خرَّجَ الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والتّرمذيُّ والنّسائيُّ وابنُ ماجَه وابنُ حِبان في "صحيحه" والحاكمُ مِن حديثِ العَلاءِ بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، قال: "إذا انتصَفَ شعبانُ فلا تَصُوموا حتى رمضان"، وصحَّحه الترمذيُّ وغيرُه (^٤).
_________________
(١) هو حبيب بن أبي ثابت، أبو يحيى القرشي الأسدي، تابعي ثقة، وقد سبقت ترجمته.
(٢) عمرو بن قيس الكوفي المُلائي، البزاز، أبو عبد الله، ثقة متقن، عابد، من أولياء الله. مات سنة بضع وأربعين ومائة. (حلية الأولياء ٥/ ١٠٠، سير أعلام النبلاء ٦/ ٢٥٠).
(٣) في ب، ط: "قسرًا".
(٤) رواه الترمذي رقم (٧٣٨) في الصوم: باب ما جاء في كراهية الصوم في النصف الثاني من شعبان لحال رمضان، وقال: حسن صحيح؛ وأبو داود رقم (٢٣٣٧) في الصوم: باب في كراهية من يصل شعبان برمضان؛ وابن ماجه رقم (١٦٥١) في الصيام: باب ما جاء في النهي أن يتقدم رمضان بصوم، إلا من صام صومًا فوافقه. وقد جمع بعضهم بين هذا الحديث وحديث: "لا تَقَدَّموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجلًا كان يصوم صومًا فليصمه"، بأن هذا الحديث محمول على من يضعفه الصوم، والحديث بعده مخصوص بمن يحتاط - بزعمه - لرمضان. وسيورد المؤلف - ﵀ - هذا وغيره من الأقوال.
[ ٢٥٩ ]
واختلف العلماءُ في صحةِ هذا الحديثِ، ثمَّ في العملِ بهِ؛ فأمَّا تصحيحُهُ فصحَّحَهُ غيرُ واحدٍ، منهم الترمذيُّ وابنُ حِبانَ والحاكمُ والطَّحاوِيُّ وابنُ عبدِ البر، وتكلَّمَ فيه مَنْ هو أكبرُ من هؤلاء وأعلَمُ (^١)، وقالوا: هو حديثُ مُنكَرُ؛ منهم عبدُ الرحمن بنُ مَهدي، والإمامُ أحمدُ، وأَبو زرعةَ الرازيُّ، والأثرمُ. وقال الإمامُ أحمدُ: لم يَرْوِ العلاءُ حديثًا أنكرَ منه، وردَّهُ بحديثِ "لا تَقَدِّمُوا رَمضانَ بصوْمِ يوم أو يومينِ" (^٢) فإنَّ مفهُومَهُ جوازُ التَّقدُّم بأكثَرَ مِن يومين. وقال الأثرمُ: الأحاديثُ كُلها تخالِفُهُ؛ يُشيرُ إلى أحاديثِ صِيام النبيِّ - ﷺ - شعبانَ كلَّه وَوَصْلِهِ برمضانَ، ونهيهِ عن التقدُّم على رمضانَ بيومين، فصارًا لحديثُ حينئذ شاذًا مخالفًا للأحاديثِ الصَّحيحةِ. وقال الَطَّحاوِيُّ: هو منسوخٌ، وحكَى الإجماعَ على تركِ العَمَلِ بهِ. وأكثرُ العلماءِ على أنَّه لا يُعمَلُ بهِ، وقد أخذَ به آخرون؛ منهم الشافعيُّ وأصحابُه، ونَهَوْا عن ابْتِداءِ التطوُّع بالصِّيامِ بعدَ نصفِ شعبانَ لِمَنْ ليسَ لَهُ عادةٌ، ووافَقَهُم بعضُ المتأخرين مِن أصحابِنا.
ثمَّ اختلَفُوا في عِلَّةِ النَّهي؛ فمنهم مَن قال: خشيةَ أنْ يُزادَ في صيام (^٣) رَمضانَ ما ليسَ منه، وهذا بعيدٌ جدًّا فيما بعدَ النِّصفِ، وإنَّما يُحتمَلُ هذا في التَّقدمِ (^٤) بيومٍ أو يومين.
ومنهم من قال: النهيُ للتَّقوِّي على صِيام رَمضانَ شفقةً أن يضعفَه ذلك عن صيام رَمضانَ؛ وَرُوِي ذلك عن وكيعٍ. وَيرُدُّ هذا صيامُ النبيِّ - ﷺ - شعبانَ كلَّه أو أكثرَهُ ووصْلُهُ برمضانَ.
هذا كلُّه في الصيام بعدَ نصفِ شعبانَ.
_________________
(١) لفظ "وأعلمِ" لم يرد في نسخة (آ).
(٢) رواه أبو هريرة - ﵁ -: أن رسول الله قال: "لا يتقدَّمَنَّ أحدُكم رمضان بصومِ يومٍ أو يومين، إلَّا أن يكونَ رجلًا كان يصوم صومًا فليصُمْه". أخرجه البخاري رقم (١٩١٤) في الصوم، باب لا يُتقدَّم رمضان بصوم يوم ولا يومين؛ ومسلم رقم (١٠٨٢) في الصوم، باب لا تتقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين؛ وأبو داود رقم (٢٣٣٥) في الصوم، باب فيمن يصل شعبان برمضان؛ والترمذي رقم (٦٨٤) في الصوم، باب ما جاء: لا تقدموا الشهر بصوم.
(٣) في ب، ط: "شهر رمضان".
(٤) في ب، ط: "التقديم".
[ ٢٦٠ ]
فأمَّا صيامُ يوم النِّصفِ منه فغيرُ منهِيٌّ عنه، فإنَّه من جُملة أيَّام البيضِ الغُرِّ المندُوب إلى صِيامِها مِن كُلِّ شهرٍ. وقد وَرَدَ الأمرُ بصيامِهِ مِن شعبانَ بخصُوصِهِ، ففي سنن ابنَ ماجه (^١) بإسنادٍ ضعيفٍ عن علي عن النبي - ﷺ -: "إذا كانَ ليلةُ نِصْفِ شعبانَ فقُومُوا ليلَها، وصُومُوا نهارَها، فإنَّ الله تعالى يَنزِلُ فيها لِغُروب الشَّمس إلى سَماءِ الدُّنيا، فيقول: ألا مُسْتَغْفِرٌ [لي] فاغفِر له، ألا مُسْتَرْزِقٌ فارزُقَه، ألا مُبْتَلىً فَأعافِيَه، أَلَا كَذا ألا كذا، حتَّى يَطلُعَ الفَجْرُ". وفي فضلِ ليلة نصفِ شعبانَ أحاديثُ أُخَرُ متعدِّدةٌ، وقد اختلفَ فيها، فضعَّفَها الأكثرون، وصحَّحَ ابنُ حِبَّانَ بعضها وخرَّجَه في "صحيحه" (^٢).
ومِن أمثلِها حديثُ عائشةَ، قالت: "فَقَدْتُ النبيَّ - ﷺ - فَخَرَجْتُ فإذا هو بالبَقِيعِ رافعٌ (^٣) - رأسَهُ إلى السَّماءِ، فقال: أكنْتِ تخافينَ أن يَحيفَ (^٤) اللهُ عليكِ ورسولُه؟ فقلْتُ: يا رسولَ الله، ظننْتُ أنَّك أتيْتَ بعضَ نسائِكَ. فقال: "إنَّ الله ﵎ يَنزِلُ ليلَةَ النِّصفِ مِن شعبانَ إلى سماءِ الدُّنيا فيغفِرُ لأكثَرَ مِن عَدَدِ شَعَر غَنَم كَلْبٍ". خرَّجَه الإِمامُ أحمدُ (^٥) والترمذيُّ وابنُ ماجَه، وذَكَر الترمذيُّ عن البخاريِّ أنَّه ضعَّفَه.
وخرَّج ابن ماجه (^٦) من حديثِ أبي موسى، عن النبي - ﷺ -، قال: "إنَّ الله ليطَّلِعُ ليلَةَ النِّصفِ مِن شعبانَ فيغفِرُ لجميعِ خَلْقِهِ، إلَّا لِمُشْرِكٍ أو مُشاحِنٍ".
_________________
(١) رقم (١٣٨٨) في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان. وما بين قوسين تكملة منه. وقال في الزوائد ١/ ٢٤٧: إسناده ضعيف، لضعف ابن أبي سَبْرَة، واسمه أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سَبْرة. قال فيه أحمد بن حنبل وابن معين: يضع الحديث. ميزان الاعتدال ٤/ ٥٠٣ وقد ذكر الحديث. وورد في كنز العمال رقم (٣٥١٧٧) وعزاه إلى البيهقي في شعب الإِيمان. وانظر الترغيب والترهيب ٢/ ١١٩.
(٢) صحيح ابن حبان ٧/ ٤٧٠ وموارد الظمآن ٤٨٦، عن معاذ بن جبل. وانظر الترغيب والترهيب ٢/ ١١٨.
(٣) في آ، ط: "رافعًا".
(٤) الحيف: الظلم والجور. أي ظننت أن قد ظلمتك بجعل نوبتك لغيرك.
(٥) رواه أحمد في "مسنده" ٦/ ٢٣٨، والترمذي رقم (٧٣٩) في الصوم: باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان، وابن ماجه رقم (١٣٨٩) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان. وأورده المنذري في "الترغيب والترهيب" ٢/ ١١٨.
(٦) رقم (١٣٩٠) في إقامة الصلاة، باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان. وأورده الألباني في "صحيح ابن ماجه" ١/ ٢٣٣.
[ ٢٦١ ]
وخرَّج الإمامُ أحمدُ (^١) من حديثِ عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ -، قال: "إنَّ الله ليطَّلِعُ إلى خَلْقِهِ ليلَةَ النِّصفِ مِن شعبانَ فيغفرُ لِعِبادِهِ إلَّا اثنينِ: مُشاحن، أو قاتل نَفْسٍ".
وخرَّجه ابنُ حِبَّان في "صحيحه" (^٢) من حديث معاذ مرفوعًا.
ويُروى من حديث عثمان بن أبي العاص مرفوعًا: "إذا كانَ ليلةُ النِّصْفِ مِن شعبانَ نادَى منادٍ: هَلْ مِن مُسْتغْفِرٍ فاغفِرَ له؟ هل من سائلٍ فأعطيَهُ (^٣)؟ فلا يسألُ أحدٌ شيئًا إلَّا أُعطيَه، إلَّا زانيةً بِفَرْجِها أو مُشْرِكًا" (^٤). وفي الباب أحاديثُ أُخَرُ فيها ضعفٌ.
ويُروى عن نَوْفٍ البِكَالِي (^٥) أن عليًا - ﵁ - خَرَجَ ليلةَ النِّصفِ مِن شَعبانَ فأكثَرَ الخُروجَ فيها، ينظرُ إلى السَّماءِ، فقال: إنَّ داودَ ﵇ خَرَجَ ذاتَ ليلةٍ في مثل هذه السَّاعةِ فنظَرَ إلى السَّماء فقال: إنَّ هذه السَّاعة ما دعا الله أَحدٌ إلَّا أَجَابَهُ، ولا استغفَرَهُ (^٦) أحدٌ في هذه الليلةِ إلَّا غَفَرَ لَهُ، ما لم يكن عَشَّاِرًا (^٧) أو ساحرًا أو شاعرًا أو كاهنًا أو عريفًا (^٨) أو شرطيًا أو جابيًا أو صَاحبَ كُوبَةٍ أو عُرْطُبَةٍ - قال نَوْفٌ: الكُوبَةُ: الطَبْلُ، والعَرطُبَةُ: الطُّنْبُور - اللهم ربَّ داودَ، اغفِرْ لِمَنْ دَعَاكَ في هذه الليلةِ ولِمَنْ استغفَرَكَ فيها.
_________________
(١) مسند أحمد ٢/ ١٧٦ وإسناده صحيح، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٨/ ٦٥، وقال: "رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، وهو لين الحديث، وبقية رجاله وثقوا". وأورده المنذري في "الترغيب والترهيب" ٢/ ١١٩ و٣/ ٤٦٠.
(٢) صحيح ابن حبان ٧/ ٤٧٠، وأبو نعيم في "الحلية" ٥/ ١٩١.
(٣) في هامش ش: "سؤلَه".
(٤) كنز العمال رقم (٣٥١٧٨) وعزاه إلى البيهقي في "شعب الإيمان" ٣/ ٣٨٣ برواية الحسن عن عثمان بن أبي العاص؛ وقد اختلف في سماعِ الحسن منه.
(٥) هو نَوْف بن فَضَالة الحميري الِبكالي، ابن امرأة كعب الأحبار. شامي مستور، وإنما كذَّب ابن عباس ما رواه عن أهل الكتاب. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان راوية للقصص، مات بعد سنة ٩٠ هـ. (تهذيب التهذيب ١٠/ ٤٩٠ وتقريبه ٢/ ٣٠٩).
(٦) في آ: "استغفر".
(٧) العشَّار: قابض العُشْر، وهو فعلُ أهل الجاهلية. وأما فرض الله فهو ربع العُشْر.
(٨) عريف القوم: سيدهم، والقيّم بأمور القبيلة، أو الجماعة من الناس يلي أمورهم، ويجمع على عرفاء. وفي الحديث: العِرافة حقُّ والعُرفاء في النار. وقوله: العرفاء في النار، تحذير من التعرّض للرياسة؛ لما في ذلك من الفتنة؛ فإنه إذا لم يقم بحقه أثمَ واستحقّ العقوبة. (اللسان: عرف).
[ ٢٦٢ ]
وليلةُ النِّصفِ من شعبانَ كان التابعونَ مِن أهلِ الشامِ كخالد بن معدانَ (^١) ومكحول (^٢) ولقمانَ بن عامرٍ (^٣) وغيرِهم يعظِّمُونها ويجتهِدُون فيها في العبادةِ، وعنهم أخَذَ الناسُ فَضْلَها وتعظيمَها، وقد قيل: إنَّه بلَغَهم في ذلك آثارٌ إسرائيلية، فلمَّا اشتهرَ ذلك عنهم في البلدان اختلفَ النَّاسُ في ذلك؛ فمنهم من قبلَه منهم ووافَقَهم على تعظِيمها؛ منهم طائفة من غبَّادِ أهلِ البَصْرَةِ وغيرِهم. وأنكَرَ ذلكَ أكثرُ العلماءِ من أهل الحجازِ؛ منهم عطاء وابنُ أبي مُليكةَ، ونقلَة عبدُ الرحمن بن زيد بن أسلم عن فُقَهاءِ أهلِ المدينةِ، وهو قولُ أصحابِ مالكٍ وغيرِهم، وقالوا: ذلك كلُّه بِدْعَةٌ. واختلفَ علماءُ أهلِ الشامِ في صِفةِ إحيائها على قولين:
أحدهما: أنَّه يُستَحَبُّ إحياؤها جماعةً في المساجد، كان خالدُ بن معدان ولقمان بن عامر وغيرُهما يلبَسُون فيها أحسَنَ ثيابهم ويتبخَّرُون ويكتحِلُون ويقومون في المسجد ليلتَهم تلك (^٤)، ووافقهم إسحاقُ بن راهويهِ على ذلك، وقال في قيامها في المساجد جماعةً: ليس ذلك ببدعةٍ، نقلَهُ عنه حَرب الكرمانيّ في مسائله.
والثاني: أنَّه يُكرَهُ الاجتماعُ فيها في المساجد للصَّلاةِ والقَصَص والدُّعاءِ، ولا يُكرَهُ أنْ يُصلِّي الرجلُ فيها بخاصة (^٥) نفسِهِ، وهذا قولُ الأزواعيِّ إمامَ أهلِ الشامِ وفقيههم وعالِمهم، وهذا هو الأقربُ إن شاءَ الله تعالى.
وقد رُوِيَ عن عمرَ بنَ عبد العزيز أنَّه كَتَبَ إلى عامِلِه بالبصرة (^٦): عليكَ بأربعِ ليالٍ من السَّنةِ؛ فَإنَّ الله يُفرِغ فيهن الرَّحمةَ إفراغًا؛ أولِ ليلةٍ من رجبِ، وليلةِ النِّصْفِ من شعبان، وليلةِ الفطرِ، وليلةِ الأضحى؛ وفي صحته عنه نَظَرٌ.
_________________
(١) خالد بن مَعْدان بن أبي كَرب الكلاعي، أبو عبد الله. تابعي ثقة، ممن اشتهروا بالعبادة، أصله من اليمن، وإقامته في حمص (بالشام). شيخ أهل الشام، وهو معدود في أئمة الفقه، روى له الجماعة، مات سنة ١٠٣ هـ وقيل بعد ذلك. (طبقات ابن سعد ٧/ ٤٥٥، الخلية ٥/ ٢١٠، سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٣٦، تهذيب الكمال ٨/ ١٦٧).
(٢) مكحول الشامي، فقيه الشام في عصره، مضت ترجمته.
(٣) لقمان بن عامر الوصابي، أبو عامر الحمصي، روى عن أبي الدرداء وأبي هريرة وجماعة، صدوق، ذكره ابن حبان في الثقات. (تهذيب التهذيب ٨/ ٤٥٥).
(٤) في آ، ع: "ذلك".
(٥) في ب، ش، طـ: "لخاصة نفسه".
(٦) في ب، طـ: "إلى البصرة".
[ ٢٦٣ ]
وقال الشافعي: بلَغنا أن الدُّعاءَ يُستجاب في خمسِ ليالٍ ليلةِ الجمعة، والعيدين، وأوَّلِ رجبٍ، ونصفِ شعبانَ. قال: واسْتُحِبَّ كل ما حكيت في هذه الليالي. ولا يُعرفُ للإمام أحمدَ كلامٌ في ليلةِ نِصفِ شعبانَ. ويُخرَّج (^١) في اسْتِحباب قيامِها عنه روايتان، مِن الرِّوايتين عنه: في قيام ليلةِ (^٢) العيدِ، فإنَّه في روايةٍ لَم يستحبَّ قيامَها جماعةً؛ لأنَّه لم يُنقَلْ عن النبي - ﷺ - وأصحابِهِ. واستحبَّها في روايةٍ لفعلِ عبد الرحمن (^٣) بن يزيد بن الأسود لذلك، وهو من التابعين. فكذلك قيامُ ليلةِ النصفِ من شعبان (^٤) لم يثبتْ فيها شيءٌ عن النبي - ﷺ - ولا عن أصحابِهِ، وثبَتَ فيها عن طائفةٍ مِن التابعين مِن أعيان فُقهاءِ أهلِ الشامِ.
ورُوِي عن كعبٍ، قال: إن الله تعالى يبعثُ ليلةَ النصفِ من شعبانَ جبريلَ ﵇ إلى الجنَّة، فيَأمُرها أن تتزيَّنَ، ويقول: إنَّ الله تعالى قد أعتقَ في ليلتِك هذه عدَدَ نجوم السَّماءِ وعدَدَ أيَّام الدُّنيا وليالِيها، وعدَدَ ورقِ الشَّجرِ، وزِنَة الجبالِ، وعدَدَ الرمالَ.
وروى سعيدُ بن منصور، حدثنا أبو معشر، عن أبي حازم ومحمد بن قيس، عن عطاء بن يسار، قال: ما مِن ليلةٍ بعدَ ليلةِ القَدرِ أفضلُ من ليلة النصف (^٥) من شعبان، ينزِلُ الله ﵎ إلى السَّماءِ الدُّنيا فيغفِرُ لعبادِهِ كلِّهم، إلَّا لِمُشركٍ أو مُشاحنٍ أو قاطعِ رحمٍ. فيا مَنْ أُعْتِقَ فيها مِن النَّارِ، هنيئًا لك. هذه (^٦) المنحة الجسيمة، ويا أيُّها المردُودُ (^٧) فيها، جَبَرَ الله مصيبتَكَ؛ فإنَّها مصيبةٌ عظيمةٌ.
بَكَيْتُ على نَفْسِي وحُقَّ (^٨) لي البُكا … وما أنا مِن تَضييع عُمريَ في شَكِّ
_________________
(١) في ب، ش، ط: "ويتخرَّج".
(٢) في ب، ط: "ليلتي".
(٣) في آ، ع: "عبد الرحمن بن يزيد الأسود"، ولعله عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد بن قيس، أبو حفص النخعي الكوفي، الفقيه، الإمام ابن الإمام. حدَّث عن أبيه، وعمِّه علقمة بن قيس، وعائشة، وابن الزبير وغيرهم، روى له الجماعه. مات سنة ٩٨ أو ٩٩ هـ. (سير أعلام النبلاء ٥/ ١١).
(٤) قوله: "من شعبان" لم يرد في ب، ط.
(٥) في آ، ش، ع: "نصف شعبان".
(٦) لفظ "هذه" لم يرد في ب، ط.
(٧) في آ، ع: "المطرود عنها". وفي ش: "المردود، آجر الله … ".
(٨) في آ: "وحُقَّ أن أبكي"، وفي ش، ع: "وحقي أن أبكي"، والمثبت من ب، ط.
[ ٢٦٤ ]
لئن قلْتُ إني في صَنيعيَ مُحْسِنٌ … فإنِّيَ في قَوْلي لذَلكَ ذو إفْكِ
لَياليَ شَعبانٍ وليلةُ نِصْفِهِ … بأيَّةِ حال قَدْ تنزَّلَ لي صَكّي
وحَقِّي لعمرِي (^١) أنْ أُدِيمَ تضرُّعِي … لَعَلَّ إلَهَ الخَلْقِ يَسْمَحُ بالفَكِّ
فينبغِي للمؤمنِ أن يتفرَّغَ في تلك الليلةِ لذكر الله تعالى ودعائِه بغفرانِ الذُّنوبِ وسترِ العيوبِ وتفريجِ الكُروبِ، وأن يُقدِّمَ على ذلك التَّوبةَ؛ فإنَّ الله تعالى يتوبُ فيها على من يتوبُ.
فَقُمْ ليلَةَ النِّصْفِ الشَّرِيفِ مُصلِّيًا … فأَشْرَفُ هذا الشَّهرِ لَيلةُ نِصْفِهِ
فَكَمْ مِن فَتىً قَدْ بَاتَ في النِّصْفِ غافلًا (^٢) … وقَدْ نُسِخَتْ فيه صَحِيفَةُ حَتْفِهِ
فَبَادِرْ بفِعْلِ الخَيْرِ قَبْلَ انْقِضائِهِ … وحَاذِرْ هُجومَ المَوْتِ فيهِ بصَرْفِهِ
وَصُمْ يَوْمَها للهِ واحْسنْ (^٣) رَجَاءَهُ … لِتظفَرَ عندَ الكَرْبِ منهُ بِلُطْفِهِ
ويتعيَّن على المسلم أن يجتنبَ الذنوبَ التي تمنعُ من المغفرة وقبولِ الدعاء في تلك الليلة. وقد روي أنَّها (^٤): الشركُ، وقتلُ النفس، والزِّنا؛ وهذه الثلاثةُ أعظمُ الذنوب عندَ الله ﷿، كما في حديث ابن مسعود المتَّفق على صحته، أنَّه سأل النبيَّ - ﷺ -: أيُّ الذَّنب أعظمُ؟ - قال: أنْ تجعَلَ للهِ نِدًّا (^٥) وهو خَلَقَكَ. قال: ثم أيُّ؟ قال: أن تقتُلَ ولدَكَ خَشْيةَ أن يَطْعَمَ معك. قال: ثم أيُّ؟ قال: أن تُزانيَ حَلِيلةَ جارِك. فأنزَلَ الله تعالى تصديق ذلك ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ (^٦)، الآية.
ومِن الذنوب المانعةِ من المغفرة أيضًا: الشحناءُ، وهي حقدُ المسلم على أخيه
_________________
(١) في آ، ش، ع: "وحقي عمري".
(٢) في ب، ط: "آمنًا".
(٣) في آ، ع: "واعظم".
(٤) أي الذنوب.
(٥) النِّد: المثل، والشَّبه.
(٦) سورة الفرقان الآية ٦٨. وأخرج الحديث البخاري ٨/ ٣٧٨ في تفسير سورة الفرقان: باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ﴾. وفي تفسير سورة البقرة: باب قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، وفي الأدب: باب قتل الولد خشية أن يأكل معه، وفي المحاربين: باب إثم الزناة، وفي التوحيد: باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. رواه مسلم رقم (٨٦) في الإيمان: باب كون الشرك أقبح الذنوب؛ والترمذي رقم (٣١٨١) و(٣١٨٢) في التفسير.
[ ٢٦٥ ]
بُغْضًا له؛ لهوى نفسِهِ، وذلك يمنعُ أيضًا مِن المغفرة في أكثر أوقاتِ المغفرةِ والرحمةِ؛ كما في "صحيح مسلم" (^١) عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: "تُفتَحُ أبوابُ الجنَّةِ يومَ الاثنين والخميس، فيُغفَرُ لكُلِّ عبدٍ لا يُشْرِكُ بالله شيئًا، إلَّا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شَحْناءُ، فيقول: أَنْظِروا هذين حتَّى يَصْطلِحا".
وقد فسَّر الأوزاعيُّ هذه الشَّحناءَ المانعةَ بالذي في قلبه شحناءُ لأصحاب النبي - ﷺ -، ولا ريبَ أن هذه الشَّحناءَ أعظمُ جُرْمًا من مشاحنةِ الأقرانِ (^٢) بعضهم بعضًا. وعن الأوزاعي أنَّه قال: المُشاحِنُ كُلُّ صاحب بِدعةٍ فارَقَ عليها الأُمَّةَ. وكذا قال ابنُ ثوبانَ: المشاحِنُ هو التاركُ لسنَّةِ نبيِّه - ﷺ -، الطَّاعنُ على أمَّتِه، السَّافِكُ دماءَهم. وهذه الشَّحناءُ - أعْني شحناءَ البِدْعةِ - تُوجِبُ الطَّعنَ على جماعة المسلمين، واسْتِحلالِ دمائهم وأموالِهم وأعراضِهم، كبدَعِ الخوارجِ والرَّوافِضِ ونحوِهم.
فأفضلُ الأعمالِ: سلامةُ الصَّدْرِ من أنواع الشَّحْناءِ كلِّها، وأفضلُها السَّلامةُ من شحناءِ أهلِ الأهواءِ والبِدَعِ التي تقتضي الطَّعنَ على سَلَفِ الأمَّةِ، وبغضَهم والحِقدَ عليهم، واعتقادَ تكفيرِهم أو تبديعِهم وتَضليلِهم؛ ثم يلي ذلك سلامةُ القلبِ من الشَّحناءِ لعمومِ المسلمين، وإرادةُ الخير لهم، ونصيحتُهم، وأن يُحبَّ لهم ما يُحبُّ لنفسِهِ. وقد وصَفَ الله تعالى المؤمنين عمومًا بأنَّهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^٣).
وفي "المسند" (^٤) عن أنس أن النبيَّ - ﷺ -، قال لأصحابه ثلاثةَ أيامٍ "يطلُعُ عليكم الآنَ رَجُلٌ مِن أَهْلِ الجنَّةِ" فيطلُعُ رجُلٌ واحدٌ، فاستضافَهُ عبدُ الله بن عمرو (^٥)، فنامَ عندَه ثلاثًا لينظرَ عملَه، فلم يَرَ له في بيته كبيرَ (^٦) عملٍ، فأخبرَه بالحال، فقال له: هو
_________________
(١) رقم (٢٥٦٥) في البر والصلة: باب النهي عن الشحناء والتهاجر. ورواه الموطأ ٢/ ٩٠٨ في حسن الخلق: باب ما جاء في المهاجرة؛ وأبو داود رقم (٤٩١٦) في الأدب: باب فيمن يهجر أخاه المسلم؛ والترمذي رقم (٢٠٢٤) في البر والصلة: باب ما جاء في المتهاجرين.
(٢) في آ: "الإفراد".
(٣) سورة الحشر الآية ١٠.
(٤) قطعة من حديث طويل رواه أحمد في "المسند" ٣/ ١٦٦، وذكره المؤلف مختصرًا.
(٥) في آ، ع: "عبد الله بن عمر"، وهو تحريف.
(٦) في آ، ش، ع: "كثير".
[ ٢٦٦ ]
ما ترى، إلَّا أني أبيتُ وليس في قلبي شيءٌ على أحدٍ من المسلمين. فقال عبدُ الله: بهذا بلغَ ما بَلَغَ. وفي سُنن ابن ماجَه (^١) عن عبد الله بن عمرو، قال: "قيل: يا رسولَ اللهِ! أيُّ الناسِ أفضلُ؟ قال: كُلُّ مَخْمُومِ (^٢) القَلْبِ، صَدوقِ اللِّسانِ. قالوا: صَدوقُ اللسانِ نعرفُه، فما مَخْمُومُ القَلْبِ؟ قال: هو التَّقِيُّ النَّقِيُّ الذي لا إثْمَ فيه، ولا بَغْيَ، ولا غِلَّ، ولا حَسَدَ".
قال بعضُ السَّلَفِ: أفضلُ الأعمالِ سلامةُ الصُّدُورِ، وسخاوةُ النُّفوسِ، والنَّصيحةُ للأمَّةِ؛ وبهذه الخصال بلَغَ مَنْ بَلَغَ، لا بكثرة الاجتهادِ في الصَّوم والصَّلاةِ.
إخواني! اجتنبوا الذُّنوبَ التي تَحرِمُ العبدَ مغفرةَ مولاهُ الغفَّارِ في مواسم الرَّحمةِ والتوبةِ والاستغفار. أمَّا الشِّرْكُ: فإنَّه ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (^٣). وأما القتلُ: فلو اجتمَعَ أهلُ السَّماواتِ وأهلُ (^٤) الأرضِ على قتلِ رجلٍ مسلمٍ بغير حقٍّ لأكَبَّهُم اللهُ جميعًا في النارِ. وَأَمَّا الزِّنا: فحَذَارِ خذَارِ من التعرُّضِ لِسَخَطِ الجبَّارِ. الخَلْقُ كلُّهم عبيدُ الله (^٥) وإماؤه، والله تعالى يغارُ، لا أَحَدٌ أغيَرَ مِنَ اللهِ أن يزنيَ عبدُه أو تزنيَ أَمَتُه، فمن أجل ذلك حرَّم الفواحِشَ وأمَرَ بِغَضِّ الأبصارِ (^٦). وأمَّا الشَّحناءُ: فيا مَنْ أضمَرَ لأخيهِ السُّوءَ وقَصَدَ له الإضرارَ ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (^٧)، يَكفِيكَ حِرمانُ المغفرةِ في أوقاتِ مَغفرة الأوزارِ.
خابَ عبدٌ بارَزَ المَوْ … لَى بأسبابِ المَعَاصِي
وَيْحَهُ مِمَّا جَنَاهُ … لَمْ يَخَفْ يوْمَ القِصَاصِ
_________________
(١) رقم (٤٢١٦) في الزهد، باب الورع والتقوى، قال في الزوائد: هذا حديث صحيح، رجاله ثقات. وأورده الألباني في "صحيح ابن ماجه" ٢/ ٤١١. والمخموم: من خممت البيت، إذا كنسته.
(٢) في آ، ع بغير إعجام.
(٣) سورة المائدة الآية ٧٢.
(٤) لفظ "أهل" لم يرد في آ، ع.
(٥) في آ، ش، ع: "عبيده وإماؤه".
(٦) وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -: أن رسول اللّه - ﷺ - قال: "لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحَدُ أحبُّ إليه المدحُ من الله تعالى، من أجل ذلك مدح نفسَه". رواه البخاري ٩/ ٣١٩ في النكاح وغيره، ومسلم رقم (٢٧٦٠) في التوبة، باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش.
(٧) سورة إبراهيم الآية ٤٢.
[ ٢٦٧ ]
يَوْمٌ فيه تُرْعَدُ الأقدَامُ … مِن شَيْب النَّواصِي
لِي ذُنوبٌ في ازْدِيادٍ … وَحَيَاةٌ فيَ انْتِقَاصِ
فمَتَى أَعْمَلُ ما أَعْلَمُ … لِي فيهِ خَلَاصِي
وقد رُوي عن عِكْرمةَ وغيرِه مِن المفسِّرين في قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (^١) أنَّها ليلةُ النِّصْفِ من شعبان. والجمهورُ على أنَّها ليلةُ القَدْرِ، وهو الصحيحُ (^٢). وقال عطاءُ بن يَسار: إذا كان ليلةُ النِّصفِ من شعبانَ دُفعَ إلى مَلَكِ الموتِ صحيفةُ، فيقال: اقبضْ مَنْ في هذه الصحيفةِ، فإنَّ العَبْدَ لَيَغْرِسُ الغِرَاسَ، وينكِحُ الأزواجَ، ويبني البُنيانَ، وإنَّ اسْمَه قد نُسِخَ في الموتَى ما يَنتظِرُ به مَلَكُ الموتِ إلَّا أنْ يُؤمَرَ به فيقبضَه. يا مغرورًا بطولِ الأملِ، يا مسرورًا بسوءِ العَمَلِ، كُنْ مِنَ الموتِ على وَجَل (^٣)، فما تدري متى يهجُمُ الأجَل.
كُلُّ امْرئٍ مُصبّحُ في أَهْلِهِ … والمَوْتُ أَدْنَى مِن شِراكِ نَعْلِهِ (^٤)
قال بعضُ السَّلف: كم مِن مُستقبِلٍ يومًا لا يستكمِلُه، ومن مُؤمّلٍ غدًا لا يدرِكُه، إنَّكم لو رأيتم الأجَلَ ومسيرَهُ لأبغضتُمُ الأمَلَ وغُرورَهُ.
أُؤمِّلُ أَنْ أُخَلَّدَ والمنايا … تَدُورُ عليَّ مِن كُلِّ النَّواحِي
وَمَا أدرِي وإنْ أَمْسَيْتُ يومًا … لَعلِّي لا أعيشُ إلى الصَّبَاحِ
كَمْ مِمَّن رَاحَ في طلبِ الدنيا أو غَدَا، أصبَحَ مِن سكانِ القُبورِ غَدَا.
كأنَّكَ بالمضيِّ إلى سَبيلِكْ … وَقَدْ جَدَّ المُجهِّزُ في رَحِيلِكْ
وجيءَ بِغاسِلٍ فاسْتَعْجَلُوهُ … بقولِهم لَهُ افْرَغْ مِن غَسِيلِكْ
ولم تحمِلْ سِوَى كَفَنٍ وَقُطْنٍ … إليهِمْ (^٥) مِن كَثيرِكَ أو قليلِكْ
وقد مَدَّ الرِّجالُ إليكَ نَعْشًا … فأنْتَ عليه مَمْدُودٌ بطولِكْ
_________________
(١) سورة الدخان الآية ٤.
(٢) راجع تفسير القرطبي ١٦/ ١٢٦ - ١٢٨، وتفسير ابن كثير ٤/ ١٣٧.
(٣) الوجل: الخوف.
(٤) الشِّراك. سير النعل على ظهر القدم.
(٥) في ع: "إليه".
[ ٢٦٨ ]
وصلُّوا ثمَّ إنَّهُمُ تَدَاعَوا … لحملِكَ (^١) مِن بُكورِكَ أو أَصِيلِكْ
فلمَّا أَسْلَمُوكَ نَزَلْتَ قَبْرًا … ومَنْ لَكَ بالسَّلامَةِ في نُزُولِكْ
أعانَكَ يومَ تدخُلُهُ رَحِيمٌ … رَؤوفٌ بالعبادِ على دُخُولِكْ
فَسَوفَ تُجاوِر المَوْتَى طويلًا … فَذَرْني مِن قَصِيركَ أو طوِيلِكْ
أُخَيَّ لَقَدْ نَصحتُكَ فاسْتَمِعْ لِي … وباللهِ اسْتَعَنْتُ على قبولِكْ
أَلسْتَ تَرَى المنايا كُلَّ حينٍ … تُصيبُكَ في أخِيكَ وفي خَلِيلِكْ
* * *