خرجا في "الصحيحين" (^١) من حديث أبي بَكْرَةَ أنَّ النبي - ﷺ - خَطَبَ في حجَّةِ الوداعِ فقال في خُطبتِهِ: "إنَّ الزَّمانَ قد اسْتَدارَ كهيئتِهِ يومَ خَلَقَ الله السَّماواتِ والأرْضَ، السَّنةُ اثنا عشَرَ شهرًا؛ منها أربعة حرمٌ: ثلاثة متواليات: ذو القَعْدةِ، وذو الحِجَّةِ، والمحرمُ، ورَجَبُ (^٢) مُضَرَ الذي بين جُمادَى وشَعبانَ" وذكَرَ الحديثَ. قال الله ﷿: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُهورِ عندَ اللَّهِ اثنَا عَشَرَ شَهْرًا في كِتاب اللّهِ يومَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ مِنها أَرْبَعَة حُرُمٌ ذلِكَ الدِّين القَيمُ فَلَا تَظْلِمُوا فيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ (^٣)، فأَخبَرَ سبحانَه أنَّه مُنْذُ خلَقَ السَّماواتِ والأرضَ وخلَقَ اللّيلَ والنهارَ يَدُورانِ في الفلكِ، وخلَقَ ما في الماءِ من الشَّمسِ والقمرِ والنجومِ، وجعَلَ الشَّمسَ والقمَرَ يَسبحانِ في الفلكِ، فينشأ (^٤) منهما ظلمةُ اللَّيلِ وبياضُ النَّهارِ؛ فمِنْ حينئذٍ جَعَلَ السَّنةَ اثني عشر شهرًا بحسبِ الهلالِ.
فالسنةُ في الشرع مُقدَّرةٌ بسيرِ القمر وطلوعِهِ، لا بِسيرِ الشمسِ وانتقالِها، كما يَفعلُه أهلُ الكتابِ.
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (١٧٤١) في الحج، باب الخطبة أيام منى، و(٥٥٢٠) في الأضاحي، باب من قال: الأضحى يوم النحر، و(٤٦٦٢) في التفسير، باب تفسير سورة براءة، و(٣١٩٧) في بدء الخلق، باب ما جاء في سبع أرضين. وأخرجه مسلم رقم (١٦٧٩) في القسامة، باب تحريم الدماء؛ وأبو داود رقم (١٩٤٧) في الحج، باب الأشهر الحرم.
(٢) رَجَبٌ: شهر سموه بذلك لتعظيمهم إيَّاه في الجاهلية عن القتال فيه، ولا يستحلّون القتال فيه. وقوله: "بين جمادى وشعبان"، تأكيد للبيان وإيضاح له؛ لأنهم كانوا يؤخرونه من شهر إلى شهر، فبيَّن لهم أنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان، لا ما كانوا يسمون على حساب النسيء. وإنما قيل: رَجَبُ مُضرَ، إضافة إلى قبيلة مُضرَ؛ لأنهم كانوا أشدّ تعظيمًا له من غيرهم، فكأنهم اختصوا به. (اللسان: رجب) وسيأتي المؤلف على شرح ذلك.
(٣) سورة التوبة الآية ٣٦.
(٤) في ع: "تنشأ"، وفي ط: "وينشأ".
[ ٢١٧ ]
وجَعَلَ اللهُ تعالى مِن هذه الأشهرِ أربعةَ أشهرٍ حُرُمًا، وقد فَسَّرَها النبي - ﷺ - في هذا الحديثِ، وذكَرَ أنَّهَا ثلاثةٌ متوالياتٌ؛ ذو القَعْدَةِ، وذو الحِجَّةِ، والمُحرمُ، وواحدٌ فردٌ، وهو شهرُ رَجَب. وهذا قد يَستدلُّ به مَن يقولُ: إنها من سنتين. وقد رُوي من حديث ابن عُمَرَ مرفوعًا: "أولُهُنَّ رَجَبٌ"، وفي إسناده موسى بن عُبيدة (^١)، وفيه ضعفٌ شديدٌ من قِبَلِ حِفْظِهِ. وقد حُكي عن أهلِ المدينة أنهم جَعلوها من سنتينِ، وأنَّ أوَّلَها ذو القَعْدَةِ، ثم ذو الحِجَّةِ، ثم المُحرمُ، ثم رجَبٌ، فيكونُ رَجَبٌ آخرَها.
وعن بعض المدنيين أن أوَّلَها رَجَبٌ، ثم ذو القَعْدَةِ، ثم ذو الحِجَّةِ [ثم المُحَرَّمُ. وعن بعضِ أهلِ الكوفة أنها من سنةٍ واحدةٍ؛ أَوَّلُها المُحرمُ، ثم رَجَبٌ، ثم ذو القَعْدَةِ، ثم ذو الحِجَّةِ] (^٢). واختُلِفَ في أيِّ هذه الأشهر الحُرمِ أفضلُ؛ فقيل: رجبٌ، قاله بعضُ الشافعية، وضعَّفَه النوَوي وغيرُه. وقيل: المُحَرمُ، قاله الحسنُ، ورجَّحَه النَّوَوِيُّ. وقيل: ذو الحِجَّةِ، رُوي عن سعيد بن جبير وغيرِه، وهو أظهرُ، والله أعلم.
وقوله - ﷺ -: "إن الزمانَ قد اسْتَدَارَ كهيئَتِه يومَ خَلَقَ الله السَّماواتِ والأرضَ، السنةُ اثنا عَشَرَ شهرًا" مُرادُه بذلك إبطالُ ما كانتِ الجاهليةُ تفعلُه من النَّسيء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ (^٣). وقد اختُلِفَ في تفسيرِ النسيء، فقالت طائفة: كانوا يُبدلُون بعضَ الأشهرِ الحُرمِ بغيرِها مِنَ الأشهرِ، فيحرمُونَها بدلَها، ويُحلون ما أرادُوا تحليلَه مِن الأشهرِ الحُرم إذا احْتاجُوا إلى ذلك، ولكن لا يَزيدُون في عَددِ الأشهرِ الهلاليةِ شيئًا. ثم مِن أهلِ هَذه المقالةِ مَنْ قالَ: كانوا يُحلُّونَ المُحرمَ فيَسْتَحِلونَ القِتالَ فيه؛ لطولِ مدَّةِ التحريم عليهم بتوالي ثلاثة أشهرٍ مُحرمةٍ، ثم يُحرمونَ صَفَرَ مَكانَهُ، فكأنهُم يقترِضُونَه ثم يُوفونَه. ومنهم مَن قال: كانوا يُحلونَ
_________________
(١) في آ، ع: "موسى بن عبدة"، وهو تحريف. وهو موسى بن عُبيدة، ابن نَشيط، الرَّبَذي، أبو عبد العزيز المدني، ضعيف، وكان عابدًا، مات سنة ١٥٣ هـ. (التقريب).
(٢) ما بين قوسين ساقط في (آ).
(٣) سورة التوبة الآية ٣٧.
[ ٢١٨ ]
المُحرَّم مَعَ صَفَرَ مِن عامٍ ويُسمُّونَهما صَفَرينِ، ثم يحرِّمُونهما مِن عامٍ قابلٍ ويسمُّونَهما محرمين، قاله ابن زيد بن أسلم (^١).
وقيل: بل كانوا رُبَّما احْتَاجُوا إلى صَفَرَ أيضًا فأحَلُّوه وجَعَلوا مكانَه ربيعًا، ثمَّ يَدورُ كذلك التحريمُ والتَّحليلُ والتأخير (^٢)، إلى أن جاء الإِسلامُ ووافَقَ حجَّةَ الودَاعِ، صارَ رجوعُ التَّحريمِ إلى مُحرَّم الحقيقيّ، وهذا هو الذي رَجَّحَه أبو عبيد، وعلى هذا فالتَّغييرُ إنما وَقَعَ في عَيْنِ الأشهُرِ الحُرُمِ خاصةً. وقالت طائفة أخرى: بَلْ كانوا يَزِيدون في عددِ شهورِ السَّنَةِ، وظاهِرُ الآية يُشعِرُ بذلك، حيث قال الله تعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عندَ اللهِ اثنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ (^٣) فذكَرَ هذا توطئةً لِهَدْمِ النَّسِيءِ وإبطالِهِ.
ثم مِن هؤلاءِ مَنْ قال: كانوا يَجعلُون السَّنَةَ ثلاثَةَ عَشَرَ شهرًا، قاله مجاهد وأبو مالك؛ قال أبو مالك: كانوا يَجعلون السَّنَةَ ثلاثَةَ عَشَرَ شهرًا، ويجعلون المُحَرمَ صَفَرًا. وقال مجاهد: كانوا يُسقِطون المُحرَّمَ، ثم يَقولون: صَفَرينِ، لصفَرَ وربيع الأوَّل وربيع الآخر، ثم يقولون: [شهرا ربيعٍ، ثم يقولون] (^٤) لرمضان شعبانُ، ولشوال رمضانُ، ولذِي القَعْدَةِ شوالٌ، ولذِي الحِجَّةِ ذو القَعْدَة، على وجهِ ما ابتدأوا. وللمحرمِ ذو الحِجَّة، فيَعدُّون ما ناسؤوا على مستقبله، على وجه ما ابتدأوا.
وعنه (^٥) قال: كانت الجاهلية يَحجُّون في كلِّ شهرٍ مِن شهورِ السَّنةِ عامينِ، فوافَقَ حجُّ رسولِ اللهِ - ﷺ - في ذي الحِجَّةِ، فقال: "هذا يومٌ اسْتدَار الزَّمانُ كهيئته يومَ خَلَقَ اللّهُ السَّماواتِ والأرضَ.
ومن هؤلاء مَن قال: كانت الجاهلية يجعلونَ الشهور (^٦) اثني عشَرَ شهرًا وخمسةَ
_________________
(١) بعدها في ط وهامش (ب) ما نصه: "وهو ضعيف، وزيد بن أسلم ثقة، وهو من رجال الصحيح". قلت: وهما: زيد بن أسلم العدوي، مولى عمر، أبو عبد اللّه، أو أبو أسامة، المدني، ثقة عالم. روى له الجماعة، مات سنة ١٣٦ هـ. (التقريب) وابنه: أسامة بن زيد بن أسلم العدوي، ضعيف من قبل حفظه، مات في خلافة أبي جعفر المنصور. (التقريب).
(٢) في آ: "بالتأخير".
(٣) سورة التوبة الآية ٣٦.
(٤) ما بين قوسين سقط من (آ).
(٥) أي عن مجاهد.
(٦) في آ: "الأشهر".
[ ٢١٩ ]
أيام، قاله إياسُ بن مُعاوَية (^١). وهذا العدد (^٢) قريبٌ من عددِ السَّنَةِ الرُّوميَّةِ، ولهذا جاء في مراسِيل عِكْرِمَةَ بن خالد أنَّ النبي - ﷺ -، قال في خطبته يومَ النَّحرِ (^٣): "والشهرُ هكذا وهكذا وهكذا، وخَنَسَ (^٤) إبهامَه في الثالثة (^٥)، وهكذا وهكذا وهكذا، يعني ثلاثين (^٦)، فأشارَ إلى أن الشَّهر هلالِيٌّ.
ثم تارةً ينقُصُ وتارةً يتِمُّ، ولعلَّ أهلَ النَّسِيء كانوا يُتِمُّون الشُّهور كلَّها، وَيزيدون عليها، واللّه أعلم.
وقد قيل: إن ربيعةَ ومُضَرَ كانوا يُحرِّمُون أربعةَ أشهرٍ مِنَ السنةِ مع اختلافِهِم في تعيينِ رجبٍ منها، كما سنذكرُهُ إنْ شَاءَ اللّهُ تعالى. وكانت بَنُو عَوْف بن لُؤيّ يُحرِّمون مِن السَّنة ثَمانيةَ أشهرٍ، وهذا مُبالغةٌ في الزيادة على ما حرَّمه اللّه.
واخْتَلَفُوا في أيِّ عامٍ عاد الحجُّ إلى ذي الحِجَّةِ على وجهِهِ، واسْتَدَار الزَّمان فيه كهيئتِهِ؛ فقالت طائفة: إنما عادَ على وجهِهِ في حجَّةِ الوداع. وأمَّا حجَةُ أبي بكر الصِّدِّيق ﵁، فكانت قد وقعت في ذي القَعْدَةِ، هذا قولُ مجاهد وعِكْرِمَةَ بن خالد وغيرِهما. وقيل: إنَّه اجْتَمَعَ في ذلك العامِ حجُّ الأممِ كلِّها في وقتٍ واحدٍ، فلذاك سُمِّيَ يومَ الحجِّ الأكبرِ.
وقالت طائفة: بل وَقَعَتْ حجَّةُ الصِّدِّيق في ذي الحِجّةِ؛ قاله الإمامُ أحمد، وأنكَرَ قولَ مجاهد، واستدَلَّ بأنَّ النبي - ﷺ - أمَرَ عليًّا فنادَى يومَ النَّحْرِ: "لا يحجُّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ" (^٧). وفي روايةٍ: "واليومُ يومُ الحَجِّ الأكبرِ". وقد قال الله تعالى:
_________________
(١) إياس بن معاوية بن قُرَّة المزني، أبو واثلة، قاضي البصرة، ولجدِّه صحبة. أحد أعاجيب الدهر في الفطنة والذكاء، يضرب المثل بذكائه، مات سنة ١٢٢ هـ.
(٢) في آ: "القدر".
(٣) يوم النَّحر: عاشر ذي الحجة، يومُ الأضحى؛ لأن البُدْن تُنْحَرُ فيه.
(٤) في ع: "وحبس"، وهي رواية.
(٥) في صحيح مسلم: "وعقد الإبهام في الثالثة".
(٦) الحديث أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي عن ابن عمر، وانظر رواياته في "جامع الأصول" ٦/ ٢٧٩ - ٢٨١.
(٧) أخرجه البخاري ردم (٣٦٩) في الصلاة: باب ما يسترُ من العورة، وفي الحج: باب لا يطوف بالبيت عريان، وفي الجهاد: باب كيف ينبذ إلى أهل العهد، وفي المغازي: باب حج أبي بكر بالناس، وفي تفسير سورة براءة: باب قوله: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾، وباب قوله: ﴿وأذان من الله ورسوله﴾، وباب قوله: ﴿إلا الذين عاهدتم من =
[ ٢٢٠ ]
﴿وأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولهِ إلى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (^١). فسمَّاهُ يومَ الحَجِّ الأكبرِ، وهذا يَدُل على أن النِّداءَ وَقَعَ في ذي الحِجَّةِ.
وخرَّج الطبرَانيُّ في "أوسطِه" (^٢) من حديث عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: كان العربُ يُحِلُّونَ عامًا شهرًا، وعامًا شهرين، ولا يُصيبونَ الحجَّ إلَّا في كلِّ ستةٍ وعشرينَ سنةً مرةً واحدةً (^٣)، وهو النَّسيء الذي ذكَرَه اللّهُ في كتابه، فلما كان عام حَجّ أبو بكر الصَدِّيقُ بالنَّاسِ، وافَقَ في ذلك العامِ الحجَّ؛ فسمَّاه اللّهُ يومَ الحَجِّ الأكبرِ.
ثمَّ حَجَّ النبي - ﷺ - في العامِ المُقْبِلِ، فاستقبَلَ النَّاسُ الأهِلَّةَ، فقال رسولُ الله - ﷺ -: "إن الزَّمانَ قد اسْتَدَارَ كهيئَتِهِ يومَ خَلَقَ اللّهُ السماواتِ والأرْضَ". وقيل: بل استدارةُ الزَّمانِ كهيئَتِهِ كان مِن عامِ الفتح.
وخرَّج البزارُ في "مسندِه" (^٤) من حديث سَمُرةَ بن جُنْدَب أن رسولَ اللّه - ﷺ -، قال لهم يومَ الفتح: "إنَّ هذا العامَ الحجُّ الأكبر، قد اجتمعَ حَجُّ المسلمين وحَجُّ المشركين في ثلاثةِ أيامٍ متتابعاتٍ، واجتمَعَ حَجُّ اليهودِ والنَّصَارَى في ستَّةِ أيامٍ متتابعاتٍ، ولم يجتمعْ مُنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ والأرض، ولا يجتمعُ بعدَ العامِ حتَّى تقومَ السَّاعةُ.
وفي إسنادِه يوسُفَ السَّمْتِيُّ (^٥)، وهو ضعيفٌ جدًّا. واختلفوا لِمَ سُمِّيَتْ هذه الأشهر الأربعةُ حُرُمًا.
_________________
(١) = المشركين﴾. وأخرجه مسلم رقم (١٣٤٧) باب لا يحج البيت مشرك؛ وأبو داود رقم (١٩٤٦)، وإسناده صحيح، والنسائي ٥/ ٢٣٤ وإسناده صحيح. وانظر رواياته وتخريجه في "جامع الأصول" ٢/ ١٥٢ - ١٥٥.
(٢) سورة التوبة الآية ٣.
(٣) ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٧/ ٢٩ وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات".
(٤) لفظ "واحدة" لم يرد في آ، ش، ع، ومجمع الزوائد.
(٥) أورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٦/ ١٧٨ وقال في آخره: "رواه البزار، وفيه يوسف بن خالد السمتي، وهو ضعيف".
(٦) كان فقيهًا، وروى عن عاصم الأحول، وإسماعيل بن أبي خالد. وعنه نصر بن علي، وزيد بن الحريش، وجماعة. كذبه يحيى بن معين، وضعفه ابن سعد، وقال: كان بصيرًا بالرأي والفتوى وكان ضعيفًا. وقال أبو حاتم: رأيت له كتابًا وضعه في التجهّم ينكر فيه الميزان والقيامة. وقال النَّسَائِي: ليس بثقة. (الميزان ٤/ ٤٦٣).
[ ٢٢١ ]
فقيل: لعظمِ حُرمتِها وحُرمةِ الذَّنْبِ فيها.
قال علي بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: اختص اللهُ أربعَةَ أشهرٍ جعلَهنَّ حُرمًا، وعظَّمَ حُرماتِهِنَّ، وجعَلَ الذَّنْبَ فيهنَّ أعظَمَ، وجعَلَ العملَ الصالحَ والأجرَ أعظَمَ. قال كعبٌ: اختارَ اللّهُ الزمانَ، فأحبُّهُ إلى اللّه الأشهر الحُرم. وقد رُوِيَ مرفوعًا، ولا يصِحُّ رفعُه. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهن أَنْفُسَكمْ﴾ (^١): إن المرادَ في الأشهرِ الحُرم. وقيل: بل في جميعِ شهور السَّنةِ. وقيل: إنَّما سمِّيتْ حُرمًا لتحريم القتالِ فيها، وكان ذلك معروفًا في الجاهلية. وقيل: إنَّه كان في (^٢) عهدِ إبراهيمَ ﵇. وقيل: إن سبَبَ تحريمِ هذه الأشهرِ الأربعة بينَ العربِ لأجل التمكُّنِ مِنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ. فحُرِّمَ شهرُ ذي الحِجَّةِ؛ لوقوع الحجّ فيه. وحُرِّمَ معه شهرُ ذي القَعْدَةِ؛ للسَّيْرِ فيه إلى الحجِّ. وشهرُ المحرَّمِ؛ للرجوعِ فيه مِن الحجّ، حتى يأمَنَ الحاجُّ على نفسِهِ مِن حين يخرجُ من بيتِه إلى أن يرجعَ إليه. وحرِّمَ شهرُ رَجَبٍ، للاعتمارِ فيه في وسطِ السنَةِ، فيعتمِر فيه مَنْ كانَ قريبًا من مَكَّةَ.
وقد شرَعَ اللّهُ في أوَّلِ الإِسلام تحريمَ القتالِ في الشهر الحرام، قال تعالى: ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائرَ اللّه وَلَا الشَّهْرَ الحَرَامَ﴾ (^٣). وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فيهِ قُلْ قِتَالٌ فيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عن سَبيلِ اللّهِ وكُفْرٌ بهِ والمَسْجِدِ الحَرَامِ وإخراجُ أَهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عندَ اللهِ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾ (^٤).
وخرَّج ابن أبي حاتم (^٥) بإسنادِه عن جُنْدُبِ بن عبد الله أنَّ النبي - ﷺ - بَعَثَ رَهطًا وبَعثَ عليهم عبدَ اللّهِ بنَ جَحْشٍ، فلوا ابنَ الحَضرمي فقتلُوه، ولم يَدْرُوا أنَّ ذلك مِن رجبٍ أو من جُمادَى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام، فأنزَلَ الله ﷿ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَال فيهِ قُلْ قِتالٌ فيهِ كَبيرٌ﴾ (^٦) الآية.
_________________
(١) سورة التوبة الآية ٣٦.
(٢) في آ، ط: "من عهد".
(٣) سورة المائدة الآية ٢.
(٤) سورة البقرة الآية ٢١٧.
(٥) أخرجه ابن كثير في "تفسيره" ١/ ٢٥٢ عن ابن أبي حاتم، وانظر سيرة ابن هشام ١/ ٦٠١ - ٦٠٦، وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص ٤٨ - ٥٠ وأخرجه أيضًا البيهقي في "السنن" ٩/ ١١ عن جندب، وفي ٩/ ١٢ عن عروة بن الزبير، بلفظ "بعث سرية".
(٦) سورة البقرة الآية ٢١٧.
[ ٢٢٢ ]
ورَوَى السُّدِّيُّ عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مُرة، عن ابن مسعودٍ في هذه الآية، فذكروا هذه القصةَ مبسوطةً، وقالوا فيها: فقال المشركون. يزعمُ محمد أنَّه يتبعُ طاعةَ اللَّهِ وهو أوَّلُ مَن استحلَّ الشهرَ الحَرَامَ، فقال المسلمون: إنما قتلناه في جُمَادَى.
وقيل: في أولِ رَجَبٍ وآخِرِ ليلةٍ مِن جُمَادَى، وغَمَدَ المسلمونَ سيوفَهم حين دَخَلَ شهرُ رَجَبٍ، وأنزَلَ اللهُ تعالى تعييرًا لأهلِ مكةَ ﴿يَسْأَلونَكَ عَن الشهرِ الحَرَامِ قِتال فيه قُلْ قِتالٌ فيهِ كَبير﴾ لا يحلُّ، وما صنعتم أنتم يا معشرَ المشركين أكبرُ مِن القَتْلِ في الشهرِ الحرام، حين كفرتم باللَّهِ، وصددْتُم عن محمَّدٍ وأصحابِه. وإخراجُ أهلِ المسجدِ الحرامِ حَينَ أَخْرَجُوا منه محمدًا - ﷺ - أكبَرُ مِنَ القتلِ عندَ اللَّهِ (^١).
وقد رُوي عن ابن عباس هذا المعنى من رواية العوفي عنه، ومِن رواية أبي سعد البقال (^٢)، عن عكرمة، عنه (^٣).
ومن رواية الكلبي، عن أبي صالح، عنه (^٤).
وذكر ابنُ إسحاق (^٥) أن ذلك كان في آخر يوم من رجب، وأنهم خافوا إنْ أخَّرُوا القِتالَ أن يسبقَهم المشركونَ فيدخلوا الحرَمَ فيأْمَنُوا.
وأنَّهم لمَّا قدمُوا على النبي - ﷺ - قال لهم: ما أمرتُكُم بالقتال (^٦) في الشهر الحرامِ، ولم يأخذْ مِن غنيمتهم شيئًا (^٧). وقالت قريش: قد استحل محمَّدٌ وأصحابهُ الشهرَ الحرامَ. فقال مَن بمكةَ من المسلمين: إنما قَتَلُوهم في شعبانَ (^٨).
فلمَّا أكثَرَ النَّاسُ في ذلك نَزَل قولُه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَن الشهرِ الحَرَامِ قِتالٍ فيهِ﴾، الآية.
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير ١/ ٢٥٢ - ٢٥٣.
(٢) هو سعيد بن المرزبان البقال، مولى حذيفة بن اليمان، يروي عن أنس بن مالك. كثير الوهم، ضعفه ابن معين. مات سنة ١٤٠ هـ.
(٣) تفسير ابن كثير ١/ ٢٥٣.
(٤) تفسير ابن كثير ١/ ٢٥٣.
(٥) سيرة ابن هشام ١/ ٦٠٣.
(٦) لفظة "بالقتال" سقطت من (ط).
(٧) انظر سيرة ابن هشام ١/ ٦٠٣.
(٨) سيرة ابن هشام ١/ ٦٠٤.
[ ٢٢٣ ]