في "الصحيحين" (^١) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ -، أنَّه قال: "لا عَدْوَى ولا هامَةَ ولا صفَرَ". فقال أعرابي: يا رسولَ الله، فما بالُ الإبل تكونُ في الرَّملِ كأنها الظِّباءُ فيخالطُها البَعيرُ الأجرَبُ فيُجْرِبُها؟ فقال رسولُ الله - ﷺ -: "فمن أعْدَى الأول"؟. أما العَدْوَى فمعناها أنَّ المرضَ يتعدّى من صاحبِه إلى مَن يُقارِبُه مِنَ الأصحَّاءِ فيمرَضُ بذلك. وكانت العَرَبُ تعتقِدُ ذلك في أمراض كثيرةٍ منها الجرَبُ، ولذلك سأل الأعرابيُّ عن الإبل الصحيحة يُخالِطُها البعيرُ الأجرَبُ فتجربُ، فقال النَّبيُّ - ﷺ -: فَمَنْ أَعْدَى الأول؟ ومُرادُه أن الأوَّلَ لم يجرَبْ بالعَدْوَى بل بقضاءِ اللهِ وقدَرِه، فكذلك الثاني وما بعدَه.
وقد وردَتْ أحاديثُ أشكَلَ على كثيرٍ من الناس فهمُها، حَتَّى ظَنَّ بعضُهم أنها ناسخةٌ لقوله: لا عَدْوَى، مثل ما في الصحيحين (^٢)، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ -، قال: "لا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصحٍّ".
والمُمْرِضُ: صاحبُ الإِبل المريضةِ، والمُصِحُّ: صاحبُ الإبلِ الصَّحيحةِ.
_________________
(١) أخرجه البخاري ١٠/ ٢٤١ في الطب، باب: لا هامة. ومسلم رقم (٢٢٢٠) في السلام، باب لا عدوى ولا طيرة الخ. وأبو داود في سننه رقم (٣٩١١) في الطب، باب في الطيرة. والعدوى: اسم من الإعداء، يقال: أعداه الداء يعديه إعداء، وهو أن يصيبه مثل ما بصاحب الداء. وأما الهامة: فإن العرب تقول: إن عظام الموتى تصير هامة فتطير، فأبطل النبي - ﷺ - ذلك من قولهم. والصفر: دواب في البطن، وهي دود. كانوا يعتقدون أن في البطن دابة تهيج عند الجوع، وربما قتلت صاحبها، وكانت العرب تراها أعدى من الجرب.
(٢) أخرجه البخاري ١٠/ ٢٤١ في الطب، باب: لا هامة. ومسلم رقم (٢٢٢١) في السلام، باب لا عدوى ولا طيرة الخ. وأبو داود رقم (٣٩١١) في الطب، باب في الطيرة.
[ ١٣٧ ]
والمرادُ النَّهيُ عن إيراد الإبل المريضةِ على الصحيحة. ومثل قوله - ﷺ -: "فِرَّ من المَجْذُوم فراركَ من الأسدِ" (^١). وقوله - ﷺ - في الطاعون: "إذا سَمِعتم به بأرض فلا تدخلُوها" (^٢). ودخولُ النَّسخِ في هذا كما تخيَّلَه بعضُهم لا معنَى له؛ فإن قوله "لا عَدْوَى" خبرٌ محضٌ لا يُمكنُ نسْخُه إلَّا أن يقال: هو نهيٌ عن اعتقادِ العَدْوَى، لا نَفْيٌّ لها. ولكن يمكن أنْ يكونَ ناسخًا للنهي في هذه الأحاديث الثلاثةِ وما في معناها. والصحيح الذي عليه جُمهورُ العلماءِ أنه لا نَسْخَ في ذلك كلِّه (^٣)، ولكن اختلفوا في معنى قوله "لا عدوى"، وأظهرُ ما قيل في ذلك أنه نَفيٌ لما كان يعتقدُه أهلُ الجاهليةِ مِن أن هذه الأمراضَ تُعْدِي بطبعها من غير اعتقادِ تقديرِ اللهِ لذلك، ويدُلُّ على هذا قولُه "فمن أعْدَى الأول"، يشير إلى أن الأول إنما جَرِبَ بقضاءِ اللهِ وقَدَرِهِ، فكذلك الثاني وما بعده.
وخرَّج الإمامُ أحمد (^٤) والترمذي من حديث ابن مسعود، قال: قال رَسُول الله - ﷺ -: "لا يُعدِي شيءٌ شيئًا" قالها ثلاثًا. فقال أعرابي: يا رسولَ الله! النُّقْبَةُ (^٥) مِنَ الجَرَب تكونُ بمِشْفَرِ البَعيرِ أو بِذَنَبِه في الإبل العظيمةِ، فتَجْرَبُ كلُّها. فقال رسولُ الله - ﷺ -: "فما أَجْرَبَ الأول؟ لَا عَدْوى ولا هَامَةَ ولا صَفَرَ، خَلَقَ الله كل نَفْس وكَتَبَ حياتَها ومُصَابَها ورِزْقَها". فأخبَرَ أن ذلك كلَّه بقضاءِ الله وقَدَرِه، كما دَلَّ عليه قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (^٦).
فأما نهيُهُ - ﷺ - عن إيرادِ المُمْرِضِ على المُصِحِّ، وأمرُه بالفرارِ من المَجْذُومِ،
_________________
(١) أخرجه البخاري ١٠/ ١٥٨ في الطب: باب الجذام، وأحمد في "مسنده" ٢/ ٤٤٣.
(٢) قطعة من حديث أخرجه مسلم رقم (٢٢١٨) و(٢٢١٩) في السلام، باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها، والبخاري ١٠/ ١٧٨ في الطب، باب ما يذكر في الطاعون.
(٣) لفظ "كله" لم يرد في آ، ش، ع.
(٤) أخرجه الترمذي رقم (٢١٤٤) في القدر: باب ما جاء لا عدوى ولا هامة ولا صفر، وهو حديث حسن، قال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة، وابن عباس، وأنس. ورواه أحمد في "المسند" ١/ ٤٤٠ بإسناد ضعيف، لجهالة راويه عن ابن مسعود. وفيه أيضًا ٢/ ٣٢٧ عن أبي هريرة ﵁.
(٥) النُّقْبَةُ: هي أوَّل جَرَبٍ يبدو، وجمعها نُقْبٌ.
(٦) سورة الحديد الآية ٢٢.
[ ١٣٨ ]
ونهيُهُ عن الدخولِ إلى موضعِ الطَّاعونِ، فإنَّه مِن بابِ اجتِناب الأسبابِ التي خَلَقَها اللهُ تعالى، وجعلَها أسبابًا للهلاكِ أو الأذَى. والعبدُ مأمورٌ باتقاءَ أسباب البَلاء إذا كان في عافيةٍ منها، فكما أنه يُؤمَرُ أن لا يُلْقيَ نفسَه في الماءِ، أو في النار، أو يدخُلَ تحتَ الهَدْمِ ونحوِهِ، مِمَّا جرت به (^١) العادَةُ بأنَّه يُهلِكُ أو يُؤذِي، فكذلك اجتِنابُ مقارَبَةِ المريضِ كالمجذومِ، أو القُدومِ على بلدِ الطاعونِ؛ فإنَّ هذه كلَّها أسبابٌ للمرضِ والتَّلَفِ؛ والله تعالى هو خالقُ الأسبابِ ومُسَبَباتها، لا خالِقَ غيرُه، ولا مقدِّرَ غيرُه.
وقد رُوي في حديثٍ مرسل خرَّجَه أبو داود في "مراسيله" أن النبيَّ يكون مَرَّ بحائطٍ مائلٍ فأسرَعَ وقالَ: "أخافُ مَوْتَ الفَوَاتِ" (^٢). ورُوي متصلًا، والمرسَلُ أصَحُّ. وهذه الأسبابُ التي جعلها الله أسبابًا يخلُقُ المُسبِّبات بها كما دَلَّ عليه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ (^٣). وقالت طائفة: إنه يخلُقُ المسبّباتِ عِندَها لا بِها.
وأمَّا إذا قَوِيَ التوكُّلُ على الله تعالى والإِيمانُ بقضائِه وقدَرِه، فقوَيتِ النَّفْسُ على مباشرَةِ بعضِ هذه الأسباب اعتمادًا على الله ورجاءً منه ألَّا يحصُلَ به ضررٌ، ففي هذه الحال تجوزُ مباشرةُ ذلك، لا سيَّما إذا كان فيه مصلحة عامَّةٌ أو خاصّةٌ. وعلى مثل هذا يُحملُ الحديثُ الذي خرجه أبو داود (^٤) والترمذي أن النبي - ﷺ - أَخَذَ بيدِ مَجْذوم، فأدخَلَهَا مَعَهُ في القَصْعَةِ، ثم قال: "كُلْ باسْم اللهِ، ثقة باللهِ، وتوكُّلًا عليه". وقد أخذَ بهِ الإِمامُ أحمد. وقد رُوي نحو ذلك عن عُمَرَ وابنِه عبدِ اللهِ وسلمان ﵃.
_________________
(١) لفظ "به" زيادة من آ، ع.
(٢) مسند أحمد ٢/ ٣٥٦ من حديث أبي هريرة ﵁. وموت الفَوَات: موت الفجَاءة.
(٣) سورة الأعراف الآية ٥٧.
(٤) أخرجه أبو داود رقم (٣٩٢٥) في الطب: باب في الطيرة، والترمذي رقم (١٨١٨): باب ما جاء في الأكل مع المجذوم، من حديث المفضل بن فضالة عن حبيب بن الشهيد عن محمد بن المنكدر، وإسناده ضعيف. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يونس بن محمد عن المفضل بن فضالة، والمفضل بن فضالة هذا شيخ مصري، والمفضل بن فضالة شيخ آخر مصري أوثق من هذا وأضهر. وقد روى شعبة هذا الحديث عن حبيب بن الشهيد عن ابن بريدة: أن ابن عمر أخذ بيد مجذوم؛ وحديث شعبة أثبت عندي وأصح. ورواه أيضًا الحاكم ١/ ١٣٧ وصححه، ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ ابن حجر في أمالي الأذكار.
[ ١٣٩ ]
ونظيرُ ذلك ما رُوي عن خالد بن الوليد ﵁ مِن أَكْلِ السُّمِّ (^١). ومنه مشيُ سعدِ بن أبي وقاص، وأبي مسلم الخولاني بالجيوش على متنِ البَحْرِ (^٢). ومنه أمرُ عُمَرَ ﵁ لتميم (^٣) حيثُ خرجَتِ النارُ من الحَرَّةِ أن يَرُدَّها، فدخلَ إليها في الغار التي خرجَتْ منه (^٤). فهذا كلُّه لا يصلُحُ (^٥) إلا لخواصّ من الناس، قوي إيمانهم بالله وقضائِه وقدَرِه، وتوكُّلُهم عليه وثقتُهم به.
ونظير ذلك دخولُ المفاوِزِ (^٦) بغير زادٍ، فإنَّه يجوزُ لمن قوي يقينُه وتوكُّلُه خاصَّةً.
وقد نصَّ عليه أحمد وإسحاق وغيرُهما من الأئمة. وكذلك تَرْك التكسُّبِ والتَّطَبُّبِ.
كلُّ ذلك يجوز عند الإِمام أحمد لمن قوِي توكُّلُه؛ فإنَّ التوكُّلَ أعظَمُ الأسبابِ
_________________
(١) ذكر ابن عساكر في تاريخه أن خالد بن الوليد نزل الحيرة على بني أمِّ المرازبة، فقالوا: احْذَرِ السُّم لا يسقيكه الأعاجم، فقال: ائتوني به، فأُتي منه بشيء، فأخذه بيده ثم اقتحفَه، وقال: بسم الله، فلم يضرَّه شيئًا. (مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور ٨/ ١٦).
(٢) انظر خبر أبي مسلم الخولاني في صفة الصفوة ٤/ ٢١٠.
(٣) هو تميم بن أوس الدَّاري، أبو رُقَيَّة، نسبته إلى الدار بن هانئ، من لخم، صحابي، أسلم سنة ٩ هـ، وكان يسكن المدينة، ثم انتقل إلى الشام بعد مقتل عثمان، فنزل بيت المقدس. وهو أول من أشرج السراج في المسجد. وكان راهب أهل عصره وعابد أهل فلسطين. وله عدة أحاديث، وكان عابدًا تلاءً لكتاب الله. مات سنة ٤٠ هـ. (ترجم له ابن عساكر في تاريخه، المجلد العاشر المطبوع ص ٤٤٦ - ٤٨٢، والذهبي في سير أعلام النبلاء ٢/ ٤٤٢ - ٤٤٨ وغيرهما).
(٤) أخرج الخبر ابن عساكر في تاريخه، عن حماد بن زيد، عن الجُريري، عن أبي العلاء، عن معاوية بن حرمل، قال: قدمت المدينة، فلبثت في المسجد ثلاثًا لا أطعم. قال: فأتيت عُمَرَ، فقلت: يا أمير المؤمنين! تائب من قبل أن تقدر عليه، قال: من أنت؟ قلت: أنا معاوية بن حرمل، قال: اذهب إلى حَبْر المؤمنين فانزل عليه. قال: وكان تميم الداري إذا صلَّى ضرب بيده عن يمينه وعن شماله، فأخذ رجلين فذهب بهما، فصليت إلى جنبه، فضرب يده وأخذ بيدي وذهب بي، فأتينا بطعام، فأكلت أكلًا شديدًا، وما شبعت من شدة الجوع. قال: فبينا نحن ذات يوم إذ خرجت نار بالحَرَّة، فجاء عُمَرُ إلى تميم، فقال: قم إلى هذه النار، فقال: يا أمير المؤمنين! ومن أنا، وما أنا؟! قال: فلم يزل به حتى قام معه. قال: وتبعتهما، فانطلقا إلى النار، فجعل تميم يحوشها بيده حتى دخلت الشّعب، ودخل تميم خلفها؛ قال: فجعل عُمَرُ يقول: ليس في رأى كمن لم يَرَ؛ قالها ثلاثًا. وأخرجه الذهبي في السير، وقال: سمعها عفَّان من حمَّاد، وابن حرمل لا يُعْرَف. إلا أن الحافظ ابن حجر ذكره في "الإصابة" ٣/ ٤٩٧، القسم الثالث، فقال: معاوية بن حرمل الحنفي، صهر مسيلمة الكذاب، له إدراك، وكان مع مسيلمة في الردة، ثم قدم على عمر تائبًا، ثم أورد هذا الخبر من طريق البغوي، عن الجريري، عن أبي العلاء، عن معاوية بن حرمل.
(٥) في ش: "لا يصح".
(٦) المفاوز: جمع مفازة، وهي الصحراء، سميت بذلك تفاؤلًا بالفوز والنجاة.
[ ١٤٠ ]
التي تستجلَبُ بها المنافعُ ويُسْتَدفَعُ بها المَضارُّ، كما قال الفُضَيل: لو علم الله منكَ إخراجَ المخلوقينَ من قلبك لأعطاكَ كل ما تُريدُ.
وبذلك فسَّرَ الإِمامُ أحمد التوكُّلَ، فقال: هو قطعُ الاسْتِشْرَافِ (^١) باليأسِ مِنَ المخلوقين، قيل له: فما الحجَةُ فيه؟ قال: قولُ إبراهيَم ﵇ لمَّا أُلقي في النارِ، فعرَضَ له جبريلُ ﵇، فقال: ألكَ حاجة؟ قال: أمَّا إليكَ فلا. فلا يُشْرَعُ تركُ الأسبابِ الظاهرةِ إلَّا لمن تعوَّضَ عنها بالسَّببِ الباطِن، وهو تحقيقُ التوكُّلِ عليه، فإنَّه أقوى من الأسباب الظاهرة لأهله، وأنفَعُ منها. فالتوكُّلُ عِلْمٌ وعمَلٌ؛ فالعِلْمُ معرفةُ القَلْب بتوحيدِ الله بالنَّفْعِ والضرِّ، وعامةُ المؤمنين تعلمُ ذلك. والعمَلُ هو ثقة القلب بالله تعالى وفراغه من كلِّ ما سواه، وهذا عَزيزٌ ويختصُّ به خواصُّ المؤمنين. والأسبابُ نوعان:
أحدهما: أسبابُ الخير، فالمشروع أنَّه يفرَحُ بها، ويستبشِرُ، ولا يَسْكُنُ إليها، بل إلى خالقِها ومسبِّبها، وذلك هو تحقيقُ التوكُّلِ على اللهِ والإِيمان بهِ، كما قال تعالى في الإِمداد بالملائكة: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ (^٢). ومِن هذا الباب الاستبشارُ بالفألِ، وهو الكلِمةُ الصالحةُ يسمعُها طالِبُ الحاجَة، وأكثرُ الناسِ يَرْكَنُ بقلبِه إلى الأسباب وَينْسَى المسبِّبَ لها، وقلَّ مَن فعَلَ ذلك إلَّا وُكِلَ إليها وخُذِلَ، فإنَّ جميعَ النِّعمِ مِنَ الله وفضلِه، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (^٤)، [كما قيل] (^٥):
لا نِلْتُ خَيْرًا ما بَقِيـ … تُ ولا عَدَانِي الدَّهْرَ شرّ
إن كُنْتُ أعلَمُ أن غَيـ … ـر اللهِ يَنْفَعُ أو يَضُرّ
_________________
(١) الاستشراف: التطلع إلى الشيء.
(٢) سورة الأنفال الآية ١٠.
(٣) سورة النساء الآية ٧٩.
(٤) سورة النحل الآية ٥٣.
(٥) زيادة من نسخة (آ).
[ ١٤١ ]
ولا تُضافُ النِّعمُ إلى الأسبابِ، بل إلى مُسبِّبها ومُقدِّرِها، كما في الحديث الصحيح (^١) عن النبي - ﷺ - أنه صلَّى بهم الصبحَ في إثر سماءٍ (^٢)، ثم قال: "أتدرون ما قال ربُّكم الليلةَ؟ قال: أصبَحَ مِن عبادي مؤمن بي وكافرٌ؛ فأمَّا المؤمنُ فقال: مُطِرْنا بفضلِ اللّهِ ورحمتِه، فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكبِ؛ وأما الكافرُ فقال: مُطِرْنا بِنَوْءِ كذا وكذا، فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب". وفي صحيح مسلم (^٣)، عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: "لا عَدْوَى، ولا هامَةَ، ولا نَوْءَ، ولا صفَرَ".
وهذا مما يَدُلُّ على أن المرادَ نفيُ تأثيرِ هذه الأسبابِ بنفسها من غير اعتقادٍ أنَّها بتقدير اللّه وقضائِه، فمن أضافَ شيئًا من النِّعمِ إلى غيرِ الله مع اعتقادِه أنَّه ليس من الله فهو مُشرِك حقيقةً، ومع اعتقادِ أنَّه من اللهِ فهو نوعُ شِركٍ خفيٍّ.
والنوع الثاني: أسبابُ الشرِّ، فلا تُضافُ إلَّا إلى الذُّنوب؛ لأنَّ جميعَ المصائب إنما هي بسبب الذُّنوب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (^٥)، فلا تضافُ إلى شيءٍ من الأسباب سِوى الذنوبِ، كالعَدْوَى أو غيرها. والمشروعُ: اجتنابُ ما ظهرَ منها واتقاؤه بقدْرِ ما وردَتْ به الشريعةُ، مثل اتقاء المجذوم. والمريضِ، والقدومِ على مكانِ الطاعونِ. وأما ما خَفِي منها فلا يُشْرَعُ اتقاؤه واجتنابُه، فإنَّ ذلك مِن الطيرةِ المَنهيِّ عنها؛ والطِّيرَةُ مِن أعمالِ أهلِ الشرِّكِ والكُفْرِ، وقد حكاها الله تعالى في كتابه عن قوم فرعونَ وقوم صالح وأصحابِ القريةِ التي جاءها المرسلون. وقد ثبتَ عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لا طيَرةَ" (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (١٠٣٨) في صلاة الاستسقاء باب (٢٨)، و(٤١٤٧) في المغازي: باب غزوة الحديبية. ومسلم رقم (١٢٥) (٧١) في الإيمان، باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء. وأبو داود في سننه رقم (٣٩٠٦) في الطب، باب في النجوم. وأحمد في "المسند" ٤/ ١١٧، كلهم من حديث زيد بن خالد الجهني.
(٢) السماء: المطر، والعرب تسمي المطر سماء لأنه نزل منها.
(٣) أخرجه مسلم رقم (٢٢٢٠) في السلام، باب لا عدوى ولا طيرة الخ؛ وأبو داود رقم (٣٩١٢) في الطب، باب في الطِّيرة.
(٤) سورة النساء الآية ٧٩.
(٥) سورة الشورى الآية ٣٠.
(٦) انظر صحيح البخاري ١٠/ ١٥٨، ٢١٢، ٢١٤، ٢١٥، ٢٤٣، ومسلم رقم ٢٢٢٠، ٢٢٢٢، ٢٢٢٣، ٢٢٢٥.
[ ١٤٢ ]
وفي حديثٍ: "مَنْ ردَّتْهُ الطيرَةُ فقد قَارَفَ الشِّرْكَ" (^١). وفي حديثِ ابن مسعود المرفوع: "الطِّيرةُ مِن الشِّرْكِ، وما منّا إلا (^٢)، ولكنَّ الله يذهِبُهُ بالتَّوَكُّلِ" (^٣). والبحثُ عن أسباب الشر من النظرِ في النجوم ونحوِها هو من الطِّيرَةِ المَنهيِّ عنها؛ والباحثونَ عن ذلكَ غالبًا لا يشتغلون بما يدفعُ البلاءَ من الطاعاتِ، بل يأمرون بلزومِ المنزلِ وتركِ الحركةِ، وهذا لا يمنَعُ نُفوذَ القضاء والقَدَرِ. ومنهم من يَشتَغِلُ بالمعاصي، وهذا مما يُقوِّي وقوعَ البَلاءِ ونُفوذَهُ. والذي جاءت به الشريعة هو تركُ البحث عن ذلك، والإعراضُ عنه، والاشتغالُ بما يدفَعُ البلاءَ (^٤)؛ مِن الدُّعاءِ، والذِّكْر، والصدقةِ، وتحقيق التوكُّل على الله ﷿، والإيمان بقضائه وقدره.
وفي "مسند ابن وهب" أن عبد الله بن عمرو بن العاص الْتَقَى هو وكعبٌ (^٥)، فقال عبد الله لكعبٍ: علمُ النُّجوم؟ قال كعب: لا خَيْر فيه، قال عبد اللهِ: لم؟ قال: ترَى فيه (^٦) ما تكرَهُ، يُريدُ الطِّيرَةَ. فقال كعب: فإن مضى، وقال: اللهم لا طَيْرَ إلا طيرُكَ، ولا خَيْرَ إلا خَيْرُكَ، ولا رَبَّ غيرُكَ. فقال عبد الله: ولا حَوْلَ ولا قوَّةَ إلَّا بك (^٧). فقال كعب: جاء بها عبد الله، والذي نفسي بيده إنَّها لرأسُ التوكُّل وكنزُ العَبْدِ في الجنةِ، ولا يقولهُنَّ عبدٌ عند ذلك ثم يمضي إلا لم يضرَّه شيءٌ. قال عبد الله: أرأيتَ إن لم يمضِ وقَعَدَ؟ قال طَعِمَ قلبُهُ طَعْمَ الإشراكِ.
_________________
(١) أخرج الإمام أحمد في "مسنده" ٢/ ٢٢٠ عن ابن عمر، قال: قال رسول الله: "من ردَّته الطيرة من حاجة فقد أشرك". قالوا: يا رسول الله! ما كفَّارة ذلك؟ قال: "أن يقول أحدُهم: اللهم لا خيرَ إلا خيرك، ولا طير إلَّا طيرك، ولا إله غيرك".
(٢) زيد بعدها في آ، ع: "يتطيَّر". وقوله "وما منا إلَّا": أي وما منا إلا من يعتريه التطير ويسبق إلى قلبه الكراهة فيه، فحذف اختصارًا للكلام واعتمادًا على فهم السامع. وقال محمد بن إسماعيل: كان سليمان بن حرب ينكر هذا ويقول: هذا الحرف ليس من قول رسول الله - ﷺ -، وكأنه قول ابن مسعود ﵁.
(٣) أخرجه أبو داود رقم (٣٩١٠) في الطب، باب في الطيرة؛ والترمذي رقم (١٦١٤) في السير؛ وابن ماجه رقم (٣٥٣٨) في الطب، باب من كان يعجبه الفأل ويكره الطيرة.
(٤) لفظة "البلاء" سقطت من (آ).
(٥) هو كعب بن ماتع الحميري اليماني، ويقال له: كعب الأحبار، كان من كبار علماء يهود اليمن فأسلم زمن أبي بكر الصديق، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر، فجالس أصحاب محمد - ﷺ -، فكان يحدِّثهم عن الكتب الإسرائيلية ويحفظ عجائب، ويأخذ السنن عن الصحابة، وكان حسن الإسلام من نبلاء العلماء. خرج إلى الشام وتوفي في حمص سنة ٣٢ هـ، وقيل: سنة ٣٤ هـ، وقد بلغ مائة وأربع سنين. (الإصابة تر ٧٤٩٦، طبقات ابن سعد ٧/ ٤٤٥، سير أعلام النبلاء ٣/ ٤٨٩).
(٦) في ع: "فيها".
(٧) في آ: "إلا بالله".
[ ١٤٣ ]
وفي "مراسيل" (^١) أبي داود أن النبيَّ - ﷺ -، قال: "ليس عبدٌ إلا سيدخُلُ قلبَهُ طِيَرةٌ، فإذا أحَسَّ بذلك، فلْيقُلْ: أنا عبدُ الله، ما شاءَ الله، لا قوةَ إلا بالله، لا يأتي بالحسناتِ إلا اللهُ، ولا يذهَبُ بالسيِّئاتِ إلَّا الله، أشهدُ أن الله على كل شيء قدير. ثم يَمضي لوجهِهِ".
وفي مسند الإمام أحمد (^٢) عن عبد الله بن عمر مرفوعًا: مَن رجعَتْهُ الطيرةُ مِن حاجتِهِ فقد أشرَكَ. وكفَّارةُ ذلك أن يقولَ أحدُهم: اللهمّ لا طَيْرَ إلَّا طيرُكَ، ولا خَيْرَ إلا خيرُكَ، ولا إلهَ غيرُك. وخرَّج الإمام أحمد، وأبو داود (^٣) من حديث عروة بن عامر القرشي، قال: ذُكِرَت الطيرَةُ عند رسولِ الله - ﷺ - فقال: "أحسَنُها الفَألُ، ولا تَرُدُّ مسلمًا، فإذا رأى أَحدُكم مَا يكرهُ فليقُلْ: اللهم لا يأتي بالحسناتِ إلا أنتَ، ولا يدفَعُ السيئاتِ إلا أنت، ولا حَوْلَ ولا قوة إلا بكَ". وخرجه أبو القاسم البَغويُّ (^٤)، وعنده: "ولا تضُرُّ مسلمًا".
وفي صحيح ابن حِبَّانَ (^٥) عن أنس ﵁، عن النبي - ﷺ -، قال: "لا طِيرَةَ، والطِّيرَةُ على مَن تطيَّرَ". وقال النخعيُّ: قال عبد الله بن مسعود: لا تضرُّ الطيرَةُ إلَّا من تطيَّر. ومعنى هذا أن من تطيَّر تطيُّرًا منهيًّا عنه، وهو أن يعتمِدَ على ما يسمعُه أو يراهُ مما يتطيَّرُ به حتى يمنعَهُ ممَّا يُريدُ من حاجته، فإنَّه قد يُصيبُه ما يكرهُه. فأمَّا من توكَّلَ على الله، ووثِقَ به، بحيثُ علَّقَ قلبَه بالله خوفًا ورجاء وقطعَهُ عن الالتفاتِ إلى هذه الأسباب المخوفَةِ، وقال ما أُمِرَ به من هذه الكلماتِ، ومضى، فإنه لا يضرُّه ذلك (^٦).
_________________
(١) مراسل أبي داود ص ٣٦٢ باب (١١٤) ما جاء في الطيرة.
(٢) مسند أحمد ٢/ ٢٢٠، وقد مضى تخريجه.
(٣) أخرجه أبو داود رقم (٣٩١٩) في الطب: باب في الطيرة، من حديث حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن عامر القرشي، وعروة بن عامر القرشي، ويقال: الجهني المكي، روى عن النبي - ﷺ - مرسلًا في الطيرة، وقال الحافظ في "التهذيب": والظاهر أن رواية حبيب عنه منقطعة. أقول: وحبيب بن أبي ثابت مدلس، وقد عنعنه. وانظر كنز العمال رقم (٢٨٥٨٣).
(٤) هو عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن المرزبان، أبو القاسم البغوي، مولده ووفاته ببغداد، كان محدّث العراق في عصره. له "معالم التنزيل" في التفسير، و"الجعديات" في الحديث، توفي سنة ٣١٧ هـ.
(٥) صحيح ابن حبان ٧/ ٦٤٢.
(٦) لفظ "ذلك" زيادة من ش، ب، ط.
[ ١٤٤ ]
وقد رُوي عن ابن عباس ﵄ أنه كان إذا سمعَ نَعْقَ (^١) الغُرابِ قال: اللهم لا طَيْرَ إلا طَيرُكَ، ولا خَيْرَ إلا خيْرُكَ.
وكذلك أمرَ النبيُّ - ﷺ - عند انعقادِ أسباب العذاب السَّماويةِ المخوفةِ، كالكسُوفِ، بأعمالِ البِر؛ من الصَّلاةِ، والدُّعاءِ، والصَّدَقةِ، وَالعِتْقِ، حتى يُكشَفَ ذلك عن الناس. وهذا كله مما يدُلُّ على أن الأسبابَ المكروهةَ إذا وُجِدَت فإنَّ المَشروعَ الاشتغالُ بما يُرْجَى به دَفْعُ العذاب المَخُوفِ منها؛ من أعمالِ الطَّاعاتِ، والدُّعاءِ، وتحقيقِ التوكُّلِ على الله والثقة به، فإن هذه الأسبابَ كلَّها مُقْتضياتٌ لا مُوجباتٌ، ولها موانعُ تمنعُها. فأعمالُ البِرِّ والتَّقْوَى والدُّعاءُ والتوكُّلُ من أعظم ما يُستدفَعُ به.
ومن كلام بعضِ الحكماء المتقدِّمين: ضجيجُ الأصواتِ في هياكِلِ العباداتِ بأفنانِ (^٢) اللغاتِ تُحَلِّلُ ما عَقَدَتهُ الأفلاكُ الدائراتُ؛ وهذا على زعمهم واعتقادِهم في الأفلاك. وأما اعتقادُ المسلمين فإنَّ الله وحدَه هو الفاعلُ لما يشاءُ، ولكنَّه يعقِدُ أسبابًا للعذابِ، وأسبابًا للرحمةِ؛ فأسبابُ العذابِ يُخوفُ الله بها عبادَه ليتوبوا إليه ويتضرعوا إليه، مَثلُ كُسوفِ الشمس والقمرِ؛ فإنّهَما آيتان من آيات الله يخوِّفُ الله بهما عبادَه؛ لينظرَ من يحدثُ له توبةً، فدَلَّ على أن كسوفَهما (^٣) سببٌ يُخشَى منه وُقوعُ عذابٍ. وقد أمرَ عائشةَ ﵂ أن تستعيذَ مِن شرِّ القَمَرِ، وقال: هو الغاسِقُ إذا وَقَبَ. وقد أَمَرَ الله تعالى بالاستعاذةِ مِن شر غاسقٍ إذا وَقَبَ، وهو الليلُ إذا أظلم؛ فإنه ينتشر فيه شياطينُ الجِنِّ والإنس. والاستعاذة مِن القَمَرِ؛ لأنه آية الليل، وفيه إشارة إلى أن شرَّ الليلِ المَخُوفِ لا يندفِعُ بإشراقِ القَمَرِ فيه، ولا يَصِيرُ بذلك كالنَّهارِ، بل يُستعاذُ منه وإن كان مقمرًا.
وخرَّج الطَّبراني (^٤) من حديث جابرٍ مرفوعًا: "لا تَسُبُّوا اللَّيلَ، ولا النَّهارَ، ولا
_________________
(١) كذا في الأصول. وهو "نعيق الغراب"، ويقال بالغين "نغيق".
(٢) أفنان: ألوان وأنواع.
(٣) في آ، ع: "كسوفها".
(٤) ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٨/ ٧١ باب النهي عن سب الليل والنهار وغير ذلك، وقال: "رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سعيد بن بشير، وثقه جماعة، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات، ورواه أبو يعلى (٤/ ١٣٩) بإسناد ضعيف". ويشهد للجزء المتعلق بالريح أحاديث صحيحة عند ابن ماجه والترمذي.
[ ١٤٥ ]
الشمسَ، ولا القَمَرَ، ولا الرِّيحَ؛ فإنَّها رحمةٌ لِقومٍ، وعذابٌ لآخرين". ومثلُ اشتدادِ الرِّياح؛ فإن الرِّيح كما قال النبي - ﷺ - مِن رَوْحِ الله، تأتي بالرحمةِ، وتأتي بالعذابِ (^١).
وأَمَرَ إذا اشتدَّتِ الريحُ أن يُسألَ الله خيرَها وخيرَ ما أُرْسِلَتْ به، ويُستعَاذَ به من شَرِّها وشَرِّ ما أرسِلَتْ (^٢) به. وقد كان النبي - ﷺ - إذا رأى ريحًا أو غيمًا تغيَّر وجْهُهُ، وأقبَلَ وأدْبَرَ، فإذا مَطَرَتْ سُرِّيَ عنه، ويقول: قد عُذِّبَ قومٌ بالرِّيح. ورأى قومٌ السِّحابَ، فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ (^٣).
وأسبابُ الرحمةِ يُرجّي بها عبادَهُ، مثلُ الغيمِ الرطب والريحِ الطيبةِ، ومثلُ المطرِ المعتادِ عند الحاجة إليه، ولهذا يقال عند نزوله: اللهم سُقْيا رحمةٍ ولا سُقْيا عذابٍ.
وأمَّا من اتَّقى أسبابَ الضَّرَرِ بعدَ انعقادِها بالأسباب المنهِيِّ عنها، فإنه لا ينفعُه ذلك غالبًا، كمن ردَّتْهُ الطيرَةُ عن حاجته خشيةَ أن يُصيبَهُ ما تطيَّرَ به، فإنَّه كثيرًا ما يُصاب بما خشي (^٤) منه، كما قاله ابنُ مسعودٍ، ودَل عليه حديثُ أنس المتقدِّم. وكمن اتَّقَى الطَّاعونَ الواقِعَ في بلدِهِ بالفِرارِ منه، فإنَّه قلَّ أن يُنجيَهُ ذلك. وقد فَرَّ كثيرٌ مِن المتقدِّمينَ والمتأخِّرينَ من الطاعون فأصابهم، ولم ينفعهُم الفِرارُ، وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ
_________________
(١) أخرج أبو داود في سننه رقم (٥٠٩٧) في الأدب، باب ما يقول إذا هاجت الريح، عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "الرِّيح من رَوْح الله، ورَوْح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبُّوها، وسلوا الله من خيرها، واستعيذوا بالله من شرها". ورواه بمعناه ابن ماجه رقم (٣٧٢٧) في الأدب، باب النهي عن سب الريح، وإسناده حسن.
(٢) من حديث أخرجه البخاري ٦/ ٢١٦ في بدء الخلق، ومسلم رقم (٨٩٩) في الاستسقاء، باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم، والترمذي رقم (٣٤٤٥) في الدعوات، باب ما يقول إذا هاجت الريح، عن عائشة ﵂: "أن رسول الله - ﷺ - كان إذا عصفت الرِّيح، قال: اللهم، إني أسألك خيرها وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرِّها وشرّ ما فيها، وشر ما أرسلت به".
(٣) سورة الأحقاف، الآية ٢٤، وروى الحديث البخاري ٨/ ٥٧٨ في تفسير سورة الأحقاف، ومسلم رقم (٨٩٩) في الاستسقاء، وأبو داود رقم (٥٠٩٨) و(٥٠٩٩) في الأدب، والترمذي رقم (٣٢٥٤) في التفسير، بروايات متعددة أوردها ابن الأثير في "جامع الأصول" ٤/ ١٠ - ١٢.
(٤) في آ، ش: "يخشى".
[ ١٤٦ ]
مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ (^١). وقد ذُكِرَ كثيرٌ مِن السَّلفِ أنَّهم كانوا قد فَرُّوا من الطَّاعون فأصابهم. وفَرَّ بعضُ المتقدِّمين من طاعونٍ وَقَعَ، فبينا هو يَسيرُ باللَّيلِ على حمارٍ له إذ سمعَ قائلًا يقول:
لنْ يُسْبَقَ اللهُ على حِمارٍ … ولَا عَلَى ذي مَيْعَةٍ مُطَارِ (^٢)
أو يأتيَ الحَتْفُ على مِقْدَارِ … قَدْ يُصْبِحُ الله أمام السَّارِي
فأصابَهُ الطاعونُ، فمات.
وأمَّا قولُه - ﷺ -: "لا هامَةَ" فهو نفيٌ لِما كانَتِ الجاهليةُ تعتقدُه أن الميتَ إذا ماتَ صارَتْ روحُه، أو عظامُه، هامةً، وهو طائر يطير. وهو شبيه باعتقادِ أهلِ التناسخِ؛ أن أرواحَ الموتى تنتقلُ إلى أجسادِ حيواناتٍ من غير بَعثٍ ولا نُشورٍ، وكل هذه اعتقاداتٌ باطلةٌ جاءَ الإسلامُ بإبطالِها وتكذيبِها. ولكن الذي جاءتْ به الشريعةُ "إنَّ أرواحَ الشُّهداءِ في حواصل طيرٍ خُضْرٍ تأكُلُ مِن ثمار الجنَّةِ، وترِدُ من أنهارِ الجنة، إلى أَن يَرُدَّها الله تعالى إلى أجسادها يوم القيامة (^٣) ". [ورُوي أيضًا "إنَّ نَسَمَةَ المؤمن طائر يعلُقُ في شجر الجَنَّة حتى يرجعهَا الله إلى أجسادِها يومَ القيامة"] (^٤).
وأمَّا قولُه - ﷺ - "ولا صَفَرَ" فاختُلف في تفسيرِه؛ فقال كثيرٌ من المتقدمين: الصَّفَرُ داءٌ في البطن، يقال: إنه دُودٌ فيه، كبارٌ كالحيّاتِ، وكانوا يعتقدون أنَّه يُعْدِي، فنفَى (^٥) ذلك النبيُّ - ﷺ -.
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٤٣.
(٢) في آ: "ولا على بَيْعَةٍ طيَّار"، وفي ط: "ولا على منعة مطار"، وفي ع: "ولا على ذي منعة طيَّار"، وفي ش: "ولا على ذي بيعة طيار". ولعل الصواب فيما أثبتناه. والمَيْعة: سيلان الشيء المصبوب.
(٣) قوله: "يوم القيامة" زيادة من آ، ع. وهو جزء من حديث أخرجه مسلم رقم (١٨٨٧) في الإمارة، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، والترمذي رقم (٣٠١٤) و(٣٠١٥) في التفسير، باب ومن سورة آل عمران. انظر رواياته في "جامع الأصول" ٩/ ٤٩٧ - ٥٠٠.
(٤) ما بين قوسين لم يرد في (آ). والحديث رواه أحمد في "مسنده" ٦/ ٣٨٦، والنسائي ٨/ ١٠٤ في الجنائز، باب أرواح المؤمنين؛ وابن ماجه رقم (٤٢٧١) في الزهد، باب ذكر القبر والبلى، من حديث كعب بن مالك، وهو حديث صحيح. ونَسَمَة المؤمن: أي روح المؤمن الشهيد.
(٥) أي في قوله - ﷺ -: "لا عَدْوى ولا هامَةَ ولا صَفَر".
[ ١٤٧ ]
وممن قال هذا من العلماء ابنُ عُيَينة، والإمامُ أحمدُ وغيرُهما. ولكن لو كان كذلك لكان هذا داخلًا في قوله "لا عَدْوَى". وقد يقال: هو من باب عَطفِ الخاصِّ على العام، وخصَّه بالذكر؛ لاشتهارِهِ عندهم بالعَدْوَى. وقالت طائفة: بلِ المرادُ "بصَفَر" شهرُ صفرَ، ثم اختلفوا في تفسيره، على قولين:
أحدُهما: أن المرادَ نفيُ ما كانَ أهلُ الجاهلية يفعلونه في النَّسيء (^١)، فكانوا يُحِلُّونَ المُحرَّمَ ويُحَرِّمُونَ صَفَرَ مكانَه؛ وهذا قولُ مالكٍ.
والثاني: أن المرادَ أن أهلَ الجاهليةِ كانوا يَسْتَشْئِمُونَ بصفَرَ ويقولون: إنه شهر (^٢) مشؤوم، فأبطَلَ النَّبيُّ - ﷺ - ذلك؛ وهذا حكاه أبو داود (^٣) عن محمد بن راشد المكحولي، عمَّن سمعَه يقول ذلك. ولعل هذا القولَ أشبهُ الأقوالِ. وكثيرٌ من الجُهَّالِ يتشاءَم بصفَرَ، وربَّما ينهَى عن السَّفرِ فيه. والتشاؤمُ بصفَرَ هو من جنسِ الطيرةِ المَنهيِّ عنها، وكذلك التشاؤم بيوم من الأيام كيومِ الأربعاء.
وقد رُوي أنَّه يومُ نحسٍ مستمرٍ؛ في حديثٍ لا يَصِح، بل في "المسند" عن جابرٍ - ﵁ - أن النبي - ﷺ - دعا على الأحزاب يوم الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، فاستجيبَ له يومَ الأربعاء بين الظهرِ والعصرِ؛ قال جابر: فما نَزَلَ بي أمرٌ مهم غائظ إلا توخّيْتُ ذلك الوقتَ، فدعوتُ الله فيه، فرأيتُ الإجابةَ، أَو كما قال. وكذلك تشاؤم أهلِ الجاهلية بشوَّال في النِّكاح فيه خاصّةً. وقد قيلَ: إن أصلَه أن طاعونًا وقَعَ في شوال في سنةٍ من السنين، فمات فيه كثير من العرائسِ، فتشاءم بذلك أهلُ الجاهلية.
وقد وَرَدَ الشَّرْعُ بإبطالِهِ، قالت عائشةُ - ﵂: "تزوَّجَني رسولُ الله - ﷺ - في
_________________
(١) النسيء في الجاهلية: تأخيرهم المحرّم إلى صفر في تحريمه، ويجعلون صفرًا هو الشهر الحرام، فأبطل. قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾. انظر اللسان (نسأ، صفر).
(٢) لفظة "شهر" لم ترد في (آ). وفي ش: "شهر شؤم".
(٣) أخرجه أبو داود رقم (٣٩١٥) في الطب، باب في الطيرة. ومحمد بن راشد المكحول الخزاعي، الدمشقي، نزل البصرة، صدوق يهم، ورمي بالقدر، مات بعد ١٦٠ هـ. (التقريب ٢/ ١٦٠).
[ ١٤٨ ]
شَوَّال، وبَنَى بي في شَوَّال، فأيُّ نسائِهِ كانَ أحظَى عندَه منّي! وكانت عائشةُ تَسْتَحِبُّ أنْ تُدْخِلَ نِسَاءَها في شَوَّال" (^١). وتزوَّجَ النبيُّ - ﷺ - أمَّ سَلَمَةَ في شَوَّالٍ أيضًا (^٢).
فأمَّا قولُ النبي - ﷺ - "لا عَدْوَى ولا طِيَرَة، والشؤمُ في ثلاثٍ؛ في المرأة، والدَّارِ، والدَّابَّةِ"، خَرَّجاه في "الصحيحين" (^٣) مِن حديثِ ابن عُمَرَ، عن النبي - ﷺ -، فقد اختلفَ الناسُ في معناه أيضًا؛ فروي عن عائشة - ﵂ - أنَّها أنكرَتْ هذا الحديثَ، أنْ يكونَ من كلامِ النبيِّ - ﷺ -، وقالت: إنَّما قال: كانَ أهلُ الجاهلية يقولون ذلك (^٤)، خرَّجه الإمام أحمد (^٥). وقال مَعْمَر: سمِعْتُ مَن يفسِّر هذا الحديثَ، يقول: شؤمُ المرأةِ إذا كانت غيرَ وَلُودٍ، وشؤمُ الفَرَسِ إذا لم يكن يُغزَى عليه (^٦) في سبيل اللّه، وشؤمُ الدَّارِ جارُ السّوء. رُوي (^٧) هذا المعنى مرفوعًا من وجوهٍ لا تَصِحُّ.
ومنهم من قال: قد رُوِي عن النبي - ﷺ - أنَّه قال: "لا شؤمَ، وإن يَكنِ اليُمْنُ في
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (١٤٢٣) في النكاح، باب استحباب التزوج في شوال واستحباب الدخول فيه؛ والترمذي رقم (١٠٩٣) في النكاح، باب في الأوقات التي يستحب فيها النكاح؛ والنسائي ٦/ ١٣٠ في النكاح، باب البناء في شوال؛ وابن ماجه رقم (١٩٩٠) في النكاح، باب متى يستحب البناء بالنساء.
(٢) أخرجه ابن ماجه رقم (١٩٩١) في النكاح، باب ما يستحب البناء بالنساء.
(٣) أخرجه البخاري ١٠/ ٢١٢ و٢٤٣ في الطب: باب الطيرة، وباب لا عدوى، وفي غيرهما. ومسلم رقم (٢٢٢٥) في السلام، باب الطيرة.
(٤) ذكر الحافظ في "الفتح" عن عائشة أنها أنكرت هذا الحديث، فروى أبو داود الطيالسي في مسنده، عن محمد بن راشد، عن مكحول، قال: قيل لعائشة: إن أبا هريرة قال: "قال رسول الله - ﷺ - الشؤم في ثلاثة"، فقالت: لم يحفظ؛ إنه دخل وهو يقول: "قاتل الله اليهود، يقولون: الشؤم في ثلاثة"، فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله. قلت: ومكحول لم يسمع من عائشة فهو منقطع، لكن روى أحمد وابن خزيمة والحاكم من طريق قتادة عن أبي حسان: أن رجلين من بني عامر دخلا على عائشة، فقالا: إن أبا هريرة قال: "إن رسول الله - ﷺ - قال: الطيرة في الفرس والمرأة والدار" فغضبت غضبًا شديدًا، وقالت: ما قاله، وإنما قال: "إن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك" انتهى. ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة مع موافقة من ذكرنا من الصحابة له في ذلك، وقد تأوله غيرها على أن ذلك سيق لبيان اعتقاد الناس في ذلك، لا أنه إخبار من النبي - ﷺ - بثبوت ذلك، وسياق الأحاديث الصحيحة المتقدم ذكرها يبعد هذا التأويل. قال ابن العربي: هذا جواب ساقط؛ لأنه - ﷺ - لم يبعث ليخبر الناس عن معتقداتهم الماضية والحاصلة، وإنما بعث ليعلمهم ما يلزمهم أن يعتقدوه. انتهى. انظر "الفتح الباري" ٦/ ٦١ - ٦٣ (باب ما يذكر من شؤم الفرس).
(٥) المسند ٢/ ٨، ٣٦، ١١٥، ١٢٦.
(٦) في آ، ب "عليها".
(٧) في ب، ع، ش: "وروي".
[ ١٤٩ ]
شيءٍ ففي ثلاثةٍ"، فذكَرَ هذه الثلاثة (^١). وقال: هذه الرواية أشبه بأصُولِ الشرعِ؛ كذا قاله ابن عبد البر، ولكن إسناد هذه الرواية لا يُقاوِمُ ذلك الإسنادَ.
والتحقيقُ أنْ يقالَ في إثباتِ الشؤم في هذه الثلاثِ، ما ذكرناه في النهي عن إيرادِ المريض على الصحيح، والفرارِ منَ المجذومِ، ومن أرضِ الطاعونِ؛ إنَّ هذه الثلاثَ أسبابٌ يقدِّر اللهُ تعالى بها الشؤمَ واليُمْنَ ويَقْرِنُه بها، ولهذا يشرع لمن استفادَ زوجةً، أو أمَةً، أو دابَّةً أنْ يسألَ الله تعالى مِن خيرها وخيرِ ما جُبِلتْ عليه، ويستعيذَ بهِ من شرِّها وشرِّ ما جُبِلَتْ عليه، كما في حديث عمرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي - ﷺ - الذي خرَّجه أبو داود (^٢) وغيرُه.
وكذا ينبغي لمن سكن دارًا أن يفعل (^٣) ذلك. وقد أمرَ رسولُ الله - ﷺ - قومًا سكنوا دارًا فقلَّ عددُهُم، وقل مالهم أن يتركوها ذَميمةً (^٤).
فترْكُ ما لا يجدُ الإنسانُ فيه بركةً مِن دارٍ أو زوجةٍ أو دابَّةٍ غيرُ منهي عنه.
[وكذلك مَن اتَّجَر في شيءٍ فلم يربحْ فيه ثلاثَ مراتٍ، فإنَّه يتحوَّل عنه] (^٥).
رُوي ذلك عن عُمرَ بن الخطاب ﵁، فإنْ (^٦) بُورك له في شيء فلا يتغير عنه. ففي "المسند" (^٧) و"سنن ابن ماجة" عن عائشة ﵂ مرفوعًا "إذا كان لأحدكم رِزْقٌ في شيءٍ فلا يَدَعْهُ حتَّى يتغيَّر له، أو يتنكَّرَ له".
_________________
(١) أي المرأة والفرس والدَّار. أخرجه ابن ماجه رقم (١٩٩٣) في النكاح، باب ما يكون فيه اليمن والشؤم؛ والترمذي رقم (٢٨٢٦) في الأدب، باب ما جاء في الشؤم، من حديث حكيم بن معاوية. وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (١٩٣٠)، وفي صحيح الجامع الصغير رقم (٧٥٠٠).
(٢) أخرجه ابن ماجه رقم (١٩١٨) في النكاح، باب ما يقول الرجل إذا دخلت عليه أهله، والبيهقي في "السنن" ٧/ ١٤٨. ولم أجده في سنن أبي داود.
(٣) في آ: "يقول".
(٤) أخرجه أبو داود في "سننه" رقم (٣٩٢٤) في الطب، باب في الطيرة. والموطأ ٢/ ٩٧٢ في الاستئذان، باب ما يتقى من الشؤم.
(٥) ما بين قوسين ساقط في (آ).
(٦) في ط: "فإنه قال: من بورك له … ".
(٧) رواه أحمد في "المسند" ٦/ ٢٤٦، وابن ماجه رقم (٢١٤٨) في التجارات، باب إذا قسم للرجل رزق من وجه فليلزمه. وفي إسناده مقال، كما في الزوائد. ونصه عند ابن ماجه: "إذا سبَّبَ الله لأحدكم رزقًا من وجه، فلا يَدَعْهُ حتى يتغيَّر له، أو يتنكَّر له".
[ ١٥٠ ]
وأمَّا تخصيصُ الشؤم بزمانٍ دونَ زمانٍ، كشهرِ صفَرَ أو غيره، فغيرُ صحيحٍ، وإنَّما الزَّمانُ كلُّه خلقُ (^١) الله تعالى، وفيه تقعُ أفعالُ بني آدمَ. فكلُّ زمانٍ شَغَلَه المؤمنُ بطاعةِ اللهِ، فهو زمان مبارَك عليه، وكُلُّ زمانٍ شَغَلَه العبدُ بمعصيةِ اللهِ تعالى فهو مشؤومٌ عليه. فالشؤمُ في الحقيقة هو مَعْصِيةُ اللهِ تعالى، كما قال ابنُ مسعودٍ ﵁: إنْ كان الشؤم في شيءٍ ففيما بين اللّحيين (^٢)، يعني اللسان. وقال: ما من شيء أحوجُ إلى طول سجنٍ من لسانٍ.
وقال عَدِيُّ (^٣) بن حاتم: أيمنُ أمرٍ (^٤) وأشأمُهُ بينَ لحييهِ، يَعني لسانَه. وفي سنن أبي داود عن النبي - ﷺ -، قال: "حُسْنُ الملكَةِ نَمَاءٌ، وسُوءُ الملَكَةِ شؤمٌ، والبِرُّ زِيادةٌ في العمرِ، والصدقة تمنَعُ (^٥) ميتة السوء" (^٦). فجَعَلَ سُوءَ الملَكَةِ شؤمًا.
وفي حديثٍ آخَرَ: "لا يدخُلُ الجنَّةَ سَيّئُ الملكَةِ (^٧) "وهو مَن يُسيءُ إلى مماليكه ويظلِمهُم.
وفي الحديث: "إنَّ الصَّدَقَة تدفَعُ مِيتةَ السُّوءِ" (^٨).
ويروى من حديث عليٍّ مرفوعًا: "باكِرُوا بالصَّدَقةِ فإنَّ البَلاءَ لا يتخطَّاها".
_________________
(١) في ب: "خَلْقٌ لله تعالى".
(٢) اللحيان: حائطا الفم، وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان من داخل الفم من كل ذي لَحْي. (اللسان: لحي).
(٣) عدي بن حاتم بن عبد الله الطاثي، أبو طريف، أمير، صحابي شهير، من الأجواد العقلاء، كان رئيس طيئ في الجاهلية والإسلام. حضر فتوح العراق وحروب عليّ. وهو ابن حاتم الطائي الذي يضرب بجوده المثل. مات عدي بالكوفة سنة ٦٨ هـ.
(٤) في ش: "أيمن أمري"، وفي ع: "أيمن امرءٍ"، وفي ط: "أيمن أمر بي".
(٥) في ب: "تدفع".
(٦) سنن أبي داود رقم (٥١٦٢) و(٥١٦٣) في الأدب، باب في حق المملوك، ورواه أيضًا أحمد في "المسند" ٣/ ٥٠٢ وإسناده ضعيف، وله شاهد من حديث جابر عند ابن عساكر في التاريخ، نقل المناوي تحسينه عن العامري. واللفظ لأحمد، وليس في السنن "والبر زيادة في العمر، والصدقة تمنع ميتة السوء". وفي النهاية ٤/ ٣٥٨: "يقال: فلان حَسَنُ الملكةِ، إذا كان حَسَنَ الصَّنيع إلى مماليكه".
(٧) أخرجه الترمذي رقم (١٩٤٧) في البر والصلة، باب ما جاء في الإحسان إلى الخدم، وفي سنده فرقد بن يعقوب السبخي، وهو لين الحديث؛ قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد تكلم أيوب السختياني وغير واحد في فرقد السبخي من قبل حفظه. وأخرجه أيضًا ابن ماجه رقم (٣٦٩١) في الأدب، باب الإحسان إلى المماليك.
(٨) أخرجه الترمذي رقم (٦٦٤) في الزكاة، باب ما جاء في فضل الصدقة، عن أنس ﵁، وإسناده ضعيف. ونصه: "إنَّ الصَّدقة تُطفِئُ غضب الرَّبِّ، وتدفع ميتة السوء".
[ ١٥١ ]
خرَّجه الطبراني (^١). وفي حديثٍ آخر: "إنَّ لِكُلِّ يومٍ نَحْسًا، فادْفَعُوا نَحْسَ ذلك اليومِ بالصَّدَقةِ" (^٢). فالصَّدَقةُ تمنَعُ وقُوعَ البَلاءِ بعدَ انعقادِ أسبابِهِ، وكذلك الدُّعاءُ.
وفي الحديث: "إنَّ البَلاءَ والدُّعاءَ يلتقيان بينَ السَّماءِ والأرضِ، فيعتلجانِ إلى يوم القيامة". خرَّجه البزار والحاكم (^٣).
وخرَّج الترمذي من حديث سلمان مرفوعًا: "لا يردُّ القضاءَ إلَّا الدُّعاءُ" (^٤).
وقال ابن عباس: لا ينفَعُ الحذَرُ من القَدَرِ، ولكن الله يمحو بالدُّعاء ما يشاء من القَدَرِ (^٥). وعنه قال: "الدُّعاءُ يدفَعُ القَدَرَ، وهو إذا دَفَعَ القَدَرَ فهو مِنَ القَدَرِ". وهذا كقولِ النبيِّ - ﷺ - لما سُئلَ عن الأدوية والرُّقى: هل تَرُدُّ مِن قَدَرِ اللهِ شيئًا؟ فقال: "هي من قَدرِ اللهِ تعالى" (^٦). وكذلك قال عمر - ﵁ - لمَّا رَجَعَ من الطاعون، فقال له أبو عُبيدَةَ: أفرارًا (^٧) مِن قدَر اللهِ؟ فقال عُمَرُ: نَفِرُّ مِن قَدَرِ اللهِ إلى قَدَرِ اللهِ؟ فإنَّ الله تعالى يقدِّرُ المقاديرَ ويقدِّرُ ما يدفَعُ بعضَها قبلَ وقوعِهِ. وكذلك الأذكارُ المشروعةُ تدفَعُ البَلاءَ.
وفي حديث عثمانَ - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: "مَنْ قال حينَ يُصبحُ
_________________
(١) ذكره السيوطي في "الجامع الصغير" رقم (٣١٢٢) وعزاه إلى الطبراني في الأوسط عن علي، والبيهقي في السنن ٤/ ١٨٩ عن أنس. وقد ذكره الألباني في ضعيف الجامع الصغير رقم (٢٣١٦). وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١١٠ من حديث علي، وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه عيسى بن عبد الله بن محمد، وهو ضعيف.
(٢) جزء من حديث ذكر في كنز العمال رقم (٤٥٥٩) عن علي ﵁.
(٣) رواه الحاكم في "المستدرك" ١/ ٤٩٢ وقال: صحيح الإسناد. وذكره المنذري في "الترغيب" ٢/ ٤٨٢. ويعتلجان: أي يتصارعان ويتدافعان.
(٤) أخرجه الترمذي رقم (٢١٤٠) في القدر، باب ما جاء لا يرد القدر إلا الدعاء، وتمامه: "ولا يزيد في العُمُر إلا البر". وهو حديث حسن، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
(٥) في مسند أحمد ٥/ ٢٣٤ عن معاذ، عن رسول الله - ﷺ -، أنه قال: "لن ينفع حذر من قدر، ولكن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم بالدعاء عباد الله". وهو في كنز العمال ٢/ ٣١٢٣.
(٦) أخرجه ابن ماجه رقم (٣٤٣٧) في الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء؛ والترمذي رقم (٢٠٦٦) في الطب، باب ما جاء في الرقى والأدوية، ورقم (٢١٤٩) في القدر، باب ما جاء لا ترد الرقى ولا الدواء من الله شيئًا، من حديث أبي خزامة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، والرُّقى: جمع رقية، وهو ما يقرأ من الدعاء. لطب الشفاء.
(٧) في آ: "أفرار".
[ ١٥٢ ]
ويُمسِي: بسم اللهِ الذي لا يضُرُّ مع اسْمِهِ شيء في الأرضِ ولا في السَّماءِ، وهو السَّميعُ العليمُ، لم يُصِبْهُ بَلاءٌ" (^١). وفي "المسند" (^٢) عن عائشةَ ﵂، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "الشؤمُ سُوءُ الخلقِ". وخرَّجَه الخرائطيُّ (^٣)، ولفظُه "اليُمْنُ حُسْنُ الخُلُقِ". وفي الجملة: فلا شُؤمَ إلَّا المعاصي والذنوب؛ فإنَّها تُسخِطُ الله ﷿، فإذا سخِطَ الله ﷿ على عبدِهِ شقيَ في الدنيا والآخرةِ، كما أنه إذا رضي عن (^٤) عبدِهِ سَعِدَ في الدنيا والآخرة.
قال بعضُ الصالحين، وقد شُكي إليه بلاءٌ وقع في (^٥) الناسِ، فقال: ما أَرَى ما أنتم فيه إلَّا بشؤمِ الذُّنوبِ. وقال أبو حازم: كُلُّ ما شغَلَكَ عن اللهِ مِن أهلٍ أو ولدٍ أو مالٍ فهو عليك مَشْؤومٌ.
وقد قيل:
فلا كانَ ما يُلهِي عن اللهِ إنَّه … يَضُرُّ ويُؤذِي إنَّه لَمشؤومُ
فالشؤم في الحقيقة هو المعصيةُ (^٦)، واليُمْنُ هو طاعةُ الله وتقواهُ، كما قيلَ:
إنَّ رأيًا (^٧) دَعا إلى طَاعَةِ … اللهِ لرأيٌ مُبَارَكٌ مَيْمُونُ
والعَدْوَى التي تُهلِكُ مَن قاربَهَا هي المعاصي؛ فَمَنْ قاربَهَا وخالطَهَا وأصَرَّ عليها هَلَكَ، وكذلك مُخالطةُ أهلِ المعاصي، ومن يُحسِّنُ المعاصي (^٨) ويُزيّنُها ويدعو إليها
_________________
(١) أخرجه الترمذي رقم (٣٣٨٥) في الدعوات، باب ما جاء إذا أصبح وإذا أمسى؛ وأبو داود رقم (٥٠٨٨) و(٥٠٨٩) في الأدب، باب ما يقول إذا أصبح؛ وابن ماجه رقم (٣٨٦٩) في الدعاء، باب ما يدعو به الرجل إذا أصبح أو إذا أمسى، وإسناده حسن؛ وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح. وذكره المؤلف هنا مختصرًا.
(٢) المسند ٦/ ٨٥، وسنن أبي داود رقم (٥١٦٢) و(٥١٦٣) في الأدب، باب في حق المملوك، ولفظه: "حسن الملكة نماء، وسوء الخلق شؤم".
(٣) مكارم الأخلاق ص ٨، والجامع الصغير للسيوطي، وعزاه إلى الخرائطي في "مكارم الأخلاق" عن عائشة، وهو ضعيف. وكذا ذكره الألباني في "ضعيف الجامع الصغير" رقم (٦٤٦٩).
(٤) في آ، ب: "على".
(٥) في آ: "وقد شكي إليه ما وقع فيه الناس"، وفي ش: "وقد شكي إليه بلاء وقع فيه الناس".
(٦) في ط: "هو معصية الله".
(٧) في آ: "إن داعٍ".
(٨) في ب، ش، ط: "المعصية".
[ ١٥٣ ]
من شياطينِ الإِنسِ، وهم أضرُّ مِن شياطينِ الجنِّ. قال بعضُ السَّلَفِ: شيطانُ الجنِّ تَستعيذُ بالله منه، فينصرف؛ وشيطانُ الإِنس لا يبرَحُ حتَّى يُوقعَكَ في المعصيةِ. وفي الحديث: "يُحشَرُ المرءُ على دينِ خليله؛ فلينظرْ أحدُكُم من يُخالِلُ" (^١). وفي حديثٍ آخرَ: "لا تَصْحَبْ إلَّا مؤمنًا ولا يأكُل طعامَكَ إلَّا تقِيٌّ" (^٢). ومما يُروى لعليٍّ ﵁ (^٣):
فلا (^٤) تصحَبْ أخا الجَهْلِ … وإياكَ وإياهُ
فكم مِنْ جاهلٍ أرْدَى … حكيمًا حينَ آخاهُ (^٥)
يُقاسُ المرءُ بالمرءِ … إذا ما المرءُ ماشاهُ (^٦)
وللشيءِ على الشيءِ … مقاييسٌ وأَشْبَاهُ
وللقلبِ عَلَى القلبِ … دَليلٌ حينَ يَلْقَاهُ
فالعاصي مشؤومٌ على نفسِهِ وعلى غيرِهِ؛ فإنَّه لا يُؤمنُ أنْ ينزلَ عليه عذابٌ فيعمُ النَّاسَ، خصوصًا مَنْ لم يُنكِرْ عليه عَمَلَهُ (^٧)، فالبعدُ عنه متعيِّنٌ، فإذا كَثُرَ الخبثُ هَلَكَ الناسُ عمومًا.
وكذلك أماكنُ المعاصِي وعقوباتُها يتعيَّنُ البُعْدُ عنها، والهربُ منها، خشيةَ نزولِ العذابِ، كما قال النبيُّ - ﷺ - لأصحابِهِ لمَّا مَرَّ (^٨) على ديارِ ثمودَ بالحِجْرِ: "لا تَدْخُلُوا
_________________
(١) أخرجه الترمذي رقم (٢٣٧٩) في الزهد، باب الرجل على دين خليله. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وأبو داود رقم (٤٨٣٣) في الأدب، باب من يؤمر أن يجالس.
(٢) أخرجه أبو داود رقم (٤٨٣٢) في الأدب، باب من يؤمر أن يجالس، والترمذي رقم (٢٣٩٧) في الزهد، باب ما جاء في صحبة المؤمن، وإسناده حسن. ورواه أحمد في "المسند" ٣/ ٣٨، وابن حبان ٢/ ٢٦٦ (ط. مؤ سسة الرسالة)، والحاكم ٤/ ١٢٨، وصححه ووافقه الذهبي. قال الخطابي: هذا إنما جاء في طعام الدعوة، دون طعام الحاجة، وذلك أن الله سبحانه قال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الدهر: ٩]، ومعلوم أن أسراهم كانوا كفارًا غير مؤمنين ولا أتقياء. وإنما حذر من صحبة من ليس بتقي وزجر عن مخالطته ومؤاكلته، فإنَّ المطاعمة توقع الألفة والمودة في القلوب.
(٣) ديوان علي بن أبي طالب ص ٢٠٥ (ط. زرزور).
(٤) في آ، ع: "لا تصحب".
(٥) في آ، ع: "واخاه".
(٦) في آ والديوان: "إذا ما هو ماشاه".
(٧) لفظة "عمله" لم ترد في (آ).
(٨) في ب: "مروا".
[ ١٥٤ ]
على هؤلاء المعذَّبين، إلَّا أن تكونوا باكينَ؛ خشيةَ أنْ يُصيبَكُم ما أصابَهُم" (^١). ولما تاب الذي (^٢) قَتَلَ مائةَ نفسٍ مِن بني إسرائيلَ، وسأل العالِمَ: هل (^٣) لَهُ من توبةٍ؟ قال له: نعم، فأمَرَهُ أنْ ينتقلَ مِن قرية السُّوءِ إلى القريةِ الصالحةِ، فأدركَهُ الموتُ بينَهما، فاختَصَمَ فيه ملائكةُ الرَّحمةِ وملائكةُ العذابِ، فأَوْحَى الله إليهم: أنْ قِيسُوا بينَهما فإلى أيَّهما كانَ أقربَ فأَلْحِقُوه بها، فوَجَدُوه إلى القريةِ الصالحةِ أقربَ بِرَمْيَةِ حَجَرٍ، فغُفِرَ له.
هِجرانُ أماكنِ المعصية وإخوانها مِن جملة الهِجرةِ المأمورِ بها، فإنَّ المهاجِرَ مَنْ هَجَرَ ما نَهى الله عنه. قال إبراهيمُ بنُ أدهَمَ: مَن أرادَ التَّوبَةَ فلْيَخْرجْ مِن المظالِمِ، وليدَعْ مخالَطَةَ مَن كانَ يخالِطُه، وإلَّا لم يَنَلْ ما يُريدُ.
احذَرُوا الذُّنوبَ، فإنَّها مشؤومةٌ، عواقبُها ذميمةٌ، وعُقُوباتُها أليمة، والقلوبُ المُحِبَّةُ لها سَقِيمةٌ، [والنفوسُ المائلةُ إليها غيرُ مستقيمةٍ، و] (^٤) السَّلامةُ منها غنيمةٌ، والعافِيةُ منها ليس لها قيمةٌ، والبَليَّةُ بها، لا سيما بعدَ نُزولِ الشَّيبِ، دَاهِيةٌ عظيمةٌ.
طاعةُ اللهِ خيرُ ما اكتسَبَ العَبْدُ … فكنْ طائعًا لله لا تعصِيَنْهُ
مَا هَلاكُ النُّفوسِ إلَّا المعاصِي … فاجْتَنِبْ ما نَهَاكَ لَا تَقْرَبَنْهُ
إنَّ شيئًا هَلَاكُ نَفْسِكَ فيهِ … ينبغِي أنْ تَصُونَ نَفْسَكَ عَنْهُ
يا مَنْ ضَاعَ قلبُه اِنشِدْهُ في مجلسِ الذِّكرِ، عسى أن تجده. يا مَن مرِضَ قلبُه احمِلْه إلى مجلسِ الذّكرِ، لعلَّه أن يُعافَى. مجالسُ الذّكْرِ مارَسْتانات (^٥) الذنوب تُداوَى فيها أمراضُ القلوبِ، كما تُداوى أمراضُ الأبدانِ في مارستانات الدُّنيا (^٦)، ونزهٌ (^٧)
_________________
(١) أخرجه البخاري ٦/ ٣٧٩ (٣٣٨١) في الأنبياء: باب قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣]؛ وفي المساجد: باب الصلاة في مواضع الخسف؛ وفي المغازي: باب نزول النبي - ﷺ - الحجر؛ وفي تفسير سورة الحجر: باب ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾. وأخرجه مسلم رقم (٢٩٨٠) في الزهد والرقائق: باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين.
(٢) في آ: "ولما تاب الله عمن قتل". وأخرجه البخاري ٦/ ٥١٢ رقم (٣٤٧٠) في الأنبياء، ومسلم رقم (٢٧٦٦) في التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله.
(٣) في آ: "هل له توبة".
(٤) ما بين قوسين ماقط في (ط).
(٥) في ب، ط: "مارستان". وهو دار المرضى، معرَّب.
(٦) في ب: "مارستان الدنيا"، وفي ط: "مارستان الذكر".
(٧) في ب: "نزهة"، وسقطت الواو من (ط). وفي ش: "وقوَّة".
[ ١٥٥ ]
لقلوبِ المؤمنين تتنزه فيه بسماع كلام الحكمة، كما تتنزه أبصارُ أهلِ الدُّنيا في رياضِها وبساتينها.
مجلسنا هذا حَضْرَةٌ في رَوضةِ الخُشُوعِ؛ طعامُنا فيه الجُوعُ، وشرابُنا فيه (^١) الدُّموعُ، ونُقْلُنا (^٢) هذا الكلامُ المسموعُ، نُداوِي فيه أمراضًا أعيَتْ جالينوسَ (^٣) وبَخْتَيشُوعَ (^٤)، نسقي فيه دِرياق (^٥) الذنوب وفاروق المعاصي، فمن شربَ لم يكن له إلى المعصية رجوع. كم أفاقَ فيه منَ المعصيةِ مصروع، وبرِئَ فيه من الهوَى مَلْسُوع، ووصَلَ فيه إلى الله مقطوع، ما عيبُه إلَّا أنَّ الطبيبَ الذي له لو كان يستعمِلُ ما يصِفُ للنَّاسِ لكان إلى قوله المرجوع (^٦).
يا ضيعةَ العُمر إنْ نَجَا السَّامِعُ وهلَكَ المسموع! يا خيبَةَ المَسْعَى إنْ وَصَلَ التَّابِعُ وانقطَعَ المتبوع!
وغَيْرُ تَقِيٍّ يأمُر النَّاسَ بالتُّقَى … طبيبٌ (^٧) يُداوِي النَّاسَ وهو سَقِيمُ (^٨)
يا أيُّها الرَّجُلُ المقوِّمُ غَيْرَهُ … هلَّا لنفسِكَ كانَ ذا التَّقويمُ
ابدأْ (^٩) بنفسِكَ فانْهَها عَنْ غَيِّها … فإن (^١٠) انْتَهَتْ عَنْهُ فأَنْتَ حَكِيمُ
فهُناكَ يُقْبَلُ ما تَقولُ ويُقْتَدَى … بالقولِ مِنْكَ وينفعُ التَّعليمُ
_________________
(١) لفظة "فيه" لم ترد في آ، ش.
(٢) النُّقْل: ما يتنقّل به على الشراب من فواكه وكوامخ وغيرها، وما يتفكَّه به من جوز ولوز وبُندق ونحوها.
(٣) جالينوس: طبيب يوناني مات نحو ٢٠١ قبل الميلاد، له اكتشافات مهمة في التشريح، أخذ عنه أطباء العرب.
(٤) اشتهر بهذا الاسم عدد من الأطباء من أصل سرياني، منهم بختيشوع بن جرجس، مات نحو سنة ١٨٤ هـ.
(٥) الدِّرياق، ويقال: الترياق: دواء السموم.
(٦) في آ: "الرجوع".
(٧) في آ، ش: "مريض".
(٨) هذا البيت من البحر الطويل، وبقية الأبيات من الكامل. والبيت الأخير "لا تنه عن خلق .. " من شواهد النحو المشهورة، استشهد به سيبويه (١/ ٤٢٤) على نصب "تأتي" بإضمار "أَنْ" بعد واو المعية، والتقدير: لا يكن منك نهي وإتيان. والأبيات الثلاثة الأخيرة ذكرها البغدادي في شرح أبيات المغني (٦/ ١١٣) منسوبة إلى المتوكل بن عبد الله الليثي، كما نسبت إلى أبي الأسود الدؤلي. انظر كتاب الأمثال لأبي عبيد ص ٧٤، والمؤتلف والمختلف ٢٧٣، والأغاني ١٢/ ١٥٦، والمستقصى للزمخشري ٢/ ٢٦٠، والخزانة ٣/ ٦١٧، وديوان المتوكل الليثي ٢٨٣ - ٢٨٤، وديوان أبي الأسود ٤٠٤ ضمن قصيدة (في القسم المشكوك من شعره).
(٩) في ش، ع: "فابدأ".
(١٠) في ب، ط: "فإذا"، وهي رواية ثانية.
[ ١٥٦ ]
لا تَنْهَ عَن خُلُقٍ وتأتيَ مِثلَهُ … عارٌ عليكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ
غيره (^١):
[كم ذا التَّمادِي فَهَا قَدْ جاءَنا صَفَرٌ … شَهْرٌ بهِ الفَوْزُ والتَّوفِيقُ والظَّفَرُ
فابدأْ بمَا شئتَ مِنْ فِعْلٍ تُسَرُّ بهِ … يومَ المَعادِ ففيهِ الخيرُ يُنْتَظَرُ
تُوبوا إلى اللهِ فيهِ مِن ذُنُوِبكُمُ … مِن قَبْلُ يبلغُ فيكُم حدُّهُ العُمُرُ] (^٢)
* * *
_________________
(١) لفظ "غيره" لم يرد في (آ، ط).
(٢) الأبيات بين قوسين ساقطة في (آ).
[ ١٥٧ ]