خرَّجا (^٧) في "الصحيحين" من حديث أبي سعيد الخدريِّ ﵁، أن النَّبيَّ - ﷺ - جَلَسَ على المنْبرِ، فقال: "إنَّ عَبْدًا خيَّرَهُ اللهُ بينَ أنْ يؤتيَهُ مِنْ زَهْرَة الدُّنيا ما شاءَ، وبينَ ما عندَهُ، فاخْتَارَ ما عندَه". فبكَى أبو بكر [وبَكَى] (^٨)، وقال: يا رسول اللهِ،
_________________
(١) رواه أحمد في "المسند" ٢/ ٤٨٤. والبخاري في "الأدب المفرد" رقم (٦١) و(٤١١) وما بين حاصرتين زيادة منه، وهو حديث حسن.
(٢) الصروف: جمع صَرْفٍ، وهو حِدْثان الدهر ونوائبه. والحتف: الموت. وكأس مترع: ممتليء.
(٣) في ب، ط: "تدور".
(٤) دَرَسَ الشيءُ والرَّسْمُ: عفا، ودرسته الريح. واستعاره هنا ليدل على موت الإنسان وفنائه.
(٥) يوم قمطرير: يوم شديد العبوس، واقمطرَّ يومنا: اشتدَّ. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٠].
(٦) في ب: "زاد".
(٧) لفظة: "خرجا" لم ترد في (ط).
(٨) لفظة: "وبكى" من "صحيح مسلم" و"جامع الأصول" ٨/ ٥٨٧. وقال الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي في حاشية "صحيح مسلم": هكذا هو في جميع النسج: "فبكى أبو بكر وبكى" معناه بكى كثيرًا ثم بكى.
[ ١٩١ ]
فديناكَ بآبائِنا وأمَّهاتنا، [قال: فعجِبْنا، وقال النَّاسُ: انظُروا إلى هذا الشيخِ! يُخبِرُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عن عبدٍ خيَّرَهُ الله بينَ أنْ يؤتيَهُ بن زَهْرَةِ الدُّنيا ما شَاءَ، وبينَ ما عندَ اللهِ، وهو يقول: فديناكَ بآبائنا وأُمَّهَاتِنا] (^١).
قال: فكان رَسُولُ اللهِ - ﷺ - هو المخيَّرُ، وكان أبو بكرٍ هو أعلمنا بهِ. فقال النَّبيُّ - ﷺ -: "إنَّ مِن أمنِّ النَّاسِ عليَّ في صُحبتِهِ ومالِهِ أبوبكرٍ، ولو كُنْتُ متَّخِذًا مِن أهلِ الأَرْض خليلًا لاتَّخذْتُ أبا بكرٍ خليلًا، ولكنْ أُخوَّةُ الإِسلام، لا تَبْقَى في المَسْجِدِ خوْخَةٌ إلَّا سُدَّتْ، إلَّا خَوْخَة أبي بكرٍ، ﵁" (^٢).
اعلم أن (^٣) الموتَ مكتوبٌ على كل حيٍّ مِن الأنبياء والرُّسلِ وغيرِهم. قال الله تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (^٤). وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (^٥) الآية. وقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (^٦) [الآيتين] (^٧)، [إلى قوله: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾] (^٨).
خَلَقَ الله تعالى آدَمَ مِن تُراب الأرْضِ، ونَفَخَ فيه مِن رُوحِهِ، فكانَتْ رُوحُهُ فِي جَسَدِه وأرواحُ ذريَّتِهِ في أجسادِهِمِ في هذهِ الدَّارِ عارِيَّةً (^٩)، وقضَى عليه وعَلَى ذريَّتِه أنَّه لا بُدَّ مِن (^١٠) أن يَسْتَرِدَّ أرواحَهُم مِن هذه الأجْسَادِ، ويُعِيدَ أَجْسَادَهُم إلى ما خُلِقَتْ منه، وهو التُّرابُ، ووعَدَ أنْ يُعيدَ الأَجسادَ مِنَ الأرْضِ مَرَّةً ثانيةً، ثُمَّ يردَّ إليها الأرواحَ مرَّةً ثانيةً تمليكًا دائمًا لا رَجْعَةَ فيه في دارِ البَقَاءِ.
_________________
(١) ما بين حاصرتين لم يرد في (أ).
(٢) رواه مسلم رقم (٢٣٨٢) في فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق ﵁؛ والترمذي رقم (٣٦٦٠) في المناقب، باب رقم (١٥). ورواه بنحوه البخاري رقم (٣٦٥٤) في فضائل الصحابة، باب: قول النبيِّ - ﷺ -: "سدُّوا" الأبواب إلا باب أبي بكر".
(٣) قوله: "اعلم أن" لم يرد في (ب، ش، ع، ط).
(٤) سورة الزمر، الآية ٣٠.
(٥) سورة الأنبياء، الآيتان ٣٤، ٣٥.
(٦) سورة آل عمران. الآية ١٤٤.
(٧) زيادة من ب، ش، ع.
(٨) زيادة من نسخة (آ).
(٩) العاريَّة: العارَةُ، وهو ما تعطيه لغيرك على أن يعيده إليك. وأعاره الشيء إعارة وعارَةً: أعطاه إيَّاه عارِيَّةً.
(١٠) لفظ: "من" لم يرد في (آ، ع).
[ ١٩٢ ]
قال الله تعالى: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ (^١). وقال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (^٢). وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ (^٣).
وأرانا دليلًا في هذه الدارِ على إعادةِ الأجسادِ مِنَ التراب بإنباتِ الزَّرْعِ مِنَ الأرضِ، وإحياءِ الأرض بعدَ مَوْتهَا بالمطرِ، ودَليلًا على إعادةِ الأرواحِ إلى أجسادِها (^٤) بعدَ المفارقةِ بقَبْضِ أرواحِ العِبادِ في مَنامِهِم، وَرَدِّهَا إليهم في يَقَظتِهم، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٥).
وفي "مسند البزار"، عن أنس، أن النَّبيَّ - ﷺ - قال لهم لمَّا ناموا عَنِ الصَّلاةِ: " [أَيها النَّاس] (^٦)، إنَّ هَذِهِ الأَرْوَاحَ عَارِيَّةٌ في أجْسَادِ العِبادِ فيقبضُها إذا شاء ويُرْسِلُها إذا شاءَ" (^٧).
استعِدِّي للموت (^٨) يا نفسُ واسْعَيْ … لِنَجَاةٍ فالحازِمُ المُسْتَعِدُّ
قَدْ تَيَقَّنْتُ أَنَّه لَيْسَ لِلْحَيِّ … خُلودٌ ولا مِنَ المَوْتِ بُدُّ
إنَّما أَنْتِ مُسْتَعِيرَةٌ ما سَوْ … فَ تَرُدِّينَ والعوارِي تُرَدّ
غيرُه:
فمَا أَهْلُ الحَياةِ لَنَا بأهْلٍ … ولا دَارُ الفَنَاءِ (^٩) لَنَا بِدارِ
وَمَا أَمْوَالُنا والأهْلُ فيها … ولا أولادُنا إلَّا عَوَارِي
وأنفُسُنا إلى أَجَلٍ قريبٍ … سيأخُذُها المُعِيرُ مِنَ المُعارِ
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية ٢٥.
(٢) سورة طه، الآية ٥٥.
(٣) سورة نوح، الآيتان ١٧، ١٨.
(٤) في آ: "إعادة الأرواح معًا إلى أجسادها".
(٥) سورة الزمر، الآية ٤٢.
(٦) ما بين حاصرتين زيادة من "كشف الأستار عن زوائد البزّار" للحافظ الهيثمي (١/ ٢٠٠).
(٧) هو في "كشف الأستار" رقم (٣٩٦) في الصلاة، باب: فيمن نام عن صلاة أو نسِيها.
(٨) في آ: "يا نفس للموت".
(٩) في ب، ش، ع، ط: "الحياة".
[ ١٩٣ ]
مفارقَةُ الجَسَدِ للرُّوحِ لا تَقَعُ إلَّا بعدَ ألمٍ عظيم تذُوقُه الرُّوحُ والجَسَدُ جميعًا، فإنَّ الرُّوح قد تعلَّقَتْ بهذا الجَسَدِ وأَلِفَتْهُ، واشتدَّتْ أُلفتُها له وامتزاجُها به ودُخُولُها فيه (^١)، حتَّى صارا كالشيءِ الواحِدِ، فلا يَتَفَارقانِ إلَّا بجُهدٍ شديدٍ وألمٍ عظيمٍ، ولم يذق (^٢) ابنُ آدَمَ في حياتِه ألمًا مثلَه، وإلى ذلك الإِشارَةُ بقولِ اللهِ ﷿: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (^٣). قَالَ الرَّبِيْعُ بن خُثَيْم (^٤): أكثِرُوا مِن (^٥) ذِكرِ هذا الموتِ؛ فإنَّكُم لم تَذُوقوا قبلَه مثلَه.
ويتزايدُ الألمُ بمعرفةِ المحتضرِ بأنَّ (^٦) جسَدَهُ إذا فَارقَتْه الرُّوحُ صارَ جِيفةً مستقذَرَةً يأكُلُه الهوامُّ (^٧)، ويبلِيه التُّرابُ حتَّى يعودَ (^٨) ترابًا، وأنَّ الرُّوحَ المفارِقةَ له لا تَدرِي أينَ مُسْتَقرُّها، هَلْ هو في الجنَّةِ أو النَّارِ؟ فإن كان عاصيًا مُصِرًّا على المعصيةِ إلى الموتِ، فربَّما غَلَبَ على ظَنِّه أن روحَهُ تَصِيرُ إلى النَّارِ، فتتضَاعَفُ بذلك حَسْرَتُه وألمُه، ورُبَّما كُشِفَ له مَعَ ذلك عَنْ مَقْعَدِهِ مِنَ النَّارِ فيرَاهُ (^٩) أو يُبَشَّرُ بذلك، فيجتمعُ له مَعَ كَرْب الموتِ وألمِه العظيمِ مَعْرفتُه بسوءِ مَصِيرِه، وهذا هُوَ المرادُ بقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ (^١٠) على ما فسَّره (^١١) كثيرٌ مِن السَّلَفِ (^١٢)، فيجتمعُ عليه سَكْرة الموتِ مَعَ حَسْرةِ الفَوْتِ، لا تسألْ عن سُوءِ حالِهِ.
وقد سمَّى اللهُ تعالى ذلك سَكْرَةً؛ لأنَّ ألَم المَوْتِ مَعَ ما يَنْضمُّ إليه يُسْكِرُ صاحبَهُ فيَغيبُ عقلُه غالبًا، قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ (^١٣).
أَلا لِلْمَوْتِ كأسٌ أيُّ كَأْسِ … وأَنْتَ لِكأسِهِ لابُدَّ حاسِي
إلى كَمْ والمَماتُ إلى قَريبٍ … تُذَكَّرُ بالمَمَاتِ وأنتَ ناسِي
_________________
(١) في آ: "واشتد ألفتها له وامتزاجها ودخولها فيه".
(٢) في آ: "لم يألم".
(٣) سورة آل عمران، الآية ١٨٥، والأنبياء ٣٥، والعنكبوت ٥٧.
(٤) في آ: "الربيع بن خيثم" وهو تحريف. وانظر "سير أعلام النبلاء" ٤/ ٢٥٨.
(٥) لفظ: "من" لم يرد في (ب، ش، ع، ط).
(٦) في آ، ش، ط: "فإن"، وأثبت ما جاء في (ب، ع).
(٧) الهَوَامُّ: مثل دابَّةٍ ودوابَّ، وقد تطلق الهوامُّ على ما لا يَقْتلُ كالحشرات.
(٨) في آ: "يَصيرَ".
(٩) في ب، ش، ط: "فرآه".
(١٠) سورة القيامة، الآية ٢٩.
(١١) في ب، ش، ط "ما فسر به".
(١٢) انظر: "تفسير الطبري" ٢٩/ ١٢١ - ١٢٢ و"تفسير ابن كثير" ٤/ ٤٥١.
(١٣) سورة ق، الآية ١٩.
[ ١٩٤ ]
وقد أمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بكثرَةِ ذِكْرِ الموتِ، فقال: "أكثِرُوا ذِكْرَ هادِمِ اللَّذَّاتِ، [يعني] الموتَ (^١) " (^٢). وفي حديثٍ مرسَلٍ أنَّه - ﷺ - مَرَّ بمجلِسٍ قد اسْتَعْلَاهُ الضَّحِكُ، فقال: "شُوبُوا (^٣) مَجْلِسَكُم بِذِكْرِ مُكَدِّر اللَّذَّات" الموت (^٤). وفي الإِكثارِ مِنْ ذِكْرِ المَوْتِ فوائدُ؟ منها: أَنَّه يَحُثُّ علَى الاسَتِعدادِ لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ، ويُقَصِّرُ الأمَلَ، ويُرضِي بالقليلِ مِنَ الرِّزِقِ، ويُزهِّدُ في الدُّنيا، ويُرغِّبُ في الآخرة، ويُهَوِّنُ مَصَائبَ الدُّنيا، ويمنَعُ مِن الأَشَرِ والبَطَرِ والتَّوسُّعِ في لَذَّات الدُّنْيا. وفي حديث أبي ذرٍّ المرفوع الذي خرَّجه ابنُ حِبَّانَ في "صحيحه" وغيرُه: "أن صُحفَ مُوسَى - ﵇ - كانَتْ عِبَرًا كلُّها (^٥): عَجبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بالموتِ كيفَ يَفْرَحُ! عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بالنَّارِ كَيْفَ يَضْحَكُ! عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بالقَدَرِ كَيْفَ يَنْصَبُ (^٦)! عجِبْتُ لِمَنْ رَأَى الدُّنيا وسُرْعَةَ تقلُّبِها بأهلِها كيفَ يطمئِنُّ إليها! " (^٧).
وقد رُوِي أنَّ الكَنْزَ الذي كانَ للغلامَيْنِ (^٨) كان لوحًا من ذَهَبٍ مكتوب فيه هذا أيضًا.
قال الحسن (^٩): إنَّ هذا الموتَ قد أفسَدَ على أهلِ النَّعِيم نعيمَهُم، فالْتَمِسُوا
_________________
(١) لفظة: "الموت" لم ترد في (آ)، ووردت في ب، ش، ع، ط، وهي ليست من الحديث بل من شرح الإمامين الترمذي وابن ماجه؛ ولفظة: "يعني" زيادة منهما.
(٢) رواه الترمذي رقم (٢٣٠٧) في الزهد، باب: ما جاء في ذكر الموت، وأحمد في "المسند" ٢/ ٢٩٣، وابن ماجه رقم (٤٢٥٨) في الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، وهو حديث صحيح.
(٣) شاب الشيء: خَلَطَه.
(٤) ذكره السيوطي في "الجامع الصغير" رقم (٤٩٠٨) بلفظ "شوبوا مجالسكم" وعزاه إلى ابن أبي الدُّنيا في ذكر الموت عن عطاء الخراساني مرسلًا، وهو حديث ضعيف.
(٥) في آ: "عبرًا وأمثالًا"، وفي ب، ش، ع: "عبرًا فيها"، وأثبت ما جاء في ط وصحيح ابن حبان.
(٦) النَّصَب: الإعياء والتعب.
(٧) هو جزء من حديث طويل جدًّا، رواه ابن حبان في صحيحه ٢/ ٦٥ رقم (٣٦١) ورقم (٩٤)، (موارد الظمآن) باب: السؤال للفائدة، وقال في آخره: وفي سنده إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، قال أبو حاتم وغيره: كذاب. وانظر تخريجه في حاشية محقق صحيح ابن حبان ٢/ ٦٨ - ٦٩.
(٨) أي في قوله تعالى [الكهف: ٨٢]: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ …﴾. وفي تفسير الطبري (١٥/ ٥ - ٦) عن الحسن، قال عن الكنز: إنه لوح من ذهب مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم! عجبت لمن يؤمن كيف يحزن؟ وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح؟ وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟ لا إله إلا الله محمد رسول الله.
(٩) يعني الحسن بن يسار البصري التابعي الكبير، رحمه الله تعالى.
[ ١٩٥ ]
عَيْشًا لا مَوْتَ فِيهِ. وقال: فَضَحَ المَوْتُ الدنيا فلَمْ يَدَعْ لِذِي لُبٍّ بها فرحًا. وقال غيرُه: ذَهَبَ ذِكْرُ المَوْتِ بِلَذَاذَةِ كُلِّ عَيْشٍ، وسُرورِ كُلِّ نعيمٍ، ثم بَكَى. وقال: واهًا لدارٍ لا مَوْتَ فيها.
اذْكُرِ المَوْتَ هاذِمَ اللَّذَّاتِ … وتهيَّأْ لِمَصْرَعٍ سَوْفَ ياتِي
غيره (^١):
يا غَافِلَ القَلْبِ عَنْ ذِكْرِ المَنيَّاتِ … عَمَّا قَلِيلٍ سَتُلْقَى بَينَ أَمْوَاتِ
فاذْكُرْ مَحَلَّكَ مِن قبلِ الحُلُولِ بِهِ … وَتُبْ إلى اللهِ مِنْ لَهْوٍ وَلَذَّاتِ
إنَّ الحِمَامَ (^٢) لَهُ وَقْتٌ إلى أجَلٍ … فاذْكُرْ مَصَائِبَ أيَّامٍ وَسَاعاتِ
لا تَطمئِنَّ إلى الدُّنيا وَزينتِها … قَدْ آنَ لِلْمَوْتِ يا ذا اللُّبِّ أنْ ياتِي
قال بعضُ السَّلفِ: شيئانِ قَطَعا عَنِّي لذاذةَ الدنيا (^٣)؛ ذِكْرُ المَوْتِ، والوُقُوفُ بينَ يَدَي اللهِ ﷿.
وكَيْفَ يَلَذُّ العَيْشَ مَن كانَ مُوقنًا … بأنَّ المَنَايا بَغْتَةً سَتُعاجِلُهْ
وكَيْفَ يَلَذُّ العَيْشَ مَنْ كَانَ مُوقِنًا … بأنَّ إلهَ العَرْشِ (^٤) لابُدَّ سائِلُهْ
قال أبو الدَّرداء: كَفَى بالموتِ واعظًا، وكَفَى بالدَّهْرِ مُفرِّقًا، اليومَ في الدُّور، وغدًا في القُبُورِ.
اذْكُرِ المَوْتَ ولازِمْ (^٥) ذِكْرَهُ … إنَّ في الموتِ لِذِي اللُّبِّ عِبَرْ
وكَفَى بالموتِ فاعْلَمْ واعِظًا … لِمَنِ المَوْتُ عليه قَدْ قُدِرْ
غَفلةُ الإِنسانِ عن الموتِ مَعَ أنَّه لا بُدَّ له منه مِن العَجَب. والمُوجِبُ لها (^٦) طولُ الأَمَلَ (^٧):
_________________
(١) لفظ "غيره" زيادة من (ط).
(٢) الحِمامُ: الموت.
(٣) في آ: "اللَّذَّةَ".
(٤) في ب، ش، ط: "الخلق".
(٥) في ب، ط: "وداوم".
(٦) في ط: "له" وهو تحريف.
(٧) الأبيات للشاعر أبي العتاهية في ديوانه ٩٧ من قصيدة أولها: خانَكَ الطَّرْفُ الطَّموحُ … أيُّها القَلْبُ الجَمُوحُ
[ ١٩٦ ]
كُلُّنا في غَفْلَةٍ والمَوْتُ … يَغْدُو وَيرُوحُ
لِبَني الدُّنيا مِنَ المَوْتِ … غَبُوقٌ وصَبُوحُ (^١)
سَيَصِيرُ المرءُ يَوْمًا … جَسَدًا ما فِيهِ رُوحُ
بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ حَيٍّ … عَلَمُ المَوْتِ يَلُوحُ
نُحْ عَلَى نَفْسِكَ يا … مِسْكِينُ إنْ كُنْتَ تَنُوحُ
لَتَمُوتَنَّ وَلَو … عُمِّرْتَ ما عُمِّرَ نُوحُ
لمَّا كانَ الموتُ مَكْرُوهًا بالطَّبعِ، لِما فيه مِنَ الشِّدَّةِ والمشقَّةِ العظيمةِ، لم يَمُتْ نَبِيٌّ مِنَ الأنبياءِ حتَّى يُخيَّرَ، ولذلك وَقَعَ التردُّدُ فيه (^٢) في حَقِّ المؤمن، كما في حديثِ أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -: "يقول الله ﷿: ومَا تَردَّدْتُ عن شيءٍ أنا فاعِلُه، ترددِي في قَبْضِ نَفْسِ عَبدِي المؤمنِ، يكرَهُ المَوْتَ وأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ" (^٣)، ولابُدَّ لَهُ منه [كما رواه البخاري] (^٤).
قال ابنُ أبي مُلَيْكَةَ: لمَّا قُبضَ إبراهيمُ - ﵇ - قال الله ﷿: كَيفَ وَجَدْتَ المَوْتَ؟ قال: يا رب، كأن نفسِي تُنْزَعُ بالسَّلى (^٥)، فقال: هذا وقَدْ هَوَّنَّا عليكَ المَوْتَ! وقال أبو إسحاق: قيلَ لموسى ﵇: كيفَ وجدْتَ طَعْمَ المَوْتِ؟ قال: وجَدْتُه كسُفُودٍ (^٦) أُدْخِلَ في صُوفٍ فاجتُذِبَ. قال: هذا وقد هوَّنَّا عليكَ المَوْتَ.
ويُروى أنَّ عيسى - ﵇ - كان إذا ذكرَ الموت يقطُرُ جِلدُه دمًا، وكان يقولُ للحواريِّين: ادعُوا الله أنْ يخفِّفَ عَنِّي الموتَ، فلقَدْ خِفْتُ المَوْتَ خوفًا أوقعني (^٧) مخافَة الموتِ على المَوْتِ.
_________________
(١) الغَبُوق: شُرْبُ العشيِّ. والصَّبوح: ما شرب غدوة، أي صباحًا.
(٢) في (آ): "منه".
(٣) رواه البخاري رقم (٦٥٠٢) في الرقاق، باب: التواضع، من حديث أبي هريرة، ﵁، ورواه الإِمام أحمد في "المسند" ٦/ ٢٥٦ من حديث عائشة، ﵂.
(٤) قوله: "كما رواه البخاري" لم يرد في آ، ش، ع. وقوله: "ولا بد له منه" لم يرد عند البخاري والإِمام أحمد.
(٥) السَّلَى: الجلدُ الرقيق الذي يخرج فيه الولد من بطن أمِّه ملفوفًا فيه. وقيل: هو في الماشية السَّلَى، وفى الناس المشيمة.
(٦) السّفُّود: حديدة ذاتُ شُعب معقّفة، يُشوى به اللحم.
(٧) في المطبوع: "أوقفني".
[ ١٩٧ ]
كيفَ يطمَعُ في البقاءِ وما مِن نبيٍّ (^١) من الأنبياءِ إلَّا ماتَ! أمْ كيفَ يؤمَنُ هُجومُ المنايا ولَم يسلَمِ الأصْفِياءُ والأحباءُ (^٢)! هيهاتَ هيهاتَ!!.
قَدْ ماتَ كُلُّ نَبِيٍّ … وَماتَ كُلُّ نَبِيه (^٣)
وَماتَ كُلُّ شَرِيفٍ … وَعاقِلٍ وَسَفِيهِ
لا يُوحِشَنْكَ طَرِيقٌ … كُلُّ الخلاِئقِ فِيهِ
أوَّلُ ما أُعلِمَ النَّبيُّ - ﷺ - مِن انقضاءِ عُمُرِه باقتِراب أجلِهِ بنزولِ سورةِ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (^٤). [وقيل لابن عباس ﵄: هل كانَ يعلمُ رسولُ اللهِ - ﷺ - متى يموتُ؟ قال: نعم. قيل: ومِن أينَ؟ قال: إنَّ الله تعالى جَعَلَ علامَةَ مَوْتهِ في هذه السورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ يعني فتحَ مكَّةَ ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ ذلك عَلامَةُ موتِهِ، وقد كان نَعَى نفسَهُ إلى فاطِمةَ، ﵍] (^٥). فإنَّ المرادَ مِن هذِه السُّورةِ أنَّكَ يا محمَّدُ، إذا فَتَحَ الله عليكَ البِلادَ، ودَخَلَ النَّاسُ في دِينِكَ الذي دعوتَهم إليه أفواجًا فقد اقتَرَب أجلُكَ، فتهيَّأْ للقائِنا بالتَّحميدِ والاستِغفارِ، فإنَّه قد حَصَلَ مِنكَ مَقصُودُ ما أُمِرْتَ بِهِ مِن أداءِ الرِّسالةِ والتَّبليغ، وما عندنا خيرٌ لكَ مِن الدُّنيا، فاستَعِدَّ للنُّقلَةِ إلينا. قال ابنُ عبَّاسٍ: لمَّا نزلَتْ هذه السورةُ نُعِيَتْ لرسولِ اللهِ - ﷺ - نفسُهُ، فأخَذَ في أشدّ ما كان اجتهادًا في أَمْرِ الآخِرةِ.
ورُوِي في حديثٍ أنَّه تعبَّدَ حتَّى صارَ كالشَّنِّ (^٦) البالي، وكان يَعْرِضُ القرآنَ كلَّ عامٍ على جِبريلَ مَرَّةً، فعرَضَهُ ذلك العامَ مَرَّتينِ، وكان يعتكِفُ العشرَ الأواخِرَ مِن رَمَضانَ كلَّ عام، فاعتَكَفَ في ذلك العام (^٧) عشرين، وأكثَرَ مِنَ الذِّكْرِ والاستِغفارِ.
قالت أمُّ سَلمَةَ: كان رسولُ اللهِ - ﷺ - في آخِرِ أمرِهِ لا يَقُومُ ولا يقعُدُ ولا يذهَبُ ولا يَجِيءُ إلَّا قال: "سبحانَ اللهِ وبحمدِهِ". فذكرْتُ ذلك له، فقال: "إنِّي أُمِرْتُ بذلك" وتلا هذه السُّورةَ. وقالت عائشةُ ﵂: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يُكْثِرُ أَنْ يقولَ قبلَ
_________________
(١) قوله "من نبي" زيادة في نسخة (آ).
(٢) في آ: "والأخيار".
(٣) في ب، ط: "بنيه" وهو تحريف.
(٤) سورة النصر، الآية ١.
(٥) ما بين قوسين زيادة من (ط)، ولم ترد في النسخ المعتمدة.
(٦) الشَّنُّ: القِرْبَةُ الخَلَقُ.
(٧) لفظة: "العام" سقطت من (آ).
[ ١٩٨ ]
موتهِ: "سبحانَ الله وبحمدِه، أستغفِرُ الله وأتوبُ إليه". فقلْتُ لَهُ: إنَّك تَدعُو بدعاءٍ لَمْ تَكُنْ تَدعُو بهِ قَبْلَ اليوم، قال: "إنَّ رَبِّي أخْبَرنِي أَنِّي سَأرى عَلَمًا في أمَّتِي، وأنِّي إذا رأيتُه أَنْ أسبِّحَ بِحَمْدِهِ وَأستغفِرَه، وقد رأيتُه". ثمّ تلا هذه السورةَ.
إذا كان سيِّدُ المُحسِنينَ يُؤمَرُ بأن يختِمَ أعمالَهُ بالحُسْنى، فكيفَ يكونُ حالُ المُذْنِب المسيءِ المتلوِّثِ بالذُّنوب المحتاجِ إلى التَّطهيرِ؟. من لم يُنْذِرْهُ باقترابِ أجلِهِ وحْيٌ، أنذَرَه الشَّيبُ (^١) وَسَلْبُ أقرَانِهِ بالموتِ.
كَفَى مُؤْذِنًا باقْتِراب الأجَلْ (^٢) … شَبَابٌ تَوَلَّى وَشَيْبٌ نَزَلْ
وَمَوْتُ اللَّذَاذَةِ هَلْ (^٣) بَعْدَهُ … بَقَاءَ يُؤمِّلُهُ مَنْ عَقَلْ
إذا ارْتَحَلَتْ قُرَناءُ الفَتَى … عَلَى حُكْمِ رَيْبِ المَنُونِ ارْتَحَلْ
قال وُهَيْب (^٤) بنُ الوَرد: إنَّ لِلَّه مَلَكًا يُنادِي في السَّماءِ كُلَّ يَومٍ وليلةٍ أبناءَ الخمسينَ: زَرْعٌ دَنَا حصادُهُ، أبناءَ الستينَ: هَلمُّوا إلى الحساب؛ أبناءَ السبعينَ: ماذا قدَّمْتُم، وماذا أخَّرْتُم؟ أبناءَ الثمانين: لا عُذْرَ لَكُمْ. وعن وهب (^٥)، قال: ينادِي منادٍ: أبناءَ الستينَ! عُدُّوا أنفسَكُم في الموتى.
وفي "صحيح البخاري"، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: "أَعْذَرَ الله إلى امرئٍ أخَّر أجلَهُ حتَّى بَلَغَ ستين سنة" (^٦). وفي حديثٍ آخَرَ: "إذا كان يومُ القيامةِ نودِيَ: أينَ أبناءُ السِّتينَ؟ وهو العُمُر الذي قال الله تعالى فيه: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ (^٧) " (^٨). وفي [حديثٍ آخَرَ عند] (^٩) الترمذي عنه - ﷺ -، قال:
_________________
(١) في آ: "المشيب" وهما بمعنى.
(٢) في آ: "كأنك دليل اقتراب الأجل".
(٣) في ب، ط "وموت الأقران وهل"، وفي ع: "وموت الأخلَّاء وهل"، وفي ش: "وموت اللذات وهل".
(٤) في ط: "وهب" وهو تحريف.
(٥) هو وَهْب بن مُنبِّه الأبناوي الصنعاني، مؤرخ، كثير الإخبار عن الكتب القديمة، مات سنة ١١٤ هـ.
(٦) في ب، ش، ع، ط: "أعذر الله إلى من بلَّغه ستين من عمره". والحديث رواه البخاري رقم (٦٤١٩) في الرقاق، باب: من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر.
(٧) سورة فاطر الآية ٣٧.
(٨) ذكره السيوطي في "الجامع الصغير" رقم (٨١٧) وعزاه إلى الحكيم الترمذي، والطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "شعب الإيمان" من حديث عبد الله بن عباس، ﵄، وهو حديث ضعيف.
(٩) زيادة من (آ).
[ ١٩٩ ]
"أعمارُ أُمَّتِي ما بين السِّتينَ إلى السَّبعينَ، وأقلُّهُم مَن يَجُوزُ ذلك (^١) " (^٢). [وفي حديثٍ آخَرَ: "مُعْترَك المَنَايا ما بَينَ السِّتينَ إلى السَّبعين"] (^٣).
وفي حديثٍ آخَرَ: "إنَّ لِكُلِّ شَيءٍ حصادًا، وحَصَادُ أُمَّتي ما بينَ السَّتينَ إلى السَّبعينَ" (^٤). وفي هذا المعتركِ قبِضَ رسولُ اللهِ - ﷺ -. قال سفيان الثوريُّ: مَنْ بَلَغَ سِنَّ رَسُولِ الله - ﷺ - فليتَّخِذْ لِنَفْسِهِ كَفَنًا.
وإنَّ امْرَأً قَدْ سَارَ سِتِّينَ حجَّةً … إلى مَنْهلٍ مِن وُردِهِ لَقَرِيبُ
قال الفضيلُ لرجلٍ: كم أتَى عليكَ؟ قال: ستونَ سَنَةً. قال له: أنتَ منذُ ستينَ سنةً تسير إلى رَبِّكَ، يُوشِكُ أنْ تبلُغَ، فقال الرجل: إنَّا لله وإنا إليه راجعونَ، فقال فُضَيل: مَنْ عَلِمَ أنَّه للهِ عَبْدٌ وأنَّه إليه رَاجِعٌ، فَلْيَعْلَمْ أنَّه موقوفٌ، وأنَّه مَسْؤُولٌ، فليُعِدَّ للمسألةِ جَوابًا، فقال له الرَّجُلُ: فما الحيلَةُ؟ قال: يَسيرَةٌ، قال: ما هي؟ قال: تُحْسِنُ فيما بَقِي فَيُغْفَرُ (^٥) لكَ ما مَضَى، فإنَّك إنْ أَسَأْتَ فيما بقِي أُخِذْتَ بما مَضَى وما بَقِيَ.
خُذْ في جِدٍّ فَقَدْ تَولَّى العُمْر … كَمْ ذَا التَّفْرِيطُ قد تَدَانى الأَمْرُ
أَقْبِلْ فَعَسَى يُقْبَلُ مِنْكَ العُذْرُ … كَمْ تَبْنِي، كَمْ تَنْقُضُ، كَمْ ذا الغَدْرُ
وما زالَ - ﷺ - يُعَرِّضُ باقتِراب أجَلِهِ في آخِرِ عُمُرِه، فإنَّه لمَّا خَطَبَ في حَجَّةِ الوَدَاع، قال للنَّاس: "خُذُوا عَنِّي مناسِكَكم، فَلَعَلِّي لَا أَلْقَاكم بَعْدَ عَامِي هَذا" (^٦).
_________________
(١) قوله: "وأقلهم من يجوز ذلك" سقط من (آ).
(٢) رواه الترمذي رقم (٣٥٥٠) في الدعوات، باب، في دعاء النَّبيِّ - ﷺ -، ومختصرًا بنحوه رقم (٢٣٣١) في الزهد، باب، رقم (٢٣). ورواه أيضًا ابن ماجه رقم (٤٢٣٦)، والحاكم في "المستدرك" ٢/ ٤٢٧ من حديث أبي هريرة ﵁، وصححه، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
(٣) هذا الحديث سقط من (آ). وقد ذكره السيوطي في "الجامع الصغير" رقم (٨١٨٧) وعزاه إلى الحكيم الترمذي من حديث أبي هريرة، ﵁، وهو حديث حسن بما قبله.
(٤) ذكره السيوطي في "الجامع الصغير" رقم (٧٣١٢) وعزاه إلى ابن عساكر من حديث ابن عباس، ﵄. وهو حديث ضعيف بهذا اللفظ.
(٥) في ب، ش، ط: "يغفر".
(٦) هو جزء من حديث طويل رواه مسلم رقم (١٢٩٧) في الحج، من حديث جابر بن عبد الله ﵁.
[ ٢٠٠ ]
وطفِقَ يُودِّعُ الناسَ، فقالوا: هذه حَجَّةُ الوَدَاع. فلمَا رَجَعَ مِن حجَّتِهِ إلى المدينةِ جَمَعَ الناسَ بماءٍ يُدْعَى خُمًّا (^١) في طريقِهِ بينَ مَكَّةَ والمدينَةِ، فخطَبَهُم وقال: "أيها الناسُ: إنما أنا بَشَرٌ، يُوشِكُ أنْ يأتِيَنِي رسولُ - ﷺ - فأُجِيبَ" (^٢) ثُمَّ حَضَّ على التمسكِ بكتاب اللُهِ، ووَصَّى بأهلِ بيتِه. ثمَّ إنه لمّا بَدَأ بهِ مَرَضُ المَوْتِ خُيِّرَ بينَ لِقاءِ اللَّهِ ﷿ وبينَ زَهْرَةِ الدُّنيا والبقاءِ فيها ما شاءَ الله، فاخْتَارَ لِقَاءَ اللُهِ، وخَطَبَ النَّاسَ وأشَارَ إليهم بذلك إشارةً مِن غيرِ تَصْرِيحٍ.
وكان ابتداءُ مَرَضِهِ في أواخِر شَهْرِ صَفَرَ، وكانَتْ مُدَّةُ مَرَضِهِ ثلاثَةَ عَشَرَ يومًا في المشهور. وقيل: أربَعَةَ عَشَرَ يومًا. وقيلَ: اثنَا عَشَرَ يومًا. وقيلَ: عشرةُ أيام، وهو غَريبٌ.
وكانَتْ خطبتُه التي خَطَب بها الناسَ (^٣) في حديثِ أبي سعيدٍ هذا الذي نتكلمُ عليه هاهنا في ابتداءِ مَرَضِهِ.
ففي "المسند" و"صحيح ابن حبان"، عن أبي سعيد الخدري، قال: خَرَجَ إلينا رسولُ اللهِ - ﷺ - في مرضِهِ الذي ماتَ فيه وهو مَعْصُوبُ الرأسِ، فقامَ على المِنْبَر، فقال: "إن عَبْدًا عُرِضَتْ عليه الدنيا وزينتُها، فاخْتَارَ الآخِرَةَ". قال: فَلَمْ يَفطَنْ لها أحَد مِنَ القَوْم إلَّا أبو بَكْرٍ، فقال: بأبي وأُمِّي، [بل] (^٤) نَفْدِيكَ بأموالنا وأنفسِنا وأولادِنا. قال: ثمَّ هَبَطَ عن المنبر فما رُئِيَ عليه حتَّى السّاعَةَ (^٥).
وفي المسند عن أبي مُويهِبَة، أن النَّبيَّ - ﷺ - خَرَجَ ليلةً إلى البَقِيعِ، فاسْتغْفَر لأهل البَقيعِ، وقال: "لِيَهْنِكُم ما أصْبَحْتُم فيه مِمَّا أصبَحَ فيه النَّاسُ، أقبلَتِ الفِتَنُ كقِطَعِ اللَّيل المُظلِمِ، يتبَعُ بعضُها بعضًا، يتبَعُ آخرُها أوَّلَها، الآخِرَةُ شَرٌّ مِن الأولَى". ثمَّ
_________________
(١) خُمٌّ: واد بين مكة والمدينة عند الجحفة به غدير، عنده خطب رسول اللّه - ﷺ -. (ياقوت).
(٢) قطعة من حديث رواه مسلم رقم (٢٤٠٨) في فضائل الصحابة، من حديث زيد بن أرقم ﵁.
(٣) لفظة: "الناس" زيادة من نسخة (آ).
(٤) زيادة من (ب، ش، ع).
(٥) رواه أحمد في "المسند" ٣/ ٩١ من حديث أبي سعيد الخدري، ﵁. وهو حديث صحيح. وهو بمعناه، في الصحيحين" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ٢٠١ ]
قال: "يَا أبا مُويْهِبَة! إنِّي قَد أُعطِيتُ خَزائنَ الدُّنيا والخُلدَ ثم الجَنَّةَ، فخُيِّرتُ بينَ ذلك وبينَ لِقاء رَبِّي، فاخْتَرْتُ لِقاءَ رَبِّي والجنةَ، ثم انْصَرَف. فابتدأَهُ وجعُه الذي قَبَضَهُ الله فيه (^١).
لما قوَيتْ مَعرِفَةُ الرسُولِ - ﷺ - بربه، ازدادَ حُبُّه وشوقُهُ إلى لِقائِه، فلمَّا خُيِّر بينَ البقاءِ في الدنيا وبينَ لِقاءِ ربهِ، اخْتَارَ لقاءَهُ على خزائنِ الدنيا والبقاءِ فيها. سُئلَ الشِّبْليُّ: هل يَقْنَعُ المُحبُّ بشيءٍ من حبيبهِ دون مشاهدتِه؟ فأنشَدَ:
واللهِ لو أنَّكَ تَوَّجْتَنِي … بتاجِ كِسْرَى مَلِكِ المَشْرِقِ
ولَوْ بأَموالِ الوَرَى جُدْتَ لِي … أَموال مَنْ بَادَ ومَنْ قَدْ بَقِي
وَقُلْتَ لِي لا نَلْتَقِي ساعَةً … اخْتَرْتُ يا مولايَ أنْ نَلْتَقِي
لمَّا عَرَّضَ الرسولُ - ﷺ - على المنبرِ باختيارِه اللقاءَ على البقاءِ ولم يُصَرحْ، خَفِيَ المعنَى على كثيرٍ مِمّن سَمِعَ، ولم يَفهَمِ المقصُودَ غير صاحبِه الخَصِيصِ بِه ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغَارِ﴾ (^٢). وكانَ أعلَمَ الأمّةِ بمقاصِدِ الرسُولِ - ﷺ -، فلما فَهمَ المقصُودَ مِن هذه الإشارةِ بَكَى، وقال: بل نفدِيكَ بأموالِنا وأنفسِنا وأولادِنا، فسكَنَ الرسولُ - ﷺ - جَزَعَهُ، وأَخَذَ في مَدْحِهِ والثَّنَاءِ عليهِ على المِنْبَرِ، لِيَعلَمَ النَّاسُ كلُّهم فضلهُ، فلا يَقَعُ عليه اختِلافٌ في خلافتِهِ، فقال: "إنَّ مِن أمَنِّ النَّاسِ على في صحبتِهِ ومالِهِ أبو بكر" (^٣).
وفي روايةٍ أخرى أنه قال: "ما لأحَدٍ عندَنا يدٌ إلَّا وقَدْ كافينَاهُ، ما خَلَا أبا بكرٍ، فإنَّ له عندَنا يدًا يكافِئهُ اللّهُ يومَ القِيامَةِ بها، وما نَفَعنِي مالُ أحَدٍ قَطُّ ما نَفَعَنِي مالُ أبي بكرٍ"، خرَّجه الترمذيُّ (^٤).
_________________
(١) رواه أحمد في "المسند" ٣/ ٤٨٨ و٤٨٩ وأخرجه الحاكم من وجه آخر، وهو حديث حسن. وانظر: "الإصابة" لابن حجر في ترجمة أبي مويهبة ٤/ ١٨٨.
(٢) سورة التوبة، الآية ٤٠.
(٣) قطعة من حديث صحيح رواه البخاري ومسلم، وقد تقدم تخريجه.
(٤) رواه الترمذي رقم (٣٦٦١) في المناقب، باب رقم (١٥) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وإسناده ضعيف، ولكن له شواهد، فقد رواه بنحوه مختصرا ابن ماجه رقم (٩٤)، وابن حبان رقم (٢١٦٦) "موارد"، وأحمد في "المسند ٢/ ٣٦٦ من حديث أبي هريرة ﵁، ولآخره شاهد من حديث أبي سعيد الخدري عن مسلم رقم (٢٣٨٢)، فهو حديث حسن بشواهده.
[ ٢٠٢ ]
ثم قال رسول الله - ﷺ -: "لو كُنْتُ متَّخِذًا من أهلِ الأرْضِ خليلًا، لاتَّخذْتُ أبا بكرٍ خَلِيلًا، ولكِنْ أُخوَّةُ الإسلام" (^١). لمَّا كانَ الرَّسولُ - ﷺ - خليلَ اللّهِ (^٢)، لَمْ يَصْلُحْ له أَنْ يُخالِلَ مخلوقًا، فإنَّ الخَليلَ مَنْ جَرَتْ محبَّةُ (^٣) خليلِهِ منه مَجْرَى الرُّوحِ، ولا يَصْلُحُ هذا لبشرٍ، كما قيل:
قَدْ تَخلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوح مِنِّي … وَبذا سُمِّيَ الخَلِيلُ خَلِيلا
ولهذا المعنَى قيلَ: إن إبراهيمَ الخليلَ ﵇ أُمِرَ بذبْحِ ولدِهِ، ولم يكن المقصودُ إراقَةَ دَمِ الوَلَدِ، بل تفريغُ محلِّ الخُلَّةِ لِمَنْ لا يَصْلُحُ أَنْ يُزَاحِمَه فيها أحَدٌ.
أرُوحُ وَقَدْ خَتَمْتُ على فؤادِي … بحبِّكَ أنْ يحِل بهِ سِواكَا
فَلو أنِّي استَطَعْتُ غَضَضْتُ طَرْفِي … فَلَمْ أنظُرْ بهِ حتَّى أرَاكَا
ثم قال - ﷺ -: "لا يبقيَنَّ خَوْخَة في المسجدِ إلا سُدَّتْ إلَّا خوخَةُ أبي بكرٍ" (^٤).
وفي روايةٍ: "سُدُّوا هذه الأبوابَ الشَّارِعَةَ (^٥) في المسجدِ إلَّا بابَ أبي بكرٍ" (^٦).
وفي هذا الإشارَةُ إلى أنَّ أبا بكرٍ هُوَ الإمامُ بعدَه؛ فإن الإِمامَ يحتاجُ إلى سُكْنَى المسجدِ والاستطراقِ (^٧) فيه، بخلافِ غيره، وذلك مِن مصالحِ المسلمينَ المصلِّينَ في المسجدِ، ثمَّ أَكَّدَ هذا المعنَى بأَمرِهِ صرِيحًا أنْ يصلِّيَ بالناسِ أبو بكرٍ، فرُوجِعَ في ذلك فغضِبَ، وقال: "مُرُوا أبا بكرٍ يصلِّي (^٨) بالنَّاسِ"، فولَّاه إمامَةَ الصَّلاةِ دونَ غيرِه، [وأبقَى استطراقَهُ مِن دارِهِ إلى مكانِ الصلاةِ، وسَدَّ استِطْرَاقَ غيرِه] (^٩)، وفي هذا إشارة واضِحةٌ إلى استخلافِهِ على الأمَّةِ دونَ غَيرِه، ولهذا قالَتِ الصَّحابةُ ﵃ عندَ
_________________
(١) رواه الترمذي رقم (٣٦٦١) في المناقب، باب مناقب أبي بكر الصِّدِّيق، وقال: هذا حديث حسن غريب، وهو كما قال، فإنه حسن بشواهده، وقد ذكره الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" وسكت عليه.
(٢) قوله: "خليل الله" لم يرد في (آ).
(٣) في آ: "من جرى صحبة"، وفي ش: "من جرت صحبة".
(٤) قطعة من حديث تقدم تخريجه.
(٥) الأبواب الشارعة: المفتوحة. ودُور شارعة، إذا كانت أبوابها شارعة في الطريق.
(٦) قطعة من حديث صحيح. وانظر تخريجه ورواياته في "جامع الأصول" ٨/ ٥٨٦ - ٥٨٧.
(٧) استَطرَق إلى الباب ونحوه: سلك الطريق إليه. واستَطرَق فلانًا: طلب من الطريق في حد من حدوده.
(٨) في ب، ط: "فليصل"، وهو قطعة من حديث حسن. انظر نصه وتخريجه في "جامع الأصول" ٨/ ٥٩٣ - ٥٩٤.
(٩) ما بين حاصرتين سقط من (آ).
[ ٢٠٣ ]
بيعةِ أبي بكرٍ: رَضِيَهُ رسُولُ اللهِ - ﷺ - لِدِينِنا، أفلا (^١) نَرْضَاهُ لدُنْيانا. ولما قال أبو بكر: قد أَقَلْتُكُمْ بَيْعَتِي، قال عليٌّ: لا نُقِيلُكَ ولا نَسْتَقِيلُكَ، قَدَّمَكَ رسولُ اللّه - ﷺ - فَمَنْ ذَا يُؤخِّرُكَ؟.
لمَّا انطوَى بِساطُ النُّبوَّةِ مِنَ الأرض بوفاةِ رسول الله (^٢) - ﷺ -، لم يَبْقَ على وجهِ الأرضِ أكملُ مِن درجةِ الصِّدِّيقيّةِ، وأبو بكرٍ رأسُ الصِّديقينَ، فلهذا استحَق خلافةَ الرَّسولِ - ﷺ - والقيامَ مقامَهُ.
وكان النبي - ﷺ - قد عَزَمَ على أن يكتُبَ لأبي بكرٍ كِتابًا لِئلا يُخْتَلَفَ عليه، ثمَّ أَعْرَضَ عن ذلك، لِعِلْمِهِ أنَّه لا يقَعُ غيرُه، وقال: "يأبَى اللهُ والمؤمنون إلا أبا بكرٍ" (^٣). ورُبَّما كانَ تَرَكَ ذلك لِئلا يَتوهَّمَ متوهِّم أن نَصَّهُ على خِلافتِهِ كانَتْ مُكافاة لِيدِه التي كانَتْ له. والولاياتُ كُلُّها لا يُقْصَدُ بها مَصْلَحةُ المُوَلَّى، بَلْ مصلحةُ المسلمينَ عامَّةً.
وكان أوَّلَ ما ابتُدِئَ به رسولُ اللّهِ - ﷺ - من مرضِهِ وَجَعُ رأسِهِ، ولهذا خَطَبَ وقد عَصَبَ رأسَهُ بِعصابَةٍ دَسْمَاءَ (^٤)، وكان صُدَاعُ الرأسِ والشَّقِيقةُ يَعترِيه كثيرًا في حياتِه، ويتألَّم منه أيامًا. وصُداعُ الرأسِ مِن علاماتِ أهلِ الإيمانِ وأهلِ الجنةِ. وقد رُوِي عن النبي - ﷺ - أنَّه وَصفَ أَهْلَ النَّارِ فقال: "هُم الذينَ لا يألمون رُؤوسَهم" (^٥). ودَخَلَ عليه أعرابيٌّ، فقال له: "يا أعرابي! هَلْ أَخذَكَ هذا الصُّداعُ؟ "، فقال: وما الصداعُ؟ قال: "عُروقٌ تَضرِبُ على الإنسانِ في رأسِهِ "، فقال: ما وجدْتُ هذا. فلمَّا وَلَّى الأعرابيّ، قال النبيُّ - ﷺ -: "مَنْ أَحَبّ أَنْ يَنْظُرَ إلى رَجُل مِن أهلِ النارِ فَلْيَنْظُرْ إلى هذا". خرَّجه الإِمامُ أحمدُ، والنسائيُّ (^٦).
_________________
(١) في ب، ط: "فكيف".
(٢) في ب، ش، ع، ط: "الرَّسول".
(٣) قطعة من حديث صحيح، رواه البخاري ومسلم. انظر "جامع الأصول" ٤/ ١٠٧ - ١٠٨.
(٤) دَسْمَاء: سوداء.
(٥) قطعة من حديث رواه أحمد في "المسند" ٢/ ٥٠٨ من حديث أبي هريرة ﵁، وإسناده ضعيف، ولكن لفقراته شواهد، سوى الأخيرة "هم الذين لا يألمون رؤوسهم" التي استشهد بها المؤلف.
(٦) رواه أحمد في "المسند" ٢/ ٢٣٢ و٣٦٦ - ٣٦٧ وليس عند النَّسَائِي في "المجتبى" ولعله في "الكبرى". وقد ذكره الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢/ ٢٩٤ وعزاه إلى أحمد والبزار، وقال: وقال أحمد في رواية: مر برسول الله - ﷺ - أعرابي فأعجبه صحته وجلده، فدعاه، فذكر نحوه، وإسناده حسن.
[ ٢٠٤ ]
وقال كعبٌ: أجِدُ في التوراة: لولا أن يحزَنَ عَبْدِي المؤمنُ لَعَصَبْتُ الكافِرَ بعصابةٍ مِن حديدٍ لا يَصَّدَّعُ أبدًا. وفي "المسند" عن عائشةَ ﵂، قالَتْ: دَخَلَ على رَسولُ اللهِ - ﷺ - في اليوم الذي بُدِئَ فيه، فقلت: وا رأساهُ! فقال: "وَدِدْتُ أن ذلكَ كان وأنا حيٌّ، فهيَّأتُكِ ودَفنْتُكِ"، فَقُلْتُ غَيْرَى (^١): كأني بكَ في ذلك اليومِ عَروسًا ببعضِ نِسائِكَ، فقال: "بل (^٢) أنا وا رأساه، ادعُوا إليَّ (^٣) أباكِ وأخاكِ حتَّى أكتُبَ لأبي بكرٍ كتابًا، فإنِّي أخافُ أن يقولَ قائلٌ ويتمنَّى متمنٍّ، ويأبَى اللهُ والمؤمنون إلَّا أبا بكرٍ" (^٤).
وخرجه البخاريُّ بمعناه، ولفظه: أن عائشةَ ﵂، قالت: وا رأساه! فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "ذاكَ لو كانَ وأنا حي، فأستغفِرَ لَكِ وأدْعُوَ لَكِ"، قالَتْ عائشةُ: وا ثُكْلاه! واللهِ إنِّي لأظنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي، ولو كانَ ذلكَ لَظللتَ آخِرَ يَومِكَ مُعرسًا ببعض أزواجِكَ. فقال النَّبيُّ - ﷺ -: "بل أنا وا رأساه! "، وذَكَرَ بقيَّة الحديث (^٥).
وفي "المسند" أيضًا عنها، قالَتْ: كان رسولُ اللهِ - ﷺ - إذا مَرَّ ببابي ربما (^٦) يُلقِي الكلِمةَ ينفَعُ الله بها، فَمَر ذاتَ يوم فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، مرتين، أو ثلاثًا. قلْتُ: يا جاريةُ! ضعِي لِي وِسَادةً على الباب -، وَعَصبْتُ رأسِي، فَمر بي فقال: "يا عائشة! ما شأنُكِ؟، فقلْتُ: أشتكِي رأسِي، فقال: "أنا وا رأسَاه! "، فذَهَبَ فلم يَلْبَثْ إلَّا يَسيرًا حتى جِيءَ بهِ محمولًا في كِساءٍ، فَدَخَلَ عليَّ، فَبَعَثَ إلى النساءِ، وقال: "إنِّي اشْتَكيْتُ"، وقال: "إنِّي لا أسْتَطِيعُ أنْ أَدُورَ بينَكُنَّ، فأذَن لِي فلأكُنْ عندَ عائِشةَ" (^٧).
وفيه أيضًا عنها، قالت: رَجَعَ إليَّ رسولُ الله - ﷺ - ذاتَ يوم مِن جنازةٍ بالبَقيعِ،
_________________
(١) في الأصول: "غيراء"، وأثبت ما جاء في "مسند الإمام أحمد".
(٢) لفظة: "بل" لم ترد في ب، ش، ع، ط. وفي المسند: "وأنا وا رأساه.
(٣) في ب، ع، ط: "لي "، وما جاء في آ، ش موافق لما في "مسند الإمام أحمد".
(٤) رواه أحمد في "المسند" ٦/ ١٤٤ وهو حديث صحيح.
(٥) رواه البخاري رقم (٥٦٦٦) في المرضى، باب: ما رخص للمريض أن يقوله: إنِّي وجعٌ، أو وارأساه، أو اشتدَّ بي الوجع، وقول أيوب ﵇: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ [الأنبياء: ٨٣].
(٦) في آ، ش: "مما"، وفي ب: "كثيرًا مما"، والمثبت من (ع).
(٧) رواه أحمد في "المسند" ٦/ ٢١٩ وهو حديث حسن.
[ ٢٠٥ ]
وأنا أجِدُ صُداعًا في رأسِي، وأنا أقولُ: وا رأساه! قال: "بل أنا وا رأساه! "، ثم قال: "ما ضرَّكِ لو مُتِّ قبلي فغسَّلتُكِ وكفنْتُكِ، ثم صلَّيْتُ عليكِ ودفنْتُكِ؟ "، فقلْتُ: لكأنِّي بكَ واللهِ لو فعلْتَ ذلكَ، لَقَدْ رَجَعْتَ إلى بيتي فأعْرَسْتَ فيه ببعضِ نسائِكَ، فتبسَّمَ رسولُ الله - ﷺ - ثمَّ بُدِئَ في وَجَعِهِ الذي ماتَ فيه (^١).
فقد تبيَّن أن أوَّلَ مَرَضِهِ كانَ صُداع الرأسِ، والظَّاهِرُ أنهُ كانَ مَعَ حُمَّى، فإنَّ الحُمَّى اشتدَّتْ بهِ في مرضِهِ، فكان يجلِس في مِخْضَبٍ (^٢)، ويُصَبُّ عليهِ الماءُ مِن سبعِ قِرَبٍ، لم تُحْلَلْ أَوْكِيتُهُنَّ (^٣)؛ يتبرَّد بذلك. وكانَ عليه قَطِيفة، فكانَتْ حَرارَةُ الحُمَّى تُصِيبُ مَنْ وَضَعَ يَدَهُ عليه (^٤) من فوقها، فقيلَ له في ذلكَ، فقال: "إنَّا (^٥) كذلِكَ يشَدَّدُ علينا البلاء ويضاعَفُ لنا الأجْرُ". وقال: "إنِّي أُوعَكُ كما يُوعَكُ رجلانِ منكم" (^٦).
ومِن شِدَّةٍ وَجَعِهِ كانَ يُغْمَى عليه في مرضِه، ثم يفيقُ، وَحَصَلَ له ذلكَ غيرَ مرةٍ، فأُغمِيَ عليه مرة وظنُّوا أن وَجَعَهُ ذاتُ الجَنْب، فَلَدُّوهُ (^٧)، فلمَّا أفَاقَ أَنْكَرَ ذلِكَ، وأَمَرَ أَنْ يُلَدَّ مَنْ لَدَّهُ، وقال: "إنَّ الله لم يَكُنْ ليُسَلِّطَها عليَّ" يعني ذاتَ الجَنْب، "ولكنهُ مِنَ الأكْلَةِ الَّتِي أكلْتُها يومَ خَيْبَرَ"، يعني أنه نَقَضَ عليه سَمُّ الشاةِ التي أهدَتْها لَه (^٨) اليهوديَّةُ، فأكَلَ منها يومئذٍ، فكانَ ذلِكَ يَثُورُ عليهِ أحيانًا، فقال في مرض مَوْتهِ: "مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ. تُعَاودني (^٩)، فهذا أوانُ انقطاعِ أبْهَرِي (^١٠) " (^١١). وكان (^١٢) ابن مسعودٍ وغيرُه يقولون: إنَّه ماتَ شهيدًا من السّمِّ.
_________________
(١) رواه أحمد في "المسند" ٦/ ٢٢٨، ورواه أيضًا ابن ماجه رقم (١٤٦٥) في الجنائز، باب: ما جاء في غسل الرجل امرأته وغسل المرأة زوجها، وهو حديث حسن.
(٢) المِخْضبُ: شِبه الإجَّانةِ، يُغسَلُ فيها الثياب.
(٣) الوكاء: رباط القربة الذي يُشد به رأسُها.
(٤) في النسخة (آ): "عليها".
(٥) أي: الأنبياء.
(٦) رواه البخاري رقم (٥٦٤٨) في المرضى، باب: أشدُّ الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل؛ ومسلم رقم (٢٥٧١) في البر والصلة، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه من المرض أو الحزن.
(٧) اللدود: من الأدوية، وهو ما يسقاه المريض في أحد شِقّي الفم.
(٨) في آ: "إليه"، وكلاهما جائز.
(٩) في آ، ب: "تعتادني"، والمثبت من (ع، ش، ط).
(١٠) الأبهر: عرق في الظهر، يقال هو الوريد في العنق.
(١١) رواه الدارمي (١/ ٣٣)، وذكره السيوطي في "الجامع الصغير" رقم (٧٩١٥) وعزاه إلى ابن السني، ولأبي نُعيم في الطب من حديث أبي هريرة ﵁. وهو حديث صحيح، يشهد له حديث البخاري عن عائشة في الوفاة النبوية في المغازي، باب: مرض النبي - ﷺ - ووفاته.
(١٢) في ش، ع: "فكان".
[ ٢٠٦ ]
وقالت عائشة: ما رأيْتُ أحدًا كانَ أشدَّ عليهِ الوجَعُ مِن رسولِ الله - ﷺ -، وكان عندَهُ في مرضِهِ سبعةُ دنانِيرَ؛ فكانَ يأمرُهُم بالصَّدَقَةِ بها، ثم يُغْمَى عليه، فيشتغِلونَ بِوَجَعِه، فدَعَا بها فوضَعَها في كَفِّه، وقال: "ما ظَنُّ محمّدٍ بربِّهِ لو لَقِيَ الله وعندَهُ هذه؟ "، ثم تصَدَّقَ بها كلِّها، فكيفَ يكونُ حالُ مَنْ لَقِيَ الله تعالى وعندَهُ دماءُ المسلمينَ وأموالُهم المحرمَةُ؟! وما ظَنُّهُ بِرَبِّهِ وَلَمْ يَكُنْ عندَهُم في مرضِهِ دُهْنٌ للمِصباح يُوقَدُ فيه.
فلمَّا اشتَدَّ وَجَعُهُ ليلةَ الاثنين أرسلَتْ عائِشةُ بالمصباحِ إلى امرأةٍ مِنَ النساءِ، فقالَت: قَطِّري لنا في مِصْباحِنا مِن عُكَّةِ (^١) السَّمنِ، فإن رسولَ الله - ﷺ - أمسى في جديدِ (^٢) الموتِ. وكان عند عائشةَ إزارٌ غَلِيظٌ مما يُصْنَعُ باليمن، وكِساءٌ مِن المُلَبَّدِ (^٣)، فكانَتْ تُقْسِمُ باللَّهِ إن رسولَ الله - ﷺ - قُبِضَ فيهما.
ودخلَتْ عليه فاطِمَةُ ﵂ في مرضِهِ، فسارَّها بشيءٍ فَبَكَتْ، ثم سارَّها فضحِكَتْ، فسُئِلَتْ عن ذلِكَ، فقالت: لا أُفشِي سِرَّ رَسولِ اللهِ - ﷺ -. فلمَّا تُوفِي سُئِلَتْ، فقالت: أخبرَني أنَّه يَموتُ في مرضِهِ، فَبكيتُ، ثم أَخبرَنِي أنِّي أوَّلُ أَهلِهِ لُحُوقًا بهِ، وأَنِّي سيَّدةُ نِساءِ العَالمين (^٤)، فضحِكْتُ (^٥). فلمَّا احتُضِرَ رسولُ الله - ﷺ - اشتدَّ بهِ الأمْرُ، فقالت عائشة: ما أَغْبِطُ أحدًا يُهَوَّنُ عليهِ الموتُ بعدَ الذي رأيْتُ مِن شدَّة (^٦) موتِ رَسولِ الله - ﷺ -.
_________________
(١) العُكَّةُ: أصغر من القِرْبة للسمن، وهو زُقَيْقٌ صغير، وجمعها عُكَكٌ وعِكاكٌ. والعُكَّةُ من السمن والعسل؛ قال ابن الأثير في النهاية: وهي وعاء من جلد مستدير يختص بهما، وهو بالسمن أخص. (اللسان).
(٢) جديدُ الموت: أوَّله.
(٣) في ب، ش، ع، ط: "الملبَّدة". والملبَّد: المرقَّع.
(٤) الذي في الصحيحين والترمذي: "أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة، أو سيدة نساء أهل الجنة".
(٥) رواه البخاري رقم (٦٢٨٥) و(٦٢٨٦) في الاستئذان، باب: من ناجى بين يدي الناس، ولم يخبر بسرِّ صاحبه، فإذا مات أخبر به، و(٣٧١٥) و(٣٧١٦) في فضائل الصحابة، باب: مناقب قرابة رسول الله - ﷺ -، ومسلم رقم (٢٤٥٠) (٩٧ - ٩٩) في فضائل الصحابة، باب: فضائل فاطمة بنت النبيِّ، عليها الصَّلاة والسَّلام؛ وابن ماجه رقم (١٦٢١) في الجنائز، باب: ما جاء في ذكر مرض رسول الله - ﷺ - وأحمد في "المسند" ٦/ ٧٧ و٢٤٠ و٢٨٢ من حديث عائشة، ﵂، وقد ذكره المؤلف مختصرا وبالمعنى.
(٦) في آ: "من سكرة".
[ ٢٠٧ ]
قالت: وكان عندَه قَدَحٌ مِن ماءٍ، فيُدْخِلُ يدَهُ في القدَحِ، ثمَّ يَمسَحُ وَجْهَهُ بالماءِ، ويقول: "اللهمَّ، أعِنِّي على سَكراتِ الموتِ"، قالت: وجَعَلَ يقولُ: "لا إلهَ إلا الله، إن للموتِ لَسَكراتٍ" (^١). وفي حديثٍ مرسَلٍ أنه قال: اللهمَّ إنكَ تأخُذُ الرُّوحَ مِن بين العَصَبِ والقَصَب (^٢) والأنامِلِ، اللهم فأعِني على الموتِ وهوِّنْهُ علي" (^٣). ولمَّا [ثقُلَ النَّبي - ﷺ - جَعَل] (^٤) يتغشَّاهُ الكَرْبُ، قالت فاطمةُ ﵍: وا كَرْبَ أبتاه! فقالَ لها: "لا كَرْبَ على أبيكِ بعدَ اليوم" (^٥). وفي حديثٍ خرَّجه ابنُ ماجه أنه - ﷺ - قال لِفاطِمةَ: "إنه قَدْ حَضَرَ من أبيكِ ما ليس الله بتاركٍ منه أحدًا (^٦)، المُوافاةُ (^٧) يومَ القيامةِ" (^٨).
ولم يُقْبَضْ - ﷺ - حتى خُيِّرَ مرةً أُخْرَى بينَ الدنيا والآخِرةِ؛ قالَتْ عائشةُ: كان النبي - ﷺ - يقولُ: "إنَّه لم يُقْبَضْ نبي [قط] حَتى يرَى مَقْعَدَهُ مِن الجنةِ، ثم يُخيَّرُ". فلمَّا نزلَ به ورأسُهُ على فَخِذِي، غُشِيَ عليه ساعة، ثمَّ أفاقَ، فأشخصَ بصرَهُ إلى سَقفِ البيتِ، ثم قال: "اللهمَّ، الرفيقَ الأعْلَى". فقلْتُ: الآن لا يختارُنا، وعلِمْتُ أنَّه الحديثُ الذي كانَ يُحدِّثناهُ، وهو صَحِيحٌ (^٩). وكانَتْ تِلكَ آخرَ كلمةٍ تكلَّمَ بها.
وفي روايةٍ أنَّه قال: "اللهمَّ اغفِرْ لِي وارْحَمْنِي، وأَلْحِقْنِي بالرَّفيق الأعْلَى" (^١٠).
وفي رواية أنه أصابَهُ بُحَّةٌ شَديدةٌ، فسمِعتُه يقوله: ﴿مَعَ الَّذينَ أَنْعَمَ الله عليهِم مِنَ
_________________
(١) قطعة من حديث صحيح. انظر نصَّه كاملًا ورواياته المختلفة وتخريجه في "جامع الأصول" ١١/ ٦٢ - ٦٥.
(٢) القَصَبُ: عظام الأصابع من اليدين والرجلين. وقيل: هي ما بين كل مفصلين من الأصابع.
(٣) وهو حديث ضعيف.
(٤) ما بين قوسين لم يرد في آ، ش.
(٥) قطعة من حديث رواه البخاري رقم (٤٤٦٢) في المغازي، باب: مرض النبي - ﷺ - ووفاته؛ وابن ماجه رقم (١٦٢٩) في الجنائز، باب: ذكر وفاته ودفنه - ﷺ -، واللفظ له من حديث أنس بن مالك، ﵁.
(٦) في (ط): "أحد".
(٧) الموافاة: أن توافي إنسانًا في الميعاد.
(٨) قطعة من حديث رواه أحمد في "المسند" ٣/ ١٤١؛ وابن ماجه رقم (١٦٢٩) في الجنائز، باب: ذكر وفاته ودفنه - ﷺ -، من حديث أنس ﵁، وهو حديث حسن، وأصله في صحيح البخاري.
(٩) رواه البخاري رقم (٤٤٣٧) في المغازي، باب: مرض النَّبيِّ - ﷺ - ووفاته؛ ومسلم رقم (٢٤٤٤) (٨٧) في فضائل الصحابة، باب: فضائل عائشة ﵂؛ وأحمد في "المسند" ٦/ ٨٩ و٢٧٤.
(١٠) سقطت هذه الرواية بكاملها من (آ)، وهي عند مسلم رقم (٢٤٤٤) في فضائل الصحابة، باب: فضائل عائشة ﵂؛ وأحمد في "المسند" ٦/ ٢٣١.
[ ٢٠٨ ]
النَّبيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصَّالِحينَ وَحَسُنَ أولئِكَ رَفيقًا﴾ (^١). قالت: فظَنَنْتُ أنه خُيِّرَ [حينئذٍ] (^٢). وهذه الرِّواياتُ مخرَّجَةٌ في "صحيح البخاري" وغيرِه.
وقد رُوِي ما يدُلُّ على أنه قُبِضَ، ثم رأى مقعَدَه مِنَ الجَنَّةِ، ثم رُدَّتْ إليه نفسُهُ، ثمَّ خُيِّرَ. ففي "المسند" عن عائشةَ ﵂، قالَتْ: كانَ رسولُ اللُهِ - ﷺ - يقولُ: "ما مِن نَبِيٍّ إلَّا تُقبَضُ نفسُهُ، ثمَّ يَرَى الثوابَ، ثم تُرَدُّ إليه، فيُخيِّرُ بين أَنْ تُرَدَّ إليه إلى أن يُلْحَقَ (^٣) ". فكنْتُ قد حفِظْتُ ذلكَ منه، فإنِّي لَمُسْنِدَتُه إلى صَدْرِي، فنَظَرْتُ إليهِ حتى مَالَتْ عُنُقُه (^٤)، فقلْتُ: قَدْ قَضَى. قَالَتْ: فعَرَفْتُ الَّذِي قال، فنَظَرْتُ إليه حتى ارتفَعَ ونظَرَ، فقلْتُ (^٥): إذًا واللهِ لا يختارُنا، فقال: "مَعَ الرفِيق الأعْلَى في الجنةِ ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عليهِم مِنَ النبِيينَ والصديقينَ والشُّهدَاءِ والصالحينَ﴾ " (^٦) إلى آخِرِ الآية (^٧).
وفي "صحيح ابن حِبَّانَ" عنها، قالت: أُغْمِيَ على رسولِ اللهِ - ﷺ -، ورأسُهُ في حَجْرِي، فجَعَلْتُ أمسَحُهُ وأدعو له بالشِّفَاءِ؛ فلمَّا أفاقَ، قال: "لا بلْ أسألُ الله الرفِيقَ الأعْلَى، مَعَ جِبريلَ ومِيكائيلَ وإسرافيلَ" (^٨). وفيه، وفي "المسند" عنها، أنَّها كانَتْ تَرْقِيه في مَرَضِهِ الذِي ماتَ فيه، فقال: "ارفَعِي يَدَكِ فإنها كانت تَنْفَعُنِي في المُدَّةِ" (^٩).
قال الحسن: لَمَّا كَرِهَتِ الأنبياءُ الموتَ هَوَّنَ الله ذلك عليهم بلقاءِ الله ﷿، وبِكُلِّ مَا أَحبُّوا مِن تُحفَةٍ أو كَرَامةٍ، حتى إن نَفْسَ أحدِهم لَتُنْزَعُ مِن بَيْنِ جَنْبَيْهِ وهو يُحِب ذلكَ، لِمَا قَدْ مُثِّلَ له. وفي "المسند" عن عائشة ﵂، أن النبي - ﷺ - قال: "إنه لَيُهوّنُ على الموت أنِّي رأيْتُ بَياضَ كَفِّ عائشةَ في الجَنةِ" (^١٠). وخرَّجَه
_________________
(١) سورة النساء، الآية ٦٩.
(٢) هي عند مسلم رقم (٢٤٤٤) (٨٦) في فضائل الصحابة، باب: فضائل عائشة، ﵂.
(٣) في ب، ط: "أو يلحق".
(٤) في آ، ش: "مالت عينه".
(٥) في ط: "فقالت".
(٦) سورة النساء، الآية ٦٩.
(٧) رواه أحمد في "المسند" ٦/ ٧٤ وهو حديث صحيح.
(٨) ذكره بنحوه الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٩/ ٣٧ من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، وقال في آخره: رواه الطبراني، وفيه محمد بن سلام الجمحي، وهو ثقة، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات.
(٩) رواه ابن حبان في "صحيحه" كما في "الإحسان" ٤/ ٢٦٩ واللفظ له، وأحمد في "المسند" ٦/ ٢٦١. وهو حديث حسن.
(١٠) رواه أحمد في "المسند" ٦/ ١٣٨، من حديث مصعب بن إسحاق بن طلحة، عن عائشة، ذكره ابن حبان، وقال: يروي المراسيل، وذكره في التابعين. أقول: فهو مرسل.
[ ٢٠٩ ]
ابنُ سَعْدٍ وغيرُه مرسلًا أنَّه - ﷺ -، قال: "لقد أُرِيتُها في الجنةِ، حتَّى (^١) لَيهوَّن بذلك عليَّ مَوْتي، كأنِّي أَرَى كَفَّيها" يعني عائشة (^٢).
كان النَّبيُّ - ﷺ - يحب عائشةَ ﵂ حبًا شَديدًا، حتى لا يَكادُ يَصبِرُ عنها، فمثِّلَتْ له بينَ يَدَيْهِ في الجَنَّةِ لِيُهوّنَ عليه موتُه؛ فإن العَيْشَ إنما يَطيبُ باجتماع الأحِبَّةِ. وقد سأله رجلٌ: أيُّ الناسِ أحبُّ إليكَ؟ فقال: "عائشةُ"، فقال له: فَمِنَ الرجال؟ قال: "أبوها" (^٣). ولهذا قال لها في ابتداءِ مرضِهِ، لمَّا قالَتْ: وا رأساه: "ودِدْتُ أن ذلك كان وأنا حَيٌّ، فأصَلِّي عليكِ وأدفِنُكِ" فعَظُمَ ذلكَ عليها، وظنَّتْ أنَّه يُحِبُّ فِراقَها. وإنَّما كان يريدُ (^٤) تعجيلَها بين يَدَيْهِ ليقرُبَ اجتماعُهما.
وقد كانَتْ عائشةُ مَضَغَتْ لَهُ - ﷺ - سِواكًا وطيَّبَتْهُ بِرِيقها، ثمَّ دَفَعَتْهُ إليه، فاسْتَنَّ به أَحْسَنَ اسْتِنانٍ، ثمَّ ذَهَبَ يتناولُهُ، فضعُفَتْ يدُهُ عنه، فسَقَطَ من يَدِه الكريمة (^٥). فكانَتْ عائشةُ تقولُ: جَمَعَ الله بينَ رِيقي ورِيقِهِ في آخِرِ يَوْم مِنَ الدُّنيا، وأوَّلِ يومٍ مِن الآخِرَةِ. والحديثُ مخرَّجٌ في "الصحيحين" (^٦). وفي حديثٍ خرَّجه العُقَيْلِي (^٧) أنه - ﷺ - قال لها في مرضه: "ائتيني بسِواكٍ رَطْبٍ، امْضَغِيهِ [ثم ائتِينِي بهِ أمضَغُهُ] (^٨) لكي يختلِطَ رِيقِي بريقِكِ، لكي يُهوَّنَ به عليَّ عندَ الموتِ".
_________________
(١) لفظة: "حتى" لم ترد في (ب، ش، ع، ط).
(٢) ذكره ابن سعد في "الطبقات" ٨/ ٦٥ - ٦٦ وهو حديث ضعيف.
(٣) رواه الترمذي رقم (٣٨٩٠) في المناقب، باب: فضل عائشة ﵂. وقال: هذا حديث صحيح، وهو كما قال.
(٤) في آ: "قَصَدَ".
(٥) لفظة: "الكريمة" وردت في (آ، ع).
(٦) رواه البخاري رقم (٤٤٥٠) و(٤٤٥١) في المغازي، باب: مرض النبيِّ - ﷺ - ووفاته، و(٥٢١٧) في النكاح، باب: إذا استأذن الرجل نساءه في أن يمرَّض في بيت بعضهنَّ فأذِنَّ له، وليس الحديث بهذا اللفظ عند مسلم.
(٧) هو الإِمام الحافظ الناقد أبو جعفر محمد بن موسى بن حمَّاد العُقَيليُّ الحجازي صاحب "كتاب الضعفاء". قال مسلمة بن القاسم: كان العقيليُّ جليلَ القدر، عظيم الخطر، ما رأيت مثله، وكان كثير التصانيف، فكان من أتاه من المحدِّثين، قال: اقرأ من كتابك، ولا يخرِجُ أصله. قال: فتكلمنا في ذلك. وقلنا: إما أن يكون من أحفظ الناس، وإما أن يكون من أكذب الناس. فاجتمعنا، فاتفقنا على أن نكتب له أحاديث من روايته، ونزيد فيها وننقص، فأتيناه لنمتحنه، فقال لي: اقرأ، فقرأتها عليه، فلما أتيتُ بالزيادة أو النقص، فطِن لذلك، فأخذ في الكتاب، وأخذ القلم، فأصلحها من حفظه، فانصرفنا من عنده، وقد طابت نفوسنا، وعلمنا أنه من أحفظ الناس. مات سنة (٣٢٢) هـ. (سير أعلام النبلاء ١٥/ ٢٣٦ - ٢٣٩).
(٨) ما بين قوسين سقط من (آ).
[ ٢١٠ ]
قال جعفر بن محمد (^١)، عن أبيه (^٢): لمَّا بقِيَ مِن أجَلِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ثلاثٌ نَزَلَ عليه جبريلُ ﵇، فقال: يا أحمدُ! إنَّ الله قَدْ أَرْسَلَنِي إليكَ إكرامًا لكَ وتفضيلًا لك، وخاصة لك، يسألُكَ عمَّا هُوَ أَعْلَمُ بهِ منكَ، يقولُ لكَ (^٣): كيفَ تجدُكَ؟ فقالَ: "أَجِدُنِي يا جبريلُ مَغْمُومًا، وأجِدُني يا جبريلُ مكْرُوبًا"؟ ثمَّ أتاهُ في اليوم الثاني، فقال له مثلَ ذلكَ؛ ثمَّ أتاهُ في اليوم الثالثِ، فقال له مثلَ ذلكَ، ثم استأذَن فيه مَلَكُ المَوْتِ، فقالَ جبريل: يا أحمدُ! وَهذا مَلَكُ الموتِ يستأذِنُ عليكَ، ولم يستأذِنْ على آدمِي كانَ (^٤) قَبْلَكَ، ولا يستأذِنُ على آدمِي بعدَك، قال: "ائذَنْ لَهُ"، فدخَلَ مَلَكُ المَوْتِ، فوقَفَ بينَ يَدَيْهِ، فقال: يا رسولَ اللهِ، يا أحمدُ! إن الله أرسلنِي إليكَ وأَمَرَنِي أنْ أُطيعَكَ في كُلِّ ما تأمرُ؛ إنْ أمَرْتَنِي أنْ أَقْبِضَ نفسَكَ قبضْتُها، وإنْ أمَرْتَنِي أَنْ أتركَها تركْتُها؟ قال: "وتفعَلُ يا ملكَ الموتِ؟ "، قال: بذلك أُمِرْتُ أن أطِيعَكَ في كُل ما تأمُرني (^٥) به.
فقال جبريلُ: يا أحمدُ! إنَّ الله قد اشتَاقَ إليكَ. قال: "فأمْضِ يا ملكَ الموتِ لِمَا أُمِرْتَ بِهِ "، فقالَ جبريلُ ﵇: السلامُ عليكَ يا رسولَ اللهِ، هذا آخِرُ مَوْطئي مِنَ الأرضِ، إنَّما كُنْتَ حاجَتِي مِن الدنيا. وجاءت التَّعزِيَةُ (^٦) يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ والحسَّ ولا يَرونَ الشَّخْصَ: السلامُ عليكم يا أهْلَ البيتِ ورحمةُ اللهِ وبركاته ﴿كل نَفْس ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ (^٧)، إن في الله عزاءً مِن كُلِّ مُصيبةٍ، وخَلَفًا مِن كُل هالِكٍ، ودَركًا (^٨) مِن كُلِّ فائتٍ، فباللّه فثقوا، وإيَّاهُ فارجوا، إنَّما
_________________
(١) هو الإِمام الكبير جعفر بن محمد بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي، أبو عبد الله، الملقب بجعفر الصادق، من أجلاء التابعين، وله منزلة رفيعة في العلم، أخذ عنه جماعة، منهم الإمامان أبو حنيفة ومالك، ولقب بالصادق لأنَّه لم يُعرف عنه الكذب قط، له أخبار مع الخلفاء من بني العباس، وكان جريئًا عليهم صداعًا بالحق، مات سنة (١٤٨) هـ. (سير أعلام النبلاء ٦/ ٢٥٥ - ٢٧٠).
(٢) هو محمد الباقر، محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وقد تقدمت ترجمته.
(٣) لفظة "لك" سقطت من (آ، ش).
(٤) لفظة: "كان" لم ترد في (آ).
(٥) في ب، ط: "ما أمرتني".
(٦) أي جاءت التعزية بصوت جبريل ﵇ لأهل البيت.
(٧) سورة آل عمران: الآية ١٨٥.
(٨) الدَّرك: اللَّحَاقُ.
[ ٢١١ ]
المُصابُ مَنْ حُرِمَ الثوابَ، والسلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه (^١).
وكانَتْ وفاته - ﷺ - في يوم الاثنين في شهر ربيع الأوَّلِ بغيرِ خِلافٍ، وكان قَدْ كُشِفَ الستْرُ في ذلك اليومِ والناسُ في صَلاةِ الصُّبْحِ خَلْفَ أبي بكرٍ، فَهَمَّ المسلمونَ أن يُفْتَتَنُوا مِن فَرَحِهم برؤيَتِه - ﷺ -، حينَ نظروا إلى وجههِ كأنه وَرَقَةُ مُصحفٍ، وظَنوا أنَّه يخرُجُ للصَّلاةِ، فأشار إليهم: "أنْ مكانَكُم"، ثم أَرْخَى السِّتْر.
وتوفي - ﷺ - من ذلك اليوم، وظَن المسلمون أنَّه - ﷺ - قَدْ بَرِئَ مِن مَرَضِهِ لمَّا أصبحَ يومَ الاثنين مفِيقًا، فخرَجَ أبو بكرٍ إلى منزِلِه بالسُّنحِ (^٢) خارجَ المدينةِ، فلما ارتفَعَ الضحَى مِن ذلك اليوم تُوفي رسولُ اللهِ - ﷺ -. وقيل: توفي حين زاغَتِ الشَّمْسُ. والأوَّل أصَحُّ، أنه (^٣) توفي حينَ اشتَدَّ الضُّحَى مِن يومِ الاثنينِ في مثلِ الوقتِ الذي دَخَلَ فيه المدينةَ حينَ هاجَرَ إليها.
واختلَفُوا في تعيينِ ذلك اليومِ مِن الشهرِ. فقيل: كان أوَّله. وقيل: ثانيه. وقيل: ثاني عشره. وقيل: ثالثَ عشره. وقيل: خامسَ عشره. والمشهورُ بينَ الناسِ أنه كان ثانِي عَشر ربيع الأوَّل (^٤).
وقد رَدَّ ذلك السُّهيليُّ (^٥) وغيرُه، بأنَّ وَقْفةَ حَجَّةِ الوَدَاعِ في السَّنَةِ العاشِرةِ كانَتْ الجمعةَ، وكان أوَّلَ ذي الحجةِ فيها الخميسُ، ومتَى كانَ كذلكَ لم يَصِحَّ أن يكونَ يومُ الاثنين ثانِي عشرَ ربيع الأولِ، سواء حُسِبَتِ الشُّهورُ الثَّلاثةُ - أعني ذا الحجَّةِ ومحرمًا وصفرًا - كلها كامِلَةً أو ناقِصَة، أو بَعْضُها كامِلَة وبعضُها ناقِصَةً.
ولكن أجيبَ عن هذا بجوابٍ حَسَنٍ، وهو أن ابنَ إسحاقَ (^٦) ذَكَرَ أنَّ النبي - ﷺ -
_________________
(١) وهذا الحديث بطوله فيه انقطاع؛ فإن محمدًا الباقر والد جعفر الصادق، وهو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، تابعي، لم يدرك رسول الله - ﷺ - هو ولا أبوه زين العابدين.
(٢) السُّنُحُ: إحدى محال المدينة، كان بها منزل أبي بكر الصِّدِّيق ﵁، حين تزوَّج مليكة، وقيل: حبيبة بنت خارجة (معجم البلدان).
(٣) في ب، ع، ط: "وأنَّه".
(٤) لفظة: "الأول" سقطت من (آ).
(٥) انظر "الروض الأنف" ٤/ ٢٧٠، والمؤلف ينقل عنه بتصرف.
(٦) انظر "السيرة النبوية" ٢/ ٦٥٢ - ٦٥٤.
[ ٢١٢ ]
تُوفّي لاثنتي عشرةَ ليلةً من ربيع الأوَّل، وهذا مُمكِنٌ، فإنَّ العَرَب تُؤرِّخُ بالليالي دونَ الأيَّام، ولكن لا تؤرِّخ إلا بليلةٍ مَضى يومُها، فيكونُ اليوم تبعًا لليلةِ، وكل ليلةٍ لم يَمْضِ يومها لم يُعتدَّ بها، وكذلك إذا ذَكَرُوا اللياليَ في عددٍ فإنَّهم يُرِيدُون بها اللياليَ معَ أيامها، فإذا قالوا: عشر ليالٍ، فمرادُهم بأيَّامِها. ومن هنا تتبينُ (^١) صحَّةُ قولِ الجُمهورِ في أن عدَّةَ الوفاةِ أربعةُ أشهرٍ وعشرُ ليال بأيَّامِها، وأنَّ اليومَ العاشِرَ من جملة تمامِ العدَّةِ، خِلَافًا للأوزاعيِّ (^٢).
وكذلك قال الجمهُورُ في أشهُر الحجِّ: إنَّها شوَّالٌ وذو القَعْدَةِ وعَشْرٌ مِن ذي الحجَّةِ، وأنَّ يومَ النَّحرِ داخل فيها لهذا المعنى، خلافًا للشافِعي.
وحينئذٍ فيوم الاثنين الذي توفِي فيه النَّبي - ﷺ - كانَ ثالثَ عشرَ الشهرِ، لكنْ لمَّا لم يكُنْ يومُه قَدْ مَضى لم يُؤرَّخ بليلتِه، إنَّما أرَّخوا بليلةِ الأحَدِ ويومِها، وهو الثاني عشَرَ، فلذلك قال ابنُ إسحاقَ: توفي لاثنتيْ عشرَةَ ليلةً مَضَتْ مِن ربيع الأوَّلِ. والله أعلم.
واختلَفوا في وقتِ دفنِه: فقيل: دُفِنَ من ساعتِه، وفيهِ بُعْدٌ. وقيلَ: من ليلةِ الثلاثاء. وقيل: يومَ الثلاثاء. وقيل: ليلة الأربعاء.
ولمَّا توفي - ﷺ - اضطرب المسلمون؛ فمنهم مَنْ دُهِشَ فَخُولطَ؛ ومنهم مَنْ أُقعِدَ فلم يُطِقِ القِيامَ؛ ومنهم مَن اعتُقِلَ لسانُه فلم يُطِقِ الكلامَ، ومنهم مَن أنكَرَ موتَهُ بالكُليَّةِ، وقال: إنَّما بُعثَ إليه كما بُعِثَ إلى موسى، وكان مِن هؤلاء عُمَرُ، وبلَغَ الخبرُ أبا بكرٍ، فأقبَلَ مُسْرِعًا حتَّى دَخَلَ بيتَ عائِشةَ ورسولُ اللّهِ - ﷺ - مُسجًّى، فكَشَفَ عن وجهِهِ الثَّوْبَ وأكبَّ عليه، وقبَّلَ وجهَهُ (^٣) مرارًا وهو يبكِي، وهو يقولُ: وا نبيَّاه! وا خليلاه! وا صفياه! وقال: إنا للّه وإنا إليه راجعون، ماتَ واللّهِ رسولُ اللّه - ﷺ -. وقال: واللّهِ لا يجمَعُ اللّه عليكَ مَوْتَتينِ، أمَّا الموتةُ التي كتبت (^٤) عليكَ فَقَدْ مُتَّها.
_________________
(١) في ع، ش، ط: "يتبين".
(٢) هو عبد الرحمن بن عمرو بن يُحمِد الأوزاعي، أبو عمرو، إمام الديار الشامية في الفقه والزهد، وأحد الكتاب المترسلين. مات سنة ١٥٧ هـ.
(٣) في ب، ع، ط: "جبهته".
(٤) في ط: "كتب الله"، وفي ب: "كتبها الله".
[ ٢١٣ ]
ثمَّ دَخَلَ المسجِدَ وعُمَرُ يكلِّمُ الناسَ، وهم مجتمِعُونَ عليه، فتكلَّمَ أبو بكرٍ وتشهَّدَ، وحمِدَ الله، فأقبَلَ الناسُ إليه، وتَرَكُوا عُمَرَ. فقال: مَنْ كانَ يعبُدُ محمَّدًا فمن محمَّدًا قَدْ مَاتَ، ومَنْ كان يعبُدُ الله، فإن اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوت، وتلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلَّا رَسُولْ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل أفإن مَاتَ أو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابكُمْ﴾ (^١) الآية. فاستيقَنَ الناسُ كلُّهم بموتهِ وكأنَّهُم لم يَسْمَعُوا هذه الآيةَ مِن قبلِ أَن يَتلُوها أبو بكرٍ، فتلقَّاها النَّاسُ منه، فما يُسْمَعُ أحدٌ إلَّا يَتْلُوها.
وقالَتْ فاطمة ﵍: يا أبتاه! أجابَ ربًّا دعاهْ. يا أبتاه! جَنة الفردوسِ مأْواهْ. يا أبتاه! إلى جبريلَ أنعاهْ. يا أبتاه! مِن رَبِّه ما أدناهْ. وعاشَتْ بعدَهُ ستةَ أشْهُرٍ، فما ضَحِكَتْ في (^٢) تلك المدَّةِ، وحُقَّ لها ذلك.
على مِثْلِ ليلَى يَقْتُل المرءُ نَفْسَه … وإنْ كانَ مِنْ لَيْلَى عَلَى الهَجْرِ طَاوِيا
كلُّ المصائب تهونُ عندَ هذه المصيبةِ.
في "سنن ابن ماجه" أنه - ﷺ - قال في مرضِهِ: "يا أيها (^٣) الناسُ! إنْ (^٤) أحَدٌ مِنَ الناسِ، أو من المؤمنينَ أُصِيبَ بمصيبةٍ، فليتَعزَّ بمصيبتِهِ بي عن المصيبة التي تصيبُه بغيرِي، فإن أحدًا مِن أمتِي لَنْ يُصَابَ بمصيبةٍ بَعْدِي أشدّ عليهِ مِن مصِيبتِي" (^٥).
قال أبو الجوزاءِ (^٦): كانَ الرَّجلُ مِن أهلِ المدينة إذا أصابَتْهُ مُصِيبَة جاءَ أخُوه فصافَحَهُ، ويقول: يا عبدَ الله! ثِقْ باللَّهِ (^٧)، فإن في رسولِ اللهِ - ﷺ - أسوَةً حَسَنَةً.
اصْبِرْ لِكُلِّ مُصِيبَةٍ وَتَجَلَّدِ … واعْلَمْ بأن المَرْءَ غَير مُخَلَّدِ
واصْبِرْ كما صَبَرَ الكِرامُ فإنَّها … نُوَبٌ تَنُوبُ اليومَ تُكْشَفُ في غَدِ (^٨)
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: (١٤٤) وتتمتها: ﴿ومن ينقلِبْ على عَقِبيْهِ فلن يضُر الله شيئًا، وسيجزي الله الشاكرين﴾.
(٢) لفظة "في" لم ترد في (آ).
(٣) في آ، ش، ع: "أيها الناس"، وما جاء في (ب، ط) موافق لسنن ابن ماجه.
(٤) في سنن ابن ماجه: "أيُّما".
(٥) رواه ابن ماجه رقم (١٥٩٩) في الجنائز، باب: ما جاء في الصبر على المصيبة، وإسناده ضعيف.
(٦) هو أوس بن عبد الله الرَّبعي، أبو الجوزاء البصريُّ، ثقة. حكى البخاري أنه قتل في الجماجم سنة (٨٣ هـ).
(٧) في ب، ش، ع، ط: "اتق الله".
(٨) النُّوَبُ: النوائب، جمع نائبة، وهي المصيبة.
[ ٢١٤ ]
وإذا أَتَتْكَ مُصِيبَةٌ تُشْجَى بِها (^١) … فاذْكُرْ مُصَابَكَ بالنَّبيِّ مُحَمَّدِ
ولبعضهم (^٢):
تَذَكَّرْتُ لَمَّا فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْنَنَا … فَعزَّيْتُ نَفْسِي بالنبِي مُحَمَّدِ
وَقُلْتُ لَها إن المنَايا سَبِيلُنا … فَمَنْ لَمْ يَمُتْ في يَوْمِهِ ماتَ في غَدِ
كانت الجماداتُ تتصدَّعُ مِن ألم مفارقةِ الرَّسُولِ، فكيفَ بقلوبِ المؤمنينَ؟!.
لما فقدَه الجِذْعُ الذي كان يخطُبُ إليه قَبْلَ اتِّخَاذِ المِنْبَرِ حَنَّ إليه، وصَاحَ كما يَصِيحُ الصَّبِيُّ، فَنَزلَ إليه فاعْتَنَقهُ، فجَعَلَ يُهدَّى كما يُهدَّى (^٣) الصَّبِيُّ الذي يُسَكَّنُ عندَ بكائِه، فقال: "لو لم أعتنِقْهُ لَحَنَّ إلى يومِ القيامةِ" (^٤).
كان الحسنُ إذا حَدَّثَ بهذا الحديثِ بَكَى، وقال: هذهِ خَشَبَة تَحِنُّ إلى رسولِ اللهِ - ﷺ -، فأَنْتُمْ أحقُّ أَنْ تَشْتَاقُوا إليه. ورُوِي أن بلالًا كان يُؤذنُ بعدَ وفاة النبي - ﷺ - قبلَ دفنِه، فإذا قال: أشهدُ أن محمَّدًا رسولُ اللهِ، ارتجَّ المسجِدُ بالبُكاءِ والنَّحِيبِ، فلمَّا دُفِنَ تَرَكَ بلال الأذانَ.
ما أمَرَّ عَيْشَ من فَارقَ الأحباب، خصوصًا مَنْ كانَتْ رُؤيتُه حياةَ الألباب.
لو ذَاقَ طَعْم الفِراق رَضْوَى … تكَادَ مِنْ وَجْدِهِ يَمِيدُ
قَدْ حَمَّلُوني عَذَابَ شَوْقٍ … يَعْجِزُ عَنْ حَمْله الحَدِيدُ
لمَّا دُفِنَ الرَّسُولُ - ﷺ -، قالَتْ فاطمةُ: كيفَ طابَتْ أنفسُكُم أن تحثُوا على
_________________
(١) تُشْجَى: تحزن.
(٢) في (آ): "غيره".
(٣) أي يُهدأ، فأسقط الهمزة.
(٤) رواه بهذا اللفظ أحمد في "المسند" ١/ ٢٤٩ و٢٦٧ و٣٦٣ من حديث عبد الله بن عبَّاس، ﵄. ورواه أيضًا بنحوه أحمد في "المسند" ٣/ ٢٩٣ و٢٩٥ و٣٠٦ و٣٢٤؛ والبخاري رقم (٣٥٨٤) و(٣٥٨٥) في المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، والنسائي ٣/ ١٠٢ في الجمعة، باب: مقام الإِمام في الخطبة من حديث جابر بن عبد الله، ﵄. ورواه أيضًا بنحوه أحمد في "المسند" ٣/ ٢٢٦، والترمذي رقم (٣٦٢٧) في المناقب، باب: رقم (٦) من حديث أنس بن مالك، ﵁. ورواه أيضا بنحوه أحمد في "المسند" ٥/ ١٣٩؛ والبخاري رقم (٣٥٨٣) في المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، وهو حديث صحيح.
[ ٢١٥ ]
رسولِ اللَّهِ - ﷺ - التراب (^١)؟. قال أنس: لمَّا كانَ اليومُ الذي دَخَلَ فيه رسولُ اللَّهِ - ﷺ - المدينةَ أضاءَ منها كل شيء، فلمَّا كانَ اليومُ الذي دُفِنَ فيهِ أَظْلَمَ منها كُل شيءٍ، وما نَفَضْنَا أيدينا عَن رسولِ اللهِ - ﷺ - (^٢)، وإنَّا لفِي دَفْنِهِ حتى أَنكَرْنَا قُلُوبَنا.
لِيَبْكِ رَسُولَ اللَّهِ مَنْ كَانَ باكيًا … فلا تَنْسَ قَبْرًا بالمدينةِ ثَاويَا
جَزَى اللهُ عنَّا كُلَّ خَيْرٍ مُحمَّدًا … فَقَدْ كانَ مَهدِيًّا وقَدْ كانَ هَادِيا
وكانَ رَسُولُ اللهِ رُوحًا ورَحْمَةً … وَنُورًا وبُرهانًا مِنَ اللَّهِ بادِيا
وكانَ رَسُولُ اللَّهِ بالخيرِ آمِرًا … وكانَ عَنِ الفَحْشَاءِ والسُّوءِ ناهِيا
وكانَ رَسُولُ اللهِ بالقِسْطِ قائمًا (^٣) … وكان لِمَا اسْتَرْعَاهُ مَوْلَاهُ رَاعِيا
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَدْعُو إلى الهُدَى … فَلَبَّى رَسُولُ اللهِ لَبَّيْهِ داعِيا
أيُنْسَى أبَرُّ الناس بالنَّاسِ كُلِّهِم … وأَكْرَمُهُمْ بيتًا وشِعْبًا ووادِيا
أيُنْسَى رسولُ اللَّهِ أكرمُ مَنْ مَشَى … وآثارُهُ بالمَسْجِدَيْنِ كما هِيَا
تَكَدَّرَ مِنْ بَعْدِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ … عليه سَلامُ كُلِّ ما كانَ صافِيا (^٤)
رَكَنَّا إلى الدُّنيا الدَّنِيَّةِ بعدَهُ … وكَشَّفَتِ الأطْمَاعُ مِنَّا مَسَاوِيا
وكَمْ مِن مَنَارٍ كانَ أوْضَحَهُ لَنَا … ومِنْ عَلَم أَمْسَى وأصْبَحَ عافِيا (^٥)
إذا المرءُ لم يلبَسْ ثِيابًا مِنَ التُّقَى … تقلَّبَ عُريانًا وإن كان كاسِيا
وخيرُ خِصالِ المرءِ طاعَةُ ربِّهِ … ولا خَيْرَ فيمَنْ كانَ للَّهِ عاصِيا
* * *
_________________
(١) في ب، ط: "أن تحثوا التراب على رسول الله - ﷺ - ".
(٢) في ب، ط: "وما نفضنا عن رسول اللّه - ﷺ - التراب". وفي ع: "وما نفضنا التراب عن رسول الله - ﷺ - ".
(٣) القِسْطُ: العَدْلُ.
(٤) في آ: "عليه سلام الله ما كان صافيا".
(٥) العَلَم: العَلَامة، والجبل. وأراد به هنا ما يقتدى به. والعافي: الدارس.
[ ٢١٦ ]