي وأنامُ، وأصُومُ وأُفطِرُ، وأتزوَّج النِساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتِي فليس مِنِّي".
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (١٩٧١) في الصوم: باب ما يُذكر من صوم النبي - ﷺ - وإفطاره؛ ومسلم رقم (١١٥٧) في الصيام: باب صيام النبي - ﷺ -؛ والنسائي ٤/ ١٩٩ في الصوم، باب صوم النبي - ﷺ -.
(٢) أخرجه البخاري رقم (١٩٧٣) في الصوم: باب ما يُذكر من صوم النبي - ﷺ - وإفطاره؛ وفي التهجد، باب قيام النبي - ﷺ - بالليل ونومه وما نسخ من قيام الليل؛ ومسلم رقم (١١٥٨) في الصيام: باب صيام النبي - ﷺ - في غير رمضان؛ والترمذي رقم (٧٦٩) في الصوم: باب ما جاء في سرد الصوم.
(٣) رقم (١١٥٨) في الصيام: باب صيام النبي - ﷺ - في غير رمضان.
(٤) بعدها في نسخة (ع) ما نصه: "وقد كان النبي - ﷺ - يصوم حتى يقال: قد صام، ويفطر حتى يقال: قد أفطر".
(٥) لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص روايات عدة طويلة، انظرها في "جامع الأصول" ١/ ٢٩٧ - ٣٠٣، وهو حديث معروف مشهور؛ أخرجه البخاري رقم (١٩٧٦) في الصوم: باب صوم الدهر، وفي أبواب أخرى، ومسلم رقم (١١٥٩) في الصيام: باب النهي عن صوم الدهر. ورواه الإمام أحمد في "المسند" ٢/ ١٥٨.
(٦) أخرجه البخاري رقم (٥٠٦٣) في النكاح: باب الترغيب في النكاح؛ ومسلم رقم (١٤٠١) في النكاح: باب استحباب النكاح؛ والنسائي ٦/ ٦٠ في النكاح: باب النهي عن التبتل.
[ ٢٣٧ ]
وخرَّجه النَّسَائِي وزاد فيه "وقال بعضُهم: أصومُ ولا أُفْطِرُ". وفي مسند الإمام أحمد (^١)، عن رجلٍ من الصحابة، قال: ذُكِرَ لرَسولِ الله - ﷺ - مولاة لبني عبد المطلب أنها قامَتِ اللَّيلَ، وتصومُ النَّهار. فقال النبي - ﷺ -: لكنِي أنا أنام وأصَلِّي، وأصومُ وأفطِرُ، فمن اقتدَى بي فهو منِّي، ومَنْ رَغِبَ عن سُنَّتِي فليس مِني، إن لكُل عمل شِرَّةً (^٢) وفَتْرَةً، فَمَنْ كانَتْ فَتْرَتُه إلى بِدْعَةٍ فَقَدْ ضَلَّ، وَمَنْ كانَتْ فَتْرَتُه إلى سُنَّةٍ فقد اهْتَدَى.
وفي "المسند" (^٣) و"سنن أبي داود" عن عائشةَ ﵂ أنَّ عُثْمانَ بن مَظْعُونٍ أراد التبتُّلَ (^٤)، فقال له رسولُ اللّه - ﷺ -: أترغَبُ عن سنَّتي؟ قال: لا والله، ولكنَّ سُنَّتَكَ أُريدُ. قال: فإنِّي أنامُ وأصلِّي، وأصُومُ وأفطِرُ، وأَنْكِحُ النِّساء فاتَّقِ اللّه يا عثمانُ، فإنَّ لأهلِكَ عليكَ حقًّا، وإنَّ لضيفِكَ عليكَ حَقًا (^٥)، وإنَّ لنفسِكَ عليكَ حقا، فصُمْ وأفْطِرْ، وصَل ونَمْ".
وقد قال عِكْرمَةُ وغيرُه: إن عثمانَ بن مَظْعُونٍ وعلي بنَ أبي طالبٍ والمقدادَ وسالِمًا مولى أبي حُذيفةَ في جماعةٍ تبتَّلوا فجلَسُوا في البيوتِ، واعتزلُوا النِّساءَ، وحرَّموا طيباتِ الطعامِ واللِّباسِ، إلَّا ما يأكُلُ وَيلْبَسُ أهلُ السياحَة من بني إسرائيلَ، وهمُّوا بالاخْتصاءِ، وأجمعوا لقيام اللَّيلِ وصيام النَّهارِ، فنزلت فيهم: ﴿يا أيها الَّذينَ آمنُوا لا تحَرمُوا طَيِّباتِ ما أَحَل اللّهُ لَكُمْ ولا تَعْتَدَوا إن اللَّهَ لا يُحِب المُعْتَدِينَ﴾ (^٦).
وفي صحيح البخاري (^٧) أن سلمانَ زارَ أبا الدَّرداء، وكان النبيُّ - ﷺ - قد آخى
_________________
(١) مسند أحمد ٥/ ٤٠٩، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٩٣ وقال: "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح".
(٢) في ط: "شدَّة". والشِّرَّة: النشاط والرَّغبة، وشِرَّة الشباب: أوله. والفترة: الانكسار. والضعف.
(٣) رواه أبو داود رقم (١٣٦٩) في أبواب قيام الليل، باب ما يؤمر به من القصد بالصلاة، ورجاله ثقات، إِلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق، لكن يشهد له أحاديث صحيحة. ورواه أحمد في "مسنده" ١/ ١٧٥ مختصرًا عن سعد بن أبي وقاص، وإسناده صحيح.
(٤) التَّبتُّل: الانقطاع عن النساء وترك النكاح. (النهاية ١/ ٩٤).
(٥) قوله: "وإن لضيفك عليك حقا" لم يرد في نسخة (ش).
(٦) سورة المائدة الآية ٨٧.
(٧) أخرجه البخاري رقم (٦١٣٩) في الأدب، باب صُنع الطعام والتكلف للضيف و(١٩٦٨) في الصوم، باب من أقسم على أخيه ليُفطر في التطوع. وأخرجه الترمذي رقم (٢٤١٥) في الزهد، باب أعط كل ذي حقٍّ حقَّه. والمؤلف روى الحديث بالمعنى. والتبذُّل: ترك التزين والتَّهيُّيء بالهيئة الحسنة الجميلة. (النهاية ١/ ١١١).
[ ٢٣٨ ]
بينهما، فرأى أمَّ الدَّرداءِ مُتبذِّلَةً، فقال لها: ما شأنُكِ مُتبذِّلةً؟ فقالت: إنَّ أخاكَ أبا الدَّرداءِ لا حاجَةَ له في الدُّنيا. فلمَّا جاءَ أبو الدَّرداء قرَّبَ له طعامًا، قال له: كُلْ، قال: إني صائم، فقال: ما أنا بآكل حتَّى تأكُلَ، فأَكَلَ. فلمَّا كان اللَّيلُ ذَهَبَ أبو الدَّرداءِ ليقومَ، فقال له سلمان: نَمْ، ثم ذَهَبَ لِيقُومَ، فقال له: نَمْ، فلمَّا كان من آخرِ اللَّيلِ، قال سلمان: قُمِ الآن، فقاما فصلَّيا. فقال سلمان: إنَّ لنفسِكَ عليكَ حقًّا، وإن لِضيفِكَ عليكَ حقا، وإن لأهلِكَ عليك حقًّا، فأَعْطِ كُل ذي حَق حقَّه. فأتَيا النبي - ﷺ -، فذكرا ذلك له، فقال: "صَدَقَ سَلمان".
وفي رواية في غير الصحيح (^١)، قال: "ثكِلَتْ سَلْمَانَ أمُّهُ! لقد أُشْبعَ مِنَ العِلْم". وهكذا قال النبي - ﷺ - لعبد الله بن عمرو بن العاص لمَّا كان يَصومُ الدَّهرَ، فنَهَاهُ وأَمَرَهُ أنْ يَصُومَ صَوْمَ داودَ، "يصومُ يومًا ويُفطِرُ يومًا". وقال له: "لا أَفْضَلَ مِن ذلك". وقد (^٢) وردَ النهيُ عن صيام الدَّهرِ والتشديدِ فيه. وهذا كلهُ يدُل على أن أفضَلَ الصِّيام إلا يُستَدَامَ، بل يُعاقَبُ بينَهُ وبينَ الفِطرِ، وهذا هو الصَّحيحُ من قولِ (^٣) العلماءِ، وهو مذهَبُ أحمدَ وغيرِهِ. وقيل لِعُمَرَ: إن فلانًا يَصُومُ الدَّهرَ، فجعَلَ يَقْرَعُ رأسَهُ بقناةٍ مَعَهُ، ويقوله: "كُلْ يا دَهْرُ، كُلْ يا دَهْرُ". خرَّجه عبدُ الرزاقِ (^٤).
وقد أشار النبي - ﷺ - إلى الحكمةِ في ذلك من وُجوهٍ؛ منها: قولُه - ﷺ - في صيام الدَّهْرِ: "لا صَامَ ولا أفْطَرَ"، يعني أنه لا يجِدُ مَشقَّةَ الصِّيامِ ولا فَقْدَ الطعامِ والشراب والشهوةِ؛ لأنَّه صارَ الصِّيامُ له عادةً مألوفةً، فربَّما تضررَ بتركِهِ، فإذا صَامَ تارةً وأفطَرَ أُخْرَى حَصَلَ له بالصيام مقصودُهُ بتركِ هذه الشهواتِ، وفي نفسِهِ داعية إليها، وذلك أفضَلُ مِن أنْ يتركَها ونفسُهُ لا تتُوقُ إليها. ومنها: قولُه - ﷺ - في حَقّ داودَ ﵇: "كان يَصُومُ يومًا، ويُفطِرُ يومًا، ولا يَفِرُّ إذا لاقَى"، يُشيرُ إلى أنه كان لا يُضعِفُهُ صيامُه عن ملاقاةِ عدوِّه ومجاهدَتِهِ في سبيلِ اللهِ. ولهذا رُوِيَ عن النبي - ﷺ - أنه قال لأصحابِهِ
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة ١٢/ ١٤٨ وتهذيب ابن عساكر ٦/ ٢٠٣ برواية الأعمش عن أبي صالح.
(٢) لفظ "قد" لم يرد في آ، ش، ع.
(٣) في ب، ش، ط: "من قولي" بالياء.
(٤) المصنف ٤/ ٢٩٨ رقم (٧٨٧١).
[ ٢٣٩ ]
يومَ الفَتْحِ وكان في رمضانَ: "إنَّ هذا يومُ قِتالٍ فأفطِرُوا" (^١).
وكان عمرُ إذا بعثَ سريةً، قال لهم: لا تَصُومُوا، فإنَّ التَّقوِّي على الجِهاد أفضلُ من الصَّومِ. فأفضَلُ الصِّيام ألَّا يُضعِفَ البَدَنَ حتى يَعجِزَ عمَّا هو أفضَلُ منه؛ من القيام بحقوقِ اللهِ تعالى، أوَ حقوقِ عبادِه اللَّازمة، فإنْ أضعَفَ عن شيءٍ مِن ذلك ممَّا هو أفضَلُ منه كان تركُهُ أفضَلَ.
فالأوَّلُ: مثلُ أن يُضعِفَ الصِّيامُ عن الصَّلاةِ، أو عن الذكْرِ، أو عن (^٢) العِلْمِ. كما قيلَ في النهي عن صِيامِ الجمعةِ ويومِ عرفةَ بعرفةَ: إنَّه يُضْعِفُ عن الذِّكر والدُّعاءِ في هذين اليومين. وكان ابنُ مسعود يُقِل الصَّوْمَ ويقولُ: إنَّه يمنعني مِن قراءة القرآنِ، وقراءةُ القرآنِ أحبُّ إليَّ. فقراءةُ القرآنِ أفضَلُ مِنَ الصِّيام. نصَّ عليه سفيانُ الثورِيُّ وغيرهُ من الأئمة. وكذلك تعلُّمُ العِلْم النافعِ وتعليمُهُ أَفْضَلُ مِن الصِّيام.
وقد نصَّ الأئمةُ الأربَعَةُ على أن طَلَبَ العِلْمِ أفضَلُ مِن صلاة النَّافلة، والصلاة أفضلُ من الصِّيام المتطوَّع به، فيكون العلم أفضَلَ مِن الصِّيام بطريق الأوْلَى؛ فإنَّ العِلْمَ مِصْباحٌ يُستَضَاءُ به في ظُلمةِ الجَهْلِ والهَوَى، فَمَنْ سارَ في طريقٍ على غيرِ مِصباحٍ لم يأمَنْ أن يقعَ في بئر بوارٍ فيعطبَ. قال ابنُ سيرينَ: إنَّ قومًا (^٣) تركُوا العِلْمَ واتَّخذُوا محارِيبَ فصَلُّوا وصَامُوا بغيرِ علم، واللهِ ما عمِلَ أحدٌ بغيرِ عِلْم إلَّا كانَ ما يُفسِدُ أكثَرَ ممَّا يُصلِحُ.
والثاني: مثلُ (^٤) أنْ يُضعِفَ الصِّيامُ عن الكَسْبِ للعيالِ أو القيامِ بحقوقِ الزوجاتِ، فيكونُ تركُه أفضَلَ. وإليه الإشارةُ بقوله - ﷺ -: "وإن لأهلِكَ عليكَ حقًّا".
ومنها: ما أشارَ إليه - ﷺ - بقوله: "إن لنفسِكَ عليكَ حقًّا فأعْطِ كُل ذي حَق حَقهُ" يُشير إلى أن النفسَ وديعةٌ للّهِ عندَ ابن آدَمَ، وهو مأمورٌ أن يقومَ بحقِّها؛ ومِن حَقِّها اللطْفُ بها حتى تُوصِلَ صاحبَها إلى المنزلِ.
قال الحسنُ: نفوسُكُم مطاياكم إلى رَبِّكم، فأصلِحُوا مطاياكم توصِلكُم إلى
_________________
(١) رواه ابن سعد في طبقاته ٢/ ١٤١ عن عبيد بن عمير مرسلًا.
(٢) في ش، ع: "أو العلم".
(٣) في ع: "أقوامًا".
(٤) لفظ "مثل" لم يرد في (آ).
[ ٢٤٠ ]
رَبِّكم. فَمَنْ وَفَى نفسَهُ حظَّها مِن المُباحِ بنيَّةِ التَّقوِّي به على تَقْوِيتها على أعْمالِ الطاعات، كانَ مأجورًا في ذلك، كما قال معاذُ بن جبل: إنِّي أحتسِبُ نَوْمَتِي كما أحتسِبُ قَوْمَتِي. ومَنْ قصَّرَ في حَقِّها حتَّى ضَعُفَتْ وتَضررتْ، كانَ ظالمًا لها. وإلى هذا أشار النبيُّ - ﷺ - بقوله لعبد الله بن عمرو بن العاص: "إنَّكَ إذا فعلْتَ ذلك نَفِهَتْ له النَّفْسُ، وهَجَمَتْ له العَيْنُ" (^١). ومعنى نَفِهَتْ: كَلَّتْ وأَعْيَتْ. ومعنى هجَمَتِ العَينُ: غَارَتْ.
وقال لأعرابيٍّ جاءَه فأسلمَ، ثمَّ أتاه من عامٍ قابلٍ وقد تغيَّرَ فلم يعرفْهُ، فلمَّا عَرَفَهُ سألَه عن حالِه، قال: ما أَكلْتُ بعدَكَ طعامًا بنهارٍ. فقال له النبيُّ - ﷺ -: ومَنْ أَمَرَكَ أن تُعذِّبَ نفسَكَ (^٢)؟.
فَمَنْ عذَّبَ نَفْسَهُ بأنْ حمَّلَها ما لا تُطِيقُهُ مِن الصِّيام ونحوِه فربَّما أَثَّرَ ذلك في ضَعْفِ بَدَنِهِ وعَقْلِهِ، فيفوتُهُ من الطَّاعاتِ الفاضِلةِ أكثرُ ممَّا يحصُلُ له (^٣) بتعذِيبه نفسه بالصِّيامِ.
وكان النَّبي - ﷺ - يتوسَّطُ في إعطاء نفسِه حقَّها ويَعدلُ فيها غايَةَ العَدْلِ؛ فيصومُ ويُفطِرُ، ويَقومُ ويَنامُ، وينكِحُ النِّساءَ، ويأكل ممَّا يجِدُ (^٤) منَ الطيباتِ، كالحلواءِ (^٥) والعسَلِ ولحمِ الدَّجاجِ. وتارةً يَجوعُ حتَّى يَربِطَ على بطنِهِ الحَجَرَ.
وقال: "عَرَضَ عليَّ ربِّي أنْ يَجعَلَ لي بطحاءَ مكَّةَ ذَهَبًا، فقلْتُ: لا يا ربِّ، ولكن أجوعُ يومًا وأشبَعُ يومًا؛ فإذا جُعْتُ تَضَرعْتُ إليكَ وذكَرْتُكَ، وإذا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ وشَكَرْتُكَ" (^٦).
_________________
(١) قطعة من حديث تقدم تخريجه، وله روايات عديدة، أخرجه البخاري رقم (١٩٧٩) في الصوم: باب صوم داود ﵇، ومسلم رقم (١١٥٩) في الصوم، والنسائي ٤/ ٢٠٩ في الصيام.
(٢) من حديث مجيبة الباهلية في سنن أبي داود رقم (٢٤٢٨) وقد مضى تخريجه.
(٣) في ب، ط: "أكثر مما حصَّله".
(٤) في ب ط: "ما يجد".
(٥) في آ، ع: "كالحلوى" مقصور؛ وهو كالحلواء بالمد.
(٦) أخرجه الترمذي رقم (٢٣٤٨) في الزهد، باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه، من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁، وإسناده حسن، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، قال: وفي الباب عن فضالة بن عبيد.
[ ٢٤١ ]
فاخْتارَ - ﷺ - لنفسِهِ أفضلَ الأحوالِ؛ ليجمَعَ بينَ مقامي الشكْرِ والصَّبْرِ والرِّضا.
ومنها: ما أشارَ إليه بقوله - ﷺ - لعبد الله بن عمرو: "لعلَّه أنْ يطولَ بكَ حياةٌ". يعني أن من تكلَّفَ الاجتهادَ في العِبادةِ فقد تحمِلُه قوَّةُ الشَّباب ما دامَتْ باقيةً، فإذا ذهَبَ الشبابُ وجاء المشيبُ والكِبَرُ عَجَزَ عن حملِ ذلك، فمن صَابَرَ (^١) وجاهَدَ واسْتمرَّ فَرُبَّما هَلَكَ بَدَنُه، وإن قطعَ فقد فاتَهُ أحبُّ الأعمال (^٢) إلى اللهِ تعالى، وهو المُدَاوَمَةُ على العَمَلِ. ولهذا قال النبي - ﷺ -: "اكْلَفُوا مِنَ العَمَلِ ما تُطيقُونَ، فواللهِ لا يَمَلُّ الله حتى تَمَلُّوا".
وقال - ﷺ -: "أَحَبُّ العَمَلَ إلى اللهِ أَدْومُهُ، وإنْ قَلَّ" (^٣).
فمن عمِلَ عملًا يَقْوَى عليه بَدَنُهُ في طولِ عُمرِه، في قُوَّتِه وضَعفِهِ، اسْتَقامَ سَيْرُهُ. ومَنْ حَمَلَ ما لا يُطيقُ؛ فإنَّه قد يَحدُثُ له مرَضٌ يمنعُهُ مِن العَمَل بالكليَّةِ، وقد يَسْأَمُ ويَضْجَرُ فيقطَعُ العَمَلَ، فيصيرُ كالمُنْبَتَ لا أرضًا قَطَعَ ولا ظهرًا أبقَى (^٤). وأمَّا صيامُ
_________________
(١) في ب، ط: "صابره".
(٢) في الأصول: "العمل"، وأثبت ما جاء في (ط).
(٣) روى ابن الأثير في "جامع الأصول" ١/ ٣١٨ عن معاذ بن جبل ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: "لن يُنجي أحدَكم عملُه، قالوا: ولا أنت؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمَّدني الله برحمة منه، فسدَّدوا، وقاربوا، واغدوا، وروحوا، وشيئًا من الدُّلجة، والقصدَ القصدَ تبلغوا، وإن أحبَّ الأعمال إلى الله تعالى ما داوم عليه صاحبُه، وإن قلَّ، فاكْلَفوا من العمل ما تطيقون، فإنَّ الله لا يمل حتى تملوا". ولم ينسبه، ومعناه ثابت في كتب الصحاح. وقد أخرجه البخاري رقم (٤٣) في الإيمان، باب أحب الدِّين إلى الله أدوَمُه و(١١٥١) في التهجد: باب ما يكره من التشديد في العبادة. و(٦٤٦٥) في الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل؛ ومسلم رقم (٧٨٢) في الصلاة، باب فضيلة العمل الدائم من قيام الليل، وأبو داود ١/ ٣١٥ في صلاة الليل، باب ما يؤمر به من القصد في الصلاة. قال ابن الأثير في "جامع الأصول" ١/ ٣٠٦: "لا يَمَلُّ حتى تملّوا: المراد بهذا الحديث: أن الله لا يملُّ أبدًا، مللتم أو لم تَمَلُّوا، فجرى مجرى قولهم: لا أفعله حتى يشيب الغراب، ويبيضَّ القار. وقيل معناه: إن الله لا يطرحكم حتى تتركوا العمل له، وتزهدوا في الرغبة إليه، فسمَّى الفعلين مللًا، وكلاهما ليس بملل. وقيل معناه: إن الله لا يقطع عنكم فضله، حتى تملّوا سؤاله، فسمّى فعلَ الله مللًا، وليس بملل، على جهة الازدواج، كقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه﴾ وكقوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾، وهذا شائع في العربية، وكثير في القرآن".
(٤) قطعة من حديث أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" ٣/ ١٩٩، وأوله: "إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك، فإنَّ المنبتَّ … ". وهو مثل تجده في كتاب الأمثال لأبي عبيد ص ٣٦، ومجمع الأمثال للميداني ١/ ٧، والزمخشري ١/ ٤١٠، والبكري ص ١٣، واللسان (بتت). والمنبت: الرجل انقطع في سفره، وعطِبت راحلته.
[ ٢٤٢ ]
النبيِّ - ﷺ - من الأيام، أعني (^١) أيامَ الأسبوع، فكانَ يتحرَّى صيامَ الاثنينِ والخميسِ. وكذا رُوِي عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - كان يتحرى صيامَ الاثنين والخميسِ. خرَّجَه الإمامُ أحمدُ (^٢)، والنسائيُّ، وابنُ ماجه، والترمذي وحسَّنَهُ.
وخرَّجَ ابنُ ماجه (^٣)، من حديثِ أبي هريرةَ ﵁، قال: كان النبي - ﷺ - يصومُ الاثنين والخميس، فقيل: يا رسولَ اللهِ! إنَّكَ تصومُ الاثنين والخميس؟ فقال: "إنَّ يومَ الاثنين والخميس يَغفِرُ الله فيهما لكل مُسلم، إلَّا مُهْتَجِرَيْنِ (^٤)، فيقول: دَعُوهُما حتى يَصْطَلِحا". وخرجه (^٥) الإمام أحمد، وعنده أن رسولَ الله - ﷺ - "كان أكثر ما يصومُ الاثنين والخميس، فقيل له، قال: إن الأعمال تُعْرَضُ كُل اثنين وخميسٍ، فيغفر لِكلِّ مسلمٍ، أو لكُل مؤمنٍ، إلا المتهاجِرَيْن، فيقول: أخِّرْهُما".
وأخرَجَه الترمذي (^٦)، ولفظه: قال: "تُعرَضُ الأعمالُ يومَ الاثنين ويومَ الخميس، فأُحِبُّ أنْ يُعرَضَ عملي وأنا صائم". ورُوِي موقوفًا على أبي هريرةَ، ورجَّحَ بعضُهم وَقْفَهُ.
وفي صحيح مسلم (^٧) عن أبي هريرة مرفوعًا: "تُفْتَحُ أبوابُ الجَنَّةِ يومَ الاثنينِ
_________________
(١) في آ، ع: "يعني".
(٢) رواه أحمد في "مسنده" ٦/ ٨٠، والنسائي ٤/ ٢٠٢، ٢٠٣ في الصوم، باب صوم النبي - ﷺ -؛ وابن ماجه رقم (١٧٣٩) في الصيام يوم الاثنين والخميس؛ والترمذي رقم (٧٤٥) في الصوم، باب ما جاء في صوم يوم الاثنين والخميس، وإسناده حسن.
(٣) رقم (١٧٤٠) في الصيام، باب صيام يوم الاثنين والخميس. وفي الزوائد: إسناده صحيح غريب، في سنده محمد بن رفاعة ذكره ابن حبان في الثقات، تفرَّد بالرواية عنه الضحاك بن مخلد، وباقي إسناده على شرط الشيخين. وله شاهد من حديث أسامة بن زيد رواه أبو داود والنسائي. وروى الترمذي بعضه في الجامع، وقال: حسن غريب. وذكره المنذري في "الترغيب" ٢/ ١٢٥ و١٢٦، قال: رواه ابن ماجه، ورواته ثقات.
(٤) في سنن ابن ماجه: "إلَّا متهاجرين "، وكلاهما صحيح، أي متقاطعين، لأمر لا يقتضي ذلك؛ وإلا فالتقاطع للدِّين، ولتأديب الأهل، جائز.
(٥) في آ: "وخرج الإمام أحمد وغيره. رواه في "مسنده" ٢/ ٣٢٩.
(٦) رقم (٧٤٧) في الصوم، باب ما جاء في صوم يوم الاثنين والخميس، وفي سنده محمد بن رفاعة بن ثعلبة القرظي، لم يوثقه غير ابن حبان. قال الحافظ: وقال الأزدي: منكر الحديث، وباقي رجاله ثقات. ولكن للحديث شواهد بمعناه، ولذلك قال الترمذي: حديث أبي هريرة في هذا الباب حديث حسن غريب.
(٧) رقم (٢٥٦٥) في البر والصلة، باب النهي عن الشحناء والتهاجر. وأخرجه الترمذي رقم (٢٠٢٤) في البر والصلة، باب ما جاء في المتهاجرين، وأبو داود رقم (٤٩١٦) في الأدب، باب فيمن يهجر أخاه المسلم، والموطأ ٢/ ٩٠٨ - ٩٠٩ في حسن الخلق، باب ما جاء في المهاجرة.
[ ٢٤٣ ]
ويومَ الخميسِ، فيُغفَرُ لِكُلِّ عبدٍ لا يُشْرِكُ بالله شيئًا، إلا رجلًا (^١) كانت بينَه وبينَ أخيهِ شَحْناءُ، يقولُ: أنْظِرُوا هذين حتَّى يصطَلِحا". ويُرْوَى بإسنادٍ فيه ضعفٌ عن أبي أمامةَ مرفوعًا: "تُرْفَعُ الأعمالُ يومَ الاثنين ويومَ الخميسِ، فيُغفرُ للمستغفرينَ ويُتركُ أَهْلُ الحِقْدِ بحِقْدِهم" (^٢). ورَوَى علي بن أبي طلحة (^٣)، عن ابن عباس في قوله ﷿: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (^٤)، قال: يُكتبُ كُلُّ ما تكلَّمَ به من خيرٍ وشرٍّ، حتى إنَّه لَيُكْتَبُ قولُه: أكلْتُ، وشَرِبْتُ، وذَهَبْتُ، وجئْتُ، ورأيْتُ، حتى إذا كان يومُ الخميسِ عُرِضَ قولُه وعملُه فأُقِرَّ منه ما كان فيه مِن خيرٍ أو شرٍّ، وأُلْقِي سائرُه، فذلك قولُه تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ (^٥). خرَّجه ابنُ أبي حاتم (^٦) وغيرُه. فهذا يدُلُّ على اختِصاصِ يومِ الخميسِ بِعَرْضِ الأعمالِ لا يوجَدُ في غيرِهِ.
وكان إبراهيمُ النخعِيُّ (^٧) يبكي إلى امرأتِهِ يومَ الخميسِ وتبكي إليه، ويقولُ: اليومَ تُعْرَضُ أعمالُنا علي اللهِ ﷿.
فهذا عَرْضٌ خاصٌّ في هذين اليومين غيرُ العَرْضِ العامِّ كل يوم، فإن ذلك عَرْضٌ دائم [كل يوم] (^٨) بُكْرَةً وعشِيًّا. ويدُلُّ على ذلك ما في "الصحيحين" (^٩) عن أبي هريرةَ عن النبي - ﷺ -، قال: "يتعاقَبُونَ فيكم ملائكة بالليلِ، وملائِكَة بالنهارِ، فيجتمِعونَ في صلاةِ الصُّبحِ، وصَلاةِ العَصْرِ، فيسألُ الذين باتوا فيكم، وهو أعلمُ:
_________________
(١) في آ، ب، ط: "إلا رجل".
(٢) أخرجه ابن عدي في "الكامل" ٦/ ٢٤٤١ من حديث أبي أمامة، عن ابن مسعود، عن النبي - ﷺ -. وفي سنده مطرِّح بن يزيد، وقد ضعف.
(٣) علي بن أبي طلحة، مولى بني العباس، سكن حمص، أرسل عن ابن عباس ولم يره، صدوق قد يخطئ، مات سنة ١٤٣ هـ. (التقريب).
(٤) سورة ق الآية ١٨.
(٥) سورة الرعد الآية ٣٩.
(٦) أخرجه ابن كثير في "تفسيره" ٤/ ٢٢٤.
(٧) هو إبراهيم بن يزيد بن الأسود النخعي، أبو عِمران الكوفي، من أكابر التابعين صلاحًا وصدق رواية وحفظًا للحديث. فقيه أهل الكوفة ومفتيها هو والشعبي في زمانهما، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، مات سنة ٩٦ هـ. (تذكرة الحفاظ ١/ ٧٣، تهذيب التهذيب ١/ ١٧٧، صفة الصفوة ٣/ ٨٦).
(٨) زيادة من آ، ع.
(٩) أخرجه البخاري رقم (٥٥٥) في مواقيت الصلاة: باب فضل صلاة العصر، وفي بدء الخلق: باب ذكر الملائكة، وفي التوحيد: باب قوله تعالى: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾، وباب كلام الرب مع جبريل ونداء الله الملائكة. ومسلم رقم (٦٣٢) في المساجد: باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما.
[ ٢٤٤ ]
كيفَ تركْتُم عِبادِي؟ فيقولون: أتيناهُم وهم يُصَلُّون، وتركْنَاهُم وهُم يُصَلُّون.
وفي صحيح مسلم (^١) عن أبي موسى الأشعرِيِّ، قال: "قام فينا رسولُ الله - ﷺ - بخمسِ كلماتٍ، فقال: إن الله لا ينامُ، ولا ينبغي له أن ينامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ وَيرفعُه (^٢)، يُرفَعُ إليه عَمَلُ اللَّيلِ قبلَ النَّهارِ، وعملُ النهارِ قبلَ اللَّيلِ، حجابُه النورُ، لو كَشَفَه لأحْرَقَتْ سُبُحَاتُ (^٣) وجهِهِ ما انتهَى إليه بَصَرُه من خَلْقِهِ". ويُروَى عن ابن مسعود، قال: إن مقدارَ كُل يوم مِن أيامكم عندَ ربِّكم ثنتا عشرةَ ساعةً، فتُعرضُ عليه أعمالُكُم بالأمسِ أوَّلَ النَّهارِ اليومَ، فيُنْظَرُ فيها ثلاثَ ساعاتٍ، وذَكَر باقيَهُ. كان الضحَّاكُ (^٤) يَبْكِي آخرَ النهارِ، ويقول: لا أدري ما رُفعَ من عَملِي. يا مَنْ عَمَلُه معروض (^٥) على مَنْ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفَى، لا تُبهرِجْ فإنَّ النَّاقِدَ (^٦) بَصيرٌ.
السُّقْمُ علَى الجِسْمِ لَهُ تَرْدَادُ … والعُمْرُ مَضَى وزلَّتي تَزْدَادُ (^٧)
ما أبعَدَ شُقَّتِي وما لي زَادُ … ما أكثَرَ بَهْرَجي ولي نَقَّادُ (^٨)
وحديثُ أسامةَ (^٩) فيه أن النبي - ﷺ - كان إذا سرَدَ الفِطرَ يصومُ الاثنين والخميسَ، فدَل على مواظبةِ النبي - ﷺ - على صيامِهما، وقد كانَ أسامةُ يَصُومُهما حَضَرًا وسَفَرًا لهذا. وفي مسند الإمام أحمدَ وسنن النّسائى عن عبد الله بن عمرو (^١٠) أن
_________________
(١) رقم (١٧٩) في الإيمان: باب في قوله ﵇: إنَّ الله لا ينام.
(٢) أي يخفض الله الميزان ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرتفعة، ويوزن من أرزاقهم النازلة.
(٣) سبحات وجه الله: أنواره وجلاله وعظمته. (اللسان: سبح).
(٤) هو الضحّاك بن مُزاحم الهلالي، أبو القاسم، أو أبو محمد، الخراساني. توفي سنة ١٠٢ وقيل: سنة ١٠٥ هـ. والخبر في "صفة الصفوة" ٤/ ١٥٠.
(٥) في آ: "ليس يخفى".
(٦) في آ، ش، ع: "فالناقد بصير".
(٧) في ب، ش، ط: "والعمر ينقص والذنوب تزاد".
(٨) البَهْرَج من الدراهم: الرديء، وكنَّى به عن أخطائه وزلاته. والفقال: الذي يميز الرديء من الحسن، وأراد بالنقاد الله ﷿، وقبل ذلك قال: "لا تبهرج فمن الناقد بصير".
(٩) أخرجه النَّسَائِي ٤/ ٢٠١، ٢٠٢ في الصوم، باب صوم النبي - ﷺ -، وإسناده حسن. قال أسامة: قلت: يا رسول الله، إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر، وتفطر حتى لا تكاد تصوم، إلا يومين أن دخلا في صيامك، وإلا صمتهما؟ قال: أيَّ يومين؟ قلت: الاثنين والخميس، قال: ذلك يومان تعرض فيهما الأعمال على ربِّ العالمين، فأحبُّ أن يعرض عملي وأنا صائم.
(١٠) في آ، ع: "عبد الله بن عمر"، وهو حديث آخر رواه النَّسَائِي ٤/ ٢٢٠ في الصوم، باب كيف يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وهو حديث حسن. وعنه: "أن رسول الله - ﷺ - كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر: يوم الاثنين من أول الشهر، والخميس الذي يليه، ثم الخميس الذي يليه". وأما حديث عبد اللّه بن عمرو الوارد هنا فقد مضى تخريجه.
[ ٢٤٥ ]
النبي - ﷺ - أمَرَه أنْ يَصومَ ثلاثةَ أيَّام مِن كُل شهرٍ. فقال له (^١): إني أَقْوَى على أكثَرَ مِن ذلك، قال: فَصُم من الجمعةِ يومَ الاثنين والخميس، قال: إنِّي أقْوَى على أكثَرَ مِن ذلك، قال: فَصُم صيامَ داودَ. وفي مسند الإمام أحمدَ (^٢) مِن رواية عثمانَ بن رُشيد، حدثني أنسُ بن سيرين، قال: أتينا أنسَ بنَ مالك في يوم خميسٍ، فدعا بمائدته، فدعاهم إلى الغداءِ، فأكَلَ (^٣) بعضُ القوم وأمسكَ بعضٌ، ثم أتَوْهُ يومَ خميسٍ، ففعَلَ مثلَها، فقال أنس: لعلَّكم أثْنائيّونَ (^٤)، لعلَّكُم خَميسيُّون، كان رسولُ الله - ﷺ - يَصومُ حتَّى يقالَ لا يُفطِرُ، ويُفطِرُ حتى يقالَ لا يَصُومُ.
وظاهرُ هذا الحديث يخالِفُ حديثَ أُسامَةَ وأن النبي - ﷺ - إنما كان يَصومُ الاثنين والخميسَ إذا دَخَلا في صيامِه، ولم يكُنْ يَتحرى صيامَهُما في أيام سَرْدِ فطرِه، ولكن عثمان بن رُشيد ضعيف، ضَعَّفَه ابنُ معين وغيرُه، وحديثُ أسامةَ أصح منه. وقد رُوِي من حديث أم سلمَة (^٥) أن النبي - ﷺ - كان يصومُ مِن كُل شهرٍ ثلاثةَ أيام، أوَّل خميس والاثنين والاثنين. وفي روايةٍ (^٦) بالعكس: الاثنين والخميس والخميسُ. وأكثَرُ العُلماءِ على استحباب صِيامِ الاثنين والخميسِ. ورُوِي كراهتُهُ عن أنسِ بن مالك من غيرِ وجهٍ عنه، وكان مجاهدٌ يفعلُه، ثم تَرَكَهُ وكرهه. وكره أبو جعفر (^٧) محمد بن علي صيامَ الاثنين، وكرِهَتْ طائفة صِيامَ يوم معينٍ كُلَّما مَرَّ بالإنسان.
رُوِي عن عمرانَ بن حُصين، وابنِ عباس، والشعبى، والنخعي، ونَقلَهُ
_________________
(١) لفظة "له"، لم ترد في آ، ع.
(٢) مسند أحمد ٣/ ٢٣٠، وليس فيه "ثم أتوه يوم خميس، ففعل مثلها".
(٣) في ب، ش، ط: "فتغدى".
(٤) في ب، ش، ط: "اثنائيون "، ويجمع الاثنان على أثناء.
(٥) النَّسَائِي ٤/ ٢٢١ في الصوم: باب كيف يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، من حديث هنيدة بن خالد الخزاعي، عن أمِّه، عن أم سلمة.
(٦) النَّسَائِي ٤/ ٢٢٠ - ٢٢١، وأبو داود رقم (٢٤٢٧) من حديث هنيدة بن خالد الخزاعي، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي - ﷺ -. ورواه الإمام أحمد في "مسنده" ٥/ ٢٧١ و٦/ ٢٨٨ و٤٢٣. قال الحافظ المنذري في "مختصر سنن أبي داود": واختلف على هنيدة بن خالد في إسناده، فروي عنه كما أوردناه، وروي عنه عن حفصة زوج النبي - ﷺ -، وروي عنه عن أمه أم سلمة زوج النبي - ﷺ -. وهو حديث حسن.
(٧) في آ: "أبو حفص". وهو محمد بن علي زين العابدين بن الحسين الطالبي الهاشمي القرشي، أبو جعفر الباقر، وقد سبقت ترجمته.
[ ٢٤٦ ]
ابنُ القاسم عن مالك. وقال الشافعي في القديم: أكرَهُ ذلك، قال: وإنما أكرهه (^١) لئلَّا يتأسَّى جاهِلٌ فيَظنُّ أن ذلك واجِبٌ، قال: فإنْ فَعَلَ فحسَنٌ، يعني على غيرِ اعتقادِ الوُجوبِ.
وأمَّا صيامُ النبي - ﷺ - من أشهرِ السَّنةِ فكانَ يَصومُ من شعبانَ ما لا يَصومُ مِن غيرِهِ مِنَ الشهورِ. "وفي الصحيحين" (^٢) عن عائشةَ ﵂ قالت: ما رأيْتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - استكمَلَ صيامَ شهرٍ قط إلا رمضانَ، وما رأيتُه في شهرٍ أكثَرَ صيامًا منهُ في شَعْبانَ. زاد البخاريُّ في رواية "كان يَصُومُ شعبانَ كلّه". ولمسلم في روايةٍ "كان يصومُ شعبانَ كلَّه، كانَ يَصُومُ شعبانَ إلَّا قليلًا". وفي رواية للنسائي (^٣) عن عائشة، قالت: كان أحبَّ الشهورِ إلى رَسولِ اللهِ - ﷺ - أنْ يَصُومَ شعبانَ، كان يَصِلُه برمضَانَ.
وعنها وعن أم سلمةَ، قالتا: "كان رسولُ الله يَصُومُ شعبانَ إلا قليلًا، بل كان يَصُومُه كلَّه" (^٤). وعن أمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: "ما رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - يَصُومُ شهرين متتابعين إلا شعبانَ ورمضانَ" (^٥).
وقد رجَّحَ طائفةٌ مِن العلماء؛ منهم ابنُ المبارك وغيرُهُ أن النبي - ﷺ - لم يستكمِلْ صِيامَ شَعبانَ، وإنما كانَ يَصُومُ أكثرَهُ. ويشهَدُ له ما في صحيح مسلم (^٦) عن عائشةَ ﵂، قالت: "ما علمته - يعني النبي - ﷺ - - صَامَ شهرًا كلَّه إلَّا رمضانَ". وفي روايةٍ له أيضًا عنها قالت: "ما رأيتُهُ صامَ شهرًا كاملًاِ، مُنْذُ قدِمَ المدينة، إلَّا أن يكونَ رمضانَ".
_________________
(١) في ب، ط: "وإنما كرهته"، وفي ش: "وإنما كرهه".
(٢) أخرجه البخاري رقم (١٩٦٩) في الصوم: باب صوم شعبان؛ ومسلم رقم (١١٥٦) في الصيام: باب صيام النبي - ﷺ - غير رمضان.
(٣) ٤/ ٩٩، ٢٠٠ في الصوم: باب صوم النبي - ﷺ -، وأخرجه الترمذي رقم (٧٣٦) في الصوم: باب ما جاء في وصال شعبان برمضان، وأبو داود رقم (٢٤٣١) و(٢٤٣٤) في الصوم: باب في صوم شعبان، وكيف كان يصوم النبي - ﷺ -.
(٤) رواه الترمذي رقم (٧٣٦) في الصوم: باب ما جاء في وصال شعبان برمضان، واللفظ له.
(٥) رواه الترمذي رقم (٧٣٦) في الصوم، باب ما جاء في وصال شعبان برمضان؛ وأبو داود رقم (٢٣٣٦) في الصوم، باب فيمن يصل شعبان برمضان؛ والنسائي ٤/ ٢٠٠ في الصوم، باب صوم النبي - ﷺ -، وحسنه الترمذي، وهو كما قال.
(٦) أخرجه مسلم رقم (١١٥٦) في الصيام، باب صيام النبي - ﷺ - في غير رمضان. وأخرج الرواية الثانية الترمذي رقم (٧٦٨) في الصوم، باب ما جاء في سرد الصوم، والنسائي ٤/ ١٩٩ في الصوم، باب صوم النبي - ﷺ -.
[ ٢٤٧ ]
وفي رواية (^١) له أيضًا أنَّها قالَتْ: "لا أعلَمُ نبيَّ اللهِ - ﷺ - قرأ القرآن كلَّه في ليلةٍ، ولا صَامَ شهرًا كاملًا غيرَ رمضانَ". وفي روايةٍ (^٢) له أيضًا، قالتْ: "ما رأيتُه قامَ ليلةً حتى الصَّباحِ، ولا صَامَ شهرًا متتابعًا إِلَّا رَمضَانَ". وفي الصحيحين (^٣) عن ابن عباسٍ، قال: "ما صَامَ رسولُ الله - ﷺ - شهرًا كاملًا غيرَ رمضانَ". وكان ابنُ عباس يكرَهُ أن يَصُومَ شهرًا كاملًا غيرَ رمضانَ.
وروى عبدُ الرزَّاق في "كتابه" (^٤) عن ابن جُريج، عن عطاء، قال: "كان ابنُ عبَّاس ينهَى عن صِيامِ الشهرِ كاملًا، ويقول: لِيَصُمْهُ إِلا أيَّامًا؛ وكان ينهَى عن إفرادِ اليوم كلَّما مَرَّ بهِ، وعن صيام الأيَّام المعلومة، وكان يقول: لا تَصُمْ أيَّامًا معلومةً". فإنْ قَيلَ: فكيفَ كان النبي - ﷺ - يخصُّ شعبانَ بصيام التَّطوُّعِ فيه مع أنَّه قال: أفضَلُ الصِّيامِ بعدَ شهرِ رَمضانَ شهر الله المحرم؟.
فالجوابُ: أن جماعةً مِن الناس أجابُوا عن ذلك بأجوبةٍ غيرِ قويّةٍ؛ لاعتقادِهِم أنَّ صيامَ المُحرَّم والأشهرِ الحُرم أفضَلُ مِن صيام شعبانَ، كما صرَّحَ به الشافعية وغيرهم، والأظَهَرُ خلاف ذلك، وأن صيامَ شعبانَ أفضَل مِن صيام الأشهرِ الحُرم. ويدُلُّ على ذلك ما خرَّجَه الترمذيُّ (^٥) من حديث أنس: سُئلَ النبي - ﷺ -: أي الصِّيَام أفضَلُ بعدَ رمضانَ؟ قال: شعبان، تعظيمًا لرمضانَ. وفي إسناده مقَالٌ.
وفي سنن ابن ماجَه (^٦) أنَّ أسامَةَ كان يَصومُ الأشْهُرَ الحرُمَ، فقال له
_________________
(١) من حديث طويل جدًّا، وبروايات مختلفة اللفظ، رواه سعد بن هشام ﵁، وهو في مسلم رقم (٧٤٦) في صلاة المسافرين: باب جامع صلاة الليل، ومن نام عنه أو مرض، وعند أبي داود الأرقام من (١٣٤٢) إلى (١٣٤٩) ورقم (١٣٥٢) في الصلاة، باب صلاة الليل، وعند النَّسَائِي ٣/ ١٩٩ في قيام الليل وغيره.
(٢) رقم (٧٤٦) أيضًا.
(٣) أخرجه البخاري رقم (١٩٧١) في الصوم، باب ما يذكر من صوم النبي - ﷺ - وإفطاره؛ ومسلم رقم (١١٥٧) في الصيام، باب صيام النبي - ﷺ -؛ والنسائي ٤/ ١٩٩ في الصوم، باب صوم النبي - ﷺ -.
(٤) المصنف ٤/ ٢٩٢ رقم (٧٨٥٥)، وفيه: "وكان يقول: لا يصم صيامًا معلومًا".
(٥) رقم (٦٦٣) في الزكاة، باب ما جاء في فضل الصدقة. وفي سنده "صدقة بن موسى" وفيه مقال، كما ذكر المؤلف ﵀. وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وصدقة بن موسى ليس عندهم بالقوي.
(٦) رقم (١٧٤٤) في الصيام، باب صيام أشهر الحرم. وفي الزوائد إسناده صحيح، إلا أنه منقطع بين محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وبين أسامة بن زيد.
[ ٢٤٨ ]
رسولُ الله - ﷺ -: "صُمْ شوَّالًا"، فترَكَ الأشهُرَ الحُرُمَ، فكانَ يَصُومُ شوَّالًا حتى ماتَ. وفي إسنادِه إرسالٌ. وقد رُوِي من وجهٍ آخرَ يَعْضُدُه. فهذا نَصٌّ في تفضِيلِ صِيام شوَّال على صِيام الأشهرِ الحُرُمِ، وإنَّما كان كذلك لأنَّه يلي رمضانَ من بعدِه، كَما أن شعبانَ يليهَ من قبلِهِ، وشعبانُ أفضَلُ؛ لِصيام (^١) النبي - ﷺ - له دونَ شوَّال، فإذا كان صيامُ شوَّال أفضلَ من الأشهرِ الحُرُمِ فلأنْ يكَونَ صَوْمُ شعبانَ أفضلَ بطريق الأوْلَى.
فظَهَرَ بهذا أن أفْضَلَ التَّطوَّع ما كان قَريبًا من رمضانَ؛ قبلَه وبعدَه، وذلك يلتحقُ (^٢) بصيام رمضانَ؛ لِقُرْبِه منه، وتكونُ منزلتُهُ من الصيام بمنزلةِ السُّنن الرواتِب مع الفرائِض قبلَها وبعدَها، فيلتحِقُ بالفرائضِ في الفضلِ، وهي تَكمِلهٌّ لنقَصِ الفرائضِ. وكذلك صيامُ ما قبلَ رمضانَ وبعدَه. فكما (^٣) أنَّ السننَ الرواتِبَ أفضلُ مِن التَّطوُّعِ المُطْلَقِ بالصَّلاةِ، فكذلك يكون (^٤) صيامُ ما قبلَ رمضانَ وبعدَه أفضلَ من صيامِ ما بعُدَ منه، ويكونُ قولُه "أفضَلُ الصِّيامِ بَعْدَ رمضانَ المُحَرمُ" محمولًا على التطوُّعِ المُطْلَقِ بالصِّيام. فأمَّا ما قبلَ رمضانَ وبعدَه فإنَّه يَلتحِقُ (^٥) به في الفضلِ، كما أنَّ قوله في تمام الحَديثِ "وأفضلُ الصَّلاةِ بعدَ المَكْتُوبةِ قيامُ اللَّيلِ" إنما أُريدَ بهِ تفضيلُ قيام اللَّيلِ على التطوُّعِ المُطْلَقِ دُونَ السننِ الرواتب عند جُمهورِ العُلماءِ، خلافًا لبعضِ الشافعيةِ. واللهُ أعلم.
فإن قيل: فقد قال النبي - ﷺ -: "أفضَلُ الصِّيام صِيامُ داودَ؛ كانَ يَصُومُ يومًا ويُفطِرُ يومًا" ولم يَصُمْ كذلك، بل كانَ يَصُومُ سَرْدًا ويُفطِرُ سَرْدًا، ويَصُومُ شعبانَ وكلَّ اثنين وخميس. قيل: صيامُ داودَ الذي فَضَلَه النبي - ﷺ - على الصيامِ، قد فسَّرَه النبي - ﷺ - في حديثٍ آخرَ بأنَّه صَوْمُ شَطْرِ الدَّهْرِ، وكان صيامُ النبي - ﷺ - إذا جُمعَ يَبلُغُ صِيامَ نِصْفِ الدَّهْرِ أو يَزيدُ عليه، وقد كانَ يَصُومُ مَعَ ما سَبَقَ ذِكْرُه يومَ عاشوراء، أو تسعَ (^٦) ذي الحِجَّة، وإنَّما كان يُفرِّقُ صِيامَهُ ولا يَصُومُ يومًا ويُفطِرُ يومًا؛ لأنَّه كانَ يتحرَّى صِيامَ الأوقاتِ الفَاضِلةِ، ولا يَضُر تفريقُ الصِّيامِ والفطرِ أكثرَ مِن يوم ويوم، إذا كانَ القصدُ
_________________
(١) في آ: "أفضل الصيام، لصيام".
(٢) في آ، ع: "ملتحق".
(٣) في آ، ع: "وكما".
(٤) لفظ "يكون" لم يرد في ب، ش، ط.
(٥) في آ، ع: "ملتحق".
(٦) في ش، ع: "وتسع ذي الحجة".
[ ٢٤٩ ]
به التَّقوِّي على ما هو أفضلُ مِن الصِّيامِ؛ بن أَدَاءِ الرِّسالةِ وتبليغها، والجهادِ عليها، والقيام بحقوقِها، فكان (^١) صيام يوم وفِطْر يَوْم يُضعِفُهُ عن ذلك. ولهذا لما سئل النبي - ﷺ - في حديثِ أبي قَتَادة عمَّن يَصُومُ يومًا ويُفطِرُ يومين، قال: "ودِدْتُ أني طُوِّقْتُ ذلك (^٢).
وقد كان عبدُ الله بنُ عمرو بن العاص لمَّا كَبُرَ يسرُدُ الفِطْرَ أحيانًا ليتقوَّى بهِ على الصِّيامِ، ثمَّ يَعودُ فيصومُ ما فاتَهُ محافظةً على ما فارَقَ عليه النبي - ﷺ - مِن صيامِ شطرِ الدَّهرِ، فحصَلَ للنبي - ﷺ - أجرُ صِيام شطرِ الدَّهْرِ، وأزيدُ منه بصيامِهِ المتفرّقِ، وحصَلَ له أجرُ تتابُعِ الصِّيام بتمنِّيهِ لذلك، وإنما عاقَهُ عنه الاشتِغالُ بما هو أهمُّ منه وأفضَلُ. والله أعلم. وقد ظهرَ بما ذكرناه وجهُ صيامِ النبي - ﷺ - لشعبانَ دونَ غيرِهِ مِنَ الشهورِ، وفيه معانٍ أُخَر؛ وقد ذَكَرَ منها النبي - ﷺ - في حديثِ أسامةَ (^٣) مَعنيين.
أحدهما: أنَّه شهر يغفلُ الناسُ عنه بينَ رجب ورمضانَ؛ يُشير - ﷺ - إلى (^٤) أنه لمَّا
_________________
(١) في آ، ع: "وكان".
(٢) قوله: "وددت أني طوِّقْت ذلك": أي ليته جُعل ذلك داخلًا في طاقتي وقدرتي. (النهاية ٧/ ١٤٤). وعن أبي قتادة الأنصاري ﵁، قال: إن رجلًا أتى النبي - ﷺ -، فقال: كيف تصوم؟ فغضب رسول الله - ﷺ - من قوله، فلما رأى عمر غضبَه، قال: رَضِينا بالله ربًّا، وبالإسلام دِينًا، ولمحمد نبيًّا - وفي رواية: وبيعتنا بيعةً - نعوذ بالله من غضب الله وغَضب رسوله. فجعل عمرُ يردِّد هذا الكلام حتى سكن غضبُه، فقال عمر: يا رسولَ الله! كيف بمن يصوم الدهرَ كلَّه؟ قال: لا صامَ ولا أفطرَ - أو قال: لم يصم ولم يفطر - قال: كيف بمن يصوم يومين يفطر يومًا؟ قال: ويُطيق ذلك أحدٌ؟ قال: كيف بمن يصوم يومًا ويفطر يومًا؟ قال: ذاك صوم داود ﵇، قال: كيف بمن يصوم يومًا ويفطر يومين؟ قال: ودِدْت أنِّي طُوِّقت ذلك. ثم قال رسول الله - ﷺ -: ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيامُ الدهر كلّه. صيامُ يوم عرفة: أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله، والسَّنَةَ التي بعده؛ وصيام يوم عاشوراء: أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله. أخرجه مسلم رقم (١١٦٢) في الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأبو داود رقم (٢٤٢٥) و(٢٤٢٦) في الصوم، باب في صوم الدهر تطوعًا، والنسائي ٤/ ٢٠٧ في الصوم، باب ذكر الاختلاف على غيلان بن جرير فيه، وصوم ثلثي الدهر، وذكر اختلاف الناقلين للخبر في ذلك. وابن ماجه (بعضه) رقم (١٧١٣) في الصيام، باب ما جاء في صيام داود ﵇.
(٣) أخرجه النَّسَائِي ٤/ ٢٠١ في الصوم، باب صوم النبي - ﷺ -، وإسناده حسن. عن أسامة بن زيد ﵄، قال: "قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: ذاك شهر يَغْفُل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى ربِّ العالمين، فأحبُّ أن يرفع عملي وأنا صائم".
(٤) لفظ "إلى" لم يرد في آ، ع.
[ ٢٥٠ ]
اكتَنَفَه شهرانِ عظيمانِ؛ الشهرُ الحَرَامُ، وشهرُ الصِّيام، اشتغَلَ النَّاسُ بهما عنه، فصارَ مغفولًا عنه. وكثيرٌ مِنَ النَّاسِ يَظُنُّ أن صِيامَ رجبٍ أفَضَلُ من صيامِهِ لأنَّه شهر حرام، وليس كذلك. ورَوَى ابنُ وَهْبٍ (^١)، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن أزهرَ بن سَعْدٍ (^٢)، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: ذُكِرَ لرسولِ الله - ﷺ - ناسٌ يَصُومونَ رجَبًا، فقال: "فأينَ (^٣) هم عن شعبانَ".
وفي قوله "يغفُلُ النَّاسُ عنه بينَ رَجَبٍ ورمضانَ": إشارة إلى أن بعضَ ما يَشتهرُ فضلُه مِن الأزمانِ أو الأماكنِ أو الأشخاصِ قد يكونُ غيرُه أفضلَ منه (^٤)؛ إمَّا مُطلقًا أو لِخصُوصيَّةٍ فيه لا يتفطَّنُ لها أكثرُ النَّاسِ. فيشتغِلُون بالمشهور عنه، ويُفوّتون تحصيلَ فَضيلةِ ما ليسَ بمشهورٍ عندَهم. وفيه دليلٌ على استحباب عمارةِ أوقاتِ غَفْلَةِ النَّاسِ بالطَّاعة، وأنَّ ذلك محبوبٌ لله ﷿، كما كان طائفةٌ مِنَ السَّلفِ يَستحبُّونَ إحياءَ ما بينَ العِشاءَين بالصَّلاةِ، ويقولون: هي ساعةُ غَفْلَةٍ (^٥)، وكذلك فضل القيام في وسطِ اللَّيلِ؛ لِشمولِ الغَفْلَةِ لأكثرِ النَّاسِ فيه عن الذِّكْرِ، وقد قال النبيُّ - ﷺ -: "إن استطَعْتَ أنْ تكونَ مِمَّن يذكُرُ الله في تلك السَّاعةِ فكُنْ". ولهذا المعنى كان النبي - ﷺ - يُريدُ أن يؤخِّرَ العشاءَ إلى نصفِ اللَّيلِ، وإنما علَّلَ تَرْكَ ذلك؛ لِخشيةِ المشقَّةِ على النَّاس. ولمَّا خَرَجَ - ﷺ - على أصحابِهِ وهُم ينتظِرُونه لِصلاةِ العِشاءِ قال لهم (^٦): "ما ينتظِرُها أحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأرضِ غيرُكُم" (^٧). وفي هذا إشارةٌ إلى فضيلةِ التفرُّدِ بذكر اللهِ في وقتٍ من
_________________
(١) في آ: "وروى ابن وهب عن معاوية بن صالح". وهو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري، روى عن معاوية بن صالح بن حُدَير الحضرمي وغيره، أخرج له الجماعة، وكان فقيهًا ثقة حافظًا عابدًا. مات سنة ١٩٧ هـ. (تهذيب التهذيب ٦/ ٧١).
(٢) كذا هو في الأصول، ولعله أزهر بن سعيد الحَرَازي الحميري الحمصي، ويقال: أزهر بن عبد الله، وعنه معاوية بن صالح الحضرمي. وذكر البخاري ثالثًا وهو "أزهر بن عبد الله" وجعلهم واحدًا، مات سنة ١٢٨ أو ١٢٩ هـ، وقد سبقت ترجمته.
(٣) في ع: "وأين".
(٤) في آ، ع: "منها".
(٥) في آ، ع: "الغفلة".
(٦) لفظ "لهم" لم يرد في آ، ع.
(٧) من حديث أخرجه البخاري رقم (٥٦٩) و(٥٧٠) في مواقيت الصلاة: باب النوم قبل العشاء لمن غلب؛ ومسلم رقم (٦٣٩) في المساجد، باب وقت العشاء وتأخيرها؛ وأبو داود رقم (٤٢٠) في وقت العشاء الآخرة؛ والنسائي ١/ ٢٦٧ و٢٦٨ في المواقيت: باب آخر وقت العشاء. ولفظه عند مسلم عن ابن عمر، قال: "مكثنا ذات ليلة ننتظر رسولَ الله - ﷺ - لصلاة العشاء الآخرة، فخرج =
[ ٢٥١ ]
الأوقاتِ لا يُوجَدُ فيه ذاكرٌ له، ولهذا وَرَدَ في فَضْلِ الذكر في الأسواقِ (^١) ما ورَدَ من الحديث المرفوع والآثارِ المَوْقُوفةِ، حتَّى قال أبو صالح: إن الله ليضحَكُ مِمَّن يذكُرُه في السُّوقِ، وسبَبُ ذلك أنه ذُكِرَ في مَوْطِنِ الغَفْلَةِ بينَ أهلِ الغَفْلَةِ.
وفي حديثِ أبي ذَرٍّ المرفوعِ: ثلاثةٌ يُحبُّهم الله؛ قومُ سارُوا لَيْلَتَهم (^٢)، حتَّى إذا كان النَّومُ أحبَّ إليهم مِمَّا يُعدَلُ به فوضَعُوا رؤوسهم، فقامَ أحدُهم يتملَّقُنِي ويتلُو آياتِي. وقومٌ كانوا في سَريَّةٍ فانهزَمُوا، فتقدَّم أحدُهمِ فلقِيَ العدوِّ فصبَرَ حتَّى قُتِلَ. وذَكَرَ أيضًا قومًا جاءَهُم سائلٌ فسألَهم فلم يُعطُوه، فانْفرَدَ أَحدُهُم حتى أعطاهُ سرًّا (^٣). فهؤلاء الثَّلاثةُ انفرَدُوا عن رفقتِهم بمعاملةِ اللهِ سِرًا بينَهم وبينَهُ، فأحبَّهمُ الله.
فكذلك مَن يَذكرُ الله في غَفْلَةِ النَّاسِ، أو مَنْ يَصُومُ في أيَّامِ غَفْلةِ النَّاسِ عن الصِّيامِ. وفي إحياءِ الوقتِ المَغْفُولِ عنه بالطَّاعَةِ فوائد؛
منها: أنه يكونُ أخفَى، وإخفاءُ النَّوافِل وَإسْرارُها أفضَلُ، لا سيَّما الصيامُ؛ فإنَّه سِرٌّ بينَ العَبْدِ ورَبِّه، ولهذا قيل: إنه ليس فيه رياءُ. وقد صَامَ بعضُ السَّلفِ أربعين سنةً لا يَعلَمُ به أحدٌ، كان يخرُجُ من بيته إلى سوقِهِ ومعه رَغيفانِ، فيتصدَّقُ بهما ويصومُ، فيظنُّ أهلُه أنَّه أكلَهما، ويظُن أهلُ سوقِهِ أنَّه أكَلَ في بيتِهِ. وكانوا يَستحِبُّون لمن صَامَ أن يُظهرَ ما يخفي به صيامه. فعن ابن مسعودٍ أنه قال: "إذا أصبحتُم صيامًا فأصبِحُوا مدَّهِنين". وقال قتادة: يُستحبُّ للصائم أنْ يدَّهنَ حتَّى تذهَبَ عنه غُبْرةُ الصِّيامِ.
_________________
(١) = إلينا حين ذهب ثلث الليل، أو بعده، فلا ندري: أشيء شغله في أهل، أو غير ذلك؟ فقال حين خرج: إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم، ولولا أن يثقُلَ على أمتي لصلَّيْتُ بهم هذه الساعة، ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة. وأخرج أبو داود والنسائي رواية مسلم. وزاد البخاري: وكان ابن عمر لا يبالي: قدَّمها أو أخَّرها، إذا كان لا يخشى أن يغلبه النوم عن وقتها، وقلَّما كان يرقد قبلها.
(٢) في آ: "السوق".
(٣) في آ، ع: "بليلتهم".
(٤) ذكر المؤلف - ﵀ - الحديث بالمعنى. وقد رواه الترمذي رقم (٢٥٧١) في صفة الجنة، والنسائي ٥/ ٨٤ في الزكاة، باب ثواب من يعطي، من حديث شعبة عن منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، عن زيد بن ظبيان، عن أبي ذر - ﵁ -، وهو حديث حسن. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. ورواه أيضًا الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٢٥٢ ]
وقال أبو التيَّاحِ: أدركتُ أبي ومشيخةَ الحيِّ، إذا صَامَ أحدُهم ادَّهَنَ ولبسَ أحسَنَ (^١) ثيابِهِ.
ويُروَى أن عيسى بنَ مريم ﵇ قال: إذا كان يومُ صومِ أحدِكُم فليدهنْ لِحيتَهُ، وليمسَحْ شفتيهِ مِن دُهْنِهِ حتى ينظُرَ النَّاظِرُ إليه فيَرى أنَّه ليس بصائمٍ.
اشتهرَ بعضُ الصَّالِحين بكثرةِ الصِّيامِ، فكان يجتهِدُ في إظهار فطرِهِ للنَّاسِ حتَّى كان (^٢) يقومُ يَومَ الجمعةِ والنَّاسُ مجتمِعُونَ في مسجدِ الجامعِ، فيأخُذُ إبريقًا، فيضَعُ بلبلتَه في فيهِ ويمصُّه ولا يزدرِدُ (^٣) منه شيئًا، ويبقى ساعةً كذلك لِينظرَ النَّاسُ إليه فيظنُّونَ أنَّه يشرَبُ الماءَ، وما يدخل (^٤) إلى حلقه منه شيءٌ. كم يَستر الصَّادِقُونَ أحوالَهم وريحُ الصِّدْقِ ينُمُّ عليهم.
ريحُ الصِّيام (^٥) أطيبُ من ريحِ المِسْكِ تَستنشِقُه قلوبُ المؤمنينَ وإنْ خَفِيَ (^٦)، وكلَّما طالَتْ عليه المُدَّةُ ازدَادَ قوَّة ريحه.
كَمْ أَكْتُم حُبَّكُم عَنِ الأغيارِ … والدَّمْعُ يُذيعُ في الهَوَى أسرارِي
كَمْ أستُرُكُمْ هتَكْتُمُ أَسْتَارِي … من يُخفِى في الهوَى لَهِيبَ النَّارِ
ما أَسَرَّ أحدٌ سَرِيرةً إلَّا ألبَسَهُ الله رداءَها عَلانيةً.
وَهَبنِي كَتَمْتُ السِّرَّ أوْ قُلْتُ غَيرَهُ … أتخفَى على أَهْلِ القُلُوب السَّرائرُ
أَبَى ذاكَ أن السِّرَّ في الوَجْهِ نَاطِقٌ … وأن ضَميرَ القَلْبِ في العَينِ ظاهِرُ
ومنها: أنه أَشَقُّ على النُّفوسِ؛ وأفضَلُ الأعمالِ أشقُّها على النُّفُوسِ، وسببُ ذلك أن النُّفوسَ تتأسَّى بما تُشاهِدُه (^٧) من أحوالِ أبناءِ الجنسِ، فإذا كثُرَتْ يقظةُ النَّاسِ وطاعاتُهم كَثُرَ أهلُ الطَّاعةِ؛ لِكثرةِ المقتدِينَ بهم، فسَهُلَتِ الطَّاعاتُ. وإذا كَثُرَتِ الغَفْلاتُ وأهلُها تأسَّى بهم عُمومُ النَّاسِ، فيَشُقُّ على نُفوسِ المتيقظينَ
_________________
(١) في ب، ش، ط: "صالح ثيابه".
(٢) لفظة "كان" لم ترد في آ، ع.
(٣) في ش: "ولا ينزل منه شيئًا".
(٤) في ب، ش، ط: "وما دخل".
(٥) في آ، ع: "الصائم".
(٦) في آ، ع: "أخفِي".
(٧) في آ، ع: "يشاهد".
[ ٢٥٣ ]
طاعاتُهم؛ لقلَّةِ مَن يَقْتَدُونَ بهم فيها، ولهذا المعنى قال النبيُّ - ﷺ -: "للعاملِ منهم أَجْرُ خمسينَ منكم، أنَّكُم تجِدُون على الخيرِ أعوانًا ولا يَجِدُون" (^١). وقال - ﷺ -: "بدأ الإسلامُ غريبًا وسيعودُ غريبًا كما بَدَأ، فَطُوَبى لِلغُرباءِ" (^٢). وفي رواية: "قيل: ومَنِ الغُرباءُ؟ قال: "الذينَ يَصْلُحُونَ إذا فَسَدَ النَّاسُ" (^٣).
وفي صحيح مسلم (^٤) من حديثِ مَعْقِلِ بن يَسارٍ، عن النبي - ﷺ -، قال: "العِبَادَةُ في الهَرْجِ كالهجرةِ إليَّ". وخرَّجَهُ الإمامُ أحمدُ (^٥)، ولفظه "العِبَادَةُ في الفِتْنَةِ كالهِجْرَةِ إليَّ". وسَببُ ذلك أن الناسَ في زمنِ الفِتنِ يتبعونَ أهواءَهُم ولا يَرجِعُونَ إلى دينٍ، فيكون حالُهم شبيهًا بحال الجاهلية، فإذا انفرَدَ مِنْ بينهم مَن يتمسَّكُ بدِينِه وَيعبُدُ ربَّهُ وَيتبَعُ مراضيه (^٦)، ويجتنِبُ مَسَاخِطَهُ، كان بمنزلةِ مَن هاجَرَ من بين أهلِ الجاهليةِ إلى رَسولِ الله - ﷺ - مؤمنًا بهِ، مُتبِعًا لأوامِرِه، مُجْتنبًا لِنواهِيهِ.
ومنها: أن المنفرِدَ بالطَّاعة بين أهلِ المعاصِي والغَفْلةِ قد يُدْفَعُ به البَلاءُ عَنِ الناسِ كُلِّهم (^٧)، فكأنه يحميهِم ويُدافعُ عنهم. وفي حديثِ ابن عُمَرَ الذي رَويناه في "جزء ابن عَرَفة" (^٨) مرفوعًا: "ذاكِرُ اللهِ في الغافِلينَ كالذي يُقاتِلُ عَن الفارّينَ، وذاكِرُ الله في الغافلينَ كالشَّجرةِ الخضراء في وسَطِ الشَّجرِ الذي تحاتَّ (^٩) وَرَقُهُ مِنَ
_________________
(١) أخرج شطره الأول الترمذي رقم (٣٠٦٠) في التفسير، وأبو داود رقم (٤٣٤١) في الملاحم.
(٢) أخرجه مسلم رقم (١٤٥) في الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا، عن أبي هريرة - ﵁ -. ورواه الترمذي رقم (٢٦٣١) في الإيمان، باب رقم (١٣) من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -، وقال: حديث حسن غريب صحيح. ومعنى الحديث: أن الإسلام بدأ في آحاد من الناس وقلة، ثم انتشر وظهر، ثم سيلحق أهله النقص والاختلاف، حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلة أيضًا كما بدأ. (انظر شرح مسلم للنووي). وللمؤلف - ﵀ - رسالة قيمة في شرح هذا الحديث باسم "كشف الكربة بوصف حال أهل الغربة"، وهو مطبوع في القاهرة بتحقيق أحمد الشرباصي.
(٣) خرَّج هذه الرواية أبو بكر الآجري، كما قال ابن رجب في كتابه "كشف الكربة" ص ٦٣ - ٧٢، وذكر روايات أخرى.
(٤) رقم (٢٩٤٨) في الفتن، باب فضل العبادة في الهرج، والترمذى رقم (٢٢٠٢) في الفتن، باب ما جاء في الهرج والعبادة فيه. والهَرْج: الفتنة في آخر الزمان، وشدَّة القتل وكثرته، والاختلاط. (اللسان: هرج).
(٥) مسند أحمد ٥/ ٢٧.
(٦) في آ: "مرضاته".
(٧) لفظ "كلهم" لم يرد في آ، ح.
(٨) هو الحسن بن عرفة بن يزيد العبدي البغدادي، أبو علي، توفي سنة ٢٥٧ هـ. ومن الكتاب نسخة في دار الكتب الظاهرية بدمشق، رواية إسماعيل بن محمد الصفار. (مجاميع ٢٢).
(٩) تحاتَّ ورقُه: أي تناثر.
[ ٢٥٤ ]
الصَّريدِ (^١) - والصَّرِيدُ: البرْدُ الشديدُ - وذاكرُ اللهِ في الغافلين يغفرُ [الله] (^٢) له بعددِ كُلِّ رطبٍ ويابسٍ، وذكِرُ اللهِ في الغافلين يعرِفُ مقعدَهُ في الجنَّة" (^٣).
قال بعضُ السَّلف: ذاكِرُ اللهِ في الغافلين كمثل الذي يحمِي الفئة المنهزِمَة، ولولا مَن يذكرُ الله في غَفْلةِ النَّاسِ لهلَكَ النَّاسُ.
رأى جماعةٌ مِن المتقدِّمينَ في منامهم كان ملاِئكة نزلَتْ إلى بلادٍ شتَّى، فقال بعضُهم لبعضٍ: اِخْسِفُوا بهذه القرية، فقال بعضُهم: كيفَ نخسِفُ بها وفلانٌ فيها قائمٌ يُصلِّي؟
ورأى بعضُ المتقدِّمينَ في منامِه مَن يُنشِدُ وَيقولُ (^٤):
لَولا الَّذينَ لَهُمْ وِرْدٌ يُصلُّونا … وآخرون لَهُمْ سَرْدٌ يصُومُونا
لَدُكْدِكتْ (^٥) أَرْضُكُم مِن تحتِكُم سَحَرًا … لِأنكُم قومُ سُوءٍ ما تُطِيعُونا
وفي مسند البزَّارِ (^٦) عن أبي هريرة مرفوعًا: "مهلًا عن الله مهلًا، فلولا عبادٌ رُكَّعٌ، وأطفالٌ رُضَّعٌ، وبهائمُ رُتَّعٌ، لَصُبَّ عليكم العَذابُ صَبًّا". ولبعضهِم في المعنَى:
لَولا عِبادٌ للإله رُكَّعُ … وَصبْيةٌ مِنَ اليَتَامَى رُضَّعُ
ومُهْمَلاتٌ في الفَلَاةِ رُتَّعُ … صُبَّ (^٧) عليكم العذابُ المُوجِعُ
وقد قيل في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ
_________________
(١) في ط: "الصرير"، وهو تصحيف.
(٢) زيادة من نسخة (ب).
(٣) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" ٦/ ١٨١ مع اختلاف في اللفظ، وعنه السيوطي في "الجامع الصغير" رقم (٤٣١١) ورمز له بالضعف، وكذا ذكره الألباني في "ضعيف الجامع الصغير" ٣/ ١٦٦ رقم (٣٠٣٧).
(٤) لفظ "ويقول" لم يرد في آ، ش، ع.
(٥) دُكدِكَت أرضكم: أي دُفِنَت بالتراب.
(٦) ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١٠/ ٢٢٧ وقال: رواه البزار والطبراني في الأوسط، إلا أنه قال: لولا شباب خشع، وشيوخ ركع، وأطفال رضع، وبهائم رتع، لصُبَّ عليكم العذاب صبًا، ثم لَرُضَّ رَضًا، وقال: مهلًا عن الله مهلًا؛ وأبو يعلى [١١/ ٢٨٧] أخصر منه. وفيه إبراهيم بن خثيم، وهو ضعيف. ورواه البيهقي في "السنن" ٣/ ٣٤٥ وقال: إبراهيم بن خثيم غير قوي، وله شاهد بإسناد آخر غير قوي. وإبراهيم بن خثيم بن عراك بن مالك الغفاري، قال إسحاق الجوزجاني: كان غير مقنع، اختلط بآخرة. وقال النسائي: متروك. وأورد الذهبي له هذا الحديث في "ميزان الاعتدال" ١/ ٣٠.
(٧) في آ، ع: "لصب".
[ ٢٥٥ ]
الْأَرْضُ﴾ (^١): إنه يدخلُ فيها دفْعُهُ عن العُصاةِ بأهلِ الطَّاعةِ. وجاء في الآثار: إنَّ الله يَدْفَعُ بالرَّجُلِ الصالِحِ عن أهلِهِ وولدِهِ وذريَّتِه ومَنْ حَوْلَه. وفي بعض الآثار يقولُ الله ﷿: "أَحَبُّ العِبادِ إليَّ المُتَحابُّونَ بجلالي المشَّاؤون في الأرضِ بالنَّصِيحةِ، المشَّاؤون (^٢) على أقدامهم إلى الجُمُعاتِ".
وفي رواية: "المعلَّقة (^٣) قلوبُهم بالمساجِدِ، والمستغفِرونَ بالأسحارِ، فإذا أردتُ إنزالَ عذابٍ بأهلِ الأرضِ فنَظَرْتُ إليهم صَرفْتُ العَذَابَ عن النَّاسِ". وقال مكحولٌ (^٤): ما دامَ في النَّاسِ خمسةَ عَشَرَ يَستغفِرُ كُلٌّ منهم الكة كُلَّ يوم خمسًا وعشرين مَرَّة لم يَهلِكُوا بعذاب عامَّة (^٥). والآثارُ في هذا المعنى كثيرة جدًّا.
وقد رُوِيَ في صيام النبيِّ - ﷺ - شعبانَ معنىً آخَرُ، وهو أنَّه تُنْسَخُ فيه الآجالُ. فَرُوِي بإسنادٍ فيه ضعفٌ عن عائشةَ، قالت: "كان أكثرُ صِيامِ رسولِ الله - ﷺ - في شعبانَ، فقلْتُ: يا رسولَ اللهِ، أَرَى أكثَرَ صِيامِكَ في شعبانَ. قال: إِنَّ هذا الشهر يُكتَبُ فيه لملَكِ الموتِ مَنْ يقبضُ، فأنا لا أحِبُّ أن يُنْسَخَ اسْمِي الَّا وأنا صَائمٌ" (^٦).
وقد رُوِي مُرْسَلًا، وقيل: إنَّه أصَحُّ.
وفي حديثٍ آخرَ مُرسلٍ: "تُقْطَعُ الآجالُ مِن شعبانَ إِلى شعبانَ، حتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ ويُولَدُ له ولَقَدْ خَرَج اسْمُه في الموتَى" (^٧).
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٥١.
(٢) في ش، ط: "الماشون".
(٣) في ب، ط: "المتعلقة".
(٤) هو مكحول بن أبي مسلم، أبو عبد الله، الهذلي بالولاء. عالم أهل الشام في عصره، من حفاظ الحديث. أصله من كابل، ترعرع بها وسُبي، وصار مولى لامرأة بمصر من هذيل، فنسب إليها وأعتق، وتفقه، ورحل في طلب الحديث إلى العراق فالمدينة، واستقر بدمشق، وتوفي نحو سنة ١١٢ هـ. (الحلية ٥/ ١٧٧، تذكرة الحفاظ ١٠٧).
(٥) في ش، ع: "عامٌّ". وفي الحلية ٥/ ١٨٣: "لم يؤاخذ الله تلك الأمة بعذاب العامة".
(٦) ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٩٢، قال: عن عائشة: أن النبي - ﷺ - كان يصوم شعبان كلَّه. قالت: قلتُ يا رسول الله! أحبُّ الشهور إليك أن تصومَه شعبانُ. قال: إن الله يكتب على كل نفسٍ ميّتةٍ تلك السنة، فأحبُّ أن يأتيني أجلي وأنا صائم. قلت: في الصحيح طرف منه. رواه أبو يعلى (٨/ ٣١٢) وفيه مسلم بن خالد الزنجي، وفيه كلام وقد وثق.
(٧) رواه الديلمي في "الفردوس" ٢/ ٧٣ عن عثمان بن الأخنس، وذكره الزبيدي في في "إتحاف السادة" ١٠/ ٢٨١، وقال: رواه الديلمي من حديث أبي هريرة. وروى ابن أبي الدنيا وابن جرير مثله من طريق الزهري عن عثمان عن=
[ ٢٥٦ ]
ورُوِي في ذلك معنىً آخرُ، وهو أن النبيَّ - ﷺ - كانَ يَصُومُ مِن كُلِّ شهرٍ ثلاثةَ أَيَّامٍ، وربَّما أخَّرَ ذلك حتَّى (^١) يصومَ شعبانَ. رَوَاهُ ابنُ أبي ليلى، عن أخيهِ عيسى، عن أبيهما، عن عائشةَ - ﵂ -. خرَّجَه الطبرانيُّ (^٢). ورواه غيرُه، وزاد "قالت عائشة: فربَّما أرَدْتُ أنْ أَصُومَ فلم أُطِقْ، حتَّى إذا صامَ (^٣) صُمْتُ معه".
وقد يُشكِلُ على هذا ما في صحيح مسلم (^٤) عن عائشةَ، قالت: "كان رسول الله - ﷺ - يَصُومُ ثلاثةَ أيَّامٍ مِن كُلِّ شهرٍ، لا يبالِي من أيِّهِ كان". وفيه (^٥) أيضًا عنها، قالت: "ما علمته - تعنِي النبيَّ - ﷺ - صامَ شهرًا كاملًا الَّا رمضانَ، ولا أَفْطَرَهُ كُلَّهُ حتَّى يَصُومَ منه، حتَّى مَضَى لِسبِيلِهِ". وقد يُجمَعُ بينَهما بأنه قد يكونُ صَوْمُه في بعضِ الشُّهورِ لا يبلُغ ثلاثةَ أيَّامٍ، فيُكمِلُ ما فاتَهُ من ذلك في شعبانَ، أو أنه كان يَصُومُ مِن كُلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ مع الاثنين والخميس، فيؤخِّرُ الثلاثةَ خاصَّةً حتى يقضيَها في شعبانَ مع صَوْمِه الاثنينِ والخميسِ. وبِكُلِّ حال فكان النبيُّ - ﷺ - عملُه دِيمَة (^٦)، وكان إذا فاتَهُ شيءٌ مِن نوافلِهِ قضاهُ، كما كان يقضِي ما فاتَهُ مِن سُننِ الصَّلاةِ وما فاتَهُ مِن قيامِ اللَّيلِ بالنَّهارِ. وكان إذا دَخَلَ شعبانُ وعليه بقيَّةٌ مِن صيامِ تطوع لَمْ يَصُمْه، قَضَاهُ في شعبانَ
_________________
(١) = محمد بن المغيرة بن الأخنس، ورواه ابن أبي حاتم بنحوه عن ابن عباس موقوفًا. كما رواه ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٤٥، قال: والحديث الذي رواه عبد الله بن صالح عن الليث عن عقيل عن الزهري: أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس، قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: "تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان … " فهو حديث مرسل، ومثله لا يعارض به النصوص.
(٢) في ب، ط: "حتى يقضيه بصوم شعبان".
(٣) ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٩٢، قال: عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصوم كل شهر ثلاثة أيام، فربما أخر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة، وربما أخره حتى يصوم شعبان. رواه الطبراني في الأوسط وفيه محمد بن أبي ليلى وفيه كلام.
(٤) لفظ "صام" لم يرد في آ، ع.
(٥) رقم (١١٦٠) في الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأبو داود رقم (٣٤٥٣) في الصوم، باب من قال: لا يبالي من أي الشهر، والترمذي رقم (٧٦٣) في الصوم، باب ما جاء في صوم ثلاثة أيام من كل شهر. وروي الحديث عن معاذة بنت عبد الله العدوية، قالت: "سألت عائشة: أكان رسولُ الله - ﷺ - يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم، قلت لها: من أيِّ أيام الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم".
(٦) رقم (١١٥٦) في الصيام، باب صيام النبي - ﷺ - في غير رمضان.
(٧) الديمة: المطر الدائم في سكون. شبهت عائشة - ﵂ - عمله في دوامه مع الاقتصاد، بديمة المطر الدائم. (النهاية ٢/ ١٤٧).
[ ٢٥٧ ]
حتَّى يستكمِلَ نوافِلَهُ بالصَّوْمِ قبلَ دُخُولِ رمضانَ، فكانَتْ عائشةُ حينئذٍ تغتنِمُ قَضاءَهُ لنوافلِهِ فتَقضي ما عليها من فرضِ رمضانَ حينئذٍ لِفطْرِها فيه بالحَيْض، وكانَتْ في غيرِه مِنَ الشُّهورِ مُشتغلةً بالنبيِّ - ﷺ - فإن المرأةَ لا تَصومُ وبَعْلُها شاهِدٌ الَّا بإذْنِهِ. فَمَنْ دَخَلَ عليه شعبانُ وقد بقيَ عليه منِ نوافِلِ صيامِهِ في العام استُحِبَّ له قضاؤها فيه حتَّى يُكمِّلَ نوافلَ صيامِهِ بينَ الرَّمضَانين. ومَن كان عليه شيءٌ" (^١) مِن قَضاءِ رَمضانَ وجَبَ عليه قضاؤه [بعدَ رمضانَ] (^٢) مع القُدْرَةِ، ولا يَجُوزُ لَهُ تأخيرُه إلى ما بعدَ رَمضان آخرَ لِغَيْرِ ضَرُورةٍ، فإنْ فَعَلَ ذلك وكان تأخيرُه لِعُذرٍ مُستمرٌ بينَ الرَّمضانَينِ، كان عليه قضاؤه بعدَ رمضانَ الثاني، ولا شيءَ عليه مع القضاءِ. وانْ كانَ ذلك لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ فقيلَ: يَقضِي ويُطعِمُ مَعَ القَضَاءِ لِكُلِّ يَوْمٍ مسكينًا، وهو قولُ مالكٍ والشَّافِعيِّ وأحمدَ إتباعًا لآثارٍ وَرَدَتْ بذلك. وقيلَ: يقضِي ولا إطعامَ عليه، وهو قولُ أبي حنيفةَ. وقيل: يُطعِمُ ولا يَقْضِي، وهو ضَعيفٌ. وقد قيلَ في صومِ شعبانَ معنىً آخَرُ، وهو أن صِيامَه كالتَّمرِينِ على صِيام رَمضانَ؛ لئلَّا يدخُلَ في صَوْمِ رَمضانَ على مَشَقَّةٍ وكُلْفَةٍ، بلْ يكونُ قد تمرَّنَ على الصِّيامِ واعْتَادَهُ، ووجَدَ بصيام شعبانَ قبلَهُ حَلاوةَ الصِّيام ولذَّتَهُ، فيدخُلُ في صيامِ رَمضانَ بقوَّةٍ ونَشَاطٍ.
ولمَّا كانَ شعبانُ كالمقدِّمَةِ لرمضانَ شُرِعَ فيه ما يُشرَعُ في رمضانَ من الصِّيام وقراءةِ القرآنِ؛ ليحصُلَ التَّأهُّبُ لتلَقِّي رمضان، وترتاضَ النُّفوسُ بذلك على طاعةِ الرَّحمنِ. وروينا بإسنادٍ ضعيفٍ عن أنسٍ، قال: كان المسلمون إذا دَخَلَ شَعْبَانُ أكبُّوا (^٣) على المصاحِفِ فقرؤوها (^٤)، وأخرَجُوا زكاةَ أموالِهم تقوِيةً للضَّعيفِ والمسكينِ على صيامِ رمضانَ.
وقالَ سَلمةُ بنُ كُهَيلٍ (^٥): كان يقالُ: شهرُ شعبانَ شهرُ القُرَّاءِ (^٦). وكان حبيبُ بن
_________________
(١) لفظ "شي" لم يرد في آ، ع.
(٢) زيادة من نسخة (ب).
(٣) في ب، ط: "انكبُّوا".
(٤) في آ، ع: "يقرؤونها".
(٥) هو سَلَمة بن كهَيْل بن حصين الحَضْرمي، أبو يحيى الكوفي التَّنعي، وتِنْعة بطن من حضرموت، كوفيّ تابعي ثقة ثبت في الحديث، روى له الجماعة، مات نحو سنة ١٢٣ هـ. (سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٩٥، تهذيب الكمال ١١/ ٣١٣).
(٦) في آ، ع: "القرآن".
[ ٢٥٨ ]
أبي ثابتٍ (^١) إذا دَخَلَ شعبانُ قال: هذا شهرُ القُرَّاءِ. وكان عمرو بن قيس المُلائيُّ (^٢) إذا دَخَلَ شعبانُ أَغْلَقَ حانُوتَهُ وتفرَّغ لقراءةِ القرآن. قال الحسنُ بن سهل: قال شعبان: يا ربِّ، جعلتني بينَ شهرَيْنِ عظيمَيْنِ، فما لِي؟ قال: جعلْتُ فيكَ قراءَةَ القرآنِ. يا مَنْ فرَّطَ في الأوقاتِ الشريفةِ وضيَّعَها وأودَعَهَا الأعمالَ السيئةَ، وبئسَ ما اسْتَوْدَعَهَا.
مَضَى رَجَبٌ وما أَحْسَنْتَ فيهِ … وهَذا شَهْرُ شَعْبَانَ المُبَارَكْ
فيا مَنْ ضَيَّعَ الأوقاتَ جَهْلًا … بِحُرْمَتِها أفِقْ واحْذَرْ بَوَارَكْ
فسَوفَ تُفارِقُ اللَّذَّاتِ قَهْرًا (^٣) … ويُخْلِي الموتُ كُرْهًا مِنكَ دَارَكْ
تَدَارَكْ ما اسْتَطَعْتَ مِنَ الخَطَايا … بتوبةِ مُخلِصٍ واجْعَلْ مَدَارَكْ
عَلَى طَلَبِ السَّلامَةِ مِنْ جَحِيمٍ … فخيرُ ذوي الجرائمِ مَنْ تَدَارَكْ
* * *