في فضل يوم عرفة مع عيد النَّحْر
في "الصحيحين" (^٥) عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّ رجلًا من اليهود قال له: يا أميرَ المؤمنين! آيةٌ في كتابكم لو علينا مَعْشَرَ اليهودِ نزلَتْ، لاتَّخذْنا ذلك اليومَ عيدًا. فقال: أيُّ آيةٍ؛ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (^٦). فقال عمر: إِنِّي لأعلم اليومَ الذي نزلَتْ فيه،
_________________
(١) لفظ "ليالي" لم يرد في (آ).
(٢) في آ، ش، ع: "يكذِّب بالدِّين".
(٣) فىِ ش: "يا من أظلم قلبه وقسى بالمعاصي، أما آن له أن يستنير .. ".
(٤) ما بين قوسين لم يرد في ب، ط.
(٥) أخرجه البخاري رقم (٤٥) في الإِيمان: باب زيادة الإِيمان ونقصانه، وفي المغازي: باب حجة الوداع، وفي تفسير سورة المائدة: باب ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، وفي الاعتصام، في فاتحته. ورواه مسلم رقم (٣٠١٧) في أول التفسير، والنسائي ٨/ ١١٤ في الإِيمان و٥/ ٢٥١ في الحج. وأخرجه الطبري في "تفسيره" ٩/ ٥٢٤ - ٥٢٥.
(٦) سورة المائدة الآية ٣.
[ ٤٧٨ ]
والمكانَ الذي نزلت فيه؛ نزلَتْ ورسولُ الله - ﷺ - قائِمٌ بِعَرَفَةَ يومَ جُمعةٍ. وخرَّج الترمذي (^١) عن ابن عباس نحوَه، وقال فيه: نزلت في يوم عيد من يوم جمعة ويوم عرفة (^٢).
العيدُ هو موسم الفرح والسرور، وأفراحُ المؤمنين وسرورُهم في الدنيا إِنَّما هو بمولاهم، اذا فازوا بإِكمال طاعته، وحازوا ثوابَ أعمالهم بوثوقهم بوعده لهم عليها بفضله ومغفرته، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (^٣). قال بعضُ العارفين: ما فرِحَ أحدٌ بغير الله إِلَّا بغفلته عن الله؛ فالغافِلُ يفرَحُ بلهوه وهواه، والعاقلُ يفرَحُ بمولاه. وأنشد سَمْنُون (^٤) في هذا المعنى:
وكان فُؤادِي خاليًا قَبْلَ حُبِّكُم … وكان بذِكْرِ الخَلْق يَلْهُو ويمرَحُ
فلمَّا دعا قلبي هواك أجابَهُ … فلسْتُ أراهُ عن فنائِكَ يَبْرَحُ
رُمِيتُ ببعدٍ منكَ إِنْ كنْتُ كاذبًا … وإِن كنتُ في الدنيا بغيرك أفرَحُ
وإِن كان شيء في البلاد بأسْرِها … إِذا غِبْتَ عن عيني لعينيَ يَملُحُ
فإِن شئْتَ واصِلْني وإِن شئْتَ لا تصِلْ … فلسْتُ أرَى قلبي لغيرِك يصلُحُ
لمَّا قدم النبي - ﷺ - المدينةَ كان لهم يومان يلعبون فيهما، فقال: "إِنَّ الله قد
_________________
(١) رقم (٣٠٤٦) في التفسير: باب ومن سورة المائدة.
(٢) في هامش نسخة (ع) نقلًا عن تفسير البغوي (٢/ ١٠)، ما نصه: "قال البغوي - ﵀ - في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ - المائدة ٣: - نزلت هذه الآية يوم الجمعة يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع، والنبي - ﷺ - واقف بعرفات على ناقته العضباء، فكادت عضد الناقة تندق من ثقلها وبركت. قال ابن عباس: كان في ذلك اليوم خمسة أعياد: جمعة، وعرفة، وعيد اليهود، والنصارى، والمجوس، ولم تجتمع أعياد أهل الملل في يومٍ قبله ولا بعده. وروي أنَّه لما نزلت هذه الآية بكى عمر، فقال له النبي - ﷺ -: ما يبكيك يا عمر؟ فقال: أبْكاني أننا كنَّا في زيادة من ديننا، فأما إِذا كمل، فإِنَّه لم يكمل شيء ألا نقص. قال: صدقت. فكانت هذه الآية نعي رسول الله - ﷺ -، وعاش بعدها أحدًا وثمانين يومًا. انتهى كلامه".
(٣) سورة يونس الآية ٥٨.
(٤) هو سَمنون بن عبد الله، ويكنى أبا القاسم، صحب سريًا وغيره، ووسوس فكان يتكلم في المحبة، ثم سمَّى نفسه الكذاب لموضع دعواه في قوله: فليس لي في سواك حظ … فكيف ما شئت فامتحني فامتحن بحصر البول، فصار يدور في المكاتب ويقول للصبيان: ادعوا لعمكم المبتلى بلسانه. (المنتظم ٦/ ١٠٨). والأبيات في تاريخ بغداد ٩/ ٢٣٧ وطبقات الصوفية ص ١٩٨، وفيهما: "رميت بِبَيّنٍ".
[ ٤٧٩ ]
أبدَلَكم يومين خيرًا منهما؛ يومَ الفطر، والأضحى" (^١). فأبدل الله هذه الأمة بيومي اللعب واللهو يومي الذِّكْر والشُّكر والمغفرة والعفو. ففي الدنيا للمؤمنين ثلاثة أعيادٍ: عيدٌ يتكرَّر كُلَّ أسبوعٍ، وعيدان يأتيان في كُلِّ عامٍ مَرَّةً مرَّةً، من غير تكررٍ في السنة. فأمَّا العيدُ المتكرِّرُ، فهو يومُ الجمعة، وهو عيدُ الأسبوع، وهو مترتب على إِكمال الصَّلوات المكتوبات؛ فإِنَّ الله ﷿ فَرَضَ على المؤمنين في كُلِّ يومٍ وليلةٍ خمسَ صلواتٍ، وأيامُ الدنيا تدورُ على سبعةِ أيامٍ، فكلَّما كمُلَ دورُ أسبوعٍ من أيام الدنيا، واستكملَ المسلمون صلواتِهم فيه، شُرِع لهم في يومِ استكمالهم (^٢)، وهو اليوم الذي كمُل فيه الخلْقُ، وفيه خُلِقَ آدمُ وأُدخِل الجنَّة وأخرج منها، وفيه ينتهي أمدُ الدنيا فتزول وتقوم الساعة (^٣)، وفيه (^٤) الاجتماع على سماع الذِّكر والموعظة وصلاة الجمعة، وجُعل ذلك لهم عيدًا؛ ولهذا نُهِي عن إِفراده بالصِّيام.
وفي شهود الجمعة شبَهٌ من الحجِّ، وروي (^٥) أنَّها حجُّ المساكين. وقال سعيد بن المسيِّب: شهودُ الجمعة أحبُّ إِليَّ من حجة نافلةٍ، والتبكير إِليها يقومُ مقام الهَدْي على قدْر السَّبْق؛ فأوَّلهم كالمُهدِي بَدَنةً ثم بَقَرةً، ثم كَبْشًا، ثم دَجَاجةً، ثم بَيْضةً (^٦).
وشهودُ الجمعة يوجب تكفيرَ الذنوب إِلى الجمعة الأخرى اذا سلِم ما بين الجمعتين من
_________________
(١) رواه النسائي ٣/ ١٧٩ في العيدين، وأحمد في "مسنده" ٣/ ١٠٣ و١٧٨ و٢٣٥ و٢٥٠ بلفظ "ويوم النحر" عند أحمد، والحاكم في "المستدرك" ١/ ٢٩٤ وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، كلهم من حديث أنس بن مالك.
(٢) بعده في ش: "الاجتماع".
(٣) في هامش نسخة (ع) ما نصه: "في مسلم - رقم ٢٧٨٩ - عن أبي هريرة، قال: أخذ رسول الله - ﷺ - بيدي، فقال: خَلَقَ الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر في يوم الجمعة في آخر الخلق وآخر ساعة من ساعات الجمعة فيها بين العصر إِلى الليل" وفيها أيضًا: "قال البغوي - ٣/ ٢٤٤ -: فقال قوم في قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]-: معناه خلق الإِنسان، يعني آدم من تعجيل في خلق الله إِيَّاه، لأن خلقه كان بعد خلق كلِّ شئ في آخر النهار يوم الجمعة، فأسرع في خلقه قبل مغيب الشمس … ".
(٤) في ب، ط: "فالجمعة من الاجتماع"، وفي ع: "وسمي يوم الجمعة للاجتماع"، والمثبت من آ، ش.
(٥) في ط: "أو روي". وأورده الهندي في "كنز العمال" برقم (٢١٠٣١) وعزاه إِلى ابن زنجويه في ترغيبه، والقضاعي، عن ابن عباس.
(٦) بعضه من حديث مرفوع أخرجه الشيخان وأصحاب السنن. وانظر "الترغيب" ١/ ٤٩٨ - ٥٠٠.
[ ٤٨٠ ]
الكبائر، كما أن الحَجَّ المبرور يكفِّر ذنوبَ تلك السنة إلى الحجة الأخرى. وقد رُوِي: "إذا سلمتِ الجمعةُ سلِمَت الأيام" (^١). ورُوي: "إن الله تعالى يغفِر يومَ الجمعة لكُلِّ مسلم" (^٢). وفي الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ - أنَّه قال: "ما طلعتِ الشمسُ ولا غَرَبت على يومٍ أفضَلَ من يوم الجمعة" (^٣). وفي "المسند" عنه - ﷺ - أنَّه قال في يوم الجمعة: "هو أفضَلُ عند الله من يوم الفطر ويوم الأضحى". فهذا عيدُ الأسبوع، وهو متعلِّق بإكمال الصلوات (^٤) المكتوبة، وهي أعظمُ أركان الإسلام ومَبَانِيهِ بعدَ الشهادتين.
وأمَّا العيدان اللذان لا يتكرران في كُلِّ عامٍ، وإنما يأتي كُلُّ واحدٍ منهما في العام مرَّة واحدةٌ؛
فأحدُهما: عيدُ الفطر من صوم رمضانَ، وهو مرتب (^٥) على إكمال صيام رمضان، وهو الرُّكن الثالث من أركان الإسلام ومَبَانيه، فإذا استكمل المسلمون صيامَ شهرهم المفروض عليهم، واستوجبوا من الله المغفرة والعِتْقَ من النار؛ فإنَّ صيامَه يوجبُ مغفرةَ ما تقدَّم من الذنوب، وآخره عِتْقٌ من النار، يُعتق فيه من النار من استحقَّها بذنوبه، فشرع الله تعالى لهم عقيب إكمالهم لصيامهم عيدًا يجتمعون فيه
_________________
(١) أخرجه السيوطي في "الجامع الصغير" برقم (٦٨٥) وعزاه إلى الدارقطني في الأفراد، وابن عدي في الكامل، وأبي نعيم في الحلية، والبيهقي في شعب الإيمان، عن عائشة. قال المناوي في "فيض القدير" ١/ ٣٧٧: قال ابن الجوزي: تفرد به عبد العزيز، وهو كذاب، وهو موضوع. وأورده الألباني في "ضعيف الجامع الصغير" برقم (٦٤٩) ورمز له بـ "موضوع". وانظر "الإتحاف" للزبيدي ٣/ ٢١٦ و٥/ ٢٠٧، والكنز رقم (٢١٠٤٩). وتتمته: "وإذا سلم رمضان سلمت السّنَةُ".
(٢) أورد الهندي في "كنز العمال" رقم (٢١٠٤٦) عن أبي هريرة: "لا يترك أحدًا يوم الجمعة إلا غفر له"، وعزاه إلى الخطيب البغدادي. وفي "الترغيب" ١/ ٤٩٢ عن أنس بن مالك ﵁، قال: إن الله ﵎ ليس بتارك أحدًا من المسلمين يوم الجمعة إلَّا غفر له. قال المنذري: رواه الطبراني في الأوسط مرفوعًا فيما أرى بإسناد حسن.
(٣) أخرجه الترمذي رقم (٣٣٣٦) في التفسير: باب ومن سورة البروج، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث موسى بن عبيدة، وموسى بن عبيدة يضعّف في الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد وغيره من قبل حفظه. وقد روى شعبة وسفيان الثوري وغير واحد من الأئمة عن موسى بن عبيدة. نقول: لكن ثبت في صحيح مسلم رقم (٨٥٤) في الجمعة: باب فضل يوم الجمعة من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة"، وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة: "إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبدٌ مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه" فيتقوى بها بعض حديث الباب. وانظر "جامع الأصول" ٢/ ٤٢٧.
(٤) في آ، ع: "الصلاة".
(٥) في ب، ط: "مترتب".
[ ٤٨١ ]
على شُكر الله وذكره وتكبيره على ما هداهم له. وشرع لهم في ذلك العيد الصَّلاةَ والصَّدَقة. وهو يوم الجوائز يستوفي الصائمون فيه أَجْرَ صيامهم، ويرجعون من عيدهم بالمغفرة.
والعيدُ الثاني: عيدُ النَّحْر، وهو أكبَرُ العيدين وأفضلُهما، وهو مترتب على إكمال الحجِّ، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ومَبَانيه، فإذا أكمَلَ المسلمون حجَّهم غُفِر لهم. وإنما يكمُلُ الحجُّ بيوم عرفة والوقوف فيه بعرفة؛ فإنَّه ركنُ الحجِّ الأعظم، كما قال - ﷺ -: "الحجُّ عرفة". ويوم عرفة هو يومُ العِتْق من النار، فيعتِقُ الله فيه من النار مَن وقَفَ بعرَفَةَ ومَن لم يقفْ بها من أهل الأمصار من المسلمين، فلذلك صار اليومُ الذي يليه عيدًا لجميع المسلمين في جميع أمصارهم؛ مَن شهِدَ المَوْسمَ منهم ومَن لم يشهدْه؛ لاشتراكهم في العِتق والمغفرة يومَ عَرَفَةَ. وإنما لم يشترك المسلمون كلُّهم في الحجِّ كُلِّ عامٍ رحمةً من الله وتخفيفًا على عباده، فإنَّه جعل الحجِّ فريضةَ العمر لا فريضة كُلِّ عامٍ، وإنما هو في كل عام فرضُ كفايةٍ، بخلاف الصيام؛ فإنَّه فريضةُ كُلِّ عامٍ على كُلِّ مسلم. فإذا كَمَلَ يومُ عرفة، وأعتَقَ الله عبادَه المؤمنين من النار، اشترك المسلمون كلُّهم في العيد عقب (^١) ذلك. وشُرع للجميع التقرُّبُ إليه بالنُّسُكِ، وهو إراقة دِماء القرابين.
فأهلُ الموسم يرمون الجمرة، فيشرعون في التحلُّل من إحرامهم بالحجِّ، ويقضون تفثَهُم (^٢)، ويوفون نذورهم، ويقرِّبون قرابينهم من الهدايا، ثم يطوفون بالبيت العتيق. وأهلُ الأمصار يجتمعون على ذكر الله وتكبيره والصلاة له. قال مخنفُ بن سليم (^٣)، وهو معدود من الصحابة: الخروجُ يومَ الفطر يعدِلُ عمرةً، والخروج يوم الأضحى يعدِلُ حجةً. ثم ينسكون عقيب ذلك نُسُكهم، ويقرِّبُون قرابينَهم بإراقة دماءِ ضحاياهم؛ فيكون ذلك شكرًا منهم لهذه النعم. والصلاة والنَّحْر الذي يجتمع في عيد
_________________
(١) في آ، ش، ع: "عقيب".
(٢) التَّفَث في المناسك: ما كان من نحو قص الأظفار والشارب وحَلْق الرأس والعانة ورمي الجمار ونَحْر البُدْن وأشباه ذلك.
(٣) هو مخنف بن سليم بن الحارث بن عوف الأزدي الغامدي، له صحبة، وحديثه في كتب السنن الأربعة. وقد سبقت ترجمته.
[ ٤٨٢ ]
النَّحْر أفضلُ من الصَّلاة والصَّدقة الذي في عيد الفطر، ولهذا أُمِرَ رسولُ الله - ﷺ - أن يجعلَ شكره لربِّه على إعطائه الكوثر أن يُصلِّي لربِّه وينحر، وقيل له: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١). ولهذا ورد الأمر بتلاوة هذه الآية عند ذبْح الأضاحي، والأضاحي سنَّةُ إبراهيمَ ﵇ ومحمد - ﷺ -، فإن الله شرعها لإبراهيمَ حين فَدَى ولدَه الذي أمره بذَبْحه، بِذِبْحٍ عَظيمٍ (^٢). وفي حديث زَيد بن أَرْقم، قيل: يا رسولَ الله، هذه الأضاحي؟ قال: سنةُ [أبيكم] إبراهيمَ. قيل له: فما لنا بها؟ قال: بكُلِّ شَعَرَةٍ حَسَنَة. قيل: فالصُّوفُ؟ قال: بكُلِّ شَعَرَةٍ مِنَ الصُّوفِ حَسَنَةً. خرَّجه ابنُ ماجة (^٣) وغيره. فهذه أعيادُ المسلمين في الدنيا، وكلُّها عند إكمال طاعة مولاهم الملك الوهاب، وحيازتهم لما وعدَهم من الأجر والثواب.
مَرَّ قومٌ براهبٍ في دَيْرٍ، فقالوا له: متى عيدُ أهلِ هذا الدَّيْر؟ قال: يوم يُغفَر لأهله.
ليس العيدُ لمن لبس الجديدَ، إنَّما العيدُ لمن طاعاتُه (^٤) تزيد. ليس العيدُ لمن تجمَّل باللباس والركوب (^٥)، إنَّما العيدُ لمن غفرت له الذنوب. في ليلة العيد تفرَّقُ خِلَعُ العِتْق والمغفرة على العبيد؛ فمن ناله منها شيء فله عيدٌ، وإلَّا فهو مطرود بعيد.
كان بعضُ العارفين ينوح على نفسه ليلة العيد بهذه الأبيات:
بحرمة غربتي كم ذا الصُّدُودُ … ألا تعطِفْ عليَّ ألا تَجُودُ
سُرورُ العيدِ قَدْ عَمَّ النَّواحِي … وحُزني في ازديادٍ لا يبيدُ
فإن كنْتُ اقْتَرَفْتُ خِلالَ سَوءٍ … فعُذْرِي في الهوى أن لا أعودُ
_________________
(١) سورة الأنعام الآية ١٦٢.
(٢) راجع الآيات ١٠٢ - ١٠٧ من سورة الصافات.
(٣) رقم (٣١٢٧) في الأضاحي: باب ثواب الأضحية. وفي زوائد البوصيري: في إسناده أبو داود، واسمه نفيع بن الحارث، وهو متروك، واتهم بوضع الحديث. وأورده الألباني في "ضعيف سنن ابن ماجة" برقم (٦٧٢) ورمز له بـ "ضعيف جدًّا". وبنحوه رواه الإمام أحمد في "المسند" ٤/ ٣٦٨ والحاكم في "المستدرك" ٢/ ٣٨٩ وقال: صحيح الإسناد، فتعقبه المنذري في "الترغيب" ٢/ ١٥٤ وقال: "بل واهيه، عائذ الله: هو المجاشعي، وأبو داود: هو نفيع بن الحارث الأعمى، وكلاهما ساقط".
(٤) في ب، ط: "طاعاته".
(٥) في ع: "والمركوب"، وفي ش: "والمركب".
[ ٤٨٣ ]
وأنشدَ غيره:
للناس عَشْرٌ وعيدُ … وأنا فقيرٌ وحيدُ
يا غايتي ومُنَايَ … قد لَذَّ لي ما تريدُ
وأنشد الشِّبْليُّ:
ليس عيدُ المحِبِّ قَصْدَ المُصَلَّى … وانتظارَ الأمير والسلطان
إنَّما العيدُ أن تكونَ لَدَى الحِـ … ـبِّ كريمًا مقرَّبًا في أمانِ (^١)
وأنشد (^٢):
إذا ما كنت لي عيدًا … فما أصنَعُ بالعيدِ
جَرَى حُبُّكَ في قلبي … كجري الماءِ في العودِ
وأنشد (^٣):
قالوا غدًا لعيدُ ماذا أنْتَ لابسُهُ … فقلْتُ خِلْعَةَ ساقٍ حُسْنُهُ (^٤) بَرَعَا
صَبْرٌ وفَقْرٌ هما ثَوْبانِ تحتَهُما … قَلْبٌ يَرَى إلفَه الأعيادَ والجمُعَا
أَحْرى الملابسِ أن تلْقَى الحبيبَ به .. يومَ التزاورِ في الثَّوْب الَّذي خَلَعا
الدَّهْرُ لي مأتمٌ إن غبْتَ يا أملي … والعِيدُ ما كنتَ لي مَرْأَى ومستمَعَا
وأمَّا أعياد المؤمنين في الجنة فهي أيام زيارتهم لربِّهم ﷿، فيزورونه ويكرمهم غايةَ الكرامةِ، ويتجلَّى لهم فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئًا هو أحبُّ إليهم من ذلك. وهو الزِّيادة التي قال الله تعالى فيها: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (^٥). ليس للمحبِّ عيد سوى قرب محبوبه.
إن يومًا جامعًا شَمْلِي بهم … ذاكَ عيدٌ ليس لي عيدٌ سِواه
كُلُّ يوم كان للمسلمين عيدًا (^٦) في الدنيا، فإنَّه عيدٌ لهم في الجنَّة، يجتمعون
_________________
(١) في ش: "في المكان".
(٢) في آ: "وأنشد أيضًا"، وفي ش: "وأنشد غيره".
(٣) في ش: "وأنشد آخر".
(٤) في آ، ش، ع: "حُبُّهُ جُرعا".
(٥) سورة يونس الآية ٢٦.
(٦) في ش، ع: "عيد" بالرفع.
[ ٤٨٤ ]
فيه على زيارة ربِّهم، ويتجلَّى لهم فيه. ويوم الجمعة يُدعى في الجنَّة يومَ المزيد، ويوم الفطر والأضحى يجتمع أهل الجنة فيهما للزيارة. ورُوي أنَّه يشارك النساءُ الرجالَ فيهما، كما كن يشهدن العيدين مع الرجال دون الجمعة. فهذا لعموم أهل الجنة، فأمَّا خواصُّهُم فكُلُّ يومٍ لهم عيدٌ يزورون ربِّهم كُلَّ يوم مرتين؛ بُكرةً وعشيًا.
الخواصُّ كانت أيامُ الدُّنيا كلُّها لهم أعيادًا، فصارت أيامهم في الآخرة كلُّها أعيادًا.
قال الحسن: كُلُّ يوم لا يُعصَى الله فيه فهو عيد، كُلُّ يومٍ يقطعه المؤمن في طاعة مولاه وذكرِه وشكرِه فهو له عيد.
أركان إسلام التي بُني الإسلام عليها خمسةٌ: الشهادتان، والصَّلاة، والزَّكاة، وصِيامُ رمضان، والحجُّ. فأعياد عموم المسلمين في الدنيا عند إكمال دور الصلاة، وإكمال الصيام، والحج، يجتمعون عند ذلك اجتماعًا عامًّا. فامَّا الزَّكاة فليس لها وقتٌ معين لِيُتَّخَذَ عيدًا، بل كُلُّ مَن ملك نصابًا فَحَوْلُه بحسَبِ مُلْكِه. وأمَّا الشهادتان فإكمالُهما يحصُلُ بتحقيقهما والقيام بحقوقهما؛ وخواصُّ المؤمنين يجتهدون على ذلك في كُلِّ وقتٍ، فلذلك كانت أوقاتهم كلُّها أعيادًا لهم في الدنيا والآخرة، كما أنشَدَ الشِّبْليُّ:
عيدِي مقيمٌ وعِيدُ الناسِ منصرفُ … والقلْبُ منِّي عن اللذَّات منحرِفُ
ولي قَرينان ما لي منهما خَلَفٌ … طولُ الحنين وعينٌ دمعُها يكِفُ
ولمَّا كان عيدُ النَّحْر أكبرَ العيدين وأفضلَهما، ويجتمع فيه شرفُ المكان والزمان لأهل الموسم، كانت لهم فيه معه أعيادٌ قبلَه وبعدَه؛ فقبلَه يومُ عرفة، وبعدَه أيَّامُ التشريق. وكُلُّ هذه الأيَّام (^١) أعيادٌ لأهل الموسم، كما في حديث عقبة بن عامر عن النبي - ﷺ -، قال:
_________________
(١) في ب، ط: "الأعياد".
[ ٤٨٥ ]
"يَوْمُ عرفةَ، ويومُ النَّحر، وأيام التشريق عيدُنا أهلَ الإسلام، وهي أيام أَكْلٍ وشُرْب". خرَّجه أهل السنن (^١) وصححه الترمذي. ولهذا لا يُشرَعُ لأهل الموسم صومُ يوم عرفة؛ لأنَّه أوَّلُ أعيادهم وأكبَرُ مجامعِهم، وقد أفطره النبي - ﷺ - بعرفة والناسُ ينظرون إليه. وروي عنه أنَّه نَهى عن صوم يوم عرفة بعرفة. وَرُوي عن سفيان بن عُيَينة أنَّه سئل عن النهي عن صيامِ يوم عرفة بعرفة، فقال: لأنهم زُوَّار اللهِ وأضيافُهُ، ولا ينبغي للكريم أن يجوِّع أضيافَه. وهذا المعنى يوجد في العيدين وأيام التشريق أيضًا؛ فإنَّ الناس كُلَّهم فيها في ضيافة الله ﷿، لا سيما عيدَ النَّحْر؛ فإنَّ الناس يأكلون من لحوم نُسُكهم؛ أهل الموقف وغيرهم.
وأيام التشريق الثلاثة هي أيام عيدٍ أيضًا، ولهذا بعث النبي - ﷺ - مَن ينادي بمكَّة أنها أيام أكْلٍ وشُرْبٍ وذكرِ الله ﷿، فلا يصومَنَّ أحَدٌ. وقد يجتمع في يومٍ واحدٍ عيدان، كما إذا اجتمع يوم الجمعة مع يوم عرفة أو يوم النَّحْر، فيزداد ذلك اليوم حُرْمةً وفضلًا؛ لاجتماع عيدين فيه. وقد كان ذلك؛ اجتمع للنبي - ﷺ - في حجته يوم عرفة، فكان يوم جمعة، وفيه نزلت هذه الآية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (^٢). وإكمال الدين في ذلك اليوم حَصَلَ من وجوهٍ.
منها: أن المسلمين لم يكونوا حجُّوا حجَّةَ الإسلام بعد فرض الحجِّ قبلَ ذلك، ولا أحدٌ منهم؛ هذا قولُ أكثرِ العلماء أو كثيرٌ منهم؛ فكمُل بذلك دينُهم لاستكمالهم عَمَلَ أركان الإسلام كلِّها.
ومنها: أن الله تعالى أعاد الحجَّ على قواعِدِ ابراهيمَ ﵇، ونفَى الشرك وأهلَه، فلم يختلطْ بالمسلمين في ذلك الموقف منهم أحدٌ. قال الشعبي: نزلتْ هذه
_________________
(١) رواه أبو داود رقم (٢٤١٩) في الصوم: باب صيام أيام التشريق، والترمذي رقم (٧٧٣) في الصوم: باب ما جاء في كراهية الصوم في أيام التشريق، والنسائي ٥/ ٢٥٢ في المناسك: باب النهي عن صوم يوم عرفة، وإسناده حسن. وكذلك رواه الإمام أحمد في "المسند" ٤/ ١٥٢.
(٢) سورة المائدة الآية ٣.
[ ٤٨٦ ]
الآية على النبي - ﷺ - وهو واقف بعرفة حين وقف موقِفَ إبراهيمَ، واضمحَلَّ الشِّرْكُ، وهُدِّمَتْ منارُ (^١) الجاهلية، ولم يَطُفْ بالبيت عُريان. وكذا قال قَتَادة وغيرُه. وقد قيل: إنه لم ينزل بعدَها تحليلٌ ولا تحريمٌ؛ قاله أبو بكر بن عياش.
وأمَّا إتمامُ النِّعمة فإنَّما حصل بالمغفرة، فلا تتم النِّعْمَةُ بدونها، كما قال لنبيه - ﷺ -: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (^٢)، وقال تعالى في آية الوضوء: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ (^٣). ومن هنا استنبط محمد بن كعب القرظيُّ بأنَّ الوضوءَ يكفِّر الذنوب، كما وردت السُّنَّة بذلك صريحًا. ويشهَدُ له أيضًا أن النبيَّ - ﷺ - سمع رجلًا يدعو ويقول: للهم إني أسألك تمامَ النِّعمة. فقال له: "تمامُ النِّعْمةِ النجاةُ مِن النَّار، ودخولُ الجنة" (^٤). فهذه الآية تشهَدُ لما رُوِي في يوم عرفَةَ أنَّه يومُ المغفرة والعِتق من النار.
فيوم عرفة له فضائل متعددة:
منها: أنَّه يومُ إكمال الدِّين وإتمام النِّعمة. ومنها: أنَّه عيدٌ لأهل الإسلام، كما قاله عُمَرُ بن الخطاب وابنُ عباس؛ فإنَّ ابن عباس قال: نزلَتْ في يوم عيدين؛ يوم جمعة ويوم عرفة (^٥). ورُوِي عن عمر أنَّه قال: وكلاهما بحمد الله لنا عيد. خرَّجه ابنُ جرير في تفسيره (^٦). ويشهَدُ له حديثُ عقبة بن عامر المتقدِّم، لكنَّه عيدٌ لأهل الموقف خاصَّةً. ويُشرَعُ صيامُه لأهل الأمصار عند جمهور العلماء، وإن خالف فيه بعض السلف. ومنها: أنَّه قد قيل: إنه الشفْع الذي أقسَمَ الله به في كتابه، وأنَّ الوَتْرَ يومُ النَّحْر. وقد رُوِي هذا عن النبي - ﷺ - من حديث جابرٍ. خرَّجه الإمام أحمد (^٧) والنسائي في تفسيره. وقيل: إنَّه الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه، فقال تعالى:
_________________
(١) في ش: "منازل".
(٢) سورة الفتح الآية ٢.
(٣) سورة المائدة الآية ٦.
(٤) أخرجه الترمذي رقم (٣٥٢٧) باب رقم (٩٤) عن معاذ بن جبل ﵁، وفي سنده أبو الورد بن ثمامة بن حزن القشيري البصري، لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي رجاله ثقات. وكذلك رواه الإمام أحمد في "مسنده" ٥/ ٢٣١ ولفظه عند الترمذي: "فإنَّ من تمام النعمة دخول الجنة، والفوز من النار".
(٥) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٩/ ٥٢٥ - ٥٢٦.
(٦) تفسير الطبري ٩/ ٥٢٤ - ٥٢٥.
(٧) مسند أحمد ٣/ ٣٢٧ وانظر تفسير القرطبي ٢٠/ ٤٠.
[ ٤٨٧ ]
﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ (^١). وفي المسند (^٢) عن أبي هريرة مرفوعًا وموقوفًا: "الشاهد يومُ عرفة، والمشهود يوم الجمعة". وخرَّجه الترمذي (^٣) مرفوعًا. ورُوي ذلك عن علي (^٤) من قوله. وخرَّج الطبراني (^٥) من حديث أبي مالك الأشعريّ مرفوعًا: "الشاهدُ يومُ الجمعة، والمشهود يومُ عَرَفَة". وعلى هذا فإذا وقَعَ يومُ عرفة في يوم جمعة فقد اجتمع في ذلك اليوم شاهدٌ ومشهودٌ.
ومنها: أنَّه روي أنَّه أفضل الأيام؛ خرَّجه ابنُ حبَّان في صحيحه (^٦)، من حديث جابر عن النبي - ﷺ -، قال: "أفضَلُ الأيام يومُ عَرَفَةَ". وذهب إلى ذلك طائفة من العلماء. ومنهم من قال: يومُ النَّحْر أفضَلُ الأيام؛ لحديث عبد الله بن قُرْطٍ، عن النبي - ﷺ -، قال: "أعظمُ الأيام عندَ اللهِ يومُ النَّحْرِ، ثم يوم القَرِّ". خرَّجه الإمام أحمد (^٧) وأبو داود والنسائي وابنُ حبان في صحيحه، ولفظه: أفضَلُ الأيَّام.
ومنها: أنَّه رُوِي عن أنس بن مالكٍ أنَّه قال: كان يقال: يومُ عرفَةَ بعشرة آلاف يومٍ، يعني في الفضل. وقد ذكرناه في فَضْل العَشْر. ورُوِي عن عطاء، قال: من صام يومَ عرفة كان له كأجر ألفي يوم.
ومنها: أنَّه يومُ الحجِّ الأكبر عند جماعةٍ من السلف، منهم عُمَرُ وغيرُه. وخالفهم آخرون، وقالوا: يومُ الحجِّ الأكبر يومُ. النَّحر. ورُوِي ذلك عن النبي - ﷺ -.
ومنها: أن صيامَه كفَّارَةُ سنتين، وسنذكر الحديث في ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
ومنها: أنَّه يومُ مغفرةِ الذنوب والتجاوز عنها، والعِتقِ من النار، والمباهاةِ بأهل الموقف؛ كما في "صحيح مسلم" (^٨) عن عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ -، قال:
_________________
(١) سورة البروج الآية ٣.
(٢) مسند أحمد ٢/ ٢٩٨.
(٣) رقم (٣٣٣٦) في التفسير، وقد مضى تخريجه.
(٤) زاد المسير ٩/ ٧١.
(٥) خرجه الطبراني في الكبير ٣/ ٢٩٨، والهندي في "الكنز" برقم (٢٩٣٩) عنه.
(٦) ٦/ ٦٢ في الوقوف بعرفة والمزدلفة، و(١٠٠٦) موارد، وقد سبق ذكر الحديث.
(٧) مسند أحمد ٤/ ٣٥٠، و"صحيح الجامع الصغير" برقم (١٠٦٤). وقد سبق ذكر الحديث وتخريجه.
(٨) رقم (١٣٤٨) في الحج: باب في فضل الحج والعمرة يوم عرفة، والنسائي ٥/ ٢٥١ - ٢٥٢ في الحج: باب ما ذكر في يوم عرفة.
[ ٤٨٨ ]
"ما مِن يَوْمٍ أكثَر مِن أن يُعْتِقَ الله فيه عبيدًا من النَّار مِن يوم عَرَفَةَ، وإنَّه لَيَدْنُو، ثم يُباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟ ". وفي "المسند" (^١) عن عبد الله بن عمرٍو، عن النبي - ﷺ -، قال: "إن الله تعالى يُباهي ملائكته عشيَّةَ عَرَفَةَ بأهلِ عَرَفَةَ، فيقول: انظروا إلى عبادي، أتوني شُعْثًا غُبْرًا". وفيه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، قال: "إنَّ الله يُباهي بأهل عرفات، يقول: انظروا إلى عبادى شعثًا غُبرًا". وخرَّجه ابنُ حبان في "صحيحه" (^٢).
وخرَّج فيه أيضًا (^٣) من حديث جابر عن النبي - ﷺ -، قال: "ما من يوم أفضلُ عند الله من يوم عَرَفَة، ينزل الله ﵎ إلى السَّماء الدنيا فيُباهي بأهل الأرض أهلَ السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي شعثًا غُبرًا ضاحين، جاؤوا من كُلِّ فجٍّ عميقٍ، يرجون رحمتي ولم يروا عذابي، فلم يُرَ أكثرُ عتيقًا من النَّار مِن يوم عَرَفَةَ". وخرَّجه ابن منده في "كتاب التوحيد" ولفظُه: "إذا كان يوم عَرَفةَ ينزِلُ الله إلى سماء الدنيا فيُباهي بهم الملائكة، فيقول: انظروا إلى عبادي، أَتَوْني شُعْثًا غُبرًا مِن كُل فَجٍّ عميقٍ، أُشهدُكُمْ أنِّي قد غَفَرْتُ لهم. فتقول الملائكة: يا رَبّ، فلان مُرَهَّقٌ (^٤)، فيقول: قد غفَرْتُ لهم. فما من يومٍ أكثر عتيقًا من النار من يَوْم عرفة" (^٥). وقال: إسنادٌ حسن متصل، انتهى. ورويناه من وجهٍ آخر بزيادةٍ فيه، وهي "أُشْهِدُكُم يا عبادي أنِّي قد غَفَرْتُ لمحسنهم، وتجاوزت عن مسيئهم" (^٦). ورويناه من رواية إسماعيل بن رافع، وفيه
_________________
(١) مسند أحمد ٣/ ٢٢٤، و"الترغيب" ٢/ ٢٠٤. قال المنذري: "رواه أحمد والطبراني في الكبير والصغير، وإسناد أحمد لا بأس به".
(٢) مسند أحمد ٢/ ٣٠٥، وصحيح ابن حبان ٦/ ٦١ و(١٠٠٧) موارد، و"الترغيب" ٢/ ١٨٨ و٢٠٤؛ قال المنذري: "رواه أحمد، وابن حبان في صحيحه، والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما".
(٣) صحيح ابن حبان ٦/ ٦٢ و(١٠٠٦) موارد، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ٢٥٣. وقال: "رواه أبو يعلى وفيه محمد بن مروان العقيلي، وثقه ابن معين وابن حبان، وفيه بعض كلام، ولقية رجاله رجال الصحيح. وانظر "الترغيب، ٢/ ٢٠٠ - ٢٠١ وقد سبق ذكر الحديث.
(٤) مُرَهَّق: أي متّهم بسوء وسفه.
(٥) أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" ٤/ ٢٦٣ في المناسك: باب تباهي الله أهل السماء بأهل عرفات، والبغوي في مصابيح السنة ٢/ ٢٥٤، والهندي في "الكنز" ٥/ ٧١ برقم (١٢١٠٢) وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في فضل عشر ذي الحجة، الحجة، والبزار، وابن خزيمة، وقاسم بن أصبغ في مسنده، ومصنف عبد الرزاق وابن عساكر، عن جابر.
(٦) انظر "كنز العمال" ٥/ ٧٠ - ٧١.
[ ٤٨٩ ]
مقالٌ، عن أنسٍ، عن النبي - ﷺ -، قال: "يهبِطُ إله إلى السماء الدنيا عشيَّة عرفة، ثم يباهي بكم (^١) الملائكة، فيقول: هؤلاء عبادي جاؤوني شعثًا مِن كُلِّ فَجٍّ عميقٍ، يرجون رحمتي ومغفرتي، فلو كانت ذنوبهم كعدد الرَّمْل لغفرْتُها؛ أفيضوا عبادي مغفورًا لكم ولمن شفعتم فيه" (^٢).
وخرَّجه البزار (^٣) في "مسنده" بمعناه، من حديث مجاهدٍ عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -، وقال: لا نعلم له طريقًا أحسَنَ من هذا الطريق. وخرَّجه الطبراني وغيرُه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي - ﷺ - مختصرًا. ورويناه من طريق الوليد بن مسلم، قال: أخبرني أبو بكر بن أبي مريم، عن الأشياخ: أن النبي - ﷺ - قال: "إن الله ﷿ يدنو إلى السَّماء الدنيا عشيَّةَ غرَفَة، فيُقْبِلُ على ملائكته، فيقول: ألا إنَّ لكُلِّ وفدٍ جائزةً، وهؤلاء وفدي شُعْثًا غُبرًا، أعطوهم ما سألوا، وأخلِفوا لهم ما أنفقوا. حتى إذا كان عند غروب الشمس أقبَلَ عليهم، فقال: ألا إنِّي قد وَهَبْتُ مسيئَكم لمحسنكم، وأعطيتُ محسنَكُم ما سأل، أفيضُوا بسم الله".
وروى إبراهيم بنُ الحكم بن أبان، حدثنا أي، حدثنا فَرْقَد، قال: إنَّ أبواب السماء تفتح كُلِّ ليلةٍ ثلاث مرات، وفي ليلة الجمعة سبع مرات، وفي ليلة عرفة تسع مرات. وروينا من طريق نُفيْع (^٤) أبي داود، عن ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا: "إذا كان عشية يوم غرفة لم يبقَ أحدٌ في قلبه مثقال ذرَّةٍ منٍ إيمانٍ إلَّا غُفِر له. قيل له: أللمُعَرَّفِ (^٥) خاصَّةً أم للناس عامَّةً؟ قال: بل للناس عامَّةً".
وخرَّج مالك في "الموطأ" (^٦) من مراسيل طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز أن النبي - ﷺ -، قال: "ما رؤي الشيطانُ يومًا هو فيه أَصْغَرُ، ولا أَدْحَرُ ولا أَحْقَرُ، ولا أغيَظُ
_________________
(١) في آ، ع: "بهم".
(٢) أخرجه الهندي في "كنز العمال" ٥/ ٧١ - ٧٢ وعزاه إلى ابن عساكر، في حديث أنس.
(٣) انظر "كنز العمال" ٥/ ٧١.
(٤) في ش، ع: "نفيع بن أبي داود". وهو نُفَيع بن الحارث، أبو داود الأعمى، مشهور بكنيته، كوفي، ويقال له: نافع، متروك، وقد كذبه ابن معين. (التقريب ٢/ ٣٠٦).
(٥) المُعَرَّف: أي الموقف بعرفات، وعرَّف القوم: وقفوا بعرفة.
(٦) الموطأ - مرسلًا - ١/ ٤٢٢ في الحج: باب جامع الحج، قال الزرقاني في "شرح الموطأ": وصله الحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء. والدَّحْر: الطرد والإبعاد.
[ ٤٩٠ ]
منه يومَ عرفة، وما ذاك إلا لما يُرَى من تَنَزُّل الرحمة، وتجاوزِ اللهِ عن الذُّنوب العِظام، إلَّا ما رؤي يومَ بدرٍ. قيل (^١): وما رؤي يوم بدر؟ قال: رأى جبريل ﵇ وهو يَزَعُ الملائكة".
وروى أبو عثمان الصَّابوني (^٢) بإسنادٍ له عن رجلٍ كان أسيرًا ببلاد الروم، فهرب من بعض الحصون، قال: فكنْتُ أسيرُ بالليل وأكمُنُ بالنَّهار، فبينا أنا ذات ليلةٍ أمشي بين جبال وأشجارٍ إذا أنا بحسٍّ، فراعني ذلك، فنظرْتُ فإذا راكبُ بعيرٍ، فازددت رُعْبًا، وذلك أنَّه لا يكون ببلاد الروم بعير، فقلت: سبحان الله! في بلاد الروم راكبُ بعيرٍ، إنَّ هذا لعجب (^٣). فلمَّا انتهى إليَّ قلْتُ: يا عبدَ الله! من أنت؟ قال: لا تسأل. قلت: إنِّي أرى عجبًا، فأخبرني. فقال: لا تسأل. فأبيْتُ عليه، فقال: أنا إبليس، وهذا وجهي من عرفات، وافقتهم (^٤) عشيَّة اليوم أطلِعُ عليهم، فنزلَتْ عليهم الرحمة والمغفرة، ووُهِبَ بعضُهم لبعض، فداخلني الهمُّ والحزنُ والكآبة؛ وهذا وجهي إلى قسطنطيَّة أنفرج (^٥) بما أسمعُ من الشرك بالله وادِّعاء أنَّ له ولدًا. فقلْتُ: أعوذ بالله منك. فلمَّا قلْتُ هذه الكلمات لم أرَ أحدًا.
ويشهد لهذه الحكاية حديثُ عبَّاس بن مرداس الذي خرَّجه أحمد وابنُ ماجة (^٦) في دعاء النبي - ﷺ - لأمَّته عشيَّة عَرَفَة، ثم بالمزدلِفَةِ، فأجيبَ فضحِكَ - ﷺ -، وقال: "إنَّ إبليسَ حين عَلِمَ أن الله قد غَفَرَ لأمتي واستجاب دعائي أهْوَى يحثي التراب على رأسِه، ويدعو بالوَيلِ والثُّبُور؛ فضحكْتُ من الخبيث مِن جَزَعِه".
ويُروى عن علي بن الموفق أنَّه وقف بعرفة في بعض حجَّاته، فرأى كثرة الناس،
_________________
(١) قوله: "قيل: وما رؤي يوم بدر" لم يرد في آ، ش.
(٢) هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد، أبو عثمان الصابوني، النيسابوري، الحافظ، الواعظ، المفسر، شيخ الإسلام، قدم دمشق حاجًّا سنة ٤٣٢ هـ، وحدَّث بها، وعقد مجلس التذكير، روى عن جماعة، وروى عنه جماعة كثيرة من أهل نيسابور وغيرهم، توفي سنة ٤٤٩ هـ. (مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور ٤/ ٢٦٠، سير أعلام النبلاء ١٨/ ٤٠).
(٣) في آ، ب: "لعجبًا".
(٤) في ط: "رافقتهم".
(٥) في آ: "أتفرج"، وفي ش، ع: "أفرح".
(٦) جزء من حديث طويل رواه ابن ماجة رقم (٣٠١٣) في المناسك: باب الدعاء بعرفة. قال البوصيري: في إسناده عبد الله بن كنانة، قال البخاري: لم يصح حديثه. ولم أر من تكلم فيه بجرح ولا توثيق. وانظر "الترغيب" ٢/ ٢٠٢.
[ ٤٩١ ]
فقال: اللهم، إن كنتَ لم تتقبَّلْ (^١) منهم أحدًا فقد وهبته حجّتي. فرأى ربَّ العِزَّة في منامه، وقال له: يا ابنَ الموفق! أتتسخَّى عليَّ؟ قد غَفَرْتُ لأهل الموقف ولأمثالهم، وشفعت كُلَّ واحدٍ منهم في أهلِ بيته وذريته وعشيرته، وأنا أهلُ التقوى وأهلُ المغفرة (^٢). ويُروى نحوُه عن غيره أيضًا من الشيوخ. فمن طمِع في العِتْق من النار ومغفرة ذنوبِه في يوم عرفة، فلْيُحَافِظْ على الأسباب التي يُرجى بها العِتْقُ والمغفرة.
فمنها: صيامُ ذلك اليوم؛ ففي صحيح مسلم (^٣) عن أبي قَتَادة، عن النبي - ﷺ -، قال: "صيامُ يومِ عَرَفَةَ؛ أحتَسِبُ على الله أن يكفَّرَ السَّنَةَ التي قبلَه والتي بعده".
ومنها: حفظُ جوارحه عن المحرَّمات في ذلك اليوم؛ ففي مسند الإمام أحمد (^٤)، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - أنَّه قال: "يومُ عَرَفَةَ، هذا يومٌ مَن ملَكَ فيه سمعَهُ وبصَرَه ولسانَه غُفِر له".
ومنها: الإكثارُ مِن شَهادة التوحيد بإخلاص وصدقٍ؛ فإنَّها أصلُ دِين الإسلام الذي أكمله الله تعالى في ذلك اليوم، وأساسُهُ. وفي "المسند" (^٥) عن عبد الله بن عمرو، قال: كان أكثرُ دعاء النبي - ﷺ - يوم عرفة: "لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، له الملك، وله الحمد، بيدِه الخيرُ، وهو على كُلِّ شيءٍ قدير". وخرَّجه الترمذي (^٦)،
_________________
(١) في آ، ش، ع: "نقبل".
(٢) صفة الصفوة ٢/ ٣٨٧.
(٣) جزء من حديث طويل رواه مسلم رقم (١١٦٢) في الصيام: باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأبو داود رقم (٢٤٢٥) في الصوم: باب في صوم الدهر تطوعًا.
(٤) مسند أحمد ١/ ٣٢٩، وذكره الهيثي في "مجمع الزوائد" ٣/ ٢٥١، وقال: "رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير، وقال: كان الفضل بن عباس رديف، ورجال أحمد ثقات". وانظر معجم الطبراني ١٨/ ٢٨٩، والفتح ٤/ ٧٠، وكنز العمال ٥/ ٦٨.
(٥) رواه أحمد في "المسند" ٢/ ٢١٠ عن عبد الله بن عمرو، وقد تحرفت في المطبوع إلى "عبد الله بن عمر". وفي سنده محمد بن أبي حميد الأنصاري الزرقي، لقبه "حماد"، وهو ضعيف، ضعفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وغيرهم، وقال أحمد: أحاديثه مناكير. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ٢٥٢ وقال: "رواه أحمد، ورجاله موثوقون". وانظر "كنز العمال" ٧/ ٩٢.
(٦) رقم (٣٥٨٥) في الدعوات، باب رقم (١٢٣) في دعاء يوم عرفة. قال الترمذي: حديث غريب، وحمَّاد بن أبي حميد: هو محمد بن أبي حميد، وهو أبو إبراهيم الأنصاري المدني، وليس بالقوي عند أهل الحديث. وانظر "الترغيب" ٢/ ٤١٩، و"مشكاة المصابيح" ٢/ ٧٩٧؛ قال محققه الألباني: "وحسنه - أي الترمذي - في بعض الروايات عنه، وهو كما قال باعتبار شاهده الذي بعده، وهو مرسل، صحيح الإسناد.
[ ٤٩٢ ]
ولفظُه "خيرُ الدُّعاءِ دُعاءُ يومِ عَرَفَة، وخيرُ ما قلْتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، له المَلك وله الحمد، وهو على كُلِّ شيءٍ قدير". وخرَّجه الطبراني (^١) من حديث عليٍّ وابن عُمَر مرفوعًا أيضًا.
وخرَّج الإمام أحمد (^٢) من حديث الزبير بن العوام، قال: سمِعْتُ رسول الله - ﷺ - وهو بعرفة يقرأ هذه الآية ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ (^٣). الآية، ويقول: "وأنا على ذلك من الشاهدين، يا رَبّ". ويُروى من حديث عُبادَةَ بن الصامت، قال: شهِدْتُ النبي - ﷺ - يومَ عرفة، فكان أكثَرُ قوله ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، الآية. ثم قال: أي رب! وأنا أشهَدُ. فتحقيقُ كلمة التوحيد يوجبُ العِتْقَ من النار، فإنَّها تعدل عتق الرِّقاب، وعتقُ الرقاب يوجبُ العِتق من النار.
كما ثبت في الصحيح، أن من قالها مائة مرَّة كانت له عِدْلَ عَشْرِ رقابٍ. وثبَتَ أيضًا أن من قالها عَشْرَ مرات كان كمن أعتق أربعةً من ولد إسماعيلَ.
وفي سنن أبي داود (^٤)، وغيره عن أنس عن النبي - ﷺ -، قال: "مَن قال حين يُصْبِحُ أو يُمسي: اللهمَّ إنِّي أَصْبَحْتُ أُشْهِدُكَ وأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وملائكتَكَ وَجَميعَ خَلْقِكَ أنك أنتَ الله لا إله إلَّا أنت وأنَّ محمدًا عبدُكَ ورسولُك، أعتقَ الله رُبُعَهُ مِن النَّار، ومن قالها. مَرَّتين أعتَقَ الله نِصْفَه من النار، ومن قالها ثلاث مرات أَعْتَقَ الله ثلاثة أرباعه من النَّار، ومن قالها أربع مرار أعتقَهُ اللهُ مِن النار". ويُروى من مراسيل الزُّهري: "من قال في يومٍ عشرة آلاف مرَّة لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له أعتقَهُ الله من النار". كما أنَّه لو جاء بديةِ من قتله عشرةَ آلافٍ قُبلت منه.
ومنها: أن يُعتِقَ رقبةً إن أمكنه؛ فإنَّ مَن أعتَقَ رقبة مؤمنة أعتَقَ الله بكُلِّ عضوٍ منها
_________________
(١) انظر "الإتحاف" للزبيدي ٤/ ٣٧٣ - ٣٧٤.
(٢) مسند أحمد ١/ ١٦٦، قال الشيخ أحمد شاكر: "إسناده ضعيف، فيه مجاهيل. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٦/ ٣٢٥ وقال: "رواه أحمد والطبراني، و"في أسانيدهما مجاهيل". وانظر تفسير ابن كثير ٢/ ٢١ (ط. دار الأندلس).
(٣) سورة آل عمران الآية ١٨.
(٤) رواه أبو داود رقم (٥٠٦٩) في الأدب: باب ما يقول إذا أصبح، والترمذي رقم (٣٤٩٥) في الدعوات، باب رقم (٨١)، وهو حديث حسن بشواهده.
[ ٤٩٣ ]
عُضوًا منه من النار. كان حكيم بن حِزام (^١) ﵁ يقِفُ بعَرَفَةَ ومعه مائة بَدَنةٍ مقلَّدة، ومائة رقبة، فيعتق رقيقَه، فيضجُّ الناس بالبكاءِ والدُّعاء، ويقولون: ربَّنا، هذا عبدُك قد أعتَقَ عبيدَه، ونحن عبيدُك فاعتقنا. وجَرَى للناس مرَّةً مع الرشيد نحو هذا. وكان أبو قلابة يُعتِقُ جاريةً في عيد الفطر يرجو أن يُعتَقَ بذلك من النار.
ومنها: كثرةُ الدُّعاء بالمغفرة والعِتق؛ فإنَّه يُرجى إجابةُ الدُّعاء فيه. روى ابنُ أبي الدنيا بإسناده عن علي، قال: ليس في الأرض يومُ إلَّا لله فيه عتقاءُ مِن النار، وليس يومٌ أكثَرُ فيه عِتقًا للرقاب من يوم عرفة. فأكثِر فيه أن تقول: اللهم أعتِق رقبتي من النار، وأوسع لي من الرزق الحلال، واصرف عنِّي فسَقَةَ الجِنِّ والإنس، فإنَّه عامَّةُ دعائي اليوم. وليحذَرْ من الذُّنوب التي تمنع المغفرة فيه والعتق:
فمنها: الاختيال؛ روينا من حديث جابرٍ عن النبي - ﷺ -، قال: "ما يُرى يوم أكثر عتيقًا ولا عتيقةٌ من يوم عرفة، لا يغفر الله فيه لمختالٍ". وخرَّجه البزار والطبراني وغيرُهما. والمختال: هو المتعاظِم في نفسه المتكبِّر، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (^٢). وقال النبي - ﷺ -: "إنَّ الله لا ينظر إلى مَن جَرَّ ثوبه خُيلا" (^٣).
ومنها: الإصرار على الكبائر، روى جعفر السراج بإسناده، عن يونس بن عبد الأعلى، أنَّه حَجَّ سنةً فرأى أميرُ الحاج في منامِه أن الله قد غفر لأهل الموسم سِوَى رجل فَسَقَ بغلامٍ، فأمر بالنداء بذلك في الموسم. وروى ابن أبي الدنيا (^٤) وغيرُه أن رجلًا رأى في منامه أن الله قد غفر لأهل الموقف كلِّهم، إلَّا رجلًا من أهل
_________________
(١) حكيم بن حِزام بن خويلد بن أسد بن عبد العُزَّى الأصدي، أبو خمالد المكي، ابن أخي خديجة أم المؤمنين، أسلم يوم الفتح، وصحب وله أربع وسبعون سنة، ثم عاش إلى سنة ٥٤ هـ أو بعدها، وكان عالمًا بالنسب، ومن سادات قريش في الجاهلية والإسلام. (سير أعلام النبلاء ٣/ ٤٤).
(٢) سورة الحديد الآية ٢٣.
(٣) أخرجه البخاري في "صحيحه" ١٠/ ٢٥٨ في اللباس: باب من جر ثوبه من الخيلاء، عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: أن النبي - ﷺ - قال: "مَنْ جَرَّ ثوبَه خُيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة. فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، إنَّ إزاري يسترخي، إلا أن أتعاهده. فقال رسول الله - ﷺ -: إنك لست ممن يفعله خيلاء". والخيلاء: العجب والكبر.
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتابه "ذم المسكر" الفقرة (٥٧). وقد قمت بتحقيقه وطبعه.
[ ٤٩٤ ]
بَلْخ، فسأل عنه حتى وقع عليه، فسأله عن حاله، فذكر أنَّه كان مدمنًا لشرب الخمر، فجاء ليلةً وهو سكران، فعاتبتْه أمُّهُ وهي تسجُرُ تنورًا، فاحتمَلَها فألقاها فيه حتى احترقت.
يا مَن يطمَعُ في العتق من النار ثم يمنعُ نفسَه الرحمةَ بالإصرار على كبائر الإثم والأوزار! تاللهِ ما نصحْتَ نفسَكَ، ولا وقَفَ في طريقك غيرُك، توبقُ (^١) نفسَك بالمعاصي، فإذا حُرمت المغفرةَ قلْتَ أنَّى هذا؟ قُلْ هو من عند أنفسكم.
فنفسَكَ لُمْ ولا تَلُمِ المطَايا … ومُتْ كَمَدًا فليسَ لَكَ اعْتِذارُ
إن كنت تطمع في العِتق فاشْتر نفسَكَ من الله، فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (^٢). مَن كَرُمَتْ عليه نفسُه هان عليه كُلُّ ما يبذُل في افتكاكِها من النار.
اشترى بعضُ السَّلف نفسَه مِن الله ثلاث مرار أو أربعًا؛ يتصدَّق كُلَّ مرَّةٍ بوزن نفسِه فضة.
واشترى عامر بن عبد الله بن الزبير (^٣) نفسَه من الله بديته ستَ (^٤) مرات تصدَّق بها. واشترى حبيب العجمي نفسَه من الله بأربعين ألف درهم تصدَّق بها. وكان أبو هريرة يسبِّح كُلَّ يومٍ اثنتي عشر ألف تسبيحة بقدر دِيته يَفْتَكُّ بذلك نفسَه.
بِدَمِ المحبِّ يُباعُ وصلُهُمُ … فَمَن الذي يَبتاع في الثمن
من عرف ما يطلُب هان عليه كُلُّ ما يبذُل. ويحك! قد رضينا منك في فكاك نفسِك بالنَّدم، وقنعنا منك في ثمنها بالتوبة والحزن. وفي هذا الموسم قد رخُصَ السِّعر، من ملَكَ سمعَه وبصرَه ولسانَه غُفِرَ له. مُدَّ إليه يدَ الاعتذار، وقُمْ على بابه بالذُّلِّ والانكسار، وارفع قصَّةَ ندمِك مرقومةً على صحيفةِ خدِّك بمداد الدُّموع الغِزار،
_________________
(١) في آ: "توثق".
(٢) سورة التوبة الآية ١١١.
(٣) عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام، أبو الحارث الأسدي المدني، أحد العبَّاد. ثقة، مات سنة ١٢٤ هـ. (صفة الصفوة ٢/ ١٣٠، سير أعلام النبلاء ٥/ ٢١٩).
(٤) في صفة الصفوة: "بتسع ديات".
[ ٤٩٥ ]
وقل: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^١). قال يحيى بن معاذ: العبدُ يوحِشُ فيما بينه وبين سيده بالمخالفات، ولا يُفارق بابه بحالٍ؛ لعلمه بأنَّ عِزَّ العبيد. في ظِلِّ مواليهم. وأنشأ يقول:
قُرَّةَ عيني لا بدَّ لي (^٢) منك وإن … أَوْحَشَ بيني وبينك الزَّلَلُ
قرَّة عيني أنا الغريقُ فخُذْ … كفَّ غريقٍ عليكَ يتَّكِلُ
كانت أحوال الصَّادقين في الموقف بعرفة تتنوَّع؛ فمنهم من كان يغلِبُ عليه الخوفُ أو الحياءُ. وقف مُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، وبكر المزني، بِعَرَفَة، فقال أحدُهما: اللهم، لا تردَّ أهلَ الموقف من أجلي. وقال الآخر: ما أشرفَهُ مِن مَوْقفٍ وأرجَاهُ لأهله، لولا أنِّي فيهم! وقف الفُضيل بعرفة والناسُ يدعون وهو يبكي بكاء الثَّكْلَى المحترِقة، قد حال البكاءُ بينه وبين الدعاء، فلمَّا كادت الشمس أن تغربَ رفَعَ رأسَه إلى السماء، وقال: واسوءتاه منكَ وإن عفوتَ (^٣)!. وقال الفُضَيل أيضًا لشعيب بن حرب بالموسم: إن كنتَ تظنُّ أنَّه شهدَ الموقفَ أحدٌ شرًّا منِّي ومنك فبئس ما ظننت. دعا بعضُ العارفين بعرفة، فقال: اللهم، إن كنتَ لم تقبَلْ حجِّي وتعبِي ونَصَبِي فلا تحرمني أجْرَ المصيبة على تركك القبولَ منِّي. وقَفَ بعضُ الخائفين بعرفة إلى أن قرب غُروب الشمس، فنادى: الأمانَ الأمانَ، قد دنا الانصراف، فليت شعري ما صنعت في حاجة المساكين!
وإنِّي مِن خَوفِكُم والرَّجا … أَرَى الموْتَ والعيشَ فيكم عِيانا
فَمُنُّوا على تائبٍ خائفٍ … أتاكُم يُنادِي الأمانَ الأَمانا
إذا طلبَ الأسيرُ الأمانَ من الملكِ الكريم أمَّنَه.
الأمان الأمانَ وِزْرِي ثَقيلُ … وَذُنُوبي إذا عُدِدْن (^٤) تطُولُ
أوبقتْنِي وأوثقتْنِي ذنُوبي … فترَى لي إلى الخلاص سبيلُ؟
_________________
(١) سورة الأعراف الآية ٢٣.
(٢) لفظ "لي" لم يرد في ب.
(٣) في آ، ش: "غفرت".
(٤) في آ، ش، ع: "عددت".
[ ٤٩٦ ]
وقف بعضُ العارفين (^١) الخائفين بعَرَفَة، فمَنَعَه الحياءُ من الدُّعاء، فقيل له: لِم لا تدعو؟ فقال: ثَمَّ وحْشَةٌ. فقيل له: هذا يومُ العفو عن الذُّنوب، فبسَطَ يديه ووقع ميتًا.
حَدَا (^٢) بها الحادِي إلى نعمانِ … فاستذكَرَتْ عَهْدًا لها بالبَانِ
فسالَتِ الرُّوحُ مِنَ الأَجْفانِ … تشوُّقًا إلى الزمان الفاني
غيره (^٣):
قد لجَّ بِيَ الغَرَامُ حتَّى قالوا … قد جُنَّ بهم (^٤) وهكذا البَلْبَالُ
الموتُ إذا رضيته سلْسَالُ … في مثل هَوَاك ترخُصُ الآجالُ
وقفَ بعضُ الخائفين بعرفات، وقال: إلهي! النَّاسُ يتقرَّبون إليك بالبُدْن، وأنا أتقرَّب إليك بنفسي، ثم خرَّ ميتًا.
للناس حجٌّ وَلِي حَجٌّ إلى سَكَنِي … تُهدَى الأضاحي وأهدِي مهجتي ودمي
ما يرضَى المحبُّون لمحبوبهم بإراقة دماء الهدايا، وإنما يُهدون له الأرواح.
أرَى مَوْسِمَ الأعياد أنسَ الأجانب (^٥) … وما العيدُ عندي غير قُرب الحبائبِ
إذا قرَّبوا بُدْنًا فَقُرْبانيَ الهَوَى … فإنْ قَبِلوا قَلْبِي وإلَّا فقالَبِي
وَمَا بَدَمِ الأنعامِ أَقْضِي حُقُوقَهُمْ … ولكن بما بينَ الحَشا والتَّرائبِ
كان أبو عُبيدةَ الخوَّاص (^٦) قد غلَب عليه الشوقُ والقلقُ حتى يضرِبَ على صدره في الطريق (^٧)، ويقول: وَاشَوْقَاه إلى مَن يراني ولا أراه. وكان بعدما كبُر يأخُذُ بلحيته ويقول: ياربّ، قد كبُرْتُ فأعتقني. ورؤي بعرفة وقد وَلِعَ به الولَهُ وهو يقول:
_________________
(١) لفظ "العارفين" لم يرد في ب، ط.
(٢) في ب، ط: "جُزْأيها الحادي .. ". وحَدا الإبل: زجرها خلفها وساقها.
(٣) لفظ "غيره" لم يرد في آ، ش، ع.
(٤) في ع: "به"، وفي ط: "فيهم".
(٥) في ب، ط "الحبائب".
(٦) واسمه عبَّاد بن عبَّاد، واشتهر بأبي عُبيدة، وإنما هو أبو عُتبة، كذلك ذكره البخاري وغيره. والخبر مع الأبيات في "صفة الصفوة" ٤/ ٢٧٥ - ٢٧٦.
(٧) في آ، ش: "الطرق".
[ ٤٩٧ ]
سُبْحانَ مَن لو سجدْنا بالعيون لَهُ … على حِمَى (^١) الشَّوْكِ والمُحْمَى من الإبَر
لم نَبْلُغ العُشْرَ مِن مِعْشَارِ نِعْمَتِه … ولا العُشَيْرَ ولا عُشْرًا من العُشَر
هو الرفيعُ فَلَا الأبْصَارُ تُدْرِكُه … سُبْحانَهُ مِن مليكٍ نافِذِ القَدَرِ
سبحانَ مَن هُو أُنسِي إذْ خَلَوْتُ به … في جَوْف ليلي (^٢) وفي الظَّلماء والسَّحَرِ
أنتَ الحبيبُ وأنتَ الحِبُّ (^٣) يا أَمَلِي … مَن لي سِواك ومن أرجُوه يا ذُخرِي
ومن العارفين من كان في الموقف يتعلَّق بأذيال الرجاء؛ قال ابنُ المبارك: جئت إلى سفيان الثوري عشيَّة عرَفَةَ، وهو جاثٍ على ركبتيه، وعيناه تهمُلان، فالتفت (^٤) إليَّ، فقلت له: من أسوأُ هذا الجمع حالًا؟ قال: الذي يظنُّ أن الله لا يغفر لهم. ورُوي عن الفُضَيل أنَّه نظر إلى نشيج (^٥) الناس وبكائهم عشيَّة عرَفَةَ، فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجلٍ فسألوه دانِقًا، يعني سدسَ درهم، أكان يردُّهم؟ قالوا: لا. قال: والله، لَلْمغفرةُ عندَ الله أهوَنُ من إجابة رجلٍ لهم بدانِقٍ.
وإنِّي لأدعو الله أسألُ (^٦) عَفْوَه … وأعلَمُ أن الله يعفُو ويغفِرُ
لَئِنْ أعظَمَ النَّاسُ الذُّنوبَ فإنها … وإنْ عظُمَتْ في رحمةِ اللهِ تصغُرُ
وعمَّا قليل يقف إخوانكم بعرفة في ذلك الموقف، فهنيئًا لمن رُزِقَهُ، يجأرون إلى الله بقلوبٍ محترقةٍ، ودموع مستبقةٍ؛ فكم فيهم من خائفٍ أزعجَهُ الخوفُ وأقلَقَه، ومحبٍّ ألهبَهُ الشَّوقُ وأحرقَهُ، وراجٍ أحسَنَ الظَّنَّ بوعدِ الله وصَدَّقه، وتائبٍ نَصَحَ لله في التَّوبة وصَدَقَه، وهاربٍ لجأ إلى باب الله وطَرَقَه؛ فكم هنالِك من مستوجبٍ للنار أنقذَه الله وأعتقه، ومن أسيرٍ (^٧) للأوزار فكَّه وأطلَقَه. وحينئذ يطَّلع عليهم أرحَمُ الرُّحماء، ويُباهِي بجمعهم أهلَ السَّماء، ويدنو ثم يقول: ما أراد هؤلاء؟ لقد قطعنا عندَ وصولهم الحرمان (^٨)، وأعطاهم نهاية سؤلهم الرحمان، هو الذي أعطَى وَمنَع، ووَصَلَ وقطَع.
_________________
(١) في ش وصفة الصفوة: "شَبَا".
(٢) في آ: "ليلٍ".
(٣) الحِبُّ، بكسر الحاء: المحبوب.
(٤) قوله: "فالتفت إليّ" لم يرد في ب، ط.
(٥) في ش: "ضجيج"، وفي ط: "تسبيح". والنشيج: أشدّ البكاء.
(٦) في ب، ط: "أطلب".
(٧) في ش: "أسير موثق بالأوزار".
(٨) بعدها في آ، ش، ع: "ومنعنا".
[ ٤٩٨ ]
ما أصنَعُ هكذا جَرَى المقدور … الجبر لغيري وأنا المكسور (^١)
أسير ذنبٍ مقيد ما سور … هل يمكن أن يُبْدَلَ المسطور (^٢)
من فاته في هذا العام القيامُ بعرَفَةَ فلْيقُمْ لله بحقِّه الذي عرفَه. من عجِزَ عن المبيت بمزدلفة فليبتَّ عزمه على طاعة الله، وقد قرَّبه وأَزْلَفَه. من لم يمكنه القيام بأرجاء الخَيْفِ، فليقمْ للهِ بحقِّ الرجاءِ والخوف. من لم يقدر على نَحْر هَدْيه بمنىً فليذبح هواه هنا وقد بلغ المنى. من لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد فليقصد ربَّ البيت؛ فإنَّه أقرَبُ إلى من دعاه ورجاه من حَبْل الوريد.
نفحت في هذه الأيام نَفْحَة من نَفَحاتِ الأنس من رياض القدس على كُل قلبٍ أجاب إلى ما دُعي. يا هممَ العارفين، بغير الله لا تقنعي. يا عزائمَ الناسكين، لجميع أَنْساك السالكين أجْمعي، لِحُبِّ مولاك افردي، وبين خوفِه ورجائه اقرني، وبذكره تمتعي (^٣).
يا أسرارَ المحبين، بكعبة الحُبِّ طُوفي وارْكعِي، وبين صفاء الصفا ومروة المروةِ اسْعِي وأسرِعي، وفي عرفات العرفان (^٤) قفي وتضرّعي، ثم إلى مزدلفة الزُّلْفَى فادْفعي، ثم إلى مِنىً نيل المنى فارجعي. فإذا قُرِّب (^٥) القرابين فقرِّبي الأرواح ولا تمنعي؛ لقد وضح اليوم الطريق، ولكن قَلَّ السَّالك (^٦) على التحقيق وكثر المدَّعِي.
لئن لم أحجَّ البيتَ إذْ شَطَّ (^٧) رَبْعُهُ … حَجَجْتُ إلى مَنْ لا يَغيبُ عن الذِّكْر
فأحْرَمْتُ مِن وقتِي بخَلْعِ نقائصي (^٨) … أطوفُ وأسْعَى في اللطائف والبِرِّ
صفايَ صفائي عن صفاتي ومَرْوَتي … مروءة قلبٍ عن سِوى حُبِّه قَفْرِ (^٩)
وفي عرفات الأُنس بالله موقفي … ومُزْدَلفي الزُّلْفَى لَدَيْهِ إلى الحَشْرِ
وَبتَّ المُنَى منِّي مَبيتي في منى … وَرَمْيُ جِمارِي جَمْرُ شَوقيَ في صَدْرِي
_________________
(١) في آ، ش: "المهجور".
(٢) لم يرد هذا البيت في آ، ش.
(٣) اقتبسها مني وجوه أداء الحج، وهي التمتع والإقران والقِران.
(٤) في ب، ط: "الغرفات".
(٥) في ش، ع: "تربوا".
(٦) في آ: "السَّالكون".
(٧) في ب، ط: "أو شَطَّ".
(٨) في آ، ش، ع: "شمائلِي".
(٩) في ب، ع، ط: "فَقْر".
[ ٤٩٩ ]
وإشعارُ هَدْي ذَبْحُ نفسي بقهرها … وحَلْقي بمحق (^١) الكائنات عن السِّرِّ
وَمَن رَامَ نَفْرًا بعدَ نُسْكٍ فإنَّني … مُقِيمٌ على نُسْكِي حَيَاتي بلا نَفْرِ
* * *