فيما يقوم مقام الحجّ والعمرة عند العجز عنهما
يُذْكَر بعد خروج الحاج
في "صحيح البخاري" (^١) عن أبي هريرة ﵁، قال: جاء الفقراء إِلى رسول الله - ﷺ -، فقالوا: "ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ من الأموال بالدَّرَجَاتِ العُلَى والنَّعيم المُقيم، يُصَلُّون كما نُصَلِّي، ويصُومُون كما نصوم، ولهم (^٢) فَضْلٌ من أموالٍ يَحُجُّون بها وَيَعتمِرون، ويجاهِدُون، ويَتَصَدَّقون. فقال رسولُ الله - ﷺ -: ألا أحدِّثُكم بما (^٣) إِنْ أخذتم به لَحِقْتُمْ مَن سَبَقَكُم ولم "يُدْرِكْكُم أحَدٌ بعدَكُم، وكنْتُم خَيْرَ مَن أنتُم بينَ ظَهْرانَيْهِ؛ إِلَّا مَن عَمِلَ مِثْلَه: تُسبِّحون وتَحْمَدُون وتُكَبِّرون خَلْفَ كُلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين". وفي المسند (^٤) وسنن النسائي عن أبي الدَّرداء ﵁، قال: قلنا: يا رسولَ اللهِ، ذهَبَ الأغنياء: بالأجْر، يحجُّون ولا نحجُّ، ويجاهِدُون ولا نُجاهِد، وبكذا وبكذا. فقال رسولُ الله - ﷺ -: "ألَا أَدلُّكُم على شيءٍ إِن أخذْتُم به جئتُم من أفْضَلِ ما يجيء به أحد منهم: أن تكبِّروا الله أربعًا وثلاثين، وتسبِّحوه ثلاثًا وثلاثين، وتَحْمَدُوه ثلاثًا وثلاثين في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ".
المالُ لمن استعانَ به على طاعة الله وأنفقه في سُبُلِ (^٥) الخيرات المقرِّبة إِلى الله، سببٌ موصِلٌ له إِلى الله، وهو لمن أنفَقَه في معاصي الله، واستعانَ به على نيل أغراضه المحرَّمة، أو اشتغل به عن طاعة الله، سببٌ قاطع له عن الله، كما قال أبو سليمان الدَّاراني: الدنيا حجابٌ عن الله لأعدائه، ومطيةٌ موصِلةٌ إِليه لأوليائه، فسبحان مَن جعل شيئًا واحدًا سببًا (^٦) للاتصال به والانقطاع عنه. وقد مَدَحَ الله في
_________________
(١) أخرجه البخاري ٢/ ٣٢٥ رقم (٨٤٣) في الأذان: باب الذِّكر بعد الصلاة، وبنحوه فى مسلم رقم (٥٩٥) في المساجد: باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته. وللحديث روايات متعددة فى البخاري ومسلم والموطأ وأبي داود، انظرها في "جامع الأصول" ٤/ ٢١٨ - ٢٢١.
(٢) فى ط، ش، ع: "فضلُ أموالٍ"، وفي آ: "ولهم فضول من أموالهم".
(٣) فى الفتح: "بأمر إِن … ".
(٤) مسند أحمد ٦/ ٤٤٦.
(٥) فى آ، ش، ع: "سبيل".
(٦) لفظ "سببًا" لم يرد فى ب، ط.
[ ٤٢٥ ]
كتابه القِسْمَ الأول، وذَمَّ القسم الثاني، فقال في مدح الأولين: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (^١). ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (^٢)، والآيات في المعنى كثيرة جدًا. وقال في ذمِّ الآخرين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (^٣).
وقد قال ابن عباس ﵄: ليس أحدٌ لا يؤتي زكاة مالِه إِلَّا سألَ الرَّجْعَةَ عندَ الموت، ثم تلا هذه الآية. وأخبر الله عن أهل النَّار الذين يؤتى أحدهم كتابه بشماله أنَّه يقول: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ (^٤). والأحاديث في مَدْحِ من أنفَقَ مالَه في سبيل الطاعات (^٥)، وفي ذَمِّ قن لم يؤدِّ حقَّ الله منه كثيرةٌ جدًّا. وقد قال - ﷺ -:"نِعْمَ المالُ الصَّالحُ للرَّجُل الصَّالح" (^٦). وقال: "الأكثرون هُمُ الأقلُّونَ يَوْمَ القِيامة، إِلَّا مَن قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه وعن شِماله ومِن خلفه، وقليلٌ ما هم" (^٧). وقال: "إِنَّ هذا المالَ خَضِرةٌ حُلْوةٌ؟ فمن أَخَذَه بحقِّه وَوَضَعَه في حَقِّه، فنِعْمَ المَعُونَةُ هو. وإِن أخذَه بغير حقِّه، كان كالذي يأكُلُ ولا يشبَعُ" (^٨). فالمؤمِنُ الذي يأخُذُ المالَ من حقِّه ويضَعُه في حقِّه، فلَهُ أَجْرُ ذلك كلِّه،
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٧٤.
(٢) سورة فاطر الآية ٢٩ و٣٠.
(٣) سورة المنافقون الآية ٩ و١٠.
(٤) سورة الحاقة الآية ٢٨ و٢٩.
(٥) في ب، ط: "الخيرات".
(٦) رواه أحمد في "المسند" ٤/ ١٩٧ بلفظ "للمرء الصالح". وفي "الإِتحاف" للزبيدي ٨/ ١٤٩: "قال العراقي: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط من حديث عمرو بن العاص بسند صحيح". وانظر "فتح الباري" ٨/ ٧٥.
(٧) رواه أحمد في "المسند" ٢/ ٣٥٨، ٣٩١، ٣٩٩، ٥٢٥ عن أبي هريرة ﵁. وهو جزء من حديث عن أبي ذرٍّ أخرجه البخاري ١١/ ٢٦٠ في الرقاق: باب المكثرون هم المقلون، وفي غيره. ومسلم رقم (٩٤) في الإِيمان، وفي الزكاة. ورواه كذلك أحمد في "مسنده" ٥/ ١٥٢.
(٨) جزء من حديث طويل أخرجه البخاري ٣/ ٣٢٧ رقم (١٤٦٥) في الزكاة: باب الصدقة على اليتامى، وفي الجمعة: باب يستقبل الإِمام القوم واستقبال الناس الإِمام اذا خطب، وفي الجهاد: باب فضل النفقة في سبيل الله، =
[ ٤٢٦ ]
وكلما أنفق منه يبتغي به وَجْهَ الله فهو له صدقَةٌ يؤجَرُ عليها، حتى ما يُطعم نفسَه فهو له صَدَقَةٌ، وما يطعِمُ وَلَدَه فهو له صدقة، وما يُطْعِمُ أهلَه فهو له صدقة، وما يطعِمُ خادِمَه فهو له صَدَقَةٌ. وكان عامة أهلِ الأموال من أصحاب النبي - ﷺ - من هذا القِسم.
قال أبو سليمان: كان عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف خازنين من خزان الله تعالى في أرضه، ينفقان في طاعته، وكانت معاملتهما لله بقلوبهما. ورأس المنفقين أموالَهم في سبيل الله من هذه الأمة أبو بكر الصَّدِّيق ﵁، وفيه نزلت هذه الآية ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ (^١).
وفي صحيح الحاكم (^٢) عن ابن الزُّبير، قال: قال أبو قُحَافة لأبي بكر: أراك تُعتِقُ رِقابًا ضِعَافًا، فلو أنَّك إِذا فعلْتَ ما فعلْتَ أعتقْتَ رجالًا جُلدًا، يمنعونك وَيقُومُون دُونَك. فقال أبو بكر: يا أبت! إِنِّي إِنَّما أريدُ ما أريدُ. قال: وإِنَّما نزلت هذه الآيات فيه ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ (^٣) إِلى آخر السورة.
ورُوِي من وجهٍ آخر عن ابن الزبير، وخرَّجه الإِسماعيلي، ولفظُه أن أبا بكرٍ كان يبتاع الضَّعَفَةَ فيعتِقُهم، فقال له أبو قحافة: يا بني، لو ابتعت من يمنع ظهرك. فقال: يا أبتِ، مَنْعَ ظَهْرِي أريدُ. ونزلت فيه ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾، إِلى آخر السورة.
وخرَّج أبو داود (^٤) والترمذي من حديث عمر، قال: أمرنا رسولُ الله - ﷺ - أن نتصدَّق، ووافَقَ ذلك عندِي مالًا، فقلْتُ: اليومَ أسبِقُ أبا بكر إِن سبقته يومًا. قال:
_________________
(١) = وفي الرقاق: باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها. ومسلم رقم (١٠٥٢) في الزكاة: باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا. وأخرجه النسائي ٥/ ٩٠ في الزكاة: باب الصدقة على اليتيم. والخضرة: الناعمة الغَضَّة.
(٢) سورة الليل الآيات ١٧ - ٢١.
(٣) أخرجه الحاكم في "المستدرك" ٢/ ٥٢٥ على شرط مسلم ولم يخرجاه، وانظر الدر المنثور ٨/ ٥٣٥.
(٤) سورة الليل الآية ٥ وما بعدها.
(٥) رواه أبو داود رقم (١٦٧٨) في الزكاة: باب في الرخصة في الرجل يخرج من ماله. والترمذي رقم (٣٦٧٦) في المناقب: باب الصدّيق ينفق كل ماله، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرجه الحاكم في "المستدرك" ١/ ٤١٤ على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. والبيهقي في "سننه" ٤/ ١٨١.
[ ٤٢٧ ]
فجئت بنصف مالي، فقال رسولُ الله - ﷺ -: ما أبقيتَ لأهلك؟ قلْتُ: مثلَه. وإِنَّ أبا بكر أتى بكل ما عِندَه، فقال: يا أبا بكر: ما أبقيْتَ لأهلك؟ قال: أبقيْتُ لهم اللهَ ورسولَه. فقلت: لا أسابِقُه إِلى شيءٍ أبدًا. وخرَّج الإِمام أحمد (^١) والنسائي وابنُ ماجه من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ -، قال: "ما نَفَعَني مالٌ قَطُّ ما نَفَعَنِي مالُ أبي بكرٍ". فبكى أبو بكر، وقال: هل أنا ومالِي إِلَّا لك يا رسولَ الله. وخرَّجه الترمذي (^٢) بدون هذه الزيادة في آخره.
وكان من المنفقين أموالَهُم في سبيل الله، عثمانُ بن عفان، ففي الترمذي (^٣)، عن عبد الرحمن بن خباب، قال: "شَهِدْتُ النَّبيَّ - ﷺ - وهو يَحُثُّ على جيش العُسْرَةِ، فقام عثمان، فقال: يا رسولَ الله! عليَّ مائِةُ بعيرٍ بأَحْلاسها (^٤) وأقتابِها في سبيل الله. ثم حَضَّ على الجيش، فقام عثمان، فقال: يا رسولَ الله! عليّ مائتا بعيرٍ بأَحْلاسِها وأَقْتابِها في سبيل الله (^٥). ثم حَضَّ على الجيش، فقام عثمان، فقال: يا رسولَ الله! عليَّ ثلاثمائة بعيرٍ بأحلاسِها وأقتابِها في سبيل الله. قال: فرأيْتُ رسولَ الله - ﷺ - ينزل على المِنْبر، وهو يقول: ما على عثمان ما فَعَلَ بعدَ هذه، ما على عثمان ما فعل بعد هذه".
وخرج الإِمام أحمد (^٦) والترمذي من حديث عبد الرحمن بن سَمُرَة ﵁
_________________
(١) رواه أحمد في "مسنده" ٢/ ٢٥٣ بإِسناد صحيح، وابن ماجه رقم (٩٤) في المقدمة: باب فضائل أصحاب رسول الله - ﷺ -، وأورده الألباني في "صحيح ابن ماجه" رقم (٧٧) ١/ ٢٣. ورواه ابن حبان في "صحيحه" ٩/ ٤، و(٢١٦٦) موارد.
(٢) رقم (٣٦٦٢) في المناقب: باب إِن لأبي بكر عندنا يدًا.
(٣) رقم (٣٧٠١) في المناقب: باب مناقب عثمان بن عفان ﵁، وفي سنده مجهول؛ قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وفي الباب عن عبد الرحمن بن سَمُرة عند الترمذي رقم (٣٧٠٢) في المناقب أيضًا. وروي بإِسناد حسن في مسند أحمد ٣/ ٦٣، فهو شاهد له بالمعنى، وهو به حسن.
(٤) الأحلاس: الأكسية التي تكون على ظهور الإِبل تحت الرِّحال والأقتاب، واحدها: حِلْس. والأقتاب: جمع قَتَب، بفتحتين، وهو رحل صغير على قدر سنام البعير.
(٥) زاد الترمذي بعده: "ثم حضَّ على الجيش، فقام عثمان، فقال: يا رسول الله، عليَّ ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله".
(٦) مسند أحمد ٣/ ٦٣ بإِسناد حسن، والترمذي رقم (٣٧٠٢) في المناقب. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
[ ٤٢٨ ]
أنَّ عثمان جاء إِلى النبي - ﷺ - بألف دينارٍ حينَ جَهَّزَ جيشَ العُسْرَة، فنثرها في حجْرِه. قال: فرأيتُ النبي - ﷺ - يقلِّبُها في حِجْره ويقول: ما ضَرَّ عثمان ما عمل (^١) بَعْدَ هذا اليوم، مرتين.
وكان منهم أيضًا عبد الرحمن بن عوف: وفي مسند الإِمام أحمد (^٢) أنَّه قدِمَ له عِيرٌ إِلى المدينة، فارتجت لها المدينة، فسألَتْ عائشةُ عنها، وحدثت حديثًا عن النَّبيِّ - ﷺ -، فبلغ عبد الرحمن فجَعَلَها كُلَّها في سبيل الله بأقتابها وأحلاسِها، وكانت سبعمائة راحلةٍ.
وخرَّجه ابنُ سعدٍ (^٣) من وجهٍ آخر فيه انقطاع، وعنده أنَّها كانت خمسمائة راحلةٍ. وخرَّج الترمذي (^٤) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوفٍ، عن عائشة ﵂، أن رسول الله - ﷺ - كان يقول، تعني لأزواجه: "إِنَّ أمرَكُنَّ لما يُهِمُّني بعدي، ولن يصبرَ عليكنَّ إِلَّا الصَّابرون". قال: ثم تقول عائشة لأبي سلمة: سقَى اللهُ أباكَ من سَلْسَبِيل الجنَّة. وكان قد وَصَلَ أزواجَ النَّبيِّ - ﷺ - بحديقةٍ (^٥) بيعَت بأربعين ألفًا. وقال: حَسَنٌ غريب.
وخرَّجه الحاكم (^٦) وصححه. وخرَّج الإِمام أحمدُ أوَّلَه. وخرَّج الإِمام أحمد أيضًا والحاكم (^٧) من حديث أُمِّ بكر بنت المِسْوَر بن مَخْرَمَةَ: أنَّ عبد الرحمن بن عوف باع أرضًا له من عثمان بأربعين ألف دينارٍ، فقسمها في فقراء بني زُهْرَةَ وفي المهاجرين وأمَّهات المؤمنين. قال المِسْوَر: فأتيت عائشةَ ﵂ بنصيبها من ذلك، فقالت لنا: إِني سمِعْتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: "لا يحنُو عليكُنَّ بَعْدِي إِلَّا الصَّابرون، سَقَى الله ابنَ عَوْفٍ من سَلْسَبيل الجنَّة".
_________________
(١) في ب، ع، ط: "ما فعل".
(٢) مسند أحمد ٦/ ١١٥ والكنز رقم (٣٣٥٠١). وأورده ابن الجوزي في "الموضوعات" ٢/ ١٣. وانظر "الإِتحاف" للزبيدي ٨/ ٢١٦ - ٢١٧.
(٣) الطبقات ٣/ ١٣٢.
(٤) رقم (٣٧٥٠) في المناقب: باب مناقب عبد الرحمن بن عوف ﵁. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وهو كما قال.
(٥) في ب، ع، ط: "بمال" وأثبت ما جاه في (آ) وهو يوافق ما جاء في الترمذي. والحديقة: البستان، عليه حائط أحدق به.
(٦) أخرجه الحاكم في "المستدرك" ٣/ ٣١٢ وصححه.
(٧) رواه الإِمام أحمد في "مسنده" ٦/ ١٠٤ و١٣٥، والحاكم في "المستدرك" ٣/ ٣١٠ وصححه، ووافقه الذهبي.
[ ٤٢٩ ]
وخرَّج الإِمام أحمد (^١) والحاكم (^٢) من حديث أمِّ سَلَمة ﵂: أنَّ النبي - ﷺ - قال لأزواجه: "إِنَّ الذي يحنُو عليكن بعدِي هو الصَّادِقُ البارّ، اللهمَّ اسْقِ عبدَ الرحمن بن عوف من سَلْسَبيل الجنَّة". وخرَّجه ابنُ سعدٍ (^٣)، وزاد: إِنَّ إِبراهيم بن سعدٍ، قال: حدثني بعضُ أهلي من ولد عبد الرحمن بن عَوْفٍ: أنَّ عبدَ الرحمن بن عَوْف باع أموالَهُ مِن كيْدَمَةَ (^٤)، وهو سَهْمُه (^٥) من بني النَّضير، بأربعين ألف دينار، فَقَسَمها على أزواج النبي - ﷺ -.
وخرَّج الترمذي (^٦) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن ﵁: أنَّ أباه عبد الرحمن بن عوف أوْصَى بحديقةٍ لأمّهات المؤمنين بيعت بأربعمائة ألفٍ. وخرَّجه الحاكم (^٧)، ولفظه: "بيعت بأربعين (^٨) ألف دينارٍ".
وأخبار الأجواد المنفقين أموالَهُم في سبيل الله مِن أصحاب رسولِ الله - ﷺ - يطولُ ذِكْرُها جدًّا، وكان الفقراء من الصَّحابة كلَّما رأوا أصحابَ الأموال منهم ينفقون أموالَهم فيما يُحبُّه الله؛ مِن الحَجِّ والاعتمار والجهاد في سبيل الله والعِتْق والصَّدقة والبِرِّ والصِّلة وغير ذلك من أنواع البِرِّ والطاعات والقربات، حَزِنُوا لما فاتَهُم مِن مُشَاركتهم في هذه الفضائل، وقد ذكرهم الله تعالى في كتابه بذلك، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (^٩).
نزلت هذه الآية بسبب قومٍ من فقراء المسلمين أتوا النَّبيَّ - ﷺوهو يتجهَّزُ إِلى
_________________
(١) رواه الإِمام أحمد في "مسنده" ٦/ ٢٩٩ و٣٠٢، والحاكم في "المستدرك" ٣/ ٣١١ وصححه، ووافقه الذهبي.
(٢) في ط: "والترمذي"، وهو تحريف.
(٣) الطبقات ٣/ ١٣٢.
(٤) كَيْدَمَة: موضع بالمدينة، وهو سهم عبد الرحمن بن عوف من بني النضير. (ياقوت).
(٥) في ب، ط: "وسهمه".
(٦) رقم (٣٧٥١) في المناقب، باب رقم (٧٧).
(٧) أخرجه الحاكم في "المستدرك" ٢/ ٣١٣ بلفظ: "قد وصلهن بمال فبيع بأربعين ألف دينار"، وكذا في الترمذي رقم (٣٧٥٠).
(٨) في هامش ع: "بأربعة آلاف".
(٩) سورة التوبة الآية ٩٠ و٩١.
[ ٤٣٠ ]
غزوة تبوكَ، فطلبوا منه أن يحملَهم، فقال لهم: لا أجِدُ ما أحملُكُم عليه، فرَجعُوا وهم يبكون حزنًا على ما فاتهم من الجهاد مع رسول الله - ﷺ -. قال بعضُ العلماء: هذا واللهِ بكاءُ الرجال، بَكوا على فقدهم رواحِلَ يتحمَّلُون عليها إِلى الموت في مواطِنَ تُرَاقُ فيها الدِّماء في سبيل الله، وتنزعُ فيها رؤوس الرِّجال عن كواهلها بالسّيوف. فأمَّا مَن بَكَى على فَقْد حَظِّه من الدُّنيا وشهواتِهِ العاجلة، فذلك شبيهٌ ببكاء الأطفال والنساء على فَقْدِ حظوظهم العاجلة:
سَهَرُ العُيونِ لِغَيْرِ وَجْهِكَ باطِلٌ … وبكاؤهُنَّ لِغَيْرِ فَقْدِكَ ضَائعُ
إنما يحسُنُ البكاءُ والأسفُ على فَوَاتِ الدَّرجاتِ العُلَى والنَّعيم المقيم. قال بعضُهم: يُرَى رجلٌ في الجنَّة يبكي، فيُسْأَلُ عن حالِه، فيقول: كانت لي نفس واحِدةٌ قُتِلَتْ (^١) في سبيل الله، وودِدْتُ أنَّه كانت لي نفوسٌ كثيرة تُقْتَلُ كلُّها في سبيله. غزا قومٌ في سبيل الله، فلمَّا صافُّوا عدوِّهم واقتتلوا، رأى كُلُّ واحدٍ منهم زوجتَهُ من الحُورِ قد فتحَتْ بابًا من السَّماء، وهي تستدعي صاحبَها إِليها وتحثُّه على القتال، فقُتلوا كلُّهم إِلَّا واحدًا. وكان كلَّما قُتِلَ منهم واحدٌ غُلِّق (^٢) بابٌ وغابَتْ منه المرأة، فأُفْلِتَ آخِرُهم، فأغلَقَتْ تلك المرأةُ البابَ الباقي، وقالت: ما فاتَكَ يا شقي! فكان يبكي على حالِه إِلى أن مات، ولكنَّه أورثه ذلك طول الاجتهاد والحزن والأسف.
على مِثْل لَيْلَى يَقْتُلُ المَرْءُ نفْسَهُ … وإِنْ كانَ مِن لَيْلَى علَى الهَجْر طَاوِيا
لما سمِعَ الصَّحابة ﵃ قول الله ﷿ ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (^٣) ﴿سَابِقُوا (^٤) إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٥) فهِمُوا من ذلك أنَّ المراد أن يجتهدَ كُلُّ واحدٍ منهم أن يكونَ هو السابقَ لغيرِه إِلى هذه الكرامة، والمسارِعَ إِلى بلوغ هذه الدرجة العالية، فكان أحدُهم اذا رأى مَن يعمَلُ
_________________
(١) في ع: "فقتلت".
(٢) في ب، ع: "أغلق".
(٣) سورة البقرة الآية ١٤٨، وسورة المائدة الآية ٤٨.
(٤) في ع: "وقوله: سارعوا"، وهي في سورة آل عمران الآية ١٣٤.
(٥) سورة الحديد الآية ٢١.
[ ٤٣١ ]
عملًا يعجِزُ عنه، خَشِي أن يكونَ صاحِبُ ذلك العمل هو السابقَ له، فيحزنَ لفوات سَبْقِهِ. فكان تنافُسُهم في دَرَجَاتِ الآخرةِ واستباقُهم إِليها، كما قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (^١). ثم جاء مَنْ بعدَهُم، فَعَكَسَ الأمْرَ، فصار تنافُسُهم في الدنيا الدنية وحظوظها الفانية.
قال الحسن: إِذا رأيتَ الرجل ينافسك في الدُّنيا فنافِسْه في الآخرة. وقال وُهَيْب بن الوَرْد: إِن استطعْتَ ألا يسبقكَ إِلى اللهِ أحدٌ فافْعَلْ. وقال بعضُ السَّلَف: لو أنَّ رجلًا سَمِعَ بأحَدٍ أطوَعَ لله منه، كان ينبغي له أن يُحزِنَه ذلك. وقال غيرُه: لو أنَّ رجلًا سمِعَ برجُلٍ أطوَعَ لله منه فاَنْصَدَعَ قلبُه فمات، لم يكن ذلك بعجبٍ. قال رجلٌ لمالك بن دينار: رأيتُ في المنام مناديًا ينادي: أيُّها الناس! الرَّحيلَ الرحيلَ، فما رأيْتُ أحدًا يرتحِلُ إِلَّا محمد بن واسِعٍ؛ فصاح مالك وغُشي عليه ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (^٢). قال عمر بن عبد العزيز في حجةٍ حجَّها عند دَفْعِ الناس مِن عَرَفَةَ: ليس السَّابقُ اليومَ مَن سَبَقَ به بعيرهُ، إِنَّما السَّابقُ مَن غُفِرَ له.
كان رأسُ السَّابقين إِلى الخيرات من هذه الأمَّة أبو بكر الصِّدِّيق ﵁، قال عمر: ما استبقنا إِلى شيءٍ من الخير إِلَّا سَبَقَنَا أبو بكرٍ، وكان سبَّاقًا بالخيرات.
ثم كان السَّابق بعدَه إِلى الخيرات عُمر، وفي آخر حجَّةٍ حجَّها عُمَرُ جاء رجُلٌ لا يُعْرَفُ، كانوا يرونه مِن الجن، فرثاه بأبيات منها:
فمن يَسْعَ أو يَرْكَبْ جناحَيْ نَعَامَةٍ .. لِيدْرِكَ ما قدَّمْتَ بالأمْسِ يُسْبَقِ
صاحب الهمَّةِ العالية والنفس الشريفة التوَّاقَةِ لا يرضَى بالأشياء الدنية الفانية، وإِنَّما هِمَّتُه المسابقةُ إِلى الدَّرَجَاتِ الباقية الزاكية، التي لا تَفْنَى ولا يرجِعُ عن مطلوبِه، ولو تَلِفَتْ نفسُه في طلبه. ومن كان في الله تلفُهُ كان على الله خلَفُه. قيل لبعض المجتهدين في الطاعات: لِمَ تعذِّب هذا الجسد؟ قال: كرامتَهُ أريدُ.
_________________
(١) سورة المطففين الآية ٢٦.
(٢) سورة الواقعة الآيات ١٠ - ١٢، وانظر الخبر في "صفة الصفوة" ٣/ ٢٦٧.
[ ٤٣٢ ]
وإِذا كانت النُّفُوسُ كِبَارًا … تَعِبَتْ في مُرَادِها الأَجْسَامُ (^١)
قال عمر بن عبد العزيز: إِنَّ لي نفسًا تَوَّاقةً، ما نالَتْ شيئًا إِلَّا تاقَتْ إِلى ما هو أفضلُ منه، وإِنَّها لمَّا نالَتْ هذه المنزِلَة - يعني الخلافة - وليس في الدنيا منزلةٌ أعلَى منها، تاقَتْ إِلى ما هو أعلى من الدنيا، يعني الآخِرَةَ.
على قدْرِ أَهْلِ العَزْمِ تأتي العَزَائمُ … وتأتي علَى قدْرِ الكِرامِ المكارِمُ (^٢)
قِيمةُ كُلِّ إِنسان ما يطلُبُ؛ فمن كان يطلبُ الدنيا فلا أدنى منه؛ فإِنَّ الدنيا دنيَّة، وأدنَى منها مَن يطلبها، وهي خسِيسَةٌ؛ وأخسُّ منها من يخطُبُها (^٣). قال بعضُهم: القلوبُ جوَّالةٌ، فقلْبٌ يجولُ حولَ العَرْشِ، وقلْبٌ يجولُ حول الحشِّ (^٤). الدُّنيا كلُّها حشٌّ، وكُلُّ ما فيها من مَطْعَمٍ ومَشْربٍ يؤول إِلى الحشّ، وما فيها من أجسامٍ ولباسٍ يصير ترابًا، كما قيل (^٥):
* وَكُلُّ الَّذي فَوْقَ التُّرابِ تُرَابُ *
وقال بعضُهم في يوم عيدٍ لإِخوانه: هل تنظرون إِلَّا خِرَقًا تبلَى، أو لحمًا يأكلُه الدُّود غدًا. وأمَّا مَن كان يطلبُ الآخرة فقدْرُهُ خطيرٌ؛ لأنَّ الآخِرَةَ خطيرةٌ شريفةٌ؛ ومن يطلبها أشْرفُ منها، كما قيل:
أُثامِنُ (^٦) بالنَّفْسِ النَّفيسة ربَّها … وليس لها في الخَلْقِ كُلِّهم ثَمَنْ
_________________
(١) في آ، ب، ش، ط: "الأجساد"، والتصحيح من نسخة (ع) وديوان المتنبي ٢/ ٢٤٥، من قصيدة في مدح سيف الدولة الحمداني، مطلعها: أينَ أَزْمَعْتَ أيُّهذا الهُمَامُ … نحنُ نَبْتُ الرُّبَى وأنتَ الغَمامُ
(٢) مطلع قصيدة مشهورة للمتنبي، يمدح فيها سيف الدولة ويذكر بناءه ثغر الحدث. (ديوانه ٢/ ٢٦٩).
(٣) في آ، ش: "عظَّمها".
(٤) الحش، بضم الحاء وفتحها: المخرج؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين، والجمع حشوش. وفي الحديث: "إِنَّ هذه الحُشوش محتضرة" يعني الكُنُف ومواضِعَ قضاء الحاجة. ومن معاني الحش: البستان، والنخل المجتمع، والمتوضأ.
(٥) عجز بيت للمتنبي (ديوانه ١/ ١٤٠)، وتمامه: إِذا نِلْتُ مِنْكَ الوُدَّ فالمالُ هَيِّنٌ … وكُلُّ الذي فَوْقَ التُّراب تُرَابُ
(٦) أي: أساوم. يقال: ثامَنتُ الرجل في المبيع أُثامِنُه، إِذا قاوَلته في ثمنه وساومته على بيعه واشترائه. (اللسان: ثمن).
[ ٤٣٣ ]
بها تدركُ الأخرى فإِنْ أنا بِعتُها … بشيءٍ مِن الدُّنيا فذاكَ هو الغَبَنْ
لئن ذهَبَتْ نفسِي بِدُنيا أصبْتُها … لقد ذَهَبَتْ نَفْسِي وقد ذَهَبَ الثَّمَنْ
وأمَّا مَن كان يطلبُ اللهَ فهو أكبَرُ النَّاسِ عندَه، كما أنَّ مطلوَبهُ أكبَرُ مِن كُلِّ شيءٍ كما قيل:
لَهُ هِمَمٌ لا مُنْتَهَى لكبارِها … وهِمَّتُه الصُّغْرَى أَجَلُّ مِنَ الدَّهْرِ
قال الشِّبْلِيُّ: مَن رَكَنَ إِلى الدنيا أحرقَتْه بنارِها، فصار رَمَادًا تذرُوه الرِّياحُ؛ ومن رَكَنَ إِلى الآخِرة أَحرَقَتْه بنورِها، فصار سَبيكةَ ذَهَب يُنْتَفَعُ به؛ ومَن رَكَنَ إِلى الله أحرَقَهُ بنور (^١) التوحيد، فصار جوهرًا لا قِيمَةَ له. العاليَ الهِمَّة يجتَهِدُ في نَيْل مطلوبِهِ، ويبذُلُ وُسْعَهُ في الوصول إِلى رِضَا محبوبه. فأمَّا خسِيسُ الهِمَّةِ فاجتهادُه في متابعة هواهُ، ويتَّكِلُ على مجرَّد العفو، فيفوته إِن حصَلَ له العفو منازلُ السَّابقين المقرَّبين. قال بعضُ السَّلف: هَبْ أنَّ المسيءَ عُفِي عنه، أليس قد فاتَهُ ثوابُ المحسنين؟
فيا مُذنبًا يرجُو مِنَ الله عَفْوَهُ … أَتَرْضَى بسبقِ المتقين إِلى اللهِ
لمَّا تنافَسَ المتنافسون في نيل الدَّرجاتِ، غَبَطَ بعضُهم بعضًا بالأعمال الصَّالحات. قال النبي - ﷺ -: "لا حَسَدَ إِلَّا في اثْنتين؛ رَجُلٌ آتاهُ اللهُ مالًا فهو يُنْفِقُهُ في سبيل الله آناءَ اللَّيل وآناءَ النَّهارِ، ورجلٌ آتاهُ الله القرآنَ فهو يَقُومُ به آناءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهار".
وفي رواية: "لا تحاسُدَ إِلَّا في اثْنتين؛ رجلٌ آتاه الله القرآنَ فهو يتلُوه آناءَ اللَّيل والنَّهار، يقول: لو أوتِيتُ مثلَ ما أُوتِي هذا لفعلْتُ كما يفعَلُ؛ ورجُلٌ آتاهُ اللهُ مالًا فهو يُنْفِقُه في حَقِّه، يقول: لو أُوتيتُ مِثْلَ ما أوتِي هذا لَفَعَلْتُ كما يَفْعَلُ". وهذا الحديث في الصحيحين (^٢).
_________________
(١) في آ، ش: "أحرقه نور التوحيد".
(٢) ساق المؤلف الحديثين بالمعنى، وهما عند البخاري ٩/ ٧٣ في فضائل القرآن: باب اغتباط صاحب القرآن، وفي التمني، وفي التوحيد. وعند مسلم رقم (٨١٥) في صلاة المسافرين: باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه. ورواه الترمذي رقم (١٩٣٧) في البر والصلة: باب ما جاه في الحسد.
[ ٤٣٤ ]
وفي الترمذي (^١) وغيرِه عن النبي - ﷺ -، قال: "إِنَّما مَثَلُ هذه الأمَّة كأربَعَةِ نَفَرٍ؛ رجلٍ آتاهُ الله مالًا وعِلْمًا، فهو يَعْمَلُ بِعِلْمِه في مالِه يُنْفِقُه في حقِّه؛ ورجُلٍ آتاهُ. الله عِلْمًا ولم يؤتِه مالًا، وهو يقول: لو كان لي مثلُ هذا لَعَمِلْتُ فيه مثلَ الَّذي يعمَلُ. قال رسول الله - ﷺ -: فهما في الأَجْرِ سَوَاءٌ. ورجلٍ آتاهُ الله مالًا ولم يؤتِه عِلْمًا، فهو يَخْبِطُ في مالِهِ يُنْفِقُه في غَيْرِ حَقِّه. ورجلٍ لم يؤتهِ اللهُ عِلْمًا ولا مالًا، فهو يقول: لو كان لي مالُ (^٢) هذا عَمِلْتُ فيه مِثْلَ الَّذي يَعْمَلُ. قال رسول الله - ﷺ -: فهما في الوِزْرِ سَواءٌ".
وروى حُمَيْد بن زَنْجَوَيه (^٣) بإِسناده، عن زيد بن أسلم، قال: يؤتَى يومَ القيامة بفقيرٍ وغنيٍّ اصطحبا في الله، فيوجَدُ للغني فَضْلُ عَمَلٍ فيما كان يصنَعُ في ماله، فيُرفَعُ على صاحبه، فيقولُ الفقير: ياربّ! لِمَ رَفعتَهُ؟ وإِنَّما اصطحبنا فيك، وعَمِلْنا لك. فيقول الله تعالى: له فَضْلُ عَمَلٍ بما صَنَعَ في ماله، فيقول: ياربّ! لقد علمْتَ لو أعطيْتَني مالًا لصنَعْتُ مثلَ ما صنع، فيقول: صدَقَ، فارفعوه إِلى منزلة صاحبه.
ويؤتى بمريضٍ وصحيحٍ اصطحبا في الله، فيرفَعُ الصَّحيحُ بفضلِ عمله، فيقول المريض: يا ربِّ! لِمَ رَفعْتَه عليَّ؟ فيقول: بما كان يعمَلُ في صحته. فيقول: يا ربّ! لقد عَلِمْتَ لو أَصْحَحْتني لعمِلْتُ كما عَمِلَ، فيقول الله: صَدَقَ فارفعُوه إِلى درجة صاحبه. ويؤتى بِحُرٍّ ومملوكٍ اصطحبا [في الله] (^٤) فيقولُ مثل ذلك. ويؤتى بحَسَنِ الخُلُقِ وسيئ الخُلُقِ، فيقول: يا ربِّ! لمَ رفعْتَه عليَّ، وإِنَّما اصطحبنا فيك وعملنا؟ فيقول: بحُسْنِ خُلُقِه، فَلا يجِدُ له جوابًا.
العاقِلُ يغبِطُ من أنفَقَ ماله (^٥) في سبيل الخيرات ونيل علوِّ الدَّرجات، والجاهلُ يغبِطُ مَن أَنْفَقَ مالَه في الشَّهوات وتوصَّل به إِلى اللَّذَّاتِ المحرَّمات. قال الله تعالى
_________________
(١) أخرجه الترمذي رقم (٢٣٢٦) في الزهد: باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجه رقم (٤٢٢٨) في الزهد: باب النيَّة، وأحمد في"المسند" ٤/ ٢٣٠ و٢٣١، واللفظ لهما.
(٢) في مسند أحمد وابن ماجه: "مثل هذا".
(٣) هو حُمَيْد بن مَخلَد بن قتيبة بن عبد الله الأزدي النَّسائي، صاحب كتاب "الترغيب والترهيب" وكتاب "الأموال" وغير ذلك، كان أحد الأئمة المجوِّدين، وثقه النسائي، مات سنة ٢٥١ هـ. (سير أعلام النبلاء ١٢/ ١٩، تهذيب الكمال ٧/ ٣٩٢).
(٤) زيادة من ب، ط.
(٥) في آ، ش، ع: "أمواله".
[ ٤٣٥ ]
حاكيًا عن قارون: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (^١) إِلى قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^٢). فلمَّا رأى النَّبيُّ - ﷺ - تأَسُّفَ أصحابه الفقراءِ وحُزنَهم على ما فاتَهم من إِنفاق إِخوانهم الأغنياءِ أموالَهم في سبيل الله تقرُّبًا إِليه وابتغاءً لمرضاتِهِ، طَيَّبَ قلوبَهم ودلَّهم على عملٍ يسيرٍ يُدرِكُون به عن سَبَقَهم ولا يلحَقُهم معه أحَدٌ بعدَهم، ويكونون به خيرًا مِمَّن هم معه إِلَّا مَن عمِلَ مثلَ عملِهم، وهو الذِّكر عَقيبَ (^٣) الصَّلوات المفروضات، وقد اختلفَتِ الرواياتُ في أنواعِه وعددِه. والأخذُ بكُلِّ ما ورد مِن ذلك حَسَنٌ ولَهُ فضلٌ عظيمٌ.
وفي حديث أبي هريرة هذا أنَّهم يسبِّحون ويحمَدُون ويكبِّرون خَلْفَ كُلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين. وقد فسَّره أبو صالحٍ راويه عنهُ بالجمع، وهو أن يقولَ: سبحان الله، والحمدُ لله، والله أكبر، ثلاثًا وثلاثين مرَّةً، فيكون جُمْلَةُ ذلك تسعًا وتسعين. وقد يستشكل على هذا حديثُ أنَّ رجلًا سأل النبي - ﷺ - عمَّا يعدِلُ الجِهادَ، فقال: "هل تَسْتَطِيعُ إِذا خَرَجَ المجاهِدُ أنْ تصومَ فلا تُفْطِر، وتَقُومَ ولا تَفْتُرَ" (^٤). وهو حديثٌ ثابت صحيح أيضًا. فلم يجعل للجهاد عَدْلًا سوى الصِّيام الدَّائم والقيام الدَّائم. وفي هذا الحديث قد جَعَلَ الذِّكْر عقِيبَ الصَّلوات عِدْلًا له. والجمع بين ذلك كُلِّه أنَّ النبي - ﷺ - لم يجعل للجِّهاد في زمانه عملًا يعدِلُه، بحيث إِذا انقضى الجهاد انقضَى ذلك العمل، واستوى العاملُ مع المجاهد في الأجر، وإِنَّما جعل الذي يعدِلُ الجهادَ الذكرَ الكثيرَ المستدامَ في بقية عمر المؤمن من غير قطعٍ له حتى يأتي صاحبَه أجلُه، فإِذا استمَرَّ على هذا الذِّكر في أوقاته إِلى أن مات عليه عَدَلَ ذكرُه هذا الجهادَ.
_________________
(١) سورة القصص الآية ٧٩ و٨٠.
(٢) الآية ٨٣ من سورة القصص.
(٣) في ب، ط: "عقب".
(٤) أخرجه البخاري ٦/ ٤ رقم (٢٧٨٥) في الجهاد: باب فضل الجهاد والسير، عن أبي هريرة ﵁. ورواه النسائي ٦/ ١٩ في الجهاد، والبيهقي في "سننه" ٩/ ١٥٨، وابن أبي شيبة في "مصنفه" ٥/ ٣٣٣. ورواه الإِمام أحمد في "المسند" ٢/ ٣٤٤.
[ ٤٣٦ ]
وقد دَلَّ على ذلك أيضًا ما خرَّجَهُ الإِمامُ أحمدُ (^١) والترمذيّ من حديث أبي الدَّرْدَاء، ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: "ألا أنبِّئُكُم بخيرِ أعمالِكُم، وأزكاها عندَ مليكِكُمْ، وأرفعِها في دَرَجَاتِكم، وخَيْرٍ لكُم من إِنفاق الذَّهب والوَرِق، وخيرٍ لكم من أن تَلْقَوا عَدُوَّكم فتضربُوا أعناقَهُم ويَضْرِبوا أعناقَكم؟ قالوا: بلى، يا رسولَ الله.
قال: ذِكْرُ اللهِ ﷿". وخرَّجه مالك في "الموطأ" (^٢) موقوفًا.
وخرَّج الإِمام أحمد (^٣) والترمذي أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ "أنَّ النبي - ﷺ - سئل: أيُّ العِبادِ (^٤) أفضَلُ دَرَجَةً عند اللهِ يَوْمَ القِيامة؟ قال: الذَّاكِرُون اللهَ كَثيرًا. قلت: يا رسولَ الله! ومن الغازي في سبيل الله؟ قال: لو ضَرَبَ بسَيْفِه الكُفَّار والمشركينَ حتَّى يَنْكَسِرَ ويَخْتَضِبَ دَمًا، لكان الذَّاكرون الله ﷿ أفضَلَ منه دَرَجَةً". وقد رُوِي هذا المعنى عن معاذ بن جبل ﵁ وطائفةٍ من الصَّحابة موقوفًا. وإِن الذِّكْرَ لله أفضلُ من الصَّدقة بعدَّتِه دراهمَ ودنانيرَ، ومن النفقة في سبيل الله. وقيل لأبي الدَّرداء ﵁: رجلٌ أعتَقَ مائة نَسَمَةٍ. قال: إِنَّ مائة نَسَمةٍ من مال رجلٍ كثيرٌ، وأفضَلُ من ذلك إِيمانٌ ملزُومٌ بالليل والنهار، وأن لا يزالَ لسانُ أحدكم رَطْبًا من ذكر الله ﷿. وعنه قال: لأنْ أقولَ "لا إِله إِلَّا الله والله أكبر" مائة مرة أحَبُّ إِليَّ من أن أتصدَّقَ بمائة دينارٍ.
ويُروى مرفوعًا وموقوفًا من غير وجهٍ. مَن فاتَهُ اللَّيلُ أن يكابدَه، وبخِلَ بماله (^٥)
_________________
(١) رواه أحمد في "المسند" ٥/ ١٩٥ و٦/ ٤٤٦، والترمذي رقم (٢٣٧٧) في الدعاء: باب قم (٦)، وابن ماجه رقم (٣٧٩٠) في الأدب: باب فضل الذكر، والحاكم في "المستدرك" ١/ ٤٩٦ وصححه ووافقه الذهبي. وفي "الترغيب" ٢/ ٣٩٥ قال المنذري: "رواه أحمد بإِسناد حسن، وابن أبي الدنيا، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقي، وقال الحاكم: صحيح الإِسناد، ورواه أحمد أيضًا من حديث معاذ بإِسناد جيد، إِلا أن فيه انقطاعًا".
(٢) الموطأ ١/ ٢١١ في القرآن: باب ما جاء في ذكر الله ﵎.
(٣) أخرجه الترمذي رقم (٣٣٧٣) في الدعوات: باب رقم (٥)، ورواه أحمد في "المسند" ٣/ ٧٥ من حديث دراج بن سمعان أبي السمح، عن أبي الهيثم سليمان بن عمرو العتواري، عن أبي سعيد الخدري. وحديث دراج عن أبي الهيثم ضعيف، ولذلك قال الترمذي: هذا حديث غريب، إِنَّما نعرفه من حديث دراج.
(٤) في ط: "العبادة"، وهي رواية ثانية، وفي هامش المطبوع عن نسخة "العمل".
(٥) في ب، ط: "بالمال".
[ ٤٣٧ ]
أن ينفِقَه، وجَبُنَ عن عَدُوِّه أن يقاتلَه، فليكثر من "سبحانَ الله وبحمده"؛ فإِنَّها أحَبُّ إِلى الله من جَبَلِ ذهبٍ أو فضّةٍ يُنفقه في سبيل الله ﷿. وذِكْرُ اللهِ من أفضل أنواع الصَّدَقة. وخرَّج الطبراني (^١) عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "ما صدَقَةٌ أفضَلُ من ذِكْرِ الله ﷿".
وقد قال طائفة من السَّلف في قول الله ﷿: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (^٢): إِنَّ القرضَ الحسَنَ قولُ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إِله إِلا الله، والله أكبر. وفي مراسِيلِ الحسن، عن النبي - ﷺ -، قال: "ما أنفَقَ عبدٌ نفقَةً أفضَلَ عندَ الله ﷿ من قولٍ ليس من القرآن وهو من القرآن: "سبحان الله، والحمد لله، ولا اله إِلَّا الله، والله أكبر" (^٣).
وروى عبد الرزَّاق في كتابه (^٤)، عن مَعْمَر، عن قَتَادَةَ، قال: قال ناسٌ مِن فقراء المؤمنين: يا رسولَ الله! ذهَبَ أصحابُ الدُّثور بالأُجور؛ يتصدَّقون ولا نتصدَّق، ويُنْفِقون ولا نُنْفِق. فقال: أرأيتم لو أنَّ مالَ الدنيا وُضِعَ بعضُه على بعض أكان بالغًا السَّماءَ؟ قالوا: لا يا رسولَ الله! قال: أفلا أخبركم بشيءٍ أصْلُهُ في الأرض وفَرعُهُ في السَّماء؛ أن تقولوا في دُبُرِ كُلِّ صلاةٍ: لا إِله إِلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمدُ لله، عشرَ مرات؛ فإِنَّ أصْلَهُنَّ في الأرض وفرْعُهن في السَّماء.
وقد كان بعضُ الصَّحابة يظنُّ أن لا صدقَةَ إِلَّا بالمال، فأَخْبرَه النَّبيُّ - ﷺ - أنَّ الصَّدَقة لا تختصُّ بالمال، وأن الذِّكر وسائرَ أعمال المعروف صَدَقَةٌ، كما في صحيح مسلمٍ (^٥) عن أبي ذَرٍّ ﵁: "أنَّ ناسًا مِن أصحاب النَّبيِّ - ﷺ -، قالوا: يا رسولَ اللهِ! ذَهَبَ أهلُ الدُّثور بالأُجُور، يُصَلُّون كما نصلِّي، ويَصُومُون كما نَصُوم،
_________________
(١) أورده السيوطي في "الجامع الصغير" رقم (٣٩٢٥) عن ابن عباس، وعزاه إِلى الطبراني في الأوسط، وذكره الألباني في "ضعيف الجامع الصغير" رقم (٥٠٨٨). وانظر "كنز العمال" رقم (١٨٠٤) و"الترغيب" ٢/ ٤٠٠ وقد وثق رواته.
(٢) سورة الحديد الآية ١٨.
(٣) وله شواهد في معناه، انظر الترغيب ٤/ ٤٢٢ - ٤٣٠.
(٤) المصنف ٢/ ٢٣٣ برقم (٣١٨٨)، وفي الكنز عنه، وعنوانه "مرسل قتادة" رقم (٤٩٩٤). والدُّثور: جمع دَثْر، وهو المال الكثير.
(٥) رقم (١٠٠٦) في الزكاة: باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف.
[ ٤٣٨ ]
ويتَصَدَّقُون بفُضُولِ أموالهم. فقال النبيُّ - ﷺ -: أَوَلَيْسَ قد جَعَلَ الله لكم (^١) ما تتصدَّقُون به؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحةٍ صَدَقَةً، وكُلِّ تكبيرةٍ صَدَقَةً، [وكُلِّ تحميدَةٍ صدقةً] (^٢)، وكُلِّ تهليلَةٍ صَدَقَةً؛ وأَمْرٌ بالمعروفِ صدَقَةٌ، ونَهْيٌ عن مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ؛ وفي بُضْعِ أَحَدِكُم صَدَقَةٌ" (^٣).
وفي "المسند" (^٤) عنه أنَّه قال: يا رسولَ الله! الأغنياء يتصدَّقون ولا نتصدَّقُ. قال: "وأنتَ فيك صدقة؛ رفعُكَ العَظْمَ عن الطَّريق صدقةٌ، وهِدايتُكَ الطريقَ صدقةٌ، وعونُك الضعيفَ بفضل قوَّتك صدقَةٌ، وبيانُكَ عن الأَرتَمِ (^٥) صدقة، ومُباضعَتُكَ امرأتَكَ صدقَةٌ".
وفي المعنى أحاديث كثيرة جدًّا يطول ذكرها.
واعلم أنَّ من عَجَزَ عن عَمَلِ خيرٍ، وتأسَّفَ عليه، وتمنَّى حُصُولَهُ، كان شريكًا لفاعله في الأجر، كما تقدَّم (^٦) في الذي قال: "لو كان لي مالٌ لعمِلْتُ فيه ما عمِلَ فلانٌ … " أنَّهما سواءٌ في الأجر والوِزْر. وقد قيل: إِنَّهما سواءٌ في أصل الأجر دون المضاعفة؛ فإِنَّها تختصُّ بالعامل، فمن هنا كان أربابُ الهِمَمِ العالية لا يَرضَوْنَ بمجرَّد هذه المشارَكَةِ، ويطلبون أن يعملوا أعمالًا تقاوم الأعمالَ التي عَجَزُوا عنها؛ ليفوزوا بثوابٍ يقاومُ ثوابَ تلك الأعمال، ويضاعَفُ لهم كما يضاعف لأولئك، فيستووا هم وأولئك العُمَّال في الأجر كُلِّه.
_________________
(١) يبدأ من هنا سقط في المطبوع، وينتهي عند قوله: "وقال عقبة بن عبد الغافر" ص ٤٤٢.
(٢) تكملة من صحيح مسلم.
(٣) وتمامه: "قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوتَه، ويكونُ له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرامٍ، أكان عليه وِزْرٌ؟ فكذلك إِذا وضعها في الحلال، كان له أجرٌ".
(٤) ٥/ ١٥٤.
(٥) وكذا في آ، ب والمسند بالتاء، وفي ب، ع: "الأرثم" بالثاء. قال ابن الأثير: في حديث أبي ذر: "في كل شيء صدقة، حتى في بيانك عن الأرتم"، كذا وقع في الرواية، فإِن كان محفوظًا فلعله من قولهم: رتمت الشيء إِذا كسرته، ويكون معناه معنى الأَرَت، وهو الذي لا يفصح الكلام ولا يصححه ولا يبينه. وإِن كان بالثاء، فهو الذي لا يصحح كلامه ولا يبينه لآفةٍ في لسانه أو أسنانه، وأصله من رَثِيم الحصى، وهو ما دُقَّ منه بالأخفاف، أو من رَثَمْتُ أنفه، إِذا كسرته حتى أدميته، فكأن فمه قد كسر فلا يفصح في كلامه. (النهاية ٢/ ١٩٤ و١٩٦).
(٦) في آ: "كما تقدم في الحديث الذي … ".
[ ٤٣٩ ]
وقد كان بعضُ من يقعُدُ عن الجهاد من امرأةٍ وضعيفٍ في عهد النَّبيِّ - ﷺ - يسألُه عن عَمَلٍ يَعدِلُ الجِهادَ.
وفاتَ بعضَ النساءِ الحجُّ مع النبيّ - ﷺ -، فلمَّا قدِمَ سألَتْهُ عمَّا يجزئُ من تلك الحجَّةِ، قال: "اعْتَمِري في رَمَضَانَ؛ فإِنَّ عُمْرَةً في رَمَضان تعدِلُ حجَّةً، أو حجَّةً معي" (^١).
وقالت عائشة: "يا رسولَ الله! نَرَى الجهادَ أفضَلَ العَمَلِ، أفلا نجاهِدُ؟ قال: جهادُكُنَّ الحَجُّ والعُمْرَةُ" (^٢).
وكان منهم من إِذا تخلَّف عن الغزو، واجتهَدَ في مشاركة الغُزاةِ في أجرهم؛ فإِمَّا أن يُخرِجَ مكانه رَجُلًا بمالِهِ؛ وإِمَّا أن يُعينَ غازيًا؛ وإِمَّا أن يَخْلُفَه في أهلِهِ بخيرٍ. فإِنَّ. مَن فَعَلَ هذا كُلَّه فقد غَزَا.
تصدَّق بعضُ الأغنياء بمالٍ كثيرٍ، فبلَغَ ذلك طائفةً من الصَّالحين، فاجتمعوا في مكانٍ، وحسِبوا ما تصدَّق (^٣) بهِ من الدَّراهم، وصلّوا بَدَلَ كُلِّ درهمٍ تصدَّقَ به لله ركْعَةً. هكذا يكونُ اسْتِباقُ الخيرات والتنافسُ في عُلُوِّ الدرجات.
كَذَاكَ الفَخْرُ يا هِمَمَ الرِّجالِ … تَعَالَيْ فاَنْظُري كيفَ التَّغالي
سبحان مَن فَضَّلَ هذه الأمَّة وفَتَحَ لها على يَدَيْ نبيِّها، نبيِّ الرَّحمة، أبوابَ الفضائل الجمَّة؛ فما مِن عَمَلٍ عظيمٍ يقومُ به قومٌ ويعجِزُ عنه آخرون، إِلَّا وقد جَعَلَ اللهُ عَمَلًا يُقاوِمُه، أو يفضُلُ عليه، فتتساوى الأُمَّةُ كُلُّها في القُدرة عليه.
لمَّا كان الجهادُ أفضَلَ الأعمالِ ولا قُدرَةَ لكثيرٍ من النَّاسِ عليه، كان الذِّكْرُ الكثيرُ الدَّائمُ يُساويه ويفضُلُ عليه، وكان العملُ في عَشْر ذي الحجَّةِ يفضُلُ عليه، إِلَّا مَن خَرَجَ بنفسِهِ ومالِهِ ولم يرجِعْ منهما بشيء.
_________________
(١) أخرجه الشيخان وغيرهما، وانظر رواياته وتخريجها في "جامع الأصول" ٩/ ٤٦٣ - ٤٦٦.
(٢) أخرجه البخاري ٦/ ٧٥ و٧٦ في الجهاد: باب جهاد النساء، وليس فيه: "والعمرة"، وفي مسند أحمد ٦/ ٧٥ عن عائشة: "الحج والعمرة هو جهاد النساء". وبنحوه ابن ماجه رقم (٢٩٠١) في المناسك: باب الحج جهاد النساء.
(٣) في ش: "ما تصدقوا".
[ ٤٤٠ ]
لمَّا كان الحجُّ من أفضَلِ الأعمال، والنُّفوسُ تتوقُ إِليه؛ لِما وَضَعَ اللهُ في القلوب من الحنين إِلى ذلك البيت المُعَظَّم (^١)، وكان كثير من النَّاسِ يعجِزُ عنه، ولا سيما كُلَّ عامٍ، شَرَعَ الله لعبادِهِ أعمالًا يبلُغُ (^٢) أجرُها أَجْرَ الحجِّ، فيتعوَّضُ بذلك العاجزون عن التطوُّع بالحجِّ.
ففي الترمذيِّ (^٣)، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "مَن صلَّى الصُّبْحَ في جماعةٍ (^٤)، ثمَّ جَلَسَ في مُصَلَّاه يذكُرُ اللهَ حتَّى تطلُعَ الشَّمسُ، ثم صلَّى ركعتين، كان له مثلُ أَجْرِ حجةٍ وعُمرةٍ تامَّةٍ. قال رسولُ الله - ﷺ -: تَامَّةٍ، تامَّةٍ، تامَّةٍ".
شُهُودُ الجُمُعة يَعْدِلُ حجَّةَ تطوُّعٍ؛ قال سعيد بن المسيِّب: هو أحبُّ إِليَّ من حجَّةٍ نافلةٍ؛ وقد جَعَلَ النَّبيُّ - ﷺ - المبكِّرَ (^٥) إِليها كالمُهْدِي هديًا إِلى بيت الله الحرام. وفي حديث ضعيفٍ: "الجمعة حجُّ المساكين".
وفي تاريخ ابن عساكر: عن الأوزاعي، قال: مَرَّ يونس بنُ مَيْسَرَة بنِ حَلْبَسَ بمقابِرِ "باب توما"، فقال: السَّلام عليكم يا أهلَ القبور، أنتم لنا سَلَفٌ، ونحن لكم تبَعٌ، فرحمنا الله وإِياكم، وغَفَرَ لنا ولكم، فكأنْ قد صِرْنا إِلى ما صِرْتم إِليه. فردَّ اللهُ الرُّوح إِلى رجُلٍ منهم، فأجابَه، فقال: طوبى لكم يا أهلَ الدنيا حين تحجُّون في الشهر أربع مِرارٍ (^٦). قال: وإِلى أين يرحَمُكَ .. اللهُ؟ قال: إِلى الجمعة، أَمَا تعلمون أنَّها حجَّةٌ مبرورةٌ متقبَّلةٌ. قال: ما خير ما قدَّمتم؟ قال: الاستغفار يا أهلَ الدنيا. قال: فما يمنعك أن ترُدَّ السَّلامَ؟ قال: يا أهلَ الدنيا، السَّلام والحَسَنَاتُ قد رُفِعَتْ عنَّا، فلا في حَسَنةٍ نزيدُ، ولا في سيئةٍ ننقص؛ غَلِقَتْ (^٧) رُهُونُنا، يا أهلَ الدنيا.
_________________
(١) في آ: "العظيم".
(٢) في آ: "لا يبلغ".
(٣) رقم (٥٨٦) في الصلاة: باب ذكر ما يستحب من الجلوس في المسجد بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، عن أنس بن مالك ﵁. وقال الترمذي: حسن غريب. والحديث حسن بشواهده إِن شاء الله. وفي الباب أحاديث عديدة ذكرها المنذري في "الترغيب" ١/ ٢٩٤ - ٣٠٢.
(٤) قوله: "في جماعة" لم يرد في ب، ش، ع، وفي الترمذي: "من صلى الغداة في جماعة" وفي هامشه عن نسخة "الفجر".
(٥) في آ: "التبكير".
(٦) في ب، ع: "مرات".
(٧) الغَلَقُ في الرهن: ضد الفك. وغلِق الرهنُ في يد المرتهن، إِذا لم يقدر على افتكاكه.
[ ٤٤١ ]
في سنن أبي داود (^١)، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "مَن تطَهَّر في بيتِهِ، ثم خَرَجَ إِلى المسجد لأداءِ صَلاةٍ مكتوبةٍ، فأجرُه مثلُ أجرِ الحاجِّ المحرِمِ. وَمَنْ خَرَجَ لصلاة الضحى، كان له مثلُ أجرِ المعتمِر".
وفي حديث أنس: أنَّ النبيَّ - ﷺ - وصَّي رجلًا ببِرِّ أُمِّه، وقال له: أنت حاجُّ ومعتمِرٌ ومجاهِدٌ، يعني إِذا برَّها.
وقال بعضُ الصحابة: الخروج إِلى العيد يومَ الفِطر يعْدِلُ عُمْرَةً، ويومَ الأَضْحَى يعْدِلُ حجَّةً.
قال الحسن: مَشْيُكَ في حاجةِ أخيكَ المسلمِ خيرٌ لكَ من حجَّةٍ بعد حجَّةٍ.
وقال عقبة بن عبد الغافر (^٢): صلاةُ العِشاء في جماعة تَعْدِلُ حجَّةً، وصلاةُ الغدَاة في جماعةٍ تَعْدِلُ عُمْرَةً. وقال أبو هريرة لرجلٍ: بُكُورُكَ إِلى المسجد أحَبُّ إِليَّ من غزوتنا مع رسول الله - ﷺ -؛ ذكره الإِمامُ أحمد.
أداءُ الواجبات كلِّها أفضَلُ من التنفُّلِ بالحجِّ والعُمْرَةِ وغيرِهما؛ فإِنَّه ما تقرَّبَ العِبادُ إِلى الله تعالى بأحَبَّ إِليه مِن أداءِ ما افترضَ عليهم. وكثيرٌ من الناس يَهُونُ عليه التنفُّلُ بالحَجِّ والصَّدَقة ولا يهُون عليه أداءُ الواجبات من الديون وَرَدِّ المظالم، وكذلك يثقُلُ على كثيرٍ من النُّفوس التنزُّه عن كَسْبِ الحرامِ والشبهاتِ، ويَسْهُلُ عليها إِنفاق ذلك في الحَجِّ والصَّدقة. قال بعضُ السَّلفِ: تَرْكُ دانِقٍ (^٣) مِمَّا يكرَهُهُ اللهُ أَحَبُّ إِليَّ من خمسمائة حجَّةٍ. كَفُّ الجوارِحِ عن المُحرَّمات أفضَلُ من التطوُّع بالحَجِّ وغيرِه، وهو أشَقُّ على النفوس. قال الفُضيل بن عياض: ما حَجٌّ ولا رِباطٌ ولا جهادٌ أشَدُّ مِن
_________________
(١) رقم (٥٥٨) في الصلاة: باب ما جاء في فضل المشي إِلى الصلاة، عن أبي أمامة ﵁، وإِسناده حسن. ولفظه فيه: "من خرج من بيته متطهِّرًا إِلى صلاة مكتوبةٍ، فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إِلى تسبيح الضُّحى، لا يُنصِبُه إِلا إِياه، فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إِثر صلاة، لا لغو بينهما، كتاب في علِّيين".
(٢) عقبة بن عبد الغافر الأزدي العَوْذي، أبو نَّهار البصري، ذكره ابن حبان في الثقات، قتل يوم الزاوية سنة ٨٢ هـ، وقيل: قتل في الجماجم سنة ٨٣ هـ. (تهذيب التهذيب ٧/ ٢٤٦).
(٣) الدَّانق: سُدس الدرهم، جمع دوانق ودوانيق.
[ ٤٤٢ ]
حَبْس اللسان، ولو أصبحْت يهمُّكَ لسانُكَ أصبحْت في هَمٍّ شديدٍ. ليس الاعتبار بأعمال البِرِّ بالجوارح، إِنَّما الاعتبار بِبِرِّ (^١) القلوب وتقواها، وتطهيرها عن الآثام. سَفَرُ الدنيا يقطعُ (^٢) بسير الأبدان، وسَفَرُ الآخرة يقطع (^٢) بسير القلوب.
قال رجلٌ لبعض العارفين: قد قطعْتُ إِليك مسافةً، قال: ليس هذا الأمر بقطْعِ المسافات، فارِقْ نفسَكَ بخُطْوَةٍ وقد وصَلْت إِلى مقصودِك. سيْرُ القلوب أبلَغُ من سَيْر الأبدان. كم من واصلٍ ببدنه إِلى البيت وقلبُهُ منقطِعٌ عن رَبِّ البيت، وكم مِن قاعدٍ على فراشِهِ في بيته وقلبُه متَّصِلٌ بالمحلِّ الأعلى.
جِسمى معي غيرَ أنَّ الرُّوحَ عِندَكُمُ … فالجِسْمُ في غُرْبَةٍ والرُّوحُ في وَطنِ
قال بعضُ العارفين: عجبًا لمن يقطَعُ المفاوِزَ والقِفار؛ ليصِلَ إِلى البيت فيشاهِدَ فيه آثارَ الأنبياء، كيف لا يقطَعُ هواهُ ليصِل إِلى قلبه فيَرَى فيه أثَرَ "ويسمعني قلبُ عَبْدِي المؤمن". أيُّها المؤمنُ، إِنَّ لله بين جنبيك بيتًا لو طَهَّرْته لأشرَقَ ذلك البيتُ بنورِ رَبِّه وانشرح وانْفَسَحَ. أنشد الشِّبْلِيُّ (^٣):
إِنَّ بيتًا أَنْتَ ساكِنُهُ … غَيْرُ مُحْتاجٍ إِلى السُّرُجِ
ومريضًا (^٤) أنْتَ عائِدُهُ … قَدْ أَتَاهُ الله بالفَرَجِ
وَجْهُكَ المأمُولُ حُجَّتُنا … يومَ يأتي النَّاسُ (^٥) بالحُججِ
تطهيرُه (^٦): تفريغُه مِن كُلِّ ما يكرَهُهُ اللهُ تعالى من أصنامِ النَّفس والهَوَى، ومتَى بقيَتْ فيه مِن ذلك بقيَّةٌ، فاللهُ أغنَى الأغنياء عن الشِّرْك، وهو لا يرْضَى بمزاحمة الأصنام. قال سهل بنُ عبد الله (^٧): حرامٌ على قلبٍ أن يدخُلَهُ النُّورُ وفيه شيء مِمَّا يكرهُهُ اللهُ.
_________________
(١) في ب، ط: "بلين القلوب".
(٢) في ب، ط: "ينقطع".
(٣) ديوان الشبلي ص ١٣٩ ضمن أبيات خمسة فيما نسب إِليه من شعر.
(٤) في الديوان: "وعليلًا".
(٥) في ع: "تأتي النفوس"، وفي ب: "يأتي الله"، وفي هامش:"الناس".
(٦) في ش، ع: "تطهير القلب".
(٧) سهل بن عبد الله بن يونس، أبو محمد التُّسْتُري، الصوفي الزاهد، شيخ العارفين، لقي في الحج ذا النون المصري، وصحبه. له كلمات نافعة، ومواعظ حسنة، وقدَم راسخ في الطريق، توفي سنة ٢٨٣ هـ. (سير أعلام النبلاء
[ ٤٤٣ ]
أردناكُمُ صِرْفًا فلمَّا مُزِجْتُمُ … بعُدْتُمْ بمقدارِ التِفاتِكُمُ عنَّا
وقُلْنا لَكُمْ لا تُسْكِنُوا القَلْبَ غَيْرَنا … فأَسْكَنْتُمُ الأَغْيَارَ ما أَنْتُمُ مِنَّا
إِخواني، إِنَّ. حُبِسْتُم العامَ عن الحَجِّ فاَرْجِعُوا إِلى جهادِ النُّفوس، فهو الجهاد الأكبر، أو أُحْصِرْتُم عن أداءِ النُّسُك فأرِيقُوا على تخلُّفكم من الدُّموع ما تيسَّر؛ فإِنَّ إِراقة الدِّماء لازمة (^١) للمُحْصَر. ولا تحلِقُوا رؤوس أديانكم بالذنوب؛ فإِنَّ الذنوب حالِقَةُ الدِّين ليست حالِقَةَ الشعر. وقوموا لله باسْتِشْعار الرَّجاء والخوف مقامَ القيام بأرجاء الخَيفِ (^٢) والمَشْعَرِ. ومن كان قد بَعُدَ عن حَرَم الله، فلا يُبعِد نفسَه بالذنوب عن رحمة الله، فإِنَّ رحمةَ الله قريبٌ مِمَّن تاب إِليه واستغفر. ومن عَجَزَ عن حَجِّ البيت أو البيت (^٣) منه بعيد، فليقصد رَبَّ البيت؛ فإِنَّه ممن دَعَاهُ ورَجَاه أقرَبُ مِن حَبْل الوريد.
إِليكَ قَصْدِيَ رَبَّ البيتِ والحَجَرِ … فأنْتَ سُؤليَ مِن حَجِّي ومِن عُمَرِي
وفيكَ سَعْيي وتَطْوَافِي ومُزْدَلفي … والهَدْيُ جِسْمِي الذي يُغني عن الجُزُرِ
ومسجِدُ الخَيفِ خَوْفي مِن تباعُدِكُم … وَمَشْعَري ومُقامي دونَكم خَطَرِي
زادِي رَجَائي لكُم والشَّوقُ راحِلتي … والماءُ من عَبَراتِي والهَوَى سَفَري
* * *
_________________
(١) في ش، ع: "لازم".
(٢) كنّى به عن الحج. والخيف: مسجد الخيف في منى. والمَشْعَر: هو المَشْعَرُ الحرام، وهو مُزْدَلفة.
(٣) في آ، ش: "لين البيت"، وفي ع: "لأن كان البيت".
[ ٤٤٤ ]