ثبتَ (^١) في "الصحيحين" (^٢) عن أبي هريرةَ - ﵁ - عن النبي - ﷺ -، قال: "كلُّ عَمَلِ ابن آدمَ له؛ الحسنَةُ بِعشْرِ أمثالِها إلى سبعمائةِ ضِعْفٍ، قال الله ﷿: إلَّا الصِّيامَ فإنَّه لي وأنا أجزِي به، إنَّه تَرَكَ شهوتَه وطعامَه وشرابَه من أجلي. للصَّائمِ فرحتان: فَرْحَةٌ عند فطرِه، وفَرْحَةٌ عندَ لِقاءِ ربِّهِ، ولَخَلُوفُ فَمِ الصائمِ أطيبُ عندَ اللهِ مِن ريحِ المِسْكِ". وفي رواية "كلُّ عَمَلِ ابن آدمَ له إلَّا الصِّيامَ فإنَّه لي". وفي رواية للبخاري "لكلِّ عملٍ كَفَّارةٌ، والصَّوم لي وأنا أجزي به". وخرَّجه الإمامُ أحمدُ (^٣) مِن هذا الوجه، ولفظهُ: "كلُّ عملِ ابن آدمَ له (^٤) كفارةٌ إلَّا الصَّومَ، والصَّومُ لي، وأنا أَجْزِي به".
فعلى الرواية الأولى: يكون استثناءُ الصومِ من الأعمالِ المُضَاعَفَةِ، فتكونُ الأعمالُ كلُّها تُضاعَفُ بعَشر أمثالها إلى سبعمائة ضَعفٍ، إلَّا الصيامَ فإنَّه لا ينحصِرُ تضعيفُه في هذا العدد، بل يُضاعِفُه اللهُ ﷿ أضعافًا كثيرةً بغير حَصْرِ عددٍ؛ فإنَّ الصيامَ مِن الصَّبرِ، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ
_________________
(١) لفظ "ثبت" لم يرد في آ، ش، ع.
(٢) أخرجه البخاري ٤/ ١٠٣ - ١١٠ رقم (١٨٩٤) في الصوم: باب فضل الصوم، ورقم (١٩٠٤) باب هل يقول: إني صائم إذا شتم، وفي اللباس، رقم (٥٩٢٧): باب ما يذكر في المسك، وفي التوحيد رقم (٧٩٤٢): باب قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾، ورقم (٧٥٣٨): باب ذكر النبي - ﷺ - وروايته عن ربِّه؛ ومسلم رقم (١١٥١) في الصيام: باب حفظ اللسان، وباب فضل الصيام. وللحديث روايات متعددة انظرها في "جامع الأصول" ٩/ ٤٥٠ - ٤٥٣.
(٣) مسند أحمد ٢/ ٢٥٧ و٢٧٣، ولم ترد فيه لفظة "كفارة".
(٤) لفظ "له" لم يرد في آ، ش، ع.
[ ٢٨٣ ]
حِسَابٍ﴾ (^١). ولهذا وَرَدَ عن النبيِّ - ﷺ - أنَّه سمَّى شهرَ رمضانَ شهرَ الصَّبر (^٢).
وفي حديث آخرَ عنه - ﷺ -، قال: "الصَّومُ نِصْفُ الصَّبْرِ". خرَّجه الترمذيُّ (^٣).
والصَّبْرُ ثلاثةُ أنواعٍ: صبرٌ على طاعةِ اللهِ، وصَبْرُ عن محارِم اللهِ، وصَبْرٌ على أقدَارِ اللهِ المؤلمةِ. وتجتمعُ الثلاثة كلُّها (^٤) في الصوم؛ فإنَّ فيه صبرًا على طاعةِ اللهِ، وصَبرًا عمَّا حَرمَ الله على الصَّائمِ منَ الشَّهواتِ، وصَبرًا على ما يحصُلُ للصَّائمِ فيه من ألمِ الجوعِ والعطَشِ، وضعْفِ النفسِ وَالبدَنِ.
وهذا الألمُ الناشئُ مِن أعمالِ الطَّاعَاتِ يُثابُ عليه صاحبُه، كما قال الله تعالى في المجاهدين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٥). وفي حديثِ سلمانَ المرفوعِ الذي أخرَجَهُ ابن خُزيمةَ في "صحيحِهِ" (^٦) في فضلِ شهر رمضانَ "وهو شهرُ الصَّبرِ، والصَّبْر ثوابُه الجَنَّةُ". وفي الطبراني (^٧) عن ابن عُمَرَ مرفوعًا: "الصِّيامُ للهِ لَا يَعْلَمُ ثَوابَ عملِه (^٨) إلَّا اللهُ ﷿". ورُوي مرسلًا وهو أصحُّ.
واعلَمْ أَنَّ مضاعفَةَ الأجرِ للأعمال تكونُ بأسبابٍ؛ منها: شَرَفُ المكانِ المعمولِ فيه ذلك العملُ، كالحَرَمِ. ولذلك (^٩) تُضاعَفُ الصَّلاةُ في مسجدَيْ مكَّةَ والمدينةِ. كما
_________________
(١) سورة الزمر الآية ١٠.
(٢) من حديث طويل أخرجه أبو داود رقم (٢٤٢٨) في الصوم، باب في صوم أشهر الحرم، وابن ماجه رقم (١٧٤١) في الصيام، باب صيام أشهر الحرم؛ وفي الحديث مقال، وقد مضى تخريجه.
(٣) رقم (٣٥١٤) في الدعوات، باب رقم (٩٢) عن رجل من بني سليم؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "التسبيح نصف الميزان، والحمدُ لله تملؤه، والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض، والصوم نصف الصبر، والطهور نصف الإيمان". قال الترمذي: هذا حديث حسن، وهو كما قال.
(٤) لفظ "كلها" زيادة من ش، ع، وفي آ: "وتجتمع كلها".
(٥) سورة التوبة الآية ١٢٠.
(٦) رقم (١٨٨٧) في الصيام، باب فضائل شهر رمضان، إن صح الخبر. وفي سنده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، كما في التقريب. وفي حاشية التحقيق: قال البنا في "الفتح الرباني" ٩/ ٢٣٣: رواه ابن خزيمة في صحيحه، ثم قال: إن صح الخبر.
(٧) أورده المنذري في "الترغيب والترهيب" مطولًا ٢/ ٨٢ في الصوم عن ابن عمر، وفيه: "رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي. وهو في صحيح ابن حبان من حديث حريم بن فاتك بنحوه، لم يذكر فيه الصوم".
(٨) في الترغيب "عامله".
(٩) في آ، ش: "وكذلك".
[ ٢٨٤ ]
ثبَتَ ذلك في الحديثِ الصحيحِ (^١) عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "صلاةٌ في مَسْجِدي هذا خيرٌ مِن ألفِ صَلاةٍ فيما سِواهُ مِنَ المساجدِ إلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ".
وفي رواية "فإنه أفضَلُ". وكذلك روي أنَّ الصِّيامَ يُضَاعَفُ بالحرَم. وفي سُنن
ابن ماجه (^٢) بإسنادٍ ضعيفٍ، عن ابن عباسٍ مرفوعًا: "مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ بمكَةَ فَصامَهُ
وقَامَ منه ما تيسَّرَ كَتَبَ الله له مائَةَ ألفِ شَهْرِ رَمَضانَ فيما سِواهُ"، وذَكَرَ له ثوابًا كثيرًا.
ومنها: شرفُ الزمان، كشهر رمضانَ وعشر ذي الحجةِ. وفي حديثِ سلمانَ الفارسي
المرفوعِ الذي أشرْنا إليه في فضل شهر رمضانَ "مَنْ تطوَّعَ (^٣) فيهِ بخَصْلَةٍ مِن خِصالِ
الخَيْرِ كان كَمَنْ أدَّى فَريضَةً فيما سِواهُ، ومَنْ أدَّى فيه فريضَةً كان كمَنْ أدَّى سَبعينَ
فريضةً فيما سِواهُ". وفي الترمذيّ (^٤) عن أنس: "سئل النبيُّ - ﷺ -: أيُّ الصَّدَقةِ أفضَلُ؟
قال: صَدَقَةٌ في رَمَضَانَ". وفي الصحيحين (^٥) عن النبي - ﷺ -، قال: "عُمْرَةٌ في رمضانَ
تَعْدِلُ حجَّةً" أو قال "حَجَّةً معي".
وَوَرَدَ في حديثٍ آخر: "إنَّ عَمَلَ الصَّائمِ مُضَاعَفٌ". وذكَرَ أبو بكر بن أبي مريمَ
عن أشياخِه أنَّهم كانوا يقولون: إذا حَضرَ شهرُ رَمَضَانَ فانبسِطُوا فيه بالنَّفَقَةِ؛ فإنَّ النَّفَقَةَ
فيه مُضَاعَفَة كالنَّفقةِ في سبيلِ الله، وتسبيحةٌ فيه أفضَلُ من ألفِ تسبيحةٍ في غيرِهِ.
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (١١٩٠) في فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة؛ ومسلم رقم (١٣٩٤) في الحج، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة. وللحديث روايات متعددة انظرها في "جامع الأصول" ٩/ ٢٨٤ - ٢٨٦.
(٢) رقم (٣١١٧) في المناسك، باب صيام شهر رمضان بمكة، وإسناده ضعيف لضعف عبد الرحيم بن زيد العَمِّيّ، وضعف أبيه زيد بن الحواري العَمِّي. وتمام الحديث: "وكتب له بكل يوم عتقَ رَقبة، وكل ليلة عتق رقبة، وكل يوم حُملان فرسٍ في سبيل الله، وفي كل يوم حسنةٌ، وفي كل ليلةٍ حسنةٌ".
(٣) في صحيح ابن خزيمة "من تقرَّب".
(٤) رقم (٦٦٣) في الزكاة: باب ما جاء في فضل الصدقة، من حديث صدقة بن موسى، عن أنس. قال الترمذي: هذا حديث غريب، وصدقة بن موسى ليس عندهم بذاك القوي. ونصه فيه، عن أنس: "سئل النبي - ﷺ -: أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ فقال: شعبان لتعظيم رمضان. قيل: فأي الصدقة أفضل؟ قال: صدقة في رمضان". وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" ٣/ ٣٧٧.
(٥) في آ، ش، ع: "وفي الصحيح". وهو قطعة من حديث طويل رواه البخاري ٣/ ٦٠٣ - ٦٠٥ في الحج، باب عمرة في رمضان، و٤/ ٧٢ (١٨٦٣) باب حج النساء؛ ومسلم رقم (١٢٥٦) في الحج، باب فضل العمرة في رمضان.
[ ٢٨٥ ]
وقال النَّخعيُّ: صومُ يومٍ من رَمَضَانَ أفضَلُ مِن ألفِ يومٍ، وتسبيحةٌ فيهِ أفضَلُ مِن ألفِ تسبيحةٍ، ورَكْعَةٌ فيه أفضَلُ مِن ألفِ رَكْعَةٍ.
فلمَّا كانَ الصِّيامُ في نفسِهِ مضاعفًا أجرُهُ بالنسبة إلى سائرِ الأعمالِ، كانَ صِيَامُ شهرِ رَمَضَانَ مُضاعَفًا على سائرِ الصِّيام؛ لِشرَفِ زَمَانِهِ، وكونِهِ هو الصَّومُ الذي فَرَضَهُ اللهُ على عبادِهِ، وجَعَلَ صيامَهُ أحَدَ أَركانِ الإسلام التي بُني الإسلامُ عليها. وقد يُضاعَفُ الثَّوابُ بأَسبابٍ أُخَرَ؛ منها: شرفُ العامِلِ عَندَ اللهِ وقُرْبُهُ منه، وكثرةُ تَقواهُ، كما ضُوعِفَ أجرُ هذه الأمَّةِ على أجورِ مَنْ قبلَهم مِن الأممِ، وأُعْطُوا كِفْلَيْن (^١) مِنَ الأجْرِ.
وأمَّا على الروايةِ الثانية: فاستثناءُ الصِّيام من بين الأعمالِ يَرجعُ إلى أن سائرَ الأعمالِ للعبادِ، والصِّيامُ اختصَّه اللهُ تعالَى لنفسِهِ من بين أعمالِ عبادِه، وأضافَه إليه. وسيأتي ذكرُ توجيه هذا الاختصاص إن شاء الله تعالى.
وأمَّا على الرواية الثالثة (^٢): فالاستثناءُ يعودُ إلى التكفير بالأعمالِ، ومن أحسَنِ ما قيلَ في معنى ذلك: ما قاله سفيانُ بنُ عُيينةَ ﵀، قال: هذا (^٣) من أجودِ الأحاديثِ وأحكمِهَا (^٤)، إذا كان يومُ القيامة يُحاسِبُ اللهُ عبدَهُ، ويُؤدَّى ما عليه من المظالم من سائر عملِه، حتى لا يبقى إلَّا الصَّومُ، فيتحمَّلُ اللهُ ﷿ ما بقِيَ عليه مِن المظالم، ويُدْخِلُه بالصَّومِ الجنَّةَ. خرَّجَه البيهقي في "شُعَب الإيمان" (^٥) وغيره. وعلى هذا فيكون المعنى أن الصّيامَ للهِ ﷿، فلا سبيلَ لأحَدٍ إلى أخذِ أجره من الصِّيام (^٦)، بل أجرُه مدَّخرٌ لصاحبِهِ عندَ اللهِ ﷿، وحينئذٍ فقد يُقالُ: إنَّ سائر الأعمالِ قدْ يُكفَّرُ بها ذنوبُ صاحبِها فلا يَبقى لها أجرٌ، فإنَّه رُوي أنَّه يُوازَنُ يومَ القيامةِ بين الحسناتِ والسيئاتِ، ويُقَصّ (^٧) بعضُهَا من بعضٍ، فإنْ بقيَ من الحسناتِ حسنةٌ
_________________
(١) الكِفْل: الضِّعف.
(٢) في هامش ش: "وهي رواية البخاري: لكل عمل كفارة والصوم لي وأنا أجزي به".
(٣) أي حديث "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به".
(٤) في ش، ع: "وأجلها" وما أثبته يوافق ما جاء في شعب الإيمان.
(٥) شعب الإيمان للبيهقي ٣/ ٢٩٥.
(٦) في آ، ش: "من الصائم".
(٧) في آ، ش، ع: "يقتص".
[ ٢٨٦ ]
دَخَلَ بها صاحبُها الجنَّةَ. قاله سعيدُ بن جبيرٍ وغيرُه. وفيه حديثَ مرفوعٌ خرَّجَه الحاكِمُ (^١) من حديثِ ابن عباسٍ مرفوعًا، فيحتمل أن يقالَ في الصوم: أنَّه لا يَسقُطُ ثوابُهُ بمقاصَّةٍ ولا غيرِها، بل يوفَّرُ أجرُه لصاحبِهِ حتَّى يدخُلَ الجنَّةَ، فيوفَّى أجرُه فيها.
وأمَّا قولُه: "فإنَّه لي"، فإنَّ الله خَصَّ الصِّيامَ بإضافتِه إلى نفسِهِ دونَ سائرِ الأعمالِ، وقد كَثُر القولُ في معنى ذلك مِن الفقهاءِ والصُّوفية وغيرِهم، وذكَروا فيه وُجوهًا كثيرةً. ومِن أحسنِ ما ذُكِرَ فيه وجهان:
أحدُهما: أن الصِّيامَ هو مُجَرَّدُ تَرْكِ حُظُوظِ النَّفْس وَشَهَواتِها الأصليةِ التي جُبِلتْ على الميل إليها للهِ ﷿، ولا يوجدُ ذلك في عَبادةٍ أخرى غير الصِّيام؛ لأنَّ الإحرامَ إنَّما يُترَكُ فيه الجماعُ ودواعيهِ مِن الطِّيب دونَ سائرِ الشَّهواتِ؛ من الأكل والشربِ، وكذلك الاعْتِكافُ مع أنه تابعٌ للصِّيامِ.
وَأَمَّا الصَّلاةُ فإنَّه وانْ تَرَكَ المصلِّي فيها جميعَ الشهواتِ إلَّا أن مدَّتها لا تَطولُ، فلا يَجِدُ المصلِّي فَقْدَ الطَّعامِ والشَّرابِ في صلاتِه، بل قد نُهِيَ أنْ يُصلِّي ونفسُه تتوقُ (^٢) إلى طعامٍ (^٣) بحضرتِهِ حتى يتناولَ منه ما يُسكِنُ نَفْسَه، ولهذا أُمِرَ بتقديمِ العَشاءِ على الصَّلاةِ.
وذهبت طائفةٌ مِن العلماء إلى إباحة شرب الماءِ في صلاة التطوُّع، وكان ابنُ الزبير يفعلُه في صلاتِهِ، وهو روايةٌ عن الإمامَ أحمدَ، وهذا بخلافِ الصِّيامِ؛ فإنَّه يَسْتَوعِبُ النَّهارَ كُلَّه، فيجِدُ الصَّائمُ فَقْدَ هذه الشهوَاتِ، وتتوقُ (٢) نفسُه إليها، خصوصًا في نهارِ الصَّيفِ؛ لشدَّةِ حرِّهِ وطُولهِ، ولهذا رُوِي أن مِن خِصالِ الإيمانِ الصَّومَ في الصَّيْفِ، وقَدْ كانَ رسولُ اللهِ يكوَنِ يَصُومُ رَمَضانَ في السَّفَرِ في شِدَّةِ الحرِّ دونَ أصحابِهِ، كما قال أبو الدَّرداء: "كُنَّا معَ النبيِّ - ﷺ - في رَمَضَانَ في سَفَرٍ وأحدُنا يَضَعُ يَدَهُ على رأسِهِ مِن شِدَّةِ الحَرِّ، وما فينا صائمٌ إلَّا رسولُ الله - ﷺ - وعبدُ الله بنُ رَواحة" (^٤).
_________________
(١) المستدرك ٤/ ٢٥٢.
(٢) في ب، ط: "تشوق".
(٣) في آ، ع: "إلى الطعام".
(٤) أخرجه البخاري رقم (١٩٤٥) في الصوم: باب (٣٥). ومسلم رقم (١١٢٢) (١٠٨) و(١٠٩) في الصيام: باب التخيير في الصوم والفطر في السفر.
[ ٢٨٧ ]
وفي "الموطأ" (^١) أنَّه - ﷺ - كان بالعَرْج يصُبُّ الماءَ على رأسِهِ وهو صائمٌ مِنَ العَطَش، أو من الحَرِّ. فإذا اشتدَّ توقانُ النَّفس إلى ما تشتهيه مع قدرتِها عليه، ثم تركَتْهُ للهِ ﷿ في موضع لا يَطَّلِعُ عليه إلَّا الله، كانَ ذلك دليلًا على صِحَّةِ الإيمانِ؛ فإن الصَّائمَ يعلَمُ أن له ربًّا يَطَّلِعُ عليه في خلوتِه، وقد حرَّمَ عليه أن يتناولَ شهواتِهِ المجبولِ على الميلِ إليها في الخلوةِ، فأطاعَ ربَّه، وامْتَثَلَ أمرَهُ، واجْتَنَبَ نهيَهُ خوفًا من عقابه، ورَغبةً في ثوابِهِ، فشكَرَ الله تعالَى له ذلك، واخْتَصَّ لنفسِهِ عملَهُ هذا مِن بين سائرِ أعمالِهِ؛ ولهذا قال بعد ذلك: إنَّه إنَّما (^٢) ترَكَ شهوتَهُ وطعامَهُ وشَرَابَهُ مِن أَجْلِي. قال بعض السَّلَف: طُوبَى لمن تَرَكَ شهوةً حاضِرَةً لموعدِ غيبٍ لم يَرَهُ.
لمَّا عَلِمَ المؤمنُ الصَّائمُ أن رِضَا مَولاهُ في ترك شهواتِهِ، قدَّمَ رِضَا مولاهُ على هواهُ؛ فصارَتْ لَذَّتُه في تَرْكِ شهوتِهِ للهِ؛ لإيمانِهِ باطلاعِ الله عليه (^٣). وثوابُهُ وعقابُهُ أعظَمُ مِن لذَّتِهِ في تناولها في الخَلْوَةِ؛ إيثارًا لِرضا رَبِّه على هَوَى نفسِه، بل المؤمنُ يكرَهُ ذلك في خلوِتِهِ أشدَّ مِن كراهتِهِ لألمِ الضَّرْبِ.
ولهذا أكثر المؤمنين لو ضُرِبَ على أن يُفطِرَ في شهرِ رَمَضَانَ لغيرِ عُذْرٍ لم يفعَلْ؛ لعلمه بكراهةِ (^٤) اللهِ لفطرهِ في هذا الشهر، وهذا من علاماتِ الإيمانِ أن يكرَهَ المؤمنُ ما يلائمُهُ مِنْ شهواتِهِ إذا عَلِمَ أن الله يكرههُ، فتصيرُ لَذَّتُه فيما يُرضي مَولاهُ وإنْ كان مخالفًا لِهواهُ، ويكونُ ألمُهُ فيما يَكرهُهُ مولاهُ، وإن كان موافقًا لِهواهُ، وإذا كانَ هذا فيما حُرِّمَ لِعَارِضِ الصَّوم مِنَ الطَّعامِ والشراب ومباشرةِ النساءِ، فينبغي أنْ يتأكَّدَ ذلك فيما حُرِّمَ على الإطلاقِ، كالزِّنا، وشُرْب الخمَر، وأخذِ الأموالِ أو الأعراضِ (^٥) بغيرِ حَقٍّ، وسَفْكِ الدِّماء المحرَّمَةِ؛ فإنَّ هذَا يُسْخِطُ الله على كلِّ حال وفي كلِّ زمانٍ ومكانٍ، فإذا كَمُلَ إيمان المؤمنِ كَرِهَ ذلكَ كُلَّه أعظَمَ مِن كراهتِهِ للقتلِ والضَّرْبِ.
_________________
(١) ١/ ٢٩٤ في الصيام: باب ما جاء في الصيام في السفر؛ وأبو داود رقم (٢٣٦٥) في الصوم: باب الصائم يصب عليه الماء من العطش، وإسناده صحيح. والعَرْج: موضع بين مكة والمدينة.
(٢) لفظ "إنما" لم يرد في آ، ش، ع.
(٣) لفظ "عليه" زيادة من نسخة (آ).
(٤) في ب، ط: "الكراهة".
(٥) في آ: "والأعراض".
[ ٢٨٨ ]
ولهذا جَعَلَ النبيُّ - ﷺ - من علاماتِ وُجودِ حَلَاوةِ الإيمانِ: أَنْ يَكْرَهَ أن يَرجِعَ إلى الكُفْرِ بعدَ أنْ (^١) أنقذَهُ الله، كما يَكرَهُ أَنْ يُلْقَى في النَّارِ (^٢).
وقال يوسفُ ﵇: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ (^٣).
سئل ذو النون المصري (^٤): مَتَى أُحِبُّ رَبِّي؟ قال: إذا كانَ ما يكرَهُهُ أمَرَّ عندَكَ مِنَ الصَّبْرِ. وقال غيرُه: ليسَ مِن أعلام المحبَّةِ أن تحبَّ ما يكرهُهُ حبيبُكَ. وكثيرٌ مِنَ النَّاس يَمشي على العَوَائدِ دونَ ما يوجبُهُ الإيمانُ ويقتضيه، فلهذا كثيرٌ منهم لو ضُرِبَ ما أفَطرَ في رَمَضَانَ لغيرِ عُذْرٍ. ومِن جُهَّالِهم مَنْ لا يُفطِرُ لِعُذْرٍ ولو تَضَرَّرَ بالصَّوْمِ، مع أن الله يُحِبُّ منه أن يَقبَلَ رُخصَتَهُ، جَرْيًا منه على العادةِ، وقد اعْتَادَ مع ذلك ما حرَّم (^٥) اللهُ مِن الزِّنا وشرب الخمرِ وأخذِ الأموالِ والأعراضِ أو الدِّماءِ بغيرِ حقٍّ، فهذا يَجْرِي على عوائِدِه في ذلَك كُلِّه لا على مُقْتَضَى الإيمانِ، ومَنْ عَمِلَ بمقتَضَى الإيمانِ صَارَتْ لَذَّتُه في مُصَابَرَةِ نفسِهِ عمَّا تَميلُ نفسُه إليه إذا كان فيه سَخَطُ اللهِ، ورُبَّما يَرْتَقِي إلى أن يَكْرَهَ جميعَ ما يكرهُهُ الله منهُ، وينفُرُ منه وإنْ كان ملائمًا للنفوسِ، كما قيل:
إن كان رِضاكُمُ في سَهَرِي … فَسَلامُ اللهِ على وَسَنِي (^٦)
[وقال آخر (^٧):
* فما لِجُرْحٍ إذا أرضاكُمُ ألَمُ *] (^٨)
_________________
(١) في آ: "بعد إذ".
(٢) من حديث رواه المصنف بالمعنى؛ عن أنس بن مالك - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ثلاث من كُنَّ فيه وَجَد بهنَّ طعم الإيمان: من كان الله ورسولُه أحبَّ إليه مما سُواهما، ومن أحبَّ عبدًا لا يُحبُّه إلَّا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر، بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يُلْقَى في النار". أخرجه البخاري ١/ ٦٠ - ٦٢ في الإيمان: باب حلاوة الإيمان، وباب من كره أن يعود في الكفر، وفي الأدب: باب الحب في الله، وفي الإكراه: باب من اختار القتل والضرب والهوان على الكفر. وأخرجه مسلم رقم (٤٣) في الإيمان: باب بيان خصال الإيمان. والترمذي رقم (٢٩٢٦) في الإيمان، باب رقم (١٠). والنسائي ٨/ ٩٦ في الإيمان: باب حلاوة الإيمان. وابن ماجه رقم (٤٠٣٣) في الفتن: باب الصبر على البلاء.
(٣) سورة يوسف الآية ٣٣.
(٤) لفظ "المصري" لم يرد في آ، ش، ع. وهو ثوبان بن إبراهيم الإخميمي المصري، أصله من النوبة، أحد الزهاد العبَّاد المشهورين، كان له فصاحة وحكمة وشعر، توفي سنة ٢٤٥ هـ.
(٥) في آ، ش: "ما حرَّمه".
(٦) الوَسَن: النعاس.
(٧) عجز بيت للمتنبي في ديوانه ٢/ ٢٦٣، وتمامه: إن كان سرَّكُمُ ما قال حاسدُنا … فما لِجُرْحٍ إذا أرضاكمُ ألَمُ
(٨) ما بين قوسين زيادة لم ترد في ب، ط.
[ ٢٨٩ ]
وقال آخر:
عَذابُهُ فيكَ عَذْبُ … وبُعْدُهُ فيك قُرْبُ
وَأَنْتَ عندِي كَرُوحِي … بَلْ أَنْتَ مِنها أَحَبُّ
حَسْبي مِنَ الحُبِّ أَنِّي … لِمَا تُحِبُّ أُحِبُّ
الوجه الثاني: أن الصِّيامَ سِرٌّ بينَ العبدِ وربِّه لا يَطَّلِعُ عليه غيرُه؛ لأنَّه مُركَّبٌ من نِيَّةٍ باطنةٍ لا يطبعُ عليها إلَّا الله، وتركٍ لتناولِ الشهواتِ التي يُستخفَى بتناولِها في العادة، ولذلك قيل: لا تكتبه الحَفَظَةُ. وقيل: إنَّه ليس فيه رياءٌ، كذا قاله الإمامُ أحمدُ وغيرُه؛ وفيه حديث مرفوعٌ مرسَلٌ. وهذا الوجهُ اختيارُ أبي عبيدٍ (^١) وغيرِه. وقد يَرجعُ إلى الأول؛ فإنَّ مَنْ تَرَكَ ما تَدعُوه نفسُه إليه للهِ ﷿ حيثُ لا يطلِعُ عليه غيرُ مَنْ أَمَرَهُ وَنَهَاهُ، دلَّ على صحَّةِ إيمانِه. والله تعالَى يُحِبُّ مِن عبادِهِ أنْ يعَامِلُوه سرًّا بينَهم وبينَه، وأهلُ محبَّتِه يُحبُّون أنْ يُعامِلُوه سرًّا بينَهم وبينَه، بحيثُ لا يطَّلِعُ على معاملتِهم إيَّاه سواهُ، حتى كان بعضُهم يَوَدُّ لو تمكَّنَ مِن عبادةٍ لا تشعُرُ بها الملائكةُ الحَفَظَةُ. وقال بعضهم لمَّا اُطُّلِعَ على بعضِ سرائرِهِ: إنما كانت تَطيبُ الحياةُ لمَّا كانَتِ المعامَلَةُ بيني وبينَه سِرًّا، ثم دَعَا لنفسِهِ بالموت فماتَ. المحبُّون يَغارُون مِن اطلاعِ الأغيارِ (^٢) على الأسرارِ التي بينَهم وبينَ مَنْ يحبُّهم ويحبُّونه.
نَسِيمَ صَبَا نَجْدٍ متَى جِئْتَ حامِلًا … تحيَّتَهُم فاطْوِ الحَدِيثَ عَنِ الرَّكْب
وَلا تُذِعِ السِّرَّ المَصُونَ فإنَّني … أَغَارُ عَلَى ذِكْرِ الأحبَّةِ مِنْ صَحْبِي (^٣)
وقوله "تَرَكَ شهوتَه وطعامَهُ وشَرَابَه مِن أجلي" فيه إشارةٌ إلى المعنَى الذي ذكرناه، وأنَّ الصائمَ تقرَّبَ إلى الله بتركِ ما تشتهيه نفسُهُ مِن الطعام والشراب والنِّكاحِ، وهذه أعظمُ شهواتِ النفسِ. وفي التقرُّب بتركِ هذه الشهواتِ بالصيامِ فوائد:
منها: وكسرُ النفْس؛ فإنَّ الشِّبَعَ والرِّيَّ ومباشَرَةَ النِّساءِ تحمِلُ النفسَ على الأشَرِ (^٤) وَالبَطَرِ والغَفْلَةِ.
_________________
(١) في آ، ع: "أبي عبيدة".
(٢) الأغيار: جمع غَيْر.
(٣) في ب، ط: "من صحب".
(٤) الأشر: البطر.
[ ٢٩٠ ]
ومنها: تَخلِّي القلب للفكرِ والذِّكْرِ؛ فإنَّ تناولَ هذه الشهوات قد تُقسِّي القَلْبَ وتُعمِيهِ، وتَحُولُ بينَ العبدَ وبينَ الذِّكْرِ والفِكْرِ، وتستدعِي الغَفْلَةَ. وخُلوُّ الباطِنِ مِن الطعامِ والشرابِ يُنوَّرُ القلبَ ويُوجبُ رِقَّتَه ويُزيلُ قَسْوَتَه ويُخليه للذكرِ والفكرِ.
ومنها: أنَّ الغنِيَّ يَعرفُ قَدْرَ نعمةِ اللهِ عليه بإقْدارِهِ له على ما منعه كثيرًا من الفقراءِ من فُضُولِ الطَّعام والشراب والنِّكاحِ؛ فإنَّه بامتناعِهِ من ذلك في وقتٍ مخصوص وحصُولِ المشقَّةِ له بذلَك، يتذكَّرُ بهِ مَنْ مُنِعَ ذلك (^١) على الإطلاق، فيوجبُ له ذلك شُكرَ نِعمةِ اللهِ عليه بالغِنَى، وَيدعُوه إلى رحمةِ أخيه المحتاج ومُواساتِه بما يُمكن مِن ذلك.
ومنها: أنَّ الصِّيامَ يُضيِّقُ مَجارِيَ الدَّم التي هي مَجاري الشيطانِ مِن ابن آدمَ؛ فإنَّ الشيطانَ يَجري من ابن آدمَ مجرَى الدَّم، فتسكنُ بالصِّيامِ وَسَاوسُ الشَّيطانِ، وتنكسِرُ سَوْرَةُ (^٢) الشهوةِ والغَضَبِ، ولهذا جَعَلَ النبيُّ - ﷺ - الصَّوْمَ وِجَاءً (^٣)؛ لقطْعِهِ عن شهوةِ النِّكاحِ.
واعْلَمْ أنَّه لا يَتِمُّ التقرُّبُ إلى الله تعالى بترْكِ هذه الشهواتِ المباحةِ في غيرِ حالةِ الصِّيام إلا بعدَ التقرُّب إليه بتركِ ما حرَّمه (^٤) الله في كُلِّ حالٍ؛ مِن الكذب والظلمِ والعدوانِ على الناس في دمائهم وأموالِهم وأعراضِهم، ولهذا قال النبيُّ - ﷺ -. "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به، فليسَ للهِ حاجةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعامَهُ وشَرَابَهُ". خرَّجَه البخاريُّ (^٥). وفي حديث آخرَ: "ليسَ الصِّيامُ مِنَ الطَّعامِ والشرابِ، إنَّما الصِّيام من
_________________
(١) في ب، ع، ط: "منِ منع من ذلك".
(٢) في آ: "ثورة". وثورة الغضب: وُثُوبه.
(٣) وَجَأ الفحلَ وجاءً: دقَّ عروق خُصيتيْه بين حجرين ولم يُخْرجهما، أو رضَّهما حتى تنفضخا، فيكون شبيهًا بالخِصاء. وأراد بالحديث: أن الصوم يقطع النِّكاح كما يقطعه الوِجاء، أو أنه يقطع شهوِة الجماع. وقد أخرجه البخاري ٤/ ١١٩ (١٩٠٥) في الصوم: باب الصوم لمن خَاف على نفسه العُزَبَة، وفي النكاح: باب قول النبي - ﷺ -: من استطاع منكم الباءة فليتزوج، وباب من لم يستطع الباءة فليصم. ورواه مسلم رقم (١٤٠٠) في النكاح: باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤونة، واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم.
(٤) في ب، ع، ط: "ما حرم الله".
(٥) أخرجه البخاري ٤/ ١١٦، ١١٧ (١٩٠٣) في الصوم: باب من لم يدع قول الزُّور والعمل به في الصوم، وفي الأدب: باب قول الله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾. وأخرجه أبو داود رقم (٢٣٦٢) في الصوم: باب الغيبة للصائم؛ والترمذي رقم (٧٠٧) في الصوم: باب ما جاء في التشديد في الغيبة من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٢٩١ ]
اللغو والرَّفث". قال الحافظ أبو موسى المديني: هو على شرط مسلم.
قال بعضُ السَّلف: أهون الصِّيام تركُ الشراب والطعام. وقال جابر: إذا صُمْتَ فلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ ولسانُك عن الكذب والمحارم، وَدَعْ أَذَى الجار، وليكُنْ عليك وقارٌ وسكينةٌ يومَ صومِكَ، ولا تجعَلْ يومَ صومِك ويومَ فِطْرِك سواءً.
إذا لم يكن في السَّمع منِّي تصاونٌ … وفي بَصَري غضٌّ وفي منطِقي صَمْتُ
فحظِّي إذًا مِنْ صَوْمِيَ الجُوعُ والظَّما … فإنْ قلْتُ إنِّي صُمْتُ يومي فما صُمْتُ
وقال النبيُّ - ﷺ -: "ربَّ صائمٍ حظُّه مِن صيامِهِ الجوع والعطشُ، ورُبَّ قائمٍ حظُّه من قيامِهِ السَّهَرُ" (^١). وسِرُّ هذا أنَّ التقرُّب إلى الله تعالى بترك المباحات لا يكمل إلَّا بعد التقرب إليه بترك المحرَّمات، فمن ارتكب المحرمات ثم تقرَّب بترك المباحات، كان بمثابة من يتركُ الفرائض ويتقرَّبُ بالنوافل، وإن كان صومُه مجزئًا عندَ الجمهور بحيث لا يؤمَرُ بإعادته؛ لأن العملَ إنَّما يبطُلُ بارتكاب ما نُهِي عنه فيه لخصوصه، دون ارتكاب ما نُهي عنه لغير معنىً يختَصُّ به. هذا هو أصلُ جمهور العلماءِ.
وفي مسند الإمام أحمد (^٢): إنَّ امْرَأتين صامتا في عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - فكادتا أَنْ تموتا من العَطَش، فذُكر ذلك للنبي - ﷺ - فأعرض، ثم ذُكِرتا له فَدَعَاهُما فأمَرَهُما أن يتقيَّآ، فقاءَتا مِلْءَ قَدَحٍ قَيْحًا ودمًا وصَديدًا ولحمًا عَبيطًا (^٣). فقال النبي - ﷺ -: "إنَّ هاتين صامتا عمَّا أحَلَّ الله لهما، وأفطرتا على ما حرَّم الله عليهما؛ جلسَتْ إحداهما إلى الأخرى، فجعلتا يأكُلانِ لُحومَ النَّاسِ".
ولهذا المعنى - والله أعلم - ورد في القرآن بعدَ ذِكْر تحريم الطعام والشَّراب على الصَّائم بالنَّهار ذِكْرُ تحريم أكل أموالِ الناس بالباطل (^٤)؛ فإنَّ تحريم هذا عامٌّ في كُلِّ
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "مسنده" ٢/ ٣٧٣، وابن ماجه رقم (١٦٩٠) في الصيام: باب ما جاء في الغيبة والرفث للصائم، عن أبي هريرة، وإسناده ضعيف، لضعف أسامة بن زيد العدوي.
(٢) مسند أحمد ٥/ ٤٣١.
(٣) اللحم العبيط: الطَّري غير النَّضيج. وفي هامش نسخة (ب) ما نصه: قال الطبري: الدم العبيط: الذي لا يخالطه شيء.
(٤) راجع الآيات ١٨٣ - ١٨٨ من سورة البقرة.
[ ٢٩٢ ]
زمانٍ ومكانٍ، بخلاف الطعام والشراب، فكان إشارةً إلى أن مَنِ امتثَلَ أمْرَ الله في اجتناب الطعام والشراب في نهار صومه، فليمتثل أمره في اجتناب أكلِ الأموال بالباطل؛ فإنَّه محرَّم بكلِّ حالٍ لا يباح في وقتٍ مِن الأوقات.
وقوله - ﷺ - "وللصَّائم فَرْحَتان: فرحة عند فِطْره، وفَرْحة عند لقاء رَبِّه": أما فَرْحَةُ الصَّائم عند فطرِهِ فإن النفوس مجبُولةٌ على الميل إلى ما يلائمها من مطعَم ومشربٍ ومنكحٍ، فإذا مُنِعَت من ذلك في وقتٍ من الأوقات، ثم أُبِيحَ لها في وقتٍ آخر، فرِحَتْ بإباحة ما مُنِعت منه، خصوصًا عند اشتداد الحاجة إليه؛ فإنَّ النفوسَ تفرحُ بذلك طبْعًا، فإن كان ذلك محبوبًا لله كان محبوبًا شَرْعًا. والصَّائمُ عند فطره كذلك، فكما أن الله تعالى حرَّمَ على الصَّائم في نهارِ الصِّيام تناوُلَ هذه الشهواتِ، فقد أذِنَ له فيها في ليل الصِّيام، بل أحَبَّ منه المبادَرَةَ إِلى تناولها في أوَّلِ الليل وآخِرِه، فأحَبُّ عِبادِهِ إليه أعجلُهم فِطرًا، والله وملائكتُه يُصلُّون على المتسحِّرين.
فالصَّائم تَرَكَ شهواتِهِ لله بالنَّهار تقرُّبًا إليه وطاعةً له؛ وبادرَ إليها في اللَّيل تقرُّبًا إلى الله وطاعةً له، فما تَرَكَها إلَّا بأمرِ رَبِّهِ، ولا عادَ إليها إلَّا بأمر رَبِّه؛ فهو مُطيعٌ له في الحالين. ولهذا نُهِيَ عن الوِصَال في الصِّيام، فإذا بادر الصَّائم إلى الفطر تقرُّبًا إِلى مولاه، وأكَلَ وشرِبَ وحمِدَ الله؛ فإنَّه يُرجى له المغفرةُ أو بلوغُ الرِّضوان بذلك.
وفي الحديث: لا إنَّ الله لَيَرْضَى عَنْ عَبْدِه أن (^١) يأكُلَ الأَكْلَةَ فيحمَده عليها، ويشرَبَ الشَّرْبَةَ فيحمَدَه عليها" (^٢). وربَّما استجيبَ دُعاؤه عند ذلك، كما جاء (^٣) في الحديث المرفوع الذي خرَّجه ابنُ ماجه (^٤): "إنَّ للصَّائم عند فِطْره دعوةً ما تُردُّ". وإن نوى بأكلِه وشربِه تقويةَ بدنه على القيام والصِّيام، كان مُثابًا على ذلك. كما أنه إِذا نَوَى بنومه في الليل والنَّهار التقوِّي على العمَل، كان نومُه عِبادةً.
_________________
(١) لفظ "أن" سقط من آ، ش، ع.
(٢) أخرجه مسلم رقم (٢٧٣٤) في الذكر والدعاء: باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب؛ والترمذي رقم (١٨١٧) في الأطعمة: باب ما جاء في الحمد إذا فرغ من الطعام.
(٣) لفظ "جاء" زيادة من ب، ط.
(٤) رقم (١٧٥٣) في الصيام: باب الصائم لا ترد دعوته؛ وإسناده صحيح.
[ ٢٩٣ ]
وفي حديثٍ مرفوعٍ: "نومُ الصَّائم عبادةٌ" (^١). قالت حفصةُ بنتُ سِيرينَ: قال أبو العالية: "الصَّائم في عبادَةٍ ما لم يغتَبْ أحدًا وإن كان نائمًا على فراشه" (^٢). قال: وكانت حفصة تقول: "يا حبَّذا عبادةٌ وأنا نائمة على فراشي". خرَّجه عبدُ الرزاق.
فالصَّائم في ليله ونهاره في عبادَةٍ، ويُستجابُ دعاؤه في صيامه وعند فطره. فهو في نهاره صائمٌ صابرٌ؛ وفي ليله طاعمٌ شاكرٌ.
وفي الحديث الذي خرَّجه الترمذي (^٣) وغيرُهُ: "الطَّاعِمُ الشَّاكرُ بمنزلة الصَّائم الصَّابر".
ومَن فهِمَ هذا الذي أشرنا إليه لم يتوقَّفْ في معنَى فَرَحِ الصَّائم عندَ فِطْره؛ فإنَّ فِطْرَهُ على الوجه المشار إليه مِن فضلِ الله ورحمتِه، فيدخُل في قول الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (^٤). ولكنْ شرطُ ذلك أن يكونَ فِطرُه على حلالٍ، فإن كان فطرُهُ على حرام كان ممَّن صام عمَّا أحلَّ الله، وأفطَرَ على ما حرَّمَ اللهُ، ولم يُستجَبْ له دعاءٌ، كما قال النبي - ﷺ - في الذي يُطيلُ
_________________
(١) أورده السيوطي في "الجامع الصغير" رقم (٩٢٩٣) وعزاه إلى البيهقي في "شعب الإيمان" عن عبد الله بن أبي أوفى، ورمز له بالضعف. وذكره القاري في "الأسرار المرفوعة" ص ٣٧٤: وقال: "رواه البيهقي بسند ضعيف عن عبد الله بن أبي أوفى "، وكذا الألباني في "ضعيف الجامع الصغير" ٦/ ١٧ رقم (٥٩٨٤). وفي الحلية ٥/ ٨٣ عن عبد الله بن مسعود. وتمامه: "نوم الصائم عبادة، وصمته تسبح، وعمله مضاعف، ودعاؤه مستجاب، وذنبه مغفور".
(٢) أورد السيوطي في "الجامع الصغير" حديثين رقم (٥١٢٥) و(٥١٢٦) وعزاهما إلى الديلمي في "مسند الفردوس"، وهما برقم (٣٨٢٤) و(٣٨٢٥)، ورمز لهما بالضعف. الحديث الأول عن أنس بن مالك: "الصائم في عبادة وإن كان نائمًا على فراشه"، رمز له المناوي في "فيض القدير" رقم (٥١٢٥) بالضعف، وقال: "فيه محمد بن أحمد بن سهيل، قال الذهبي في الضعفاء، قال ابن عدي: ممن يضع الحديث". والحديث الثاني عن أبي هريرة: "الصائم في عبادة ما لم يغتب مسلمًا أو يؤذه". ورمز له المناوي (٥١٢٦) أيضًا بالضعف، قال: "وفيه عبد الرحيم بن هارون، قال الذهبي في الضعفاء: قال الدارقطني: يكذب. وفيه الحسن بن منصور، قال ابن الجوزي في العلل: غير معروف الحال، وقال ابن عدي: حديث منكر. وأوردهما الألباني في "ضعيف الجامع الصغير" ٣/ ٢٧٨ و٢٧٩.
(٣) أخرجه الترمذي رقم (٢٤٨٨) في صفة القيامة: باب الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر، وحسنه. وأخرجه ابن ماجه رقم (١٧٦٩) في الصيام: باب فيمن قال: الطاعم الشاكر كالصائم الصابر. ورواه أحمد في "المسند" ٢/ ٢٨٣ و٢٨٩ وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٤) سورة يونس الآية ٥٨.
[ ٢٩٤ ]
السَّفَرَ "يَمُدُّ يدَيْه إلى السَّماء: يا ربِّ! يا ربِّ! ومَطعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرامٌ، وغُذِيَ بالحرام، فأنَّى يُسْتَجابُ لذلك" (^١).
وأمَّا فرحُهُ عند لقاءِ رَبِّه، فيما يجده عند الله من ثواب الصِّيام مُدَّخرًا، فيجدُه أحوجَ ما كان إليه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (^٢). وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ (^٣). وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (^٤).
وقد تقدَّم قولُ ابن عيينة أن ثوابَ الصائم (^٥) لا يأخذه الغُرماء في المظالم بل يَدَّخِرُهُ الله عندَه للصَّائم حتى يُدخِلَهُ به الجنَّةَ. وفي "المسند" (^٦) عن عقبةَ بن عامرٍ، عن النبي - ﷺ -، قال: "ليس من عملِ يومٍ إلَّا يُختم عليه".
وعن عيسى ﵇، قال: إنَّ هذا الليلَ والنَّهار خزانتان، فانظروا ما تضعون فيهما. فالأيام خزائنُ للناس ممتلئةٌ بما خزنُوه فيها من خيرٍ وشَرٍّ. وفي يوم القيامة تفتح هذه الخزائن لأهلها؛ فالمتقون يجدون في خزائنهم العِزَّ والكرامة، والمذنبون يجدون في خزائنهم الحسرةَ والنَّدامة. الصائمون على طبقتين:
إحداهما: مَن تركَ طعامَهُ وشرابَهُ وشهوتَه لله تعالى، يرجو عندَه عوضَ ذلك في الجنة، فهذا قد تاجَرَ مَعَ اللّه وعامَلَهُ، واللهُ تعالى لا يُضيع أَجْرَ من أحسَنَ عملًا (^٧)، ولا يخيبُ معه مَن عامله، بل يربح عليه أعظمَ الرِّبْح. وقال رسولُ الله - ﷺ - لرجُلٍ:
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (١٠١٥) في الزكاة: باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، والترمذي رقم (٢٩٩٢) في التفسير: باب ومن سورة البقرة. وقوله: "يطيل السفر"، قال النووي في شرح مسلم: "معناه - والله أعلم - أنه يطيل السفر في وجوه الطاعات، كحج وزيارة مستحبة وصلة رحم وغير ذلك".
(٢) سورة المزمل الآية. ٢٠.
(٣) سورة آل عمران الآية ٣٠.
(٤) سورة الزلزلة الآية ٧.
(٥) في ب، ط: "الصيام".
(٦) ٤/ ١٤٦. ورواه أيضًا الطبراني في الكبير ١٧/ ٢٨٤ والحاكم في "المستدرك" ٤/ ٣٠٩ على شرط الشيخين. وذكره الهيثمي في ""مجمع الزوائد" ٥/ ٣٠٣ وقال: "رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، وفيه ابن لهيعة وفيه كلام". وتمامه: "فإذا مرض المؤمن، قالت الملائكة: يا ربنا! عبدك فلان قد حبسته، فيقول الرب: اختموا له على مثل عمله حتى يبرأ أو يموت". والمراد بالحبس: المنع من عمل الطاعة بالمرض.
(٧) في قوله تعالى من سورة الكهف الآية ٣٠ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾.
[ ٢٩٥ ]
"إنك لن تدعَ شيئًا اتِّقاءَ الله إلَّا آتاك الله خيرًا منه". خرَّجَه الإمام أحمد (^١). فهذا الصَّائمُ يُعطَى في الجنة ما شاء الله من طعامٍ وشرابٍ ونساءٍ قال الله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ (^٢). قال مجاهد وغيرُه: نزلَتْ في الصائمين.
قال يعقوب بن يوسُفَ الحنفي: بلغنا أن الله تعالى يقول لأوليائه يومَ القيامة: يا أوليائي، طالما نظرْتُ إليكم في الدُّنيا وقد قلَصَتْ شفاهُكم عن الأشربة، وغارت أعينكم، وخفقت (^٣) بطونُكم؛ كونوا اليومَ في نعيمكم، وتعاطَوا الكأسَ فيما بينكم، و﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾. وقال الحسن: تقولُ الحوراءُ لولي الله وهو متكئ معها على نهر العَسَلِ تُعاطيه الكأسَ: إنَّ الله نظر إليكَ في يومٍ صائفٍ بعيدِ ما بين الطرفين، وأنت في ظمأ هاجرةٍ من جهد العطشِ، فباهَى بك الملائكةَ، وقال: انظروا إلى عبدي تَرك زوجته وشهوتَه ولذَّتَهُ وطعامَهُ وشرابَهُ من أجلي، رغبةً فيما عندي، اشْهَدُوا أنِّي قد غفرتُ لَهُ؛ فغفر لك يومئذٍ وزوجنِيكَ.
وفي "الصحيحين" (^٤) عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "إنَّ في الجنَّة بابًا يقال له: الرَّيَّانُ، يدخُلُ منه الصَّائمون، لا يدخُلُ منه غيْرُهُم". وفي رواية: "فإذا دَخَلُوا أُغْلِقَ". وفي رواية: "مَنْ دَخلَ منه شَربَ، ومن شرِب لم يَظْمَأ أبدًا". وفي حديث عبد الرحمن بن سَمُرَة، عن النبي - ﷺ - في منامه الطويل، قال: "ورأيتُ رجلًا من أمَّتي يَلْهَثُ عَطَشًا، كلَّما ورد حَوْضًا مُنِعَ منه (^٥)، فجاءهُ صِيامُ رَمَضَانَ، فسقاه وأرواه". خرَّجه الطبراني (^٦) وغيرُه. وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادٍ فيه ضعف، عن أنس مرفوعًا: "الصَّائمون يُنفَخُ
_________________
(١) مسند أحمد ٥/ ٧٩.
(٢) سورة الحاقة الآية ٢٤.
(٣) في ط: "وجفت".
(٤) أخرجه البخاري رقم (١٨٩٦) في الصوم: باب الرَّيان للصائمين، وفي بدء الخلق رقم (٣٢٥٧): باب صفة أبواب الجنة. ومسلم رقم (١١٥٢) في الصيام: باب فضل الصيام. والترمذي رقم (٧٦٥) في الصوم: باب ما جاء في فضل الصوم. والنسائي ٤/ ١٦٨ في الصوم: باب فضل الصيام.
(٥) لفظ "منه" لم يرد في آ، ش، ع.
(٦) قطعة من حديث طويل ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٧/ ١٧٩، وقال: "رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما سليمان بن أحمد الواسطي، وفي الآخر خالد بن عبد الرحمن المخزومي، وكلاهما ضعيف". وانظر "إتحاف السادة المتقين" ٨/ ١١٩.
[ ٢٩٦ ]
من أفواههم ريحُ المِسْكِ، ويوضَعُ لهم مائدةٌ تحت العرش؛ يأكلون منها والناسُ في الحساب". (^١).
وعن أنس موقوفًا (^٢): "إن لله مائدةً لم تَرَ مثلَها عينٌ، ولم تسمَعْ أذُنٌ، ولا خَطَرَ على قلب بشرٍ، لا يقعدُ عليها إلَّا الصَّائمون".
وعن بعض السلف، قال: بلغنا أنه يوضَعُ للصُّوَّام مائدةٌ يأكلون عليها والناسُ في الحساب، فيقولون: يارَبٌ! نحنُ نُحَاسَبُ وهم يأكلون؟! فيقال: إنَّهم طالما صامُوا وأفطرْتُم، وقاموا ونمتم. رأى بعضُهم بشرَ بنَ الحارث (^٣) في المنام وبين يديه مائدةٌ وهو يأكل، ويقال له: كُلْ يا مَن لم يأكُلْ، واشْرَبْ يا من لم يشرَبْ. كان بعضُ الصالحين قد صام حتى انحنى وانقطع صوتُه فمات، فرئي (^٤) بعضُ أصحابه الصالحين في المنام فسئل عن حالِهِ، فضحك وأنشد:
قد كُسِي حُلَّةَ البهاءِ وطافَتْ … بأباريقَ حولَهُ الخُدَّامُ
ثم حُلِّي وقِيلَ يا قارئ ارْقا … فلَعَمْري لقد براك الصِّيامُ
اجتاز بعضُ العارِفين (^٥) بمنادٍ ينادي على السَّحور في رمضانَ: ياما خبأنا للصُّوَّام (^٦)! فتنبَّه بهذه الكلمة، وأكثَرَ من الصِّيام. رأى بعضُ العارفين في منامه كأنه أُدخِل الجنَّة، فسمع قائلًا يقول له: هل تذكر أنَّكَ صُمْتَ لله يومًا قطٌ؟ فقال: نعم! قال: فأخذتني صواني النِّثار (^٧) من الجنة. من ترك لله في الدنيا طعامًا وشرابًا وشهوةً مُدَّةً يسيرةً عوَّضَهُ اللهُ عندَهُ طعامًا وشرابًا لا ينفَدُ، وأزواجًا لا يَمُتْنَ أبدًا. شهرُ رمضان فيه يُزوَّجُ الصائمون. في الحديث (^٨): "إنَّ الجنَّة لَتُزَخْرَفُ وتُنَجَّدُ من الحَوْلِ إلى
_________________
(١) الدر المنثور ١/ ١٨٢ نقلًا عن كتاب الجوع، لابن أبي الدنيا.
(٢) في ع: "مرفوعًا".
(٣) ويقال له بشر الحافي، ويكنى أبا نصر. من كبار الصالحين، له في الزهد والورع أخبار، وهو من ثقات رجال الحديث، من مرو، سكن بغداد، وتوفي فيها سنة ٢٢٧ هـ. والخبر بنحوه في "صفة الصفوة" ٢/ ٢٣٥.
(٤) في ب، ط: "فرآه … فسأله".
(٥) في ب، ط: "الصالحين".
(٦) في آ، ش، ع: "للصائمين".
(٧) النِّثار: ما نثر في حفلات السرور من حلوى وغيرها، ويقال: ما أصبت من النِّثار شيئًا.
(٨) ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٤٢ عن ابن عمر، مختصرًا، وقال: "رواه الطبراني في الكبير والأوسط باختصار، وفيه الوليد بن الوليد القلانسي، وثقه أبو حاتم وضعفه جماعة".
[ ٢٩٧ ]
الحَوْلِ لدخُولِ رمَضَان، فتقولُ الحورُ: يا ربّ، اجْعَلْ لنا في هذا الشهر من عبادك أزواجًا تَقَرُّ أعيُننا بهم، وتَقَرُّ أعينُهم بنا". وفي حديثٍ آخَرَ: "إنَّ الحُورَ تُنَادِي (^١) في شهر رَمَضَانَ: هل من خَاطبٍ إلى اللهِ فيزوِّجَهُ (^٢)؟.
مهورُ الحورِ العين (^٣) طولُ التهجُّد، وهو حاصلٌ في شهر رمضانَ أكثَرَ من غيره.
كان بعضُ الصالحين كثيرَ التهجُّد والصِّيام، فصَلَّى ليلةً في المسجد ودعا، فغلبته عيناهُ، فرأَى في منامه جماعةً عَلِمَ أنَّهم لَيْسُوَا من الآدميين، بأيديهم أطباقُ عليها أرغفةٌ ببياض (^٤) الثلج، فوق كُلِّ رغيفٍ درٌّ كأمثال (^٥) الرُّمَّان، فقالوا: كُلْ، فقال: إنِّي أريدُ الصَّومَ. قالوا له: يأمُرُكَ صاحِبُ هذا البيت أن تأكلَ، قال: فأكلْتُ، وجعلْتُ آخذ ذلك الدُّرَّ لاحتملَهُ. فقالوا له: دعْهُ نَغرسه لك شجرًا يُنبتُ لك خيرًا من هذا. قال: أين؟ قالوا: في: دارٍ لا تخرَبُ، وثمرٍ لا يتغيَّر، ومُلكٍ لا ينقطِع، وثياب لا تبلَى. فيها رضوى، وعينا، وقرَّةُ أعينٍ، أزواجٌ رضياتٌ مَرضياتٌ راضياتٌ، لا يَغِرْنَ ولا يُغَرْن؛ فعليك بالانكماش فيما أنت، فإنما هي غَفْوَةً حتى ترتحلَ فتنزلَ (^٦) الدارَ. فما مكث بعدَ هذه الرؤيا إلَّا جمعتين حتَّى توفي، فرآه ليلة وفاتِه في المنام بعضُ أصحابه الذين حدَّثَهُم برؤياه وهو يقول: ألا تعجب من شجرٍ غُرسَ لي في يوم حدثتك وقد حَمَلَ!؟ فقال له: ما حَمَل؟ قال: لا تسأل، لا يقدر أحدٌ على صفته. لَم يُرَ مثلُ الكريم إذا حَلَّ به مطيع.
يا قوم! ألا خاطبٌ في هذا الشهر إلى الرحمان؟ ألا راغبٌ فيما أعَدَّهُ الله للطائعين في الجنان؟ ألا طالبٌ لما أخبر به من النَّعيم المقيم، مع أنَّه ليس الخبرُ كالعِيان؟
مَنْ يُردْ مُلْكَ الجِنانِ … فلْيَدَعْ عنه التَّواني
ولْيَقمْ في ظلمةِ الليلِ … إلى نورِ القُرَانِ
ولْيَصِلْ صَومًا بصومٍ … إن هذا العيشَ فاني
_________________
(١) في ب، ط: "ينادي".
(٢) في ب، ط: "فتزوَّجَه".
(٣) لفظ "العين" لم يرد في آ، ش، ع.
(٤) في ع: "كبياض".
(٥) في آ، ش، ع: "أمثال".
(٦) في آ: "فتتركَ الدار".
[ ٢٩٨ ]
إنما العيشُ جوارُ الله … في دارِ الأمانِ
الطبقة الثانية من الصائمين: مَن يصومُ في الدنيا عمَّا سِوى الله، فيحفظ الرأس وما حَوَى، ويحفظ البطنَ وما وَعَى، ويذكر الموتَ والبِلَى، ويريد الآخرة فيترك زينة الدنيا. فهذا عيدُ فطره يومَ لقاء رَبِّه وفرحه برؤيته.
أهلُ الخُصوصِ من الصُّوَّامِ صَومُهُمُ … صونُ اللسانِ عن البُهتان والكَذِب
والعارفون وأهلُ الأنسِ صومُهُمُ … صَوْنُ القلوبِ عن الأغيارِ والحُجُبَ
العارفون لا يسلِّيهم عن رؤية مولاهم قَصْرٌ، ولا يُروِّيهم دونَ مشاهدته نَهْرٌ؛ هِمَمُهُم أجلٌ من ذلك.
كبُرَتْ همَّةُ عبدٍ … طَمِعَتْ في أن تراكَ
مَنْ يَصُمْ عن مُفطراتٍ … فصيامي عن (^١) سِواك
مَنْ صام عن شهواته في الدنيا، أدركَها غدًا في الجنَّة. ومَن صام عمَّا سِوى الله، فعيدُه يوم لقائه، ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ (^٢).
وقد صُمْتُ عن لذَّاتِ دَهْرِي كلِّها … ويومَ لقاكم ذاكَ فِطْرُ صِيامي
رُؤي بِشرٌ (^٣) في المنام، فسئل عن حاله، فقال: عَلِمَ قلَّة رَغبتي في الطعام فأباحني النظر إليه. وقيل لبعضهم: أين نطلبُكَ في الآخرة؟ قال: في زمرة النَّاظرين إلى الله، قيل له: كيف علِمْتَ ذلك؟ قال: بِغضِّي (^٤) طرفي له عن كُلِّ محرَّمٍ، وباجْتنابي فيه كُلَّ منكرٍ ومأثمٍ؛ وقد سألته أن يجعلَ جنَّتي النَّظر إليه.
يا حبيبَ القُلوب مَنْ لي سِواكا (^٥) … أرْحَمِ اليومَ مُذْنبًا قد أتاكا
ليس لي في الجَنان مولايَ رأسٌ (^٦) … غيرَ أنِّي أريدُها لأراكا
_________________
(١) في ب، ط: "عمَّن سواك".
(٢) سورة العنكبوت الآية ٥.
(٣) هو بشر الحافي، وقد سبقت ترجمته.
(٤) في ب، ط: "بغض طرفي".
(٥) في ط: "ما لي سواكا".
(٦) في آ: "ليس لي في الجنان كل مرام"، وفي ش: "ليس لي في الجنان رأي ولكن"، وفي ع: "ليس لي في الجنان أحسن رأي"، وأثبت ما جاء في ب، ط.
[ ٢٩٩ ]
يا معشر التائبين! صُوموا اليومَ عن شهواتِ الهوى؛ لتُدْرِكوا عِيْدَ الفطر يوم اللِّقاءِ، لا يَطُولَن عليكم الأمد (^١) باستبطاء الأجل؛ فإن معظم نهارِ الصِّيامِ قد ذهب، وعيدُ اللقاء قد اقترب.
إنَّ يومًا جامعًا شَمْلِي بهم … ذاك عيدي ليس لي عيد سِوَاه
قوله: "ولَخُلُوفُ فمِ الصَّائم أطيبُ عند الله من ريح المِسْكِ"، خُلُوفُ الفم: رائحةُ ما يتصاعَدُ منه من الأبخرة؛ لخلوِّ المعِدَة من الطعامِ بالصِّيام. وهي رائحة مستكرهةٌ في مشام النَّاس في الدُّنيا، لكنَّها طيِّبَةٌ عِندَ الله حيثُ كانت ناشئةً عن طاعته، وابتغاءِ مرضاته. كما أن دَمَ الشهيد يجيء يومَ القيامة يَثْعَبُ (^٢) دمًا، لونُه لونُ الدَّم، وريحُه ريحُ المِسْكِ. وبهذا استدلَّ من كرِه السِّواكَ للصَّائم، أو لم يستحبه من العلماء. وأوَّلُ مَن عَلِمناه استَدَلَّ بذلك عطاءُ بنُ أبي رَباح. ورُوي عن أبي هريرة أنَّه استدَلَّ به، لكن من وَجْهٍ لا يثبت. وفي المسألة خلاف (^٣) مشهور بين العلماء. وإنَّما كَرِهَهُ مَن كرِهَهُ في آخرِ نهارِ الصَّوْم؛ لأنَّه وقتُ خُلُوِّ المعدةِ وتصاعُدِ الأبخرة. وهَلْ يدخُلُ وقتُ الكراهةِ بصلاة العصر، أو بزوال الشمس، أو بفعلِ صلاة الظهر في أوَّل وقتِها، على أقوال ثلاثةٍ، والثالثُ هو المنصوص عن أحمدَ. وفي طيب ريح خُلُوفِ الصَّائم عندَ الله ﷿ معنيان:
أحدُهما: أن الصِّيام لمَّا كان سِرًّا بين العبد وَرَبِّه في الدنيا، أظهرَهُ الله في الآخرة علانيةً للخَلْقِ؛ ليشتهر بذلك أهلُ الصِّيام، ويُعرفون بصيامهم بين الناس جزاءً لإخفائهم صِيَامَهُم في الدُّنيا. وروى أبو الشيخ الأصبهانيُّ بإسنادٍ فيه ضعفٌ، عن أنس مرفوعًا: "يخرُجُ الصَّائمونَ مِن قُبُورهم يُعْرَفون بريحِ أَفْوَاهِهِمْ، أفواهُهُم أَطْيَبُ من ريح المِسْكِ" (^٤).
_________________
(١) "في ب، ط: "الأمل".
(٢) في ط: "يثغب" بالغين، وهو تحريف. ومعنى يثعب: يجري.
(٣) في آ، ش، ع: "اختلاف".
(٤) بعض حديث في كنز العمال ٨/ ٢٣٦٤٤؛ وعزاه إلى أبي الشيخ في الثواب والديلمي عن أنس. وتمامه: "إذا كان يوم القيامة يخرج الصوَّام من قبورهم يُعْرَفون بريح صيامهم، أفواههم أطيب من ريح المسك، يُلقَّون بالموائد والأباريق مختمة بالمسك، فيقال لهم: كلوا =
[ ٣٠٠ ]
قال مكحولٌ: يروحُ أهلُ الجنَّة برائحةٍ، فيقولون: رَبَّنا، ما وجدْنا ريحًا منذُ دخلنا الجنَّة أطيبَ من هذه الريح. فيقال: هذه رائحةُ أفواه الصُّوَّام. وقد تفوح رائحة الصيام في الدنيا وتستنشق (^١) قبل الآخرة، وهو نوعان:
أحدهما: ما يدركُ بالحواس الظاهِرَةِ. كان عبدُ الله بن غالب من العُبَّاد المجتهدين في الصَّلاة والصِّيام، فلمَّا دُفِنَ كان يفوح من تراب قبره رائحةُ المِسْكِ، فرؤي في المنام، فسُئل عن تلك الرائحة التي توجَدُ من قبره، فقال: تلك رائحةُ التِّلاوةِ والظمإِ (^٢).
والنوع الثاني: ما تَستنشِقه الأرواحُ والقلوبُ، فيوجِبُ ذلك للصَّائمين المخلصين المودَّةَ والمحبَّةَ في قلوب المؤمنين. وفي حديثِ الحارث الأشْعَريِّ، عن النَّبي - ﷺ -: "أن زكريَّا ﵇ قال لبني اسرائيلَ: آمُرُكُم بالصِّيام، فإنَّ مَثَلَ ذلك كَمَثَلِ رَجُلٍ في عصابةٍ، معه صُرَّةٌ فيها مِسْكٌ، فكلُّهم يُعجبه ريحُه، وإنَّ رِيحَ الصائم (^٣) أطيبُ عندَ الله من ريح المسك". خرَّجه الترمذي (^٤) وغيرُه.
_________________
(١) = فقد جعتم، واشربوا فقد عطشتم، ذروا الناس يستريحوا فقد عييتم إذا استراح الناس، فيأكلون ويشربون والناس معلقون في الحساب في عناءٍ وظمأ". وجاء بعده الحكاية التالية، وهي ناقصة من الآخر، زيدت في المطبوع نقلًا عن إحدى النسخ ولم ترد في غيرها، كما لم ترد في نسخنا المعتمدة، ولعلها من إضافات الناسخ، وهي: "حكي عن سهل بن عبد الله التُّسْتَري الزاهد ﵀: أنه كان يواظب على الصيام، فمرَّ يومًا بتمَّار وبين يديه رطب حسن، فاشتهت نفسه، فردَّ شهوتها، فقالت نفسه: فعلْتَ بي كلَّ بليَّةٍ؟ من سهر الليالي، وظمإِ الهواجر، فأعطني هذه الشهوة، واستعملني في الطاعة كيف شئت. فاشترى سهل من الرطب وخبز الحواري وقليل شوي، ودخل موضعًا ليأكل، فإذا رجلان يختصمان، فقال أحدهما: إني محقٌّ وأنت مبطل، أتريد أن أحلف لك أنِّي محقٌّ وأنَّ الأمر على ما زعمْتُ؟ قال: بلى. فحلف، قال: وحقِّ الصائمين إنِّي محقٌّ في دعواي. فقال: هذا مبعوث الحقِّ تعالى إلى هذا السوط بي، ثم أخذ بلحيته وقال: يا سهل! بلغ من شرفك وشرت صومك حتى يحلفَ العبادُ بصومك، فيقول: وحق الصائمين، ثم تفطرُ أنت على قليل رطب … ".
(٢) في ش، ع: "فتستنشق".
(٣) انظر الخبر في "صفة الصفوة" ٣/ ٣٣٤.
(٤) في آ، ب، ط: "الصيام".
(٥) قطعة من حديث طويل أخرجه الترمذي رقم (٢٨٦٧) في الأمثال: باب ما جاء في مثل الصلاة والصيام والصدقة. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وأخرجه أحمد في "مسنده" ٤/ ١٣٠ والحاكم في "المستدرك" وصححه.
[ ٣٠١ ]
لمَّا كان معاملة المخلصين بصيامهم لمولاهم سِرًّا بينه وبينَهُم، أظهَرَ اللهُ سِرَّهم لعباده فصار علانيةً، فصار هذا التجلِّي والإظهار جزاءً لذلك الصَّوْنِ والإِسْرارِ.
في الحديث: "ما أسَرَّ أحَدٌ سَرِيرةً إلَّا أَلْبَسَهُ الله رِداءَها عَلَانيةً" (^١).
قال يوسُف بن أَسْبَاطٍ (^٢): أوحَى الله تعالى إلى نبيٍّ من الأنبياء: قُلْ لقومِك يُخفون لي أعمالهم، وعليّ إظهارُها (^٣) لهم.
تذلُّلُ أربابِ الهوَى في الهوى عِزُّ … وفَقْرُهُمُ نَحْوَ الحبيبِ هُوَ الكَنْزُ
وسَتْرُهُمُ فَيه السَّرائرَ شُهرةٌ … وغيرُ تلافِ النَّفسِ فيه هُو العَجْزُ
والمعنى الثاني: أن مَن عَبَدَ الله وأطاعَهُ، وطلَبَ رضَاهُ في الدنيا بعَمَل، فنشَأَ مِن عمله آثارٌ مكروهةٌ للنفوس في الدنيا، فإنَّ تلك الآثار غيرُ مكروهةٍ عندَ اللهِ، بل هي محبوبةٌ له وَطَيِّبَةٌ عندَه؛ لكونِها نشأتْ عن طاعته واتباعِ (^٤) مَرضاته. فإخبارُهُ بذلك للعاملين في الدُّنيا فيه تطييبٌ لقلوبهم؛ لئلَّا يكرَه منهم ما وُجِدَ في الدنيا. قال بعضُ السَّلَف: وَعَدَ الله موسى ثلاثين ليلة (^٥) أن يكلِّمه على رأسِها؛ فصام ثلاثين يومًا، ثم وَجَدَ مِن فِيه خُلُوفًا، فَكَرِهَ أن يناجِيَ رَبَّه على تلك الحالِ، فأَخَذَ سِواكًا فاسْتاكَ به، فلمَّا أتَى لموعِدِ اللهِ إيَّاهُ، قال له: يا موسى، أَمَا علمتَ أن خُلُوفَ فمِ الصَّائمِ أطيبُ عندنا مِن ريح المِسْكِ، ارْجِع فصُمْ عَشَرَةً أخرى.
ولهذا المعنى كان دَمُ الشَّهيد ريحُهُ يومَ القيامة كريحِ المِسْكِ، وغُبَارُ المجاهدين في سبيلِ الله (^٦) ذَرِيرةُ أهل الجنَّة.
ورد في ذلك حديثٌ مرسَلٌ. كُلُّ شيءٍ ناقِصٌ في عُرْفِ الناسِ في الدُّنيا؛
_________________
(١) ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١٠/ ٢٢٥ عن جندب بن سفيان، وقال: "رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه حامد بن آدم وهو كذاب". وأورده الألباني في "ضعيف الجامع الصغير" ٥/ ٨١ وقال: "ضعيف جدًّا". ونص الحديث: "ما أسرَّ عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها: إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر".
(٢) هو من قرية يقال لها شيح، وكان من الزهاد، له مواعظ وحكم، نزل الثغور مرابطًا، مات قبل المائتين بسنة. (صفة الصفوة ٤/ ٢٦١، سير أعلام النبلاء ٩/ ١٦٩).
(٣) في آ، ش: "أظهرها لهم".
(٤) في آ: "وابتغاء".
(٥) في آ، ش: "ثلاثين يومًا".
(٦) في آ، ش، ع: "في سبيله". والذَّريرة: نوع من الطيب مجموع من أخلاط.
[ ٣٠٢ ]
حتَّى (^١) إذا انتسَبَ إلى طاعته ورِضَاهُ فهو الكامِلُ في الحقيقة.
خُلُوفُ أفواهِ الصائمين له أطيبُ مِن ريحِ المِسْك. عُرْيُ المحرِمِينَ لزيارة بيتِهِ أجمَلُ مِن لباسِ الحُلَل. نَوْحُ المُذنبينَ على أنفسهم من خشيتِه أفضَلُ من التسبيح. انكسارُ المخبتين (^٢) لعظمتِهِ هو الجبْر. ذُلُّ الخائفين من سطوته هو العِزُّ. تهتُّكُ المحبِّينَ في محبَّته أحسنُ من السَّتْرِ. بَذْلُ النُّفوسِ للقتل في سبيله هو الحياة. جُوعُ الصَّائمين لأجله هو الشِّبْع، عَطَشُهم في طلب مرضاتِهِ هو الرِّيُّ. نَصَبُ المجتهدين (^٣) في خدمته هو الرَّاحة.
ذُلُّ الفَتَى في الحُبِّ مَكْرُمَةٌ … وخُضُوعُهُ لحبِيبِهِ شرَفُ
هَبَّت اليومَ على القلوب نفحةٌ بن نَفَحَات نسيم القُرْب. سَعَى سِمْسَارُ المواعظِ للمهجورين في الصلح. وَصَلَت البِشارةُ للمنقطعين بالوصل، وللمذنبين بالعَفْو، وللمستوجبين النارَ بالعتق.
لمَّا سُلْسِلَ الشَّيْطانُ في شهر رمضانَ، وخمَدَتْ نيرانُ الشَّهواتِ بالصِّيام، انعزَلَ سلطانُ الهَوَى، وصارت الدولةُ لحاكِم العَقْل بالعَدْل؛ فلم يبقَ للعاصي عُذْرٌ. يا غُيومَ الغفلةِ عن القلوب تقشَّعِي. يا شُموسَ التقوَى والإِيمانِ اطلعي. يا صحائفَ أعمال الصَّالحين (^٤) ارتفعي. يا قلوبَ الصَّائمين اخشَعي. يا أقدامَ المجتهدين اسجدي لربِّك واركعِي. يا عيونَ المتهجدين لا تهجعي. يا ذنوبَ التائبين لا ترجِعي. يا أرضَ الهَوَى ابلعِي ماءك. ويا سَماءَ النُّفوسِ أَقْلِعي. يا بروقَ الأَشواق للعشاق المعِي. يا خواطرَ العارفين ارتعي. يا هِمَمَ المحبِّين بغير الله لا تقنعي. يا جُنَيْدُ (^٥) اطْرَبْ. يا شِبْلِيُّ (^٦)
_________________
(١) لفظ "حتى" زيادة من (ط).
(٢) الإخباب: الخشوع والتواضع.
(٣) في ش: "المتهجدين".
(٤) في ب، ش: "القائمين"، وفي ط: "الصائمين".
(٥) هو الجُنَيد بن محمد بن الجُنيد البغدادي الخزاز، أبو القاسم، صوفي، من العلماء بالدَّين. عدَّه العلماء شيخ مذهب التصوف؛ لضبط مذهبه بقواعد الكتاب والسنة، مات سنة ٢٩٧ هـ. (صفة الصفوة ٢/ ٤١٦، تاريخ بغداد ٧/ ٢٤١).
(٦) هو أبو بكر الشِّبلي، دلف بن جحدر، ناسك، ولي الحجابة للموفق العباسي، وكان أبوه حاجب الحجاب، ثم ترك الولاية وعكف على العبادة، له شعر جيد، سلك به مسلك المتصوفة، توفي سنة ٣٣٤ هـ. (صفة الصفوة ٢/ ٤٥٦، تاريخ بغداد ١٤/ ٣٨٩).
[ ٣٠٣ ]
احْضُرْ. يا رابعَةُ (^١) اسْمَعِي، قد مُدَّتْ في هذه الأيام موائدُ الإِنعام للصُّوَّام، فما مِنكم إلَّا مَنْ دُعِي. ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ (^٢). ويا هِمَمَ المؤمنَين أسرِعي، فطوَبَى لمن أجابَ فأصاب، وويلٌ لمن طُرِدَ عن الباب وما دُعِي.
[سألتكِ يا بانَةَ الأجرعي … متى رفع (^٣) الحيُّ من لَعْلَعي (^٤)
وهل مَرَّ قلبي مع الظَّاعنين … أم خار ضُعفًا فلم يتبعي
رَحَلْنا ووافَقَنا الصَّادقون … ولم يتخلَّفْ سِوى مُدَّعِي] (^٥)
ليتَ شِعْري إن جئتُهم يقبلُوني … أم تُراهُمْ عن بابهم يصرفوني
أم تُراني إِذا وقفْتُ لديهِم … يأذنوا بالدُّخول أم يَطرُدُوني
* * *