خرَّج الإمام أحمد (^٤) من حديث أبي سعيدٍ الخدري ﵁، عن النبي - ﷺ -، قال: "الشتاء رَبيعُ المؤمن". وخرَّجه البيهقي (^٥) وغيرُه، وزاد فيه "طال ليلُه فقامَه، وقصُرَ نهارُه فصامَه". إنَّما كان الشتاء ربيعُ المؤمن لأنَّه يرتَعُ فيه في بساتينِ
_________________
(١) المِقْمَعَةُ: واحدة المقامع، وهي سياط تعمل من حديد رؤوسها مُعْوَجَّة. (النهاية ٤/ ١٠٩).
(٢) سورة الأعراف الآية ٥٠.
(٣) سورة الأنبياء الآية ١٠١.
(٤) رواه أحمد في "المسند" ٣/ ٧٥، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ٣/ ٢٠٠، وقال: "رواه أحمد وأبو يعلى، وإسناده حسن".
(٥) رواه البيهقي في "السنن" ٤/ ٢٩٧، وأورده الألباني في "ضعيف الجامع الصغير" برقم (٣٤٢٩).
[ ٥٥٧ ]
الطاعات، ويسرَحُ في ميادين العبادات، وينزِّه قلبه في رياض الأعمال الميسَّرةِ فيه، كما ترتَعُ البهائمُ في مَرْعَى الرَّبيع، فتسمَنُ وتصلُح أجسادُها، فكذلك يصلُح دِين المؤمن في الشتاء بما يسَّر الله فيه من الطاعات؛ فإنَّ المؤمن يقدِرُ في الشتاء على صيام نهارِه من غير مشقَّة ولا كُلفةٍ تحصُلُ له؛ من جوع ولا عَطَشٍ؛ فإنَّ نهاره قصيرٌ باردٌ، فلا يُحِسُّ فيه بمشقَّةِ الصِّيام. وفي "المسند" و"الترمذي" (^١) عن النبي - ﷺ -، قال: "الصِّيامُ في الشِّتاء الغَنيمةُ البَارِدَة".
وكان أبو هريرة ﵁، يقول: ألا أدُلُّكم على الغنيمة الباردة؟ قالوا: بلى، فيقول: الصِّيامُ في الشتاء. ومعنى كونها غنيمةً باردةً أنها غنيمةٌ حَصَلَتْ بغير قتالٍ ولا تعَبٍ ولا مشقةٍ، فصاحبُها يحوز هذه الغنيمة عفوًا صفوًا بغير كلْفةٍ.
وأمَّا قيامُ ليلِ الشتاء، فلطوله يمكن أن تأخُذَ النفسُ حظَّها من النوم، ثم تقوم بعد ذلك إلى الصلاة، فيقرأ المصلِّي وِرْدَه كلَّه من القرآن وقد أخذت نفسُه حظَّها من النوم، فيجتمع له فيه نومُه المحتاج إليه مع إدراك وِرْدِه من القرآن، فيكمُل له مصلحةُ دينه وراحةُ بدنه.
ومن كلام يحيى بن معاذ: الليلُ طويلٌ فلا تقصِّرْه بمنامك، والإسلامُ نَقِيٌّ فلا تدنِّسْه بآثامِك؛ بخلاف ليل الصيف؛ فإنه لقصره وحَرِّه يغلبُ النومُ فيه فلا تكاد تأخذُ النفسُ حظَّها بدون نومِه كَلِّه، فيحتاج القيامُ فيه إلى مجاهدةٍ، وقد لا يتمكَّن فيه لقِصَرِه من الفراغ من وِرْدِه من القرآن. ورُوِي عن ابن مسعودٍ ﵁، قال: مرحبًا بالشتاء تنزِلُ فيه البَرَكَةُ، ويطُولُ فيه الليل للقيام، ويقصُر فيه النهار للصيام. ورُوي عنه مرفوعًا ولا يصحُّ رَفْعُه، وعن الحسن، قال: نِعْمَ زمانُ المؤمن الشتاءُ، ليلُهُ طويل يقومُه، ونهارُه قصير يصومه. وعن عُبيد بن عمير أنَّه كان إذا جاء الشتاء، قال: يا أهلَ القرآن! طال ليلكم لقراءتكم فاقرؤوا (^٢)، وقصُرَ النهارُ لصيامكم فصُومُوا.
_________________
(١) رواه الترمذي رقم (٧٩٧) في الصوم: باب ما جاء في الصوم في الشتاء، من حديث عامر بن مسعود، وهو مرسل كما قال الترمذي؛ لأن عامر بن مسعود لم يدرك النبي - ﷺ -. وفي سنده أيضًا نُمَير بن عَريب، لم يوثقه غير ابن حبان. ورواه أحمد في "المسند" ٤/ ٣٣٥.
(٢) لفظ "فاقرؤوا" لم يرد في آ، ش، ع.
[ ٥٥٨ ]
قيامُ (^١) ليلِ الشتاء يعدِلُ صيامَ نهارِ الصيف، ولهذا بكى معاذ ﵁ عند موته، وقال: إنما أبكي على ظمأِ الهواجرِ، وقيام ليلِ الشتاء (^٢)، ومزاحمة العلماء بالرُّكَب عند حِلَقِ الذكر. وقال معْضَد (^٣): لولا ثَلاث: ظمأُ الهواجِرِ، وقيامُ ليلِ الشتاء، ولذاذَةُ التهجُّد بكتاب الله، ما باليتُ أن أكونَ يَعْسُوبًا (^٤). القيامُ في ليل الشتاء يشقُّ على النفوس من وجهين:
أحدُهما: من جهة تألُّم النفس بالقيام من الفراش في شدَّة البرد؛ قال داود بن رُشَيد (^٥): قام بعضُ إخواني إلى وِرْده بالليل في ليلة شديدة البرد، فكان عليه خُلْقان، فضربَه البَرْدُ فبكَى، فهتف به هاتِفٌ: أقمناك وأنمناهم، وتبكي علينا! خرَّجه أبو نُعيم (^٦).
والثاني: بما يحصُلُ بإسباغ الوضوء في شدَّة البَرْد من التألُّم، وإسباغُ الوضوءِ في شدَّة البَرْدِ من أفضَل الأعمال. وفي "صحيح مسلم" (^٧) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ -، قال: "ألا أَدُلُّكُم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفعُ به الدَّرجات؟ قالوا: بلى يا رسولَ الله، قال: إسباغُ الوُضوءِ على المكارِهِ، وكثرةُ الخُطَا إلى المساجد، وانتظارُ الصَّلاة بعدَ الصَّلاة، فذلكم الرِّباطُ، فذلكم الرِّباط". وفي حديث معاذ بن جبل ﵁ عن النبي - ﷺ - أنَّه رأى ربَّه ﷿ - يعني في المنام - فقال له: يا محمد! فِيمَ يختصِمُ الملأُ الأعلى؟ قال: في الدرجات والكفَّارات. قال: والكفَّاراتُ إسباغُ الوُضُوء في الكريهاتِ، ونقلُ الأقدام إلى
_________________
(١) في ش، ع: "وقوموا، لما طال ليل الشتاء كان قيامه يعدِلُ .. ".
(٢) بعدها في ب: "ولذاذة التهجد".
(٣) هو معضد بن يزيد العجليّ، يكنى أبا ذر، لم يحفظ له حديث مسند، وإنما كان مشغولًا بالتعبّد. وفي الحلية: "معضد أبو زيد العجلي"، والخبر في ترجمته في "حلية الأولياء" ٤/ ١٥٩ و"صفة الصفوة" ٣/ ٤٣.
(٤) اليَعسُوب: ذكر النحل.
(٥) داود بن رُشيد، أبو الفضل الخوارزمي البغدادي، صاحب حديث، ثقة، مات سنة ٢٣٩ هـ. (سير أعلام النبلاء ١١/ ١٣٣).
(٦) الحلية ٨/ ٣٣٥ ونسب الذهبي الخبر إلى داود نفسه في سير أعلام النبلاء ١١/ ١٣٤.
(٧) رواه مسلم رقم (٢٥١) في الطهارة: باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره، والموطأ ١/ ١٦١ في قصر الصلاة في السفر: باب انتظار الصلاة والمشي إليها، والترمذي رقم (٥١) في الطهارة: باب ما جاء في إسباغ الوضوء، والنسائي ١/ ٨٩ و٩٠ في الطهارة: باب فضل إسباغ الوضوء.
[ ٥٥٩ ]
الجُمُعاتِ - وفي رواية: "الجماعاتِ" - وانتظارُ الصَّلاة بعدَ الصلاة، مَنْ فعل ذلك عاش بخيرٍ ومات بخيرٍ، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمُّه. والدَّرجاتُ: إطعامُ الطعام، وإفشاءُ السَّلامِ، والصَّلاةُ بالليل والناسُ نيام؛ وذكَرَ الحديث. خرَّجه الإمام أحمد (^١) والترمذي. وفي بعض الروايات: "إسباغُ الوُضوء في السَّبَرات". والسَّبْرة: شِدَّة البَرْد (^٢). فإسباغ الوضوء في شِدَّة البَرْدِ من أعلى خِصال الإيمان. رَوَى ابنُ سعدٍ بإسناده: أن عُمَر ﵁ وصَّى ابنَه عبد الله عند موته، فقال له: يا بُني! عليك بخصالِ الإيمان. قال: وما هي؟ قال: الصَّومُ في شِدَّة الحَرِّ أيامَ الصيف، وقَتْلُ الأعداء بالسَّيف، والصَّبْرُ على المصيبة، وإسباغُ الوُضوء في اليوم الشاتي، وتعجيلُ الصَّلاة في يوم الغيم، وتركُ رَدْغَةِ الخَبَالِ. قال: فقال: وما رَدْغَةُ الخَبَالِ؟ قال: شُرْبُ الخَمْرِ.
وروى الأوْزاعيُّ عن يحيى بن أبي كثير (^٣)، قال: ستٌّ مَن كُنَّ فيه فقد استكمَلَ الإيمانَ؟ قتالُ أعداءِ الله بالسيف، والصِّيامُ في الصَّيف، وإسباغُ الوُضُوء في اليوم الشاتي، والتبكيرُ بالصَّلاة في اليوم الغَيم، وتركُ الجدالِ والمِرَاءِ وأنتَ تعلم أنَّك صادِقٌ، والصَّبْرُ على المصيبة. وقد رُوي هذا مرفوعًا. خرَّجه محمَّد بن نصر المروزي في "كتاب الصلاة" له بإسنادٍ فيه ضعف، عن أبي سعيد الخدري (^٤) ﵁: "سِتٌّ مَن كُنَّ فيه بَلَغَ حقيقةَ الإيمان: ضربُ أعداءِ الله بالسَّيف، وابتِدارُ الصلاة في اليوم الدَّجْن، وإسباغُ الوُضُوء عند المكاره، والصِّيام في الحرِّ،
_________________
(١) رواه أحمد في "المسند" ٥/ ٢٤٣، والترمذي رقم (٣٢٣٥) في تفسير سورة: باب ومن سورة "ص". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وللمؤلف - ﵀ - رسالة في شرح هذا الحديث أسماها: "اختيار الأولى: شرح حديث اختصام الملأ الأعلى"، وهي مطبوعة.
(٢) النهاية ٢/ ٣٣٣.
(٣) يحيى بن أبي كثير، أبو نصر الطائي، اليمامي، اختلف في اسم أبيه. كان طلّابة للعلم، حجة، روى له الجماعة، مات سنة ١٢٩ هـ. (سير أعلام النبلاء ٦/ ٢٧).
(٤) بعدها في آ، ش، ع: "مرفوعًا". والحديث في كنز العمال ١٥/ ٥٨٩ و٩٠٠ وعزاه إلى الديلمي في "الفردوس"، عن أَبي سعيد. وهو في "الفردوس" ٢/ ٣٢٦، كما أورده السيوطي في "جامعه الصغير" وذكره الألباني في "ضعيفه" برقم ٣٢٤٦ ورمز له بـ "ضعيف جدًّا". قال الزبيدي في "الإتحاف" ٧/ ٤٧٠: "وفي سنده إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو متروك واه".
[ ٥٦٠ ]
وصبْرٌ عند المصائب، وتَرْكُ المِرَاءِ وأنتَ (^١) صادق". وفي كتاب "الزهد" (^٢) للإمام أحمد، عن عطاء بن يسار (^٣) قال: قال موسى ﵇: ياربّ! من هم أهلُك الذين هم أهلُك، تُظِلُّهم في ظِلِّ عرشِكَ؟ قال: هم البرِيَّةُ أيديهم، الطاهِرةُ قلوبهم، الذين يتحابُّون لجلالي، الذين إذا ذُكِرْتُ ذُكِروا بي (^٤)، وإذا ذُكِرُوا ذُكِرْتُ بذِكْرِهم، الذين يُسْبِغُون الوُضُوءَ في المكاره، ويُنيبون إلى ذكري كما تنيبُ النُّسورُ إلى أوكارها، ويَكلَفُون بحبِّي كما يَكلَفُ الصَّبِيُّ بحبِّ الناس، ويغضبون لمحارمي إذا استُحِلَّتْ كما يغضَبُ النَّمِرُ إذا حَرِبَ (^٥).
وقد رُوي عن داود بن رُشَيد، قال: قام (^٦) رجل ليلةً باردةً ليتوضأ للصلاة، فأصاب الماءَ باردًا فبكَى، فنودِي: أما ترضَى أنَّا أنمناهم وأقمناك حتّى تبكي علينا؟. خرَّجه ابنُ السمعاني.
معالجةُ الوُضُوء في جَوْف الليل للتهجُّد موجِبٌ لرضا الربِّ، ومباهاةِ الملائكةِ، ففي شِدَّة البرد يتأكَّد ذلك. ففي "المسند" (^٧) و"صحيح ابن حبان" عن عقبة بن عامر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: "رجلان من أمَّتي؛ يقوم أحدُهما من الليل فيعالج (^٨) نفسَه إلى الطَّهُور وعليه عُقَدٌ، فيتوضأ، فإذا وضَّأَ يديه انحلَّتْ عقدَةٌ، وإذا وضَّأ وجْهَهُ انحلَّت عقدةٌ، وإذا مسَحَ رأسَه انحلَّت عقدَةٌ، وإذا وضَّأ رجليه انحلَّتْ عقدَةٌ؛ فيقولُ الرَّبُّ ﷿ للذين (^٩) وراء الحِجَاب: انظروا إلى عَبْدي هذا يُعَالجُ نفسَه، ما سألني عبدي هذا فهو لَهُ". وفي حديث عطية، عن أبي سعيدٍ، عن
_________________
(١) في ش: "وأنت محق". وفي الفردوس والكنز: "وإن كنت محقًا".
(٢) الزهد ص ٩٥.
(٣) في ب، ط: "﵁". وهو عطاء بن يسار الهلالي، أبو محمد المدني، ثقة، فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، مات سنة ٩٤ هـ، وقيل بعد ذلك. (التقريب ٢/ ٢٣).
(٤) في ب، ط: "ذكروني".
(٥) أي إذا اشتد غضبه.
(٦) في سير أعلام النبلاء ١١/ ١٣٤: حدثنا داود بن رشيد، قال: قمت ليلة أصلي، فأخذني البرد لِما أنا فيه من العُري، فأخذني النوم، فرأيت كأن قائلًا يقول: يا داود، أنمناهم وأقمناك فتبكي علينا؟.
(٧) مسند أحمد ٤/ ١٥٩ و٢٠١، و"صحيح ابن حبان" ٣/ ٣٢٩ - ٣٣٠ و(١٦٨) موارد. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١/ ٢٢٤ وقال: "رواه أحمد والطبراني في الكبير، وله سندان، رجال أحدهما ثقات". وذكره أيضًا في ٢/ ٢٦٤ وقال: "رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام".
(٨) في آ ش: "يعالج" وهي رواية ثانية.
(٩) في آ، ش، ع: "للذي".
[ ٥٦١ ]
النبي - ﷺ -، قال: "إنَّ الله ليضحَكُ إلى ثلاثةِ نفرٍ: رجل قام من جوف الليل فأحسَنَ الطَّهُورَ ثم صلَّى، ورجل (^١) نام وهو ساجد، ورجل في كتيبة منهزمةٍ على فرسٍ جوادٍ لو شاء أن يذهب لذهب" (^٢).
قال أبو سليمان الداراني: كنت ليلةً باردةً في المحراب، فأقلقني البَرْدُ، فخبَّأْتُ إحدى يديَّ من البرد، وبقِيَتِ الأخرى ممدودةً، فغلبَتْني عيني، فهَتَفَ بي هاتفٌ: يا أبا سليمان، قد وَضَعْنا في هذه ما أصابَها، ولو كانت الأخرى لوضَعْنا فيها. قال: قآليت على نفسي ألَّا أدعُوَ إلَّا ويَدَاي خارجتان؛ حَرًّا كان أو بَرْدًا (^٣). قال مالك ﵀: كان صفوان بن سُليم يصلِّي - يعني بالليل - في الشتاء في السَّطح، وفي الصيف في بطن البيت، يتيقَّظُ بالحَرِّ والبَرْدِ حتى يصبحَ، ثم يقول: هذا الجهدُ من صفوان، وأنتَ أعلمُ به؛ وإنه لَتَرِمُ رِجْلاه حتَّى يعودَ مِثلَ السِّقْطِ من قيام الليل، ثم يظهَرُ فيها (^٤) عروقٌ خُضْرٌ. وكان صفوان وغيرُه من العُبَّاد يُصلَّون في الشتاء بالليل في ثوبٍ واحد، لِيمنعهم البَرْدُ من النوم. ومنهم من كان إذا نَعَسَ ألقَى نفسَه في الماء، ويقول: هذا أهوَنُ من صَديد جهنَّم.
كان عطاء الخراساني ينادِي أصحابَه بالليل: يا فلان، ويا فلان، ويا فلان! قوموا فتوضؤوا وصلُّوا؛ فقيامُ هذا الليل، وصيامُ هذا النهار أهوَنُ مِن شُربِ الصَّديد ومقطعاتِ الحديد غدًا في النار. الوَحَا الوَحَا (^٥)، النَّجاءَ النجاءَ!.
كان قوم من العبَّاد يبيتون في مسجدٍ، وكانوا يتهجَّدون بالليل، فاستيقَظَ واحدٌ منهم ليلةً فوجد إخوانه نيامًا؟ فسمعَ هاتفًا يهتِفُ من جانب المسجد:
_________________
(١) حتى قوله: "لذهب" لم يرد في ا، ش، ع.
(٢) أخرجه ابن ماجه رقم (٢٠٠) في المقدمة: باب فيما أنكرت الجهمية، من حديث أبي سعيد الخدري، ولفظه: "إنَّ الله ليضحك إلى ثلاثة: للصَّف في الصلاة، وللرجل يصلي في جوف الليل، وللرجل يقاتل - أراه قال - خلف الكتيبة". وفي زوائد البوصيري: في إسناده مقال. أورده الألباني في "ضعيف سنن ابن ماجه" برقم ٣٥، وفي "ضعيف الجامع الصغير" برقم ١٦٥٦ وانظرا مجمع الزوائد" ٢/ ٢٥٦.
(٣) أخرجه ابن الجوزي في "صفة الصفوة" ٤/ ٢٢٤.
(٤) في ش، ع: "فيهما"، وفي السير: "فيه". والخبر أخرجه الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ٥/ ٣٦٥، وبنحوه ابن الجوزي في "صفة الصفوة" ٢/ ١٥٣.
(٥) يقال ذلك في الاستعجال، كما تقول: البِدَارَ البِدَارَ. والخبر في "صفة الصفوة" ٤/ ١٥٠ - ١٥١ و"سير أعلام النبلاء" ٦/ ١٤٢ - ١٤٣.
[ ٥٦٢ ]
أيا عَجَبًا للنَّاسِ مَنْ قَرَّتْ (^١) عيونُهُمْ … مطاعِمَ غُمْضٍ بعدَها الموتُ منتَصِبْ
وطولُ قيامِ الليل أيسَرُ مُؤْنَةً (^٢) … وأهوَنُ مِن نَارٍ تَفُورُ وتلتهِبْ
وفي الحديث الصحيح أن ابن عمر رأى في منامه كأنَّ آتيًا أتاهُ فانطلَقَ به إلى النار حتى رآها، ورأى فيها رجالًا يعرفهم (^٣) معلَّقين بالسلاسل، فأتاه مَلَكٌ، فقال له: لم تُرَع (^٤)، لستَ من أهلها. فقصَّ ذلك على أخته حفصةَ، فقصَّته حفصةُ على رسول الله - ﷺ -، فقال: "نِعْمَ الرجلُ عبدُ الله لو كان يُصلِّي من الليل". فكان ابنُ عمر بعد ذلك لا ينام من الليل إلَّا قليلًا (^٥). قال الحسن: أفضَلُ العبادة الصَّلاةُ في جَوْف الليل. وقال: هو أقربُ ما يُتَقَرَّبُ به إلى الله ﷿. وقال: ما وجدْتُ في العبادة أشدَّ منها. ورُؤي سلَمَةُ بنُ كُهَيْلٍ في المنام، فقال: وجدْتُ أفضَلَ الأعمال قيامَ الليل، ما عندَهم أشرفُ منه. ورأى بعضُ السَّلف خِيامًا ضُربت، فسأل: لمن هي؟ فقيل: للمتهجِّدين بالقرآن، فكان بعد ذلك لا ينام.
فما لي بعيدُ الدَّار لا أقرَبُ (^٦) الحِمَى … وقد نُصِبَتْ للسَّاهرين (^٧) خِيامُ
علامةُ طَرْدِي طولُ ليليَ نائمٌ … وغَيري يَرَى أنَّ المنامَ حَرَامُ
ومن الصالحين مَن كان يلطُفُ به في الحَرِّ والبَرْدِ، كما دعا النبي - ﷺ - لعليٍّ أن يُذهِبَ الله عنه الحَرَّ والبَرْدَ، فكان يلبَسُ في الشتاء ثيابَ الصيف، وفي الصيف ثيابَ الشتاء، ولا يجدُ حَرًّا ولا بَرْدًا (^٨). وكان بعضُ التابعين يشتَدُّ عليه الطَّهور في الشتاء،
_________________
(١) في آ، ش: "لذت".
(٢) المُؤْنَة: القوت، جمع مُؤَن.
(٣) في آ، ش: "لا يعرفهم".
(٤) في ب، ط: "لن تُراعَ".
(٥) أخرجه البخاري ١٢/ ٤٠٣ في التعبير، باب الاستبرق ودخول الجنة في المنام، وباب الأمن وذهاب الروع في المنام، وفي فضائل أصحاب النبي - ﷺ -: باب مناقب عبد الله بن عمر، وغير ذلك. وأخرجه مسلم رقم (٢٤٧٨) و(٢٤٧٩) في فضائل الصحابة: باب من فضائل عبد الله بن عمر. وللحديث روايات عدة، انظرها في "جامع الأصول" ٢/ ٥٤١ - ٥٤٣.
(٦) في ب، ط: "لم أقرب".
(٧) في ب، ط: "للسائرين".
(٨) من حديث أخرجه ابن ماجه رقم (١١٧) في المقدمة: باب فضائل أصحاب رسول الله - ﷺ -، عن ابن أبي ليلى. وفي زوائد البوصيري: إسناده ضعيف، ابن أبي ليلى شيخ وكيع، وهو محمد، ضعيف الحفظ، لا يحتج بما ينفرد به. غير أن الشيخ الألباني أورده في "صحيح ابن ماجه" برقم ٩٥ ورمز له بالحسن، وذلك بطريقين آخرين، في أوسط الطبراني، وحسنه الهيثمي في "مجمع الزوائد".
[ ٥٦٣ ]
فدعا الله ﷿، فكان يؤتى بالماء في الشتاء وله بخارٌ من حَرِّهِ. رأى أبو سليمان في طريق الحجِّ في شدِّة البَرْدِ شيخًا عليه خُلْقَان (^١) وهو يرشَحُ عَرَقًا، فعجِبَ منه وسأله عن حاله، فقال: إنَّما الحَرُّ والبَرْدُ خَلْقان لله ﷿؛ فإنْ أمَرَهما أن يغشياني أَصاباني، وإنْ أمَرَهما أن يتركاني تركاني، وقال: أنا في هذه البَرِّيَّةِ من ثلاثين سنة، يُلْبِسُني في البَرْد فَيْحًا من محبَّته، ويُلْبِسُني في الصيف بَرْدًا من محبَّته. وقيل لآخر وعليه خِرقتان في يَوْمِ بَرْدٍ شديدٍ: لو استترْتَ في موضعٍ يُكِنُّكَ مِن البَرْدِ. فأنشد:
وَيَحْسُنُ ظنِّي أنَّني في فِنائِه … وَهَلْ أَحَدٌ في كِنِّهِ يَجِدُ البَرْدَا
وأمَّا من يجد البَرْدَ، وهم عامة الخلق، فإنَّه يُشرَعُ لهم دفعُ أذاهُ بما يدفعُهُ مِن لباسٍ وغيرِه. وقد امتَنَّ الله على عباده بأن خلَقَ لهم من أَصوافِ بهيمةِ الأنعام وأوبارِها وأشعارها ما فيه دِفْءٌ لهم، قال الله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (^٢)، وقال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (^٣). روى ابن المبارك، عن صفوان بن عمرو، عن سُلَيم بن عامر، قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا حضر الشتاءُ تعاهَدَهُم وكتَبَ لهم بالوصِيَّة: إنَّ الشتاء قد حضَرَ وهو عدُوٌّ فتأهَّبُوا له أُهْبَتَهُ مِنَ الصَّوفِ والخِفَافِ والجوارِبِ، واتخِذُوا الصُّوفَ شعارًا ودِثارًا؛ فإنَّ البَرْدَ عدُوٌّ؛ سريعٌ دخولُه، بعيدٌ خروجُه. وإنما كان يَكتبُ بذلك عُمَرُ إلى أهل الشام لمَّا فُتحت في زمنه، فكان يخشَى على مَنْ بها من الصَّحابة وغيرهم مِمَّن لم يكن له عهد بالبَرْدِ أن يتأذَّى ببردِ الشامِ؛ وذلك من تمام نصيحته وحسْن نظرِه وشفقته وحياطتِه لرعيَّتِه ﵁.
ورُوي عن كعبٍ، قال: أوحَى الله تعالى إلى داودَ ﵇: أن تأهَّبْ لعدُوٍّ قد أظلَّكَ. قال: يا ربّ، مَن عدُوِّي وليس بحضرتي عدُوٌّ؟ قال: بلى، الشِّتاءُ. وليس المأمور به أن يتَّقي البَرْدَ حتى لا يصيبَه منه شيء بالكُلِّيَّة؛ فإنَّ ذلك يَضُرُّ أيضًا. وقد
_________________
(١) في آ، ش، ع: "أخلاق"، وهما بمعنى.
(٢) سورة النحل الآية ٥.
(٣) سورة النحل الآية ٨٠.
[ ٥٦٤ ]
كان بعضُ الأمراء يصُونُ نفسَه من الحَرِّ والبَرْدِ بالكُليَّة حتى لا يُحِسَّ بهما بدَنُه، فَتَلِفَ باطنُه وتُعجِّل موتُه. فإن الله تعالى بحكمته جَعَلَ الحَرَّ والبَرْدَ في الدنيا لمصالح عِباده؛ فالحَرُّ لتحلُّلِ الأخلاط، والبَرْدُ لجمودِها؛ فمتَى لم يُصبِ الأبدانَ شيء من الحَرَّ والبَرْدِ تعجَّلَ فسادُها، ولكن المأمورُ به اتقاءُ ما يؤذِي البَدَنَ من ذلك، فإن الحَرَّ المؤذِي، والبرد المؤذي معدودان من جملة أعداء بني (^١) آدم. قيل لأبي حازم الزاهد: إنك لتشدِّدُ، يعني في العبادة. فقال: وكيفَ لا أُشَدِّدُ وقد ترصَّد لي أربعةَ عَشَرَ عدُوًّا. قيل له: لكَ خاصَّةً؟ قال: بل لجميع من يعقِلُ. قيل له: وما هذه الأعداء؟ قال:
أمَّا أربعةٌ فمؤمِنٌ يحسُدني، ومنافِقٌ يبغُضُني، وكافِرٌ يقاتِلُني، وشيطان يُغويني ويُضِلُّني. وأَمَّا العشرَةُ: فالجوعُ، والعطشُ، والحَرُّ، والبَرْدُ، والعُرْيُ، والمَرَضُ، والفاقَةُ، والهَرَمُ، والمَوْتُ، والنَّارُ؛ ولا أطيقُهُنَّ إلَّا بسلاحٍ تامٍّ، ولا أجِدُ لَهُنَّ سِلاحًا أفضَلَ مِن التقوَى. فَعَدَّ الحَرَّ والبَرْدَ من جملة أعدائه.
وقال الأصمعي: كانت العربُ تُسمِّي الشتاءَ الفاضِحَ، فقيل لامرأة منهم: أيُّما أشَدُّ عليكم؛ القيظُ أم القُرُّ؟ قالت: سبحان الله! مَنْ جعل البؤس كالأذى؟ فجعلت الشتاءَ بؤسًا، والقيظَ أذىً. قال بعضُ السَّلف: إن الله تعالى وصَفَ الجنَّة بصفة الصَّيف لا بصفة الشتاء، فقال تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ (^٢). وقد قال الله تعالى في صفة أهل الجنة: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٣] (^٣)؛ فنفَى عنهم شِدَّة الحَر والبَرْدِ. قال قَتَادة: علِمَ الله أن شِدَّةَ الحَر تؤذِي، وشدَّةَ البَرْدِ تؤذِي؟ فوقاهم أذاهما جميعًا.
قال أبو عمرو بن العلاء: إني لأبغُضُ الشتاءَ لنقص الفروضِ، وذهابِ الحقوقِ،
_________________
(١) في ب، ط: "ابن آدم".
(٢) سورة الواقعة الآيات ٢٨ - ٣٢.
(٣) سورة الإنسان الآية ١٣.
[ ٥٦٥ ]
وزيادةِ الكُلْفةِ على الفقراء. وقد روي في حديثٍ مرفوعٍ: أن الملائكة تفرَحُ بذهاب الشتاء؛ لما يدخُلُ فيه على فقراء المؤمنين من الشِّدَّة. ولكن لا يصحُّ إسنادُه. ورُوي أيضًا مرفوعًا: "خيرُ صيفِكُم أشدُّهُ حرًّا، وخيرُ شتائكم أشدُّه بردًا، وإن الملائكة لتبكي في الشتاء رحمةً لبني آدم،. وإسنادُه أيضًا باطل. وقال بعضُ السلف: البَرْدُ عدُوُّ الدِّين. يشير إلى أنَّه يُفتِرُ عن كثيرٍ من الأعمال، ويُثبِّطُ عنها، فتكسَلُ النفوس بذلك. وقال بعضُهم: خُلِقَتِ القلوبُ من طينٍ؛ فهي تلين في الشتاء كما يَلين الطينُ فيه.
قال الحسن: الشِّتاءُ ذَكَرٌ فيه اللّقاحُ، والصَّيفُ أنثى فيه النَّتَاجُ؛ يشيرُ إلى أن الصيف تُنتَجُ فيه المواشي والشجرُ. والصيفُ عند العرب هو الرَّبيع، وأمَّا الذي تسميه الناسُ الصيفَ فالعربُ يسمُّونه القيْظَ. ففي الشتاء تغور الحرارة إلى باطن الشجر فتنعقدُ موادُّ الثمر، فتظهر في الربيع مباديها، فتزهر الشجَرُ، ثم تورِقُ، ثم إذا ظهرت الثمارُ قوِي حَرُّ الشمس؛ لإنضاجها. الإيثارُ في الشتاء للفقراء (^١) بما يدفع عنهم البَرْدَ له فَضْلٌ عظيمٌ؛ خَرَج صفوان بن سُليم في ليلةٍ باردةٍ بالمدينة من المسجد، فرأى رجلًا عاريًا، فنزع ثوبَهُ وكساه إياه، فرأى بعضُ أهلِ الشام في منامه أن صفوان بن سُلَيمٍ دخل الجنة بقميصٍ كساهُ، فقدِمَ المدينة، فقال: دلوني على صَفوانَ، فأتاه فقصَّ عليه ما رأى (^٢).
رأي مِسْعَرٌ (^٣) أعرابيًا يتشرَّق (^٤) في الشمس، وهو يقول:
جاء الشتاءُ وليس عندِي دِرْهَمٌ … ولقد يُخصُّ بمثلِ ذاكَ المُسْلِمُ
قد قطع النَّاس الجبابَ وغيرَها … وكأَنني بِفِناءِ مكة مُحرِمُ
فنزع مِسْعَرٌ جبَّته فألبسَهُ إيَّاها.
_________________
(١) في ش، ع: "والإيثار للفقراء في الشتاء".
(٢) صفة الصفوة ٢/ ١٥٤.
(٣) هو مِسْعَر بن كِدام بن ظُهَير بن عبيدة، أبو سلمة الهلالي، الكوفي، شيخ العراق، ثقة ثبت فاضل، جمع العلم والورع، توفي سنة ١٥٥ هـ. (سير أعلام النبلاء ٧/ ١٦٣ - ١٧٣).
(٤) أي جلس يستدفئ في الشمس وقت الشروق.
[ ٥٦٦ ]
رُفع إلى بعض الوزراء الصالحين أن امرأة معها أربعةُ أطفال أيتام وهم عراةٌ جياعٌ، فأمر رجلًا أن يمضيَ إليهم ويحمِلَ معه ما يُصلِحُهم من كسوةٍ وطعامٍ، ثم نزع ثيابَه وحلَفَ: لا لبستها ولا دفيت حتى تعودَ وتخبرني أنك كسوْتهم وأشبَعْتهم، فمضَى وعاد وأخبره أنهم اكتسوا وشبعوا وهو يُرعد من البرد، فلبسَ حينئذٍ ثيابَه، خرَّج الترمذي (^١) من حديثِ أبي سعيد مرفوعًا: "من أطعم مؤمنًا على جوعٍ أطعَمَهُ الله يوم القيامة مِن ثمار الجنَّة، ومَن سَقَاهُ على ظمإٍ سقاهُ الله يوم (^٢) القيامة من الرَّحيق المختوم، ومَن كَسَاهُ على عُرْيٍ كسَاهُ الله مِن خُضْر الجنة". وروى ابنُ أبي الدنيا (^٣) بإسناده، عن ابن مسعودٍ، قال: "يُحشَرُ الناس يومَ القيامة أعْرَى ما كانوا قَطُّ، وأجوَعَ ما كانوا قطُّ، وأظمأَ ما كانوا قطُّ؛ فمن كَسا لله ﷿ كساهُ الله، ومن أطعم لله أطعمَهُ الله، ومَنْ سَقَى لله سقَاهُ اللهُ، ومن عَفَا لله عَفَا (^٤) الله عنه".
ومِن فضائل الشتاء أنَّهُ يذكِّر بزمهرير جهنَّم، ويوجب الاستعاذةَ منها.
وفي حديث أبى هريرة وأبي سعيد عن النبي - ﷺ -، قال: "إذا كان يومٌ شديدُ البرد، فإذا قال العَبْدُ: لا إله إلا الله، ما أشَدَّ بَرْدَ هذا اليوم! اللهم، أجِرْني من زمهرير جهنَّم، قال الله تعالى لجهنم: إن عبدًا من عبيدي (^٥) استجار بي من زمهريركِ، وإنِّي أُشهِدُكِ أنِّي قد أجَرْته. قالوا: وما زمهريرُ جهنَّم؟ قال: بيت يُلقى فيه الكافر فيتميَّز من شِدَّة برده". قام زُبَيد الياميُّ ذاتَ ليلة للتهجُّد، فعمَدَ إلى مَطْهَرةٍ له كان يتوضأ منها، فغمَسَ يَدَهُ في المَطْهَرة، فوجد الماءَ باردًا شديدًا كاد أن يجمُدَ من شِدَّة برده؛ فذكر الزمهريرَ ويدُه في المَطْهَرة، فلم يُخرِجْها حتى أصبح. فجاءت جاريته وهو على تلك
_________________
(١) رواه الترمذي رقم (٢٤٤٩) في صفة القيامة، باب رقم ١٨، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب، وقد روي هذا عن عطية عن أبي سعيد موقوفًا، وهو أصح عندنا وأشبه". وبنحوه في "سنن أبي داود" رقم (١٦٨٢) في الزكاة: باب في فضل سقي الماء. وأخرجه المنذرى في "التركيب" ٢/ ٦٦ وقال: "رواه الترمذي واللفظ له، وأبو داود".
(٢) قوله: "يوم القيامة" لم يرد في ب، ط.
(٣) أخرجه المنذري في "الترغيب" ٢/ ٦٦ وقال: "رواه ابن أبي الدنيا في كتاب اصطناع المعروف، موقوفًا على ابن مسعود". ثم ذكر لفظه فيه، وقال: "وروي مرفوعًا بهذا اللفظ".
(٤) في ب، ط: "أعفاه الله".
(٥) في ش، ط: "عبادي".
[ ٥٦٧ ]
الحال، فقالت: ما شأنُك يا سيدي؟ لم تصلّ (^١) الليلة كما كنتَ تُصلِّي، وأنت قاعدٌ هنا على هذه الحالة؟ فقال: ويحكِ! إنِّي أَدخلْت يدي في هذه المَطْهَرة فاشتَدَّ عليَّ برْدُ الماء، فذكرْتُ به الزمهرير، فواللهِ ما شعرتُ بشدَّة برْدِه حتَّى وقفْتِ عليَّ، فانْظري، لا تُحدِّثي بهذا أحدًا ما دمتُ حيًّا. فما علِمَ بذلك أَحدٌ حتى مات ﵀. في الحديث الصحيح (^٢) عن النبي - ﷺ -، قال: "إن لجهنم نَفَسَين؛ نَفَسًا في الشتاء، ونَفَسًا في الصيف، فأشَدّ ما تجدون من البرْدِ من زَمهريرها، وأشَدّ ما تجدون مِن الحَرِّ من سَمُومها".
وروي عن ابن عباس، قال: يستغيثُ أهلُ النار من الحَرِّ فيُغاثون بريحٍ باردةٍ يُصَدِّعُ العِظامَ بَرْدُها، فيسألون الحَرَّ. وعن مجاهدٍ، قال: يهربون إلى الزمهرير، فإذا وقَعُوا فيه حَطَّمَ عِظَامَهُم حتى يُسمَعَ لها نَقيضٌ. وعن كعْبٍ، قال: إنَّ في جهنَّم بردًا هو الزَّمهرير، يُسقِطُ اللحمَ حتى يستغيثوا بِحَرِّ جهنَّم.
وعن عبد الملك بن عُميرٍ، قال: بلغني أن أهل النار سألوا خازِنَها أن يخرجَهُم إلى جانبها (^٣)، فأُخْرِجوا فقتلهم البَرْدُ والزمهرير، حتى رجعوا إليها فدخلُوها ممَّا وجدوا (^٤) من البَرْد، وقد قال الله ﷿: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا﴾ (^٥). وقال الله تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ (^٦).
قال ابنُ عباس: الغسَّاق: الزَّمْهرير البارِدُ الذي يُحرِقُ مِن بَرْدِه. وقال مجاهد: هو الذي لا يستطيعون أن يذوقوه مِن بردِه. وقيل: إنَّ الغسَّاقَ الباردُ المنتنُ؛ أجارنا اللهُ تعالى من جهنم بفضله وكرمه. يا مَن تتلى عليه أوصافُ جهنَّم، ويشاهِدُ تنفُّسَها كلَّ عامٍ حتى يُحسَّ به ويتألَّمَ وهو مصرٌّ على ما يقتضي دخولها، مع أنَّه يعلم، ستعلم إذا
_________________
(١) في ب، ط: "لِمَ لا تصلِّي"، وفي آ: "لِمَ لم تصلِّ"، وفي ش، ع: "لم تصلي".
(٢) أخرجه الشيخان والترمذي وابن ماجه، وقد سبق ذكره وتخريجه في بداية "المجلس الثاني في ذكر فصل الصيف".
(٣) في آ: "جبالها"، وفي ش، ع: "جنباتها".
(٤) في ب، ط: "وجدوه".
(٥) سورة النبأ الآيات ٢٤ - ٢٦.
(٦) سورة ص الآية ٥٧.
[ ٥٦٨ ]
جيء بها تُقاد بسبعين ألف زمامٍ مَن يندَمُ. ألكَ صبرٌ على سَعِيرها وَزَمهريرها؟ قلْ وتكلَّم، ما كان صلاحُك يُرجَى، والله أعلم.
كم يكونُ الشتاءُ ثم المصِيفُ … وَرَبيعٌ يَمْضِي وَيأتي الخريفُ
وارْتِحال من الحَرُورِ إلى البَرْ … دِ وَسَيْفُ الرَّدَى عليك مُنيفُ
يا قلِيلَ المُقَامِ في هذه الدُّنيا … إلى كَمْ يَغُرُّك التَّسويفُ
يا طالبَ الزَّائلِ حتَّى مَتَى … قلبُك بالزَّائل مشغُوفُ (^١)
عَجَبًا لامرئٍ يذِلُّ لذي الدُّنيا … ويكفِيه كُلَّ يومٍ رغيفُ
* * *