بسم الله الرحمن الرحيم
وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (^١)
الحمدُ لله الملكِ القهَّارِ، العزيز الجبَّارِ، الرحِيمِ الغفَّار، مقلِّب القلوب والأبصار، مقدِّرِ الأمور كما يشاءُ ويختار، مكوِّرِ النَّهار على الليل، ومكوِّرِ اللَّيل على النَّهار، أسبَلَ ذيلَ الليل فأظلمَ للسكون والاستتارِ، وأنار منارَ النَّهار، فأضاءَ للحركة والانتشار، وجعلهما مواقيتَ للأعمالِ ومقاديرَ للأعمار، وسخر الشمسَ والقَمَرَ يجريان بحُسْبَانٍ ومقدارٍ، ويَعْتَقبانِ (^٢) في دَارة (^٣) الفُلْكِ الدوَّارِ على تعاقب الأدوار، وجعلَهما معالِمَ تُعْلَمُ بهما أوقاتُ (^٤) الليالي والأيام والشهور والأعوام في هذه الدَّار، ويُهتدَى بهما إلى ميقاتِ الصَّلاة، والزكاة، والحجّ، والصّيام، والإفطار، حُجَّة قائمةً قاطعةً للأعذارِ، وحكمةً بالغة من حكيمٍ عليم ذي اقْتِدار.
أحمدُه وحلاوةُ محامِدِه تزدادُ مع التِّكرار، وأشكرُهُ وفضلُه على مَنْ شكَر مدرارٌ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لَه، شهادةً تبرئُ قائلَها (^٥) من الشِّرْكِ بصحة الإقرارِ، وتُبوِّئُ قائلَها دارَ القرارِ. وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه؛ البَدْرُ جبينُه إذا سُرَّ (^٦) استنار، واليمُّ يمينُه فإذا سُئلَ أَعطى عطاءَ مَنْ لا يخشى الإقتاِر (^٧)، والحَنِيفيَّةُ (^٨) دينُهُ الدِّينُ القيّمُ المختار، رَفَعَ اللهُ ببعثَتِه عن أُمّتِهِ الأغلالَ والآصارِ (^٩)، وكَشَفَ بِدعوته أذى البصائر وقَذَى الأبصار، وفَرَّقَ بشريعتِهِ بينَ المتَّقين والفجّارِ، حتى امْتازَ أهلُ اليَمينِ مِن أهلِ اليسارِ، وانفتحَتْ أقفالُ القُلوبِ فانشرحت بالعِلْمِ والوقار، وزالَ عن
_________________
(١) في ب: "وبالله التوفيق وهو حسبي"، وفي ع: "وبه ثقتي".
(٢) في ع: "ويتعاقبان" وفي هامشها عن نسخة "يعتقبان".
(٣) في آ: "دائرة".
(٤) في آ: "الأوقات".
(٥) في ط: "القلب".
(٦) لفظ "سُرّ" لم يرد في (آ).
(٧) الإقتار: ضيق العيش.
(٨) الدِّين الحنيف: الإسلام، والحنيفية: مِلَّة الإسلام.
(٩) الآصار: جمع إصْر، وهو الإثم والعقوبة.
[ ٣٧ ]
الأسماعِ أثقالُ الأوقار (^١). صلّى الله عليه وعلى آله أُولِي الإقدام والأقدارِ، وعلى أصحابه أقطابِ الأقطارِ صلاةً تُبلّغهم في تلك الأوطان نهاية الأوطار، وسلم تسليمًا.
أما بعد؛ فقد قال الله ﷿: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (^٢). وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (^٣). فأخبرَ ﷾ أنّه علَّقَ معرفة السنين والحساب على تقدير القمر منازلَ. وقيل: بل على جعلِ الشمس ضياءً والقمر نورًا؛ لأن (^٤) حسابَ السَّنة والشهر يُعرَفُ بالقمرِ، واليوم والأسبوع يُعرفُ بالشمس، وبهما (^٥) يتمُّ الحسابُ. وقوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ﴾ لمّا كان الشهرُ الهلاليُّ لا يحتا إلى عَدٍّ لتوفِيَتِهِ (^٦) بما بين الهلالين، لم يقُلْ لتعلموا عددَ الشهور؛ فإنَّ الشهرَ لا يُحتاج إلى عَدِّهِ إلّا إذا غُمَّ آخِرُهُ، فيُكَمَّلُ عددُه بالاتفاق، إلّا في شهر شعبانَ إذا غُمَّ آخِرُه بالنِسبة إلى صوم رمضانَ خاصَّةً، فإنَّ فيه اختلافًا مشهورًا. وأمَّا السَّنَةُ فلا بدّ من عَددِها، إذْ ليس لها حدٌّ ظاهرٌ في السماءِ فيُحتاجُ إلى عَددِها بالشهور، ولا سيّما مع تطاولِ السّنينَ وتعدُّدِها.
وجعلَ اللهُ السَّنةَ اثنيْ (^٧) عشرَ شهرًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (^٨) وذلك بعدد البُروج التي تكمُلُ بدَورِ الشمسِ فيها السنةُ الشمسيَّةُ، فإذا دارَ القمرُ فيها كلِّها كَمُلَتْ دورتُهُ السّنويّةُ؛ وإنما جعل اللهُ الاعتبَارَ بدورِ القمرِ؛ لأن ظهورَه في السماءِ لا يحتاجُ إلى حسابٍ ولا كتاب، بل هو أمرٌ ظاهرٌ يُشَاهَدُ بالبصر، بخلافِ سيرِ الشمسِ؛ فإنه تحتاجُ معرفتُه إلى حسابٍ وكتابٍ، فلم يُحوِجْنا إلى ذلك، كما قال النَّبيُّ - ﷺ -: "إنا أُمّةٌ أمَّةٌ لا نكتُبُ ولا نحسُبُ (^٩)، الشهرُ
_________________
(١) الوَقْرُ، بالفتح: ثقل في الأذن. والوِقْرُ، بالكسر: الحِمْل الثقيل. وجمعه أوقار.
(٢) سورة الإسراء، الآية ١٢.
(٣) سورة يونس، الآية ٥.
(٤) في ط: "وجعل".
(٥) في ط: "وبمعرفة ذلك".
(٦) في ع: "لتوقيته".
(٧) في آ، ع: "اثنا عشر" محاكاة للفظ الآية.
(٨) سورة التوبة، الآية ٣٦.
(٩) أراد أنهم على أصل ولادة أمِّهم لم يتعلموا الكتابة والحساب، فهم على جبلّتهم الأولى. وقيل: الأمي الذي لا يكتب. (النهاية ١/ ٦٨).
[ ٣٨ ]
هكذا وهكذا وهكذا، وأشارَ بأصابعِهِ العَشْرِ، وخَنَسَ (^١) إبهامَهُ في الثالثة، صُومُوا لرؤيتِهِ وأفطِرُوا لرؤيته؛ فإنْ غُمّ عليكم فأكمِلُوا العِدّة" (^٢). وإنما علَّق الله تعالى على الشمس أحكامَ اليوم مِن الصّلاةِ والصِّيام، حيث كان ذلك أيضًا مشاهدًا بالبصر لا يحتاج إلى حسابٍ وَلا كتاب (^٣)؛ فالصَّلاة تتعلَّقُ بطلُوعِ الفجرِ، وطُلوعِ الشمس، وزوالِها، وغروبِها، ومصيرِ ظلِّ الشيء مثله (^٤)، وغروبِ الشفَق. والصِّيامُ يتوقَّتُ (^٥) بمدّة النهارِ من طلوعِ الفجر إلى غروب الشمسِ. وقوله تعالى: ﴿وَالْحِسَابَ﴾، يعني بالحسابِ حسابَ ما يحتاجُ إليه الناسُ من مصالحِ دينهم ودنياهم، كصيامهم، وفطرهم، وحجّهم، وزكاتِهم، ونذورِهم، وكفاراتهم، وَعِدَدِ نسائهم، ومُدَدِ إيلائهم (^٦)، ومُدَدِ إجاراتهم، وحُلولِ آجالِ دُيونهم، وغيرِ ذلك مما يتوقّتُ بالشهور والسنين. وقد قال الله ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (^٧)، فأخبرَ أنّ الأهِلَّةَ مواقيتُ للناسِ عُمومًا، وخصَّ الحجّ من بين ما يُوقّتُ به؛ للاهتمام به، وجعَلَ الله ﷾ في كل يوم وليلةٍ لعباده المؤمنينَ وظائفَ مُوَظّفةً عليهَم من وظائفِ طاعتِه. فمنها ما هو مفترض كالصلواتِ الخمس. ومنها ما يُنْدَبُونَ إليه من غير افتراض، كنوافلِ الصّلاةِ والذكر وغير ذلك.
وجَعَلَ في شهور الأهِلَّةِ وظائفَ مُوَظَّفةً أيضًا على عباده، كالصِّيامِ، والزّكاةِ،
_________________
(١) في ط: "وختم". وخنَسَ إبهامه: أي قَبَضَها وجمعها على أخواتها.
(٢) رواه بهذا اللفظ مسلم رقم (١٠٨٠) (١٥) و(١٦) في الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، والفطر لرؤية الهلال. ورواه أيضًا مختصرًا البخاري رقم (١٩١٣) في الصوم، باب قول النبي - ﷺ -: "لا نكتب ولا نحسب"، وأبو داود رقم (٢٣١٩) في الصوم، باب الشهر يكون تسعًا وعشرين، وأحمد في "المسند" (٢/ ١٢٢) في حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄.
(٣) في آ: "وكتاب".
(٤) في آ: "مصير كل شيء مثليه".
(٥) في آ، ب: "يتوقّف".
(٦) الإيلاء: الحلف. وفي سورة البقرة الآية ٢٢٦: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. والمراد أن الزوج إذا حلف ألا يقرب زوجته تنتظره الزوجة مدة أربعة أشهر، فإن عاشرها في المدة فبها ونعمت، ويكون قد حنث في يمينه وعليه الكفارة، وإن لم يعاشرها وقعت الفرقة والطلاق بمضي تلك المدة عند أبي حنيفة، وقال الشافعي: ترفع أمره إلى الحاكم فيأمره إما بالفيئة أو الطلاق، فإن امتنع عنهما طلّق عليه الحاكم. وانظر تفصيل ذلك في تفسير القرطبي ٣/ ١٥٢ وما بعدها.
(٧) سورة البقرة، الآية ١٨٩.
[ ٣٩ ]
والحجِّ. ومنه فَرْضٌ مفروضٌ عليهم، كصيام رمضانَ، وحَجَّةِ الإسلام. ومنه ما هو مندوبٌ، كصيام شعبانَ، وشوال، والأشهرِ الحُرُمِ.
وجعل اللهُ سبحانه لبعض الشهور فضلًا على بعض، كما قال تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (^١). وقال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (^٢). وقال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (^٣).
كما جعلَ بعضَ الأيام والليالي أفضلَ من بعض، وجعلَ ليلةَ القَدْرِ خيرًا من ألفِ شهرٍ، وأقسَمَ بالعَشْرِ؛ وهو عَشْرُ ذي الحِجَّةِ على الصحيح، كما سنذكُرُه في موضعه إن شاء الله تعالى. وما من هذه المواسم الفاضلةِ موسمٌ إلَّا ولله تعالى فيه وظيفةٌ من وظائفِ طاعاتِه، يتقرَّبُ بها إليه، ولله فيه (^٤) لطيفةٌ من لطائفِ نفحاتِه (^٥)، يُصيبُ بها من يعودُ (^٦) بفضله ورحمته عليه. فالسعيدُ من اغْتَنَمَ مواسِمَ الشهورِ والأيامِ والسَّاعاتِ، وتقرَّبَ فيها إلى مولاهُ بما فيها من وظائفِ الطّاعاتِ، فعسى أن تصيبَه نَفْحَةٌ من تلك النَّفَحاتِ، فيسعد بها سعادةً يأمَنُ بعدَها من النارِ وما فيها من اللّفَحَاتِ.
وقد خرَّجَ ابنُ أبي الدنيا (^٧) والطَّبَرانيَّ (^٨) وغيرُهما، من حديثِ أبي هريرةَ (^٩) مرفوعًا: "اطلُبُوا الخير دَهْرَكُم [كُلَّهُ]، وتعرَّضُوا لِنَفَحاتِ رحمةِ رَبِّكُم، فإِنّ لله نَفَحاتٍ
_________________
(١) سورة التوبة، الآية ٣٦.
(٢) سورة البقرة، الآية ١٩٧.
(٣) سورة البقرة، الآية ١٨٥.
(٤) في ب، ط وهامش ع: "فيها"، وسقط لفظ الجلالة من (ع).
(٥) في ب: "وظيفة من وظائف طاعاته يتقرب بها".
(٦) في ط: "يشاء".
(٧) هو عبد الله بن محمد بن عبيد، أبو بكر القرشي البغدادي، المعروف بابن أبي الدنيا، صاحب "كتاب الشكر لله ﷿" المطبوع في دار ابن كثير وغير ذلك من التصانيف في الرقائق والمواعظ. مات سنة (٢٨١) هـ، رحمه الله تعالى.
(٨) هو أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الشامي الطبراني نسبة إلى طبرية من أرض فلسطين، ولد بعكا سنة ٢٦٠ هـ، ورحل إلى معظم الأقطار لجمع الحديث النبوي، وحدَّث عن ألف شيخ أو يزيدون، وصنف ثلاثة معاجم في الحديث هي "المعجم الكبير" و"المعجم الأوسط" و"المعجم الصغير" مات سنة ٣٦٠ هـ، رحمه الله تعالى.
(٩) اختلف في اسمه اختلافًا كبيرًا، ولكن الأصح عند العلماء أن اسمه عبد الرحمن بن صخر، ولد سنة (٢٢) قبل الهجرة، وأسلم متأخرًا سنة (٧) هـ، ولزم النبي - ﷺ -، فروى عنه (٥٣٧٤) حديثًا، وولي إمرة المدينة مدة، ولما صارت الخلافة إلى عمر استعمله على البحرين، ثم رآه ليّن العريكة مشغولًا بالعبادة، فعزله، وأراده بعد زمن على العمل فأبى، وكان أكثر مقامه في المدينة، وتوفي فيها سنة (٥٩) هـ، ﵁.
[ ٤٠ ]
من رحمتِهِ يُصيبُ بها مَنْ يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وسَلُوا الله أنْ يَسْتُرَ عوراتِكُم ويُؤمِّنَ روعاتِكُم" (^١). وفي رواية للطبراني من حديثِ محمد بن مَسْلَمةَ مرفوعًا: "إنَّ لله في أيام الدَّهرِ نَفَحاتٍ فتعرَّضُوا لها، فلعل أحدَكُم أنْ تُصيبَه نَفْحَةٌ فلا يَشْقَى بعدَها أبدًا". وفي "مسند الإمام أحمد" عن عقبةَ بن عامر، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "ليسَ مِن عملِ يَوْم إلا يُختَمُ عليه". (^٢) وروى ابنُ أبي الدُّنيا بإسنادِه، عن مجاهدٍ، قال: ما مِن يوم إلا يقولُ: ابنَ آدم! قد دخلْتُ عليك اليومَ ولن أرجِع إليكَ بعدَ اليومِ، فانْظُرْ ماذا تعملُ فيَّ، فإذا انقَضَى طواهُ، ثم يُختَمُ عليه فلا يُفَكُّ حتَّى يكونَ الله هو الذي يفُضُّ ذلك الخاتَمَ يومَ القيامةِ، ويقولُ اليومُ حين ينقضي: الحمدُ للهِ الذي أراحني من الدُّنيا وأهلِها، ولا ليلة تدخل على النَّاس إلا قالت كذلك.
وبإسناده عن مَالِكِ بن دينارٍ، قال: كان عيْسى ﵇، يقول: إن هذا الليلَ والنَّهارَ خِزانتان، فانظروا ما تضعون فيهما. وكان يقول: اعملوا اللَّيلَ لِما خُلِقَ له، واعْمَلُوا النَّهارَ لِما خُلِقَ له. وعن الحَسَن (^٣)، قال: ليس يومٌ يأتي من أيام الدُّنيا إلّا يتكلَّمُ، يقول: يا أيُّها الناسُ! إنِّي يومٌ جَديدٌ، وإنّي على ما يُعمَلُ فيَّ شهيدٌ، وإنِّي لو قد غَرَبَتِ الشَّمسُ (^٤) لم أرجِعْ إليكم إلى يوم القيامةِ. وعنه أنه كان يقول: يا ابنَ آدمَ! اليومُ ضيفُكَ، والضيفُ مُرتحلٌ، يحمَدُكَ أوَ يذمُّكَ، وكذلك ليلتُكَ (^٥). وبإسناده عن بكرٍ المزنيِّ أنّه قال: ما من يوم أخرجَه الله إلى أهل الدُّنيا إلا ينادي: ابنَ ادمَ!
_________________
(١) ذكره الهندي في "كنز العمال" (٢/ ٧٤) و(٧/ ٧٦٩)، والسيوطي في "الجامع الصغير" (١/ ١٤٣). وقد رواه البيهقي في "شعب الإيمان" وابن أبي الدنيا في "الفرج بعد الشدة" (٢٧) من حديث أبي هريرة ﵁. كما رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"، وأبو نعيم في "الحلية" من حديث أنس بن مالك ﵁. وهو حديث ضعيف. وورد في "الإتحاف" ٥/ ٤٠ عن مسند بقي بن مخلد، من حديث أبي هريرة، مرفوعًا.
(٢) قطعة من حديث رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/ ١٤٦)، وإسناده ضعيف؛ فيه عبد الله بن لهيعة ضعفه رجال الحديث. ورواه أيضًا الطبراني في "المعجم الكبير" والحاكم في "المستدرك"، كما في "كنز العمال" (٣/ ٣٠٤).
(٣) إذا أطلق الحسن فهو الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد، إمام أهل البصرة في عصره، وحبر الأمة، وهو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء الشجعان النساك، ولد بالمدينة سنة (٢١) هـ، وشبَّ في كنف علي بن أبي طالب، وكانت له هيبة عظيمة في القلوب، فكان يدخل على الولاة فيأمرهم وينهاهم، لا يخاف في الله لومة لائم. مات سنة (١١٠) هـ، رحمه الله تعالى.
(٤) في ع: "غربت شمسي".
(٥) في ع: "الليل".
[ ٤١ ]
اغتنمني، لعلَّه لا يومَ لكَ بعدي. ولا ليلة إلا تنادي: ابنَ آدم! اغتنمني، لعلَّه لا ليلةَ لكَ بعدي. وعن عُمَرَ بن ذرٍّ أنه كان يقول: اعملوا لأنفسِكم رحمكم الله في هذا الليل وسوادِهِ؛ فإنَّ المغبُونَ مَنْ غُبِنَ خَيْرَ اللَّيلِ والنَّهارِ، والمحرُومَ مَنْ حُرِمَ خيرَهما. إنَّما جُعِلا سبيلًا للمؤمنين إلى طاعةِ ربِّهم، ووبالًا على الآخرين للغَفلةِ عن أنفسِهِم؛ فأحيُوا للهِ أنفسَكُم بذكرِه، فإنما تحيا القلوبُ بذكرِ الله ﷿.
[عن أبي موسى ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "مثلُ الَّذي يذكُرُ ربَّهُ والّذي لا يذكُرُ ربَّه، مَثَلُ الحيِّ والميِّتِ"] (^١). كم من قائم للهِ في هذا الليلِ قد اغْتَبَطَ بقيامِهِ في ظُلْمةِ حُفْرتهِ، وكم من نائمٍ في هذا الليلِ قد ندِمَ على طُولِ نومِهِ، عندما يرَىَ من كرامةِ الله ﷿ للعابدين غدًا. فاغتنِمُوا ممر السّاعاتِ والليالي والأيام، رحمكم الله. وعن داود الطائيّ (^٢) أنه قال: إنّما اللّيلُ والنهارُ مراحلُ، ينزِلُها الناسُ مَرْحلَةً مَرْحَلَةً، حتى ينتهيَ بهم ذلك إلى آخِرِ سفرِهم، فإن استطعت أن تُقدِّمَ في كل مرْحلةٍ زادًا لما بينَ يديْها فافْعَلْ؛ فإنّ انقطاعَ السفَرِ عن قريبٍ ما هو، والأمرُ أعجلُ من ذلك. فَتزوَّدْ لِسَفَرِكَ، واقضِ ما أنتَ قاضٍ مِن أمرِكَ، فكأنّكَ بالأمرِ قَدْ بَغَتَكَ (^٣).
قال ابنُ أبي الدُنيا: وأنشدنا محمود بن الحُسَيْن (^٤):
مَضَى أمسُكَ الماضي شهيدًا مُعدّلًا … وأعقبَهُ يومٌ عليكَ جَديدُ
_________________
(١) زيادة من (ط). والحديث أخرجه البخاري رقم (٦٤٠٧) في الدعوات: باب فضل ذكر الله ﷿، ومسلم رقم (٧٧٩) في صلاة المسافرين: باب استحباب صلاة النافلة في بيته.
(٢) هو داود بن نصير الطائي الكوفي، أبو سليمان، من أئمة المتصوفين، كان في أيام المهدي العباسي، توفي سنة ١٦٥ هـ.
(٣) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" ٧/ ٣٤٥ وابن الجوزي في "صفة الصفوة" ٣/ ١٣٨ وتتمته فيهما: "إني لأقول لك هذا وما أعلم أحدًا أشد تضييعًا مني لذلك، ثم قام وتركني".
(٤) كذا في الأصول "محمود بن الحسين"، وهي رواية ضعيفة، وصوابه محمود بن الحسن الوراق، شاعر، أكثر شعره في المواعظ والرقائق. روى عنه ابن أبي الدنيا كثيرًا. توفي نحو سنة (٢٢٥) هـ. والأبيات كلها أو معظمها مما نسب إلى أكثر من شاعر، مع شيء من الاختلاف في الرواية، فهي منسوبة إلى محمد بن يسير الرياشي في معجم الشعراء ص ٣٥٤، والذخائر والأعلاق ص ٥٣، وأدب الدنيا والدين ص ١٢٨. وإلى الإمام علي في ديوانه المجموع ص ٦٥، وبلا نسبة في بستان الواعظين ص ١٥٢. وانظر الزهد الكبير للبيهقي ص ٢٥٩، واقتضاء العلم العمل ص ٢٢٥.
[ ٤٢ ]
فيومُكَ إن أغنيتَهُ (^١) عادَ نفعُهُ … عَلَيْكَ وَمَاضي الأمسِ ليسَ يَعُودُ
فإنْ كُنتَ بالأمسِ اقْتَرفْتَ إساءةً … فَثَنِّ بإحْسانٍ وأنتَ حَمِيدُ
فلا تُرْجِ فِعلَ الخيرِ يومًا إلى غدٍ … لعل غدًا يأتي وأنتَ فقيدُ
وفي "تفسير عَبْدِ بن حُميد" (^٢) وغيره من التفاسير المسندة عن الحَسَنِ في قول الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (^٣)، قال: مَنْ عَجَزَ (^٤) بالليل كانَ له في (^٥) أوَّلِ النَّهارِ مُسْتَعْتَبٌ، ومَنْ عَجَزَ عن النَّهارِ (^٦) كانَ له في (٥) الليلِ مُسْتَعْتَبٌ (^٧). وعن قَتَادَةَ، قال: إنَّ المؤمن قد ينسى بالليل ويذكُرُ بالنَّهارِ، وينسَى بالنَّهارِ ويذكُرُ بالليل. قال: وجاء رجل إلى سَلْمان [الفارسي] (^٨)، قال: [إني] (^٩) لا أستطيعُ قيامَ الليلِ. قال له: فلا تعجِزْ بالنَّهارِ. قال قَتَادَة: فأَدُّوا إلى اللهِ مِن أعمالِكُم خيرًا في هذا الليلِ والنَّهارِ؛ فإنَّهما مَطيَّتانِ تُقْحِمانِ النَّاسَ إلى آجالِهم، يقرِّبانِ كلّ بعيدٍ، ويُبْلِيانِ كُلَّ جديدٍ، ويجيئانِ بكلِّ موعودٍ، إلى يوم القيامة.
* * *
وقد استخرْتُ الله تعالى في أن أجمَعَ في هذا الكتاب وظائفَ شُهورِ العام وما يختصُّ بالشهورِ ومواسِمِها مِنَ الطاعاتِ، كالصَّلاةِ، والصِّيامِ، والذِّكْرِ، والشُّكْرِ، وبَذْلِ الطَّعامِ، وإفشاءِ السَّلامِ، وغيرِ ذلك مِن خِصالِ البَرَرَةِ الكِرامِ؛ ليكونَ ذلكَ
_________________
(١) في آ، ع: "أعتبته"، وفي ب: "أغيبته"، وما أثبته من (ط).
(٢) هو عبد بن حميد، ابن نصر الكسي، ويقال: الكشي، ويقال: اسمه "عبد الحميد". حدّث عن عدد كبير من الأئمة، وحدّث عنه كثيرون، منهم: البخاري، ومسلم، والترمذي. مات سنة (٢٤٩) هـ؛ وهو ممن ذكره ابن حبان في الثقات. انظر سير أعلام النبلاء ١٢/ ٢٣٥ - ٢٣٨.
(٣) سورة الفرقان الآية ٦٢. والخِلْفَةُ: كل شي بعد شيء؛ وكل واحد من الليل يخلف صاحبه.
(٤) العَجْزُ: ترك ما يجب فعله بالتَّسويف، وهو عامٌّ في أمور الذنيا والدِّين. (النهاية). وقال ابن كثير في "التفسير" ٣/ ٣٢٤: قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس في الآية، يقول: من فاته شيء من الليل أن يعمله أدركه بالنهار، أو من النهار أدركه بالليل، وكذا قال عكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن. وقال مجاهد وقتادة: خلفة: أي مختلفين؛ أي هذا بسواده وهذا بضيائه.
(٥) في ب، ط: "من".
(٦) في ب: "من النهار"، وفي ط: "بالنهار".
(٧) استعتب فلان، إذا طلب أن يعتَبَ، أي يُرضى. وفي الحديث: "ولا بعد الموتِ من مُسْتَعْتَب" أي ليس بعد الموت من استرضاء. وقال الزجاج: أراه يعني وقت استعتاب، أي وقت طلب عُتْبَى، كأنَّه أراد وقت استغفار. (اللسان).
(٨) زيادة من (ع).
(٩) زيادة من هامش نسخة (ع).
[ ٤٣ ]
عونًا لنَفسي ولإخواني على التزوُّدِ للمعادِ، والتأهُّب للموتِ قبلَ قُدُومِهِ، والاستِعدادِ. وأفوِّضُ أمري إلى الله، إن الله بصيرٌ بالعباد. ويكوَن أيضًا صالحًا لمن يُريدُ الانتِصابَ للمواعظِ مِن المذكِّرينَ؛ فإنّ مِن أفضَلِ الأعمالِ عندَ اللهِ لِمن أرادَ به وَجْهَ الله إيقاظَ الراقدين، وتنبيهَ الغافلين؛ قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١). ووعَدَ مَنْ أَمَرَ بصدَقةٍ أو معروفٍ [أو إصلاح بين الناس] (^٢) يبتغي به وَجْهَ الله، (^٣) أجرًا عظيمًا. وأخبرَ نبيُّه - ﷺ - أن "مَنْ دَعَا إلى هُدًى فَلَهُ مثلُ أجرِ مَنْ تبِعَهُ" (^٤)، وكفَى بذلك فضلًا عميمًا. وقد جعلْتُ هذه الوظائفَ المتعلِّقةَ بالشهورِ مجالسَ مجالسَ، مُرتَّبةً على ترتيبِ شُهور السَّنةِ الهِلاليَّةِ؛ فأبدأ بالمحرَّم، وأختِمُ بذي الحجّةِ، وأذكُرُ في كل شهرٍ ما فيه من هذِه الوظائفِ، وما لم يكُنْ له وظيفة خاصَّةٌ لم أذكُرْ فيه شيئًا. وختمْتُ ذلك كله بوظائفِ فصولِ السَّنةِ الشمسيَّةِ، وهي ثلاثةُ مجالِسَ: في ذكر الرّبيع، والشتاءِ، والصيفِ. وختمْتُ الكتابَ كلَّهُ بمجلس في التوبةِ والمبادَرَةِ بها قبلَ انقِضاءِ العُمُرِ؛ فإنّ التوبةَ وظيفة العمرِ كلِّهِ. وأبدأ قبلَ ذكر وظائفِ الشهورِ بمجلس في فضل التذكيرِ بالله يتضمَّنُ ذِكْرَ بعض ما في مجالسِ التذكيرِ منَ الفَضْلِ، وسمَّيته: "لطائف المعارِف فيما لمواسم العامَ من الوظائف". والله تعالى المسَؤول أن يجعلَهُ خالصًا لوجهِهِ الكريمِ، ومقربًا إليه وإلى دارِه، دارِ السَّلامِ والنَّعيمِ المقيمِ، وأنْ ينفَعَنا (^٥) به وعبادَهُ المؤمنين، وأن يوفِّقَنا لما يحبُّ وَيرضى، وَيختِمَ لنا بخيرٍ في عافيةٍ؛ فَإنَّه أكرمُ الأكرمينَ وأرحمُ الراحمين، آمين.
وهذا أوانُ الشروع فيما أردناهُ والبُداءَة بالمجلسِ الأوَّلِ كما شَرَطناهُ. ولا حول ولا قوَّةَ إلا بالله.
* * *
_________________
(١) سورة الذاريات الآية ٥٥.
(٢) زيادة من (ط).
(٣) في ب، ط، ع: "وجهه".
(٤) رواه مسلم رقم (٢٦٧٤) في العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة؛ وأبو داود رقم (٤٦٠٩) في السنة، باب لزوم السُّنَّة؛ والترمذي رقم (٢٦٧٤) في العلم، باب ما جاء فيمن دعا إلى هدى فاتُّبع أو إلى ضلالة؛ وابن ماجه رقم (٢٠٦) في المقدمة، باب من سن سنة حسنة أو سيئة. ولفظه عند مسلم: عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا. ومن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا".
(٥) في آ: "ينفعني".
[ ٤٤ ]