في "الصحيحين" (^٦) عن ابن عبَّاسٍ ﵄، قال: "كان النَّبيُّ - ﷺ - أجوَدَ النَّاسِ، وكان أجوَدَ ما يكونُ في رَمَضَان حين يلقاهُ جِبريلُ فيدارِسُهُ القرآنَ، وكان جِبريلُ يلقاهُ في كُلِّ ليلةٍ من رَمَضَانَ (^٧) فيدارِسُهُ القرآن؛ فلَرَسُولُ الله - ﷺ - حين يلقاهُ جبريلُ أجوَدُ بالخَيْرِ من الرِّيح المُرْسَلَة".
وخرَّجه الإِمام أحمدُ بزيادةٍ في آخره، وهي: "لا يُسألُ عن شيء إلا أعطاه".
الجُودُ هو سَعَةُ العَطَاءِ وكثرتُهُ، والله تعالى يُوصَفُ بالجود.
_________________
(١) هي رابعة العَدَويَّة، أم الخير البصرية، الصالحة الزاهدة، الخاشعة، لها أخبار في العبادة والنسك، وقد سبقت ترجمتها.
(٢) سورة الأحقاف الآية ٣١.
(٣) في آ: "دفع"، وفي ب: "رجع".
(٤) في ش، ع: "لعلعِ … يُتبعِ".
(٥) ما بين قوسين ساقط في (ط).
(٦) أخرجه البخاري ١/ ٣٠ رقم (٦) في بدء الوحي، وفي الصوم رقم (١٩٠٢): باب أجود ما كان النبي - ﷺ - يكون في رمضان، وفي بدء الخلق رقم (٣٢٢٠): باب ذكر الملائكة، وفي المناقب رقم (٣٥٥٤): باب صفة النبي - ﷺ -، وفي فضائل القرآن رقم (٤٩٩٧): باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي - ﷺ -؛ ومسلم رقم (٢٣٠٨) في الفضائل: باب كان النبي - ﷺ - أجود الناس بالخير من الريح المرسل. وأخرجه النسائي ٤/ ١٢٥ في الصيام: باب الفضل والجود في شهر رمضان. وقد تكررت هنا عبارة "فيدارسه القرآن".
(٧) قوله: "من رمضان" لم يرد في آ، ش، ع.
[ ٣٠٤ ]
وفي الترمذي (^١) من حديث سَعْد بن أبي وَقاص، عن النبيِّ - ﷺ -: "إنَّ الله جَوَادٌ يُحِبُّ الجُودَ، كريمٌ يُحبُّ الكَرَمَ".
وفيه أيضًا: من حديث أبي ذَرٍّ ﵁، عن النبي - ﷺ -، عن رَبِّه، قال: " [يقول اللهُ تعالى:] يا عبادي! لو أنَّ أوَّلَكُم وآخِرَكُم، وحيِّكم وميِّتكم، ورَطْبَكم ويابسَكُم اجتَمَعُوا في صعيدٍ واحدٍ، فسأل كُلُّ إنسان منكم، ما بَلَغَتْ أمنيَّتَهُ، فأَعْطيْتُ كُلَّ سائل (^٢) منكم، ما نَقصَ ذلك مِن مُلْكِي إلَّا كما لو أن أَحَدَكُم مَرَّ بالبحر، فغَمَسَ فيه إبرَةً ثم رفَعَها إِليه؛ ذلك بأنِّي جَوادٌ واجدٌ ماجِدٌ، أفعَلُ ما أريدُ، عَطَائي كلامٌ، وعذابي كلام، إنَّما أمري لشيءٍ إذا أردْتُ أن أقولَ له: كُنْ فيكون" (^٣).
وفي الأثر المشهور عن فُضَيل بن عياض: إن الله تعالى يقولُ كُلَّ ليلةٍ: أنا الجوادُ ومنِّي الجُودُ، أنا الكريم ومنِّي الكَرَمُ. فالله ﷾ أجودُ الأجودين، وجُودُهُ يتضاعَفُ في أوقاتٍ خاصَّةٍ، كشهرِ رمضانَ، وفيه أُنزِل قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (^٤).
وفي الحديث الذي خرّجه الترمذيُّ (^٥) وغيرُه "أنَّه يُنادِي فيه منادٍ: يا باغِيَ الخَيْرِ هَلُمَّ، ويا باغِي الشَّرِّ أَقْصِرْ، ولله عُتَقاءُ من النَّار، وذلك كُلَّ ليلةٍ".
ولمَّا كان الله ﷿ قد جَبَلَ نبيَّه - ﷺ - على أكمل الأخلاق وأشرفها، كما في حديث أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، قال: "إنَّما بُعِثْتُ لأتمِّم مكارِمَ الأخلاق" (^٦). وذكره
_________________
(١) قطعة من حديث أخرجه الترمذي رقم (٢٨٠٠) في الأدب: باب ما جاء في النظافة. قال الترمذي: هذا حديث غريب، وخالد بن إلياس يضعَّف ولفظه فيه: "سُمع يقول: "إنَّ الله طيِّبٌ يحبُّ الطيِّب، نظيفٌ يحبُّ النظافة، كريم يحبُّ الكَرَم، جوادٌ يحبُّ الجود، فنظِّفوا - أَراه قال: أفنِيتَكُم - ولا تَشَبَّهوا باليهود".
(٢) في آ: "كل إنسان منكم ما بلغت أمنيَّته".
(٣) رواه أحمد في "مسنده" ٥/ ١٥٤، ١٧٧ مع اختلاف يسير، ومسلم رقم (٢٥٧٧) في البر والصلة: باب تحريم الظلم، والترمذي رقم (٢٤٩٧) في صفة القيامة: باب فضل الرفق بالضعيف والوالدين والمملوك، وقال: هذا حديث حسن. وأخرجه ابن ماجه رقم (٤٢٥٧) في الزهد: باب ذكر التوبة. وهو حديث مشهور وأصل من أصول الإسلام. كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه. وقال أحمد بن حنبل: ليس لأهل الشام حديث أشرف من هذا الحديث.
(٤) سورة البقرة الآية ١٨٦.
(٥) أخرجه الترمذي رقم (٦٨٢) في الصوم: باب ما جاء في فضل شهر رمضان، عن أبي هريرة. وليس في المطبوع لفظة "هلم". وبنحوه من حديث عُتْبَة بن فَرْقَد عند النسائي ٤/ ١٢٩ و١٣٠ في الصيام: باب فضل شهر رمضان، وهو حديث حسن.
(٦) في آ، ب، وإحدى نسخ المطبوع: "صالح الأخلاق".
[ ٣٠٥ ]
مالك في الموطأ (^١) بلاغًا. فكان رسول الله - ﷺ - أجودَ الناسِ كُلِّهم.
وخرَّجَ ابنُ عدي (^٢) بإسنادٍ فيه ضَعفٌ من حديث أنسٍ مرفوعًا: "ألا أخبِرُكُم بالأَجْوَدِ الأجْوَدِ؟ اللهُ الأجْوَدُ الأجْوَدُ، وأنا أَجْوَدُ بني آدَمَ، وأجودُهم من بعدي رجُلٌ عَلِمَ عِلْمًا فنشَرَ عِلْمَه، يُبْعَثُ يومَ القيامةِ أمَّةً وحدَهُ، ورجلٌ جَادَ بنفسِهِ في سبيل الله". فدَلَّ هذا على أنَّه - ﷺ - أجْوَدُ بني آدمَ على الإِطلاق، كما أنه أفضلُهم وأعلَمُهم وأشجعُهم وأكملُهم في جميع الأوصافِ الحميدة.
وكان جودُهُ بجميع أنواعِ الجُودِ، مِن بذْلِ العِلْم والمالِ، وبذْلِ نفسِه لله تعالى في إظهار دينه وهِداية عِبَاده، وإيصال النفع إليهم بكُلِّ طريقٍ؛ من إطعام جائعهم، ووعظ جاهِلِهم، وقضاءِ حوائجهم، وتحمُّلِ أثقالهم.
ولم يزَلْ - ﷺ - على هذه الخِصال الحميدة منذ نَشَأ، ولهذا قالت له خديجةُ في أوَّل مبعثِه: واللهِ، لا يُخزيك اللهُ أبدًا، إنَّك لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتحمِلُ الكَلَّ (^٣)، وتَكِسِبُ المعدومَ، وتُعينُ على نوائبِ الحَقِّ (^٤).
ثم تزايدَتْ هذه الخصال فيه بَعْدَ البعثةِ وتضاعَفَتْ أضعافًا كثيرةً.
_________________
(١) في ش: "في موطئه مرسلًا بلاغًا". والحديث في الموطأ ٢/ ٩٠٤ في حسن الخلق: باب ما جاء في حسن الخلق، وإسناده منقطع، ولكن للحديث شواهد بمعناه يرتقي بها إلى درجة الحسن، قال الزرقاني: رواه أحمد وقاسم بن أصبغ والحاكم والخرائطي برجال الصحيح، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وقال ابن عبد البر: هو حديث مدني صحيح متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره، وللطبراني عن جابر مرفوعًا "إن الله بعثني بتمام مكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال". انظر جامع الأصول ٤/ ٤. ولفظه في "الموطأ": عن مالك بن أنس ﵀، بَلَغَه: أن رسول الله - ﷺ - قال: "بُعثت لأتمم حسن الخُلُق".
(٢) الكامل لابن عدي ١/ ٣٥٠ عن أيوب بن ذكوان، قال: وعامة ما يرويه لا يتابع عليه. وأخرجه أبو يعلى بهذا السند في "مسنده" ٥/ ١٧٦. وذكره السيوطي في "اللآليء المصنوعة" ١/ ٢٠٦ - ٢٠٧ وقال: "قال ابن حبان: منكر باطل، وأيوب منكر الحديث، وكذا نوح [بن ذكوان] ". ثم قال: "رواه أبو يعلى في مسنده، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات". وقد ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٩/ ١٣ وقال: "رواه أبو يعلى، وفيه سويد بن عبد العزيز وهو متروك".
(٣) الكَلُّ: الثِّقل من كل ما يُتَكلَّف، والعِيال. (النهاية ٤/ ١٩٨).
(٤) من حديث طويل عن عائشة ﵂، وأخرجه البخاري ١/ ٢٢ - ٢٧ في بدء الوحي، وفي الأنبياء، باب: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾، وفي تفسير سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وفي =
[ ٣٠٦ ]
وفي "الصحيحين" (^١) عن أنس، قال: "كان رسولُ الله - ﷺ - أحسَنَ النَّاسِ، وأَشْجَعَ النَّاسِ، وأجْوَدَ الناس". وفي "صحيح مسلم" (^٢) عنه، قال: "ما سُئِلَ رسُولُ اللهِ - ﷺ - على الإسلام شيئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، فجاءَهُ رَجُلٌ فأعطاه غَنَمًا بين جَبَلين، فرجَعَ إلى قَوْمِهِ، فقال: يا قومِ، أسْلِموا؛ فإنَّ محمَّدًا يُعطِي عَطَاءَ مَنْ لا يَخْشَى الفَاقَةَ". وفي رواية له: إن رجلًا سأَلَ النبي - ﷺ - غَنَمًا بين جَبَلين، فأعطاه إياهُ، فأتى قومَه، فقال: ياقوم، أسْلِمُوا؛ فإنَّ محمدًا يُعطِي عطاءً ما يخافُ الفَقْرَ.
قال أنس: إن كان الرجل لَيُسْلِمُ ما يريد إلَّا الدنيا، فما يُمسِي (^٣) حتى يكونَ الإِسلامُ أحبَّ إليه من الدنيا وما عليها. وفيه (^٤) أيضًا: عن صَفْوانَ بن أميَّة، قال: لقد أعطاني رسولُ الله - ﷺ - ما أعطاني، وإنَّه لمِنْ أبغَضِ النَّاسِ إليَّ، فما بَرِحَ يُعطيني حتَّى إنَّه لأحَبُّ النَّاسِ إليَّ. قال ابنُ شهاب (^٥): أعطاه يومَ حنينٍ مائةً مِن النعم، ثم مائةً، ثم مائةً. وفي مغازي الواقِدي (^٦) أن النبي - ﷺ - أعطَى صفوانَ بن أميَّة يومئذ واديًا مملوءًا إبلًا ونَعَمًا، فقال صفوان: أشهدُ ما طابَتْ بهذا إلَّا نفسُ نَبيٍّ. وفي "الصحيحين" (^٧) عن جُبَيْر بن مُطْعِمٍ: أن الأعراب عَلِقُوا بالنبيِّ - ﷺ - مَرْجِعَهُ من حُنينٍ
_________________
(١) = التعبير: باب أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصالحة. وأخرجه مسلم رقم (١٦٠) في الإيمان: باب بدء الوحي برسول الله - ﷺ -؛ والترمذي رقم (٣٦٣٦) في المناقب، باب رقم (١٣). ومعنى كلام خديجة ﵂: أنك لا يصيبك مكروه؛ لما جعل الله فيك من مكارم الأخلاق وكرم الشمائل. انظر شرح مسلم للنووي ١/ ٢٠٢.
(٢) أخرجه البخاري مطولًا رقم (٢٨٥٧) في الجهاد: باب اسم الفرس والحمار، ورقم (٢٩٠٨): باب الحمائل وتعليق السيف بالعتق. ومسلم رقم (٢٣٠٧) في الفضائل: باب شجاعة النبي - ﷺ - وتقدمه للحرب. ونصه: "كان رسول الله - ﷺ - أحسنَ الناس وَجْهًا، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس؛ ولقد فَزعَ أهل المدينة ذات ليلةٍ، فانطلق ناس من قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله - ﷺ - راجعًا، وقد سبقهم إلى الصوت … " إلى آخر الحديث.
(٣) رقم (٢٣١٢). في الفضائل: باب ما سئل رسول الله - ﷺ - شيئًا قط فقال: لا.
(٤) ويروى: "فما يلبَث إِلا يسيرًا حتى يكون".
(٥) أخرجه مسلم رقم (٢٣١٣) في الفضائل: باب ما سئل رسول الله - ﷺ - شيئًا قط فقال: لا. ورواه الترمذي رقم (٦٦٣) في الزكاة: باب ما جاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم.
(٦) هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، أول من دوَّن الحديث، وأحد أكابر الحفاظ والفقهاء، توفي سنة ١٢٤ هـ.
(٧) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨٥٤ - ٨٥٥.
(٨) أخرجه البخاري رقم (٢٨٢١) في الجهاد: باب الشجاعة في الحرب، وباب ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه رقم (٣١٤٨). ولم يرد في صحيح مسلم.
[ ٣٠٧ ]
يَسألونَه أن يَقْسِم بَينهم، فقال: "لو كان لي عَدَدُ هذه العِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بينَكم، ثم لا تجِدُوني بَخيلًا، ولا كَذُوبًا، ولا جَبَانًا".
وفيهما (^١) عن جابرٍ، قال: "ما سُئلَ رَسُولُ الله - ﷺ - شيئًا فقال: لا"، وأنه قال لجابرٍ: لو جاءنا مالُ البَحْرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا، وقال بيديه: جميعًا. وخرَّج البخاري (^٢) من حديث سَهْل بن سَعْدٍ: أن شَمْلةً أُهْدِيَتْ للنبيّ - ﷺ - فلَبِسَها وهو محتاجٌ إليها، فسأله إيَّاها رَجُلٌ فأعطاهُ، فلامه النَّاسُ، وقالوا: كان مُحتاجًا إليها، وقد عَلِمْتَ أنه لا يَرُدُّ سائلًا، فقال: إنما سألتُها لتكونَ كَفَني، فكانَتْ كفَنَه. وكان جودُه - ﷺ - كُلُّهُ لله ﷿، وفي ابتغاء مرضاته، فإنَّه كان يبذُلُ المالَ: إمَّا لفقير، أو محتاجٍ، أو ينفقه في سبيل الله، أو يتألَّف به على الإسلام من يَقْوَى الإِسلامُ بإسلامه.
وكان يؤثر على نفسه وأهلِه وأولادِهِ، فيعطي عطاءً يعجِزُ عنه الملوكُ مثل كسرى وقيصر، ويعيشُ في نفسه عيشَ الفقراءِ، فيأتي عليه الشهرُ والشهران لا يوقَدُ في بيته نارٌ، وربما رَبَطَ على بطنه الحجَرَ من الجُوع. وكان قد أتاه - ﷺ - سبيٌ مرَّةً، فشكت إليه فاطمَةُ ما تلقى من خدمة البيت، وطلبت منه خَادمًا يكفيها مؤونَةَ بيتِها، فأمَرَها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد عند نومها، وقال: "لا أعطيك وأدَع أهلَ الصُّفَّةِ تُطْوَى بطونُهم من الجوع" (^٣). وكان جودُه - ﷺ - يتضاعَفُ في شهر رمضان على غيره من
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٦٠٣٤) في الأدب: باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل؛ ومسلم رقم (٢٣١١) في الفضائل: باب ما سئل رسول الله - ﷺ - شيئًا قط فقال: لا.
(٢) أخرجه البخاري ٣/ ١٤٣ رقم (١٢٧٧) في الجنائز: باب من استعدَّ الكفن في زمن النبي فلم ينكر عليه و٤/ ٣١٨ رقم (٢٠٩٣) في البيوع: باب النسَّاج و١٠/ ٢٧٥ (رقم ٥٨١٠) في اللباس: باب البرود والحبر والشملة و١٠/ ٤٥٦ (رقم ٦٠٣٦) في الأدب: باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل. ورواه النسائي ٨/ ٢٠٤ وابن ماجه رقم (٣٥٥٥) في اللباس: باب لباس رسول الله - ﷺ -، وأحمد في "مسنده" ٥/ ٣٣٤.
(٣) أخرجه البخاري ٦/ ٢١٥ في فرض الخمس: باب الدليل على أن الخمس لنوائب رسول الله - ﷺ - والمساكين وإيثار النبي - ﷺ - أهل الصفة والأرامل و٧/ ٧١ في فضائل الصحابة: باب مناقب علي بن أبي طالب و٩/ ٥٠٦ في النفقات: باب عمل المرأة في بيت زوجها، وباب خادم المرأة، و١١/ ١١٩ في الدعوات: باب التكبير والتسبيح عند المنام. ورواه أحمد في "المسند" ١/ ٧٩، ٩٦، ١٠٦، ١٥٣ مختصرًا ومطولًا.
[ ٣٠٨ ]
الشهور، كما أنَّ جُودَ رَبِّه يتضاعَفُ فيه أيضًا، فإِنَّ الله جَبَلَه على ما يُحبُّه مِن الأخلاق الكريمة، وكان على ذلك من قبل البعثة.
ذكر (^١) ابنُ إسحاقَ عن وَهْب بن كَيْسان (^٢)، عن عُبَيد بن عُمَير، قال: كان رسول الله - ﷺ - يُجاوِرُ في حِرَاءَ من كُلِّ سنةٍ شهرًا، يُطْعِم مَنْ جاءهُ مِن المساكين، حتى إذا كان الشهرُ الذي أراد اللهُ به ما أراد مِن كرامته، من السَّنةِ التي بعثه الله فيها، وذلك الشهر شهرُ رمضانَ، خَرَجَ إلى حِرَاءَ كما كان يخرج لجوارِه مَعَهُ أهلُهُ، حتَّى إذا كانت اللَّيلةُ التي أكرمَهُ الله تعالى برسالته، ورَحِمَ العِبَادَ بها، جاءَهُ جبريلُ من (^٣) الله ﷿. ثم كان بعدَ الرسالة جودُه في رمضانَ أضعافَ ما كان قبلَ ذلك؛ فإنه كان يلتقي هو وجبريلُ ﵇، وهو أفضَلُ الملائكة وأكرمُهم، ويدارسُه الكتابَ الذي جاء به إليه، وهو أشرفُ الكتُبِ وأفضلُها، وهو يَحُثُّ على الإحسان ومكارم الأخلاق.
وقد كان رسول الله - ﷺ - هذا الكتابُ له خُلُقًا بحيثُ يرضَى لرضاه، ويسخَطُ لسخطِهِ، ويسارع إلى ما حثَّ عليه، ويمتنع ممَّا زجر عنه؛ فلهذا كان يتضاعَفُ جودُه وإفضالُه في هذا الشهر؛ لِقُرْب عهدِه بمخالطةِ جبريلَ ﵇، وكثرةِ مدارسته له هذا الكتابَ الكريمَ، الذي يحُثُّ على المكارم والجُود. ولا شكَّ أن المخالطة تؤثِّر وتورِثُ أخلاقًا من المخالط (^٤). كان بعضُ الشعراء قد امتدح ملِكًا جَوادًا، فأعطاه جائزةً سنيةً، فخرج بها من عنده وفرَّقها كلَّها على الناس، وأنشد (^٥):
لَمَسْتُ بِكَفِّي كَفَّه أبتَغِي الغنى … ولم أَدْرِ أن الجُودَ مِن كَفِّه يُعْدِي
فبلغ ذلك الملكَ فأضعفَ له الجائزة. وقد قال بعضُ الشعراء يمتدح بعضَ
_________________
(١) في ب، ط: "وذكر". وانظر السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٢٣٥ - ٢٣٦.
(٢) هو وهب بن كيسان القرشي مولاهم، أبو نعيم المدني، المعلّم، ثقة، روى له الجماعة، توفي سنة ١٢٧ هـ (التقريب).
(٣) في سيرة ابن هشام: "بأمر الله تعالى".
(٤) في ش، ط: "المخالطة".
(٥) أحد بيتين مشهورين لابن الخياط، مدح بهما المهدي، وهما في الأغاني ١٨/ ١٤، وأمالي المرتضى ١/ ٥٢٢، وبعده: فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى … أفَدْتُ وأعداني فأَتْلَفْتُ ما عندي
[ ٣٠٩ ]
الأجواد ولا يصلح أن يكون ذلك إلَّا لرسول الله - ﷺ - (^١):
تَعَوَّدَ بَسْطَ الكَفِّ حتَّى لَوَ أنَّه … ثَنَاها لِقَبْضٍ لم تُجِبْهُ أنامِلُه
ترَاهُ إذا ما جِئْتَهُ متهلِّلًا … كأنَّك تعطِيه الذي أنتَ سائِلُه
هُوَ البَحْرُ مِن أيِّ النَّواحِي أتيْتَهُ … فَلُجَّتُه المعروفُ والجُودُ ساحِلُه
ولو لم يكُن في كَفِّه غيرُ رُوحِه … لجادَ بها فَلْيَتَّقِ الله سائِلُه
سمعَ الشِّبْلِيُّ قائلًا يقولُ: يا الله! يا جوادُ! فتأوَّه وصَاحَ، وقال: كيفَ يمكنني أن أصفَ الحقِّ بالجودِ ومخلوق يقولُ في شكله، فذكر هذه الأبيات، ثم بكى، وقال: بلى يا جوادُ؛ فإنَّك أوجدْتَ تلك الجوارِحَ، وبسَطْتَ تلك الهمم، فأنتَ الجوادُ كُلَّ الجوادِ؛ فإنهم يُعطونَ عن محدودٍ وعطاؤكَ لا حدَّ له ولا صِفة، فيا جوادًا يعلو كُلَّ جوادٍ، وبه جادَ كُلُّ مَن جاد.
وفي تضاعُفِ جُودِهِ - ﷺ - في شهر رمضان بخصوصِه فوائدُ كثيرة؛
منها: شرفُ الزمان، ومضاعفَةُ أجرِ العمَلِ فيه. وفي الترمذي (^٢) عن أنس مرفوعًا: "أفضَلُ الصَّدَقَةِ صَدَقَةٌ في رمضان".
ومنها: إعانة الصَّائمين والقائمين والذَّاكرين على طاعاتهم، فيستوجب المعين لهم مثلَ أجرِهم، كما أن مَنْ جهَّزَ غازيًا فقد غَزَا، ومَن خَلَفَهُ في أهله فقد غزا.
وفي حديث زيد بن خالد عن النبي - ﷺ -، قال: "مَنْ فَطَّرَ صائمًا فلهُ مِثْلُ أجْرِه،
_________________
(١) الأبيات عدا البيت الثاني في ديوان أبي تمام ٣/ ٢٩ من قصيدة في مدح المعتصم بالله. والثاني لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص ٥٧. ونسب بعضها لعدد من الشعراء.
(٢) كنز العمال رقم (١٦٢٤٩) وعزاه إلى سُليم في "جزئه" عن أنس. قال المناوي في "فيض القدير" ٢/ ٣٨: أخرجه البيهقي في الشعب، بل أخرجه الترمذي. وذكره السيوطي في "الجامع الصغير"، وأورده الألباني في كتابه "ضعيف الجامع الصغير" رقم (١١١٧). وفي "الإتحاف" ٤/ ١١١: أخرجه الترمذي والديلمي من حديث أنس، والبيهقي في شعب الإيمان، والخطيب في التاريخ. وسُليم الرازي في "جزئه" من حديثه أيضًا بلفظ: "أفضل الصدقة في رمضان"، وقد تكلم ابن الجوزي في هذا الحديث وعلَّه بأحد رواته: صدقة بن موسى، قال ابن معين: ليس بشيء. وإنَّما خص رمضان بذلك لما فيه من إفاضة الرحمة على عباده أضعاف ما يفيضها في غيره، فكانت الصدقة فيه أعظم قربًا منها في غيرها.
[ ٣١٠ ]
من غيرِ أن يَنْقُصَ مِن أجرِ الصَّائم شيءٌ". خرَّجه الإِمام أحمد (^١)، والنسائيُّ، والترمذيّ، وابن ماجه. وخرَّجه الطبراني (^٢) من حديث عائشةَ، وزاد: "وما عَمِلَ الصائمُ مِن أعمال البِرِّ إلَّا كان [أجره] لصاحِبِ الطعام ما دام قُوة الطعام فيه".
وخرَّج ابنُ خزيمة في "صحيحه" (^٣) من حديث سَلْمانَ مرفوعًا حديثًا في فضل شهر رمضان، وفيه: "وهو شهرُ المواساةِ، وشَهرٌ يُزَادُ فيه في رِزْقِ المؤمنِ؛ مَنْ فَطَّرَ فيه صائمًا كان مَغْفِرةً لذنوبه، وعَتَقَ رقبتَه من النَّار، وكان له مِثْل أَجْره من غير أن يَنْقُصَ من أجره شيء". قالوا: يا رسولَ الله! ليس كلُّنا يَجِدُ ما يُفَطِّر الصَّائمَ. قال: "يُعطِي الله هذا الثَّوابَ لمن فطَّر صائمًا على مَذْقَةِ لبنٍ، أَو تمرةٍ، أو شربةِ ماءٍ. ومَن أشبَعَ فيه صائمًا سقاهُ اللهُ من حَوْضِي شَرْبَةً لا يَظْمَأُ بَعْدَها (^٤) حتى يدخُلَ الجنَّةَ".
ومنها: أنَّ شهرَ رمضانَ شهرٌ يجودُ الله فيه على عبادِه بالرَّحمة والمغفرة والعتْقِ من النار، لا سيما في ليلة القَدْرِ. والله تعالى يرحَمُ من عبادِه الرُّحَماءَ، كما قال - ﷺ -: "إنَّما يرحَمُ اللهُ مِن عبادِه الرُّحَماء" (^٥).
فَمَن جاد على عبادِ الله جادَ اللهُ عليه بالعطاءِ والفضلِ؛ والجزاءُ مِن جنسِ العمَلَ.
ومنها: أنَّ الجمع بين الصِّيام والصَّدقةِ من موجباتِ الجنَّةِ، كما في حديثِ عليٍّ ﵁، عن النبي - ﷺ -، قال: "إنَّ في الجنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظُهُورُها من بُطونِها،
_________________
(١) رواه أحمد في "المسند" ٤/ ١١٤، ١١٦؛ والترمذي رقم (٨٠٧) في الصوم: باب ما جاء في فضل من فطَّر صائمًا؛ وابن ماجه رقم (١٧٤٦) في الصيام: باب صيام أشهر الحرم. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وهو كما قال. والطبراني ٥/ ٢٥٥ - ٢٥٧.
(٢) ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٥٧ وقال: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه الحكم بن عبد الله الأبلي، وهو متروك".
(٣) ٣/ ١٩١ رقم (١٨٨٧) في فضائل شهر رمضان، وروي هنا مختصرًا. وإسناده ضعيف. قال البنا في "الفتح الرباني" ٩/ ٢٢٣: رواه ابن خزيمة في صحيحه، ثم قال: إن صحَّ الخبر. وفي سنده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.
(٤) لفظ "بعدها" لم يرد في آ، ش وصحيح ابن خزيمة.
(٥) أخرجه البخاري رقم (١٢٨٤) في الجنائز باب (٣٢) وغيره، ومسلم رقم (٩٢٣) في الجنائز: باب البكاء على الميت. وأخرجه الطبراني ٢/ ٣٢٤ عن جرير بسند صحيح.
[ ٣١١ ]
وبطونُها من ظهورها". قالوا: لمن هي يا رسولَ الله؟ قال: "لمن طيَّب الكلامَ، وأطعَمَ الطَّعامَ، وأدامَ الصِّيام، وصلَّى بالليل والنَّاس نيام" (^١).
وهذه الخصال كلُّها تكون في رمضانَ، فيجتمع فيه للمؤمن الصِّيامُ، والقيامُ؛ والصَّدَقةُ، وطيبُ الكلام؛ فإنَّه يُنهى فيه الصَّائمُ عن اللَّغْو والرَّفَثِ.
والصِّيامُ والصَّلاةُ والصَّدقةُ تُوصل صاحبَها إلى الله ﷿؛ قال بعضُ السَّلف: الصَّلاةُ توصِلُ صاحبَها إلى نصْفِ الطريق، والصِّيامُ يوصِلُه إلى باب الملِكِ، والصَّدقَةُ تأخذُ بيدِه فتدخِلُه على الملِكِ. وفي صحيح مسلم (^٢) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ -، أنه قال: "من أصبَحَ منكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكر: أنا، قال: مَن تَبِعَ منكُمُ اليومَ جَنازَةً؟ قال أبو بكر: أنا، [قال: فمن أطعم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكر: أنا،] (^٣)، قال: مَن تصدَّق بصدقةٍ؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن عاد منكم مَريضًا؟ قال أبو بكر: أنا. قال: ما اجْتَمَعْنَ في امرئ إلَّا دخَلَ الجنَّة".
ومنها: أنَّ الجمعَ بين الصِّيام والصَّدقة أبلغُ في تكفير الخطايا واتقاءِ جهنَّم والمباعدة عنها، وخُصُوصًا إن ضمَّ إلى ذلك قيام الليل. فقد ثَبَتَ عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: "الصِّيامُ جُنَّةٌ" (^٤). وفي رواية: "جُنَّةُ أحدِكم مِن النَّار كَجُنَّتِهِ مِنَ القِتال" (^٥).
_________________
(١) أخرجه الترمذي رقم (١٩٨٥) في البر والصلة: باب ما جاء في قول المعروف، وهو حديث حسن. ورواه الإِمام أحمد في "المسند" ٥/ ٣٤٣ من حديث أبي مالك الأشعري، والحاكم في "المستدرك" ١/ ٨٠، ٣٢١ من حديث ابن عمر، وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) رقم (١٠٢٨) في الزكاة: باب من جمع الصدقة وأعمال البر، وفي فضائل الصحابة: باب من فضائل أبي بكر ﵁.
(٣) ما بين قوسين لم يرد في آ، ب، ش، ط، وقد استدرك من نسخة (ع) وصحيح مسلم. وقوله: "قال: من تصدَّق بصدقة؟ قال أبو بكر: أنا" زيادة لم ترد في صحيح مسلم.
(٤) أخرجه النسائي عن معاذ بن جبل ٤/ ١٦٦ في الصوم: باب فضل الصيام، وهو حديث صحيح. وهو قطعة من حديث أخرجه البخاري رقم (١٨٩٤) (٢) في الصوم وغيره، ومسلم رقم (١١٥١) في الصيام، والموطأ ١/ ٣١٠ وأبو داود رقم (٢٣٦٣)، والنسائي ٤/ ١٦٣. والجُنَّة: الوقاية.
(٥) أخرجه النسائي ٤/ ١٦٧ في الصوم: باب فضل الصيام، وهو حديث حسن. ورواه أيضًا ابن ماجه رقم (١٦٣٩) في الصيام: باب ما جاء في فضل الصيام؛ وأحمد في "المسند" ٤/ ٢٢، ٢١٧ عن عثمان بن أبي العاص ﵁. وانظر "الترغيب" ٢/ ٨٣ وصحيح ابن ماجه للألباني رقم (١٣٢٨). ولفظه: "الصيام جُنَّة من النار، كجُنَّة أحدكم من القتال".
[ ٣١٢ ]
وفي حديث معاذ عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "الصَّدَقَةُ تُطفِئُ الخطِيئةَ كما يُطفِئُ الماءُ النَّارَ. وقيامُ الرَّجُلِ من جَوْف الليل" (^١)، يعني أنه يطفئ الخطيئة أيضًا. وقد صرَّح بذلك في رواية الإِمام أحمد. وفي الحديث الصحيح (^٢) عنه - ﷺ - أنَّه قال: "اتَّقوا النَّارَ ولو بِشِقِّ تَمْرَةٍ". كان أبو الدَّرداءِ يقولُ: صَلُّوا في ظلمة الليل ركعتين لظلمة القبور. صُوموا يومًا شديدًا حرُّه لحرِّ يومِ النشور، تصدَّقُوا بصَدَقةٍ لشرِّ يوم عسير.
ومنها: أنَّ الصِّيام لا بدَّ أن يقَعَ فيه خلَلٌ ونَقْصٌ؛ وتكفير الصِّيام للذنوب مشروطٌ بالتحفُّظ ممَّا ينبغي التحفُّظُ منه؛ كما ورد ذلك في حديثٍ خرجه ابنُ حِبَّان في صحيحه. وعامَّة صيام النَّاسِ لا يجتمعُ في صومه التحفُّظ كما ينبغي، ولهذا نُهي أن يقولَ الرجلُ: صُمْتُ رمضانَ كُلَّه، أو قمتُه كلَّه. فالصَّدَقَةُ تجبرُ ما فيه من النَّقص والخلل، ولهذا وجَبَ في آخر شهر رمضانَ زكاة الفِطْرِ طهرةً للصَّائم من اللغو والرَّفَثِ. والصِّيامُ والصَّدقةُ لهما مدخلٌ (^٣) في كفَّارات الأيمان، ومحظوراتِ الإِحرام، وكفَّارَةِ الوطءِ في رمضان. ولهذا كان الله تعالى قد خيرُ المسلمين في ابتداء الأمر بين الصِّيامِ وإطعامِ المسكين، ثم نُسِخَ ذلك، وبقي الإِطعامُ لمن يعجز عن الصِّيام؛ لكبره. ومَن أخَّرَ قضاءَ رمضانَ حتى أدركَهُ رمضانٌ آخَرُ، فإنَّه يقضيه ويضمّ إليه إطعامَ مسكينٍ لكل يومٍ، تقويةً له عند أكثر العلماءِ، كما أفتى به الصَّحابة. وكذلك مَن أفطر لأجل غيره، كالحاملِ والمرضعِ؛ على قول طائفة من العلماء.
ومنها: أنَّ الصَّائم يَدَعُ طعامَه وشرابَه لله، فإذا أعان الصَّائمين على التقوِّى على
_________________
(١) من حديث طويل أخرجه الترمذي رقم (٢٦١٩) في الإيمان: باب ما جاء في حرمة الصلاة ورواه أحمد أيضًا في "المسند" ٥/ ٢٣١، ٢٣٧، ٢٤٨، وابن ماجه رقم (٣٩٧٣) في الفتن: باب كف اللسان في الفتنة، وهو حديث صحيح بطرقه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) أخرجه البخاري رقم (١٤١٧) في الزكاة: باب اتقوا النار ولو بشق تمرة، وباب الصدقة قبل الرد، وفي الأنبياء: باب علامات النبوة في الإِسلام، وفي الأدب: باب طيب الكلام، وفي الرقاق: باب من نوقش الحساب عذب، وباب صفة الجنة، وفي التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وباب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم. وأخرجه مسلم رقم (١٠١٦) في الزكاة: باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة.
(٣) في آ: "مدخلان".
[ ٣١٣ ]
طعامهم وشرابهم كان بمنزلة مَن ترَكَ شهوة (^١) لله، وآثر بها، أو واسَى منها (^٢). ولهذا يُشْرَع له تفطيرُ الصُّوَّام معَهُ إذا أفطَرَ؛ لأنَّ الطَّعام يكون محبوبًا له حينئذ، فيواسى منه، حتى يكونَ ممن أطعَمَ الطَّعام على حبِّه، ويكون في ذلك شكر لله على نعمةِ إباحة الطَّعامِ والشَّرَاب له، وَرَدِّه عليه بَعْدَ منعه إيَّاهُ؛ فإنَّ هذه النِّعمةَ إنما عُرفَ قدرُها عند المَنْعِ منها. وسئل بعضُ السَّلف: لم شُرِعَ الصِّيام؟ قال: ليذوقَ الغنيُّ طعمَ الجُوع فلا ينسى الجائعَ. وهذا من بعض حِكَم الصوم وفوائده. وقد ذكرنا فيما تقدَّم حديثَ سلمان [المرفوع] (^٣)، وفيه: "وهو شهرُ المواسَاةِ" فمن لم يقدر فيه على درجة الإِيثار على نفسِه فلا يعجِز عن درجة أهل المواساة. كان كثير من السَّلفِ يواسون من إفطارهم أو يؤثرون به وَيَطوون (^٤)، وكان ابنُ عُمَرَ يصومُ، ولا يُفطِرُ إلَّا مع المساكين، فإذا منعهم (^٥) أهله عنه، لم يتعشَّ تلك الليلة. وكان إذا جاءه سائلٌ وهو على طعامِه، أخَذَ نصيبَه من الطعام وقام، فأعطاهُ السائلَ، فيرجع وقد أكل أهلُه ما بقي في الجَفْنَة، فيصبح صائمًا ولم يأكُلْ شيئًا.
واشتهى بعضُ الصالحين من السَّلف طعامًا، وكان صائمًا، فوُضِعَ بين يديه عند فُطُوره (^٦)، فسَمعَ سائلًا يقولُ: من يُقرِض الملِيَّ الوفِيَّ الغنِي (^٧)؟ فقال: عبدُهُ المُعْدَمُ من الحسنات. فقام فأخذ الصَّحْفَةَ فخرج بها إليه، وبات طاويًا. وجاء سائل إلى الإمام أحمدَ، فدفع إليه رغيفين كان يُعِدُّهما لفطرِه، ثم طوَى وأصبَحَ صائمًا. وكان الحسَنُ (^٨) يُطعِمُ إخوانَه وهو صائمٌ تطوُّعًا، ويجلس يُروِّحُهُم وهم يأكلون. وكان ابنُ المبارك يُطعمُ إخوانه في السَّفَر الألوان من الحَلواء وغيرها وهو صائم. سلامُ الله على تلك الأرواح. رحمةُ اللهِ على تلك الأشباح؛ لم يَبْقَ منهم إلَّا أخبارٌ وآثار. كم بين من يمنَعُ الحقَّ الواجبَ عليه وبينَ أهلِ الإِيثار.
لا تعرضَنَّ لذكرنا في ذكرِهم … ليسَ الصَّحيحُ إذا مشَى كالمُقْعَدِ
_________________
(١) في آ: "شهوته".
(٢) في ش، ع: "فيها".
(٣) تكملة مستدركة في هامش (آ).
(٤) الطَّوَى: الجوع.
(٥) في ب، ط: "منعة أهله عنهم".
(٦) في ع: "فطره".
(٧) لفظ "الغني" لم يرد في آ، ش.
(٨) إذا أطلق لفظ "الحسن" فهو الحسن بن يسار البصري، الإِمام الزاهد.
[ ٣١٤ ]
وله فوائد أخر: قال الشافعي ﵁: أُحِبُّ للرجُل الزِّيادَةَ بالجُودِ في شهر رمضانَ اقتداءً برسولِ الله - ﷺ -، ولحاجةِ الناسِ فيه إلى مصالِحِهم، ولتشاغُلِ كثيرٍ منهم بالصَّوْم والصَّلاة عن مكاسِبهم. وكذا قال القاضي أبو يَعلى وغيرُه من أصحابنا أيضًا. ودَلَّ الحديثُ أيضًا على استحباب دراسةِ القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، وعَرْضِ القرآن على مَن هُوَ أحفظُ له (^١). وفيه دليل على اسْتِحْباب الإِكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان.
وفي حديث فاطمة ﵍ عن أبيها - ﷺ - "أنَّه أخبرَها: أن جبريلَ [﵇] (^٢) كان يعارِضُه القرآن كُلَّ عامٍ مَرَّةً، وأنه عارضَه في عام وفاتِه مَرَّتين" (^٣). وفي حديث ابن عباس (^٤): "أن المدارسة بينَهُ وبينَ جبريلَ كانت ليلًا"، فدَلَّ على استحباب الإِكثار من التِّلاوة في رمضانَ ليلًا؛ فإنَّ الليل تنقطِعُ فيه الشواغل، وتجتمع فيه الهمم (^٥)، ويتواطأ فيه القلبُ واللِّسانُ على التدبُّر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ (^٦). وشهر رمضان له خصوصية بالقرآن، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (^٧). وقد قال ابن عباس ﵄: إنَّه أُنزل جملةً واحدَةً من اللوح المحفوظ إلى بيت العِزَّة في ليلة القدر. ويشهدُ لذلك قولُه تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (^٨)، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (^٩).
_________________
(١) في آ: "أحفظ منه" وفي ع: "أحفظ له منه".
(٢) زيادة من ب، ط.
(٣) قطعة من حديث أخرجه البخاري رقم (٣٦٢٤) في المناقب: باب علامات النبوة في الإسلام؛ ومسلم رقم (٢٤٥٠) (٩٨) في فضائل الصحابة: باب فضائل فاطمة بنت النبي - ﷺ -؛ وابن ماجه رقم (١٦٢١) في الجنائز: باب ما جاء في ذكر مرض رسول الله - ﷺ -. ومعنى يعارضه: يدارسه.
(٤) رواه البخاري ١/ ٣٠ في بدء الوحي، وفي الصوم: باب أجود ما كان النبي - ﷺ - يكون في رمضان، وفي بدء الخلق: باب ذكر الملائكة، وفي الأنبياء: باب صفة النبي - ﷺ -. وفي فضائل القرآن: باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي - ﷺ -. ورواه مسلم رقم (٢٣٠٨) في الفضائل: باب كان النبي - ﷺ - أجود الناس بالخير من الريح المرسلة. والنسائي ٤/ ١٢٥ في الصيام: باب الفضل والجود في شهر رمضان. ورواه الإِمام أحمد في "مسنده" ١/ ٢٨٨، ٣٦٧، ٣٧٣.
(٥) في ب، ط: "ويجتمع فيه الهم".
(٦) سورة المزمل الآية ٦.
(٧) سورة البقرة الآية ١٨٥.
(٨) سورة القدر الآية ١.
(٩) سورة الدخان الآية ٣.
[ ٣١٥ ]
وقد سبق عن عبيد بن عمير أنَّ النبيَّ - ﷺ - بُدئ بالوحي ونزولِ القرآن عليه في شهر رمضان.
وفي "المسند" (^١) عن واثلةَ بن الأسقعِ، عن النبي - ﷺ - أنَّه قال: "نَزَلَتْ صُحُفُ إبراهِيمَ في أوَّل ليلةٍ مِن شَهْرِ رَمَضَانَ، وأُنزِلَتْ التَّوراةُ لستٍّ مَضَيْنَ مِن رَمَضَان، وأُنزِلَ الإِنجيلُ لثلاثَ عشرةَ من رَمَضَانَ، وأُنزِلَ القرآن (^٢) لأربعٍ وعشرين خلَتْ مِن رمضانَ". وقد كان النبي - ﷺ - يطيل القراءة في قيام رمضانَ بالليل أكثرَ من غيره، وقد صلًى معه حُذَيْفَةُ ليلةً في رَمَضانَ، قال: فقرأ بالبقرة، ثم النِّساء، ثم آلِ عمران، لا يَمُرُّ بآيةِ تخويفٍ إلَّا وقف وسأل. قال: فما صلَّى الرَّكْعَتَيْن (^٣) حتى جاءه بلالٌ قآذنه بالصَّلاة. خرَّجه الإِمام أحمد (^٤)، وخرَّجه النسائي، وعنده: أنه ما صلَّى إلا أربعَ رَكعَاتٍ.
وكان عُمَرُ قد أمر أُبيَّ بن كعبٍ وتميمًا الدارِيَّ أن يَقوما بالنَّاس في شهر رمضانَ، فكان القارئُ يقرأُ بالمائتين في ركعةٍ، حتى كانوا يعتمدون على العِصِيِّ من طُول القيام، وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر. وفي روايةٍ: أنَّهم كانوا يربطون الحبال بين السَّواري، ثم يتعلَّقون بها. ورُوي أن عُمَرَ جَمَعَ ثلاثةَ قُرَّاء، فأمر أسْرَعَهُم قِراءةً أن يقرأَ بالنَّاس ثلاثين، وأوسطَهُم بخمسٍ وعشرين، وأبطأهم بعشرين. ثم كان في زمن التابعين يقرؤون بالبقَرة في قيامِ رمضان في ثمان ركعاتٍ، فإنْ قرأ بها في اثنتي عشرةَ ركعةً رأوْا أنَّه قد خَفَّفَ. قال ابنُ منصور: سُئلَ إسحاق (^٥) بن رَاهَوَيْه: كم يُقرأ في قيام شهر رمضانَ؟ فلم يرخِّصْ في دون عشر آياتٍ. فقيل له: إنهم لا يرضون. فقال لا رَضُوا، فلا تؤمَّهم (^٦) إذا لم يَرْضوا بعشر آيات من البقرة، ثم إذا صرْتَ إلى الآيات الخِفاف فبقدر عشر آياتٍ من البقرة، يعني في كُلِّ ركعةٍ. وكذلك كرِه مالكٌ أن يُقْرأَ دون عشر آياتٍ.
_________________
(١) مسند أحمد ٤/ ١٠٧.
(٢) في المسند: "الفرقان".
(٣) في آ: "ركعتين".
(٤) مسند أحمد ٥/ ٤٠٠، والنسائي ٢/ ٢٢٤ في التطبيق، باب رقم (٧٤).
(٥) في آ، ش، ع: "إسحاق، يعني ابن راهويه".
(٦) في ش، ع: "فلا تلزمهم"، وفي ط: "فلا تؤمنهم".
[ ٣١٦ ]
وسئل الإمام أحمد عمَّا روي عن عُمَرَ كما تقدَّمَ ذِكرُه في السَّريعِ القراءةِ والبطيء؟ فقال: في هذا مشقة على الناس ولا سيّما في هذه الليالي القصار. وإنَّما الأمر على ما يحتمله الناس. وقال أحمد لبعض أصحابه، وكان يصلِّي بهم في رمضان: هؤلاءِ قومٌ ضَعْفى (^١)، اِقْرَأْ خَمْسًا، ستًا، سبعًا. قال: فقرأت فختمْتُ ليلةَ سبعٍ وعشرين. وقد رُوي عن الحسن: أن الذي أمرَهُ عُمَرُ أن يُصلِّيَ بالناس كان يقرأ خمْسَ آيات، ستَّ آياتٍ. وكلامُ الإِمام أحمدَ يدلّ على أنه يُراعَى في القراءة حالُ المأمومين، فلا يشقُّ عليهم. وقاله أيضًا غيرُه من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفَةَ وغيرِهم. وقد رُوِي عن أبي ذَرٍّ "أن النبيَّ - ﷺ - قام بهم لَيْلَةَ ثلاثٍ وعشرين إلى ثُلُثِ الليل، وليلةَ خمسٍ وعشرين إلى نِصْفِ الليل. فقالوا له: لو نَفَّلْتَنا بقيَّة ليلتنا؟ فقال: "إنَّ الرجُلَ إذا صلَّى مَعَ الإِمام حتَّى ينصرِفَ كُتِبَ له بقيَّةُ ليلته". خرَّجَهُ أهلُ السُّنن (^٢)، وحسَّنَهُ الترمذِيّ.
وهذا يدلُّ على أن قيامَ ثُلُثِ الليلِ ونِصْفِه يُكتبُ به قيامُ ليلةٍ، لكن مع الإِمام.
وكان الإمام أحمدُ يأخذ بهذا الحديث ويُصلِّي مع الإِمام حتى ينصرِفَ، ولا ينصرِفُ حتى ينصرِفَ الإِمام. وقال بعضُ السَّلفِ: من قام نصفَ الليل فقد قام اللَّيلَ.
وفي سُنن أبي داود (^٣)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي - ﷺ -، قال:
_________________
(١) في آ، ع: "ضعفاء". وكلاهما صحيح. ويجمع ضعيف على ضعَفاء وضَعْفَى، وضِعاف، وضَعَفَة، وضَعَافَى.
(٢) من حديث طويل في "جامع الأصول" ٦/ ١٢٠، وقد أخرجه أبو داود رقم (١٣٧٥) في الصلاة: باب في قيام شهر رمضان؛ والترمذي رقم (٨٠٦) في الصوم: باب ما جاء في قيام شهر رمضان؛ والنسائي ٣/ ٨٣، ٨٤ في السهو: باب ثواب من صلَّى مع الإِمام حتى ينصرف، وفي قيام الليل: باب قيام شهر رمضان. إسناده صحيح، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ونص الحديث عند أبي ذرٍّ الغفاري ﵁، قال: صُمْنا مع رسول الله - ﷺ - رمضانَ، فلم يَقُمْ بنا حتى بقي سبعٌ من الشهر، فقام بنا حتى ذهَبَ ثلث. الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة، وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل. فقلنا له: يا رسولَ الله! نفَّلْتنا بقيَّة ليلتنا هذه. قال: "إنَّه مَنْ قامَ مَعَ الإِمام حتى ينصرفَ كُتِبَ له قيامُ ليلةٍ". ثم لم يقم بنا حتى بقي ثلاث ليال من الشهر، فصلَّى بنا في الثالثة، ودعا أهلَه ونساءَه، فقام بنا حتى تخوَّفْنا الفلاح. قلت: وما الفلاحُ؟ قال: السَّحور. ومعنى نَفَّلْتنا: زِدْتَنا، والنافلة: الصلاة الزائدة على الفريضة.
(٣) رقم (١٣٩٨) في الصلاة: باب تحزيب القرآن، وإسناده حسن. وانظر "صحيح الجامع الصغير وزياداته" ص ١٠٩٩.
[ ٣١٧ ]
"مَنْ قام بعَشْرِ آياتٍ لم يُكْتَبْ مِن الغافِلين، ومَنْ قام بمائةِ آيةٍ كُتِبَ من القانِتين، ومَن قام بألفِ آيةٍ كُتِبَ من المُقَنْطِرينَ". يعني أنه يُكتَبُ له قنطارٌ من الأجْر. ويُروى من حديث تميم وأنسٍ مرفوعًا: "مَن قرأ بمائةِ آيةٍ في ليلةٍ كُتِبَ له قيامُ ليلةٍ" (^١). وفي إسنادهما ضعفٌ. ورُوي حديث تميمٍ موقوفًا عليه، وهو أصحُّ.
وعن ابن مسعود، قال: "مَن قرأ في ليلةٍ خمسين آيةً لم يُكْتَبْ مِن الغافلين، ومن قرأ مائة (^٢) آيةٍ كُتِبَ من القانتين، ومَن قرأ ثلاثمائة آيةٍ كُتِبَ له قنْطَارٌ" (^٣).
ومَن أراد أن يزيدَ في القراءة ويُطيلَ، وكان يُصَلِّي لنفسه فليطوِّلْ ما شاء، كما قاله النبي - ﷺ -. وكذلك من صلَّى بجماعةٍ يرضَونَ بصلاتِهِ. وكان بعضُ السَّلف يختِمُ في قيام رمضان في كُلِّ ثلاث ليال، وبعضُهم في كُلِّ سبْعٍ؛ منهم قتادَةُ. وبعضُهم في كُلِّ عشر؛ منهم أبو رَجاءٍ العُطَارِدِيُّ (^٤). وكان السَّلَفُ يتلون القرآنَ في شهر رمضان في الصلاة وغيرِها؛ كان الأسْوَدُ يقرأ القرآنَ في كُلِّ ليلتين في رمضان، وكان النَّخعِيُّ يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصَّةً، وفي بقيَّةِ الشَّهْر في ثلاثٍ. وكان قتادة يختِمُ في كُلِّ سبْعٍ دائمًا، وفي رمضانَ في كُلِّ ثلاثٍ، وفي العشرِ الأواخِرِ كلَّ ليلةٍ. وكان للشافعي في رمضان ستون ختمةً يقرؤها في غير الصَّلاة. وعن أبي حنيفة نحوُه. وكان قتادَةُ يدرُسُ القرآنَ في شهر رمضان. وكان الزُّهْرِيُّ إذا دخل رمضانُ قال: فإنما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطعام.
قال ابنُ عبد الحَكم: كان مالِكٌ إذا دَخَلَ رمضانُ نفرَ (^٥) من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، وأقبَلَ على تلاوة القرآن من المصحف. وقال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري إذا دَخَلَ رمضانُ ترَكَ جميعَ العبادةِ وأقبَلَ على تلاوة (^٦) القرآن. وكانت
_________________
(١) رواه أحمد في "مسنده" ٤/ ١٠٣ بلفظ "له قنوت ليلة". وانظر الأحاديث الصحيحة رقم ٦٤٤، و"صحيح الجامع الصغير" ص ١١٠٣.
(٢) في ب، ط: "بمائة آية ".
(٣) أورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢/ ٢٦٨ وزاد في آخره: "ومن قرأ بسبعمائة أفلح". وقال: "رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات".
(٤) هو عمران بن مِلْحان، ويقال: ابن تميم، أبو رجاء العُطَاردي، مشهور بكنيته، وقيل غير ذلك في اسم أبيه. مخضرم، ثقة، مات سنة ١٠٥ هـ وله مائة وعشرون سنة. (التقريب ٢/ ٨٥).
(٥) في آ، ب، ط: "يفِرُّ"، وأثبت ما جاء في (ش، ع).
(٦) في ط: "قراءة".
[ ٣١٨ ]
عائشة ﵂ تقرأ في المصحف أوَّلَ النهار في شهرِ رمضانَ، فإذا طلعت الشمس نامَتْ (^١). وقال سفيان: كان زُبيدٌ الياميُّ (^٢) إذا حضر رمضانُ أحضرَ المصاحِفَ، وجمَعَ إليه أصحابَه. وإنما وَرَدَ النَّهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاثٍ على المداومة على ذلك. فأمَّا في الأوقات المفضَّلة، كشهر رمضان، خصوصًا الليالي التي يطلب فيها ليلةَ القَدْر، أو في الأماكن المفضلة، كمكَّة [شرَّفها الله] (^٣)، لمن دخلَها مِن غير أهلِها، فيُستحبُّ الإِكثار فيها من تلاوة القرآن، اغتنامًا للزمان والمكان. وهذا قولُ أحمدَ وإسحاقَ وغيرِهما من الأئمة، وعليه يدلّ عملُ غيرهم، كما سبق ذكره.
واعلم أنَّ المؤمن يجتمع له في شهر رمضانَ جهادان لنفسِهِ؛ جهادٌ بالنهار على الصِّيام، وجهادٌ بالليل على القيام. فمن جمَعَ بين هذين الجهادين، ووفَّى بحقوقهىا، وصبرَ عليهما، وُفِّي أجرُه بغير حساب. قال كعبٌ: ينادي يومَ القيامةِ منادٍ: إنَّ كُلَّ حارثٍ يُعطى بحرثه ويُزاد غَيْرَ أهل القرآنِ والصّيام (^٤)، يُعْطَون أجورَهم بغير حساب، ويشفعان له أيضًا عند الله ﷿، كما في "المسند" (^٥) عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ -، قال: "الصِّيامُ والقرآن (^٦) يَشْفَعَانِ للعَبْد يَوْمَ القيامة؛ يقولُ الصِّيامُ: أيْ ربِّ! مَنَعْتُه الطَّعامَ والشهوات (^٧) بالنَّهار. ويقول القرآنُ: مَنَعْتُهُ النَّومَ باللَّيل فَشَفِّعْني فيه، فَيُشَفَّعانِ". فالصيام يشفَعُ لمن منعه الطعام والشهواتِ المحرَّمَة كُلّها، سواءٌ كان تحريمها يختصُّ بالصِّيام، كشهوةِ الطعام، والشَّراب، والنِّكاح، ومقدماتها، أَوْ لا يختص به، كشهوة فضول الكلام المحرَّم، والنظر المحرَّم، والسَّماع المحرَّم،
_________________
(١) في ع: "قامت".
(٢) لفظة "اليامي" سقطت في آ، ش. وهو زُبَيد بن الحارث بن عبد الكريم اليامي، أبو عبد الرحمن الكوفي. ثقة ثبت، عابد، مات سنة ١٢٢ هـ، أو بعدها. (التقريب ١/ ٢٥٧).
(٣) زيادة من نسخة (آ).
(٤) في ع: "والصُّوَّام".
(٥) رواه أحمد في "المسند" ٢/ ١٧٤ وإسناده صحيح. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٨١ وقال: "رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال الطبراني رجال الصحيح".
(٦) في الأصول والمطبوع: "والقيام"، وقد صحح من المسند، وهو ما يقتضيه السياق.
(٧) في ش: "والشهوات بالنار"، وفي ع: "والشهوات المحرمة بالنار"، وفي آ: "منعته النوم بالليل والشهوات بالنهار"، وفي ب، ط: "والشراب بالنهار"، وصحح من المسند.
[ ٣١٩ ]
والكَسْب المحرَّم؛ فإذا منعه الصِّيامُ من هذه المحرَّمات كلِّها، فإنه يشفَعُ له عند الله يوم القيامة، ويقول: يا ربّ! منعتُه شهواتِه، فشفِّعْني فيه. فهذا لمن حفظ صِيامَه، ومنَعَه من شهواتِهِ.
فأمَّا مَن ضيَّع صِيامَهُ ولم يمنعْه ممَّا حرَّمه الله عليه، فإنَّه جديرٌ أن يُضربَ به وجهُ صاحبِه؛ ويقولُ له: ضيَّعكَ الله كما ضيعتني. كما ورد مثلُ ذلك في الصَّلاة. قال بعضُ السَّلف: إذا احتضر المؤمن، يقال للملَكِ: شُمَّ رأسَهُ. قال: أجِدُ في رأسه القرآن. فيقال: شُمَّ قلبَه. فيقول: أجِدُ في قلبه الصِّيام، فيقال: شُمَّ قدَمَيْهِ، فيقول: أجِدُ في قدمَيْه القيامَ. فيقال: حَفِظَ نفْسَه حفِظَه اللهُ ﷿.
وكذلك القرآن إنما يشفَعُ لمن منعه من النوم بالليل، فإن مَن قرأ القرآنَ وقام به، فقد قام بحقِّه فيشفَعُ له.
وقد ذكر النبي - ﷺ - رجلًا، فقال: "ذاك لا يتوسَّدُ القرآن" (^١). يعني لا ينام عليه فيصيرُ له كالوسادة.
وخرَّج الإِمام أحمد (^٢) من حديث بُرَيْدَةَ مرفوعًا: "إنَّ القرآن يَلْقَى صاحبَهُ يومَ القيامةِ حين ينشَقُّ عنه قبرُه، كالرَّجُل الشاحِبِ (^٣)، فيقول: هل تعرِفني؟ أنا صاحِبُكَ الذي أظمأْتُكَ في الهَواجِرِ، وأسهَرْتُ ليلَكَ، وكُلُّ تاجرٍ من وَرَاءِ تجارته؛ فيُعْطَى المُلْكَ بيمينه، والخُلْدَ بشِمالِهِ، ويوضَعُ على رأسه تاجُ الوَقَارِ، ثم يقال له: اقرأْ واصْعَدْ في دَرَجِ الجنَّة وغُرَفِها، فهو في صُعُودٍ ما دام يقرأُ؛ هذًّا (^٤) كان أو ترتيلًا". وفي حديث عُبَادَةَ بن الصَّامت الطويل: "إن القرآن يأتي صاحِبَه في القبر، فيقول له: أنا الذي كُنْتُ أُسْهِرُ ليلَكَ، وأُظْمِئ نهارَكَ، وأمنَعُكَ شهواتك (^٥)، وسَمْعَكَ وبَصَرَكَ؛ فستجدُني من الأخلَّاءِ خليلَ صِدْقٍ. ثم يَصْعَدُ فيَسألُ له فراشًا ودثارًا، فيؤمَرُ له بفراشٍ
_________________
(١) مسند أحمد ٣/ ٤٤٩.
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" ٥/ ٣٤٨ مطولًا، وانظر "كنز العمال" ١/ ٢٥٧٨.
(٣) الشاحب: المتغير اللون.
(٤) الهَذُّ: سَرْعَةُ القَطْع، وسُرْعَةُ القراءة.
(٥) في ب، ش، ط: "شهوتك".
[ ٣٢٠ ]
من الجنَّةِ، وقِنديل من الجنَّة، وياسمينٍ من الجنَّة. ثم يُدفَعُ القرآن في قِبْلَةِ القَبْرِ، فيوسع عليه ما شاء الله من ذلك".
قال ابن مسعودٍ: ينبغي لقارئ القرآن أن يُعرَفَ بليله إذا الناس ينامون (^١)، وبنهاره إذا الناس يُفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعِهِ إذا الناسُ يخلطون، وبصمْتِه إذا الناس يَخوضون، وبخُشوعِه إذا الناس يختالون، وبحُزْنه إذا الناسُ يَفرحُون.
قال محمد بن كعب (^٢): كنَّا نعرِفُ قارئ القرآن بضُفْرة (^٣) لونه. يشير إلى سهرِه وطولَ تهجُّدِه.
قال وُهَيْب بن الوَرْد (^٤): قِيل لرجلٍ: ألا تنامُ؟ قال: إنَّ عجائبَ القرآن أَطَرْنَ نومي. وصحِبَ رجلٌ رجلًا شهرين، فلم يَرَهُ نائمًا، فقال: ما لي لا أراك نائمًا؟ قال: إنَّ عجائبَ القرآنِ أطرْنَ نومِي؛ ما أخرُجُ مِن أعجُوبةٍ إلَّا وقعْتُ في أُخرى.
قال أحمدُ بنُ أبي الحَوَارى: إنِّي لأقرأ القرآنَ وأنظُرُ في آيةٍ آيةٍ، فيحير (^٥) عقلي بها، وأَعجَبُ مِن حُفَّاظِ القرآن كيفَ يُهنيهم النومُ، ويسَعُهُم أن يشتغِلوا بشيءٍ من الدنيا، وهم يتلون كلامَ الله؟ أَمَا إنَّهم لو فهِموا ما يتلون وعرفوا حقَّه، وتلذَّذوا به، واستَحْلُوا المناجاة به، لذَهَبَ عنهم النومُ فرحًا بما قد رُزقوا. وأنشد ذو النون [المصري] (^٦):
منع القرانُ بوعدِهِ ووعيدِهِ … مُقَلَ العُيُونِ بليلِها لا تهجعُ
فَهِمُوا عن الملِكِ العظيم كلامَه … فهمًا تذِلُّ له الرقابُ وتَخْضَعُ
_________________
(١) في ب، ط: "نائمون".
(٢) هو محمد بن كعب القُرَظي، أبو حمزة، المدني، نزل الكوفة مدة، ثقة، عالم. مات نحو سنة ١٢٠ هـ. ومن أقواله: "من قرأ القرآن مُتِّع بعقله وإن بلغ مائتي سنة". (صفة الصفوة ٢/ ١٣٢، سير أعلام النبلاء ٥/ ٦٥).
(٣) في آ، ش، ع: "بصفرة اللون".
(٤) وُهَيْب بن الورد، أبو أميَّة، وقيل: أبو عثمان المكي، العابد الرَّبَّاني، زاهد، ثقة. قيل لوهيب: أيَجدُ طعمَ العبادة من يعصي الله؟ قال: لا، ولا من يهمّ بالمعصية. مات وهيب سنة ١٥٣ هـ. (صفة الصفوة ٢/ ٢١٨ - ٢٢٧).
(٥) في آ: "فيحار".
(٦) تكملة من ب، ط.
[ ٣٢١ ]
فأمَّا من كان معَهُ القرآن فنام عنه بالليل ولم يَعْمَلْ به بالنهار، فإنَّه ينتصبُ القرآنُ خَصْمًا له، يطالبُه بحُقوقِه التي ضيَّعها. وخرَّج الإِمام أحمد (^١) من حديث سَمُرَةَ: أن النبيَّ - ﷺ - رأى في مَنَامِه رجلًا مستلقيًا على قَفَاهُ، ورجلٌ قائِمٌ بيدِه فِهْرٌ (^٢) أو صَخْرةٌ، فيشْدَخُ بهِ رأسَه، فيتَدَهْدَهُ (^٣) الحَجَرُ، فإذا ذَهَبَ ليأخُذَهُ عادَ رأسُهُ كما كان، فيَصْنَعُ به مثلَ ذلك، فسألَ عنه، فقيل له: هذا رَجُلٌ آتاهُ الله القرآن فنامَ عنه باللَّيل، ولم يَعْمَلْ به بالنهارِ، فهو يَفْعَلُ به ذلك إلى يوم القيامة".
وقد خرَّجَهُ البخاري (^٤) بغير هذا اللفظ.
وفي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النَّبيِّ - ﷺ -: "يُمثِّلُ القرآنُ يومَ القيامة رجُلًا، فيُؤتَى بالرجُلِ قد حَمَلَهُ فخالَفَ أمرَهُ، فيتمثَّلُ له خَصْمًا، فيقول: يا ربّ! حَمَّلْتَهُ إيايَ؛ فبئسَ حاملٌ تعدَّى حُدودي، وضيَّع فرائضي، وركِبَ مَعْصِيَتي، وتَرَكَ طاعتي. فما يَزالُ يقذِفُ عليه بالحُجَجِ حتى يُقالَ: شأنُكَ به، فيأخُذُ بيدِهِ، فما يُرْسِلُهُ حتَّى يَكُبَّهُ على مَنْخِرِه في النار.
ويُؤتى بالرَّجل الصَّالح كان قد حملَهُ وحفِظَ أمرَهُ، فيتمثَّلُ (^٥) خَصْمًا دونهُ، فيقول: يا ربّ! حَملْتَهُ إيَّايَ، فخيرُ حاملٍ؛ حفِظَ حُدودِي، وعَمِلَ بفرائضي، واجْتنَبَ معصيتي، واتَّبَعَ طاعتِي، فلا يَزالُ يَقذِفُ له بالحُجَج حتَّى يقالَ: شأنَكَ به، فيأخُذُ بيدِه، فما يُرسِلُهُ حتَّى يُلبِسَهُ حُلَّة الاسْتبرقِ، وَيَعْقِدَ عليه تاجَ المُلْكِ، ويسقِيَهُ كأسَ الخَمْرِ" (^٦).
يا مَنْ ضيَّع عُمُرَهُ في غير الطاعة! يا مَن فَرَّط في شَهْرِه، بَلْ في دهرِه وأضَاعَه! يا مَن بضاعتُه التسويفُ والتفريط، وبئست البضاعَة! يا مَن جَعَلَ خَصْمَهُ القرآنَ وشَهْرَ رمضانَ، كيفَ ترجو مِمَّن جَعَلْتَه خَصْمَكَ الشَّفَاعَة؟!
_________________
(١) من حديث طويل أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" ٥/ ١٤.
(٢) الفِهْرُ: الحجر ملءُ الكفِّ. وقيل: الحجر مطلقًا. (النهاية ٣/ ٤٨١).
(٣) يتدهدَهُ الحجر، ويتدهْدَى: يتدحرج. (النهاية ٢/ ١٤٣).
(٤) البخاري ٣/ ٢٥١ في الجنائز: باب (٩٣) رقم (١٣٨٦).
(٥) في آ، ش، ع: "فيمثل".
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" ١٠/ ٤٩١، وأبو نعيم في "الحلية" ٢/ ٢٢٠ من طريق ابن أبي شيبة، والهندي في "الكنز" ١/ ٥٤٦.
[ ٣٢٢ ]
ويلٌ لمن شفعاؤه خُصماؤهُ … والصُّورُ في يومِ القيامةِ يُنْفَخُ
رُبَّ صائمٍ حظُّه مِن صيامه الجوعُ والعطَشُ، وقائمٍ حظُّه مِن قيامِهِ السَّهَرُ. كُلُّ قيامٍ لا ينهَى عن الفحشاءِ والمنكر لا يزيدُ صاحبَه إلا بُعْدًا، وكُلُّ صِيامٍ لا يُصانُ عن قَوْلِ الزُّورِ والعَمَلِ به لا يورِثُ صاحبَه إلَّا مَقْتًا وَرَدًّا.
يا قوم! أين آثارُ الصيام؟ أينَ أنوارُ القِيام؟
إنْ كنْتَ تَنُوحُ يا حَمامَ البانِ … للبِين فأينَ شاهِدُ الأحزانِ
أجفانُكَ للدُّموعِ أمْ أجفاني … لا يُقبَلُ مُدَّعٍ بلا بُرهانِ
هذا - عبادَ الله - شهْرُ رمضانَ الذي أنزِلَ فيه القرآنُ وفي بقيته للعابدين مستمتع. وهذا كتابُ الله يُتلَى فيه بين أظهركم ويُسْمَع. وهو القرآن الذي لو أُنزل على جبلٍ لرأيتَه خاشعًا يتصدَّعْ. ومع هذا فلا قلبٌ يخشَعْ، ولا عَيْنٌ تدمَعْ، ولا صِيامٌ يُصانُ عن الحرام فينفَعْ (^١)! ولا قيامٌ استقام فيُرجى في صاحبه أن يشفَعْ! قلوبٌ خلَتْ من التَّقْوَى فهيَ خرابٌ بلقَعْ، وتراكَمَتْ عليها ظلمةُ الذُّنوب فهي لا تُبصِرُ ولا تسْمَعْ. كم تُتلَى علينا آياتُ القرآن وقلوبُنا كالحجارة أو أشدُّ قَسْوةً. وكم يتوالى علينا شَهْرُ رمضانَ وحالُنا فيه كحالِ أهلِ الشِّقوة: لا الشَّابُ منَّا ينتهي عن الصَّبْوةِ، ولا الشَّيخُ ينزجِرُ عن القبيح فيلتحق (^٢) بالصفوة. أين نحن من قومٍ إذا سمِعُوا داعيَ اللهِ أجابُوا الدَّعْوَه، وإذا تُلِيَتْ عليهم آياتُ اللهِ جَلَتْ قلوبَهم جلْوَه، وإذا صامُوا صامَتْ منهم الألسنَةُ والأسماعُ والأبصار؟ أفما لنا فيهم أسوَه؟! كم بيننا وبين حال أهل الصَّفا أبعد مما بيننا وبين الصَّفا والمَرْوَه. كما حسُنَتْ منَّا الأقوال ساءت الأعمالُ. فلا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العلي العظيم [وحسبنا الله] (^٣).
يا نفسُ فازَ الصالحُون بالتُّقَى … وأبصَرُوا الحقَّ وقلبي قد عمِي
يا حُسْنَهم واللَّيلُ قد جنَّهُم … ونورُهم يفوقُ نورَ الأنجُمِ
_________________
(١) في آ: "فيشفع".
(٢) في آ: "ليلحق"، وفي ع: "فيلحق".
(٣) زيادة من ب، ط.
[ ٣٢٣ ]
ترنَّموا بالذِّكْر في ليلِهم … فعيشُهم قد طابَ بالتَّرنُّم
قلوبُهم للذِّكْر قد تفرَّغَتْ … دموعُهُمْ كلؤلؤٍ منتظمِ (^١)
أسحارهُم بهم لهم قد أشرقَتْ … وخِلَعُ الغُفْرانِ خَيرُ القِسَمِ
وَيْحَكِ يا نَفْسُ ألا تَيَقُّظ … ينفعُ قبل أن تزِلَّ قدمِي
مضى الزَّمانُ في توانٍ وهَوًى … فاسْتَدْرِكي ما قَدْ بَقِي واغْتَنِمِي
* * *