في الصحيحين (^١) عن عائشةَ ﵂، قالت: "كان رسولُ الله - ﷺ - إذا دخل العشر شدَّ مئزرَهُ، وأحيا ليلَة، وأيقَظَ أهلَه". هذا لفظ البخاري. ولفظ مسلمٍ: "أحيا الليل، وأيقظ أهلَهُ، وجَدَّ، وشَدَّ المِئْزَرَ". وفي رواية لمسلم عنها، قالت: "كان رسول الله - ﷺ - يجتهدُ في العشر الأواخر ما لا يجتهدُ في غيره". كان النبي - ﷺ - يخصُّ العشرَ الأواخِرَ من رمضَانَ بأعمالٍ لا يعملُها (^٢) في بقيَّة الشهر؛ فمنها: إحياءُ الليل؛ فيحتمل أنَّ المرادَ إحياء الليل كلِّه.
وقد روي من حديث عائشة من وجهٍ فيه ضعفٌ بلفظ: "وأحيا الليل كلَّه". وفي "المسند" (^٣) من وجهٍ آخرَ عنها، قالت: كان النبي - ﷺ - يخلِط العشرين بصلاةٍ ونومٍ، فإذا كان العشر - يعني (^٤) الأخير - شمَّر وشدَّ المئزَرَ.
وخرَّج الحافظ أبو نُعَيم (^٥) بإسنادٍ فيه ضعفٌ، عن أنسٍ، قال: "كان النبي - ﷺ - إذا شهِدَ رمضانَ قام ونام، فإذا كان أربعًا وعشرين لم يَذقْ غُمْضًا". ويحتمل أن يريدَ بإحياء الليل إحياءَ غالبه. وقد روي عن بعض المتقدِّمين من بني هاشمٍ - ظنَّه الراوي أبا جعفرٍ (^٦) محمد بن علي - أنَّه فسَّر ذلك بإحياء نصفِ الليل، وقال: من أحيا نصفَ الليل فقد أحيا الليل. وقد سبق مثل هذا في قول عائشة ﵂: "كان النبي - ﷺ - يصومُ شعبانَ كلَّه، كان يصومُ شعبان إلَّا قليلًا" (^٧). ويؤيِّدُه ما في "صحيح مسلم" (^٨) عن عائشة، قالت: "ما أعلمُه - ﷺ - قام ليلةً حتَّى الصباح".
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٢٠٢٤) في فضل ليلة القدر: باب العمل في العشر الأواخر من رمضان. ومسلم رقم (١١٧٤) في الاعتكاف: باب الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان.
(٢) في ب: "لا يعلمها"، وفي الهامش: "لا يعملها"، وفوقها "معًا".
(٣) مسند أحمد ٦/ ١٤٦.
(٤) قوله: "يعني الأخير" لم يرد في آ، ش، ع، ومسند أحمد.
(٥) الحلية ٦/ ٣٠٦.
(٦) هو أبو جعفر الباقر، محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ثقة، فاضل، وقد سبقت ترجمته.
(٧) أخرجه مسلم رقم (١١٥٦) في الصيام: باب صيام النبي - ﷺ - في غير رمضان. وفي آ، ش، ع: "كان يصومه إلا قليلًا".
(٨) بعض حديث طويل أخرجه مسلم رقم (٧٤٦) في صلاة المسافرين: باب جامع صلاة الليل، ومن نام عنه أو مرض.
[ ٣٣٩ ]
وذكر بعضُ الشافعية في إحياء ليلتي العيدين أنَّه تحصُلُ فضيلة الإِحياء بمعظم الليل. قال: وقيل: تحصلُ بساعةٍ. وقد نقل الشافعيُّ في "الأم" عن جماعةٍ من خيار أهلِ المدينة ما يؤيدُه. ونقَلَ بعضُ أصحابهم عن ابن عباسٍ أن إحياءَها يحصُلُ بأن يُصلِّيَ العشاءَ في جماعةٍ، ويعزِمَ على أن يصلِّيَ الصبحَ في جماعةٍ. وقال مالك في "الموطأ" (^١): بلغني أنَّ ابنَ المسيبِ قال: "مَن شَهِدَ العِشاءَ ليلةَ القدْرِ، يعني في جماعةٍ، فقد أخذَ بحظِّه منها". وكذا قال الشافعي في القديم: من شهِدَ العشاءَ والصبحَ ليلةَ القَدْرِ فقد أخَذَ بحظِّه منها.
وقد روي هذا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من صلَّى العشاءَ الآخِرَة في جماعةٍ في رمضانَ، فقد أدرَكَ ليلةَ القَدْرِ". خرَّجه أبو الشيخ الأصبهاني. ومن طريقه أبو مُوسى المديني. وذكر أنه رُوي من وجهٍ آخر عن أبي هريرة نحوه.
ويروى من حديثِ عليِّ بن أبي طالبٍ مرفوعًا. لكن إسناده ضعيفٌ جدًّا. ويُروى من حديث أبي جعفر محمد بن علي مرسلًا: أنَّ النبي - ﷺ - قال: مَن أتى عليه رمضانُ صحيحًا مسلمًا؛ صام نهارَه، وصلَّى وِردًا مِن ليله، وغَضَّ بَصَرَه، وحفِظَ فَرْجَه، ولسانَه، ويدَه، وحافظ على صلاته في الجماعة؛ وبكَّر إلى جمعةٍ (^٢)؛ فقد صامَ الشهرَ، واستكملَ الأجْرَ، أدرك ليلَةَ القَدْر، وفاز بحائزة الرَّبِّ ﷿. قال أبو جعفرٍ: جائزةٌ لا تُشبِهُ جوائزَ الأمراءِ. خرَّجَه ابنُ أبي الدنيا. ولو نذرَ قيامَ ليلة القَدْرِ لزمَه أن يقومَ من ليالي شهر رمضانَ ما يُتيقَّنُ به قيامُها. فمن قال من العلماءِ: إنَّها في جميع الشهر، يقول: يلزُمُه قيامُ جميع ليالي الشهر. ومن قال: هي في النصفِ الآخر من الشهر، قال: يلزمُهُ قيامُ ليالي النصف الأخير منه. ومن قال: هي في العشر الأواخر مِن الشهر، قال: يلزَمُهُ قيامُ ليالي العشر كلِّها، وهو قولُ أصحابنا. وإن كان نذرَهُ كذلك، وقد مَضَى بعضُ ليالي العشر؛ فإنْ قلْنا: إنَّها لا تنتقل في العشر، أجزأهُ
_________________
(١) الموطأ بلاغًا ١/ ٣٢١ في الاعتكاف: باب ما جاء في ليلة القدر، قال الزرقاني في "شرح الموطأ": قال ابن عبد البر: قول ابن المسيب لا يكون رأيًا ولا يؤخذ إلا توقيفًا، ومراسيله أصح المراسيل، وذكر الزرقاني لقول ابن المسيب شواهد بمعناه فانظرها هناك.
(٢) في آ: "جُمَعه".
[ ٣٤٠ ]
في (^١) نذره أن يقوم ما بَقي من ليالي العشر، ويقومَ من عامٍ قابلٍ من أوَّلِ العشر إلى وقتِ نَذْرِهِ. وإن قلْنا: إنَّها تنتقِل في العشر لم يخرُجْ مِن نَذْرِه بدون قيام ليالي العشر كلِّها بعد عام نذرِه. ولو نذَرَ قيامَ ليلةٍ غيرِ معيّنةٍ، لزمَهُ قيامُ ليلةٍ تامَّةٍ؛ فإنْ قام نصفَ ليلةٍ ثم نام أجزأَهُ أن يقومَ من ليلةٍ أخرى نصفَها؛ قاله الأوزاعيُّ، نقلَهُ عنه الوليدُ بن مسلمٍ في كتاب "النذور"، وهو شبيهٌ بقول مَن قال من أصحابنا وغيرِهم: إنَّ الكفَّارة يُجزئ فيها أن يَعتق نصفي رقبتين.
ومنها: أن النبي - ﷺ - كان يوقظُ أهلَه للصَّلاة في ليالي العشْرِ دونَ غيره من الليالي. وفي حديث أبي ذرٍّ أنَّ النبي - ﷺ - لما قامَ بهم ليلةَ ثلاثٍ وعشرين، وخمسٍ وعشرين، وسبْعٍ وعشرين، ذكر أنَّه دعا أهلَه ونساءَه ليلة سبعٍ وعشرين خاصَّةً. وهذا يدلُّ على أنَّه يتأكد إيقاظُهم في آكد الأوتار التي تُرجى فيها ليلةُ القَدْر. وخرَّج الطبراني (^٢) من حديث علي أن النبي - ﷺ - كان يوقظُ أهلَهُ في العشر الأواخر من رمضانَ وكُلَّ صغيرٍ وكبيرٍ يطيق الصلاةَ.
قال سفيان الثوري: أحَبُّ إليَّ إذا دَخَلَ العشرُ الأواخرُ أن يتهجَّد بالليل، ويجتهدَ فيه، ويُنهِضَ أهلَه وولدَه إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك. وقد صحَّ عن النبي - ﷺ - أنه كان يطرق فاطمَةَ وعليًّا ليلًا فيقولُ لهما: "ألا تقومان فَتُصَلِّيان" (^٣).
وكان يوقظُ عائشةَ بالليل إذا قضى تهجُّدَه وأراد أن يُوترَ. وورد الترغيبُ في إيقاظ أحد الزوجين صاحِبَه للصَّلاة، ونضحِ الماء في وجهه. وفي الموطأ (^٤) أن عمر بن
_________________
(١) في آ، ش، ع: "من".
(٢) رواه الترمذي حتى قوله: "من رمضان" رقم (٧٩٥) في الصيام، باب ٧٣، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وبنحوه في مسند أبي يعلى ١/ ٢٨٢. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٧٤ مطولًا، وقال: "رواه الترمذي باختصار، ورواه الطبراني في الأوسط، وأبو يعلى باختصار عنه، وفي إسناد الطبراني عبد الغفار بن القاسم وهو ضعيف، وإسناد أبي يعلى حسن.
(٣) أخرجه البخاري ٣/ ١٠ في التهجد: باب تحريض النبي - ﷺ - على قيام الليل والنوافل من غير إيجاب، وفي تفسير سورة الكهف، وفي التوحيد، ومسلم رقم (٧٧٥) في صلاة المسافرين: باب ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح، والنسائي ٣/ ٢٠٥ و٢٠٦ في قيام الليل. ورواه أحمد في المسند ١/ ٧٧، ٩١، ١١٢. وانظر تفسير ابن كثير ٣/ ٩٠.
(٤) أخرجه الموطأ ١/ ١١٩ في صلاة الليل: باب ما جاء في صلاة الليل، وإسناده صحيح. وانظر تفسير ابن كثير ٣/ ١٧١.
[ ٣٤١ ]
الخطاب كان يُصلِّي من الليل ما شاء اللهُ أن يُصلِّي، حتى إذا كان نِصْفُ الليل أيقَظَ أهلَه للصَّلاة، يقولُ لهم: الصَّلاةَ الصَّلاةَ، ويتلو هذه الآيةَ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (^١) الآية.
كانت امرأة حبيب أبي محمدٍ (^٢) تقولُ له بالليل: قد ذهَبَ الليلُ وبين أيدينا طريقٌ بعيدٌ وزادنا قليلٌ، وقوافلُ الصالحين قد سارت قدامنا، ونحن قد بقينا:
يا نائمًا باللَّيل (^٣) كم ترقُدُ … قُمْ يا حبيبي قَد دَنَا المَوْعِدُ
وخُذْ مِن اللَّيل وأوقاتِهِ … وِرْدًا إذا ما هجَعَ الرُّقَّدُ
مَنْ نام حتَّى ينقضِي ليلُه … لم يبلغِ المنزِلَ أو يجهَدُ
[قُلْ لِذَوي الألبابِ أهلِ التُّقى … قَنْطَرَةُ العَرْضِ لكُم موعِدُ] (^٤)
ومنها: أن (^٥) النبيَّ - ﷺ - كان يَشُدُّ المئزَرَ. واختلفوا في تفسيره؛ فمنهم من قال: هو كنايةٌ عن شِدَّة جدِّهِ واجتهادِه في العبادة، كما يقال: فلان يَشُدُّ وسَطَه ويسعَى في كذا. وهذا فيه نظرٌ؛ فإنَّها قالت: "جَدَّ وشَدَّ المئزَرَ"، فعطفَتْ "شَدَّ المئزرَ" على جدِّه. والصحيح أنَّ المراد اعتزالُه للنساء، وبذلك فسَّره السَّلَف والأئمةُ المتقدِّمون؛ منهم سفيان (^٦) الثوري. وقد ورد ذلك صريحًا من حديث عائشَةَ وأنسٍ، وورد تفسيرُه بأنَّه لم يأوِ إلى فراشِهِ حتَّى ينسلخَ رمضانُ. وفي حديث أَنس: "وطوى فراشه، واعتزَلَ النساء". وقد كان النبي - ﷺ - غالبًا يعتكِفُ العشرَ الأواخِرَ، والمعتكِفُ ممنوعٌ من قربانِ النِّساء بالنَّصِّ والإِجماع، وقد قال طائفة من السَّلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (^٧): إنه طلبُ ليلة القدر. والمعنى في ذلك أنَّ الله تعالى لما أباح مباشَرَةَ النِّساء في ليالِي الصيام، إلى أن يتبيَّن الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسود، أمَرَ مَعَ ذلك بطلب ليلةِ القَدْرِ؛ لئلَّا يشتغلَ المسلمون في طول ليالي
_________________
(١) سورة طه الآية ١٣٢.
(٢) هو حبيب أبو محمد الفارسي، كان مجاب الدعوة، حضر مجلس الحسن البصري فتأثر بموعظته، فخرج عما كان يملك. (صفة الصفوة ٣/ ٣١٥ - ٣٢١).
(٣) في ب، ط: "يا نائم الليل".
(٤) هذا البيت لم يرد في آ، ش، ع.
(٥) في آ، ش، ع: "أنَّه - ﷺ - ".
(٦) لفظ "سفيان" لم يرد في آ، ش، ع.
(٧) سورة البقرة الآية ١٨٧.
[ ٣٤٢ ]
الشهر بالاستمتاع المباح، فيفوتهم طلبُ ليلة القَدْرِ، فأمر مَعَ ذلك بطلب ليلة القَدْرِ بالتهجُّد من الليل، خصوصًا في الليالي المرجُوِّ فيها ليلةُ القَدْر، فمن هاهنا كان النبيُّ - ﷺ - يصيبُ مِن أهله في العشرين من رمضان، ثم يعتزل نساءَه ويتفرَّغ لطلب ليلة القَدْرِ في العشر الأواخر.
ومنها: تأخيرُه للفطور إلى السَّحَر (^١). رُوي عنه من حديث عائشَةَ وأنسٍ أنَّه - ﷺ - كان في ليالي العشْرِ يجعَلُ عَشَاءَهُ سَحُورًا. ولفظُ حديث عائشَةَ: "كان رسول الله - ﷺ - إذا كان رمضانُ قام ونام، فإذا دَخَلَ العشْرُ شَدَّ المئزَرَ، واجتنَبَ النساءَ، واغتسَلَ بينَ الأذانين، وجعَلَ العَشَاءَ سَحورًا". أخرَجَه ابنُ أبي عاصم، وإسنادُه مقاربٌ. وحديثُ أنسٍ خرَّجه الطبراني، ولفظه: "كان رسولُ الله - ﷺ - إذا دخل العشرُ الأواخر من رمضانَ طَوَى فراشَهُ واعتزَلَ النساء، وجَعَلَ عَشَاءه سَحُورًا". وفي إسناده حفصُ بنُ واقدٍ، قال ابن عدِيّ: هذا الحديث مِن أنكر ما رأيتُ له. وروي أيضًا نحوه من حديث جابر، خرَّجه أبو بكر الخطيب، وفي إسناده مَن لا يُعرَفُ حالُهُ.
وفي "الصحيحين" (^٢) ما يشهَدُ لهذه الروايات، ففيهما عن أبي هريرة، قال: "نَهَى رسولُ الله - ﷺ - عن الوِصالِ في الصَّوم، فقال له رَجُلٌ من المسلمين: إنَّك تواصِلُ يا رسولَ الله؟ قال: وأيُّكم مثلي؟ إني أبيتُ يُطعِمُني ربِّي ويَسقيني. فلمَّا أَبَوْا أن يَنْتَهُوا عن الوِصال واصَلَ بهم يومًا، ثم يومًا، ثم رأوُا الهِلال. فقال: لو تأخَّرَ لَزِدْتُكم، كالتَّنكيل لهم حين أَبَوْا أن يَنْتهوا". فهذا يدلُّ على أنَّه واصَلَ بالناس في آخر الشهر. وروى عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: ما واصل النبيُّ - ﷺ - وصالكم قطُّ، غيرَ أنَّه قَدْ أخَّر الفِطْرَ إلى السَّحُور. وإسنادُه لا بأس به.
_________________
(١) في ب، ط: "السَّحور"، وهو ما يُتَسَحَّرُ به، وأراد وقت السَّحُور. والسَّحَرُ: قبيل الصبح.
(٢) أخرجه البخاري رقم (١٩٦٥) في الصوم: باب التنكيل لمن أكثر الوصال، وفي المحاربين: باب كم التعزير والأدب، وفي الاعتصام: باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والغلو في الدين. ومسلم رقم (١١٠٣) في الصيام: باب النهي عن الوصال. والموطأ ١/ ٣٠١ في الصيام: باب النهي عن الوصال في الصيام.
[ ٣٤٣ ]
وخرَّج الإِمام أحمدُ (^١) من حديث علي أن النبي - ﷺ - كان يواصلُ إلى السَّحَر.
وخرَّجه الطبراني (^٢) من حديث جابرٍ أيضًا. وخرَّج ابن جرير الطبري (^٣) من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي - ﷺ - كان يواصل إلى السَّحَر، ففعل ذلك بعضُ أصحابه، فنهاه، فقال: أنت تفعل ذلك. فقال: إنكم لستم مثلي، إنِّي أظلُّ عند ربِّي يُطعمني ويسقيني. وزعم ابنُ جرير أنَّ النبي - ﷺ - لم يكن يواصِلُ في صيامه إلَّا إلى السَّحَر خاصَّةً، وأنَّ ذلك يجوز لمن قوي عليه، ويُكْرَه لغيرِه. وأنكَر أن يكونَ استدامةُ الصِّيام في الليل كلِّه طاعةً عند أحدٍ من العلماءِ؛ قال: وإنما كان يُمسِكُ بعضُهم لمعنىً آخَرَ غيرِ الصِّيام؛ إمَّا ليكونَ أنشَطَ له على العبادة، أَو إيثارًا بطعامه على نفسِهِ، أو لخوفٍ مقلقٍ منَعَه طَعامَه، أو نحو ذلك. فمقتضَى كلامِه أن مَن واصَلَ ولم يُفطِر؛ ليكون أنشَطَ له على العبادةِ من غير أن يعتقدَ أن إمساك الليل قُربةٌ، أنه جائز وإن أمسَكَ تعبُّدًا (^٤) بالمواصلة. فإن كان إلى السَّحَر وقوي عليه، لم يُكْرَه، وإلَّا كُرِهَ.
ولذلك قال أحمد وإسحاق: لا يُكْرَه الوِصالُ إلى السَّحَر.
وفي صحيح البخاري (^٥) عن أبي سعيدٍ الخدري، عن النبي - ﷺ -، قال: "لا تواصِلوا، فأيُّكم أرادَ أن يواصِلَ فلْيُواصِلْ إلى السَّحَرِ. قالوا: فإنَّك تُواصِلُ يا رسولَ الله؟ قال: إنِّي لسْتُ كهيئتكم، إني أبيتُ لي مُطعِمٌ يُطعمُني وساقٍ يَسقيني". وظاهرُ هذا يدلُّ على أنَّه - ﷺ - كان يواصل الليلَ كلَّه، وقد يكون - ﷺ - إنَّما فَعَلَ ذلك لأنَّه رآه أنشطَ له على الاجتهاد في ليالي العشر، ولم يكُنْ ذلك مضعِفًا له عن العَمل؛ فإنَّ الله كان يُطعمُهُ ويَسقيه. واختلف في معنى إطعامه؛ فقيل: إنه كان يؤتَى بطعامٍ من الجَنَّة يأكُلُه؛ وفي هذا نظر؛ فإنَّه لو كان كذلك لم يكن مواصِلًا، وقد
_________________
(١) مسند أحمد ١/ ٩١، ١٤١ وإسناده ضعيف لضعف عبد الأعلى بن عامر الثعلبي. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٥٨ وقال: "رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح".
(٢) ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٥٨ وقال: "رواه الطبراني في الأوسط وهو حديث حسن". وانظر المطالب العالية ١/ ٢٧٩.
(٣) انظر تفسير القرطبي ٢/ ٣٢٩؛ وتفسير ابن كثير ١/ ٢٢٢.
(٤) في آ: "قصدًا".
(٥) أخرجه البخاري رقم (١٩٦٣) و(١٩٦٧) في الصوم: باب الوصال، وباب الوصال إلى السحر. وأبو داود رقم (٢٣٦١) في الصوم: باب في الوصال.
[ ٣٤٤ ]
أقرَّهُم على قولهم له: إنَّك تواصِلُ. لكن روى عبدُ الرَّزَّاق (^١) في كتابه عن ابن جريجٍ، أخبرني عمرو بن دينار: أنَّ النبي - ﷺ - نَهَى عن الوِصال، قالوا: فإنَّك تواصِلُ؟ قال: وما يدريكم! لَعَلَّ رَبِّي يُطعمني ويَسقيني. وهذا مرسل.
وفي رواية لمسلم (^٢)، من حديث أنس: "إني أظلُّ يُطعمني ربِّي ويسقيني". وإنما يقال: ظَلَّ يفعَلُ كذا، إذا كان نهارًا، ولو كان أَكْلًا حقيقيًا لكان منافيًا للصِّيام. والصحيح أنَّه إشارةٌ إلى ما كان الله تعالى يفتحَهُ عليه في صِيامه وخلوته بربِّهِ، لمناجاته وذِكْرِه من موادّ أنسِهِ ونفَحَاتِ قُدْسِهِ، فكان يَرِدُ بذلك على قلبه من المعارف الإِلهية والمنح الربَّانية ما يغذِّيه ويُغنِيه عن الطَّعام والشراب. كما قيل:
لها أحاديثُ من ذكراك يشغِلُها … عن الطعام ويُلهيها عن الزَّادِ
لها بوجهك نورٌ تستضِيءُ به … وَقْتَ المسِير وفي أعقابِها حادِي
إذا شَكَتْ مِن كَلَالِ السَّيْر أوعَدَها … روحُ القُدُومِ فتحيا عند ميعادِ
الذِّكْرُ قُوتُ قلوبِ العارفين، يغنيهم عن الطعام والشراب، كما قيل:
أنتَ رِيِّي إذا ظمئْتُ إلى الما … ءِ وقُوتي إذا أردْتُ الطَّعاما
لمَّا جَاعَ المجتهدون شبِعوا مِن طعام المناجاة. فأفٍّ لمن بَاعَ لذَّةَ المناجاة بفضْل لُقمَةٍ.
يا مَن لِحَشا المحِبِّ بالشَّوق حَشَا … ذا سِرُّ سُراك في الدُّجا كيفَ فَشَا
هذا المولى إلى المماليك مَشَا … لا كان عيشًا أوْرَثَ القلبَ غِشّا
ويتأكَّدُ تأخيرُ الفطر في الليالي التي تُرْجَى فيها ليلةُ القَدْرِ. قال زِرّ بن (^٣) حُبَيْش في ليلة سبعٍ وعشرين: مَن استطاع منكم أن يؤخِّر فِطْرَه فلْيَفْعَلْ وليفطِرْ على ضَيَاحِ (^٤) لبنٍ.
ورواه بعضُهم عن زِرٍّ، عن أبيّ بن كعبٍ مرفوعًا، ولا يصح. وضِياحُ اللبن،
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق ٤/ ٢٦٨ رقم (٧٧٥٦) في الصيام: باب الوصال.
(٢) رقم (١١٠٤) (٦٠) في الصوم: باب النهي عن الوصال في الصوم.
(٣) في ط: "ذر"، وهو تصحيف.
(٤) وفي الحديث: "آخِرُ شَرْبَةٍ يشربها عمَّار ضَيَاحُ لبنٍ". غريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ٢٢.
[ ٣٤٥ ]
وروي "ضَيْح" بالضاد المعجمة والياءِ آخر الحروف، هو اللبن الخاثِر الممزوج بالماء.
ورَوَى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده عن علي، قال: إن وافق ليلةَ القدْرِ وهو يأكُلُ، أورثه داءً لا يفارِقُهُ حتَّى يموتَ. وخزجه من طريقه أبو موسى المديني. وكأنَّهُ يريد: إذا وافق دخولُها أكلَه، والله أعلم.
ومنها: اغتسالُهُ - ﷺ - بين العشاءَين، وقد تقدَّم من حديث عائشةَ: "واغتسَلَ بين الأذانين". والمراد: أذانُ المغرب والعشاء.
وروي من حديثِ علي أنَّ النبيَّ - ﷺ - كان يغتسِلُ بين العشاءَيْن كُلَّ ليلةٍ، يعني من العشْرِ الأواخر. وفي إسناده ضعفٌ. ورُوي عن حذيفَةَ أنَّه قام مع النبي - ﷺ - ليلةً مِن رمضانَ، فاغتسَلَ النبيُّ - ﷺ - وسَتَرَهُ حُذَيْفَةُ، وبقيَتْ فضلةٌ فاغتسَلَ بها حُذَيْفَةُ وسَتَرَهُ النبيُّ - ﷺ -. خرَّجه ابنُ أبي عاصمٍ.
وفي روايةٍ أخرى عن حذيفَةَ، قال: قام النبيُّ - ﷺ - ذاتَ ليلةٍ مِن رمضانَ في حُجْرَةٍ مِن جَريد النَّخل، فصَبَّ عليه دَلْوًا من ماءٍ. وقال ابنُ جريرة كانوا يستحبون أن يغتسِلوا كُلَّ ليلةٍ من ليالي العشْرِ الأواخر. وكان النَّخعيُّ يغتسِلُ في العَشْرِ كُلَّ ليلةٍ. ومنهم من كان يغتسِلُ ويتطيَّبُ في الليالي التي تكون أرجى لليلة القدر، فأمر زِرّ بن حُبَيْش بالاغتسال ليلةَ سبعٍ وعشرين من رمضانَ. وروي عن أنسِ بن مالكٍ ﵁ أنه إذا كان ليلةُ أربعٍ وعشرين (^١) اغتسَلَ وتطيَّب ولبس حُلَّةً إزارًا ورداء، فإذا أصبَحَ طواهما فلم يلبَسْهُما إلى مثلها من قابل.
وكان أيوب السَّختياني يغتسِلُ ليلةَ ثلاثٍ وعشرين وأربعٍ وعشرين، ويلبَسُ ثوبين جديدين، ويستجمرُ ويقولُ: ليلة ثلاثٍ وعشرين هي ليلةُ أهلِ المدينة، والتي تليها ليلتُنا، يعني البصريين. وقال حمَّاد بنُ سَلَمة: كان ثابت البُناني (^٢)، وحميدٌ الطويل (^٣)
_________________
(١) في ع: "أربع وعشرين من رمضان".
(٢) ثابت بن أسلم البناني، أبو محمد البصري، الإِمام القدوة، من أئمة العلم والعمل، ثقة، عابد، ولد في خلافة معاوية، ومات نحو سنة ١٢٧ هـ، وله ست وثمانون سنة.
(٣) حُمَيد بن أبي حُمَيد الطويل، أبو عبيدة البصري، اختلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال، أشهرها تيْرويه، ثقة، مدلس، مات نحو سنة ١٤٣ هـ.
[ ٣٤٦ ]
يلبَسَان أحسَنَ ثيابهما ويتطيَّبان، ويطيِّبون المسجِدَ بالنَّضوح (^١) والدُّخْنَة في الليلة التي يُرْجَى فيها ليلةُ القَدْرِ. وقال ثابتٌ: كان لتميمٍ الداريّ (^٢) حُلَّةٌ اشتراها بألف درهمٍ، كان يلبَسُها في الليلة التي يُرْجَى فيها ليلةُ القدر.
فتبيَّنَ بهذا أنَّه يُسْتَحَبُّ في الليالي التي تُرجَى فيها ليلةُ القدر التنظُّفُ والتزيُّن، والتطيّب بالغُسْلِ والطِّيب واللباس الحَسَن، كما يُشْرَع ذلك في الجُمَعِ والأعياد. وكذلك يُشْرَعُ أَخْذُ الزِّينة بالثياب في سائر الصَّلواتِ، كما قال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (^٣). وقال ابنُ عُمَرَ: "اللهُ أحقُّ أن يُتَزَيَّنَ لَهُ". ورُوِي عنه مرفوعًا.
ولا يكملُ التزيُّن الظاهر إلا بتزين الباطِن؛ بالتَّوْبة والإِنابة إلى الله تعالى، وتطهيره من أدناسِ الذنوب وأوضارها (^٤)؛ فإنَّ زينة الظاهر مع خَرَاب الباطنِ لا تغني شيئًا. قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (^٥):
إذا المَرْءُ لم يلبَسْ ثيابًا من التُّقَى … تقلَّبَ عُريانًا وإن كان كاسِيا
لا يصلح لمناجاة الملوك في الخلوات إلَّا من زَيَّنَ ظاهِرَهُ وباطِنَه، وطهَّرَهما خصوصًا ملك الملوك الذي يعلم السِّرَّ وأخْفَى، وهو لا ينظُر إلى صوركم وإنما ينظُرُ إلى قلوبكم وأعمالكم، فمن وقف بين يديه فليزيِّنْ له ظاهره باللباس، وباطنه بلباس التَّقْوَى. أنشد الشِّبْلِيُّ:
قالوا غدا العيدُ ماذا أَنْتَ لابسُه … فقلْتُ خلعة ساقٍ حُبّه جُرَعا
فَقْرٌ وصبْرٌ هما ثوبان تحتَهُما … قَلْبٌ يَرَى إلْفَهُ الأعيادَ والجُمُعا
أَحْرَى الملابِس أن تَلْقَى الحبيبَ بِهِ … يومَ التَّزاورِ في الثَّوْب الذي خَلَعا
الدَّهْرُ لي مأثَمٌ (^٦) إنْ غِبْتَ يا أملي … والعيدُ ما كنْتَ لي مَرْأًى ومُسْتَمَعا
_________________
(١) النَّضوج: نوع من الطيب تفوح رائحته. والدُّخْنَة: ما ئتَبَخَّر به من الطِّيب.
(٢) هو تميم بن أوس بن خارجة الدَّاريّ، صحابي مشهور، وقد سبقت ترجمته.
(٣) سورة الأعراف الآية ٣١.
(٤) الوَضَر: الدَّرن، والوسخ من الدسم أو غيره.
(٥) سورة الأعراف الآية ٢٦.
(٦) في ع: "مأتم".
[ ٣٤٧ ]
ومنها: الاعتكاف: ففي "الصحيحين" (^١) عن عائشة ﵂، "أن النبي - ﷺ - كان يعتكِفُ العَشْرَ الأواخِرَ من رمضَانَ حتَّى توفَّاه الله تعالى". وفي "صحيح البخاري" (^٢) عن أبي هريرة ﵁، قال: "كان رسولُ الله - ﷺ - يعتكِفُ في كُلِّ رمضان عشرَةَ أيامٍ. فلمَّا كان العامُ الذي قُبِضَ فيه اعتكَفَ عشرين". وإنما كان يعتكِفُ النبي - ﷺ - في هذه العشر التي يُطلَبُ فيها ليلةُ القَدْرِ، قطعًا لأشغاله (^٣)، وتفريغًا لباله، وتخلِّيًا لمناجاة (^٤) رَبِّه وذِكْره ودعائه. وكان يحتجر حصيرًا (^٥) يتخلَّى فيها عن الناس، فلا يخالِطُهم، ولا يشتغِلُ بهم؛ ولهذا ذَهَبَ الإِمامُ أحمد إلى أن المعتكِفَ لا يُسْتَحَبُّ له مخالطةُ النَّاسِ، حتَّى ولا لتعليم علمٍ، وإقراء قرآنٍ، بل الأفضَلُ له الانفرادُ بنفسه والتخلِّي بمناجاة رَبِّه وذِكْرِه ودعائه. وهذا الاعتِكافُ هو الخَلْوَةُ الشَّرعية، وإنما يكون في المساجد؛ لئلَّا يتركَ به الجُمَعَ والجماعاتِ؛ فإنَّ الخلوةَ القاطِعَةَ عن الجُمَع والجماعاتِ منهيٌّ عنها.
سُئل ابنُ عبَّاس عن رجلٍ يَصومُ النَّهارَ ويقومُ الليلَ، ولا يَشْهَدَ الجُمُعَة والجَمَاعَةَ؟ قال: هو في النار.
فالخلوة المَشْرُوعة لهذه الأمة هي الاعتِكافُ في المساجد، خصوصًا في شهر رمضانَ، خصوصًا في العشر الأواخر منه، كما كان النبي - ﷺ - يفعله. فالمعتكِفُ قد حَبَسَ نَفْسَه على طاعةِ اللهِ وذِكْرِه، وقَطَعَ عن نفسِه كُلَّ شاغلٍ يَشْغَلُه عنه، وعَكَفَ بقلبه وقالبِهِ على رَبِّه وما يُقَرِّبُه منه، فما بقي له هَمٌّ سِوى الله، وما يُرضيهِ عنه. كما كان داود الطَّائيُّ (^٦) يقول في ليله: هَمُّكَ عَطَّلَ عليَّ الهُمُومَ، وحالف بيني وبينَ
_________________
(١) أخرجه البخاري ٤/ ٢٧١ في الاعتكاف: باب الاعتكاف في العشر الأواخر، و٤/ ٢٨٣ باب الاعتكاف في شوال. ومسلم رقم (١١٥٣) في الاعتكاف: باب متى يدخل من أراد الاعتكاف.
(٢) ٤/ ٢٨٤ في الاعتكاف: باب الاعتكاف في العشر الأوسط من رمضان و٩/ ٤٣ في فضائل القرآن: باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي - ﷺ -. وأخرجه أبو داود رقم (٢٤٦٦)، وابن ماجه رقم (١٧٦٩).
(٣) في ب، ش: "لاشتغاله".
(٤) في آ، ش: "بمناجاة".
(٥) في آ، ش، ع: "حصيرة"، وهما بمعنى. ويحتجر حصيرًا: أي يجعله لنفسه دون غيره.
(٦) هو داود بن نُصَيْر، أبو سليمان الطائي، الكوفي، ثقة، زاهد، من كبار أئمة الفقه والرأي، برع في العلم بأبي حنيفة، ثم أقبل على شأنه، ولزم الصمت. قال له رجل: أوصني، قال: اتَّق الله، وبرَّ والديك، ويحك! وصم الدنيا، واجعل فطرك الموت، واجتنب الناس غير تارك لجماعتهم. مات سنة ١٦٠ وقيل: ١٦٥ هـ. وقد سبقت ترجمته باختصار.
[ ٣٤٨ ]
السُّهادِ، وشوقي إلى النَّظر إليك أوبق (^١) مِنِّي اللَّذاتِ، وحَالَ بيني وبينَ الشَّهواتِ.
ما لي شُغُلٌ سِواهُ ما لي شُغُلُ … ما يَصْرِفُ عن قلبي هواه عَذْلُ (^٢)
ما أصنَعُ إنْ جَفَا وخَابَ الأمَلُ … منِّي بدَلٌ ومنه ما لي بَدَلُ
فمعنى الاعتكاف وحقيقتُهُ: قطعُ العلائِقِ عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالِق، وكلَّما قويتِ المعرفةُ بالله والمحبَّةُ له، والأنسُ به، أورثَتْ صاحبَها الانقطاعَ إلى الله تعالى بالكليّة على كُلِّ حالٍ. كان بعضُهم لا يزالُ منفردًا في بيته، خاليًا بربِّه، فقيل له: أمَا تستوحِشُ؟ قال: كيفَ أستوحِشُ وهو يقولُ: "أنا جليسُ مَن ذكرني".
أوحَشَتْنِي خَلَواتي … بكَ مِن كُلِّ أنيسي
وتفرَّدْتُ فَعَايَنْتُكَ … بالغَيْبِ جَليسِي
يا ليلةَ القَدْرِ للعابدين اشْهَدِي، يا أقدَامَ القانِتين ارْكَعِي لربِّكِ واسْجُدِي، يا ألسِنَةَ السَّائلين جُدِّي في المسألة واجْتَهِدِي.
يا رجالَ اللَّيلَ جُدُّوا … رُبَّ دَاعٍ لا يُرَدُّ
ما يقومُ اللَّيلَ إلَّا … مَنْ لَهُ عَزْمٌ وجِدُّ
ليلةُ القَدْر عندَ المحبِّين ليلةُ الحُظْوةِ بأُنْسِ مولاهم وقُرْبِه، وإنما يفرُّون من ليالي البُعْد والهجر. كان ببغداد موضعان يقال لأحدهما دارُ المُلْك، والأخرى (^٣) القطيعة، فجاز بعضُ العارفين بملَّاحٍ في سفينةٍ، فقال له: احمِلْني معكَ إلى دار المُلْك، فقال له الملاح: ما أقصِدُ إلَّا القطيص،، فصاح العارِفُ: لا بالله، لا بالله، منها أفِرُّ.
وليلةٍ بتُّ بأكنافِها … تعدِلُ عنديِ ليلةَ القَدْرِ
كانَتْ سلامًا لسروري بها … بالوَصْل (^٤) حتَّى مطلَعِ الفَجْرِ
_________________
(١) في آ: "أحرق"، وفي ط: "أوثق". وأوبق: ذلَّل وأهلك.
(٢) في آ: "ما يصرف عن هواه قلبي عذل".
(٣) في ش، ع: "وللأخرى". وبعدها في هامش آ: "دار".
(٤) في ش: "بالقرب".
[ ٣٤٩ ]
يا مَنْ ضَاعَ عُمُرُه في لا شيء، اسْتَدرِكْ ما فاتَكَ في ليلة القَدْرِ؛ فإنَّها تحسَبُ بالعُمرِ.
وليلة وَصْلٍ باتَ مُنْجِزُ وَعْدِهِ … سَمِيري فيها بعدَ طولِ مطالِ
شفيتُ بها قلبًا أُطِيلَ عليلُه (^١) … زمانًا فكانت ليلةً بليالي
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (^٢). [واختُلِفَ في ليلة القدر والحكمة في نزول الملائكة في هذه الليلة، أن الملوك والسادات لا يحبون أن يدخل دارهم أحد حتى يزينون دارهم بالفرش والبسط ويزينوا عبيدهم بالثياب والأسلحة، فإذا كان ليلة القدر أمر الربّ ﵎ الملائكة بالنزول إلى الأرض؛ لأنَّ العِبادَ زيَّنوا أنفسَهم بالطاعات؛ بالصَّوم والصَّلاةُ في ليالي رمضان، ومساجدَهم بالقنادِيلِ والمصَّابيحِ، فيقول الربُّ تعالى: أنتم طعنتم في بني آدم وقلتم ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ (^٣)، الآية، فقلْتُ لكم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، اذهبوا إليهم في هذه الليلة حتى تروهم قائمين ساجدين راكعين لتعلموا أنِّي اخترتهم على علم على العالمين] (^٤).
قال مالك: بلغني أنَّ رسولَ الله - ﷺ - أُرِي أَعْمَارَ النَّاس قبلَه، أو ما شاء اللهُ من ذلك، فكأنَّه تقاصَرَ أعْمَارَ أُمَّتِه ألَّا يبلُغُوا مِن العَمَل الذي بلَغَ غيرُهُم في طُول العُمُر، فأعطاهُ اللهُ ليلَةَ القَدْرِ خيرًا (^٥) مِن ألفِ شَهْرٍ (^٦). ورُوي عن مجاهدٍ، أن النبيَّ - ﷺ - ذَكَرَ رجلًا مِن بني إسرائيلَ لبِسَ السَّلاحِ ألفَ شهرٍ، فعجِبَ المسلمون من ذلك؛ فأنزَلَ اللهُ تعالى هذه السورة "ليلةُ القَدْرِ خيْرٌ مِن أَلْف شَهْرٍ" الذي لبس فيها ذلك الرجل (^٧) السِّلاحَ في سبيل الله ألفَ شهرٍ. وقال النَّخعِيُّ: العملُ فيها خيرٌ مِن العَمَلِ في ألف شهر.
_________________
(١) في ب، ط: "غليلُه".
(٢) سورة القدر الآيات ١ - ٣.
(٣) سورة البقرة الآية ٣٠.
(٤) ما بين قوسين زيادة في المطبوع لم ترد في باقي. النسخ، ولعلها من زيادات ناسخ المصرية.
(٥) في آ، ش: "خيرٌ".
(٦) الموطأ ١/ ٣٢١ في الاعتكاف: باب ما جاء في ليلة القدر. قال ابن عبد البر: هذا أحد الأحاديث الأربعة التي لا توجد في غير الموطأ، لا مسندًا ولا مرسلًا، وليس مها حديث منكر، ولا ما يدفعه أصل.
(٧) في هامش المطبوع: "قيل: إنه يوشع بن نون، ذكره صاحب روضة العلماء".
[ ٣٥٠ ]
وفي "الصحيحين" (^١) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ -، قال: "مَنْ قامَ ليلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تقدَّمَ مِن ذَنْبِه". وفي "المسند" (^٢) عن عُبَادَةَ بن الصَّامت، عن النبي - ﷺ -، قال: "من قامَها ابتغاءَها، ثم وقعَتْ له، غُفِرَ له ما تقدَّم مِن ذَنْبِه وما تأخر". وفي "المسند" (^٣) و"النسائي" عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ -، أنه قال في شهر رمضانَ: "فيه ليلَة خَيْرٌ مِن أَلْفِ شهرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَها فقد حُرِمَ". قال جُوَيْبر (^٤): قلْتُ للضحَّاك: أرأيتَ النفسَاءَ والحائضَ والمسافرَ والنَّائمَ لهم في ليلةِ القَدْرِ نصيبٌ؟ قال: نعم، كُلُّ مَن تقبَّلَ الله عَمَلَه سيعطيه نصيبَه مِن ليلة القَدْر.
إخواني! المعوَّلُ على القَبُولِ لا على الاجتهاد، والاعتبارُ ببرِّ القلوبِ لا بعمَلِ الأبدانِ. رُبٌّ قائمٍ حظُّه مِن قيامه السَّهَرُ؛ كم من قائمٍ محرومٍ، ومن نائمٍ مرحوم؛ هذا نام وقلبُه ذاكِرٌ، وهذا قامَ وقلبُه فاجر.
إنَّ المقاديرَ إذا ساعَدَتْ … أَلْحَقَتِ، النَّائمَ بالقَائمِ
لكنَّ العَبْدَ مأمورٌ بالسَّعي في اكتِساب الخيرات والاجتهاد في الأعمال الصالحات؛ وكُلٌّ مَيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له. أمَّا أهلُ الَسعادة فييسَّرُون لعمَلِ أهلِ السعادة، وأمَّا أهلُ الشَّقاوةِ فييسَّرون لعمَل أهلِ الشقاوة. ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (^٥). فالمبادرةَ المبادرةَ إلى اغتنام العَمَلِ فيما بقي من الشهر، فعسَى أن يُستدركَ به ما فات من ضياع العُمُر.
تولَّى العُمْرُ في سَهْوٍ … وفي لَهْوٍ وفي خُسْرِ
_________________
(١) أخرجه البخاري ٤/ ٢٥٠ في صلاة التراويح: باب فضل من قام رمضان، وباب فضل ليلة القدر وغيره. ومسلم رقم (٧٥٩) في صلاة المسافرين: باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح.
(٢) مسند أحمد ٥/ ٣١٨.
(٣) مسند أحمد ٢/ ٢٣٠، والنسائي ٤/ ١٢٩ في فضل شهر رمضان: باب ذكر الاختلاف على معمر فيه، بإسناد صحيح. وذكره الألباني في "صحيح سنن النسائي" ٢/ ٤٥٥ - ٤٥٦.
(٤) هو جُوَيبر بن سعيد الأزدي، أبو القاسم البلخي، نزيل الكوفة، ضعيف جدًّا، روى عن أنس بن مالك، وجوَّاب التيمي، والضحاك بن مزاحم، وجل روايته عنه.
(٥) سورة الليل الآيات ٥ - ١٠.
[ ٣٥١ ]
فيا ضيعَةَ ما أنفقْتُ في الأيَّامِ (^١) من عُمْرِي
وما لي في الَّذي ضَيَّعْتُ من عُمْرِي مِن عُذْرِ
فما أَغفَلَنا عن وا … جباتِ الحَمْدِ والشكرِ
أَمَا قَدْ خصَّنا الله … بِشَهْرٍ أيَّما شَهْرِ
بشهرٍ أَنْزَلَ الرَّحما … نُ فيهِ أَشْرَفَ الذِّكْرِ
وهل يشبهُهُ شَهْرٌ وفيهِ لَيْلَةُ القَدْرِ
فكم من خبرٍ صَحَّ … بما فيها مِن الخير (^٢)
رَوَيْنا عَنْ ثِقاتٍ أنَّها تُطْلَبُ في الوِتْرِ
فطُوَبى لامرئٍ يطلبُها في هذه العَشْرِ
ففيها تَنزِلُ الأملَا … كُ بالأنوارِ والبِرِّ
وقد قال: سَلامٌ هِيَ حتَّى مطلعَ الفَجْرِ
أَلَا فادَّخِرُوها … إنَّها مِن أَنْفَسِ الذُّخْرِ
فكَم مِن مُعْتَقٍ فيها … مِنَ النَّارِ ولا يَدْرِي
* * *