ثبت (^٣) في الصحيحين (^٤) عن عمران بن حُصين: أن النبيَّ - ﷺ - قال لرجل: "هل صُمْتَ من سَرَرِ (^٥) هذا الشهرِ شيئًا؟ قال: لا، قال: فإذا أفطرْتَ فَصُمْ يومين". وفي رواية للبخاري: أظنه يعني رمضانَ. وفي رواية لمسلم، وعلَّقَها البخاري: "هَلْ صُمْتَ مِن سَرَرِ شعبانَ شيئًا؟ ". وفي رواية: "فإذا أفطرْتَ مِن رمضانَ فصُمْ يومين مكانَه". وفي روايةٍ: يومًا أو يومين، شَكَّ شعبةُ.
ورُوي "من سِرَار هذا (^٦) الشهرِ".
وقد اختُلِفَ في تفسير السّرار، والمشهور أنَّه آخِرُ الشَّهرِ؛ يقال: سِرارُ الشهرِ وسرارُه، بكسر السين وفتحها، ذكره ابنُ السكيت (^٧) وغيرُه. وقيل: إن الفتح أفصَحُ، قالَه الفراء. وسُمي آخرُ الشهرِ سِرارًا لاسْتِسْرارِ (^٨) القمر فيه. وممن فسَّرَ السِّرارَ بآخرِ
_________________
(١) في آ، ش، ع "في بكورك".
(٢) لفظ "آخر"سقط من (آ).
(٣) لفظ "ثبت" لم يرد في آ، ش، ع.
(٤) أخرجه البخاري ٤/ ٢٠٠ و٢٠١ في الصوم، باب الصوم من آخر الشهر؛ ومسلم رقم (١١٦١) في الصيام، باب صوم سرر شعبان؛ وأبو داود رقم (٢٣٢٨) في الصوم، باب في التقدم.
(٥) سَرَر الشهر: آخر ليلة منه، وسيأتي المؤلف على شرحه.
(٦) لفظة "هذا" مستدركة في هامش نسخة (آ). وانظر هذه الروايات في "جامع الأصول" ٦/ ٣٥٥.
(٧) انظر "المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح على حروف المعجم" للعكبري ١/ ٣٩٢، وفيه: "والفتح أجود".
(٨) أي لاختفائه. وفي آ، ش، ط: "لاستمرار".
[ ٢٦٩ ]
الشهرِ أبو عبيد (^١) وغيرُه من الأئمة. وكذلك بَوَّبَ عليه البخاريُّ صيامَ آخر الشهر، وأشكلَ هذا على كثيرٍ من العلماء؛ فإنَّ في "الصحيحين" (^٢) أيضًا، عن أبي هريرةَ - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، قال: "لا تَقدَّموا رمضانَ بيومٍ (^٣) أو يومين، إلَّا مَنْ كان يَصُومُ صومًا فليصُمْهُ".
فقال كثيرٌ من العلماء، كأبي عبيد، ومَن تابعَهُ، كالخطَّابي (^٤)، وأكثرُ شُرَّاحِ الحديثِ: إن هذا الرجلَ الذي سأله النبي - ﷺ - كان يعلَمُ أن له عادةً بصيامِهِ، أو كان قد نذَرَهُ، فلذلك أمرَهُ (^٥) بقضائِهِ. وقالت طائفة: حديثُ عِمرانَ يَدُلُّ على أنه يجوزُ صيامُ يومِ الشكِّ وآخِرِ شعبانَ مطلقًا، سواء وافقَ عادةً أو لم يوافق. وإنما يُنهَى عنه إذا صامَهُ بنيَّةِ الرَّمضَانيةِ احْتياطًا، وهذا مذهبُ مالك، وذَكَرَ أنَّه القولُ الذي أدرَكَ عليه أهلَ العلم، حتى قال محمد بن مَسْلَمَةَ من أصحابه: يُكرَهُ الأمرُ بفطرِهِ؛ لئلًا يُعتقدَ وجوبُ الفطرِ قبلَ الشهر كما وجَبَ بعدَه.
وحَكَى ابنُ عبد البِرّ هذا القولَ عن أكثرِ علماءِ الأمصارِ، وذكر محمد بن ناصرٍ الحافظُ أن هذا هو مذهبُ أحمدَ أيضًا، وغُلِّطَ في نقلهِ هذا عن أحمدَ، ولكن يُشكِلُ على هذا حديثُ أبي هريرةَ - ﵁ -، وقوله (^٦): "إلَّا مَنْ كان يصومُ صومًا فليصُمْه". وقد ذَكَرَ الشافعِيُّ في كتاب "مختلف الحديث" (^٧) احتمالًا في معنى قوله "إلا مَنْ كان يَصُومُ صومًا فليصُمْه". وفي رواية "إلَّا أن يوافِقَ ذلك صومًا كان يَصُومُه
_________________
(١) في آ: "أبو عبيدة"، وكذا في اللسان والتاج.
(٢) أخرجه البخاري رقم (١٩٨٣) في الصوم، باب لا يتقدم رمضان بصوم يوم ولا يومين؛ ومسلم رقم (١٠٨٢) في الصوم، باب لا تتقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين؛ وأبو داود رقم (٢٣٣٥) في الصوم، باب فيمن يصل شعبان برمضان؛ والترمذي رقم (٦٨٤) في الصوم، باب ما جاء: لا تقدموا الشهر بصوم.
(٣) في مصادر الحديث: "بصوم يوم أو يومين".
(٤) قال الخطابي معلقًا على قوله - ﷺ -: "هل صُمت من سِرار هذا الشهر شيئًا": كان بعض أهل العلم يقول في هذا: إنَّ سؤاله سؤالُ زجر وإنكار؛ لأنه قد نهى أن يستقبل الشهر بصوم يوم أو يومين. قال: ويشبه أن يكون هذا الرجل قد أوجَبَه على نفسه بنَذْر، فلذلك قال له في سياق الحديث: إذا أفطرت - يعني في رمضان - فصُم يومين؛ فاستحب له الوفاء بهما. (النهاية ٢/ ٣٥٩).
(٥) في آ، ش: "أمر بقضائه".
(٦) في هامش آ: "في الصحيحين".
(٧) كتاب اختلاف الحديث ص ٢٥٠ - ٢٥٢ (ط. بيروت ١٩٨٥).
[ ٢٧٠ ]
أحدُكم": أن المرادَ بموافقة العادةِ صيامُهُ على عادةِ النَّاسِ في التطوع بالصِّيام دونَ صيامِه بنيَّةِ الرمضانيةِ للاحتياط. وقالت طائفة: سِرُّ (^١) الشهرِ: أوله.
وخرَّج أبو داود في باب تقدُّم (^٢) رمضان من حديث معاويةَ أنَّه قال: إنِّي متقدِّمٌ الشهر، فمن شاءَ فليتقدَّمْ، فسُئلَ عن ذلك، فقال: سمعْتُ النبيَّ - ﷺ - يقولُ: "صُوموا الشهرَ وسِرَّه". ثم حكى أبو داودَ عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز أن سِرَّ الشهر أوَّلُه. قال أبو داود: وقال بعضُهم: سِرُّه: وَسَطُه. وفرَّقَ الأزهرِيُّ (^٣) بين سِرارِ الشهرِ وسِرّه، فقال: سِرارُه وسَرَرُه (^٤): آخره، وسِرُّه: وَسَطُه، وهي أيَّامُ البيضِ، وسِرُّ كُلِّ شيءٍ: جَوفُهُ.
وفي رواية لمسلم في حديث عِمرانَ بن حُصين المذكور "هَلْ صُمْتَ من سُرَّةِ هذا الشهر"، وفُسِّرَ ذلك بأيَّام البيض (^٥). قلت: لا يصِحُّ أنْ يُفَسَّرَ سَرَرُ الشهرِ وسَرَارُه بأوَّلِه، لأنَّ أوَّلَ الشهر يَشتهِرُ فيه الهلالُ وُيرَى من أوَّلِ الليل، ولذلك سُمِّي الشهرُ شهرًا؛ لاشتهارِه وظهورِه. فتسميةُ ليالي الاشتهارِ لياليَ السِّرارِ قَلْبٌ لِلُّغةِ والعُرْفِ.
وقد أنكر العلماءُ ما حكاه أبو داودَ عن الأوزاعيِّ، منهم الخطَّابيُّ، ورَوَى بإسناده عن الوليد، عن الأوزاعيِّ، قال: سِرُّ الشهرِ: آخِرُه. وقال الهروِيُّ: المعروفُ أن سِرّ الشهر آخرُه. وفسَّرَ الخطَّابيُّ حديثَ معاويةَ "صُوموا الشهر وسِرَّة" بأنَّ المرادَ بالشهر الهلالُ، فيكونُ المعنى: صُوموا أوَّلَ الشهرِ وآخرَهُ، فلذلك أمَرَ معاويةَ بصيام آخِر الشهر.
قلت: لمَّا رَوَى معاوية "صُوموا الشهرَ وسِرَّه" وصَام (^٦) آخِرَ الشهر، عُلِمَ أنَّه فسِّرَ السِّرَّ بالآخِر.
_________________
(١) في آ: "سِرر الشهر".
(٢) في آ، ع: "تقديم". أخرجه أبو داود رقم (٢٣٢٩) و(٢٣٣٠) و(٢٣٣١) في الصوم، باب في التقدم، برواية المغيرة بن فروة، وهو الثقفي أبو الأزهر الدمشقي، لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي رجاله ثقات.
(٣) هو أبو منصور الأزهري، صاحب تهذيب اللغة.
(٤) في ب: "سَراره". وفي التهذيب ١٢/ ٢٨٥: "يقال: سِرار الشهر وسَراره وسَرَره".
(٥) قال الخطابي: في "السر" ثلاث لغات: سِرُّه، وسَررُه، وسرَارُه. قال: ويجوز أن يكون سِرُّه: وسطه، وسِرُّ كُلِّ شيءٍ: جوفُه ووسطه، ومنه سِرُّه الإنسان، فيكون حثا على صيام الأيام البيض.
(٦) في ش، ع، ط: "وصيام"، وهو تحريف.
[ ٢٧١ ]
والأظهرُ أنَّ المرادَ بالشهر شهرُ رمضانَ كلِّه، والمراد بسرِّه آخرُ شعبانَ، كما في رواية البخاري في حديث عِمران "أظنه يعني رمضان". وأضافَ السّررَ إلى رمضانَ، وإن لم يكن منه، كما سُمِّي رمضانُ شهرَ عيدٍ وإن كان العيدُ ليس منه، لكنَّه يعقبُه، فدَلَّ حديثُ عِمرانَ وحديثُ معاويةَ على استحباب صيامِ آخِرِ شعبانَ. وإنَّما أمَرَ بقضائه في أوَّلِ شوَّال؛ لأنَّ كلًّا مِن الوقتين صيامٌ يلي شهرَ رمضانَ، فهو ملتحِقٌ برمضانَ في الفضل، فَمَنْ فاتَهُ ما قبلَهُ صامَهُ فيما بعدَه، كما كان النبيُّ - ﷺ - يصومُ شعبانَ، وندبَ إلى صيام شوال.
وإنما يُشكل على هذا (^١) حديثُ أبي هريرةَ - ﵁ - في نهي النَّبيِّ - ﷺ - عن تقدُّم رمضانَ بيوم أو يومين، إلَّا مَن له عادة أو مَنْ كانَ يَصُومُ صومًا. وأكثرُ العلماءِ علىَ أنَّه نَهَى عن التقدُّمِ إلَّا مَنْ كانت له عادةٌ بالتطوُّعِ فيه، وهو ظاهرُ الحديثِ. ولم يذكر أكثرُ العلماءِ في تفسيره بذلك اختلافًا، وهو الذي اختارَهُ الشافعيُّ في تفسيرِه ولم يرجِّحْ ذلك الاحتمالَ المتقدِّمَ. وعلى (^٢) هذا فيرجَّحُ حديثُ أبي هريرةَ على حديثِ عِمرانَ؛ فإن حديثَ أبي هريرةَ فيه نهيٌ عامٌّ للأمَّةِ عُمومًا، فهو تَشريعٌ عامُّ للأمَّةِ، فيُعمَلُ به.
وأمَّا حديثُ عِمرانَ فهي قضيَّةُ عينٍ في حقِّ رَجُلٍ مُعيَّنٍ، فيتعيَّنُ حَمْلُه على صورة صيامٍ لا يُنهى عن التقدُّم به جمعًا بينَ الحديثين. وأحسنُ ما حُمِلَ عليه أن هذا الرَّجُلَ الذي سأله النبيُّ - ﷺ - كان قد علِمَ منه - ﷺ -، أنه كان يَصُومُ شعبانَ أو أكثرَهُ موافقةً لِصيام النبي - ﷺ -، وكان قد أفطَرَ فيه بعضَه، فسأله عن صيام آخِره، فلمَّا أخبَرَهُ أنَّه لم يَصُمْ آخِرَه أَمَرَه بأن يَصُومَ بدَلَه بعدَ يومِ الفطرِ؛ لأن صيامَ أوَّلِ شوالٍ كصيامِ آخِرِ شعبانَ، وكلاهما حَريمٌ (^٣)، لرمضانَ. وفيه دليل على استحباب قضاءِ ما فاتَ من التطوُّعِ بالصيامِ، وأن يكونَ في أيام مُشابهةٍ للأيَّامِ التي فات فيها الصِّيامُ في
_________________
(١) في هامش (آ) بخط مغاير ما نصه: "وهو استحباب صيام آخر شعبان".
(٢) في آ، ش، ع: "فعلى هذا".
(٣) قوله: "حريم لرمضان": أي ملازم له ومحيط.
[ ٢٧٢ ]
الفَضْلِ، وفيه دليلٌ على أنه يجوزُ لِمن صامَ شعبانَ أو أكثرَه أن يصلَهُ برمضانَ من غير فَصْلٍ بينهما. فصيامُ آخِر شعبانَ له ثلاثةُ أحوال:
أحدها: أنْ يَصومَه بِنيَّة الرمضانيَّةِ احتياطًا لرمضانَ، فهذا منهيٌّ عنه، وقد فعَلَه بعضُ الصحابة، وكأنَّهم لم يبلغهم النهيُ عنه؛ وفرَّق ابنُ عمرَ بينَ يوم الغيمِ والصَّحْوِ في يوم الثلاثين من شعبانَ، وتبعه الإمامُ أحمد.
والثاني: أن يُصامَ بنيَّةِ النذر (^١) أو قضاءٍ عن رمضانَ أو عن كفَّارةٍ ونحو ذلك، فجوزَه الجمهورُ. ونهى عنه مَن أمَرَ بالفصل بين شعبانَ ورمضانَ بفطر يومٍ مُطلقًا (^٢)، وهم طائفةٌ من السَّلفِ. وحُكي كراهتُهُ أيضًا عن أبي حنيفة والشافعي، وفيه نظرٌ.
والثالث: أن يُصامَ بنيَّةِ التطوُّعِ المطلَقِ، فكرِهَهُ مَن أمَرَ بالفَصْلِ بين شعبانَ ورمضانَ بالفِطر؛ منهم (^٣) الحسنُ، وإن وافقَ صومًا كان يصومُه، ورخَّص فيه مالكٌ ومَن وافَقَه، وفَرَّق الشافعيُّ والأوزاعيُّ وأحمدُ وغيرُهم بينَ أن يُوافِقَ عادةً أولا، وكذلك يُفرَقُ بينَ مَن تقدَّم صيامُه بأكثَرَ مِن يومين ووَصَلَه برمضانَ، فلا يُكرَه أيضًا إلَّا عندَ من كَرهَ الابتداءَ بالتطوُّع بالصِّيامٍ بعدَ نصف شعبانَ؛ فإنَّه ينهَى عنه إلَّا أن يبتدئَ الصيامَ قبلَ النصفِ ثم يَصِلَه برمضان (^٤).
وفي الجملة فحديثُ أبي هريرةَ هو المعمولُ به في هذا الباب عندَ كثيرٍ من العلماء وأنه يُكره التقدُّمُ قبلَ رمضانَ بالتطوُّعِ بالصيامِ بيوم أو يومين لمن ليس له به عادةٌ، ولا سَبَقَ منه صيامٌ قبلَ ذلك في شعبانَ متصلًا بآخِرِه. ولكراهة التقدُّم ثلاثةُ معانٍ:
أحدها: أنَّه على وجهِ الاحتياطِ لرمضانَ، فيُنهَى عن التقدُّم قبلَه؛ لئلَّا يزادَ في صيام رمضانَ ما ليس منه، كما نُهِي عن صيام يوم العيدِ لهذا المعَنى، حَذَرًا مِمَّا وقَعَ فيه أهَلُ الكتابِ في صيامهم، فزادوا فيه بآرائهم وأَهوائهم. وخرَّجَ الطبرانيُّ وغيرُه عن
_________________
(١) في ط: "الندب"، وهو تحريف.
(٢) في آ: "مطلق".
(٣) في آ، ع: "ومنهم".
(٤) في حاشية آ: "ولا يفصله بفطر".
[ ٢٧٣ ]
عائشةَ - ﵂ -، قالت: إنَّ ناسًا (^١) كانوا يتقدَّمون الشهرَ فيصُومونَ قبلَ النبيِّ - ﷺ -، فأنزلَ الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^٢). قالت عائشة: إنَّما الصومُ صَومُ النَّاسِ، والفِطْرُ فِطْرُ النَّاسِ (^٣).
ومع هذا فكان من السَّلفِ مَنْ يتقدَّمُ للاحتياطِ، والحديثُ حجَّةٌ عليه، ولهذا نُهي عن صيامِ يومِ الشكِّ. قال عمَّار: مَنْ صامَهُ فقد عَصَى أبا القاسم - ﷺ -.
ويومُ الشكِّ: هو اليومُ الذي يُشَكُّ فيه؛ هل هو مِن رمضانَ أو غيرِه؟ فكان من المتقدِّمينَ مَنْ يَصُومُه احْتِياطًا، ورخَّصَ فيه بعضُ الحنفيَّةِ للعلماءِ في أنفسِهِم خاصَّةً دون العامَّةِ، لئلَّا يعتقدوا وُجوبَه بناءً على أصلِهم في أن صومَ رمضانَ يُجزئ بنيَّةِ الصيامِ المطلقِ والنَّفلِ، ويومُ الشكِّ هو الذي تحدَّثَ برؤيته مَن لم يُقبَلْ قولُه.
فأمَّا يومُ الغيمِ: فمِنَ العُلماءِ مَنْ جعَلَه يومَ شكِّ ونهى عن صيامِه، وهو قولُ الأكثرينَ؛ ومنهم من صامه احْتياطًا، وهو قولُ ابن عمرَ، وكان الإِمامُ أحمدُ يتابعُه على ذلك؛ وعنه في صيامِهِ ثلاثُ رواياتٍ مشهوراتٍ؛ ثالثُها: لا يُصامُ الَّا مع الإمامِ وجماعةِ المسلمين؛ لئلَّا يقعَ الافتياتُ عليهم والانفرادُ عنهم. وقال اسحاقُ: لا يُصامُ يومُ الغيم، ولكن يتلوَّمُ (^٤) بالأكل فيه (^٥) إلى ضَحْوةِ النَّهارِ خَشيةَ أن يُشهدَ برؤيته بخلافِ حال الصَّحْو؛ فإنه يأكُلُ فيه من غدوةٍ.
والمعنى الثاني: الفَصْلُ بين صيام الفرض والنَّفْل؛ فإنَّ جنسَ الفصلِ بينَ الفرائض والنَّوافِل مشروعٌ، ولهذا حَرُمَ صِيامُ يوم العيدِ. ونَهَى النبيُّ - ﷺ - أنْ توصَلَ صلاةٌ مفروضةٌ بصلاةٍ حتى يُفصَلَ بينهما بسلام أوَ كلامٍ، وخصوصًا سُنَّةُ الفجر قبلَها، فإنَّه يُشرَعُ الفصْلُ بينها وبين الفريضةِ، ولهذا يُشْرَعُ صلاتُها في البيت والاضطجاعُ بعدَها.
_________________
(١) في آ: "أناسًا". والأصل في الناس: الأناس مخفَّف، فجعلوا الألف واللام عوضًا عن الهمزة، وقد قالوا: الأناس. (التاج: أنس).
(٢) سورة الحجرات الآية ١.
(٣) رواه الطبراني في الأوسط وابن مردويه، كما في "الدر المنثور" للسيوطي ٧/ ٥٤٧.
(٤) في ع: "يتصبر". والتلَوُّم: الانتظار والتلبُّث.
(٥) في آ، ش: "منه".
[ ٢٧٤ ]
ولمَّا رأى النبيُّ - ﷺ - رجلًا يُصلِّي وقد أقيمت صلاةُ الفجر، قال له: "الصُّبْحَ أَرْبعًا" (^١).
وفي "المسند" (^٢) أنَّه - ﷺ - قال: "افصِلُوا بينها وبين المكتوبة ولا تجعلوها كصلاة الظهر".
وفي سنن أبي داودَ (^٣) أن رجلًا صلى مع النبيِّ - ﷺ -، فلمَّا سلَّم قامَ يَشفَعُ، فوثَبَ عليه عمرُ فأخَذَ بمنكِبيه، فهزَّه، ثم قال: اجلسْ، فإنَّه لم يَهلِكْ أهلُ الكتابِ، إلَّا أنَّه لم يكن لصلاتهم فصْلٌ، فرفَعَ النبيُّ - ﷺ - بصَرَهُ، فقال: "أصابَ الله بكَ يا ابنَ الخطَّابِ". ومَنْ عَلَّلَ بهذا؛ فمنهم مَن كَرِهَ وَصْلَ صَوم شعبانَ برمضانَ مطلقًا. ورُوي عن ابن عُمَرَ، قال: لو صُمْتُ الدَّهْرَ كلَّه لأفْطَرْتُ الذَي بينهما. ورُوي فيه حديث مرفوعٌ لا يصِحُّ. والجمهورُ على جواز صيامِ ما وافَقَ عادةً؛ لأنَّ الزِّيادة إنَّما تُخشَى إذا لم يُعرفْ سَببُ الصِّيام.
والمعنى الثالث: أنَّه أمرَ بذلك؛ للتقوَّي على صِيامِ رمضانَ؛ فإنَّ مُواصلَةَ الصِّيامِ قد تُضعِفُ عن صيام الفَرْضِ، فإذا حصل الفِطرُ قبلَه بيوم أو يومين كان أقربَ إلى التقوِّي على صِيام رَمضانَ. وفي هذا التعليل نظرٌ، فإنه لا يُكرَهُ التقدُّمُ بأكثرَ من ذلك، ولا لمن صام الشهر كلَّه، وهو أبلَغُ في معنَى الضُّعف، لكنَ الفطر بنيَّةِ التقوِّي لصيامِ رمضانَ حَسَنٌ لمن أضعَفُه مُواصلَةُ الصيامِ، كما كان عبدُ الله بن عمرو بن
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٦٦٣) في صلاة الجماعة: باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة؛ ومسلم رقم (٧١١) في صلاة المسافرين: باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع الأذان؛ والنسائي ٢/ ١١٧ في الإمامة: باب ما يكره من الصلاة عند الإقامة، ومسند أحمد ٥/ ٣٤٥؛ من حديث عبد الله بن مالك بن بُحَيْنة - ﵁ -، قال: "مَرَّ رسول الله - ﷺ - برجلٍ - وفي رواية أنه رأى رجلًا - وقد أقيمت الصلاة يصلِّي ركعتين، فلما انصرف رسول الله - ﷺ - لاثَ به الناس، فقال له رسول الله - ﷺ -: آلصبحَ أربعًا؟ آلصبحَ أربعًا؟ ".
(٢) مسند أحمد ٥/ ٣٤٥ عن عبد الله بن مالك بن بُحَيْنة، أن النبي - ﷺ - مَر به وهو يصلِّي يطوِّل صلاته، أو نحو هذا، بين يدي صلاة الفجر، فقال له النبي - ﷺ -: "لا تجعلوا هذه مثل صلاة الظهر قبله أو بعدها، اجعلوا بينهما فصلًا".
(٣) رقم (١٠٠٧) في الصلاة: باب في الرجل يتطوع في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة.
[ ٢٧٥ ]
العاص يسرُدُ الفِطرَ أحيانًا، ثم يسرُدُ الصَّوْمَ ليتقوَّى بفطرِهِ على صَوْمِه. ومنه قولُ بعضِ الصَّحابة: إنِّي أحتسِبُ نَوْمَتِي كما أحتسِبُ قَوْمتِي.
وفي الحديثِ المرفوعِ: "الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ كالصَّائمِ الصَّابِرِ". خَّرجه الترمذِيُّ (^١) وغيرُه.
ولَربَّما ظنَّ بعضُ الجهَّالِ أَنَّ الفِطْر قبلَ رمضانَ يُراد به اغتنامُ الأكلِ؛ لتأخُذَ النُّفوسُ حظَّها مِن الشهواتِ قبلَ أن تُمنَعَ مِن ذلك بالصِّيامِ، ولهذا يقولون: هي أيَّام توديعٍ للأكلِ، وتسمَّى تَنْحِيسًا (^٢)، واشتقاقه من الأيام النَّحِسَاتِ. ومَنْ قال: هو تَنهيسٌ، بالهاء، فهو خطأٌ منه، ذكره ابنُ دُرُسْتَوَيْه النَّحوِيُّ، وذكَر أن أَصْلَ ذلك مُتَلقًّى (^٣) مِنَ النَّصارى؛ فإنَّهم يفعلونه عند قرب صيامهم، وهذا كلُّه خطأٌ وجَهْلٌ ممن ظنَّه. وربَّما لم يقتصِرْ كثيرٌ منهم على اغتنام الشهواتِ المباحةِ، بل يتعدَّى إلى المحرَّماتِ، وهذا هو الخُسرانُ المُبِينُ. وأنشَدَ بعضُهم في (^٤) هذا:
إذا العشرونَ مِن شعبانَ وَلَّتْ … فواصِلْ شُرْبَ لَيْلِكَ بالنَّهارِ
ولا تشرَبْ بأقْدَاح صِغارٍ … فإن الوَقْتَ ضَاقَ على الصغارِ
وقال آخر:
جَاءَ شَعْبانُ مُنْذِرًا بالصِّيامِ … فاسْقِيانِي راحًا (^٥) بماءِ الغَمَامِ
ومن كانَتْ هذه حالُه فالبهائمُ أعقَلُ منه وله نصيبٌ من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ (^٦). الآية. وربَّما تَكَرَّه كثيرٌ منهم بصيام رمضانَ، حتَّى إنَّ بعضَ السُّفهاءِ مِنَ الشُّعراءِ كان يَسبُّهُ، وكان للرشيد ابنٌ سَفِيهٌ، فقالَ مَرَّةً:
دَعَانِيَ شَهْرُ الصَّوْمِ لَا كَانَ مِنْ شَهْرِ … وَلَا صُمْتُ شَهْرًا بَعْدَهُ آخِرَ الدَّهْرِ
_________________
(١) رقم (٢٤٨٨) في صفة القيامة، باب الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر، وحسَّنه. وأخرجه ابن ماجه رقم (١٧٦٩) في الصيام، باب فيمن قال: الطاعم الشاكر كالصائم الصابر.
(٢) جاء في اللسان (نحس): "تنحَّس النصارى: تركوا أكل الحيوان".
(٣) في آ: "يتلقى".
(٤) قوله: "في هذا" لم يرد في ب، ط.
(٥) في ع: "خمرًا".
(٦) سورة الأعراف الآية ١٧٩.
[ ٢٧٦ ]
فَلَو كان يُعْدِيني الأنامُ (^١) بقُدْرَةٍ … على الشَّهْير لاسْتَعْدَيْتُ جَهْدِي عَلَى الشَّهْر (^٢)
فأخَذَه داءُ الصَّرْعِ، فكانَ يُصْرَعُ في كُلِّ يوم مَرَّاتٍ متعددة، وماتَ قبلَ أن يدركَهُ رمضان آخرُ. وهؤلاء السُّفهاءُ يستثقلُون رمضانَ؛ لاستثقالِهم العباداتِ فيه؛ مِنَ الصَّلاةِ والصِّيام، فكثيرٌ من هؤلاءِ الجُهَّالِ لا يُصلِّي إلَّا في رَمَضَانَ إذا صامَ، وكثيرٌ منهم لا يَجْتَنِبُ كبائِرَ الذُّنوب إلَّا في رمضانَ؛ فيطولُ عليه، ويشُقُّ على نفسِهِ مفارقتها لمألُوفِها، فهو يَعُد الأيَّامَ واللَّياليَ؛ ليعودَ إلى المعصِيَةِ؛ وهؤلاء مُصِرُّونَ على ما فَعَلُوا وهم يَعلمون، فهم هَلْكَى؛ ومنهم مَن لا يصبِرُ على المعاصِي، فهو يواقِعُها في رَمضانَ.
وحكايةُ محمد بن هارون البَلْخي مشهورةٌ قَدْ رُوِيَتْ مِن وُجوهٍ، وهو أنَّه كان مُصِرًّا على شرب الخمر، فجاءَ في آخر يومٍ من شعبانَ وهو سكران، فعاتبَتْهُ أمُّه وهي تَسْجُر تنوُّرًا، فحَمَلَها فألقاها في التَّنُّورِ فاحترقت، وكان بعد ذلك قد تاب وتعبَّدَ، فرؤي له في النَّوم أنَّ الله قد غَفَرَ للحاجِّ كلِّهم سِواهُ. فمن أرادَ اللهُ به خيرًا حَبَّبَ إليه الإيمانَ وزيَّنَه في قَلْبِه، وكَرَّهَ إليه الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ، فصارَ من الراشدين (^٣). ومَن أرادَ به شرًّا خَلَّى بينَه وبينَ نفسِهِ، فاتبعَهُ الشيطانُ، فحبَّبَ إليه الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصيانَ، فكان من الغاوين.
الحذَرَ الحذَرَ مِنَ المعاصِي! فكَمْ سَلَبَتْ مِن نِعَمٍ، وكم جَلَبَتْ مِن نِقَمٍ، وكَمْ خَرَّبَتْ مِن ديارٍ، وكم أخلَتْ ديارًا مِن أهلِها، فما بقي منهم دَيَّارٌ (^٤)، كم أخذَتْ مِن العُصَاةِ بالثارِ، كم مَحَتْ لهم مِن آثارِ.
يا صَاحِبَ الذَّنْبِ لا تأمَنْ عَوَاقِبَهُ … عَوَاقِبُ الذَّنْب تُخْشَى وَهْيَ تنْتَظَرُ
فَكل نَفْسٍ سَتُجْزَى بالَّذي كَسَبَتْ (^٥) … ولَيْسَ لِلْخَلْقِ مِن دَيَّانِهم وَزَرُ (^٦)
_________________
(١) في آ: "الإمام"، وأراد به الخليفة.
(٢) يعديني: يعينني. واستعدى: طلب العون.
(٣) من قوله تعالى في سورة الحجرات الآية ٧: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾.
(٤) أي ما بقي منهم أحد.
(٥) في آ: "فكل نفس امرئٍ تجزى بما كسبت".
(٦) الدَّيَّان: من أسماء الله تعالى، ومعناه الحكَم القاضي. والوَزَر: الملجَأ.
[ ٢٧٧ ]
أين حَالُ هؤلاء الحمقَى مِن قومٍ كان دهرُهم كلُّه رمضانَ، ليلُهُم قيامٌ ونهارُهُم صِيامٌ.
باعَ قومٌ مِن السَّلفِ جاريةً، فلمَّا قَرُبَ شهر رمضانَ رأتهم يتأهَّبُون (^١) له ويستعِدُّون بالأطعمة وغيرِها، فسألتهم فقالوا: نتهيَّأُ لصيام رمضانَ، فقالَتْ: وأنتم لا تصومون إلَّا رمضانَ؟ لقد كنتُ عندَ قوم كلُّ زمانِهم رمضَانُ، رُدُّوني عليهم. وباع الحسنُ بن صالح (^٢) جاريةً له، فلمَّا انتصَفَ الليلُ قامَتْ فنادتهم: يا أَهْلَ الدَّارِ، الصَّلاةَ الصَّلاةَ، قالوا: طلَعَ الفجْرُ؟ قالت: وأنتم لا تُصَلُّون إلَّا المكتوبةَ، ثم جاءَتْ إلى (^٣) الحسن، فقالت: بعتني على قومِ سُوءٍ لا يُصلُّون إلا المكتوبةَ (^٤)، رُدَّني رُدَّني.
قال بعضُ السَّلفِ: صُمِ الدُّنيا واجْعَلْ فِطرَكَ الموتَ. الدُّنيا كلُّها شهرُ صيام المتقينَ، يَصُومون فيه عن الشَّهواتِ المُحرَّماتِ، فإذا جاءَهُم الموتُ فقد انقضَى شهرُ صيامِهم واستهلُّوا عيدَ فطرِهم.
وَقَدْ صُمْتُ عَن لذَّاتِ دَهرِيَ كُلِّها … وَيوْمُ لِقاكُمْ ذاكَ فِطْرُ صِيامِي
مَنْ صَامَ اليومَ عن شهواتِهِ أفطرَ عليها بعدَ مماتِه، ومن تعجَّل ما حُرِّمَ عليه قبلَ وفاتِهِ عُوقِبَ بِحرْمانِهِ في الآخِرةِ وفواتِهِ، وشاهِدُ ذلك قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (^٥). الآية. وقولُ النبيِّ - ﷺ -: "مَنْ شرِبَ الخمرَ في الدُّنيا لم يشربْها في الآخرة" (^٦)، و"مَنْ لَبِسَ الحريرَ في الدُّنيا لم يَلْبَسْهُ في الآخِرة" (^٧).
_________________
(١) في ب: "يتهيؤون".
(٢) الحسن بن صالح بن صالح بن حَي، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة فقيه عابد، أخو الإمام علي بن صالح. أخذ عليه أنه كان يترك الجمعة ولا يراها خلف أئمة الجور. مات سنة ١٦٩ هـ. (سير أعلام النبلاء ٧/ ٣٦١).
(٣) لفظة "إلى" سقطت من (ط).
(٤) في آ، ع: "الفرائض"، وفي ش: "المفروض".
(٥) سورة الأحقاف الآية ٢٠.
(٦) من حديث أخرجه البخاري ١٠/ ٢٥، ٢٦ في الأشربة، في فاتحته؛ ومسلم رقم (٢٠٠٣) في الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر، عن عبد الله بن عمر - ﵄ -.
(٧) أخرجه البخاري ١٠/ ٢٨٤ في اللباس، باب في لبس الحرير للرجال وقدر ما يجوز منه؛ ومسلم رقم (٢٠٧٣) في اللباس، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة للرجال والنساء، عن أنس بن مالك - ﵁ -، وللحديث روايات أخر أوردها ابن الأثير في "جامع الأصول" ١٠/ ٦٧٧ - ٦٨٠.
[ ٢٧٨ ]
أَنْتَ في دَارِ شَتَاتِ … فتأهَّبْ لِشَتاتِكْ
واجْعَلِ الدُّنيا كَيومٍ … صُمْتَهُ عَنْ شَهَواتِكْ
وَلْيَكُنْ فِطرُكَ عِنْدَ … الله في يَوْمِ وَفَاتِكْ
في حديثٍ مرفوعٍ خرَّجه ابنُ أبي الدنيا: "لو يَعْلمُ العِبادُ ما في رَمَضانَ لتمنَّتْ أُمَّتي أَنْ يَكُونَ رَمَضانُ السَّنَةَ كلِّها" (^١). وكانَ النبيُّ - ﷺ - يبشِّرُ أصحابَهُ بقدُومِ رَمَضَانَ، كما خرَّجه الإمامُ أحمد (^٢) والنسائي عن أبي هريرةَ - ﵁ -، قال: كان النبيُّ - ﷺ - يبشِّرُ أصحابَهُ، يقول: "قد جَاءَكُم شهرُ رمضانَ، شهرٌ مباركٌ، كَتَبَ الله عليكم صيامَهُ، تُفتَحَ فيه (^٣) أبوابُ الجِنانِ (^٤)، وتُغلَقُ فيه أبوابُ الجحيم، وتُغَلُّ فيه الشياطينُ، فيه ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شهرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَها فقد حُرِمَ". قال بعضُ العلماء: هذا الحديثُ أصل في تهنئةِ النَّاسِ بعضهم بعضًا بشهر رمضان.
كيف لا يبشَّرُ المؤمنُ بفتح أبواب الجنان، كيف لا يبشَّرُ المذنبُ بغَلْقِ أبوابِ النيرانِ، كيفَ لا يبشَّرُ العاقلُ بوقتٍ يُغَلُّ فيه الشيطانُ، من أين يُشبه هذا الزمانَ زمانٌ. وفي حديثٍ آخر: "أتاكم رمضانُ سيِّدُ الشُّهورِ، فمرحبًا به وأهلًا" (^٥).
جاء شهرُ الصِّيامِ بالبَرَكاتِ … فأكْرِمْ بِه مِنْ زائرٍ هُوَ آتِ
ورُوي أن النبيَّ - ﷺ - كان يَدعُو ببلوغِ رمضانَ، فكان إذا دخل شهر (^٦) رجب
_________________
(١) رواه أبو يعلى في "مسنده" ٩/ ١٨٠، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٤١ باب في شهور البركة وفضل شهر رمضان، وقال: "رواه أبو يعلى، وفي سنده جرير بن أيوب وهو ضعيف". وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" ٣/ ١٩٠ رقم (١٨٨٦) وقال: "إن صح الخبر". ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" ٣/ ٣١٣ عن أبي مسعود الغفاري، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، واستدركه عليه السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" ١/ ٩٩. وانظر "الترغيب" ٢/ ١٠٢ وكنز العمال رقم (٢٣٧١٥).
(٢) رواه النسائي ٤/ ١٢٦ - ١٢٨ في الصوم، باب فضل شهر رمضان، وباب ذكر الاختلاف على الزهري فيه، وأحمد في "مسنده" ٢/ ٢٣٠، ٣٨٥، ٤٢٥ بإسناد صحيح.
(٣) في ب، ط: "فيه تفتح".
(٤) في آ، ع والنسائي: "السماء"، وفي ش ومسند أحمد "الجنة".
(٥) ورد بعضه في حديثين في كنز العمال ٨/ ٤٨٢ رقم (٢٣٧٣٤) و(٢٣٧٣٥)، وانظر "مجمع الزوائد" ٣/ ١٤٠، باب في شهور البركة وفضل شهر رمضان.
(٦) لفظ "شهر" لم يرد في ب، ط.
[ ٢٧٩ ]
يقولُ: "اللهم باركْ لنا في رجب وشعبانَ وبلِّغْنا رمضانَ". خرَّجه الطبراني (^١) وغيرُه من حديث أنس. وقال مُعلَّى بن الفضل: كانوا يدعون الله تعالى ستةَ أشهرٍ أنْ يُبلِّغَهم رمضانَ، ثم يدعُونَه ستةَ أشهرٍ أن يَتَقَبَّل منهم. وقال يحيى بن أبي كثيرٍ: كان مِن دعائهم: اللهم سلِّمْني إلى رمضانَ، وسلِّمْ لي رمضانَ، وتَسلَّمْه منِّي متقبَّلًا.
بُلوغُ شهرِ رمضانَ وصيامُه نِعمةٌ عظيمةٌ على مَن أَقدَرَهُ الله عليه، ويدُلُّ عليه حديثُ الثلاثةِ الذين اسْتُشْهِدَ اثنان منهم، ثم ماتَ الثالثُ على فراشِهِ بعدَهما، فرؤي في المنام (^٢) سابقًا لهما، فقال النبيُّ - ﷺ -: "ليسَ صلَّى بعدَهما كذا وكذا صلاةً، وأدرَكَ رمضانَ فصامَه، فوالذي نفسي بيدِه، إنَّ بينَهما لأبعدَ مِمَّا بينَ السَّماءِ والأرضِ". خرجه الإمامُ أحمدُ (^٣) وغيرُه.
مَن رُحِمَ في شهر رمضانَ فهو المرحومُ، ومَنْ حُرِمَ خيرَه فهو المحرومُ، ومَنْ لم يتزوَّدْ فيه لِمَعَادِهِ فهو ملوم.
أَتَى رَمَضَانُ مَزْرَعَةُ العِبادِ … لِتطهيرِ القُلُوبِ مِنَ الفَسَادِ
فَأَدِّ حُقُوقَهُ قَوْلًا وفِعْلًا … وَزَادَكَ فاتَّخِذْهُ لِلْمَعَادِ (^٤)
فَمَنْ زَرَعَ الحُبُوبَ وَمَا سَقَاهَا … تأوَّه نادِمًا يَوْمَ الحَصَادِ
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" ١/ ٢٥٩ بإسناد ضعيف، لضعف زائدة بن أبي الرُّقاد الباهلي، وفيه "وبارك لنا في رمضان"، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢/ ١٦٥ مطولًا، وقال: "رواه البزار، وفيه زائدة بن أبي الرقاد، قال البخاري: منكر الحديث، وجهله جماعة"، و٣/ ١٤٠ مختصرًا، ونسبه للبزار والطبراني في الأوسط. وانظر "مشكاة المصابيح" ١/ ٤٣٢ رقم (١٣٦٩) في الصلاة، و"ميزان الاعتدال" ٢/ ٦٥ رقم (٢٨٢٤).
(٢) في ب، ش، ط: "في النوم".
(٣) مسند أحمد ٢/ ٣٣٣ من حديث أبي هريرة عن طلحة بن عبيد الله، وذكر الخبر عن رجلين من بليّ من قضاعة، وفيه: قال رسول الله - ﷺ -: "أليس قد صام بعده رمضان وصلى ستة آلاف ركعة، أو كذا وكذا ركعةً صلاةَ السنة؟ ". وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١٠/ ٢٠٤، وقال: "قلت هذا من حديث أبي هريرة كما تراه، إنما لطلحة فيه رؤية المنام؛ ولطلحة حديث رواه ابن ماجه، رواه أحمد وإسناده حسن". وأورده المنذري في "الترغيب والترهيب" ٤/ ٢٥٥ باب خير الناس من طال عمره وحسن عمله، وفيه: "رواه أحمد بإسناد حسن، ورواه ابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي، كلهم عن طلحة بنحوه أطول منه".
(٤) في آ، ش: "فاتخذه إلى المعاد".
[ ٢٨٠ ]
يا مَنْ طالَتْ غيبتُه عنَّا، قد قَرُبَتْ أيَّامُ المُصَالَحةِ. يا مَنْ دامَتْ خَسَارَتَهُ قَدْ أَقبلَتْ أيَّامُ التِّجارةِ الرَّابحةِ. مَنْ لم يَرْبَحْ في هذا الشَّهرِ ففي أيِّ وقتٍ يربَحُ؟! مَنْ لم يَقْرُبْ فيهِ مِن مولاهُ فهو على بُعْدِه لا يَبْرَح.
أناسٌ أعْرَضُوا عَنَّا … بلَا جُرْمٍ وَلَا مَعْنَى
أَسَاؤوا ظَنَّهُمْ فِينا … فَهَلَّا أَحْسَنُوا الظَّنَّا
فإنْ عادُوا لَنا عُدْنا … وإنْ خَانُوا فَمَا خُنَّا
فإنْ كانُوا قَد اسْتَغْنَوا … فإنَّا عَنْهُمُ أَغْنَا
كم يُنَادَى: حَيَّ على الفلاحِ وأَنْتَ خاسِر؟! كَمْ تُدْعَى إلى الصَّلاحِ وأَنْتَ عَلَى الفَسَادِ مُثَابِر؟!
إذا رَمَضَانُ أَتَى مُقْبِلًا … فَأقْبِلْ فبالْخَيْرِ يُسْتَقْبَلُ
لَعَلَّكَ تُخْطِئْهُ قابِلًا … وتأتِي بِعُذْرٍ فَلَا يُقْبَلُ (^١)
كم مِمَّن أَمَّلَ أَنْ يَصُومَ هذا الشهرَ فخَانَهُ أَمَلُه، فصارَ قبلَهُ إلى ظُلْمَةِ القَبْرِ. كم من مُسْتقبِلٍ يومًا لا يستكمِلُه، ومؤمِّلٍ غدًا (^٢) لا يدرِكُه. إنَّكم لو أَبْصَرْتُم (^٣) الأجلَ ومسيرَهْ، لأبْغضْتُم الأمَلَ وغُرُورَه.
خَطبَ عمرُ بن عبد العزيز آخرَ خطبةٍ خطبَها، فقال فيها: إنَّكم لم تُخْلَقُوا عبَثًا، ولن تُتْرَكُوا سُدًى، وإنَّ لكم معادًا يَنْزِلُ الله فيه للفصل بينَ عبادِه، فقد خابَ وخسِرَ من خرج (^٤) مِن رحمة الله التي وَسِعَتْ كُلِّ شيءٍ، وحُرِمَ جَنَّةً عَرْضُها السَّماواتُ والأرضُ. أَلَا تَرَوْنَ أنكم في أسلاب (^٥) الهالكين، وسَيرِثها بعدَكم الباقون؟ كذلك حتَّى تُرَدَّ إلى خَيرِ الوارِثين. وفي كُلِّ يوم تُشيِّعونَ غاديًا ورائحًا إلى الله قد قَضَى نَحْبَه، وانْقَضَى أجلُه، فتودِّعُونَه وتَدَعُونَه في صَدْعٍ (^٦) من الأرضِ غير موسَّدٍ ولا مُمهَّدٍ، قد خَلَعَ
_________________
(١) في آ: "فلا تقبل".
(٢) في آ: "ومؤمّل غد".
(٣) في آ: "لو رأيتم".
(٤) في آ: حُرم مِن رحمة الله.
(٥) في آ، ب: "أسلاف". والأسلاب: جمع سَلَب، وهو ما يُسْلب به، والسَّلَب: المسلوب.
(٦) الصَّدْع: الشَّقّ.
[ ٢٨١ ]
الأسبابَ، وفارَقَ الأحبابَ، وسَكَنَ التُّرابَ، وواجَهَ الحِسابَ، غنيًّا عمَّا خَلَّفَ، فقيرًا إلى ما أَسْلَفَ؛ فاتَّقُوا الله عبادَ الله قبلَ نُزولِ الموتِ وانقضاءِ مَوَاقِيتِه، وإنِّي لأقولُ لكم هذه المقالةَ وما أَعْلَمُ عندَ أحدٍ مِنَ الذُّنوبِ أكثَرَ مِمَّا أعلمُ عندِي، ولكني (^١) أستغفرُ الله وأتُوبُ إليه. ثمَّ رَفَعَ طَرَفَ رِدائِهِ وبَكَى حتَّى شَهَقَ، ثمَّ نزَلَ فما عادَ إلى المنبر بعدَها حتَّى ماتَ رحمةُ الله عليه (^٢).
يا ذَا الذي ما كَفَاهُ الذَّنبُ في رَجَبٍ … حتَّى عَصَى رَبَّهُ في شَهْرِ شَعْبَانِ
لَقَدْ أَظَلَّكَ شَهْرُ الصَّوْمِ بَعْدَهما … فلا تصيِّرْهُ أيضًا شَهْرَ عِصْيانِ
واتْلُ القُرانَ (^٣) وسَبِّحْ فيهِ مُجتهدًا … فإنَّه شَهْرُ تَسْبيحٍ وقُرْآنِ
واحْمِلْ (^٤) على جَسَدٍ ترجو النَّجاةَ لَهُ … فَسَوفَ تُضْرَمُ أجَسادٌ بِنيرانِ
كَمْ كُنْتَ تعرِفُ مِمَّن صامَ في سَلَفٍ … مِن بين أهلٍ وجِيرانٍ وإخْوانِ
أَفْنَاهُمُ الموتُ واسْتَبْقاكَ بَعْدَهُمُ … حَيًّا فما أقرَبَ القاصِي مِنَ الدَّانِي
وَمُعْجَب بثيابِ العيدِ يَقطعُها … فأصْبَحَتْ في غدٍ أثوابَ أَكْفَانِ
حتَّى مَتَى يَعْمُرُ الإنسانُ مَسْكَنَهُ … مَصِيرُ (^٥) مَسْكَنِهِ قَبرٌ لإنْسانِ
* * *
_________________
(١) في ب، ع، ط: "ولكن".
(٢) انظر "صفة الصفوة" ٢/ ١٢٣ - ١٢٤، ومختصر تاريخ دمشق لابن عساكر ١٩/ ١١٠، والبداية والنهاية ٩/ ١٩٩.
(٣) القُران: اسم، ليس بمهموز، لم يؤخذ من قرأت، ولكنه اسمٌ لكتاب الله، مثل التوراة والإنجيل. (اللسان: قرأ).
(٤) في ب، ط: "فاحمل".
(٥) في ش: "يصير مسكنُه قبرًا".
[ ٢٨٢ ]