وقد دلَّ هذا الحديث على أنَّ العملَ في أيَّامه أحَبُّ إِلى الله من العمل في أيَّام الدنيا من غير استثناءِ شيءٍ منها، وإِذا كان أحَبَّ إِلى الله فهو أفضَلُ عندَه. وقد ورَدَ هذا الحديث بلفظ: "ما من أيامٍ العَمَلُ فيها أفضَلُ من أيام العَشْر". وروي بالشك في لفظة أحَبُّ أو أفضَلُ. وإِذا كان العَمَل في أيَّام العَشْر أفضَلَ وأحَبَّ إِلى الله من العمَل
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٩٦٩) في العيدين: باب فضل العمل أيام التشريق. وأخرجه أبو داود رقم (٢٤٣٨) في الصوم، والترمذي رقم (٧٥٧) في الصوم أيضًا، وابن ماجة رقم (١٧٢٧) في الصيام: باب صيام العشر.
(٢) في ب، ش، ع، ط: "رجلًا"، والمثبت من (آ) ومصادر الحديث.
[ ٤٥٨ ]
في غيره من أيَّام السَّنة كُلِّها، صار العملُ فيه، وإِن كان مفضولًا، أفضَلَ من العمل في غيره وإِن كان فاضِلًا؛ ولهذا قالوا: يا رسولَ الله! ولا الجِهادُ في سبيل الله؟ قال: ولا الجِهادُ، ثم استثنى جهادًا واحدًا هو أفضَلُ الجهادِ؛ فإِنَّه - ﷺ - سئل أيُّ الجهاد أفضَلُ؟ قال: مَن عُقِرَ جَوادُه وأُهْرِيقَ دَمُهُ (^١)، وصاحِبُهُ أفضَلُ الناس دَرَجةً عندَ الله.
سمِعَ النبي - ﷺ - رجلًا يدعو، يقول: اللهم، أعطني أفضَلَ ما تعطي عبادَكَ الصالحين. فقال له: اذن يُعْقَرُ جوادُك وتستشهد. فهذا الجهاد بخصوصه يفضُلُ على العمل في العشر.
وأمَّا بقيةُ أنواع الجِهاد فإِنَّ العمل في عشر ذي الحِجَّة أفضَلُ وأحَبُّ إِلى الله ﷿ منها، وكذلك سائرُ الأعمال. وهذا يدلُّ على أنَّ العمَلَ المفضولَ في الوقت الفاضل يلتحقُ بالعمل الفاضِلِ في غيره، ويزيدُ عليه لمضاعفة ثوابه وأجرِه. وقد رُوِي في حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ هذا زيادة "والعَمَلُ فيهن يُضاعَفُ بسبعمائة" وفي إِسنادها ضعفٌ. وقد ورد في قدر المضاعفة روايات متعدِّدة مختلفة، فخرَّج الترمذي (^٢) وابنُ ماجة من رواية النَّهَّاس بن قَهْمٍ، عن قَتَادة، عن ابن المسيَّب، عن أبي هُريرة ﵁، عن النبي - ﷺ -، قال: "ما مِنْ أيَّام أحَبُّ إِلى الله أن يُتَعَبَّدَ له فيها من عَشْرِ ذي الحِجَّة، يَعْدِل (^٣) صيامُ كُلِّ يومٍ منها بصيام سنةٍ، وقيامُ كلِّ ليْلَةٍ منها بقيام لَيْلَةِ القَدْرِ".
والنَّهَّاسُ بن قَهْم ضعفوه. وذكر الترمذي (^٤) عن البخاري أنَّ الحديث يُروى عن
_________________
(١) جزء من حديث ذكره المؤلف بالمعنى، واخرجه أبو داود رقم (١٤٤٩) في الصلاة: باب طول القيام، والنسائي ٥/ ٥٨ في الزكاة: باب جهد المقل، وإِسناده حسن.
(٢) أخرجه الترمذي رقم (٧٥٨) في الصوم: باب ما جاء في العمل في أيام العشر، وفي سنده مسعود بن واصل، وهو لين الحديث، والنهَّاس ابن قَهْم، وهو ضعيف. وقال الترمذي: هذا حديث غريب. وبهذا السند أيضًا أخرجه ابن ماجة رقم (١٧٢٨) في الصيام: باب صيام العشر.
(٣) في ب، ش، ع، ط: "يعدل صيام كل يوم منها بسنة، وكل ليلة .. "، وأثبت ما جاء في (آ) والترمذي.
(٤) قال الترمذي: "سألت محمدًا عن هذا الحديث فلم يعرفه من غير هذا الوجه، مثل هذا. وقال: قد روي عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن النبي - ﷺ - مرسلًا، شيء من هذا".
[ ٤٥٩ ]
قتادَةَ عن سعيدٍ مرسلًا. ورَوى ثُوَيْر (^١) بن أبي فاخِتَة - وفيه ضعف - عن مجاهد، عن ابن عمر، ﵄، قال: "ليس يومٌ أعظم عندَ الله من يوم الجمعة ليس العشر؛ فإِنَّ العمل فيها يعدِلُ عملَ سنةٍ. وروى أبو عمرو النيسابُوري في "كتاب الحكايات" بإِسناده، عن حُميد، قال: سمعت ابنَ سيرينَ وقتادَةَ يقولان: صومُ كُلِّ يومٍ من العَشْر يعدِلُ سنةً. وقد رُوي في المُضاعَفَة أكثرُ من ذلك؛ فرَوَى هارون بن موسى النَّحوي، قال: سمِعْتُ الحسن يحدِّث عن أنس بن مالك، قال: كان يقال في أيَّام العشر: بكُلِّ يومٍ ألفُ يومٍ، ويومُ عرفَةَ عشرةُ آلاف.
قال الحاكم: هذا من المسانيد التي لا يُذكَرُ سَندُها عن رسول الله - ﷺ -. وروي في المضاعفة أقلُّ من سنةٍ، قال حُميد بن زَنْجَويه، حدثنا يحيى بن عبد الله الحَرَّاني، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم، عن راشد بن سعدٍ: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "صيامُ كُلِّ يومٍ من أيَّام العَشْر كصيامِ شَهْر". وهذا مرسَل ضعيفُ الإِسناد. وروى عبد الرزَّاق في كتابه عن جعفرٍ، عن هشامٍ، عن الحسن، قال: صيامُ يوم من العَشْر يعدِلُ شهرين. وقال عبد الكريم (^٢) عن مجاهدٍ: العَمَلُ في العَشْر يضاعَفُ (^٣).
وفي المضاعَفَة أحاديثُ أُخَرُ مرفوعةٌ، لكنها موضوعة، فلذلك أعرضنا عنها وعمَّا أشبهها من الموضوعات في فضائل العشر، وهي كثيرة. وقد دَلَّ حديثُ ابن عبَّاسٍ على مضاعَفَة جميع الأعمال الصالحة في العَشْر من غير استثناءِ شيءٍ منها.
وقد رُوي في خصوص صيام أيَّامِه وقيام لياليه وكثرةِ الذِّكْر فيه، ما يذكر (^٤) مما يَحسُن ذكره دون ما لا يحسُنُ؛ لِعَدم صحَّتِه. وقد سبَقَ حديثُ أبي هريرة في ذلك، ومرسَلُ راشد بن سعدٍ، وما رُوي عن الحسن، وابن سيرين، وقتادة في صومه.
_________________
(١) في ع: "ثور"، وهو ثُوَيْر بن فاخَتة، واسمه سعيد بن عِلاقة القرشي الهاشمي، أبو الجهم الكوفي، ضعيف، رمي بالرفض، وهو من الرابعة. (تهذيب الكمال ٤/ ٤٢٩).
(٢) هو عبد الكريم بن مالك الجزري، أبو سعيد، مولى بني أمية، وهو الخضري، نسبة إِلى قرية من اليمامة، ثقة، روى له الجماعة، مات سنة ١٢٧ هـ. (التقريب).
(٣) في آ: "مضاعف".
(٤) في شيء: "ما لا يحسن ذكره، لعدم صحته".
[ ٤٦٠ ]
وفي المسند (^١) والسُّنن عن حفصة أنَّ النبي - ﷺ - "كان لا يَدَعُ صيامَ عاشوراءَ، والعَشْر، وثلاثةِ أيام من كُلِّ شهرٍ"؛ وفي إِسناده اختلاف. ورُوي عن بعض أزواج النبي - ﷺ - أنَّ النبي - ﷺ - "كان لا يدَعُ صِيام تسعِ ذي الحجَّة" (^٢). وممن كان يصومُ العَشْرَ عبدُ الله بنُ عمر ﵄. وقد تقدَّم عن الحسن وابن سيرين وقتادَةَ ذِكْرُ فَضْل صيامِه، وهو قولُ أكثر العلماء، أو كثيرٍ منهم.
وفي صحيح مسلم (^٣) عن عائشة ﵂، قالت: "ما رأيْتُ رسولَ الله - ﷺ - صائمًا العَشْرَ قَطُّ". وفي رواية "في العَشْر قَطُّ". وقد اختلف جوابُ الإِمام أحمد عن هذا الحديث؛ فأجابَ مرَّةً بأنَّه قد رُوي خلافُه، وذَكَر حديثَ حَفْصَةَ، وأشار إِلى أنَّه اختُلِفَ في إِسناد حديث عائشة؛ فأسنَدَهُ الأعمشُ، ورواه منصورٌ عن إِبراهيم مرسلًا، وكذلك أجاب غيرُه من العلماء بأنَّه إِذا اختلَفَتْ عائشة وحفصَةُ في النفي والإِثبات أُخِذَ بقول المثبت؛ لأنَّ معه عِلْمًا خفِيَ على النَّافي. وأجاب أحمد مرَّةً أخرى بأنَّ عائشة أرادت أنَّه لم يَصُم العَشْرَ كاملًا، يعني وحَفْصَة أرادت أنَّه كان يصوم غالبَه؛ فينبغي أن يُصَامَ بعضُه ويُفْطَرَ بعضُه. وهذا الجمع يصحُّ في رواية مَن رَوَى "ما رأيتُه صائمًا العَشْرَ". وأمَّا من رَوَى: "ما رأيتُه صائمًا في العَشْر" فيبعدُ أو يتعذَّر هذا الجَمْعُ فيه. وكان ابن سيرينَ يكرَهُ أن يقالَ: صَامَ العَشْرَ؛ لأنه يُوهم دخُول يوم النَّحْر فيه، وإِنَّما يقال: صَامَ التِّسْعَ، ولكنَّ الصِّيام إِذا أضيفَ إِلى العَشْر فالمرادُ صيامُ ما يجوزُ صومُهُ منه. وقد سَبَقَ حديث أنَّ النبي - ﷺ - كان يصومُ العَشْرَ. ولو نذر صيام العَشْر، فينبغي أن ينصرفَ إِلى التسع أيضًا، فلا يَلْزَمُ بفِطْر يومِ النَّحْر قضاءٌ ولا كفَّارةٌ؛ فإِنَّه غلبَ استعمالُه عُرفًا في التسع، ويحتمل أن يُخرَّجَ في لُزومِ القضاءِ والكفَّارة خلافٌ؛ فإِنَّ
_________________
(١) رواه أحمد في "المسند" ٦/ ٢٨٧، والنسائي ٤/ ٢٢٠ في الصوم: باب كيف يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وفي سنده أبو إِسحاق الأشجعي الكوفي، وهو مجهول.
(٢) تقدم حديث بهذا المعنى أخرجه أبو داود رقم (٢٤٣٧) في الصوم: باب في صوم العشر، عن هُنَيدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي - ﷺ -، قالت: "كان رسول الله - ﷺ - يصوم تسعَ ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر: أول اثنين من الشهر، والخميس".
(٣) رقم (١١٧٦) في الاعتكاف: باب صوم عشر ذي الحجة، وأبو داود رقم (٢٤٣٩) في الصوم، والترمذي رقم (٧٥٦) في الصوم أيضًا.
[ ٤٦١ ]
أحمد قال فيمن نَذَرَ صَوْمَ شَوَّالٍ فأفطر يومَ الفِطْر وصَامَ باقيَهُ، أنَّه يلزمه قضاءُ يومٍ وكفَّارةٌ. وقال القاضي أبو يَعْلى (^١): هذا إِذا نوى صومَ جميعه، فأمَّا إِن أطلق لم يلزمْهُ شيءٌ، لأنَّ يومَ الفِطْر مستثنًى شرعًا. وهذه قاعدةٌ مِن قواعد الفقه، وهي أنَّ العمومَ هَلْ يُخَصُّ بالشرْعِ أم لا؛ ففي المسألة خلافٌ مشهور.
وأمَّا قيام ليالي العَشْر فمستحَبٌّ، وقد سَبَقَ الحديثُ في ذلك، وقد ورد في خصوص إِحياء ليلتي العيدين أحاديثُ لا تصِحُّ، وورَدَ إِجابةُ الدُّعاءِ فيهما، واستحبَّه الشافعِيُّ وغيرُه مِن العلماء. وكان سعيدُ بن جُبَير، وهو الذي رَوَى هذا الحديث عن ابن عبَّاس ﵄، إِذا دَخَلَ العَشْرُ اجتهَدَ اجتهادًا حتَّى ما يكاد يُقْدَرُ عليه. ورُوي عنه أنَّه قال: لا تطفئوا سُرُجَكم لياليَ العَشْرِ؛ تعجبُه العبادة. وأمَّا استحبابُ الإِكثار مِن الذكر فيها فقد دَلَّ عليه قول اللهِ ﷿: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (^٢)، فإِنَّ الأيام المعلومات هي أيام العشر عند جُمهور العلماء. وسيأتي ذكرُ ذلك فيما بعد إِن شاء الله تعالى.
وفي مسند الإِمام أحمد (^٣) عن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ -، قال: "ما من أيامٍ أعظمُ عند الله ولا أحَبُّ إِليه العملُ فيهن من هذه الأيام العشر". فأكثِروا فيهن من التَّهليل والتكبير والتحميد. فإِن قيل: فإِذا كان العملُ في أيام العَشْرِ أفضَلَ من العمل في غيرها، وإِن كان ذلك العملُ أفضَلَ في نفسه مِمَّا عُمِلَ في العشر؛ لفضيلةِ العَشْر في نفسِه، فيصيرُ العملُ المفضولُ فيه فاضلًا حتى يفضُلَ على الجهاد الذي هو أفضلُ الأعمال، كما دَلَّت على ذلك النُّصوصُ الكثيرة، وهو قولُ الإِمام أحمد وغيرِه من العلماء، فينبغي أن يكون الحجُّ أفضَلَ من الجهاد؛ لأنَّ الحجَّ مخصوصٌ بالعَشْر، وهو من أفضل ما عُمِلَ في العشر، أو أفضل (^٤) ما عمل فيه.
فكيف كان الجهادُ أفضَلَ من الحج؟ فإِنه ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة
_________________
(١) هو محمد بن الحسين بن محمد، ابن الفراء، أبو يعلى، عالم عصره في الأصول والفروع وأنواع الفنون، من أهل بغداد، ولي قضاء دار الخلافة وغيرها، توفي سنة ٤٥٨ هـ.
(٢) سورة الحج الآية ٢٨.
(٣) مسند أحمد ٢/ ٧٥ و١٣١.
(٤) في آ: "وأفضل"، وفي ب: "وأفضل مما عمل فيه".
[ ٤٦٢ ]
﵁ أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ الله! أيُّ الأعمال أفضَلُ؟ قال: إِيمان بالله ورسوله، قال: ثم ماذا؟ قال: جِهادٌ في سبيل الله، قال: ثم ماذا؟ قال: حَجٌّ مبرورٌ (^١).
قيل: التطوُّع بالجهاد أفضَلُ من التطوُّع بالحَجِّ عندَ جمهور العلماء، وقد نَصَّ عليه الإِمام أحمد، وهو مروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص. ورُوي فيه أحاديث مرفوعة، في أسانيدها مقالٌ. وحديثُ أبي هريرة هذا صريحٌ في ذلك.
ويمكن الجمع بينه وبين حديث ابن عبَّاسٍ بوجهين:
أحدهما: أنَّ حديثَ ابن عبَّاسٍ قد صرَّحَ فيه بأنَّ جهادَ مَن لا يرجعُ من نفسِه ومالِه بشيءٍ يفضُلُ على العَمَلِ في العَشْر، فيمكن أن يقالَ: الحجُّ أفضَلُ من الجهاد، إِلَّا جهادَ مَن لم يرجع من نفسِه ومالِه بشيءٍ، ويكون هو (^٢) المراد من حديث أبي هريرة، ويجتمع حينئذٍ الحديثان.
والثاني: وهو الأظهر أنَّ العَمَلَ المفضُولَ قد يقترِنُ به ما يصيرُ أفضَلَ من الفاضِل في نفسِه، كما تقدَّم. وحينئذٍ فقد يقترِنُ بالحَجِّ ما يصيرُ به أفضَلَ من الجهاد، وقد يتجرَّدُ عن ذلك، فيكون الجهادُ حينئذٍ أفضَلَ منه، فإِن كان الحَجُّ مفروضًا فهو أفضَلُ من التطوُّع بالجهاد؛ فإِنَّ فروضَ الأعيان أفضَلُ مِن فُروض الكفاياتِ عند جمهور العلماءِ. وقد رُوي هذا في الحَجِّ والجهاد بخُصُوصهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وروي مرفوعًا من وجوهٍ متعدِّدَةٍ، في أسانيدِها لين. وقد دَلَّ على ذلك ما حكاهُ النبي - ﷺ - عن رَبِّه ﷿، أنَّه قال: "ما تقرَّب إِليَّ عبدي بمثلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُ عليه" (^٣).
وإِن كان الحاج ليس من أهل الجهاد فحجُّه أفضَلُ من جهاده، كالمرأة.
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٢٦) في الإِيمان: باب من قال: إِن الإِيمان هو العمل، وفي الحج: باب فضل الحج المبرور؛ ومسلم رقم (٨٣) في الإِيمان: باب بيان كون الإِيمان بالله تعالى أفضل الأعمال. ورواه الترمذي رقم (١٦٥٨) في فضائل الجهاد، والنسائي ٥/ ١١٣ في الحج.
(٢) في ش، ع: "هذا المراد".
(٣) بعض حديث طويل أخرجه البخاري ١١/ ٣٤٠ - ٣٤٧ في الرّقاق: باب التواضع، عن أبي هريرة ﵁.
[ ٤٦٣ ]
وفي "صحيح البخاري" (^١) عن عائشة ﵂ أنها قالت: "يا رسولَ الله، نَرَى الجهادَ أفضَلَ العَمَلِ، أفلا نجاهِدُ؟ قال: أفضَل الجهاد حَجٌّ مَبْرورٌ. وفي رواية له: "جهادُكُنَّ الحجُّ".
وفي رواية له أيضًا: "نِعم الجهادُ الحَجُّ". وكذلك إِذا استغرق العَشْرُ كلُّه عملَ الحَجِّ وأتى به على أكمل وجوه البِرِّ من أداءِ الواجبات واجتناب المحرَّمات، وانضَمَّ إِلى ذلك الإِحسانُ إِلى الناس ببذْلِ السَّلام وإِطعام الطعام، وضَمَّ إِليه كثرةَ ذكر الله ﷿، والعجَّ والثَّجَّ، وهو رَفْعُ الصَّوْت بالتلبية وسَوْقُ الهَدْي؛ فإِنَّ هذا الحجَّ على هذا الوَجْه قد يفضُلُ على الجهادِ. وإِن وَقَعَ عملُ الحَجِّ في جزءٍ يسيرٍ من العَشْر ولم يؤتَ به على الوجْهِ المبرور، فالجهادُ أفضَلُ منه. وقد رُوي عن عُمَرَ وابن عمر وأبي موسى الأشعري ومجاهدٍ ما يدلُّ على تفضِيل الحَجِّ على الجهاد وسائر الأعمال. وينبغي حملُه على الحَجِّ المبرور الذي كَمُلَ بِرُّه واستوعَبَ فِعْلُه أيَّام العَشْر، والله أعلم (^٢).
فإِن قيل: قولُه - ﷺ -: "ما مِن أيامٍ العَمَلُ الصَّالحُ فيها أحَبُّ إِلى الله من هذه الأيام"، هل يقتضي تفضيل كُلِّ عملٍ صالح وَقَعَ في شيءٍ من أيام العَشْر على جميع ما يقعُ في غيرها، وإِن طالت مدته أم لا؟ قيل: الظاهر - والله أعلم - أنَّ المرادَ أنَّ العَمَلَ في هذه الأيام العَشْر أفضَلُ من العمل في أيامٍ عشرٍ غيرِها، فكُلُّ عَمَلٍ صالحٍ يقعُ في هذا العشر فهو أفضَلُ من عملٍ في عشرة أيامٍ سِواها، مِن أيِّ شَهْرٍ كان، فيكون تفضيلًا للعمل في كُلِّ يومٍ منه على العَمَلِ في كُلِّ يومٍ من أيَّامِ السَّنة غيره.
وقد قيل: إِنَّما يفضُلُ (^٣) العَمَلُ فيها على الجهاد إِذا كان العَمَلُ فيها مستغرقًا لأيام العَشْر، فيفضُلُ على جهادٍ في عدد تلك الأيَّامِ مِن غير العَشْر. وإِن كان العَمَلُ
_________________
(١) رقم (١٥٢٠) في الحج: باب فضل الحج المبرور، وباب حج النساء، وفي الجهاد: باب فضل الجهاد، وباب جهاد النساء. وأخرجه النسائي ٥/ ١١٤ و١١٥ في الحج: باب ما جاء في فضل الحج وثوابه.
(٢) رواه ابن عباس، وقد أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي، ومضى تخريجه في أول هذا الباب.
(٣) في ب: "يُفَضَّل".
[ ٤٦٤ ]
مستغرقًا لبعض أيَّام العشر، فهو أفضَلُ من جهادٍ في نظير ذلك الزمان من غير العَشْر.
واستُدِلَّ على ذلك بأنَّ النبيَّ - ﷺ - جَعَلَ العَمَلَ الدَّائمَ الذي لا يفتُرُ من صيامٍ وصلاةٍ معادلًا للجهاد في أيِّ وقتٍ كان، فإِذا وقَعَ ذلك العَمَلُ الدَّائم في العشر، كان أفضَلَ مِن الجهاد في (^١) مثل أيامه، لفضل العَشْرِ وشَرَفِه؛ ففى "الصحيحين" (^٢) عن أبي هريرة، قال: جاء رجلٌ إِلى رسول الله - ﷺ -، فقال: دُلَّني على عملٍ يَعْدِلُ الجهادَ. قال: لا أجِدُه. قال: هل تستطيعُ إِذا خَرَجَ المجاهِدُ أن تَدْخُلَ مسجدَك، فتقومَ ولا تَفْتُرَ، وتَصومَ ولا تُفطِرَ؟ قال: وَمَنَ يستطيعُ ذلك؟ ". ولفظه للبخاري، ولمسلمٍ معناه، وزاد: ثم قال: "مثلُ المجاهد في سبيل الله كمثل الصَّائم القائم القانت بآيات الله، الذي لا يَفْتُر من صلاةٍ ولا صيامٍ، حتَّى يرجعَ المجاهدُ في سبيل الله". وللبخاري: "مثلُ المجاهد في سبيل الله، - والله أعلم بمن يجاهدُ في سبيله - كمثل الصائم القائم". وللنسائي: "كمثل الصائم القائم الخاشِع الراكع السَّاجد". ويدُلُّ على أنَّ المراد تفضيلُهُ على جهادٍ في مثل أيَّامِه خاصَّةً ما في (^٣) صحيح ابن حِبَّان (^٤)، عن جابر، عن النبي - ﷺ -، قال: "ما مِن أيامٍ أفضلُ عند اللهِ من أيام عَشْر ذي الحجة. فقال رجلٌ: يا رسولَ الله، هو أفضَلُ أم عِدَّتُهن جهادًا في سبيل الله؟ قال: هو أفضَلُ من عدتهِنَّ جهادًا في سبيل الله. فلم يُفَضّل العمل في العَشْر إِلَّا على الجهاد في عدَّة أيام العَشْر لا مطلقًا.
وأمَّا ما تقدَّم من أنَّ كُلَّ يومٍ منه يعدِلُ سنةً أو شهرين أو ألفَ يومٍ، فكُلُّها مِن أحاديثِ الفضائل، ليست بقويَّةٍ.
ثم إِنَّ أكثر ما ورد ذلك في صيامها، والصيامُ له خُصُوصيَّة في المضاعَفَة، فإِنَّه لله، واللهُ يجزي به. فإِن قيل: إِنه لا يختص بالصَّوم، بل يعمُّ سائرَ الأعمال،
_________________
(١) في آ، ش: "في سبيل الله".
(٢) أخرجه البخاري رقم (٢٧٨٥) في الجهاد: باب فضل الجهاد والسير، ومسلم رقم (١٨٧٨) في الإِمارة: باب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى، والنسائي ٦/ ١٩ في الجهاد: باب ما يعدل الجهاد في سبيل الله ﷿. وانظر الحديث ورواياته في "جامع الأصول" ٩/ ٤٨٠ - ٤٨٢.
(٣) في ش: "ما ورد في صحيح".
(٤) صحيح ابن حبان ٢/ ٥٦٢ (١٠٠٦) موارد.
[ ٤٦٥ ]
فإِنَّما يدُلُّ على تفضيل كُلِّ عَمَلٍ في العَشْر على مثل ذلك العمل في غيره سنةً، فلا يدخُل فيه إِلَّا تفضيل مَنْ جاهد في العَشْر على من جاهد في (^١) غيره سنةً.
وإِذا قيل: يلزم من تفضيل العَمَل في هذا العشر على كُلِّ عَشْر غيرِهِ أن يكونَ صيامُ هذا العَشْر أفضَلَ مِن صَوْم عَشْر رمضانَ، وقيامُ لياليه أفضَلَ من قيام لياليه. قيل: أمَّا صيامُ رمضان فأفضَلُ مِنَ صيامِهِ بلا شَكٍّ؛ فإِنَّ صَوْمَ الفَرْض أفضَلُ من النَّفْل بلا تردُّدٍ، وحينئذٍ فيكونُ المرادُ أنَّ ما فُعِلَ في العشر من فرضٍ فهو أفضَلُ مِمَّا فُعِل في عشر غيره من فرضٍ، فقد تضاعف صلواته المكتوبة على صلوات عشر رمضانَ، وما فُعِل فيه من نفْلٍ فهو أفضلُ مِمَّا فُعِلَ في غيره من نفْلٍ. وقد اختلف عُمَرُ وعلي ﵄ في قضاءِ رمضانَ في عَشْر ذي الحِجَّة، فكان عمر يستحبه لفضل أيامه، فيكون قضاءُ رمضان (^٢) فيه أفضَلَ من غيره، وهذا يدُلُّ على مضاعَفَةِ الفرض فيه على النَّفْل. وكان عليٌّ ينهَى عنه. وعن أحمد في ذلك روايتان. وقد عُلِّلَ قولُ عليٍّ بأنَّ القضاءَ فيه يفوتُ به فَضْلُ صيامِه تطوُّعًا، وبهذا علَّله الإِمامُ أحمدُ وغيرُه.
وقد قيل: إِنه يحصُل به فضيلةُ صيام التطوُّع أيضًا، وهذا على قول من يقولُ: إِنْ نَذَرَ صيامَ شهرٍ، فصَامَ رمضانَ، أجزأَهُ (^٣) عن نذره فيه، وفرضُه متوجِّهٌ، وقد عُلِّلَ بغير ذلك.
وأمَّا قيامُ لياليه وتفضيلُ قيامِه على قيام عشر رمضان، فيأتي الكلام فيه إِن شاء الله تعالى.
* * *
_________________
(١) في آ: "في غير سُنَّةٍ"، وفي ط: "في غيرها سنة".
(٢) في آ: "في عشر ذي الحجة".
(٣) في ب، ش، ط: "عن نذره وفرضه متوجه"، وأثبت ما جاء في آ، ع.
[ ٤٦٦ ]