في "الصحيحين" (^١) عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي - ﷺ -، قال: "مَنْ حَجَّ هذا البيت فلم يَرْفُثْ، ولم يَفْسُقْ، رَجَعَ من ذنوبه كيوم وَلَدَته أُمُّه". مباني الإِسلام الخمسُ؛ كلُّ واحدٍ منها يُكفِّرُ الذنوبَ والخطايا وَيهدِمُها، ولا إله إلَّا الله لا تُبقي ذنبًا ولا يسبِقُها عَمَل؛ والصَّلواتُ الخمسُ؛ والجُمعَةُ إلى الجُمعةِ، ورَمَضَانُ إلى رمَضَانَ مُكفِّرَاتٌ لِما بينَهُنَّ ما اجْتُنِبَتِ الكبائرُ؛ والصَّدَقَةُ تُطفئُ الخطيئةَ كما يُطفئُ الماءُ النَّارَ؛ والحجُّ الذي لا رَفَثَ فيه ولا فُسُوقَ، يرجِعُ صاحبُه من ذنوبهِ كيومِ ولَدَتْه أمُّه. وقد استنبَطَ معنى هذا الحديث من القرآنِ طائفةٌ من العلماء، وتَأوَّلُوا قولَ اللّه تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (^٢)، بأنَّ مَن قَضَى نُسُكَهُ ورجَعَ منه فإنَّ آثامَه تَسقُطُ عنه إذا اتَّقَى الله ﷿ في أَداءِ نُسُكِهِ، وسواءٌ نَفَرَ في اليوم الأوَّلِ من يَوْمَي النَّفْرِ متعجِّلًا، أو تأخَّر (^٣) إلى اليوم الثاني.
وفي مسند أبي يعلَى الموصلي (^٤) عن النبي - ﷺ -، قال: "من قضَى نُسُكَهُ، وسَلِمَ المُسلمونَ مِن لسانِهِ ويدِهِ، غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبِهِ وما تأخَّر". وفي الصحيحين (^٥) عن النبي - ﷺ -، قال: "الحجُّ المبرورُ ليس له جَزاءٌ إلَّا الجنَّةُ". وفي صحيح مسلم (^٦) عنه - ﷺ -، قال: "الحجُّ يهدِمُ ما قبلَه". فالحجُّ المبرورُ يُكفِّرُ السيئاتِ ويُوجِبُ دُخُولَ الجنَّاتِ. وقد رُوي أنه - ﷺ - سُئلَ عن بِرِّ الحجِّ، فقال: "إطعام الطعامِ، وطيبُ الكلامِ" (^٧).
_________________
(١) رواه البخاري ٣/ ٣٨٢ في الحج، باب فضل الحج المبرور؛ ومسلم رقم (١٣٥٠) في الحج، باب فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، وليس فيهما "من ذنوبه".
(٢) سورة البقرة الآية ٢٠٣.
(٣) في ب، ط: "أو متأخرًا".
(٤) ليس في مسند أبي يعلى بهذا اللفظ، وهو في كنز العمال (١١٨١٠)، والمطالب العالية برقم (١٠٨٧) في مسند عبد بن حميد، عن جابر بن عبد الله رفعه.
(٥) قطعة من حديث رواه البخاري ٣/ ٥٩٧ في العمرة، باب وجوب العمرة وفضلها، ومسلم رقم (١٣٤٩) في الحج، باب فضل الحج والعمرة يوم عرفة. وتمامه: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما. والحج المبرور ليس له جزاءً إلا الجنة".
(٦) قطعة من حديث رواه مسلم رقم (١٢١) في الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله، وكذا الهجرة والحج. وأخرجه المنذري في "الترغيب والترهيب" ٢/ ١٦٣ مختصرًا.
(٧) رواه الحاكم في "المستدرك" ١/ ٤٨٣ من حديث جابر بن عبد الله، وصححه، ووافقه الذهبي.
[ ١٢٤ ]
فالحجُّ المبرورُ ما اجتمع فيه فِعلُ أعمالِ البِرِّ مع اجتنابِ أعمالِ الإثمِ، فما دعا الحاجُ لنفسِهِ ولا دعا له غيرُهُ بأحسَنَ من الدُّعاءِ بأنْ يكونَ حجُّهُ مبرورًا. ولهذا يُشرَعُ للحاج إذا فَرَغَ من أعمالِ حَجّه وشَرَعَ في التحلُّل من إحرامِهِ بِرَمْي جَمْرَةِ العَقَبَةِ يومَ النَّحْرِ أنْ يقول: اللهم اجعلْهُ حجًّا مبرورًا، وسَعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا. رُوي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر من قولهما، وروي عنهما مرفوعًا. وكذلك يُدعَى للقادم من الحج بأن يجعَلَ الله حجَّه مبرورًا.
وفي الأثر أن آدمَ ﵇ لمَّا حجَّ البيتَ وقضَى نُسُكَهُ أتتْهُ الملائكةُ، فقالوا له: يا آدمُ! بَرَّ حجُّك! لقد حَجَجْنا هذا البيتَ قبلَكَ بألفي عام. وكذلك كان السَّلَفُ يَدعُون لمن رَجَعَ من حَجِّه. لمَّا حجَّ خالدٌ الحذَّاءُ (^١) ورجَعَ، قال له أبو قِلابةَ (^٢): بَرَّ العمَلُ! معناه: جعَلَ الله عملَكَ مبرورًا. للحجِّ المبرورِ علاماتٌ لا تخفَى:
قيل للحسن: الحجُّ المبرورُ جزاؤه الجنة. قال: آيةُ ذلك أن يرجِعَ زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة. وقيل له: جزاءُ الحجِّ المبرور (^٣) المغفرةُ. قال: آيةُ ذلك أن يَدَعَ سيئَ ما كان عليه من العمل. الحجّ المبرورُ مثلُ حجِّ إبراهيمَ بن أدهم (^٤) مع رفيقه الرَّجُلِ الصَّالحِ الذي صحِبَهُ من بَلْخ (^٥)، فرجَعَ من حجِّه زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة، وخرَجَ عن مُلْكِهِ ومالِه وأهلِه وعشيرتِه وبلادِه، واختارَ بلادَ الغُرْبَةِ، وقَنَعَ بالأكلِ من عملِ يدِه؛ إمَّا من الحصاد، أو من نِظَارَةِ البساتينِ.
_________________
(١) هو خالد بن مِهران الحذَّاء، أبو المنازل البصريّ. كثير الحديث، كان رجلًا مهيبًا ثقة. توفي سنة ١٤١ هـ.
(٢) هو عبد الله بن زيد بن عمرو الجَرْمي، أبو قلابة البصري. تابعي، ثقة، فاضل. مرض أبو قلابة بالشام، فأتاه عمر بن عبد العزيز يعوده، فقال: يا أبا قلابة! تشدَّد، لا يشمت بنا المنافقون. مات بالشام سنة ١٠٤ أو ١٠٥ هـ.
(٣) لفظ "المبرور" لم يرد في ب، ط.
(٤) إبراهيم بن أدهم بن منصور التميمي البلخي، أبو إسحاق، زاهد مشهور، من الأشراف، كان أبوه كثير المال والخدم، ومن أهل الغنى في بلخ، فتفقَّه إبراهيم ورحل إلى بغداد، وجال في العراق والشام والحجاز، وكان يعيش من العمل بالحصاد وحفظ البساتين والحمل والطحن، كما يشترك مع الغزاة في قتال الروم. مات سنة ١٦١ هـ. انظر أخباره مفصلة في تهذيب تاريخ ابن عساكر ٢/ ١٦٧ ومختصره لابن منظور ٤/ ١٧، وصفة الصفوة ٤/ ١٥٢.
(٥) بَلْخ: مدينة مشهورة بخراسان. (ياقوت).
[ ١٢٥ ]
حجَّ مرَّةً مع جماعةٍ من أصحابه، فشرَطَ عليهم في ابتداء السَّفَرِ ألَّا يتكلَّمَ أحدُهم إلا الله تعالى، ولا ينظرَ إلا له. فلمَّا وصَلُوا وطافُوا بالبيت رأوا جماعةً من أهلِ خُراسانَ في الطوافِ معهم غُلامٌ جميلٌ قد فُتِنَ النَّاسُ بالنظر إليه، فجَعَلَ إبراهيمُ يسارِقُهُ النظرَ ويبكي، فقال له بعضُ أصحابه: يا أبا إسحاق! ألم تقُلْ لنا لا تنظروا (^١) إلا لله تعالى؟ فقال: ويحكَ! هذا ولدي، وهؤلاء خدمي وحشَمِي، [ثم أنشد] (^٢):
هَجَرْتُ الخَلْقَ طُرًّا في هواكَ … وأيتمْتُ العِيالَ لكي أَرَاكَا
فلو قطَّعْتَنِي في الحبِّ إرْبًا … لَما حَنَّ الفؤادُ إلى سوَاكا
قال بعضُ السَّلَف: استِلامُ الحجَرِ الأسوَدِ هو ألَّا يعودَ إلى مَعْصيةٍ. يشير إلى ما قاله ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أن الحجَرَ الأسودَ يمينُ اللهِ في الأرضِ، فمن استلَمَه وصافَحَه فكأنما صافَحَ الله وقبَّلَ يمينَه. وقال عكْرمَةُ: الحجَرُ الأسودُ يمينُ اللهِ في الأرضِ، فَمَنْ لم يدرِكْ بَيْعَةَ رسولِ الله - ﷺ - فَمَسَحَ. الرُّكْنَ فقد بايَعَ الله ورسولَه. وورد في حديثٍ أن الله لمَّا استخرَجَ من ظهر آدمَ ذرّيَّتَه وأخذَ عليهم الميثاقَ، كتبَ ذلك العهدَ في رَقٍّ (^٣)، ثم استودَعَه هذا الحَجَر، فمِنْ ثَمَّ يقولُ مَنْ يستَلِمهُ: وفاء بعهدِكَ. فمستلِمُ الحجَر يبايعُ الله على اجتناب معاصيه (^٤)، والقيام بحقوقه ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾ (^٥).
يا مُعَاهِدينا على التَّوبةِ! بينَنا وبينَكم عهودٌ أكيدَةٌ، أوَّلُها: يومَ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (^٦). والمقصُودُ الأعظمُ مِن هذا العهدِ ألَّا تعبُدُوا إلَّا إياهُ. وتمامُ العَمَل بمقتضاهُ أن اتَّقُوا اللّه حقَّ تقواه (^٧). وثانيها: يومَ أرسَلَ إليكم رسولَه وأنزلَ عليه في كتابه ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (^٨).
_________________
(١) في ب، ش، ط: "لا ننظر".
(٢) زيادة من آ، ش.
(٣) الرَّق، بالفتح: ما يكتب فيه، وهو جلد رقيق. ومنه قوله تعالى: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)﴾.
(٤) في آ: "معصيته".
(٥) سورة الفتح الآية ١٠.
(٦) سورة الأعراف الآية ١٧٢.
(٧) في سورة آل عمران الآية ١٠٢ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ الآية.
(٨) سورة البقرة الآية ٤٠.
[ ١٢٦ ]
قال سهل التُّسْتَريُّ (^١): منْ قال لا إله إلا الله فقد بايَعَ الله، فحرامٌ عليه إذ بَايعَهُ أنْ يعصِيَهُ في شيءٍ مِن أمرِهِ، في السِّرِّ والعَلانيةِ، أو يُوالِي عدوَّه، أو يُعادِي وليَّهُ.
يا بَني الإسلام منْ عَلَّمَكُمْ … بَعْدَ إذْ عاهَدْتُمُ نَقْضَ العُهُودِ
كلُّ شَيءٍ في الهوَى مُسْتحْسَنٌ … ما خَلا الغَدْرَ وإخْلافَ الوُعُودِ
وثالثها: لِمن حَجَّ إذا استلَم الحجَرَ فإنَّه يجدَّدُ البَيْعَةَ، ويلتزِمُ الوفاءَ بالعهدِ المتقدِّم، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (^٢). الحرُّ الكريمُ لا ينقُضُ العَهْدَ القديمَ.
أَحَسِبْتُمُ أنَّ الليالي غَيَّرَتْ … عقدَ الهَوَى لا كانَ مَنْ يَتَغَيَّرُ
يَفْنَى الزَّمانُ وليسَ نَنْسَى (^٣) عَهْدَكُمْ … وعلى مَحَبَّتِكُم أَمُوتُ وأُحْشَرُ (^٤)
إذا دعتْكَ نفسُكَ إلى نقضِ عهدِ مولاكَ فقُلْ لها: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾ (^٥).
اجتاز بعضُهم على منظورٍ مُشْتَهى، فهمَّتْ عينُه أن تمتدَّ، فصاحَ:
حَلَفْتُ بِدِينِ الحُبِّ لا خُنْتُ عَهْدَكُمْ … وذلك عَهْدٌ لو عَرَفْتَ وَثيِقُ
تاب بعضُ من تقدَّمَ، ثم نقَضَ، فهتَفَ به هاتفٌ بالليل يقول:
سأتْرُكُ ما بيني وبينَكَ واقِفًا … فإن عُدْتُ عُدْنا والوِدَادُ مُقِيمُ
تُواصِلُ قومًا لَا وفاءَ لِعَهْدِهِم (^٦) … وتَتْرُكُ مِثْلِي والحِفاظُ قَدِيمُ
من تكرَّرَ منه نقضُ العهدِ لم يُوثَقْ بمعاهدتِه. دخل بعضُ السَّلفِ على مريض مكروبٍ فقال له: عاهِدِ الله على التوبةِ لعلَّه أن يُقيلَكَ صَرْعَتَكَ (^٧). فقال: كنتُ كلَّما مَرِضْتُ عاهدْتُ اللّه على التَّوبةِ فيُقيلني، فلمَّا كان هذه المرة ذهبْتُ أعاهِدُ كما كنْتُ
_________________
(١) هو سهل بن عبد الله بن يونس التُّسْتَريّ، أبو محمد، الصوفي الزاهد، أحد أئمة الصوفية وعلمائهم، لم يكن له في وقته نظير في المعاملات والورع. توفي سنة ٢٨٣ هـ. انظر وفيات الأعيان ٢/ ٤٢٩، صفة الصفوة ٤/ ٦٤، سير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٣٠.
(٢) سورة الأحزاب الآية ٢٣.
(٣) في آ، ع: "ينسى"، وفي ش: "يفنى".
(٤) في آ: "وأقْبرُ".
(٥) سورة يوسف الآية ٢٣.
(٦) في ب: "لوعدهم".
(٧) يقيلك صرعتك: شفاك وصفح عنك. يقال: أقال الله عثرته: صفح عنه وتجاوز.
[ ١٢٧ ]
أعاهِدُ، فهتفَ بي هاتفٌ من ناحيةِ البيت: قد أقلْنَاكَ مرارًا فوجدناك كَذَّابًا، ثم مات عن قريبٍ.
لا كان من ينقُضُ العَهْدَ لا كانْ (^١) … ما ينقض العَهْدَ إلا كل خوَّانْ
[غيره] (^٢):
تُرَى الحيّ الأُلى بانُوا … على العَهْدِ كما كَانُوا
أم الدَّهْرُ بهم خَانا … ودَهرُ المَرْءِ خَوَّانُ
إذا عَزَّ بغيرِ الله … يومًا مَعْشَر هانُوا
مَنْ رَجَعَ مِن الحج فلْيُحافِظْ على ما عاهَدَ اللّهَ عليه عندَ استلامِ الحَجَر. حجَّ بعضُ من تقدَّمَ فباتَ بمكةَ مع قوم، فدعتْهُ نفسُه إلى معصيةٍ، فسمعَ هاتفًا يقولُ: ويلك! ألم تحجَّ؟ فعصَمَهُ الله من ذلك. قبيحٌ بمن كمَّلَ القيامَ بمباني الإسلام الخَمْسِ (^٣) أن يشرَعَ في نَقْضِ ما بَنَى بالمعاصِي. في حديثٍ مرسَل خرَّجه ابنُ أبي الدنيا أَنَّ النبي - ﷺ - قال لرجل: "يا فلَان! إنَّكَ تبني وتهدِمُ"، يعني تعمَلُ الحسناتِ والسيئاتِ. فقال: يا رسولَ الله، سوف أبني ولا أهدِمُ.
خُذْ في جِدٍّ فقد تَوَلَّى العُمرُ … كَمْ ذا التَّفْرِيطُ قد تَدَانَى الأمرُ
أَقْبِلْ فَعَسَى يُقْبَلُ مِنْكَ العُذرُ … كَمْ تبنِي كم تَنْقُضُ كم ذا الغَدْرُ
علامةُ قَبُولِ الطَّاعةِ أن تُوصَلَ بطاعةٍ بعدَها، وعلامَةُ ردِّها أن تُوصَلَ بمعصيةٍ. ما أحسن الحسنةَ بعد الحسنَةِ، وأقبَحَ السيئةَ بعدَ الحَسَنةِ (^٤)!! ذنبٌ بعدَ التوبةِ أقبَحُ مِن سبعين قبلَها. النَّكْسَةُ أصعَبُ من المرضِ الأوَّلِ. ما أوحشَ ذُلَّ المعصيةِ بعدَ عِزِّ الطاعة! ارْحَمُوا عزيزَ قومٍ بالمعاصِي ذلَّ، وغنِيَّ قومٍ بالذُّنوبِ افتَقَرَ. سَلُوا الله الثباتَ
_________________
(١) في ب، ط: "لا كان من نقض العهد مَن كان". وأدرج البيت في المطبوع على أنه من الكلام المنثور.
(٢) زيادة من نسخة (ع).
(٣) في الحديث الصحيح: "بني الإسلام على خمس؛ شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاء الزكاة، وحجِّ البيت، وصوم رمضان".
(٤) في آ: "السيئة بعد السيئة".
[ ١٢٨ ]
إلى المماتِ، وتعوَّذُوا من الحَوْرِ بعدَ الكَوْرِ (^١). كان الإمامُ أحمدُ يدعو ويقولُ: اللهمَّ أعِزَّني بطاعتِكَ ولا تذلَّني بمعصيتِكَ.
وكان عامة دعاءِ ابراهيمَ بن أدهَم: اللهم انقلْنِي مِن ذُلِّ المعصيةِ إلى عزِّ الطاعةِ. وفي بعضِ الآثارِ الإلهيةِ: يقول الله ﵎: أنا العزيزُ، فَمَنْ أرادَ العِزَّ فليُطِع العَزِيزَ.
ألا إنَّما التَّقوَى هِيَ العِزُّ والكَرَمْ … وحبُّكَ للدُّنيا هُوَ الذُّلُّ والسَّقَمْ
وليسَ على عَبْدٍ تقيٍّ نَقِيصَةٌ … إذا حقَّقَ التَّقْوَى وإنْ حاكَ أو حَجَمْ
الحاج إذا كان حجُّه مَبرورًا غُفِرَ له ولمن استغفرَ له، وشُفِّعَ فيمن شُفِّعَ فيه. وقد رُوِيَ أن الله تعالى يقولُ لهم يومَ عرفَةَ: "أفيضُوا مغفورًا لكُم ولمن شَفَعْتُم فيه" (^٢). وروى الإِمامُ أحمدُ بإسناده عن أبي موسى الأشعري، قال: "إن الحاجَّ لَيشفَعُ في أربعمائة بيتٍ من قومِه، ويُبارَكُ في أربعينَ من أُمَّهاتِ البعيرِ الذي يحمِلُهُ، ويخرجُ من خطاياهُ كيومِ ولدتْهُ أمُّه، فإذا رَجَعَ من الحجِّ المبرورِ، رجَعَ وذنْبُهُ مغفورٌ، ودُعاؤه مستجابٌ" (^٣). فلذلك يُستَحَبُّ تلقيهِ والسلامُ عليه وطلبُ الاستغفارِ منه. وتلقِي الحاج مَسْنُونٌ.
وفي "صحيح مسلم" (^٤)، عن عبد الله بن جعفر، قال: كان النبي - ﷺ - إذا قدِمَ من سَفَرٍ تُلقِّيَ بصبيانِ أهلِ بيته" (^٥)، وإنه قدِمَ مِن سَفَرٍ فسُبِقَ بي إليه، فَحَمَلَني بين يدَيه، ثم جِيء بأحدِ ابنَيْ فاطِمة، فأرْدَفَهُ خَلْفَه، فأُدْخِلْنا المدينةَ، ثلاثةً على دابَّة. وقد ورد النهيُ عن ركوبِ ثلاثةٍ على دابةٍ في حديثٍ مرسل، فإنْ صَحَّ حُمِلَ على رُكوبِ
_________________
(١) في الحديث: "نعوذ بالله من الحَوْر بعد الكَوْر"، أي الرجوع بعد الاستقامة.
(٢) قطعة من حديث طويل رواه عبد الله بن عمر ﵄، وقد ذكره المنذري في "الترغيب والترهيب" ٢/ ١٧٢، ١٨٧.
(٣) ذكره الهيثمي مختصرا في "مجمع الزوائد" ٣/ ٢١١، قال: وعن أبي موسى رفعه إلى رسول الله - ﷺ -، قال: "الحاج يشفع في أربعمائة من أهل بيت، أو قال: من أهل بيته، ويخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه". وقال: رواه البزار، وفيه من لم يسم. وأخرجه أيضًا المنذري في "الترغيب والترهيب" ٢/ ١٦٦.
(٤) صحيح مسلم رقم (٢٤٢٨) (٦٦) في فضائل الصحابة، باب فضائل عبد الله بن جعفر ﵄.
(٥) في ط وهامش ب "أهل المدينة"، والمثبت يوافق ما جاء في مسلم.
[ ١٢٩ ]
ثلاثةِ رجالٍ؛ فإنَّ الدَّابةَ يشُقُّ عليها حملهم بخلافِ رجلٍ وصغيرين.
وفي المسند و"صحيح الحاكم" (^١)، عن عائشةَ، قالت: أقبلْنا مِن مكَّةَ في حجٍّ أو عمرةٍ، فتلقانا غِلمانٌ من الأنصار كانوا يتلقَّوْن أهاليهم إذا قدِمُوا. وكذلك السَّلامُ على الحاج إذا قدِمَ ومصافحتُه، وطلبُ الدعاء منه. وفي المسند (^٢) بإسنادٍ فيه ضعفٌ، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -، قال: "إذا لقيتَ الحاجّ فسلِّمْ عليه، وصافِحْه، ومُرْهُ أن يستغفرَ لك قبلَ أن يدخلَ بيتَه؛ فإنه مغفورٌ له". وفيه أيضًا عن حبيب بن أبي ثابت (^٣)، قال: خرجْتُ مع أبي نتلقَّى الحاجَّ ونسلِّمُ عليهم قبلَ أن يتدنسُوا.
ورَوَى معاذُ بن الحكم، قال (^٤): حدثنا موسى بن أعين، عن الحسن، قال: إذا خرج الحاجّ فشيِّعُوهم وزوِّدُوهم الدعاء وإذا قَفَلُوا فالتقوهم (^٥) وصافحوهم قبل أن يخالِطُوا الذنوبَ؛ فإِن البركةَ في أيديهم. ورَوى أبو الشيخ الأصبهاني (^٦) وغيرُه من رواية ليث (^٧)، عن مجاهد، قال: قال عمر: يُغفَرُ للحاج ولمن استغفَرَ له الحاج بقيَّةَ ذي الحجَّةِ، ومحرَّم، وصفَرَ، وعشْرٍ من ربيع الأول. وفي مسند البزار وصحيح الحاكم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "اللهم اغفِرْ للحاجِّ، ولِمَن اسْتَغفَرَ له الحاج" (^٨).
_________________
(١) رواه الحاكم في "المستدرك" ١/ ٤٨٨، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
(٢) أخرجه أحمد في "مسنده" ٢/ ٦٩: عن عفان، عن محمد بن الحارث الحارثي، عن محمد بن عبد الرحمن بن البَيْلَماني، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٤/ ١٦، وقال: رواه أحمد، وفيه محمد بن البيلماني، وهو ضعيف.
(٣) حبيب بن أبي ثابت، واسم أبي ثابت: قيس بن دينار، ويقال: قيس بن هند، ويقال: هند، الأسدي، أبو يحيى الكوفي. ثقة فقيه جليل، وكان مفتي الكوفة قبل حماد بن سلمة. روى له الجماعة. توفي سنة ١١٩ هـ. (طبقات ابن سعد ٦/ ٣٢٠، تهذيب الكمال ٥/ ٣٥٨، سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٨٨).
(٤) لفظة "قال" زيدت من آ، ع.
(٥) في ب، ط: "فالْقَوهم".
(٦) هو عبد الله بن محمد بن جعفر بن حِبَّان الأصبهاني، أبو محمد، ويقال له: أبو الشيخ، ونسبته إلى جده حبّان. من حفاظ الحديث العلماء برجاله، له تصانيف، مات سنة ٣٦٩ هـ. (النجوم الزاهرة ٤/ ١٣٦، الأعلام للزركلي ٤/ ١٢٠).
(٧) في ب: "اليت"، وفي ط: "لبنت" وهو تحريف.
(٨) روى المنذري في "الترغيب والترهيب" ٢/ ١٦٧ عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: يغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاجُّ. رواه البزار والطبراني في الصغير، وابن خزيمة في صحيحه والحاكم، ولفظهما، قال: اللهم اغفر للحاجِّ، ولمن استغفر لها لحاجُّ. وقال الحاكم (١/ ٤٤١): صحيح على شرط مسلم. قال الحافظ: في إسناده شريك القاضي، ولم يخرَّج له مسلم إلا في المتابعات.
[ ١٣٠ ]
ورَوى أبو معاوية الضَّريرُ، عن حجاج، عن الحكم، قال: قال ابن عباس: لو يعلَمُ المقيمُونَ ما للحاج عليهم من الحق لأتَوْهُم حينَ يَقْدَمُون حتَّى يقبِّلُوا رواحِلَهم (^١)؛ لأنهم وفدُ اللّهِ في جميعِ الناسِ. ما للمنقطِعِ حيلةٌ سِوى التعلُّقِ بأذيالِ الواصِلينَ.
هل الدَّهرُ يومًا بوَصْلٍ يَجُودُ … وأيَّامُنا باللِّوَى (^٢) هَلْ تَعُودُ
زَمَانٌ تَقَضَّى وعَيْشٌ مَضَى … بِنَفْسِيَ واللهِ تلكَ العُهُودُ
ألا قُلْ لِزوَّارِ دَارِ الحَبِيب … هنيئًا لكُمْ في الجِنانِ الخُلُودُ
أَفِيضُوا علينا مِنَ الماء فَيضًا … فنحنُ عِطاشٌ وأنتُمْ وُرُودُ
أحبُّ ما إلى المُحبِّ سؤالُ مَنْ قدِمَ مِن ديارِ الحَبيبِ.
عارِضَا بي رَكْبَ الحجازِ أسائلـ … ـه متى عهدُهُ بأيَّامِ سَلْعِ (^٣)
واستملَّا (^٤) حديثَ مَن سَكَنَ الخَيفَ (^٥) … ولا تَكْتُباهُ إلَّا بِدَمْعِي
فاتنِي أَنْ أَرَى الدِّيارَ بطرفِي … فلَعلِّي أَرَى الدِّيارَ بسَمْعِي
مَنْ مُعيدٌ (^٦) أيَّامَ جَمعٍ على ما … كانَ منها وأينَ أيَّامُ جمعِي
لقاءُ الأحبابِ لِقاحُ الألبابِ، وأخبارُ تلك الديار أَحْلَى عند المحبينَ مِن الأسمارِ.
إذا قدِمَ الرَّكْبُ يَمَّمْتُهُم … أُحيِّي الوُجُوهَ قُدُومًا ووِرْدا
وأسألهُمْ عن عَقيقِ (^٧) الحِمَى … وعَنْ أرض نجْدٍ وَمَنْ حَلَّ نَجْدا
حَدِّثُوني عن العَقِيقِ حَديثًا … أَنْتُمُ بالعَقِيقِ أَقْرَبُ عَهْدا (^٨)
أَلَا هَلْ سمِعْتُم ضَجِيجَ الحَجيجِ … على ساحةِ الخيفِ والعِيسُ تُحْدَا
فذِكْرُ المشاعِرِ والمَرْوَتَيْنِ … وذِكْرُ الصَّفا يطرُدُ الهَمَّ طَرْدَا
_________________
(١) في هامش ب، ط: "أرجلهم".
(٢) اللِّوَى: موضع بعينه، قد أكثرت الشعراء من ذكره.
(٣) سَلْع: جبل بسوق المدينة. (ياقوت).
(٤) استمليت الكتاب: سألت من يمليه عليَّ.
(٥) أي مسجد الخَيف من مِنى.
(٦) في ش، ع: "من يُعِد لي أيام … ".
(٧) يقال لكل مسيل ماء شقه السيل في الأرض فأنهره ووسعه: عقيق. ومنه: عقيق بناحية المدينة فيه عيون ونخل. (ياقوت).
(٨) هذا البيت من وزن الخفيف غير بقية الأبيات، فهي من المتقارب.
[ ١٣١ ]
أرواحُ القَبُولِ تَفُوحُ مِنَ المقبُولينَ، وأنوارُ الوُصُولِ تَلوحُ على الواصِلينَ.
تفوحُ أرواحُ نَجْدٍ مِن ثيابهم … عندَ القُدُوم لِقُرْب العَهْدِ بالدّارِ
أَهْفُو إلى الرَّكْب تَعْلُو لي ركائبُهُم … مِنَ الحِمَى في أُسَيْحاقٍ وأَطْمارِ (^١)
يا راكبانِ قِفا لِي واقْضِيَا وَطَرِي … وحَدِّثانيَ عن نَجْدٍ بأخْبارِ
[أهلًا وسهلًا بزوَّار الحبيب ويا … طُوبَى لكُمْ فَلأنْتُم خَيْرُ زُوّارِ
يا مَرْحبًا بالقريبِ العَهْدِ من جُدُرِ الـ … ـبيتِ العتيقِ وتقبيلٍ لأحجارِ
بشراكُمُ نِلْتُمُ الفَوْزَ العظيمَ وَعُدْ … تُمْ ظافرين بآمال وأَوْطارِ
قد قلْتُ للرَّكْبِ إذْ لاحَتْ أوائلهم … كأنجمٍ زهرَتْ حسنًا وأقمارِ
مِن نظرةِ القُرْبِ قد لاحَتْ مترجمة … على وجوههمُ آثار أنوارِ
مِن الكآبةِ قد عُوفُوا كما حُفِظُوا … في ذلك القصدِ مِن وَعْثاء أسفارِ
كيف نجادٌ وهل جادَتْ مرابعه … جود السَّحاب بتهتانٍ ومِدْرارِ
قَنعْتُ مِن رؤيةِ الأحباب معجزةً … بطيب ذِكْرٍ ونِشْدَانٍ لأخبارِ
بالله كيفَ حِمَى سَلْعٍ … ومنعرَجِ اللِّوى ومَا فيه مِن طَلْحٍ وأشجارِ
وأَبْرَقِ الجذْع والأعلام من إضَمٍ … والمأزِمَانِ سقاها الله من دارِ
كيف الرِّياضُ بأكنافِ العقيق وهَلْ … أَمَالَ باناتها ريحُ الصَّبا السَّاري
وهل نزلتُمْ على وادي العروس … وَرَويتُمْ بهِ العِيسَ في وِردٍ وإصدارِ
لله أنتُمْ وقَدْ لاحَتْ قِبابُ قُبا … عند الصَّباحِ لقصَّادٍ وزُوَّارِ
وهل رأيتُم عَروسَ الكون سافرةً … تُجلَى بأعينِ جُلَّاسٍ وحُضَّارِ
قد أبرزت لمحبِّيها محاسنَها … لطفًا بتشهير أذيالٍ وأستارِ
ما اختارت … الملوك … إلَّا حفاظًا لأحداقٍ وأبصارِ
لولاهُ ما كادَتِ الأبْصَارُ تبصِرُهُ … خوفًا على العين من … أنوارِ
والعاشقون حواليها لِذِي وَلَهٍ … يهزهم مزعجا وَجْدٍ وتِذْكارِ
_________________
(١) في ش: "من أخلاق وأطمار". والأطمار: جمع طِمْر، وهو الثوب الخلَق، ومثلها "أسيحاق".
[ ١٣٢ ]
طُوبَى لعينٍ رأَتْ ذاكَ الجنابَ لَقَدْ … رأت جلاءً لأبدانٍ وإبصارِ
وَجْهٌ تعفَّرَ في ذاكَ التُّراب بَدَتْ … عليه نَضْرَةُ حُسْنٍ عند إبصارِ
تُرَى خَطَرْتُ لكم يومًا عَلى خلَدٍ … لصاحبٍ ساعةً في الدَّهر أو …
يقول بعده:
وإخَجْلَةَ المتواني عند رؤية مَنْ … قد فاز سابقةً من غير إقصارِ
ما لي وإن بَعُدَت بي عن ديارِهم … عوائقٌ من آثامي وأوزارِي
إلَّا حنينٌ إليها كلَّما خَمَدَتْ … نيرانه هاجَهُ وَجْدِي وتِذكاري
ولا أزالُ وإنْ شطَّت وإن قَرُبَتْ … أثني بجهدي في جهرِي وإسراري
على نبيٍّ له في الفضلِ منزلةٌ … علياء يقصُرُ عنها كل مختار
محمَّدٍ موضح الإِشكال … الآمال واضعُ أغلال وآصارِ
يا سيّدَ الرُّسْلِ يا أَسْمَى الأنام عُلى … يا خير الورى يا صفوةَ الباري
عليك أَزكَى سلامُ اللهِ ما صَدَحَتْ … وَرقاءُ أو سحَرت أنفاسُ أسحارِ] (^١)
ما يُؤهَّلُ للإكثارِ منَ التردُّدِ إلى تلك الآثار إلَّا محبوب (^٢) مختار.
حجَّ عليّ بن الموفَّق (^٣) ستين حَجّةً، قال: فلما كان بعدَ ذلك جلسْتُ في الحجْرِ أفكِّرُ في حالي وكثرةِ تردادِي إلى ذلك المكانِ، ولا أدرى هَل قُبِلَ مِنِّي حجّي أم رُدَّ. ثم نِمْتُ فرأيتُ في منامي قائلًا يقولُ لي: هل تدعو إلى بيتِك إلَّا مَن تحِبُّ؟ قال: فاستيقظْتُ وقد سُرِّيَ عنِّي. ما كلَ من حجَّ قُبِلْ، ولا كُلُّ مَن صلَّى وُصِل. قيل لابن عمرَ: ما أكثرَ الحاجَّ! قال: ما أقلَّهُم! وقال: الرَّكْبُ كثيرٌ، والحاجُّ قليلٌ.
حجَّ بعضُ المتقدمين فتُوفي في الطريق في رجوعِهِ، فدَفَنَه أصحابُه ونَسُوا الفأسَ
_________________
(١) ما بين قوسين زيادة مثبتة في هامش نسخة (آ)، ولم ترد في باقي النسخ.
(٢) في آ: "حبيب" وفي ط وهامش ب عن نسخة "محب".
(٣) هو أبو الحسن العابد، ثقة، عزيز الحديث، وكان من الزاهدين المذكورين. مات سنة ٢٦٥ هـ. له ترجمة في حلية الأولياء ٢٠/ ٣١١، تاريخ بغداد ١٢/ ١١٠، صفة الصفوة ٢/ ٣٨٧، وورد الخبر بنحوه فيها.
[ ١٣٣ ]
في قبرِهِ، فنَبَشُوه ليأخذوا الفأسَ، فإذا عُنقُه وَيداهُ قد جُمِعَتْ في حَلْقَةِ الفأسِ، فردُّوا عليه الترابَ، ثم رجَعُوا إلى أهلِه فسألوهم عن حالِهِ، فقالوا: صحِبَ رجلًا فأخَذَ مالَهُ، فكان يَحُجُّ منه.
إذا حَجَجْتَ بمالٍ أصلُهُ سُحُتٌ … فما حَجَجْتَ ولكنْ حَجَّتِ العِيرُ
لا يَقبَلُ الله إلا كُلَّ صالِحةٍ … ما كل مَنْ حَجَّ بَيْتَ اللهِ مَبْرُورُ
مَنْ حَجُّهُ مَبْرورٌ قليلٌ، ولكنْ قد يُوهَبُ المسيءُ للمحسنِ. وقد رُويَ أن الله تعالى يقول عشيَّةَ عَرَفَةَ: "قد وَهَبْتُ مسيئكم لمحسِنِكُم". حجَّ بعضُ المتقدمينَ، فنامَ ليلةً، فرأى مَلَكَيْنِ نَزَلا من السَّماءِ، فقال أحدُهما للآخر: كم حجَّ العامَ؟ قال: ستمائة ألفٍ، فقال له: كم قُبِلَ منهم؟ قال: ستةٌ، قال: فاستيقظَ الرجُلُ وهو قَلِقٌ ممَّا رأى. فرأى في الليلة الثانية كأنَّهما نزلا وأعادا القولَ، وقال أحدهما: إن الله وَهَبَ لكل واحدٍ من الستةِ مائةَ ألفٍ. كان بعضُ السَّلفِ يقولُ في دعائه: اللهم إن لم تقبلْني فهبني لمن شئتَ من خَلْقِكَ. مَنْ رُدَّ عليه عملُه ولم يُقْبَلْ منه فقد يعوَّضُ ما يعوَّضُ المُصَابُ، فيُرحَمُ بذلك.
قال بعضُ السَّلفِ في دعائه بعرفةَ: اللهم إن كنتَ لم تَقْبَلْ حَجِّي وتَعَبِي ونَصَبِي، فلا تَحْرِمْنِي أجرَ المُصيبةِ على ترككَ (^١) القَبُولَ مِني. وقال آخر منهم: اللهم ارحمني؛ فإنَّ رحمتَكَ قريبٌ من المحسنين، فإن لم أكن محسنًا فقد قلت ﴿وكانَ بالمؤمِنينَ رَحِيمًا﴾ (^٢)، فإن لم أكُنْ كذلك فأنا شيءٌ، وقد قلْتَ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُل شَيء﴾ (^٣)، فإن لم أكنْ شيئًا فأنا مصابٌ بِرَدِّ عَمَلِي وتعَبي ونَصَبِي، فلا تحرمْنِي ما وعدْتَ المُصَابَ من الرَّحْمةِ. قال هلالُ بن يساف (^٤): بلغنِي أن المسلم إذا دعا الله فلم يستجبْ له كُتِبَ له حسنةٌ. خرَّجه ابنُ أبيَ شيبةَ. يعني جزاءً لمصيبةِ رَدِّهِ.
_________________
(١) في آ: "ترك".
(٢) سورة الأحزاب الآية ٤٣.
(٣) سورة الأعراف الآية ١٥٦.
(٤) في ط "يسار"، وهو هلال بن يساف، وقال: ابن إساف، الأشجعي الكوفي. كان ثقة، كثير الحديث. من الثالثة. (تهذيب التهذيب ١١/ ٨٦).
[ ١٣٤ ]
ومن كانَ في سُخْطِهِ مُحْسِنًا … فكيفَ يكونُ إذا ما رَضِي
قُدُومُ الحاجِّ يُذكِّرُ بالقُدُومِ على اللهِ ﷿.
قَدِمَ مسافر فيما مضَى على أهله، فَسُروا به، وهناك امرأة مِن الصَّالحات، فَبكَتْ وقالَتْ: أَذْكَرَنِي هذا بقُدُومِه القُدُومَ على اللهِ ﷿، فمِنْ مَسْرُورٍ ومَثْبُورٍ (^١). قال بعضُ الملوك لأبي حازمٍ (^٢): كيفَ القُدُومُ على الله تعالى؟ فقال أبو حازم: أمَّا قُدُومُ الطائعِ على الله تعالى فكَقُدُوم الغائب على أهلِه المشتاقين إليه، وأمَّا قُدُومُ العاصِي فكَقُدوم [العبدِ] (^٣) الآبقِ على سَيِّدِه الغضبان.
لَعَلَّكَ غَضْبَانُ وَقلبِيَ غافِل … سَلامٌ على الدّارَيْن إنْ كُنْتَ رَاضِيا
في بعض الآثار الإسرائيلية: يقولُ اللهُ ﷿: ألا طَالَ شوقُ الأبرارِ إليَّ، وأنا إلى لقائهم أشَدُّ شَوْقًا. كم بين الذين ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾ (^٤) وبين الذين ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)﴾ (^٥). قال علي ﵁: تتلقَّاهُم الملائكةُ على أبواب الجنة ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (^٦). ويَلْقَى كُل غِلمانٍ صاحبَهم يُطِيفُونَ به فِعْلَ الوِلْدان بالحَميم جاء من الغَيبةِ، ويقولون (^٧): أبشِرْ فقدْ أعدَّ الله لكَ مِن الكرامةِ كذا وكذا (^٨)، وينطلِقُ غُلامٌ من غلمانِهِ إلى أزواجِهِ مِن الحُور العِينِ، فيقول: هذا فلان، باسمِه في الدنيا، فيقلْنَ: أَنتَ رأيتَه؟ فيقول: نعم. فيستخَفُّهُنَّ الفَرَحُ حتى يخرُجْنَ إلى أُسْكُفةِ الباب (^٩).
قال أبو سليمان الدارانيُّ: تَبْعَث الحَوْراءُ من الحُورِ الوَصِيفَ من وَصَائفِها، فتقول: ويحَكَ! انظُرْ ما فُعِلَ بوليّ الله، فتستبطِئُه فتبعثُ وصيفًا آخَرَ، فيأتي الأوَّلُ
_________________
(١) المثبور: الهالك والخاسر.
(٢) هو أبو حازم الأعرج، سلمة بن دينار المخزومي، عالم المدينة وقاضيها وشيخها، وله أخبار كثيرة. مات سنة ١٤٠ هـ. وقد ورد الخبر بنحوه في صفة الصفوة ٢/ ١٥٨ قاله لسليمان بن عبد الملك.
(٣) زيادة من ط، ب. والآبق: الهارب.
(٤) سورة الأنبياء الآية ١٠٣.
(٥) سورة الطور الآية ١٣.
(٦) سورة الزمر الآية ٧٣.
(٧) لفظة "ويقولون" زيادة من نسخة (آ) فقط.
(٨) تكررت عبارة "قد أعد الله لك من الكرامة كذا وكذا" في ب، ط.
(٩) أُسْكُفَّةُ الباب: عتبته.
[ ١٣٥ ]
فيقولُ: تركْتُه عندَ الميزانِ، ويأتي الثاني فيقول: تركْتُه عندَ الصِّراطِ، ويأتي الثالث فيقولُ: قد دخل باب الجنة، فيستخفُّهَا (^١) الفرَحُ فتقفُ على باب الجنة، فإذا أتاها اعتَنَقَتْهُ، فيدخُلُ خياشيمَهُ مِن ريحها ما لا يخرُجُ أبدًا.
قَدْ أُزْلِفَتْ جنَّةُ النعِيمِ فيا … طُوبَى لِقَوْمٍ برَبْعِها نَزَلُوا
أكوابُها (^٢) عَسْجَدٌ يُطافُ بها … والخمرُ والسلسبيلُ والعسَلُ
والحورُ تلقاهُمُ وَقَدْ كُشفَتْ … عن الوجوه بها الأستار والكِللُ
* * *
_________________
(١) في آ، ش: "فيستقبلها"، وفي ع: "فيستقيلها".
(٢) في ع، ب، ط: "أكوابهم".
[ ١٣٦ ]