خرَّج ابن رجب لنفسه مشيخة مفيدة. وقال عنه ابن حِجّي: أتقن الفن - أي فن الحديث - وصار أعرف أهل عصره بالعلل وتتبع الطرق، وتخرّج به غالب أصحابنا الحنابلة بدمشق (^٥).
وقال فيه ابن حجر: أخذ عن مشاهير عصره، واستفاد منهم، ودرس الحديث والفقه حتى برع، وقد مهر في فنون الحديث: أسماءً، ورجالًا، وعللًا، وطرقًا، واطلاعًا على معانيه.
ووصفه العليمي بالشيخ الإمام، العالم العامل، العلّامة، الزاهد، القدوة، البركة، الحافظ، العمدة، الثقة، الجة، زين الملة والشريعة والدنيا والدين، شيخ الإسلام، وأحد الأعلام، واعظ المسلمين، مفيد المحدثين، جمال المصنفين (^٦).
_________________
(١) هو عبد الرحيم بن الحسين، زين الدين، المعروف بالحافظ العراقي، من كبار حفاظ الحديث، أصله من الكرد، تحوَّل صغيرًا مع أبيه إلى مصر، فتعلَّم ونبغ فيها، وقام برحلة إلى الحجاز والشام وفلسطين، وعاد إلى مصر، فتوفي في القاهرة سنة ٨٠٦ هـ. خئف عددًا كبيرًا من المصنفات. (الضوء اللامع ٤/ ١٧١ وذيل تذكرة الحفاظ ٢٢٠).
(٢) هو محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزُّرْعي الدمشقي، أبو عبد الله، شمس الدين، ابن قيم الجوزية، الحنبلي، من أركان الإصلاح الإسلامي، وأحد كبار العلماء، مولده ووفاته بدمشق، تتلمذ لشيخ الإسلام ابن تيمية حتى لا يكاد يخرج عن شيء من أقواله، وهو الذي هذَّب كتبه ونشر علمه، وسجن معه في قلعة دمشق، وأهين وعذب بشبه، وألف تصانيف كثيرة، توفي سنة ٧٥١ هـ. (الدرر الكامنة ٣/ ٤٠٠ والأعلام ٦/ ٥٦).
(٣) هو أحمد بن لؤلؤ بن عبد الله الرومي، أبو العباس، شهاب الدين، المعروف بابن النقيب، فقيه شافعي مصري، مولده ووفاته بالقاهرة، توفي سنة ٧٦٩ هـ.
(٤) هو - على الأغلب - علاء الدين أحمد بن عبد المؤمن الشافعي، قال ابن قاضي شهبة: الشيخ الإمام السبكي ثم النووي، نسبة إلى نوى، من أعمال القليوبية، وكان خطيبًا بها. تفقّه على الشيخ عز الدين النسائي وغيره، وكتب شرحًا على "التنبيه" في أربع مجلدات. وصنف كتابًا آخر في ترجيحات مخالفة لما رجحه الرافعي والنووي. قال الزين العراقي عنه: كان رجلًا صالحًا، صاحب أحوال ومكاشفات، شاهدت ذلك منه غير مرة، وكان سليم الصدر ناصحًا للخلق، قانعًا باليسير، باذلًا للفضل، بل لقوت يومه مع حاجته إليه. مات سنة ٧٤٩ هـ. (شذرات الذهب ٦/ ١٥٨).
(٥) إنباء الغمر ١/ ٤٦١ وشذرات الذهب ٦/ ٣٣٩.
(٦) المنهج الأحمد للعليمي (مخطوط) ص ٤٧١.
[ ١١ ]
عُرف ابن رجب بالفضل والورع، والميل إلى العزلة، والتفرغ للعلم والتصنيف، فقد كان لا يعرف شيئًا من أمور الناس، ولا يتردد إلى أحدٍ من ذوي الولايات، وكان يسكن بالمدرسة السكرية بالقصّاعين (^١).
وكان أحد الأئمة الحفّاظ الكبار، والعلماء الزهّاد الأخيار، وكانت مجالسه تذكرة للقلوب صادعة، وللناس عامة مباركة نافعة. اجتمعت الفرق عليه، ومالت القلوب بالمحبة إليه (^٢).
وكان صاحب عبادة وتهجد، ذكر ابن حجر أنه كان يفتي بمقالات ابن تيمية، وأنّ الناس نقموا عليه ذلك، فأظهر الرجوع عن خطته، فنافره التيميّون، فهجر هؤلاء وهؤلاء. وكان قد ترك الإفتاء بآخرة (^٣).
ترجم له ابن عبد الهادي (^٤) فأجمل كثيرًا من أخباره وفضائله، فقال: هو الشيخ الإمام، أوحد الأنام، قدوة الحفاظ، جامع الشتات والفضائل، الفقيه الزاهد البارع الأصولي المفيد المحدّث. قال القاضي علاء الدين بن اللحام - فيما وجدته بخطه: سيدنا وشيخنا الإمام العالم العلّامة الأوحد الحافظ شيخ الإسلام، مجلّي المشكلات، وموضح المبهمات، أبو الفرج عبد الرحمن زين الدين بن رجب. ورأيت بخطه في موضع آخر يقول: شيخنا الإمام العالم الحافظ بقية السلف الكرام، وحيد عصره، وفريد دهره.
وقال ابن قاضي شهبة (^٥): الشيخ الإمام العلّامة، الحافظ، الزاهد، الورع، شيخ الحنابلة وفاضلهم، أوحد المحدثين.
وليَ حلقة الثلاثاء بعد وفاة ابن قاضي الجبل في سنة ٧٧١، ودرَّس بالحنبلية بعد وفاة القاضي ابن التقي، ثم أخذ منه.
وبالجملة فقد أجمع من ترجموا له على فضله وعلمه وورعه وزهده، وإمامته في الفقه والحديث والمواعظ. أحبه الناس، ومالت إليه قلوبهم، وصدعت لدروسه أفئدتهم. وسنكشف بعض ما كان عليه من علم حين الحديث عن كتبه إن شاء الله.
_________________
(١) المنهج الأحمد (مخطوط) ٢/ ٤٧٢ وشذرات الذهب ٦/ ٣٣٩.
(٢) المنهج الأحمد ٢/ ٤٧٢.
(٣) إنباء الغمر ٣/ ١٧٦.
(٤) الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد، لابن عبد الهادي الترجمة (٥٧) ص ٤٦ - ٥٣.
(٥) تاريخ ابن قاضي شهبة ١/ ٣/ ٤٨٨.
[ ١٢ ]