المقدمة
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الصادق الأمين، محمد ﷺ، وعلى آله وصحبه والتابعين.
وبعد؛ فهذا كتاب "لطائف المعارف" لابن رجب الحنبلي أقدمه اليوم، باذلًا فيه جهد الطاقة، ولم أضن عليه بوقت أو جهد، راجيًا أن يكون صفحة مشرقة من تراثنا العربي، ودعوة صادقة - كما أرادها المؤلف - نحو الهداية والرشاد والطريق السوي.
والكتاب فريد في بابه، تحدث فيه المؤلف - وهو الفقيه المحدّث الواعظ - عن وظائف الأشهر والأيام من الطاعات والعبادات، التي يتقرب بها العبد إلى ربِّه ﷿، ولله فيها لطيفة من لطائف نفحاته يصيب بها من يشاء بفضله ورحمته.
وقد بدأ - بعد الخطبة - بذكر مجلس في فضل التذكير بالله تعالى ومجالس الوعظ. ثم تحدث عن وظائف شهر الله المحرم فجعله في مجالس: مجلس في فضله وعشره الأول، وفضل قيام الليل، وفي يوم عاشوراء. ثم عقد فصلًا في قدوم الحاج، وفي استلام الحجر الأسود، واستقبال الحاج. وانتقل إلى الحديث عن وظيفة شهر صفر، فتكلم على التوكل، وعلى النهي عن الطيرة. وتلا ذلك حديثه عن وظائف شهر ربيع الأول، فجعل المجلسين الأول والثاني في ذكر مولد الرسول - ﷺ -، وختمه بمجلس في وفاته ﵇.
وفي الحديث عن وظيفة شهر رجب أفاض المؤلف في ذكر الأشهر الحرم وما يتعلق بها وبحرمتها. وجعل وظائف شهر شعبان في ثلاثة مجالس: الأول في صيامه، والثاني في نصف شعبان، والثالث في صيام آخر شعبان.
وتحدث مفصلًا عن وظائف شهر رمضان، فجعلها في ستة مجالس: في فضل
[ ٥ ]
الصيام، وفي فضل الجود في رمضان وتلاوة القرآن، وفي ذكر العشر الأوسط منه وذكر نصفه الأخير، وفي ذكر العشر الأواخر، والسبع الأواخر، ثم في وداع رمضان.
وقسّم وظائف شوال إلى ثلاثة مجالس: الأول في صيام شوال كله واتباع رمضان بصيام ستة أيام من شوال. والثاني في ذكر الحج وفضله. والثالث فيما يقوم مقام الحج والعمرة عند العجز عنهما.
وتحدث في ذي القعدة عمن يواصل الصوم، وعن فضل الاعتدال في العبادة، وأنه من أشهر الحج، وأحد الأشهر الحرم.
وطوّل الكلام عن وظائف شهر ذي الحجة، وقد اشتمل على أربعة مجالس: مجلس في فضل عشر ذي الحجة، وفي يوم عرفة مع عيد النحر، وفي أيام التشريق، ومجلس رابع في ختام العام.
وعقد فصلًا خاصًّا بيّن فيه وظائف فصول السنة الشمسية، وجعله في ثلاثة مجالس: الأول في ذكر فصل الربيع، والثاني في ذكر فصل الصيف، والثالث في ذكر فصل الشتاء.
وختم الكتاب بمجلس في ذكر التوبة والحث عليها قبل الموت، وهي وظيفة العمر كله، وخاتمة مجالس الكتاب.
وقد ترك الحديث عن ثلاثة أشهر، هي: ربيع الآخر، وجمادى الأولى، وجمادى الآخرة، لخلوها من وظائف الطاعات.
سلك ابن رجب في كتابه أسلوب الخطباء الوعّاظ تارة، وأسلوب الفقهاء والمحدثين تارة أخرى، بعبارة مسجوعة أو مطلقة، يحدوه الصدق والإخلاص، وحضور الشواهد والنصوص.
وهو واحد من أولئك العلماء الذين حملوا راية الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع علم ودراية في الفقه والحديث والرجال والأدب.
* * *
ولا يفوتني - وأنا أقدّم للكتاب - التنويه بفضل الأخ الكريم فضيلة الشيخ عبد القادر الأرناؤوط وولده محمود، لما كان لهما من سابقة في العمل، فقد كان المأمول أن
[ ٦ ]
يشاركا بتحقيق الكتاب، لا سيما أننا أخرجنا - معًا - جزءًا صغيرًا منه بعنوان (مجالس في سيرة الرسول" - ﷺ -، يتحدث عن وظائف شهر ربيع الأول، غير أن مشاغلهما حالت دون المضي في تحقيق الكتاب، الأمر الذي حدا بدار ابن كثير - التي كانت قد أعلنت عن نشر الكتاب لمرات عديدة خلال أعوام - أن تلح على في تحقيقه وإخراجه للناس.
فجزى الله الجميع خير جزاء، وألهمنا الرشد في القول والعمل، والحمد لله رب العالمين.
كتبه:
ياسين محمّد السّوّاس
دمشق في ٢٧/ شعبان/ ١٤١١ هـ
١٣/ آذار/ ١٩٩١ م
[ ٧ ]