في "الصحيحين" (^٤) مِن حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ -، قال: "مَن صَامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ لَهُ ما تقدَّم مِن ذَنْبِه. ومَن قام ليلَةَ القَدْر إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه". وفيهما أيضًا من حديثِ أبي هريرة أيضًا
_________________
(١) لفظ "صالحًا" لم يرد في آ، ش.
(٢) في ش: "يكفيك منه".
(٣) في ط: "رب اعف عنه وعافه"، وفي ب، ش، ع: "يا رب فاعف عنه وعافه"، وأثبت ما جاء في نسخة (آ).
(٤) أخرجه البخاري رقم (١٩٠١) في الصوم: باب من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، وفي الإيمان: باب قيام ليلة القدر من الإِيمان، وباب تطوع قيام رمضان من الإِيمان، وياب صوم رمضان احتسابًا من الإيمان، وفي صلاة التراويح: باب فضل من قام رمضان، وباب فضل ليلة القدر. ومسلم رقم (٧٥٩) في صلاة المسافرين: باب الترغيب في قيام رمضان، وهو التراويح.
[ ٣٧١ ]
﵁، عن النبي - ﷺ -، قال: "مَن قام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ لَهُ ما تقدَّم مِن ذَنْبه".
وللنسائي في روايةٍ (^١): "مَن صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم مِن ذَنْبِه وما تأخَّر".
وقَد سَبَقَ في قيام ليلةِ القَدْر مثلُ ذلك مِن رواية عُبَادَةَ بن الصَّامت. والتكفيرُ بصيامه قد وَرَدَ مشروطًا بالتحفُّظِ مِمَّا ينبغي أن يُتحفَّظَ منه. ففي "المسند" (^٢) و"صحيح ابن حِبَّان" عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي - ﷺ -، قال: "مَن صام رمضانَ فعرَفَ حُدُودَه وتحفَّظ مِمَّا ينبغي له أن يتحفَّظَ منه، كفَّر ذلك ما قبلَه". والجمهور على أن ذلك إنَّما يكفَّر الصغائرَ، ويدُلُّ عليه ما خرَّجه مسلم (^٣) من حديثِ أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، قال: "الصَّلوات الخمسُ، والجُمُعَةُ إلى الجُمُعةِ، ورَمَضانُ إلى رَمَضَانَ، مكفِّرات لِما بينهنَّ، ما اجتُنِبَتِ الكبائر". وفي تأويله قولان:
أحدُهما: أن تكفِيرَ هذه الأعمال مشروطٌ باجتناب الكبائر، فمن لم يجتنِبِ الكبائرَ لم تكفّر له هذه الأعمالُ كبيرةً ولا صغيرةً.
والثاني: أن المراد أن هذه الفرائض تكفِّرُ الصغائرَ خاصَّةً بكُلِّ حالٍ، وسواء اجتُنِبت الكبائرُ أو لم تُجتَنَبْ، وأنَّها لا تكفِّر الكبائرَ بحالٍ.
وقد قال ابنُ المنذر في قيام ليلَةِ القَدْر: إنَّه يُرْجَى به مغفرةُ الذنوبِ؛ كبائرِها وصغائرِها. وقال غيرُه مثلَ ذلك في الصَّوم أيضًا. والجمهور على أن الكبائرَ لا بُدَّ لها من توبةٍ نَصُوحٍ. وهذه المسائل قد ذكرناها مستوفاةً في مواضِعَ أُخَرَ.
فدَلَّ حديثُ أبي هريرة ﵁ على أن هذه الأسبابَ الثلاثَة كُلُّ واحدٍ منها
_________________
(١) النسائي ٤/ ١٥٥ - ١٥٧ في الصوم: باب ثواب من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا.
(٢) مسند أحمد ٣/ ٥٥، وصحيح ابن حبان (٨٧٩) موارد، والترغيب والترهيب ٢/ ٩١.
(٣) رقم (٢٣٣) في الطهارة: باب الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن. وروى الأول منه الترمذي رقم (٢١٤) في الصلاة: باب ما جاء في فضل الصلوات الخمس.
[ ٣٧٢ ]
مكفِّرٌ لِما سَلَفَ من الذُّنوبِ، وهي صيامُ رمضانَ، وقيامُهُ، وقيامُ ليلَةِ القَدْر. فقيامُ ليلَةِ القَدْر بمجردِهِ يكفِّر الذنوبَ لمن وَقَعَتْ له، كما في حديث عُبَادَةَ بن الصَّامت، وقد سَبَقَ ذكره. وسواءٌ كانت في أوَّل العَشْر أو أوْسَطه أو آخره، وسواءٌ شَعَرَ بها أو لم يَشْعُر. ولا يتأخَّرُ تكفيرُ الذنوب بها إلى انقضاءِ الشَّهْرِ.
وإمَّا صيامُ رمضانَ وقيامُه، فيتوقَّفُ التكفيرُ بهما على تمام الشهر، فإذا تمَّ الشَّهْرُ فقد كَمُلَ للمؤمِنِ (^١) صيامُ رَمَضَانَ وقيامُه، فيترتَّبُ له على ذلك مغفِرةُ ما تقدَّم من ذَنْبِه بتمام السَّببين، وهما صيامُ رمضان وقيامُه. وقد يقال: إنه يُغفر لهم عند استكمال القيام في آخر ليلةٍ من رمضان، بقيام رمضان قبلَ تمامِ نهارِها، وتتأخَّر المغفرة بالصيام إلى إكمال النهار بالصَّوم، فيغفَرُ لهَم بالصوم في ليلة الفِطْر. ويدلُّ على ذلك ما خرَّجه الإِمام أحمد (^٢) من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: "أُعْطِيَتْ أمتي خَمسَ خِصالٍ في رمضانَ لم يُعْطَها أمَّةٌ غيرُهم: خُلُوفُ فمِ الصَّائمِ أطيَبُ عندَ اللهِ مِن ريح المِسْكِ، وتَستغفِرُ لهم الملائكة حتى يُفْطِروا، ويُزَيِّنُ الله كُلَّ يومٍ جنَّته، ويقولُ: يوشِكُ عبادِي أن يُلقوا (^٣) عنهم المؤونة والأذَى ويَصيروا إليك، ويصفَّدُ فيه مَرَدَةُ الشياطين؛ فلا يخلُصُون فيه إلى ما كانوا يخلُصُون إليه في غيره، ويُغفر لهم في آخر ليلةٍ فيه، فقيلَ له: يا رسولَ اللهِ، أهِيَ ليلَةُ القَدْرِ؟ قال: لا، ولكن العامِل إنما يوفَّى أجْرَه إذا قَضَى عَمَلَه".
وقد رُوِي أن الصَّائمين يَرجعون يومَ الفِطْرِ مغفورًا لهم، وأنَّ يومَ الفِطر يُسمَّى يومَ الجوائز؛ وفيه أحاديث ضعيفة. وقال الزُّهريّ: إذا كان يومُ الفِطْر خَرَجَ النَّاسُ إلى الجَبَّان (^٤) اطَّلَع الله عليهم، فقال: عبادِي! لي صمْتُمْ، ولي قمتُمْ، ارْجِعُوا مغفورًا لكم. قال مورِّق العِجْليُّ لبعض إخوانه في المصَلَّى يومَ الفِطْر: يَرجعُ هذا اليوم قومٌ كما
_________________
(١) في ع: "للمؤمنين".
(٢) مسند أحمد ٢/ ٢٩٢، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٤٠ وقال: رواه أحمد والبزار، وفيه هشام بن زياد أبو المقدام، وهو ضعيف. وانظر المطالب العالية (٩٣٢) ومشكل الآثار ٤/ ١٤٢.
(٣) في ط: "يكفوا".
(٤) في ب، ط: "الجبار". والجَبَار: فناء الجَبَّان. والجَبَّان بمعنى الجَبَّانة، ثبوت الهاء أكثر من حذفها، وهي المصلَّى في الصحراء، وربَّما أطلقت على المقبرة؛ لأن المصلَّى غالبًا تكون في المقبرة. (اللسان، والمصباح المنير: جبر، جبن).
[ ٣٧٣ ]
ولدتهُم أمَّهاتُهم. وفي حديث أبي جعفر الباقر المرسل: "مَن أتى عليه رمضانُ فصَامَ نهارَهُ، وصلَّى وِرْدًا مِن ليله، وغَضَّ بَصَرَه، وحفِظَ فَرْجَهُ ولسانَه ويَدَه، وحافَظَ على صلاتِهِ في الجماعة، وبكَّر إلى جمعةٍ (^١)، فقد صام الشَّهْرَ واستكملَ الأجْرَ، وأدرَكَ ليلَة القَدْرِ، وفاز بجائزة الرَّبِّ". قال أبو جعفر: جائزةٌ لا تشبِه جوائزَ الأمراءِ. إذا كمَّل (^٢) الصائمون صيامَ رمضانَ وقيامَه، فقد وفَّوْا ما عليهم من العَمَلِ، وبقي ما لهم من الأجر وهو المغفرة؛ فإذا خَرَجُوا يومَ عيدِ الفِطْر إلى الصَّلاة قُسِّمَتْ عليهم أجورُهم، فرجعوا إلى منازِلهم وقد استَوْفَوا الأجْرَ واستكملوه، كما في حديث ابن عباسٍ ﵄ المرفوع: "إذا كان يومُ الفِطْرِ هَبَطَتِ الملائكةُ إلى الأرض، فيقومون (^٣) على أفواه السِّكَكِ يُنادُونَ بِصَوْتٍ يسمَعُهُ جميعُ مَن خَلَقَ الله، إلَّا الجِنَّ والإِنسَ، يقولون: يا أمَّةَ محمدٍ! اخرُجوا إلى رَبٍّ كريم يُعطِي الجَزِيلَ، ويغفِرُ الذَّنْبَ العظيم، فإذا برزوا إلى مُصلَّاهم، يقولُ الله ﷿ لملائكته: يا ملائكتي! ما جزاءُ الأجير إذا عمِلَ عملَهُ؟ فيقولون: إلهنا وسيِّدنا! أنْ توفِّيَه أَجْرَهُ، فيقول: إنِّي أُشهِدُكُم أنِّي قد جَعَلْتُ ثوابَهم مِن صيامِهم وقيامِهم رضائي (^٤) ومغفرتي، انصرِفوا مغفورًا لكم. خرَّجه سلمة بنُ شبيبٍ في كتاب "فضائل رمضان" وغيره. وفي إسناده مقالٌ.
وقد رُوي من وجهٍ آخر عن عِكْرِمَةَ، عن ابن عبَّاس ﵄ موقوفًا بعضُه.
وقد رُوِي معناه مرفوعًا من وجوهٍ أخَرَ فيها ضعفٌ؛ مَنْ وفَّى ما عليه من العمل كاملًا وُفِّي له الأجْرُ كاملًا، ومَن سَلَّم ما عليه موفَّرًا تسَلَّم ماله نقدًا لا مؤخَّرًا.
ما بِعتُكم مهجَتي إلا بوَصْلِكُمُ … ولا أُسَلِّمُها إلَّا يدًا بيدِ
فإنْ وَفَيْتُمْ بما قلْتُمْ وَفَيْتُ أنا (^٥) … وإن أبيْتم يكونُ الرَّهْنُ تحتَ يَدِي (^٦)
_________________
(١) في آ: "جُمَعِه"، وفي ع: "الجمعة".
(٢) في ب، ط: "أكمل".
(٣) في آ، ع: "فيقفون".
(٤) في آ، ع: "مرضاتي".
(٥) في ب: "وفيت لكم".
(٦) هذا البيت لم يرد في آ، ش، ع.
[ ٣٧٤ ]
ومَن نقص من العمل الذي عليه نُقِّصَ من الأجر بحسب نَقْصِه، فلا يَلُم إلَّا نفسَه. قال سلمان: الصَّلاةُ مِكْيالٌ، فمن وفَّى وُفِّي له، ومن طَفَّفَ فَقَد علمتُم ما قيل في المطفِّفين (^١). فالصِّيامُ وسائرُ الأعمال على هذا المنوالِ؛ مَن وفَّاها فهو من خِيارِ عِبادِ الله الموفِّين (^٢)، ومَنْ طفَّفَ فيها فويلٌ للمطفِّفين. أَمَا يستحيي مَن يستَوْفي مِكْيالَ شَهَواتِهِ، ويطفِّفُ في مِكْيالِ صيامِهِ وصلاتِه، أَلا بُعْدًا لِمْديَن (^٣). في الحديث: "أسوأُ الناسِ سرقة الذي يَسْرِقُ صلاتَه" (^٤). إذا كان الوَيْلُ لمن طَفَّفَ مِكيالَ الدُّنيا، فكيف حالُ مَن طفَّف مِكيالَ الدِّين! ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (^٥).
غدًا تُوفَّى النفوسُ ما كسَبَتْ … ويحصُدُ الزَّارِعونَ ما زَرَعوا
انْ أحسَنُوا أحسَنُوا لأنفُسِهم … وإن أساؤوا فبئسَ ما صَنَعُوا
كان السَّلفُ الصَّالح يجتهدون في إتمام العمَلِ وإكماله وإتقانه، ثم يهتمُّون بعد ذلك بقبوله، ويخافون من رَدِّه، وهؤلاء الذين ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ (^٦). رُوي عن علي ﵁، قال: كونوا لقَبُولِ العَمَلِ أشدَّ اهتمامًا منكم بالعمل، ألم تسمَعُوا الله ﷿ يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (^٧). وعن فَضَالَةَ بن عُبيد (^٨)، قال: لأنْ أكونَ أعلَمُ أنَّ الله قد تقبَّلَ منِّي مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَل أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها؛ لأنَّ الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.
_________________
(١) أي: في قوله تعالى من سورة المطففين: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾.
(٢) في ش: "المؤمنين"، ولم ترد لفظة "الموفين" في نسخة (آ).
(٣) في ش: "للمذنبين". والبعد: الهلاك، والتباعد من الخير. أي لا زالوا مبعدين عن رحمة الله كما بعدت مدين التي أهلكها الله.
(٤) رواه أحمد في "المسند" ٥/ ٣١٠ عن أبي قتادة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أسوأ الناس سرقة الذي يسرق في صلاته. قالوا: يا رسول الله! وكيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها". صححه الحاكم ١/ ٢٢٩ ووافقه الذهبي، ورواه الطبراني عن أبي هريرة. وفي الموطأ ١/ ١٦٧ عن النعمان بن مُرَّة، بنحوه. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢/ ١٢٠ وقال: "رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ورجاله رجال الصحيح".
(٥) سورة الماعون الآية ٤ و٥.
(٦) سورة المؤمنون الآية ٦٠.
(٧) سورة المائدة الآية ٢٧.
(٨) هو فَضَالة بن عُبَيد بن نافذ بن قيس، أبو محمد الأنصاري الأوسي، صاحب رسول الله - ﷺ -، من أهل بيعة الرضوان. ولي الغزو لمعاوية، ثم ولي له قضاء دمشق. مات سنة ٥٨ هـ، وقيل قبلها. (ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء ٣/ ١١٣ - ١١٧ وأورد الخبر).
[ ٣٧٥ ]
وقال ابنُ دينار (^١): الخوفُ على العمل أن لا يُتَقَبَّلَ أشَدُّ مِن العَمَل. وقال عطاء السَّليمي (^٢): الحذرُ: الاتقاءُ على العمل أن لا يكونَ لله. وقال عبد العزيز بن أبي دَوَّاد (^٣): أدركتُهم يجتهدون في العمل الصالح، فإذا فَعَلُوه وَقَعَ عليهم الهمُّ، أيقبَلُ (^٤) منهم أم لا.
قال بعضُ السَّلف: كانوا يدعُون الله ستَّةَ أشهرٍ أن يُبلِّغَهم شَهْرَ رمضان، ثم يدعون الله ستَّةَ أشْهُرٍ أن يتقبَّلَهُ منهم.
خرَجَ عمرُ بنُ عبد العزيز ﵀ في يوم عيدِ فِطْرٍ، فقال في خُطبته: أيُّها الناس! إنَّكم صُمتم لله ثلاثين يومًا، وقُمْتُم ثلاثين لَيلَةً، وخَرَجْتُم اليومَ تطلبون من الله أن يتقبَّل (^٥) منكم. كان بعضُ السَّلف يَظْهَرُ عليه الحزنُ يومَ عيدِ الفِطْر، فيقال له: إنَّه يومُ فَرَحٍ وسرورٍ، فيقول: صدقتم، ولكنِّي عبدٌ أمرني مولاي أن أعمَلَ له عملًا، فلا أدري أيقبلُه منِّي أم لا؟
رأى وُهَيْبُ (^٦) بنُ الورد قومًا يضحكون في يوم عيدٍ، فقال: إن كان هؤلاء تُقُبِّلَ منهم صيامُهم فما هذا فعلُ الشاكرين، وإن كانوا لمَ يُتَقَبَّلْ منهم صيامهم فما هذا فعلُ الخائفين. وعن الحسن، قال: إنَّ الله جَعَلَ شَهْرَ رمضانَ مضمارًا (^٧) لخلقه يستبِقُون فيه بطاعتِه إلى مَرْضَاتِه، فَسَبَقَ قَوْمٌ ففازوا، وتخلَّف آخرون فخابُوا. فالعجَب من اللاعِب الضَّاحِك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر فيه المبطِلُون.
_________________
(١) في ع: "مالك بن دينار". وكنيته أبو يحيى، زاهد، عابد، صدوق، معدود في ثقات التابعين، ومن أعيان كتبة المصاحف. مات نحو سنة ١٣٠ هـ. (سير أعلام النبلاء ٥/ ٣٦٢).
(٢) في ط، ش، ع: "السلمي". وهو أبو عبد الله بن أبي عبيدة البصري، من صغار التابعين، أدرك أنس بن مالك وسمع من الحسن البصري. كان زاهدا عابدًا، وله حكايات في الخوف وإزرائه على نفسه. قيل: مات بعد سنة ١٤٠ هـ. (صفة الصفوة ٣/ ٣٢٥، سير أعلام النبلاء ٦/ ٨٦).
(٣) شيخ الحرم، وأحد الأئمة العبّاد، صدوق، رمي بالإرجاء، توفي سنة ١٥٩ هـ. (سير أعلام النبلاء ٧/ ١٨٤).
(٤) في آ: "تُقُبِّلَ أم لا"، وفي ع: "أتقبل أَم لا".
(٥) في آ، ش: "يتقبَّله منكم".
(٦) في ط: "وهب". وهو وُهيْب بن الورد القرشي، أبو عثمان المكي الزاهد، وثقه ابن معين والنسائي، روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. قال ابن حبان: مات سنة ١٥٣ هـ.
(٧) لفظ "مضمارًا" لم يرد في آ، ش، ع.
[ ٣٧٦ ]
لعلك غَضْبان وقلبيَ غافِلُ … سلامٌ على الدَّارين إن كنْتَ راضِيا
رُوِي عن عليٍّ ﵁ أنَّه كان ينادِي في آخر ليلةٍ من شهر رمضانَ: يا ليتَ شِعْرِي! مَن هذا المقبول فنهنِّيه؟ ومَن هذا المحرومُ فنُعَزِّيه؟ وعن ابن مسعودٍ أنَّه كان يقول: مَن هذا المقبُولُ منا فنُهنِّيه؟ ومَن هذا المحرومُ منَّا فنعزِّيه؟. أيُّها المقبولُ هنيئًا لكَ، أيُّها المردود جَبَرَ الله مُصيبتك!
ليتَ شِعْرِي مَنْ فيه يُقْبَلُ مِنَّا … فيُهَنَّا يا خيبة (^١) المَرْدُودِ
مَنْ تولَّى عنهُ بغيْرِ قَبُولٍ … أَرْغَمَ اللهُ أنفَهُ بِخِزيٍ شَديدِ
ماذا فات مَنْ فاته خيرُ رمضانَ؟ وأيّ شيءٍ أدرَكَ مَن أدرَكَه فيه الحرمانُ؟ كم بينَ مَن حَظُّهُ فيه القَبولُ والغفرانُ، ومَن كان حظُّه فيه الخَيبةُ والخُسْرَانُ. رُبَّ قائمٍ حظُّه مِن قيامِه السَّهَرُ، وصائمٍ حظُّه من صيامِهِ الجُوعُ والعَطَشُ.
ما أصنعُ؟ هكذا جَرَى المقدورُ … الجَبْرُ لغيري وأنا المكسُورُ
أَسيرُ ذنبٍ (^٢) مقيَّدٌ مهجُورُ … هل يُمكنُ أن يُغيَّر المقدورُ
[غيره] (^٣):
سار القوم والشَّقا يُقعِدُني … حَازُوا القربَ والجَفَا يُبعِدُني (^٤)
حسبي حسبي إلى متى تطرُدني أعداي دائي وكلُّهم يقصِدُني
غيره:
أسبابُ هواكَ أَوْهَنَتْ أَسْبَابي … مِن بَعْدِ جَفَاكَ فالضَّنَى أَوْلَى بي
ضاقَتْ حِيَلي وأَنْتَ تدرِي ما بى … ارْحم (^٥)، فالعَبْدُ واقفٌ بالبابِ
شهرُ رمضانَ تكثُر فيه أسبابُ الغفران؛ فمن أسباب المغفرة فيه: صيامُه،
_________________
(١) في آ، ش: "ويا خيبة".
(٢) في آ: "ذنبي".
(٣) زيادة من ع، ط.
(٤) روايته في ش: من سار إليك فالشقا يقدني … أو حاز رضاك فالجَفَا يبعدني
(٥) في ب، ط: "فارحم".
[ ٣٧٧ ]
وقيامُه، وقيامُ ليلَةِ القَدْر فيه، كما سبق. ومنها: تفطيرُ الصُّوَّام، والتخفيفُ عن المملوك، وهما مذكوران في حديث سلمان المرفوع. ومنها: الذكر. وفي حديثٍ مرفوع: "ذاكِرُ الله في رمضانَ مغفورٌ له" (^١). ومنها: الاستغفارُ، والاستغفارُ طلَبُ المغفرةِ. ودعاءُ الصَّائم يستجابُ في صيامِه وعند فِطْره؛ ولهذا كان ابنُ عمر إذا أفطَرَ يقولُ: اللهم، يا واسِعَ المغفرة اغفر لي. وفي حديث أبي هريرة ﵁ المرفوع في فضل شهر رمضان: ويغفَرُ فيه إلَّا لمن أَبَى، قالوا: يا أبا هريرة! ومَن يأبى؟ قال: يأبَى أن يستغفرَ الله. ومنها: استغفارُ الملائكة للصَّائمين حتى يُفطِروا، وقد تقدَّم ذكرُه.
فلما كثُرَتْ أسبابُ المغفرة في رمضان كان الذي تفوتُه المغفرةُ فيه محرومًا غايةَ الحرمان.
في "صحيح ابن حبَّان" (^٢) عن أبي هريرة ﵁، أن النبي - ﷺ - صَعِدَ المِنْبَرَ فقال: آمين، آمين، آمين! قيل: يا رسولَ الله، إنَّك صَعِدْتَ المِنْبَرَ فقلت: آمين آمين آمين؟ قال: إنَّ جبريل أتاني، فقال: مَنْ أدْرَكَ شهرَ رمضانَ فلم يُغْفَرْ له فدَخَلَ النار، فأبعَدَهُ الله، قل: آمين، فقلت: آمين. ومَن أدرَكَ أبوَيْه أو أحدَهما فلم يبرَّهما، فمات، فدَخَلَ النار، فأبعَدَهُ الله، قل: آمين، فقلت: آمين. ومَن ذُكِرْتَ عندَه فلم يُصَلِّ عليك، فمات، فدخَلَ النار فأبعَدَه الله، قل: آمين، فقلت: آمين. وخرَّجه الإمام أحمد (^٣)، والترمذي، وابنُ حِبَّان أيضًا من وجهٍ آخر عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا بلفظ "رِغمَ أنفه". وحسَّنه الترمذيّ. وقال سعيدٌ عن قتادة: كان يقال: من لم يُغْفَرْ لَهُ في رمضانَ فلن يغفَرَ له فيما سواه.
_________________
(١) أورده السيوطي في "الجامع الصغير" رقم (٤٣١٢) وعزاه إلى الطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان، عن عمر بن الخطاب ﵁. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٤٣ وقال: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه هلال بن عبد الرحمن وهو ضعيف". وهو في "ضعيف الجامع الصغير" للألباني رقم (٣٠٣٨)، وانظر الترغيب والترهيب ٢/ ١٠٤.
(٢) صحيح ابن حبان ٢/ ١٢١ باب حق الوالدين، وإسناده ضعيف، وانظر تخريجه فيه. وانظر الترغيب والترهيب ٢/ ٩٣، ٥٠٧.
(٣) مسند أحمد ٢/ ٢٥٤، والترمذي رقم (٢٥٣٩) في الدعوات: باب رقم (١١٠)، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. والحديث صحيح، له شواهد كثيرة عن جماعة من الصحابة خرجها الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب" ٢/ ٥٠٦ - ٥٠٨.
[ ٣٧٨ ]
وفي حديثٍ آخَرَ: "إذا لم يُغفَرْ له في رمضان فمتى يُغفَرُ لمن لا يغفَر (^١) له في هذا الشهر؟ متى يقبَلُ مَن رُدَّ في ليلة القدر؟ متى يصلُح من لا يصلُح في رمضان؟ متى يصح من كان به فيه من داءِ الجهالة والغفلةِ مَرضان؟ كُل ما لا يثمِرُ من الأشجار في أوان الثمار؛ فإنَّه يُقطَعُ ثمَّ يوقَدُ في النار. من فرَّط في الزَّرْع في وقت البِذار، لم يحصُدْ يومَ الحصاد غيرَ النَّدم والخَسَار.
ترحَّلَ الشَّهرُ وا لهفاهُ وانْصَرَما (^٢) … واخْتَصَّ بالفوز في الجنَّاتِ مَن خَدَما
وأصبَحَ الغافِلُ المِسْكِينُ منكسِرًا … مثْلِي فيا ويحَهُ يا عُظْمَ ما حُرِمَا
من فاتَهُ الزَّرْعُ في وَقْتِ البذارِ فَمَا … تراهُ يحصُدُ إلَّا الهَمَّ والنَّدَما
شهر رمضان شهرٌ أوَّلُه رحمةٌ، وأوسَطُه مغفرةٌ، وآخرُه عِتْقٌ مِن النَّار. رُوِي هذا عن النبي - ﷺ -، من حديث سلمان الفارسي. خرَّجه ابنُ خُزَيمة في "صحيحه" (^٣).
ورُوي عنه أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁، خرَّجه ابنُ أبي الدنيا وغيره.
والشهرُ كلُّه شَهْرُ رَحْمَةٍ ومغفرةٍ وعِتْقٍ، ولهذا في الحديث الصحيح: أنَّه تُفتَحُ فيه أبوابُ الرَّحمة.
وفي الترمذي (^٤) وغيرِه: "إنَّ لله عتقاءَ مِن النَّارِ، وذلك في كُل ليلةٍ". ولكنَّ الأغلبَ على أوَّله الرحمةُ، وهي للمحسنين المتقين. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٥). وقال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا
_________________
(١) في آ: "لم يغفر له".
(٢) في ب، ط: "ترحَّل شهر الصبر وا لهفاه … ".
(٣) قطعة من حديث رواه ابن خزيمة في "صحيحه" ٣/ ١٩١ رقم (١٨٨٧) في الصيام: باب فضائل شهر رمضان إن صح الخبر. وإسناده ضعيف؛ لضعف علي بن زيد بن جدعان. قال البنا في "الفتح الرباني" ٩/ ٢٣٣: رواه ابن خزيمة في صحيحه، ثم قال: إن صحَّ الخبر، ورواه أبو الشيخ ابن حبان في الثواب.
(٤) جزء من حديث رواه الترمذي رقم (٦٨٢) في الصوم: باب ما جاء في فضل شهر رمضان. وفي حديث صحيح أخرجه ابن ماجه رقم (١٦٤٣) في الصيام: باب ما جاء في فضل شهر رمضان، عن جابر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إنَّ لله عند كل فطر عتقاء، وذلك في كل ليلة". وفي مسند أحمد ٢/ ٢٥٤ عن أبي هريرة أو أبي سعيد، بإسناد صحيح: "إن لله عتقاء في كل يوم وليلة، لكل عبد منهم دعوة مستجابة".
(٥) سورة الأعراف الآية ٥٦.
[ ٣٧٩ ]
لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (^١). فيفاضُ على المتَّقين في أوَّلِ الشهْرِ خِلَعُ الرَّحمةِ والرُّضوانِ، ويُعامَلُ أهلُ الإحسان بالفضل والإِحسان. وأمَّا أوسطُ الشهر، فالأغلبُ عليه المغفِرَةُ، فيُغفَرُ فيه للصَّائمين وإن ارتكَبُوا بعضَ الذنوب الصغائر فلا يمنعهم ذلك من المغفرة، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ (^٢).
وأمَّا آخِرُ الشهر فيُعتقُ فيه من النار مَن أوبقَتْه (^٣) الأوزار، واستوجَب النار بالذنوب الكبار.
وفي حديث ابن عباس المرفوع: "لله في كُل ليلةٍ في شهر رمضان عند الإفطار ألفُ ألفُ عتيقٍ من النار، فإذا (^٤) كان ليلةُ الجمعة أو يوم الجمعة، أعتق في كل ساعةٍ فيها ألف ألف عتيق من النار، كلُّهم قد استوجَبُوا العذاب (^٥)، فإذا كان آخر ليلةٍ من شهر رمضان أعتق الله في ذلك اليوم بعدد ما أعتَقَ مِن أول الشهر إلى آخِرِه. خرجه سلمة بن شبيب وغيرُه. وإنما كان يوم الفطر من رمضان عيدًا لجميع الأمة، لأنَّه يعتَقُ فيه أهلُ الكبائر من الصَّائمين مِن النار، فَيَلْتَحق فيه المذنبون بالأبرار. كما أن يوم النَّحر هو العيدُ الأكبر؛ لأنَّ قبلَه يومَ عَرَفَةَ، وهو اليوم الذي لا يُرَى في يوم من الدنيا أكثَرُ عتقًا من النار منه، فمن أُعتِقَ من النَّار في اليومين فله يومُ عيدٍ، ومَن فاته العِتْق في اليومين فله يومُ وعيدٍ. [أنشد الشبلي] (^٦):
ليس عيدُ المحبِّ قَصْدَ المصلَّى … وانتظارَ الأميرِ والسُّلطانِ
إنَّما العيدُ أن تكون لَدَى اللهِ … كَريمًا مُقَرَّبًا في أمانِ
ورؤي بعضُ العارفين ليلةَ عيدٍ في فلاةٍ يبكي على نفسِه وينشِدُ:
بِحُرْمَةِ غُرْبَتي كم ذا الصُّدُودُ … أَلَا تعطِف عليَّ أَلا تَجُودُ
سُرورُ العيدِ قد عَمَّ النَّواحِي … وَحُزْنِي في ازْدِيادٍ لا يَبيدُ
فإنْ كنْتُ اقْتَرَفْتُ خلالَ سُوءٍ … فَعُذْرِي في الهَوَى أن لا أعودُ
_________________
(١) سورة الأعراف الآية ١٥٦.
(٢) سورة الرعد الآية ٦.
(٣) أوبقته: أهلكته.
(٤) حتى قوله: "من النار" ساقط في ط.
(٥) في ب، ط: "النار".
(٦) زيادة من آ، ش، ع.
[ ٣٨٠ ]
لمَّا كانت المغفرةُ والعِتْقُ من النار كل منهما مرتّبًا على صيام رمضانَ وقيامِه، أمر الله ﷾ عندَ إكمال العِدَّةِ بتكبيره وشكرِه، فقال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (^١)، فشُكْرُ مَن أَنعَمَ على عباده بتوفِيقِهم للصِّيام، وإعانتهم عليه، ومغفرته لهم به، وعتقِهم من النَّار، أن يذكُروه ويشكروه ويتَّقوه حقَّ تُقَاتِهِ. وقد فسَّر ابنُ مسعودٍ ﵁ تقواه حقَّ تُقاتِه بأنْ يطاعَ فلا يُعْصَى، ويذكَرَ فلا يُنْسَى، ويُشْكَرَ فلا يُكْفَر. فيا أربابَ الذُّنوب العظيمة! الغنيمةَ الغنيمةَ في هذه الأيام الكريمة؛ فما منها عوض ولا لها قيمة، فكم (^٢) يعتق فيها من النَّار من ذي جريرة وجريمة، فمن أعتق فيها من النَّار فقد فاز بالجائزة العميمة (^٣) والمنحة الجسيمة.
يا من أعتقَهُ مولاهُ مِن النَّار! إيَّاك أن تعودَ بعد أن صِرْتَ حُرًّا إلى رِقِّ الأوزار. أيبعدُكَ مولاك عن النار وأنت تتقرَّبُ منها؟ وينقذُكَ منها وأنتَ توقِعُ نفسَكَ فيها ولا تحيد عنها؟!
وإنَّ امْرَءًا ينجُو مِن النَّار بعدَما … تزوَّدَ مِن أعمالِها لَسَعيدُ
إن كانت الرَّحمة للمحسنين فالمسيء لا ييأسُ منها، وإن تكن المغفرة مكتوبة للمتقين فالظَّالم لنفسه غيرُ محجوب عنها.
إن كان عَفْوُك لا يرجُوُه ذو خطأٍ … فمن يَجُودُ على العاصِين بالكَرَمِ
غيره:
إن كان لا يرجُوكَ إلَّا مُحْسِنٌ … فمن الذي يَرْجُو وَيدْعُو المُذْنِبُ
[غيره:
لم لا يُرْجَى العَفْوُ من رَبِّنا … وكيفَ لا يطمَعُ في حلْمِهِ
_________________
(١) سورة البقرة الآية ١٨٥.
(٢) حتى قوله: "وجريمة" ساقط في ط.
(٣) في ش، ط: "لعظيمة".
[ ٣٨١ ]
وفي الصحيحين (^١) أتى إنه … بعبدِهِ أَرْحَمُ من أُمِّه] (^٢)
﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (^٣). فيا أيُّها العاصي - وكلُّنا ذلك - لا تقنَطْ مِن رحمةِ الله لسوء أعمالِك، فكم يُعتَقُ مِن النار في هذه الأيام مِن أمثالك. فأحْسِن الظَّنَّ بمولاك وتُبْ إليه؛ فإنَّه لا يهلك على الله إلَّا (^٤) هالك.
إذا أوجَعَتْكَ الذُّنوبُ فداوِها … بِرَفْعِ يَدٍ في اللَّيلِ واللَّيلُ مُظْلِمُ
ولا تقنَطَنْ مِن رَحْمَةِ اللهِ إنَّما … قنوطُكَ منها مِن ذنُوِبك أعظَمُ
فرحْمَتُه للمُحْسِنين كَرامةٌ … ورَحْمَتُهُ للمذنبين تَكَرُّم
ينبغي لمن يرجُو العِتقَ في شهر رمضانَ مِن النار أن يأتيَ بأسبابٍ توجِبُ العِتْقَ مِن النَّارِ، وهي متيسِّرة في هذا الشهر. وكان أبو قلابَةَ يُعتِقُ في آخر الشهر جاريةً حسناءَ مزينة (^٥) يرجو بعتقِها العِتْقَ مِن النار. وفي حديث سلمان [الفارسي] (^٦) المرفوع الذي في صحيح ابن خُزَيمة (^٧): "مَن فَطَّر فيه صائمًا كان عتقًا لَهُ مِن النار. ومَن خَفَّفَ فيه عن مملوكه كان له عِتْقًا من النار".
وفيه (^٧) أيضًا: "فاستكثروا فيه من أربع خصال: خَصلتين تُرْضُونَ بهما ربَّكم، وخَصلتين لا غناء بكم عنهما. فأمَّا الخَصلتان اللتان تُرضون بهما ربَّكم فشهادةُ أن لا إله إلَّا الله، والاستغفار (^٨). وأمَّا اللتان (^٩) لا غناء لكم عنهما، فتسألون الله الجنَّة، وتعوَّذون به من النار". فهذه الخصالُ الأربع المذكورة في هذا الحديث كُلٌّ منها سببٌ للعتق والمغفرة. فأمَّا كلمةُ التوحيد، فإنَّها تهدِمُ الذُّنوبَ وتمحُوها محوًا، ولا تبقي ذنبًا، ولا يسبقها عملٌ. وهي تعدِلُ عِتْقَ الرِّقاب الذي يوجِبُ العِتْقَ مِن النَّار.
_________________
(١) في ط: "وفي الصحيح أنَّه".
(٢) هذان البيتان زيادة من ب، ط، ولم يردا في آ، ش، ع. وقد نثرا في المطبوع.
(٣) سورة الزمر الآية ٥٣.
(٤) لفظ "إلا" لم يرد في ع، ط.
(٥) في آ: "مُرَبّية".
(٦) زيادة في المطبوع.
(٧) ٣/ ١٩٢ رقم (١٨٨٧) في الصيام، وقد سبق تخريجه.
(٨) في صحيح ابن خزيمة: "وتستغفرونه".
(٩) في آ، ش: "التي".
[ ٣٨٢ ]
ومَن أتى بها أربعَ مرارٍ: حين يُصبح وحين يُمسي، أعتَقَه الله مِن النار، ومَن قالها خالصًا (^١) من قلبه حرَّمه الله على النار.
وأمَّا كلمةُ الاستغفار، فمِن أعظَمِ أسبابِ المغفرة، فإن الاستغفار دعاءٌ بالمغفرة، ودُعاءُ الصَّائم مستجابٌ في حالِ صيامِه، وعند فِطْره. وقد سَبَقَ حديثُ أبي هريرة المرفوع: وَيُغْفَرُ فيه - يعني شهرَ رمضان - إلَّا لمن أبى. قالوا: يا أبا هريرة! ومن أبى؟ قال: مَن أبى أن يستغفِرَ الله ﷿. قال الحسن: أكثِروا من الاستغفار، فإنكم لا تدرون متى تنزِلُ الرَّحمة. وقال لقمان لابنه: يا بُني! عَوِّدْ لسانَكَ الاستِغفار؛ فإنَّ لله ساعاتٍ لا يَرُدُّ فيهنَّ سائلًا. وقد جمع الله بين التوحيد والاستغفار في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ (^٢). وفي بعض الآثار: أن إبليس قال: أهلكْتُ الناس بالذُّنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفارِ. والاستغفارُ خِتامُ الأعمال الصَّالحة كلِّها؛ فتختم به الصَّلاةُ والحجُّ وقيامُ الليل، ويختم به المجالسُ؛ فإنْ كانت ذكرًا كان كالطابع عليها، وإن كانت لغوًا كان كفَّارَةً لها، فكذلك ينبغي أن يُختم صيامُ رمضانَ بالاستغفار.
كتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار يأمرهم بختم شهر رمضانَ بالاستغفارِ والصَّدقةِ، صدقة الفطر؛ فإنَّ صَدَقَةَ الفِطْر طُهْرَةٌ للصَّائم من اللغو والرَّفَثِ. والاستغفارُ يُرقع ما تخرَّقَ من الصِّيام باللغو والرَّفَثِ؛ ولهذا قال بعضُ العلماء المتقدمين: إنَّ صدَقَة الفِطْر للصائم كسجدتي السَّهْو للصَّلاة. وقال عمر بن عبد العزيز في كتابه: قولوا كما قال أبوكم آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^٣)، وقولوا كما قال نوح ﵇: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^٤) وقولوا (^٥) كما قال إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (^٦)، وقولوا كما قال موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ
_________________
(١) في ط: "مخلصًا".
(٢) سورة محمد الآية ١٩.
(٣) سورة الأعراف الآية ٢٣. وبداية الآية: "قالا ربنا" أي قال آدم وزوجه. راجع الآيات ١٩ - ٢٢.
(٤) سورة هود الآية ٤٧.
(٥) حتى قوله: "يوم الدين" ساقط في ط.
(٦) سورة الشعراء الآية ٨٢.
[ ٣٨٣ ]
نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ (^١)، وقولوا كما قال ذو النون ﵇: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين﴾ (^٢).
ويُروى عن أبي هريرة ﵁، قال: الغِيبةُ تخرِّقُ الصِّيام، والاستغفارُ يُرَقِّعُهُ؛ فمن استطاعَ منكم أن يجيء بصومٍ مُرقّعٍ فليفعل. وعن ابن المنكدر: معنى ذلك: الصيامُ جُنَّةٌ مِن النَّار ما لم يَخْرِقْها (^٣)، والكلامُ السيء يخرقُ هذه الجُنَّة، والاستغفارُ يرقِّعُ ما تخرَّقَ منها. فصيامُنا هذا يحتاج إلى استغفارٍ نافعٍ، وعملٍ صالحٍ، له شافعٌ. كم نخرِقُ صيامَنا بسهام الكلام، ثم نرقِّعُه وقد اتَّسَع الخَرْقُ على الرَّاقع. كم نرفو خُرُوقَه بمخيط الحسنات، ثم نقطعه بحسامِ السيئات القاطع. كان بعضُ السَّلف إذا صلَّى صلاةً استغفَرَ مِن تقصيره فيها، كما يسَتغفر المذنبُ من ذنبه. إذا كان هذا حالُ المحسنين في عباداتهم، فكيف حالُ المسيئين مثلِنا في عباداتهم. ارحموا مَن حسناتُه سيئات، وطاعاته كلُّها غفلات.
أستغفِرُ الله من صِيامي … طولَ زماني ومِن صَلاتي
صِيامنا (^٤) كلُّه خُرُوقُ … وصلاته (^٥) أيَّما صلاتي
مستيقظٌ في الدُّجَى ولكنْ … أحسَنُ مِن يقظتِي سُبَاتي
وقريبٌ مِن هذا أمْرُ النبي ﵇ لعائشة في ليلة القَدْرِ بسؤال العَفْوِ؛ فإنَّ المؤمن يجتهدُ في شهر رمضانَ في صيامِه وقيامِه، فإذا قرُبَ فراغُه وصادَفَ ليلَةَ القَدْرِ، لم يسألِ الله تعالى إلَّا العَفْوَ، كالمسيء المقصِّر. كان صِلَةُ بن أشيم يحيي الليلَ، ثم يقول في دعائه في السَّحَر: اللهم، إنِّي أسألك أن تجيرني من النار، ومثلي يجترئ أن يسألك الجنَّةَ. كان مطرِّف يقولُ في دعائه: اللهم، ارْضَ عنَّا، فإن لم
_________________
(١) سورة القصص الآية ١٦.
(٢) سورة الأنبياء الآية ٨٧.
(٣) من حديث أخرجه النسائي ٤/ ١٦٧، ١٦٨ في الصيام: باب فضل الصيام عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁، قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: "الصوم جُنَّة، ما لم يَخْرِقْها". ورواه الدارمي ٢/ ١٥، وقال: ما لم يخرقها، يعني بالغيبة، وهو حديث حسن.
(٤) في آ: "صيامي"، وفي ب: "صوم ترى"، وفي ط: "يوم يرى"، وأثبت ما جاء في ش، ع.
(٥) في ب، ط: "صلاته"، وفي آ: "وصلاة".
[ ٣٨٤ ]
ترضَ عنَّا فاعْفُ عنَّا. قال يحيى بن معاذ: ليس بعارفٍ مَن لم يكُن غايةُ أملِه من الله العَفْوَ.
إنْ كُنْتُ لا أصلُحُ لِلْقُرْبِ … فشأنُكُم عَفْوٌ عن الذَّنْبِ
أنفَعُ الاستغفار ما قارنَتْهُ التَّوْبَةُ، وهي حَلُّ عُقدةِ الإِصرار (^١)، فمن استغفر بلسانِه وقلبُه على المعصية معقودٌ، وعزمُه أن يرجعَ إلى المعاصي بعدَ الشهر ويعُود، فَصَوْمُه عليه مردود، وبابُ القَبول عنه مسدود. قال كعبٌ: من صَامَ رمضانَ وهو يحدِّثُ نفسَه أنَّه إذا أفطر بعد رمضان أن لا يعصي الله، دَخَلَ الجنَّة بغير مسألةٍ ولا حسابٍ. ومَن صام رَمضانَ وهو يحدِّثُ نفسَه أنَّه إذا أفطر بعدَ رمضان عصَى ربَّه، فصيامُه عليه مردود. وخرَّجَه سلمة (^٢) بن شبيب.
ولولا التُّقَى ثمَّ النُّهَى خَشْيَةَ الرَّدَى … لعاصيت في وقت الصّبا كُلَّ زاجر (^٣)
قَضَى ما قَضَى فيما مَضى ثم لا تُرى … لَهُ عَوْدَة أُخْرَى اللَّيالي الغَوَابر (^٤)
في سنن أبي داود (^٥) وغيرِه عن أبي بَكْرة ﵁، عن النبي - ﷺ -، قال: "لا يقولَنَ أحدُكمِ: صُمْتُ رَمضانَ كُلَّه، ولا قُمْتُ رَمَضَانَ كُلَّه". قال أبو بكرة: فلا أدري، أَكَرِهَ التَّزكيةَ أم لا بُدَّ من غَفْلَةٍ.
أين من كان إذا صام صانَ الصِّيامَ، وإذا قام استقام في القيام؟ أحسَنوا (^٦) الإِسلام ثم رحلوا بسلام، ما بقي إلَّا مَن إذا صام افتخر بصيامه وصال، وإذا قام أعجب بقيامه، وقال: كم بين خَليٍّ وشَجِيٍّ، وواجِدٍ وفاقِدٍ، وكاتمٍ ومبدي. وأمَّا سؤالُ الجنَّة والاستعاذة مِن النار فمن أهم الدعاء، وقد قال النبي - ﷺ -: "حولَهما ندَنْدِنُ" (^٧)،
_________________
(١) أي الإصرار على الذنب.
(٢) في ش، ط: "مسلمة". وهو سَلَمة بن شبيب النيسابوري، وقد سبقت ترجمته.
(٣) في ط: "في وقت الصبا كل راجب".
(٤) في ط: "الغوايب".
(٥) أخرجه أبو داود رقم (٢٤١٥) في الصوم: باب من يقول صمت رمضان كله، والنسائي ٤/ ١٣٠ في الصيام: باب الرخصة في أن يقال لشهر رمضان: رمضان، وفيه عنعنة الحسن البصري.
(٦) في ط: "أحسِنوا الإِسلام ثم ارحلوا".
(٧) جزء من حديث أخرجه أبو داود رقم (٧٩٢) و(٧٩٣) في الصلاة: باب في تخفيف الصلاة؛ عن أبي صالح ﵀، عن بعض أصحاب رسول الله - ﷺ -: أن رسول الله - ﷺ - قال لرجل:=
[ ٣٨٥ ]
فالصَّائم يُرجَى استجابةُ دعائه، فينبغي إلَّا يدعُوَ إلَّا بأهم الأمور. قال أبو مسلم (^١): ما عرضت لي دعوةٌ إلَّا صرفتها إلى الاستعاذة من النار، وقال ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (^٢).
في الحديث: [اطلبوا الخيرَ دهركُم كُلَّه و] (^٣) تعرَّضوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ رَبِّكُم؛ فإنَّ لله نَفَحاتٍ مِن رَحْمَتِه يُصِيبُ بها من يَشاء من عِباده، [وسلوا الله أن يسْتُرَ عوراتكم وأن يؤمِّن روعاتكم] (^٣)، فمن أصابته سعِدَ سعادَةً لا يشقَى بعدَها أبدًا، فمن أعظم نفحاته مصادفةُ ساعةِ إجابةٍ يسأل فيها العبدُ الجنَّةَ والنَّجاةَ من النَّار، فيُجاب سؤالُه، فيفوزُ بسعادَة الأبَدِ. قال الله تعالى ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ (^٤)، وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ (^٥) إلى قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ (^٦).
ليس السَّعيدُ الذي دُنياهُ تُسْعِدُهُ … إنَّ السَّعيدَ الَّذي يَنْجُو من النَّارِ
عبادَ الله! إنَّ شهرَ رمضانَ قد عَزَمَ على الرَّحيل، ولم يَبْقَ منه إلَّا القليل. فمن منكم أحسَنَ فيه فعليه التمام، ومن كان فَرَّطَ فليختمْهُ بالحُسْنَى؛ فالعملُ بالختام. فاستمتعوا (^٧) منه فيما بقي من الليالي اليسيرة والأيام، واستودعُوه عملًا صالحًا يشهَدُ لكم به عند الملك العلَّام، وودِّعُوه عند فراقه بأزْكَى تحيَّةٍ وسَلام.
_________________
(١) = كيف تقولُ في الصلاة؟ قال: أتشهَّدُ، ثم أقول: اللهم إني أسألك الجنَّة، وأعوذ بك من النار، أَمَا إني لا أحسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَدَنْدَنَةَ معاذ، فقال رسول الله - ﷺ -: حول ذلك ندَندِنُ أنا ومعاذ. ورواه أيضًا الإمام أحمد في "مسنده" ٣/ ٤٧٤، وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ رقم (٩١٠) في إقامة الصلاة: باب ما يقال في التشهد والصلاة على النبي - ﷺ -، وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات.
(٢) هو أبو مسلم الخولاني، عبد الله بن ثوَب، تابعي فقيه عابد، زاهد، أسلم قبل وفاة النبي - ﷺ -، ولم يره، توفي بدمشق، وقبره بداريا سنة ٦٢ هـ. له ترجمة مفصلة في تاريخ دمشق ص ٤٨٣ - ٥٢٥، طبع مجمع اللغة العربية بدمشق.
(٣) سورة الحشر الآية ٢٠، وقد تأخرت قليلًا عن آ، ش، ع.
(٤) تكملة من نسخة آ. والحديث رواه ابن أبي الدنيا في "الفرج بعد الشدة" رقم (٢٧)، عن أبي هريرة. ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" عن أبي هريرة أيضًا. ورواه الحكيم الترمذي، وأبو نعيم في "الحلية" عن أنس، وهو حديث ضعيف.
(٥) سورة آل عمران الآية ١٨٥.
(٦) سورة هود الآية ١٠٦.
(٧) الآية ١٠٨ من سورة هود.
(٨) في ط: "فاستغنموا".
[ ٣٨٦ ]
سَلامٌ مِنَ الرَّحمنِ كُلَّ أَوَانِ … على خيرِ شَهْرٍ قَدْ مَضَى وزَمَانِ
سَلامٌ علَى شَهْرِ الصِّيام فإنَّه … أمانٌ مِن الرحمن أيُّ (^١) أمانِ
لئِنْ فَنِيَتْ أيَّامُكَ الغُرُّ بَغْتَةً … فما الحزنُ من قلبي عليك بفانِ
لقد ذهبَتْ أيَّامُهُ وما أطعتُم، وكتبت عليكم فيه آثامُه وما أضعتم، وكأنَّكم بالمشمّرين فيه وقد وصلوا وانقطَعْتُم، أترى ما هذا التوبيخُ لكم أو ما سَمِعْتُم؟!
ما ضَاعَ من أيَّامِنا هَلْ يُغْرَمُ (^٢) … هَيْهاتَ والأزمانُ كيفَ تُقوَّمُ
يومٌ بأرواحٍ يُباعُ ويُشْتَرَى … وأخُوهُ (^٣) ليسَ يُسَامُ فيه دِرْهَمُ
قلوبُ المتَّقين إلى هذا الشهر تحِنُّ، ومن ألم فراقه تئنّ.
دهاكَ الفِرَاقُ فما تَصْنَع … أَتَصْبِرُ للبِينِ أمْ تَجْزَعُ
إذا كُنْتَ تبكِي وهُمْ جِيرَةٌ … فَكَيْفَ تكونُ إذا ودَّعُوا
كيف لا يجري للمؤمن على فراقِه دموعٌ، وهو لا يدرِي هل بقي لَهُ في عمره إليه رجوع.
تذكَّرْتُ أيَّامًا مَضَتْ وَلَيَالِيا … خَلَتْ فَجَرَتْ مِن ذكرِهِنَّ دُمُوعُ
أَلَا هَل لَها يومًا مِن الدَّهْرِ عَوْدَةٌ … وهَلْ لي إلى وقتِ (^٤) الوِصَال رُجُوعُ
وهَلْ بَعْدَ إعْراضِ الحبيبِ تَوَاصلٌ … وهَلْ لبدورٍ قد أَفَلْنَ طُلُوعُ
أين حَرَقُ المجتهدين في نهاره؟ أين قَلَقُ المتهجِّدين في أسحاره؟
اسْمَع (^٥) أنينَ العاشقينَ … إن اسْتطعتَ له سَمَاعا
راحَ الحبيبُ فشيَّعَتْهُ … مدامعي تهمي سِراعا
لو كلّف الجبل الأصمّ … فِراق إلفٍ ما استطاعا
إذا كان هذا جَزَعُ مَن ربح فيه، فكيفَ حالُ مَن خسِر في أيَّامهِ ولياليه؟ ماذا ينفَعُ
_________________
(١) في ط: "كُلْ أمانِ".
(٢) في ش: "هل يقوم".
(٣) في ش: "وآخر"، وفي ع: "وأخوه بخس لا يساوي درهم".
(٤) في ط: "يوم".
(٥) من هنا وحتى قوله: "من ربح فيه" ساقط في ب، ط.
[ ٣٨٧ ]
المفرطَ فيه بكاؤه، وقد عظُمَتْ فيه مصيبَتُهُ وجَلَّ عزاؤه؟ كم نُصِحَ المِسْكينُ فما قبِلَ النُّصْحَ! كم دُعِي إلى المصالحة فما أجابَ إلى الصُّلْحِ! كم شاهد الواصلين فيه وهو متباعد! كم مَرَّتْ به زمر السَّائرين وهو قاعد، حتى إذا ضاقَ به الوقتُ وحَاق به المقْتُ (^١)، نَدِمَ على التفريط حين لا ينفَعُ النَّدم، وطلَبَ الاستدراكَ في وقتِ العَدَم.
أتتركُ مَن تُحبُّ وأنْتَ جارُ … وتطلبُهُم إذا (^٢) بَعُدَ المَزَارُ
وتبكي بَعْدَ نأْيِهمُ اشتياقًا … وتسألُ في المنازِلِ أينَ سَاروا
تركتَ سؤالَهم وَهُمُ حُضُورٌ … وتَرْجُو أن تُخَبِّرَكَ الدِّيارُ
فنفسَكَ لُمْ ولا تَلُمِ المَطَايا … وَمُتْ كَمَدًا فليسَ لَكَ اعْتِذارُ
يا شهرَ رمضانَ ترفَّقْ، دموعُ المحبِّين تُدْفَقْ، قلوبُهم من ألم الفراق تَشَقَّقْ، عَسَى وقفةٌ للوداع تطفئ من نار الشوق ما أحرق، عَسَى ساعةُ تَوْبةٍ وإقلاعٍ ترفو من الصِّيام كُلَّ ما تخرَّقْ، عَسَى منقطِعٌ عن رَكْبِ المقبولين يَلحقْ، عَسَى [أسيرُ الأوزار يُطلَقْ، عسى] (^٣) من استوجب النار يُعتقْ، [عسى رحمة المولى لها العاصي يُوفَّقْ] (^٤).
عَسَى وعَسَى مِن قَبْلِ وَقْتِ التَّفَرُّقِ … إلى كُلِّ ما ترجُو مِن الخَيْر تَرْتَقي (^٥)
فيجبر مكسور ويقبَلُ تائبٌ … ويعتق خَطَّاء ويَسْعَدُ مَن شقِي (^٦)
* * *
_________________
(١) في ط: "وخاف المقت"، وهو تحريف.
(٢) في ب، ط: "وقد".
(٣) ما بين قوسين لم يرد في آ، وورد في ع مؤخرًا.
(٤) زيادة مستدركة في هامش ع.
(٥) في ط: "تلتقي".
(٦) روايته في آ، ش: فيقبل مردود ويقبل تائب … ويُجْبَر مكسور ويسعد من شقي
[ ٣٨٨ ]