في الصحيحين (^١) عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن صَوْمِ يوم عاشوراء، فقال: "ما رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - صامَ يومًا يتحرَّى فَضْلَه على الأيام إلَّا هذا اليوم، يعني يوم عاشوراء؛ وهذا الشهر، يعني رمضان". يوم عاشوراء له فضيلةٌ عظيمة وحرمةٌ قديمةٌ، وصومُهُ لفضلِهِ كان معروفًا بين الأنبياء ﵈، وقد صامَه نوحٌ وموسى ﵉، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وروى إبراهيمُ الهَجَرِيُّ (^٢)، عن أبي عِياضٍ (^٣)، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ -، قال: "يومُ عاشوراءَ كانت تصومُهُ الأنبياءُ فصُومُوه أنتُم". خرَّجَه بَقِيُّ بن مَخْلَدٍ (^٤) في "مسنده". وقد كان أهلُ الكتاب يَصُومُونه، وكذلك قريش في الجاهلية كانت تصومُه. قال دَلْهَمُ بنُ صالح (^٥): قلْتُ لَعكْرِمَةَ: عاشوراء ما أمرُه؟ قال: أذنبَتْ قريشٌ في الجاهلية ذنبًا فتعاظَمَ في صُدُورِهم، فسألوا ما تَوبتُهم، قيل: صَوْمُ عاشوراء، يوم العاشر من المحرم. وكان للنبي - ﷺ - في صيامه أربعُ حالات:
الحالة الأولى: أنه كان يصومُه بمكة ولا يأمر الناسَ بالصوم. ففي الصحيحين عن عائشةَ ﵂، قالت: "كان عاشُوراءُ يومًا تصومُه قريشٌ في الجاهليَّة، وكان النبيُّ - ﷺ - يصومُه، فلمَّا قدِمَ المدينةَ صَامَهُ وأمَرَ بصيامِهِ، فلما نزلتْ فريضةُ شهرِ
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٢٠٠٦) في الصوم، باب صيام يوم عاشوراه؛ ومسلم رقم (١١٣٢) في الصيام، باب صوم يوم عاشوراء؛ والنسائي ٤/ ٢٠٤ في الصوم، باب صوم النبي - ﷺ -.
(٢) هو إبراهيم بن مسلم العَبْدي، أبو إسحاق الهَجَري، ليِّن الحديث، ليس بالقويّ، رفع الموقوفات. قال ابن عدي: وأحاديثه عامّتها مستقيمة المتن، وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبي الأحوص، عبد عبد الله؛ وهو عندي ممن يُكتب حديثه. (تهذيب الكمال ٢/ ٢٠٣).
(٣) هو عمرو بن الأسود العَنسي، ويكنى أبا عياض، حمصي، سكن داريّا، مخضرم، ثقة، عابد، من كبار التابعين، مات في خلافة معاوية. (تقريب التهذيب ٢/ ٦٥).
(٤) بقِي بن مَخْلَد بن يزيد، أبو عبد الرحمن الأندلسي القرطبي، صاحب "التفسير" و"المسند" اللذين لا نظير لهما. كان إمامًا مجتهدًا، انتشرت كتبه وتداولها القراء والدارسون في أيام حياته. وكان بقيّ أوَّل من كثر الحديث بالأندلس ونشره. مات سنة ٢٧٦ هـ. (معجم الأدباء ٧/ ٧٥، تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٢٩، سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٨٥).
(٥) دَلْهَم بن صالح الكندي الكوفي، يروي عن عكرمة بن عبد الله، مولى ابن عباس. ضعفه ابن حجر في التقريب.
[ ١٠٢ ]
رمضانَ كان رمضانُ هو الذي يصومُه، فتَرك يومَ عاشوراءَ، فَمَن شاءَ صامهُ، ومَن شاء أفطرَهُ" (^١). وفي رواية للبخاري (^٢): وقال رسول الله - ﷺ -: "مَنْ شَاءَ فليصم (^٣)، ومن شاء أفطرَ".
الحالة الثانية: أن النبيَّ - ﷺ - لمَّا قدِمَ المدينةَ ورأى صيامَ أهلِ الكتاب لهُ وتعظيمَهم لهُ، وكان يحبُّ موافقَتَهم فيما لم يؤمَرْ به، صامَة، وأمَرَ النَّاسَ بصيَامه، وأكَّدَ الأمْرَ بصيامه، والحثَّ عليه، حتَّى كانوا يُصَوِّمُونَه أطفالهُم.
ففي الصحيحين عن ابن عباس، قال: "قدِمَ رسولُ الله - ﷺ - المدينةَ فوجَدَ اليهودَ صُيَّامًا يومَ عاشوراءَ، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: ما هذا اليومُ الذي تصُومُونه؟ قالوا: هذا يومٌ عظيم أنجى (^٤) الله فيه موسى وقومَه، وأغرَق فرعونَ وقومَه، فصَامَهُ مُوسى شُكرًا، فنحنُ نصُومُهُ. فقال رسولُ الله - ﷺ -: فنحنُ أحقُّ وأولى بموسى منكم، فصَامَهُ رسولُ الله - ﷺ -، وأمَرَ بصيامه (^٥).
وفي مسند الإمام أحمد، عن أبي هريرة ﵁، قال: مرَّ النبيُّ - ﷺ - بأناسٍ من اليهود قد صاموا يوم (^٦) عاشوراء، فقال: ما هذا من الصَّوم؟ قالوا: هذا اليومُ الذي نجَّى الله ﷿ فيه (^٧) موسى ﵇ وبني إسرائيلَ من الغَرَقِ، وغَرَّق (^٨) فيه فرعون. وهذا يومٌ استوت فيه السفينة على الجُودِي (^٩)، فصامَ نوحٌ وموسى
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٢٠٠٢) في الصوم، باب صوم يومٍ عاشوراء، وباب وجوب الصوم، وفي الحج، باب قول الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾، وفي فضائل أصحاب النبي - ﷺ -، باب أيام الجاهلية، وفي تفسير سورة البقرة، باب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، ومسلم رقم (١١٢٥) في الصيام، باب صوم عاشوراء.
(٢) هي في فتح الباري ٤/ ٢٤٤ رقم (٢٠٠٣): "فمن شاء فلْيَصُمْ، ومن شاء فليفطر".
(٣) في ب، ط: "فليصمه".
(٤) في ش: "نجَّى".
(٥) رواه البخاري رقم (٢٠٠٤) في الصوم، باب صيام يوم عاشوراء، وفي الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾، وفي فضائل أصحاب النبي - ﷺ -، باب إتيان اليهود النبي - ﷺ - حين قدم المدينة، وفي تفسير سورة يونس، وفي تفسير سورة طه. ورواه مسلم رقم (١١٣٠) في الصيام، باب صوم يوم عاشوراء.
(٦) لفظة "يوم" وردت في نسخة آ فقط.
(٧) لفظة "فيه" لم ترد في ب، ط.
(٨) في ش: "وإغرق".
(٩) الجُودِي: جبل مطِلٌّ على جزيرة ابن عمر في الجانب الشرقي من دجلة من أعمال الموصل، عليه استوت سفينة نوح ﵇. (ياقوت).
[ ١٠٣ ]
﵉ شكرًا لله ﷿. فقال النبيُّ - ﷺ -: أنا (^١) أحقُّ بموسى وأحقُّ بصوم هذا اليوم، فأمَرَ أصحابَهُ بالصَّوم (^٢). وفي الصحيحين عن سَلَمة بن الأَكْوَعِ (^٣) ﵁: "أن النبيَّ - ﷺ - أَمَرَ رجلًا مِن أَسْلَمَ: أنْ أذِّنْ في النَّاسِ: مَنْ أَكَلَ فليَصُمْ بَقيَّةَ يومِهِ، ومَنْ لَمْ يَكنْ أكَلَ فلْيَصُمْ؛ فإنَّ اليومَ يومُ عاشوراءَ" (^٤).
وفيهما (^٥) أيضًا عن الرُّبَيِّعِ (^٦) بِنْتِ مُعَوِّذ، قالت: "أرسلَ رسولُ الله - ﷺ - غَداةَ عاشوراءَ إلى قُرَى الأَنْصَار التي حولَ المدينةِ: مَنْ كان أصبَحَ صائمًا فليُتِمَّ صَوْمَهُ، ومَنْ كانَ أصبَحَ مفطِرًا فليُتِمَّ بقيَّةَ يومِهِ. فكُنَّا بعدَ ذلك نصومُهُ، ونُصَوِّم صِبيانَنا الصغارَ منهم، ونَذْهَبُ إلي المسجد فنجعَلُ لهم اللُّعْبةَ مِنَ العِهْنِ (^٧)، فإذا بكى أحدُهُم على الطَّعامِ أَعْطَيْناهُ إيَّاها حتَّى يكونَ عند الإِفطار". وفي رواية (^٨): "فإذا سألونا (^٩) الطَّعامَ أعطيناهم اللعبةَ تُلْهِيهِم، حتى يُتِمُّوا صَوْمَهُم. وفي الباب أحاديثُ كثيرة جدًّا.
وخرَّجَ الطبرانيُّ بإسنادٍ فيه جَهَالة، أن النبيَّ - ﷺ - كان يدعو يومَ عاشوراءَ برُضَعَائِهِ ورُضَعَاءِ ابنتِهِ فاطمةَ فَيَتْفُلُ في أفواهِهِم، ويقولُ لأمَّهاتِهم: لا تُرْضِعوهُم إلى الليل، وكان ريقُهُ - ﷺ - يجزئهم. وقد اختلفَ العلماءُ ﵃، هل كان صومُ يومِ عاشوراءَ قبلَ فرضِ شهرِ رمضانَ واجبًا أم كان سنةً متأكدَةً (^١٠)؟ على قولين مشهورين؛ ومذهبُ أبي حنيفةَ أنَّه كان واجبًا حينئذ، وهو ظاهرُ كلام الإمام أحمد وأبي بكر
_________________
(١) في آ: "أنا أحق بصوم هذا اليوم".
(٢) رواه أحمد في "المسند" ٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠.
(٣) هو سلمة بن عمرو بن سنان الأكْوَع الأسلمي، صحابي، قيل: شهد مؤتة، وهو من أهل بيعة الرضوان. غزا مع النبي - ﷺ - سبع غزوات، وكان شجاعًا بطلًا راميًا عدَّاءً، وهو ممن غزا إفريقية في أيام عثمان، له ٧٧ حديثًا، توفي في المدينة سنة ٧٤ هـ، ﵁.
(٤) رواه البخاري رقم (٢٠٠٧) في الصوم، باب صيام يوم عاشوراء، وباب إذا نوى بالنهار صومًا؛ وفي خبر الواحد، باب ما كان يبعث النبي - ﷺ - من الأمراء والرسل واحدًا بعد واحد. ورواه مسلم رقم (١١٣٥) في الصيام، باب مَن أكل في عاشوراء فليكفّ بقية يومه.
(٥) صحيح البخاري رقم (١٩٦٠) في الصوم، باب صوم الصبيان؛ وصحيح مسلم رقم (١١٣٦) في الصيام، باب من أكل في عاشوراء فليكفّ بقية يومه.
(٦) هي الرُّبَيع بنت معَوِّذ بن عفراء الأنصارية، من بني النجار. لها صحبة ورواية، وقد زارها النبي - ﷺ - صبيحة عرسها صلة لرحمها. وأبوها من كبار البدريين، قتل أبا جهل. عمِّرت دهرًا، وروت أحاديث. توفيت في خلافة عبد الملك سنة بضع وسبعين، ﵂.
(٧) العهْن: الصوف.
(٨) هي عند مسلم رقم (١١٣٦) في الصيام: باب صوم يوم عاشوراء.
(٩) في آ: "سألوا".
(١٠) في ع: "مؤكدة".
[ ١٠٤ ]
الأثْرَم (^١). وقال الشافعي ﵀: بلْ كانَ متأكّدَ الاستحبابِ فقَطْ، وهو قولُ كثير من أصَحابنَا وغيرِهم.
الحالة الثالثة: أنه لما فُرِضَ صيامُ شهرِ رمضانَ ترك النبي - ﷺ - أَمْرَ أصحابِه (^٢) بصيام يوم عاشوراءَ وتأكيده فيه، وقد سَبَقَ حديث عائشةَ في ذلك. وفي "الصحيَحين" (^٣) عن ابن عمر ﵄، قال: "صامَ النَّبيُّ - ﷺ - عاشوراءَ وأمَرَ بصيامِهِ، فلمّا فُرِضَ رمضانُ تركَ ذلك". وكان عبد الله لا يصومُه إلَّا أن يوافق صومَه. وفي روايةٍ لمسلم (^٤): أن أهلَ الجاهلية كانوا يَصُومُونَ يومَ عاشوراءَ، وأن رسولَ الله - ﷺ - صامَهُ، والمسلمون، قبلَ أن يُفْرَضَ (^٥) رمضانُ، فلمّا فُرِضَ افتُرِض (^٦) رمضانُ، قال رسول الله - ﷺ -: "إن عاشُوراءَ يومٌ من أيَّامِ الله؛ فمَنْ شَاءَ صَامَهُ، ومَنْ شَاءَ تَرَكَهُ". وفي رواية (^٧) له أيضًا: "فَمَنْ أحَبَّ منكم أن يَصُومَهُ فليصُمْهُ، ومَنْ كَرِهَ فَلْيَدَعْهُ".
وفي "الصحيحين" (^٨) أيضًا عن معاوية، قال: سمعْتُ رسولَ الله - ﷺ - يقولُ: "هذا يومُ عاشوراءَ، ولم يَكْتُب الله عليكم صيامَهُ، وأنا صائمٌ؛ فَمَنْ شاءَ فَلْيَصُمْ، ومَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ". وفي رواية لمسَلم (^٩) التَّصريحُ برفع آخرِه. وفي رواية للنسائي (^١٠) أن آخره مُدْرَجٌ (^١١) من قول مُعَاوِيَةَ، وليس بمرفوعٍ.
_________________
(١) هو أحمد بن محمد بن هانئ، الإسكافي الأثرم الطائي، أحد الأعلام، تلميذ الإمام أحمد، ومصنِّف "السنن". مات نحو سنة ٢٦١ هـ.
(٢) في ب، ط: "الصحابة".
(٣) رواه البخاري رقم (١٨٩٢) في الصوم: باب وجوب صوم رمضان، ومسلم رقم (١١٢٦)، وأبو داود رقم (٢٤٤٣)، وانظر "الفتح الباري" ٤/ ٢٤٦.
(٤) صحيح مسلم رقم (١١٢٦).
(٥) في صحيح مسلم "يفترض".
(٦) في ب، ط: "فرض".
(٧) صحيح مسلم رقم (١١٢٦).
(٨) أخرجه البخاري ٤/ ٢٤٤ رقم (٢٠٠٣) في الصوم، واللفظ له؛ ومسلم رقم (١١٢٩).
(٩) مسلم رقم (١١٢٩).
(١٠) أخرجه النسائي ٤/ ٢٠٤ في الصيام: باب صوم النبي - ﷺ -.
(١١) الحديث المُدْرَج: هو الهديث الذي اطلع في متنه أو إسناده على زيادة ليست منه، وهو على أقسام: أحدها: مدرج في حديث النبي - ﷺ -، بأن يذكر الراوي عقيبه كلامًا لنفسه أو لغيره، فيرويه مَنْ بعده متصلا بالحديث من غير فصل، فيُتوهم أنه من الحديث. الثاني: أن يكون عنده متنان بإسنادين، فيرويهما بأحدهما. الثالث: أن يسمع حديثًا من جماعة مختلفين في إسناده أو متنه، فيرويه عنهم باتفاق، ولا يبين ما اختُلِف فيه. قالوا: تعمدُ كل واحد من الثلاثة حرام، وصاحبه ممن يحرِّف الكلِم عن مواضعه، وهو ملحق بالكذابين. نعم، ما أدرج لتفسير غريب لا يمنع، ولذلك فعله الزُّهري وغير واحد من الأئمة. (انظر الباعث الحثيث ٨٠، علوم الحديث لابن الصلاح ٨٦ - ٨٩، قواعد التحديث للقاسمي ١٢٤).
[ ١٠٥ ]
وفي صحيح مسلم (^١)، عن ابن مسعودٍ، أنه قال في يوم عاشوراءَ: "هو يومٌ كان رسولُ الله - ﷺ - يصُومُه قبل أن ينزِلَ رمضانُ، فلمَّا نَزَلَ شهرُ رمضانَ تُرِكَ". وفي رواية "أنه تَرَكه" (^٢). وفيه أيضًا (^٣) عن جابر بن سَمُرَةَ، قال: كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا بصيام يومِ عاشوراء، ويحثُّنا عليه، ويتعاهَدُنا (^٤) عندَه، فلمَّا فُرِضَ رمضانُ لم يأمُرْنا ولم يَنْهَنا عنه، ولم يَتَعَاهَدْنا عنده.
وخرَّج الإمامُ أحمد (^٥)، والنسائي، وابنُ ماجه، من حديث قيسِ بن سَعدٍ قال: "أمرَنا رسولُ الله - ﷺ - بصيام عاشوراءَ قبلَ أن ينزِلَ رمضانُ، فلمَّا نَزَلَ رمضانُ لم يأمرْنا ولم ينْهَنا". وفي رواية (^٦): ونحن نَفعلُه. فهذه الأحاديث كلها تدُلُّ على أن النبي - ﷺ - لم يُجدِّدْ أمرَ الناسِ بصيامِه بعدَ فرضِ صيام شهرِ رمضانَ، بل تركَهم على ما كانوا عليه من غير نَهْي عن صيامِه، فإن كان أمَرُه - ﷺ - بصيامِه قبلَ فرضِ صيام شهرِ رمضانَ للوجوبِ، فإنَّه يَنْبَني على أن الوُجوبَ إذا نُسِخَ فهلْ يبقَى الاستحبابُ أَم لا، وفيه اختلافٌ مشهورٌ بين العلماءِ. وإن كان أمرُه للاستحباب المؤكِّدِ فقد قيلَ: إنَّه زالَ التَّأكيدُ وبقي أصلُ الاستحباب، ولهذا قال قيسُ بن سَعدٍ: ونحنُ نفعَلُه.
وقد رُوي (^٧) عن ابن مسعود وابن عُمَرَ ﵄ مَا يَدُلُّ على أن أصلَ استحباب صيامه زالَ. وقال سعيدُ بن المسيّب: لم يَصُمْ رسولُ الله - ﷺ - عاشوراءَ؛ وروي عنه عن سعد (^٨) بن أبي وقَّاص. والمرسلُ أصحُّ؛ قاله الدَّارَقطني. وأكثرُ العلماء على استحبابِ صيامِه من غير تأكيدٍ.
_________________
(١) صحيح مسلم رقم (١١٢٧) في الصيام، باب صوم يوم عاشوراء. وقال أبو كُرَيب: تَرَكَهُ.
(٢) في ش، ع: "أنه تركه له".
(٣) صحيح مسلم رقم (١١٢٨).
(٤) يتعاهدنا عنده: أي يراعي حالنا عند عاشر المحرم، هل صمنا فيه أم لم نصم.
(٥) رواه الإمام أحمد في "المسند" ٣/ ٤٢٢ و٦/ ٦، والنسائي رقم (٢٥٠٦) في الزكاة، باب فرض صدقة الفطر قبل نزول الزكاة، وإسناده حسن.
(٦) هي في مسند أحمد ٣/ ٤٢٢ وفي سنن النسائي: "وكنا نفعله".
(٧) أخرج مسلم في "صحيحه" رقم (١١٢٦) عن عبد الله بن عمر ﵄: أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول الله - ﷺ - صامه، والمسلمون، قبل أن يفترض رمضان. فلما افتُرض رمضان، قال رسول الله - ﷺ -: "إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه ومن شاء تركه".
(٨) في آ: "سعيد" خطأ.
[ ١٠٦ ]
وممن رُوي عنه صيامُه من الصَّحابةِ عمرُ، وعلي، وعبدُ الرحمن بن عوف، وأبو موسى، وقيسُ بن سَعْدٍ، وابنُ عباس وغيرُهم. ويدُلُّ على بقاءِ استحبابِه قولُ ابن عباس (^١) ﵄: "لم أرَ رسول الله - ﷺ - يَصُومُ يومًا (^٢) يتحرَّى فَضْلَه. على الأيام إلا يومَ عاشوراءَ وشهرَ رمضانَ". وابنُ عباس إنما صحِبَ النبيَّ - ﷺ - بآخرة، وإنما عَقَلَ منه - ﷺ - ما كان من آخر أمرِه.
وفي صحيح مسلم (^٣)، عن أبي قَتَادَة: أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - عن صيام عاشوراء، فقال: "أحتسِبُ على اللهِ أن يُكفِّر السنةَ التي قبلَه". وإنَّما سألَه عن التَّطوُّعِ بصيامِه، فإنه سأله أيضًا عن صيام يوم عَرَفَةَ، وصيام الدَّهرِ، وصيامِ يومٍ وفطرِ يومٍ، وصيامِ يومٍ وفطر يومين. فعُلمَ أنَّه إنَّما سأله عن صَيام التطوُّعِ.
وخرَّج الإمامُ أحمد، والنسائي (^٤) من حديث حَفْصَةَ بنتِ عُمَرَ أمِّ المؤمنين ﵂: أن النبي - ﷺ - لم يكن يدَعُ صيامَ يوم عاشوراء والعشرِ، وثلاثةِ أيَّامٍ من كل شَهْرٍ. وخرَّجُه أبو داود (^٥) إلَّا أن عنده: "عن بعضِ أزواج النبي - ﷺ -، غير مُسَمَّاةٍ.
الحالة الرابعة: أن النبي - ﷺ - عَزَمَ في آخِرِ عُمره على إلا يَصُومَه مفردًا، بل يَضُمُّ إليه يومًا آخرَ مخالفَةً لأهل الكتابِ في صيامِه. ففي صحيح مسلم (^٦)، عن ابن
_________________
(١) رواه مسلم رقم (١١٣٢) في الصيام، باب صوم يوم عاشوراء، عن ابن عباس ﵄، وسئل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: ما علمت أن رسول الله - ﷺ - صام يومًا، يطلب فضله على الأيام، إلا هذا اليوم؛ ولا شهرًا إلا هذا الشهر؛ يعني رمضان.
(٢) في آ: "يصوم صومًا".
(٣) أخرجه مسلم رقم (١١٦٢) في الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصوم يوم عرفة وعاشوراء والاثنين والخميس. ورواه الترمذي رقم (٧٥٢) في الصوم، باب ما جاء في الحث على صوم يوم عاشوراء، وإسناده حسن.
(٤) مسند الإمام أحمد ٦/ ٢٨٧، والنسائي ٤/ ٢٢٠، وفي سنده أبو إسحاق الأشجعي الكوفي، وهو مجهول. ولفظه عند النسائي: "أربع لم يكن يدعهن النبي - ﷺ -: صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، وركعتين قبل الغداة".
(٥) رواه أبو داود رقم (٢٤٣٧) في الصوم، باب في صوم العشر، حدث به هُنَيْدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي - ﷺ -. واختلف على هنيدة بن خالد في إسناده، فروي عنه كما ذكره أبو داود. وروي عنه عن حفصة زوج النبي - ﷺ -. وروى عنه عن أمه عن أم سلمة زوج النبي - ﷺ - مختصرًا. (قاله المنذري).
(٦) مسلم (١١٣٤) (١٣٣) في الصيام، باب أي يوم يصام في عاشوراء. وأبو داود رقم (٢٤٤٥) في الصوم، باب ما روي أن عاشوراء اليوم التاسع.
[ ١٠٧ ]
عباس ﵄ أنه قال: حين صامَ رسولُ الله - ﷺ - عاشوراءَ وأمَرَ بصيامِه، قالوا: يا رسولَ الله! إنه يومٌ تُعظِّمُهُ اليهودُ والنَّصارَى. فقالَ رسولُ الله - ﷺ -: "فإذا كان العامُ المقبِلُ - إن شاء الله - صُمْنا اليومَ التاسعَ". قال: فلم يأتِ العامُ المقبِلُ حتى توفي رسولُ الله - ﷺ -. وفي رواية له أيضًا (^١)، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لئن بَقِيتُ إلى قابِل لأصُومَنَّ التَّاسِعَ". يعني عاشوراءَ. وخرَّجَه الطبراني (^٢)، ولفظه: إنْ عِشْتُ - إن شاء الله (^٣) - إلى قابِل صُمْتُ التَّاسِعَ، مخافَةَ أن يفوتني عاشوراءُ.
وفي مسند الإمام أحمد (^٤)، عن ابن عباس ﵄، عن النبي - ﷺ -، قال: "صُومُوا يومَ عاشوراء، وخالِفُوا اليهودَ، صُومُوا قَبْلَه يومًا وبعدَه يومًا". وجاء في روايةٍ "أو بعده".
فإمَّا أن يكون "أو" (^٥) للتخيير أو يكونَ شكًّا من الراوي؛ هل قالَ قبلَه أو بعدَه. وروي هذا الحديثُ بلفظٍ آخرَ وهو: "لئن بَقِيتُ (^٦) لأمُرَنَّ بصيام يوم قبلَهُ ويومٍ بعدَه". يعني عاشوراء. وفي رواية أخرى "لئن بقيتُ إلى قابِل لأصُومَنَّ التاسَعَ (^٧) ولآمُرنَّ بصيامِ يوم قبلَه ويوم بعدَه"، يعني عاشوراء. أخرجَهما الحافظُ أبو موسى المَدِيني (^٨). وقد صحَّ هذا عن ابن عباس من قوله من رواية ابن جُرَيجٍ، قال: أخبرني (^٩) عطاء أنه سمعَ ابنَ عبَّاسٍ يقولُ في يوم عاشوراءَ: خالِفُوا اليهودَ، وصُومُوا التَّاسِعَ والعاشِرَ (^١٠). قال الإمامُ أحمدُ: أنا أذهَبُ إليه.
_________________
(١) مسلم (١١٣٤) (١٣٤) في الصوم أيضًا.
(٢) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" ١٠/ ٤٠١. وذكره الشيخ الألباني في الأحايث الصحيحة رقم (٣٥٠).
(٣) قوله: "إن شاء الله" ورد في ش، ع والطبراني.
(٤) في مسند أحمد (١/ ٢٤١) أخبرنا ابن أبي ليلى، عن داود بن علي، عن أبيه، عن جده ابن عباس، وإسناده حسن. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٨٨) وقال: "رواه أحمد والبزار، وفيه محمد بن أبي ليلى، وفيه كلام".
(٥) لفظ "أو" لم يرد في آ، ش، ع.
(٦) في ع: "بقيت إلى قابل لأصومَنَّ".
(٧) لفظة "التاسع" سقطت من آ، ش.
(٨) هو محمد بن عمر بن أحمد، أبو موسى المديني، من حافظ الحديث، المصنفين فيه. مولده ووفاته في أصبهان. مات سنة ٥٨١ هـ، ونسبة "المديني" إلى مدينة أصبهان.
(٩) في ب، ط: "أخبرنا".
(١٠) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" ٤/ ٢٨٧.
[ ١٠٨ ]
ورُوي عن ابن عباس أنَّه صام التاسعَ والعاشِرَ، وَعُلَّلَ بخشية فواتِ عاشوراء. ورَوَى ابنُ أبي ذِئبٍ، عن شعبةَ مولى ابن عباس، عن ابن عباس: أنه كان يصومُ عاشوراءَ في السَّفَرِ، ويُوالي بينَ اليَوْمين؛ خشيةَ فواته. وكذلك رُوي عن أبي إسحاق أنَّه صامَ يومَ عاشوراءَ ويومًا قبلَه، ويومًا بعدَه، وقال: إنما فعلْتُ ذلك خشيةَ أنْ يفوتَنِي. وروي عن ابن سيرين أنَّه كان يَصُومُ ثلاثةَ أيام عند الاختلافِ في هلالِ الشهر احتياطًا. ورُوي عن ابن عباس، والضحَّاك، أن يومَ عاشوراءَ هو تاسع المحرَّمِ.
قال ابن سيرين: كانوا لا يختلفون أنه اليومُ العاشِرُ، إلا ابن عباس، فإنه قال: إنَّه التاسعُ. وقال الإمامُ أحمد في رواية الميمُوني: لا أَدْرِي، هو التَّاسِع أو العاشِرُ، ولكنْ نصومُهما. فإن اختُلِفَ في الهلال صامَ ثلاثةَ أيام احتياطًا. وابن سيرين يقول ذلك.
وممَّن رأى صيامَ التاسِع والعاشِر الشافِعيُّ وأحمدُ وإسحاق. وكَرِهَ أبو حنيفةَ إفرادَ العاشر وحدَه بالصَّوْم. وروى الطبرانيُّ من حديث ابن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن خارجةَ بن زيدٍ، عن أَبيه، قال: ليس يومُ عاشوراء باليوم الذي يقول النَّاسُ، إنَّما كان يومًا تُسْتَرُ فيه الكَعْبَةُ وتقلِسُ (^١) فيه الحَبَشَةُ عندَ النبي - ﷺ -. وكان يدُورُ في السنةِ، فكان الناسُ يأتون فلانًا اليهوديَّ يسألونه، فلمّا ماتَ اليهوديُّ أتوا زيدَ بن ثابتٍ فسألوه.
وهذا فيه إشارة إلى أن عاشوراءَ ليس هو في المحرم، بل يُحسَبُ بحساب السَّنة الشمسيةِ، كحسابِ أهلِ الكتابِ. وهذا خلافُ ما عليه عمل المسلمينَ قديمًا وحديثًا.
وفي صحيح مسلم (^٢) عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - كان يَعُدُّ من هلالِ المحرَّم، ثم يُصبِحُ يومَ التاسِعِ صائمًا. وابنُ أبي الزِّناد لا يُعْتَمَدُ على ما ينفَرِدُ به، وقد جَعَلَ الحديثَ كُلَّه عن زيدِ بن ثابتٍ، وآخرُه لا يصلُحُ أنْ يكونَ من قولِ زيدٍ، فلعلَّه مِن
_________________
(١) التَّقْلِيسُ: الضرْب بالدُّفِّ، والغناء. والمُقَلسون: هم الذين يلعبون بين يدي الأمير إذا وصل البلد، الواحد: مُقَلِّس. (النهاية).
(٢) مسلم (١١٣٣) (١٣٢) في الصيام، باب أي يوم يصام في عاشوراء.
[ ١٠٩ ]
قولِ مَن دُونَهُ، والله أعلم. وكان طائفةٌ من السَّلفِ يَصُومونَ عاشوراء في السَّفَر؛ منهم ابنُ عبَّاسٍ، وأبو إسحاقَ السَّبيعيُّ، والزُّهْريُّ. وقال: رمضانُ له عِدَّةٌ مِن أيّام أُخَرَ، وعاشوراءُ يَفوتُ. ونصَّ أحمدُ على أنه يُصامُ عاشوراءُ في السَّفَر.
وروى عبدُ الرزاق في كتابه، عن إسرائيلَ، عن سِماك بن حَرْبٍ، عن مَعبد القُرشيّ، قال: كان النبي - ﷺ - بقُدَيْدٍ (^١)، فأتاه رَجُلٌ، فقال له النبي - ﷺ -: أطَعِمْتَ اليومَ شيئًا؟ - ليومِ عاشوراءَ - قال: لا، إلا أنِّي شرِبْتُ ماءً، قال: فلا تَطْعَمْ شيئًا حتى تغرُبَ الشَّمسُ، وأمُرْ مَن وَرَاءَكَ أنْ يَصُومُوا هذَا اليومَ (^٢). ولَعَل المأمورَ كانَ مِن أهلِ قُدَيْدٍ. ورَوَى بإسنادِهِ عن طاووس أنه كان يصُومُ عاشوراءَ في الحضر، ولا يَصُومُه في السَّفَرِ. ومِنْ أعجب ما وَرَدَ في عاشوراء أنه كان يَصُومُه الوحشُ والهَوامُّ.
وقد رُوي مرفوعًا أن الصُّرَدَ (^٣) أوَّلُ طير صامَ عاشوراءَ. خرجَهُ الخطيبُ في تاريخه، وإسنادُه غريبٌ. وقد رُوي ذلك عن أبي هريرةَ.
ورُوي عن فتحِ بن شَخْرَف (^٤)، قال: كنْتُ أفتُّ للنَّمْلِ الخبزَ كلَّ يومٍ، فلمَّا كانَ يومُ عاشوراءَ لم يأكلوه.
ورُوي عن القادرِ باللهِ الخليفةِ العباسي أنَّه جرَى له مثلُ ذلك وأنه عَجبَ منه، فسأل أبا الحسن القزويني الزَّاهدَ، فذكر له أن يومَ عاشوراء تصُومُه النَّمْلُ. وروى أبو موسى المَدِيني بإسنادِه، عن قيس بن عُبَاد، قال: بلغني أن الوحشَ كانت تصومُ عاشوراءَ. وبإسنادٍ له، عن رجلٍ أتى الباديةَ في يوم عاشوراءَ، فرأى قومًا يذبَحُون ذبائحَ، فسألهم عن ذلك، فأخبروه أن الوُحوشَ صائمة، وقالوا: اذهَبْ بنا نُرِك، فذهَبُوا
_________________
(١) قُدَيد: اسم موضع قرب مكة. (ياقوت).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" ٤/ ٢٨٦ وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٨٧ وقال: "أخرجه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات".
(٣) الصُّرَد: طائر فوق العصفور. وفي النهاية لابن الأثير ٣/ ٢١: "هو طائر ضخمُ الرأس والمنقار، له ريش عظيم نصفه أبيض ونصفه أسود" و"في الحديث أنه نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهُدهد، والصُّرَد، نهى عن الهدهد والصّرد لحرمة لحمهما".
(٤) فتح بن شخرف بن داود بن مزاحم، أبو نصر الكشي. من الزهاد، لم يأكل الخبز ثلاثين سنة. وكان ذا أخلاق حسنة، حسن العبادة والورع والزهد. توفي سنة ٢٧٣ هـ ببغداد. (صفة الصفوة ٢/ ٤٠٢).
[ ١١٠ ]
بهِ إلى رَوضةٍ فأوقفوه. قال: فلمَّا كان بعد العصر جاءت الوحوشُ من كل وَجْهٍ، فأحاطتْ بالروْضةِ رافعةً رؤوسَها [إلى السماء] (^١) ليس شيءٌ منها يأكلُ، حتى إذا غابَتِ الشمسُ أسرَعَتْ جميعًا فأكلَتْ. وبإسنادِه عن عبد الله بن عمرو، قال: بين الهند والصين أرضٌ كان بها بَطَّةٌ من نُحاسٍ، على عَمُودٍ من نحاس، فإذا كان يومُ عاشوراءَ مَدَّتْ مِنقارَها، فَيَفيضُ من مِنقارِها ماءٌ يَكفِيهم لزروعهم (^٢) ومَوَاشيهم إلى العام المُقْبِلِ.
ورُئِي بعضُ العلماء المتقدِّمين في المنامِ فسئل عن حاله، فقال: غُفِرَ لي بصيام عاشورَاءَ ستينَ سنةً. وفي رواية: ويوم قبلَه ويوم بعدَه. وذكر عبدُ الوهاب الخَفّافُ (^٣) في كتاب الصيام، قال سعيد: قال قَتادَةُ: كان يقالُ: صَومُ عاشوراء كفارةٌ لما ضيَّع الرَّجُلُ من زكاةِ مالِه. وقد رُوي أن يومَ عاشوراء كان يومَ الزِّينةِ الذي كان فيه ميعادُ موسى لفرعونَ، وأنه كان عيدًا لهم. ويروى أن موسى ﵇ كان يلبَسُ فيه الكَتَّانَ ويكتحِلُ فيه بالإثمِدِ (^٤). وكانت اليهودُ مِن أهل المدينة وخيبَر (^٥) في عهد رسول الله - ﷺ - يتَّخِذُونه عيدًا، وكان أهلُ الجاهلية يقتَدُون بهم في ذلك، وكانوا يَسْتُرُون فيه الكَعْبَةَ. ولكنْ شَرْعُنا وَرَدَ بخلافِ ذلك. ففي "الصحيحين" (^٦) عن أبي موسى، قال: كان يومُ عاشوراءَ يومًا تعظِّمُه اليهودُ وتتَّخِذُه عيدًا، فقال رسولُ الله - ﷺ -: "صُومُوه أَنْتُم". وفي رواية لمسلم (^٧): كان أهلُ خيبَرَ يَصُومُون يومَ عاشوراءَ، يتخذُونَهُ عيدًا، ويُلْبِسُونَ نِساءَهُم فيه حُليَّهُم وشارَتَهُم (^٨)، فقال رسولُ الله - ﷺ -: "فَصُومُوه أنتم".
_________________
(١) زيادة من ع، ط.
(٢) في آ، ع: "لزرعهم".
(٣) هو عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، أبو نصر العجلي البصري، سكن بغداد، راوية سعيد بن أبي عَرُوبة. صدوق، ربما أخطأ. قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ٩/ ٤٥١: حديثه في درجة الحسن. مات نحو سنة ٢٠٤ هـ.
(٤) الإثمد: حجر يُكتَحل به.
(٥) قوله: "من أهل المدينة وخيبر" سقط في آ.
(٦) البخاري ٤/ ٢٤٤ (٢٠٠٥) في الصوم، باب صيام يوم عاشوراء؛ ومسلم (١١٣١) (١٣٠) في الصيام، باب صوم يوم عاشوراء.
(٧) مسلم رقم (١١٣١) (١٣٠) في الصيام، باب صوم يوم عاشوراء.
(٨) الشارة: اللباس والهيئة. أي يُلبسونهن لباسهم الحسن الجميل.
[ ١١١ ]
وخرَّجه النسائي وابنُ حِبَّانَ (^١)، وعندهما: "فقال رسولُ الله - ﷺ -: خالِفُوهم فَصُومُوه". وهذا يَدُلُّ على النهي عن اتخاذه عيدًا وعلى اسْتحباب صيامِ أعياد المشركين (^٢)؛ فإن الصَّومَ يُنافي اتخاذَهُ عيدًا فيوافقون في صيامه معَ صيامِ يوم آخرَ معه، كما تقدّمَ. فإن في ذلك مخالفةً لهم في كيفيَّةِ صيامِهِ أيضًا، فلا يبقى فيه موافقةٌ لهم في شيء بالكُليَّةِ. وعلى مثل هذا يُحملُ ما خرجه الإمامُ أحمد، والنسائي، وابنُ حِبَّانَ من حديث أمِّ سلمة: أن النبيَّ - ﷺ - كان يصومُ يومَ السبتِ ويومَ الأحدِ أكثرَ ما يَصُومُ من الأيام، ويقولُ: "إنَّهما يوما عيدٍ للمشركين، فأنا أحِبُّ أن أخالِفَهُم" (^٣). فإنه إذا صامَ اليومين معًا خرَجَ بذلك عن مُشابهَةِ اليهودِ والنصارى في تعظيم كل طائفةٍ ليومِها مُنْفرِدًا، وصيامُه فيه مخالفةٌ لهم في اتخاذِه عيدًا، ويجمعُ (^٤) بذلك بين هذا الحديث وبين حديث النهي عن صيامِ يومِ السبتِ.
وكلُّ ما رُوي في فضل الاكتحالِ في يومِ عاشوراءَ والاختضابِ والاغتسَالِ فيه، فموضوعٌ لا يصِحُّ.
وأَمّا الصَّدَقَةُ فيه فقد رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: مَن صامَ عاشوراءَ فكأنما صام السَّنةَ، ومَنْ تصدَّقَ فيه كان كصدَقةِ السَّنةِ. أخرَجَهُ أبو موسى المَدِيني.
وأمَّا التوسِعَةُ فيه على العيالِ فقال حربٌ (^٥): سألْتُ أحمدَ عن الحديث الذي جاء: "مَنْ وسَّعَ على أهلِهِ يومَ عاشوراءَ" فلَمْ يَرَهُ شيئًا. وقال ابنُ منصور (^٦): قلت لأحمَدَ: هل سمعتَ في الحديثِ "مَنْ وسَّعَ على أهلِه يومَ عاشوراءَ وَسَّعَ (^٧) الله عليه
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في "صحيحه" ٥/ ٢٥٥ عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: كانت يهود تتخذ يوم عاشوراء عيدًا، فقال رسول الله - ﷺ -: "خالفوهم، صوموا أنتم".
(٢) في آ، ش، ع: "الكفار".
(٣) رواه أحمد في "المسند" ٦/ ٣٢٤، وابن حبان في "صحيحه" ٥/ ٢٥١، ٢٦٢.
(٤) في آ: "أو يجمع ذلك".
(٥) هو حرب بن إسماعيل الكرماني، الفقيه الحافظ، صاحب الإمام أحمد، توفي سنة ٢٨٠ هـ. (تذكرة الحفاظ ٦١٣).
(٦) هو إسحاق بن منصور بن بَهْرام الكَوسج، روى عن أحمد بن حنبل، وله عنه مسائل مفيدة. ثقة ثبت، أحد الأئمة من أصحاب الحديث. مات سنة ٢٥١ هـ. (تهذيب الكمال ٢/ ٤٧٤).
(٧) في آ، ب، ط: "أوسع".
[ ١١٢ ]
سائرَ السَّنَةِ"؟ فقال: نعم. رواه سفيان بن عُيَيْنة، عن جعفر الأحمر (^١)، عن إبراهيم بن محمد بن (^٢) المُنتشِر، وكان من أَفضل أهل زمانه، أنه بلَغَه أنَّه مَنْ وسَّعَ على عيالِهِ يومَ عاشوراءَ وَسَّعَ (^٣) الله عليه سائرَ سنتِهِ. فقال ابنُ عُيينَة: جرَّبناه منذُ خمسين سنة أو ستين سنة فما رأينا إلا خيرًا.
وقول حَرْبٍ: "إن أَحمَد لم يَرَهُ شيئًا" إنما أرادَ به الحديثَ الذي يُروَى مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -، فإنه لا يصِحُّ إسنادُهُ. وقد رُوِي من وجوهٍ متعددةٍ لا يصِحُّ منها شيءٌ (^٤). ومِمَّن قال ذلك محمدُ بن عبد الله بن عبد الحكم (^٥). وقال العقيلي: هو غيرُ محفوظٍ. وقد رُوِي عن عُمَرَ من قوله، وفي إسناده مجهول لا يُعْرَفُ.
وأما اتخاذُهُ مأتمًا كما تفعَلُهُ الرافضَةُ لأجل قتل الحسين بن علي ﵄ فيه، فهو من عَمَلِ مَنْ ضَلَّ سعيُهُ في الحياةِ الدنيا وهو يحسَبُ أنَّه يُحْسِنُ صُنعًا، ولم يأمر الله ولا رسولُه باتخاذ أيَّامِ مصائبِ الأنبياءِ وموتهم مأتمًا، فكيف بمن دُونَهم.