خرَّج مسلم من حديثِ أبي قَتَادَةَ الأنصارِيِّ - ﵁ - أن النَّبيَّ - ﷺ - سُئِلَ عَن صِيامِ يومِ الاثنينِ، فقال: "ذلك يَوْمٌ وُلِدْتُ فيهِ، وأُنْزِلَتْ عليَّ فيه النُّبوَّةُ" (^٤).
أمَّا وِلادَةُ النَّبِيِّ - ﷺ - يومَ الاثنينِ فكالمُجْمَعِ عليهِ بينَ العُلَمَاءِ، وقد قالَهُ ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه. وقد حُكِيَ عن بعضِهم أنَّه وُلِدَ يومَ الجمعةِ، وهو قولٌ ساقِطٌ مَرْدُودٌ.
_________________
(١) السِّربال: القميص والدرع، وقد تسَرْبل به: لبسه، وكنى به عن العلم والخوف.
(٢) سورة آل عمران، الآية ١١٠.
(٣) في ع: "ونصح"، وفي ط: "ففضح".
(٤) هو جزء من حديث طويل رواه مسلم رقم (١١٦٢) (١٩٧)؛ وأحمد في "المسند" (٥/ ٢٩٧ و٢٩٩) من حديث أبي قتادة الأنصاري.
[ ١٨١ ]
ورُوِي عن أبي جعفرٍ البَاقِر (^١) أنَّه توقَّفَ نفي ذلك، وقال: لا يَعْلَمُ ذلكَ إلَّا الله. وإنَّما قال هذا لأنَّه لم يبلُغْهُ في ذلك ما يُعتمَدُ عليه، فوقَفَ في ذلك (^٢) تورُّعًا.
وأمَّا الجمهورُ فبلَغَهم في ذلك ما قالوا بحسَبه. وقد روي عن أبي جعفرٍ أيضًا موافقَتهُمْ، وأنَّ النبيَّ - ﷺ - وُلِدَ يَوْمَ الاثنينِ، موافقةً لِما قالَهُ سائرُ العلماءِ. وحديثُ أبي قَتَادَةَ يَدُلُّ على أنَّه - ﷺ - وُلِد نهارًا في يوم الاثنينِ. وقد روي أنَّهُ وُلِدَ عندَ طُلُوعِ الفَجْر منه. ورَوَى أبو جعفر بن أبي شَيْبَةَ في "تاريخِهِ" (^٣)، وخرَّجَهُ مِن طريقِهِ أبو نُعَيم في "الدلائلِ" (^٤) بإسنَادٍ فيه ضعفٌ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: كان بِمَرِّ الظَّهرَانِ (^٥) رَاهِبٌ يسمى عيصًا (^٦) من أهل الشَّام، وكان يقول: يُوشِكُ أنْ يُولَدَ فيكم (^٧) - يا أهلَ مكَّةَ - مولودٌ تَدِينُ له العَرَبُ، ويملِكُ العَجَمَ؛ هذا زمانُهُ. فكان لا يُولَدُ بِمَكَّةَ مولودٌ إلَّا سألَ عنه.
فلمَّا كان صَبيحةَ اليومِ الَّذي وُلِدَ فيه رسولُ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ عبدُ اللهِ بن عبد المطلب حتَّى أَتَى عيصًا [فَوَقَفَ في أصْلِ صَوْمَعَتِه، ثُمَّ نادى: يا عَيْصَاه"]، فنادَاهُ: [مَنْ هَذا؟ فقال: أنا عَبْدُ اللهِ]، فأشرَفَ عليه، فقال له عيصٌ: كُنْ أباهُ، فقَدْ وُلِدَ ذلك المولودُ الذي كُنْتُ أحدِّثُكُم عنه يومَ الاثنين، ويُبْعَثُ يومَ الاثنين، ويموت يومَ الاثنين. قال: إنَّهُ وُلِدَ لِي مع الصُّبحِ مَوْلُودٌ، قال: فما سمَّيتَهُ؟ قال: محمَّدًا، قال: واللهِ، لَقَدْ كُنْتُ أشتهِي أن يكونَ هذا المولودُ فِيكم أَهْلَ البيتِ، لِثلاثِ خصالٍ بها نعرِفُهُ، فَقَدْ أَتَى (^٨) عليهن؛ منها: أنَّهُ طَلَعَ نجمُهُ البارِحَةَ، وأنَّهُ وُلِدَ اليومَ، وأنَّ اسْمَهُ محمَّدٌ.
_________________
(١) هو محمد بن علي زين العابدين بن الحسين بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، خامس الأئمة الاثني عشر عند الإمامية، كان ناسكًا، عابدًا، له في العلم وتفسير القرآن آراء وأقوال، ولد بالمدينة سنة ٥٧ هـ، وتوفي بالحميمة سنة ١١٤ هـ، ودفن بالمدينة. (سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٠١ - ٤٠٩).
(٢) قوله: "في ذلك" سقط من ب، ش، ط.
(٣) وهو مخطوط لم يطبع بعد فيما نعلم.
(٤) لم أجده في "دلائل النبوة" لأبي نعيم المطبوع، الذي هو مختصر لدلائله الكبير، وهو مخطوط لم يطبع بعد. أقول: وفي الخبر ضعف كما ذكر المؤلف، ﵀.
(٥) مَرُّ الظَّهْرَان: موضع على مرحلة من مكة. (ياقوت).
(٦) انظر أخباره في "البداية والنهاية" لابن كثير ٢/ ٢٧٢، وفي ب: "عِيصَى" بغير صرف.
(٧) في آ: "منكم".
(٨) أتى عليهن: "أنفدهن".
[ ١٨٢ ]
انطلِقْ إليه؛ فإنَّه الذي كُنْتُ أحدِّثُكُمْ عنه (^١). وقد رُوي ما يدُلُّ على أنَّه وُلِدَ ليلًا، وقد سَبَقَ في المجلِسِ الذي قبلَهُ مِنَ الآثارِ ما يُستَدَلُّ بِهِ لذلك.
وفي "صحيح الحاكم" عن عائشةَ، قالت: كان بمكَّةَ يهودِيٌّ يتَّجِرُ فيها، فلمَّا كانتِ الليلةُ التي وُلِدَ فيها رسولُ اللهِ - ﷺ -، قال: يا معشَرَ قريشٍ! هَلْ وُلِدَ فيكُم الليلَةَ مولودٌ؟ قالوا: لا نَعلَمُه، فقالَ: وُلِدَ الليلةَ نَبيُّ هذه الأمَّةِ الأخِيرةِ، بينَ كتفَيْهِ علامةٌ فيها شَعَراتٌ مُتَواتِراتٌ كأنَّهنَّ (^٢) عُرْفُ فَرَسٍ، فخَرَجُوا باليهودِيِّ حتَّى أدخَلُوه على أُمِّه، فقالوا: أخرجي إلينا ابنَكِ، فأخْرَجَتْهُ، وكشَفُوا عن ظهرِه، فرأى تلكَ الشَّامَةَ، فوقَعَ اليهودِيُّ مغشيًّا عليه، فلما أفاقَ قالوا: ويلَكَ! ما لك؟ قال: ذهبَتْ واللهِ النُّبوَّةُ مِن بني إسرائيل (^٣). وهذا الحديثُ يدُلُّ على أنَّهُ وُلِدَ بخاتَمِ النُّبوَّةِ بين كتفَيهِ (^٤). وخاتَمُ النُّبوَّةِ من علاماتِ نبوَّتِه التي كان يعرِفُه بها أهلُ الكِتابِ ويسألونَ عنها، ويطلُبُون الوُقوفَ عليها.
وقد رُوي أن هِرَقْلَ بَعَثَ إلى النَّبيِّ - ﷺ - بتَبُوكَ (^٥) مَنْ ينظُرُ له خَاتَمَ النبوَّةِ ثم يُخبرُه عنه (^٦). وقد رُوِي مِن حديثِ أبي ذَرٍّ، وعُتْبَةَ بن عبدٍ (^٧)، عن النَّبيِّ - ﷺ -، أن المَلَكَيْنِ اللذينِ شقَّا صَدْرَهُ وملآهُ حِكْمَةً هُما اللَّذان خَتَماهُ بخاتمِ النُّبوَّةِ (^٨)، وهذا يخالِفُ حديثَ عائشةَ هذا.
وقد روي أنَّ هذا الخاتَم رُفِعَ مِن بَعْدِ مَوْتهِ مِن بين كتفَيهِ، ولكنْ إسنادُ هذا الحديثِ (^٩) ضعيفٌ (^١٠). وقد رُوِيَ في صِفَةِ ولادتِهِ آياتٌ تُسْتَغْرَبُ؛ فمنها ما رُوِيَ عن
_________________
(١) ذكره الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" ٢/ ٢٧٢ وعزاه لأبي نُعيم وقال: فيه غرابة، وما بين حاصرتين زيادة منه.
(٢) في آ: "كأنَّها".
(٣) رواه الحاكم في المستدرك ٢/ ٦٥١ في التاريخ، باب إخبار اليهود بولادة رسول الله - ﷺ - وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي فقال: قلت: لا.
(٤) وهذا الحديث ضعيف كما عرفت، ضعفه الذهبي كما في "المستدرك" ٢/ ٦٠١.
(٥) لفظة: "بتبوك" لم ترد في آ، ش، ع.
(٦) انظر "فتح الباري" ١/ ٣٣ في بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ - عند قوله في حديث هرقل (حتى أتاه كتاب من صاحبه).
(٧) في آ: "عتبة بن عبيد" وهو خطأ.
(٨) حديث عتبة بن عبد السلمي، رواه الحاكم في "المستدرك" ٢/ ٦١٦ وصححه ووافقه الذهبي. وحديث أبي ذر رواه البزار. انظر: "مجمع الزوائد" ٨/ ٢٥٥ و٢٥٦.
(٩) في ب، ط: "الخبر".
(١٠) ذكره الحاكم في "تاريخ نيسابور" عن عائشة - ﵂ - قالت: فالتمسته. (تعني الخاتم) حين توفي فوجدته قد رفع. انظر: "شرح المواهب اللدنية" ١/ ١٥٦ عند ذكر خاتم النبوة، وهو ضعيف.
[ ١٨٣ ]
آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ أنَّها قالت: وَضَعْتُه فما وَقَعَ كما يقَعُ الصِّبْيَانُ، وَقَعَ واضِعًا يدَهُ على الأرضِ، رافِعًا رأسَهُ إلى السَّماءِ (^١). ورُوِيَ أيضًا أنَّه قَبَضَ قَبْضَةً مِنَ التُّرابِ بيدِهِ لمَّا وَقَعَ بالأرضِ (^٢). فقالَ بعض القافَةِ (^٣): إنْ صَدَقَ الفألُ (^٤) ليَغْلِبَنَّ أَهْلَ الأرْضِ.
وروي أنَّهُ وُضِعَ تحتَ جَفْنَةٍ (^٥)، فانْفَلَقَتْ عنه، ورجَدُوه ينظُرُ إلى السَّماءِ. واختلفتِ الروايَاتُ؛ هَلْ وُلِدَ مختونًا؟ [فرُوِي أنَّه وُلِدَ مختونًا] (^٦) مسرورًا، يعني مقطوعَ السُّرَّة، حتَّى قالَ الحاكم (^٧): تواتَرَتِ الرواياتُ بذلك. ورُوي أن جدَّهُ خَتَنَهُ، وتوقَّفَ الإمامُ أحمدُ في ذلك.
قال المرْوَزِيُّ: سُئلَ أبو عبد الله (^٨): هَلْ وُلِدَ النَّبِيُّ - ﷺ - مختونًا؟ قال: الله. أعلمُ، ثمَّ قال: لا أدري. قال أبو بكر عبدُ العزيز بنُ جعفرٍ مِن أصحابِنا: قد رُوِيَ أنَّه - ﷺ - وُلِد مَخْتونًا مَسْرورًا. ولم يجترئ أبو عبد الله على تصحيحِ هذا الحديثِ.
وأمَّا شهرُ ولادتِهِ فقد اختُلِفَ فيه، فقيل: في شهر رمضانَ، رُوِي عن عبدِ اللهِ بن عمرو بإسنادٍ لا يَصِحُّ. وقيل: في رَجبٍ، ولا يَصِحُّ. وقيل: في رَبيع الأوَّلِ، وهو المشهورُ بين النَّاسِ، حتَّى نَقَلَ ابنُ الجوزيِّ وغيرُه عليه الاتِّفاقَ، ولكنَّهُ قولُ جُمهُورِ العلماءِ. ثم اخْتَلَفُوا في أيِّ يومٍ كانَ مِنَ الشهرِ، فمنهم مَنْ قال: هو غَيْرُ مُعيَّنٍ، وإنما وُلِدَ في يومِ الاثنينِ من رَبيع [الأول] (^٩) من غيرِ تعيينٍ لِعددِ ذلك اليومِ مِنَ الشهرِ.
والجمهور على أنَّه يومٌ مُعيَّنٌ منه، ثم اختَلفُوا، فقيل: لِليلَتَيْن خلتا منه. وقيل: لِثمانٍ خلَتْ منه. وقيل: لِعَشْرٍ. وقيل: لاثنتي عشرة. وقيل: لِسبعَ عَشرةَ. وقيل:
_________________
(١) ذكر هذا الخبر ابن سعد في "الطبقات" ١/ ١٠٣ فقال: أخبرنا يحيى بن حمزة عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية: أن النبي - ﷺ - لمَّا ولد وقع على كفيه وركبتيه شاخصًا بصره إلى السماء، وهذا الخبر مرسل؛ لأن حسان بن عطية من أتباع التابعين، ولم يصرح بمن حدثه به. وذكره ابن إسحاق في "السيرة النبوية" بتهذيب ابن هشام من غير إسناد ١/ ١٦٥.
(٢) لم أجده فيما لدي من المصادر. (ع).
(٣) القافة: جمع قائف، وهو الذي يتتبع الآثار ويعرفها ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه.
(٤) الفَأْلُ: ضدُّ الطِّيَرة، وهو فيما يستحبُّ، والطِّيرَة لا تكون إلَّا فيما يَسوء.
(٥) الجَفْنة: أعظمُ ما يكون من القصاع. (ولها معان أخر).
(٦) ما بين حاصرتين سقط من (آ).
(٧) في "المستدرك" (٢/ ٦٠٢) وتعقبه الذهبي بقوله: قلت: ما أعلم صحة ذلك، فكيف يكون متواترًا. وقد صرح ابن القيم في "زاد المعاد" ١/ ٨١ بأنه ليس فيه حديث ثابت.
(٨) يعني الإمام أحمد بن حنبل، ﵀.
(٩) زيادة من حاشية النسخة (ب).
[ ١٨٤ ]
لثماني عشرَةَ. وقيل: لثمانٍ بقينَ منه. وقيل: إنَّ هذين القولين غيرُ صحيحين عَمَّن حُكِيا عَنْه بالكُلِّيَّةِ، والمشهورُ الذي عليه الجُمهورُ أنَّهُ وُلِدَ يومَ الاثنين ثاني عشرَ رَبيع الأوَّل، وهو قولُ ابن إسحاقَ (^١) وغيرِه.
وأمَّا عامُ ولادتِهِ - ﷺ - فالأكثَرُونَ على أنَّه عامُ الفِيلِ؛ ومِمَّن قال ذلك قيسُ بنُ مَخْرَمَةَ، وَقُبَاثُ بن أَشْيَم، وابنُ عبَّاسٍ، ورُوي عنه أنَّه وُلِدَ يومَ الفيلِ، وقيل: إنَّ هذه الرواية وهمٌ، إنَّما الصحيحُ عنه أنَّه قال: عام الفيل (^٢). ومِنَ العلماءِ مَن حَكَى الاتفاقَ على ذلك وقال: كلُّ قولٍ يخالِفُه وَهْمٌ. والمشهورُ أنَّه - ﷺ - وُلِدَ بعدَ الفيل بخمسينَ يومًا.
وقيل: بعدَه بخمسٍ وخمسينَ يومًا. وقيل: بشهر. وقيل: بأربعينَ يومًا. وقد قيل: إنَّهُ وُلِدَ بعدَ الفِيلِ بعشرِ سنينَ. وقيل: بثلاثٍ وعشرين سنة. وقيل: بأربعينَ سنة. وقيل: قبلَ الفيلِ بخمسَ عشرةَ سنةً. وهذه الأقوالُ وَهْمٌ عندَ جُمهورِ العُلماء ومنها ما لا يَصحُّ عَمَّنْ حُكِيَ عنه.
قال إبراهيمُ بن المُنْذِر الحِزَاميُّ (^٣): الذي لا يَشُكُّ فيه أحدُ مِن علمائنا أنَّه - ﷺ - وُلِدَ عامَ الفيلِ. وقال خليفةُ بنُ خَيَّاطٍ: هذا هو المُجمَعُ عليه (^٤). وكانت قصَّةُ الفيلِ توطِئةً لنبوَّتهِ وتقدِمَةً لِظُهورِهِ وبِعْثَتِهِ - ﷺ -. وقد قصَّ الله تعالى ذلك في كتابه فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (^٥).
فقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ استفهامُ تقريرٍ لِمَنْ سَمِعَ
_________________
(١) في "السيرة" بتهذيب ابن هشام ١/ ١٥٨. أقول: ولا يصح، وأصح الأقوال فيه أنه اليوم التاسع، وللعلَّامة محمود باشا الفلكي المصري رسالة في هذا، بتحقيق رياضي لا يتخلف. (ع).
(٢) وهو ما جزم به ابن إسحاق، انظر: "السيرة النبوية" ١/ ١٥٨، وقد ذكر هذه الرواية أبو نعيم في "دلائل النبوة" ١/ ١٧٩ عن قيس بن مخرمة، عن أبيه، عن جده؛ وذكرها ابن سعد في "الطبقات" ١/ ١٠١ بإسناد آخر موقوف على قيس بن مخرمة.
(٣) في آ: "الخزامي"، وهو تصحيف. والحِزامي بكسر الحاء نسبة إلى جده الأعلى حزام بن خويلد، صدوق. مات سنة ٢٣٦ هـ (التقريب).
(٤) عند خليفة في "تاريخه" ص (٥٣) بتحقيق الدكتور أكرم ضياء العمري: "والمجتمع عليه عام الفيل".
(٥) سورة الفيل، الآيات (١ - ٥).
[ ١٨٥ ]
هذا الخطابَ، وهذا يَدُلُّ على اشتهارِ ذلك بينَهم ومعرفتِهِم به، وأنَّه مِمَّا لا يَخْفى علمُه على (^١) العرب، خصوصًا قريش (^٢) وأهل مكَّةَ. وهذا أمرٌ اشتهر بينَهُم وتعارَفُوه، وقالوا فيه الأشعارَ السَّائرة.
وقد قالت عائشةُ ﵂: رأيْتُ قائدَ الفِيلِ وسائسَهُ بمكَّةَ أعْمَيَيْنِ يستطعِمانِ. وفي هذه القصَّةِ ما (^٣) يدُلُّ على تعظيمِ مكَّةَ، واحترامِها واحترامِ بيتِ اللهِ الذي فيها. وولادَةُ النَّبيِّ - ﷺ - عقيبَ (^٤) ذلك تدُلُّ على نبوَّتِه ورسالته؛ فإنَّه - ﷺ - بُعِثَ بتعظيمِ هذا البيتِ وحجِّه والصَّلاةِ إليه، وكانَ هذا البَلدُ هو موطِنه ومولده، فاضطرَّه قومُهُ عندَ دعوتِهِم إلى الله تعالى إلى الخُروجِ منه كُرهًا بما نَالوه منه (^٥) مِنَ الأذَى، ثم إنَّ الله تعالى ظَفَّرَهُ بهم، وأدخَلَهُ عليهم قهرًا، فملَكَ البلَدَ عَنْوةً، وملَك رِقابَ أهلِهِ، ثمَّ مَنَّ عليهم وأطلقَهم وعَفا عنهم، فكانَ في تسليطِ نبيِّه - ﷺ - على هذا البلدِ وتمليكِهِ إيَّاه ولأمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ ما دَلَّ على صِحَّةِ نبوَّتِهِ، فإنَّ الله حَبَسَ عنه مَن يُريدُه بالأَذَى وأهلَكَهُ، ثم سَلَّطَ عليه رَسُولَهُ وأمَّتَهُ كما قال - ﷺ -: "إنَّ الله حَبَسَ عن مَكَّةَ الفِيلَ وسَلَّطَ عليها رَسُولَهُ والمؤمنين" (^٦).
فإنَّ الرسولَ - ﷺ - وأُمَّتَه إنَّما [كان] (^٧) قصدُهم تعظيمَ البيتِ وتكريمَهُ واحترامَهُ، ولهذا أنكَرَ النَّبيُّ - ﷺ - يومَ الفَتْحِ على مَنْ قال (^٨): اليومَ تُستحلُّ الكَعْبَةُ، وقال: "اليوم تُعظَّمُ الكَعْبةُ (^٩) " (^١٠). وقد كان أهلُ الجاهلية غيَّروا دِين إبراهيمَ وإسماعيل بما ابتَدَعوه
_________________
(١) في ب، ع، ط: "عن".
(٢) في ط: "قريشًا".
(٣) في آ: "مما".
(٤) في ب، ع، ط: "عقب".
(٥) في ب، ش، ط: "به".
(٦) قطعة من حديث طويل رواه البخاري رقم (١١٢) في العلم، باب: كتابة العلم، و(٢٤٣٤) في اللقطة: باب: كيف تُعَرَّف لقطةُ أهل مكة؟، و(٦٨٨٠) في الديات، باب: من قتل له قتيلٌ فهو بخير النَّظَرَين، ومسلم رقم (١٣٥٥) في الحج، باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها إلا لمنشد على الدوام؛ وأبو داود رقم (٢٠١٧) في المناسك، باب: تحريم حرم مكة، من حديث أبي هريرة، ﵁.
(٧) زيادة من (ط).
(٨) القائل سعد بن عبادة، ﵁. ولتمام الفائدة انظر: "فتح الباري" للحافظ ابن حجر ٨/ ٨ - ٩.
(٩) الذي في "صحيح البخاري": "هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة". قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ٨/ ٩: قوله - ﷺ -: " [هذا] يوم يعظم الله فيه الكعبة"، يشير إلى ما وقع من إظهار الإسلام وأذان بلال على ظهرها وغير ذلك مما أزيل عنها مما كان فيها من الأصنام، ومحو ما فيها من الصور، وغير ذلك.
(١٠) رواه البخاري رقم (٤٢٨٠) في المغازي، باب: أين ركز النَّبيُّ - ﷺ - الرَّاية يوم الفتح؟.
[ ١٨٦ ]
مِنَ الشِّرْكِ وتغييرِ بعضِ مناسِكِ الحجِّ، فسَلَّطَ الله رَسُولَهُ وأُمَّتَه على مَكَّةَ فطهَّرُوها مِن ذلك كلِّه، وردُّوا الأمرَ إلى دِينِ إبراهيمَ الحنيفِ، وهو الذي دَعَا لهم مع ابنه إسماعيلَ عند بناءِ البيت أن يبعثَ الله (^١) فيهم رَسُولًا منهم يتلُو عليهم آياتِهِ ويُزكِّيهم ويعلِّمُهم الكِتَابَ والحِكْمَةَ (^٢)، فبعَثَ الله فيهم محمَّدًا - ﷺ - مِن ولَدِ إسماعيلَ بهذه الصِّفَةِ، فطهَّرَ البيتَ وما حَوْلَه مِنَ الشِّرْكِ، وَرَدَّ الأمْرَ إلى دِين إبراهيمَ الحنيفِ، والتوحيدِ الذي لأجلِهِ بُنِيَ البيتُ، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (^٣).
وأمَّا تسليطُ القَرامِطَةِ (^٤) على البيتِ بعد ذلك، فإنَّما كانَ عُقُوبَةً بسبب ذُنُوبِ النَّاسِ، ولم يصِلُوا إلى هَدْمِهِ ونَقْضِهِ وَمَنْعِ النَّاس مِن حَجِّهِ وزيارتِهِ، كما كَان يَفعَلُ أصحابُ الفيلِ لو قَدَرُوا على هَدْمِهِ وصَرْفِ النَّاسِ عن حَجِّهِ. والقرامِطَةُ أخَذُوا الحَجَرَ والبَابَ، وقَتَلوا الحاجَّ وسَلَبُوهم أموالَهم، ولم يتمكَّنُوا مِن منعِ النَّاسِ من حجِّهِ بالكُلِّيَّةِ، ولا قَدَرُوا على هَدْمِهِ بالكُلِّيَّةِ، كما كانَ أصحابُ الفِيلِ يقصِدُونَهُ. ثم أَذَلَّهم الله بعدَ ذلكَ وخَذَلَهم وهَتَكَ أستَارَهُم، وكَشَفَ أسرَارَهُم.
والبيتُ المُعظَّمُ باقٍ على حالِهِ مِنَ التَّعظيمِ، والزِّيارةِ، والحَجِّ، والاعتِمارِ، والصَّلاة إليه، لم يَبْطُلْ شيءٌ مِن ذلك عنه بحمد الله ومَنِّهِ. وغايةُ أَمرِهِم أنَّهم أخافُوا حاجَّ (^٥) العِراقِ حتَّى انقطَعُوا بعضَ السِّنين، ثم عادُوا. ولم يَزلِ الله يمتحِنُ عبادَهُ
_________________
(١) لفظ الجلالة لم يرد في (ع، ط).
(٢) قال تعالى [البقرة ١٢٧ - ١٢٩]: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
(٣) سورة الحج، الآية ٢٦.
(٤) القرامِطة: نسبة إلى حمدان قِرْمط، وهو أول دعاتها. ظهر منهم أبو سعيد الجنابي، ثم ابنه أبو طاهر سليمان بن حسن القِرْمطي الجنَّابي، وهو الذي استباح الحجيج كلهم في الحرم سنة (٣١٧) هـ، واقتَلَعَ الحجر الأسود، وردَم زَمْزَمَ بالقتلى، وصعد على عتبة الكعبة، يصيح: أنا بالله وبالله أنا … يخلق الخلق وأفنيهم أنا وعرَّى البيت الحرام، وأخذ بابه، ونهب أموال الحجاج، وقتل كثيرين منهم، وأرسل الحجر الأسود إلى هجر، وبقي عندهم نيفًا وعشرين سنة. انظر: "المنتظم" لابن الجوزي ٦/ ٣٣٦، و"الكامل" لابن الأثير ٨/ ١٤٣، و"سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٣٢٠.
(٥) في ب، ط: "حَجَّ".
[ ١٨٧ ]
المؤمنينَ بما يشاءُ مِن المِحَن، ولكن دِينه قائمٌ محفوظٌ لا يَزالُ تقومُ بهِ أُمَّةٌ مِن أُمَّةِ مُحمَّدٍ - ﷺ - لا يضرُّهُم مَنْ خذَلهم حتَّى يَأتيَ أَمْرُ اللهِ وهُمْ على ذلك، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (^١).
وقد أخبرَ النَّبيُّ - ﷺ - أن هذا البيتَ يُحَجُّ ويُعْتَمَرُ بَعْدَ خُرُوجِ يأجوجَ ومأجُوجَ (^٢)، ولَا يزالُ كذلك حتَّى تُخرِّبَهُ الحَبَشَةُ (^٣)، ويُلْقُونَ حِجَارَتَهُ في البحرِ، وذلك بعدَ أنْ يَبْعَثَ الله ريحًا طيِّبةً تَقْبِضُ أرواحَ المؤمنينَ كلِّهم، فلا يَبْقى في (^٤) الأرضِ مؤمنٌ (^٥). ويُسْرَى بالقرآنِ مِن الصُّدُورِ والمصاحِفِ، فلا يَبْقَى في الأرضِ قرآنٌ، ولا إيمانٌ، ولا شيء مِن الخير (^٦). فبعدَ ذلك تقومُ السَّاعةُ، ولا تقومُ إلَّا علَى شِرارِ النَّاسِ (^٧). وقولُه - ﷺ -: "ويوم أنزلت عليَّ فيه النُّبوَّة"، يعني أنَّه - ﷺ - نُبِّئَ يومَ الاثنين.
وفي "المسند" عن ابن عبَّاسٍ، قال: وُلِدَ النَّبيُّ - ﷺ - يومَ الاثنينِ، واسْتُنْبِئَ يومَ الاثنينِ، وخَرَجَ مُهَاجِرًا مِن مَكةَ إلى المدينة يومَ الاثنين، وَدَخَلَ المدينةَ يومَ الاثنين، وتُوفِّي يومَ الاثنين، وَرَفَعَ الحَجَرَ الأسودَ يومَ الاثنين (^٨). وذكر ابنُ إسحاقَ (^٩) أنَّ النُّبوَّة نَزَلَتْ يومَ الجمعةِ، وحديثُ أبي قَتَادَةَ (^١٠) يَرُدُّ هذا. واختلفوا في أيِّ شهرٍ كان ابتداءُ النُّبوَّةِ؟ فقيل: في رمضان. وقيل: في رجَبٍ، ولا يصِحُّ. وقيل: في ربيع الأوَّل. وقيل: إنه نُبِّئَ يومَ الاثنين لثمانٍ مِن ربيع الأوَّل.
_________________
(١) سورة التوبة، الآيتان ٣٢، ٣٣.
(٢) رواه البخاري رقم (١٥٩٣) في الحج، باب: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧]، وأحمد في المسند ٣/ ٣٧ و٦٤ من حديث أبي سعيد الخدري، ﵁.
(٣) رواه البخاري رقم (١٥٩١)، ومسلم رقم (٢٩٠٩) في الفتن وأشراط الساعة من حديث أبي هريرة، ﵁.
(٤) في ب، ط: "على".
(٥) رواه مسلم رقم (٢٩٠٧) في الفتن وأشراط الساعة، من حديث عائشة ﵂.
(٦) رواه ابن ماجه رقم (٤٠٤٩)، والحاكم في "المستدرك" ٤/ ٤٧٣ و٥٤٥ من حديث حذيفة بن اليمان، ﵁، وهو حديث صحيح.
(٧) رواه أحمد في "المسند" ١/ ٤٣٥؛ ومسلم في صحيحه رقم (٢٩٤٩) في الفتن وأشراط الساعة، من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
(٨) رواه أحمد في "المسند" ١/ ٢٧٧ مع تقديم وتأخير في لفظ.
(٩) انظر: "السيرة النبوية" بتهذيب ابن هشام ١/ ٢٣٩ - ٢٤٠.
(١٠) تقدم تخريجه في ص ١٨١. انظر "صحيح مسلم" رقم (١١٦٢) (١٩٧) من حديث أبي قتادة الأنصاري، ﵁.
[ ١٨٨ ]
وأمَّا الإِسْرَاءُ، فقيل: كان في رجَبَ، وضَعَّفَهُ غيرُ واحدٍ. وقيل: كانَ في ربيعٍ الأوَّل، وهو قولُ إبراهيمَ الحَربيّ (^١) وغيرِه.
وأمَّا دخولُه المدينة ووفاتُه - ﷺ - فكانا في رَبيع الأوَّل بغيرِ خِلافٍ، مع الاختلاف (^٢) في تعيينِ ذلك اليومِ مِن أيَّامِ الشهرِ.
وفي قولِ النَّبيِّ - ﷺ - لمَّا سُئِلَ عن صيام يوم الاثنين: "ذاكَ يومٌ وُلِدْتُ فيه، وأُنْزِلَتْ عليَّ فيه النُّبوَّةُ"، إشارة إلى استِحبابِ صَيامِ الأيَّامِ التي تتجدَّدُ فيها نِعمُ اللهِ على عبادِهِ. فإنَّ أعظمَ نِعَمِ اللهِ على هذه الأمَّةِ إظهارُ محمدٍ - ﷺ - لهم وبِعثتُهُ وإرسالُهُ إليهم، كما قالَ تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (^٣).
فإنَّ النِّعْمَةَ على الأُمَّةِ بإرساله أعظَمُ مِنَ النِّعْمَةِ عليهم بإيجادِ السَّماءِ، والأرضِ، والشَّمسِ، والقَمَرِ، والرِّياحِ، والليلِ، والنَّهارِ، وإنزالِ المطرِ، وإخراجِ النباتِ، وغيرِ ذلكَ؛ فإنَّ هذه النِّعمة كلَّها قد عَمَّتْ خَلْقًا مِن بني آدَمَ كَفَرُوا باللهِ وبرُسُلِهِ وبلقائِهِ، فبدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كفرًا.
وأمَّا النِّعْمَةُ بإرسالِ محمدٍ - ﷺ -، فإنَّ بها تمَّتْ مصالِحُ الدُّنيا والآخرة، وكَمُلَ بسببها دِينُ اللهِ الذي رَضِيَهُ لِعبادِهِ، وكان قبولُه سَبَبَ سعادتِهم في دُنياهُم وآخرتهِم، فصيامُ يومٍ تجدَّدَتْ فيه هذه النِّعَمُ مِنَ اللهِ على عبادِهِ المؤمنينَ حَسَنٌ جَمِيلٌ، وهو من بَاب مقابلةِ النِّعمِ في أوقاتِ تجدُّدِها بالشكرِ. ونظيرُ هذا صيامُ يومِ عاشوراءَ حَيثُ أنجَى الله فيه نوحًا مِنَ الغَرَقِ، ونَجَّى فيه موسى وقَوْمَهُ مِن فرعونَ وجنودِهِ، وأغرقَهُمْ في اليمِّ (^٤)، فصامَهُ نوحٌ وموسى شكرًا لله، فصامَهُ رسولُ اللهِ - ﷺ - متابَعَةً لأنبياءِ الله،
_________________
(١) هو إبراهيم بن إسحاق بن بشير، أبو إسحاق الحربي، أصله من مرو، واشتهر وتوفي ببغداد، كان حافظًا للحديث عارفًا بالفقه بصيرًا بالأحكام، قيمًا بالأدب، زاهدًا، تفقه على الإمام أحمد بن حنبل، وصنف كتبًا كثيرة، توفي سنة ٢٨٥ هـ. (تاريخ بغداد ٢/ ١٤٧، صفة الصفوة ٢/ ٤٠٤).
(٢) في ب، ط: "اختلاف".
(٣) سورة آل عمران، الآية ١٦٤.
(٤) اليمُّ: البحر.
[ ١٨٩ ]
وقال لليهود: "نحنُ أَحَقُّ بموسَى منكُم"، فَصَامَه (^١) وأَمَرَ بصِيامِهِ (^٢).
وقد رُوِي أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان يتحرَّى صيامَ يومِ الاثنين ويومِ الخميس، رُوِي ذلك عنه مِن حديثِ عائشةَ، وأبي هُرَيْرَة، وأسامةَ بن زيد (^٣). وفي حديث أُسامَةَ أَنَّه سأَلَهُ عن ذلك، فقال - ﷺ -: "إنهما يومان تُعْرَضُ فيهما الأعمالُ على رَبِّ العالمين، فأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وأنا صائم" (^٤). وفي حديثِ أبي هريرة، أنَّه سُئِلَ عن ذلك، فقال: "إنَّه يُغْفَرُ فيهما لِكُلِّ مسلمٍ، إلَّا مُهْتَجِرَيْنِ (^٥)، يقولُ: دَعْهُما حتَّى يَصْطَلِحا" (^٦). وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرةَ مرفوعًا: "تُفتح أبوابُ الجنَّةِ يومَ الاثنين والخميسِ، فيُغْفَرُ لِكُلِّ عبدٍ لا يُشْرِكُ باللهِ شيئًا، إلَّا رجلٌ كانَتْ بينَهُ وبينَ أخيهِ شحناءُ، فيقالُ: أَنظِرُوا (^٧) هذين حتَّى يَصْطَلِحا" (^٨).
ويُروَى مِن حديث أبي أمَامَةَ (^٩) مرفوعًا: "تُرْفعُ الأعمالُ يومَ الاثنين والخميسِ، فَيُغْفَرُ للمستغفِرينَ، ويُتْرَكُ أهلُ الحِقْدِ (^١٠) بحقدِهِم" (^١١). وفي "المسند" عن أبي هريرة،
_________________
(١) في ب، ع، ش، ط: "وصامه".
(٢) رواه البخاري رقم (٢٠٠٤) في الصوم، باب: صيام يوم عاشوراء و(٣٣٩٧) في أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [طه: ٩]، وقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، و(٣٩٤٣) في مناقب الأنصار، باب رقم (٥٢)، و(٤٧٣٧) في التفسير، باب رقم (٢)، ومسلم رقم (١١٣٠) (١٢٧) و(١٢٨) في الصيام: باب صوم يوم عاشوراء، من حديث عبد الله بن عباس، ﵄.
(٣) رواه الترمذي رقم (٧٤٥) في الصوم، باب: ما جاء في صوم يوم الاثنين والخميس، والنسائي ٤/ ٢٠٢ و٢٠٣ في الصيام، باب: صوم النبيِّ - ﷺ -، من حديث عائشة ﵂. وقال الترمذي: وفي الباب عن حفصة، وأبي قتادة، وأبي هريرة، وأسامة بن زيد، ﵃.
(٤) رواه أحمد في "المسند" ٥/ ١٩٩ والنسائي ٤/ ٢٠١ - ٢٠٢ في الصيام، باب: صوم النبي - ﷺ -، من حديث أسامة بن زيد - ﵁ -، ورواه أيضًا الترمذي رقم (٧٤٧) في الصوم، باب: ما جاء في صوم يوم الاثنين والخميس من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) في ابن ماجه، ومسند أحمد: "إلا متهاجرين".
(٦) رواه بهذا اللفظ ابن ماجه رقم (١٧٤٠) في الصيام، باب: صيام يوم الاثنين والخميس. ورواه بنحوه أحمد في "المسند" ٢/ ٣٢٩ كلاهما من حديث أبي هريرة، ﵁. وهو حديث صحيح بشواهده.
(٧) أنظِروا: أَمْهِلوا.
(٨) رواه مسلم رقم (٢٥٦٥) في البر والصلة، باب: النهي عن الشحناء والتهاجر؛ وأبو داود رقم (٤٩١٦) في الأدب، باب: فيمن يهجر أخاه المسلم؛ والترمذي رقم (٢٠٢٣) في البر والصلة، باب: ما جاء في المتهاجرين؛ وأحمد في "المسند" ٢/ ٢٦٨ و٣٨٩ و٤٠٠ و٤٦٥ من حديث أبي هريرة ﵁.
(٩) لعله: عن أبي ثعلبة الخُشَني، كما في "مجمع الزوائد" ٨/ ٦٥.
(١٠) رواه الطبراني والبزار، وفي سنده علي بن يزيد الألهاني، وهو متروك. انظر: "مجمع الزوئد" ٨/ ٦٥.
(١١) في ب، ط: "ويترك أهل الحقد كما هم".
[ ١٩٠ ]
عن النَّبيِّ - ﷺ -: "إِنَّ أعمالَ بنِي آدَمَ تُعْرَضُ على [الله ﵎ عشية، كلِّ خميسٍ ليلةَ الجُمعةِ، فلا يُقْبَلُ عَمَلُ قاطِعِ رَحِمٍ" (^١).
كان بعضُ التابعينَ يَبْكِي إلى امرأتِهِ يومَ الخميس وتبكِي إليه، ويقول: اليومَ تُعْرَضُ أعمَالُنا على اللهِ، ﷿. يا من يُبَهْرِجُ بعملِهِ، على مَنْ تُبَهْرِجُ، والناقِدُ بَصيرٌ؟. يا مَنْ يُسوِّفُ بتطويلِ أَمَلِهِ، إلى كمْ تسوِّفُ والعُمُرُ قصير؟.
صُرُوفُ الحَتْفِ مُتْرَعَةُ الكُؤوسِ (^٢) … تُدارُ (^٣) على الرَّعَايا والرُّؤوسِ
فلا تَتْبَعْ هَواكَ فكُلُّ شَخْصٍ … يَصِيرُ إلى بلىً وإلَى دُرُوسِ (^٤)
وَخَفْ مِن هَوْلِ يَوْمٍ قَمْطَريرِ (^٥) … مَخُوفٍ شَرُّهُ ضنْكٍ عَبُوسِ
فمالَكَ غَيْرُ تَقوَى اللهِ زادًا (^٦) … وفِعْلُكَ حِينَ تُقْبرُ مِن أَنِيسِ
فَحَسِّنْهُ لِيُعْرَضَ مُستقيمًا … فَفِي الاثنينِ يُعرَضُ والخميسِ
* * *