أنه يومٌ تاب الله فيه على قوم. وقد سبَقَ حديثُ علي الذي خرَّجه الترمذي (^٦) أن النبي - ﷺ - قال لرجل: "إنْ كُنْتَ صائمًا شهرًا بعدَ رمضانَ فصُمِ المحرَّمَ؛ فإنَّ فيه يومًا تابَ الله فيه على قوم ويتوبُ فيه على آخرين". وقد صَحّ من حديث أبي إسحاق (^٧)،
_________________
(١) هو جعفر بن زياد الأحمر، صدوق، يتشيع، مات سنة ١٦٧ هـ (التقريب).
(٢) في ط: "عن" خطأ. وهو إبراهيم بن محمد بن المنتشر الأجدع الهمداني الكوفي، ثقة، من الخامسة. (التقريب).
(٣) في آ، ش، ع: "أوسع".
(٤) ذكر الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٨٩ عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من وسّع على أهله في يوم عاشوراء وسّع الله عليه سنته كلها". رواه الطبراني في الأوسط، وفيه "محمد بن إسماعيل الجعفري"، قال أبو حاتم: منكر الحديث. وذكر أيضًا عن عبد الله بن مسعود، عن النبي - ﷺ -، قال: "من وسّع على عياله يوم عاشوراء لم يزل في سعة سائر سنته". رواه الطبراني في الكبير، وفيه الهيصم بن الشداخ، وهو ضعيف جدًّا.
(٥) فقيه أهل مصر، روى عن ابن وهب، وأنس بن عياض. أكثر عنه الأصم وغيره. احتج به النسائي، وقال: ثقة. مات سنة ٢٨٦ هـ (ميزان الاعتدال ٣/ ٦١١).
(٦) رواه الترمذي رقم (٧٤١) في الصوم، باب ما جاء في صوم المحرّم، وقال: حديث حسن غريب. ويشهد له حديث مسلم رقم (١١٦٣) عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أفضل الصيام، بعد رمضان، شهر الله المحرَّم، وأفضل الصلاة، بعد الفريضة، صلاة الليل".
(٧) هو أبو إسحاق السَّبيعي، عمرو بن عبد الله الهمداني، مكثر، ثقة، عابد، مات سنة ١٢٩ هـ وقيل قبل ذلك. (التقريب).
[ ١١٣ ]
عن الأسود بن يزيد (^١)، قال: سألتُ عبيدَ بنَ عُمَير (^٢) عن صيام يوم عاشوراءَ، فقال: المحرَّمُ شَهْرُ الله الأصم، فيه يومٌ تِيبَ فيه على آدمَ، فإن اسَتطعت ألا يمرَّ بك إلَّا صُمْتَه [فافعل] (^٣). كذا رُوي عن شُعبة، عن أبي إسحاقَ. ورَوَاه إسرائيلُ (^٤) عن أبي إسحاقَ، ولفظه: قال: إنَّ قومًا أذْنَبُوا فتابوا فيه فتيبَ عليهم، فإن استطعتَ إلا يمر بك إلَّا وأنتَ صائمٌ فافْعَلْ.
ورواه يونُس عن أبي إسحاقَ، ولفظُه، قال: إنَّ المحرَّمَ شهرُ الله، وهو رأسُ السنةِ تُكتبُ فيه الكتُبُ، ويؤرَّخُ فيه التاريخُ، وفيه تُضربُ الوَرِقُ (^٥)، وفيه يومٌ تابَ فيه قومٌ فتابَ الله عليهم، فلا يمرُّ بكَ إلا صُمْتَه، يعني يومَ عاشوراء. وروى أبو موسى المَدِيني من حديث أبي موسى مرفوعًا: "هذا يومٌ تابَ اللهُ فيه على قوم، فاجعلُوه صلاةً وصومًا". يعني يومَ عاشوراءَ. وقال: حسنٌ غريبٌ، وليس كما قال. ورَوَى بإسناده عن علي، قال: يومُ عاشوراء هو اليومُ الذي تِيبَ فيه على قوم يُونُسَ.
وعن ابن عباس، قال: هو اليومُ الذي تِيبَ فيه على آدمَ. وعن وَهْب أن الله تعالى أوحى إلى موسى ﵇: أنْ مُرْ قومَكَ يتقرَّبوا (^٦) إليَّ في أوَّلِ عشرِ المحرمِ، فإذا كان يومُ العاشرِ فليخرجوا إليَّ حتى أغفِرَ لهم. ورَوَى عبدُ الرزاق (^٧)، عن ابن جُريجٍ، عن رجلٍ، عن عِكْرِمَةَ، قال: هو يومٌ تابَ اللهُ فيه على آدمَ، يومُ عاشوراء. ورَوَى عبد الوهاب الخفَّافُ، عن سعيد، عن قَتَادَةَ، قال: كنا نتحدث أن اليومَ الذي تِيبَ فيه على آدمَ يومُ عاشوراءَ، وهبَطَ فيه آدمُ إلى الأرض يومُ عاشوراءَ.
_________________
(١) هو الأسود بن يزيد بن قيس النَّخعي، أبو عمرو أو أبو عبد الرحمن، مخضرم، ثقة، مكثر، فقيه. مات سنة ٧٤ أو ٧٥ هـ، وقد سبقت ترجمته.
(٢) عبيد بن عمير بن قتادة الليثي، أبو عاصم المكي، ولد على عهد النبي - ﷺ -، قاله مسلم، وعدَّه غيره في كبار التابعين. وكان قاص أهل مكة، مجمع على ثقته. مات سنة ٦٨ هـ (تهذيب التهذيب ٦/ ٧٧ والتقريب).
(٣) زيادة من ش، ع.
(٤) هو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق الهمداني السَّبيعي، أبو يوسف الكوفي. روى عن جده أبي إسحاق السَّبيعي وغيره، روى له الجماعة. ثقة صدوق، مات سنة ١٦٠ هـ وقيل بعدها. (تهذيب الكمال ٢/ ٥١٥).
(٥) الوَرِق: الدراهم، والفضة.
(٦) في ب، ط: "يتوبوا".
(٧) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" ٤/ ٢٩١.
[ ١١٤ ]
وقوله - ﷺ - في حديث علي: "ويتُوبُ فيه على آخرِينَ" حَثَّ للنَّاسِ على تجديدِ التوبةِ النَّصُوحِ في يوم عاشوراءَ، وترجِيَةٌ لِقَبُولِ التوبةِ مِمَّن تابَ فيه إلى الله ﷿ مِن ذنوبه، [تابَ الله عليه] (^١)، كما تابَ فيه على مَن قبلَهم. وقد قال الله تعالى عن آدَم: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ (^٢).
وأخبَرَ عنه وعن زَوْجِه (^٣) أنهما قالا: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ (^٤).
كتب عُمَرُ بن عبد العزيز إلى الأمصار كتابًا وقال فيه: قولوا كما قال أبوكم آدم ﵇: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ (^٤). وقولوا كما قال نُوحٌ: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾ (^٥). وقولوا كما قالَ موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ (^٦).
وقولوا كما قال ذو النون (^٧): ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (^٨).
اعترافُ المُذنِب بذنبِه مَع النَّدَم عليه توبةٌ مقبولةٌ. قال الله ﷿: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (^٩)، وقال النبي - ﷺ -: "إنّ العَبْدَ إذا اعترَفَ بذنبِهِ ثمَّ تابَ تابَ الله عليه" (^١٠).
وفي دعاء الاستفتاحِ الذي كان النبي - ﷺ - يستفتحُ به: "اللهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إلَه
_________________
(١) ما بينهما لم يرد في ش، ع.
(٢) سورة البقرة الآية ٣٧. وبعدها في نسخة ع ما نصه "الكلمات. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، عملت سوءًا، وظلمت نفسي فتب عليَّ، إنك أنت التوَّاب الرحيم".
(٣) في آ، ع "زوجته".
(٤) سورة الأعراف الآية ٢٣.
(٥) سورة هود الآية ٤٧.
(٦) سورة القصص الآية ١٦.
(٧) هو يونس بن متى ﵇، صاحب الحوت. والنون: الحوت، نسب إليه لأنه ابتلعه. وفي سنن أبي داود، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي - ﷺ -، قال: "دعاء ذي النون في بطن الحوت: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، لم يدع به رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له". (تفسير القرطبي ١١/ ٣٣٤).
(٨) سورة الأنبياء الآية ٨٧.
(٩) سورة التوبة الآية ١٠٢.
(١٠) متفق عليه، رواه البخاري ٥/ ٢٥٥، ومسلم رقم (٢٧٧٠) (٥٦) في التوبة، باب حديث الإفك وقبول توبة القاذف.
[ ١١٥ ]
إلا أَنْتَ، ظَلَمْتُ نفسِي واعْتَرَفْتُ بذَنْبِي فاغْفرْ لي إنَّه لا يغفرُ الذنُوبَ إلا أَنْتَ" (^١). وفي الدُّعاء الذي علَّمه النبيُّ - ﷺ - للصدِّيق أنْ يقولَه في صلاته: "اللهمَّ إني ظَلَمْتُ نَفْسِي ظلمًا كثيرًا ولا يغفِرُ الذُّنُوبَ إلا أَنْتَ؛ فاغفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِن عندِكَ، وارْحَمْنِي، إنكَ أنتَ الغفورُ الرَّحيمُ" (^٢).
وفي حديث شداد بن أوس، عن النبي - ﷺ -: "سيِّدُ الاستغفارِ أَنْ يقولَ العَبْدُ: اللهمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إِلهَ إلا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وأنا عَبْدُكَ، وأنا على عهدِك ووَعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أعوذُ بكَ من شرِّ ما صنعتُ، أَبوءُ بنعمَتكَ عليَّ، وأبوءُ بذنبِي، فاغْفِرْ لي، إنه لا يغفِرُ الذُّنُوبَ إلا أنْتَ" (^٣). الاعترافُ يمحو الاقترافَ، كما قيل:
فإنَّ اعْتِرَافَ المرءِ يَمْحُو اقتِرَافَهُ … كما أن إنْكارَ الذُّنُوب ذُنُوبُ
لمّا أُهْبطَ (^٤) آدمُ من الجنةِ بكَى على تلك المعاهد - فيما يُرْوَى - ثلاثمائة عام، وحُقَّ لهَ ذلك. كان في دَارٍ لا يجوعُ فيها ولا يَعْرَى، ولا يَظمأ فيها ولا يَضْحَى (^٥)، فلمَّا نزَلَ إلى الأرضِ أصابَهُ ذلك كلُّه، فكان إذا رأى جبريلَ ﵇ يتذكَّرُ برؤيته تلك المعاهِدَ، فيشتدُّ بكاؤه حتى يبكيَ جبريلُ ﵇ لبكائِه، ويقولُ له: ما هذا البكاءُ يا آدمُ؟ فيقولُ: وكيفَ لا أبكي وقد أُخْرِجْتُ من دارِ النعمةِ إلى دار البؤسِ. فقال له بعضُ ولدِهِ: لقد آذيْتَ أهلَ الأرضِ ببكائكَ، فقال: إنما أبكي على أصواتِ الملائكةِ حولَ العرش. وفي رواية، قال: إنما أبكي على جِوار ربِّي في دارٍ تربتُها
_________________
(١) جزء من دعاء الاستفتاح، أخرجه مسلم رقم (٧٧١) (٢٠١) في صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه؛ والترمذي رقم (٣٤١٧) و(٣٤١٨) و(٣٤١٩) في الدعوات، باب دعاء في أول الصلاة؛ وأبو داود رقم (٧٦٠) في الصلاة، باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء.
(٢) أخرجه البخاري ٢/ ٣١٧ في الأذان، باب الدعاء قبل السلام، ومسلم (٢٧٠٥) (٤٨) في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب خفض الصوت بالذكر.
(٣) أخرجه البخاري ١١/ ٩٧ في الدعوات، باب أفضل الاستغفار، و١١/ ١٣٠ باب ما يقول إذا أصبح؛ والترمذي رقم (٣٣٩٠) في الدعوات، باب رقم (١٥)؛ والنسائي ٨/ ٢٧٩ في الاستعاذة، باب الاستعاذة من شر ما صنع.
(٤) في ش، ع: "هبط".
(٥) من قوله تعالى في سورة طه الآية ١١٨ و١١٩: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾. لا تضحى: أي لا يصيبك حرُّ الشمس.
[ ١١٦ ]
طيبةٌ، أسمَعُ فيها أصواتَ الملائكةِ. وفي رواية، قال: أبكي على دارٍ لو رأيتَها لزَهقَتْ نفسُكَ شوقًا إليها.
ورُوي أنه قال لولده: كُنا نَسْلًا مِن نَسْلِ السَّماءِ، خُلِقْنا كخلقِهم، وغُذِّينا بغذائهم، فسبَانا عدوُّنا إبليسُ؛ فليس لنا فرحٌ ولا راحة إلا الهَمُّ والعَنَاءُ حتى نُرَدَّ إلى الدَّارِ التي أُخْرِجْنَا منها.
فحيَّ على جَنَّاتِ عَدْنٍ فإنَّها … منازِلُكَ الأولى وفيها المُخَيم
ولكِننا سَبْيُ العَدُوِّ فهلْ تُرى … نَعُودُ إلى أوطانِنا ونُسَلِمُ
لمَّا التقى آدمُ وموسى ﵉ عاتَبَه (^١) موسى على إخراجه نفسَهُ وذريّتَه من الجنة، فاحتجَّ آدمُ بالقدَرِ السابِقِ (^٢). والاحتجاج بالقَدرِ على المصائب حَسَن، كما قال النبي - ﷺ -: "إنْ أصابَكَ شيء فلا تَقُلْ لو أني فعلْتُ كذا كان كذا (^٣)، ولكن قُلْ قَدَّرَ الله وما شاءَ فَعَلَ" (^٤)، [كما قيل] (^٥):
واللهِ لولا سابِقُ الأقدارِ … لم تبعُدْ قَط دارُكُمْ عن دارِي
مِن قَبْل النأي جرية المقدار (^٦) … هل يمحو العبدُ ما قَضَاهُ البارِي
لمَّا ظهرَتْ فضائلُ آدمَ ﵇ على الخلائق بسجود الملائكة له، وبتعليمه أسماء كل شيءٍ وإخبارِه الملائكةَ بها، وهم يَستمِعُون له كاستماع المتعلّم من معلِّمِه،
_________________
(١) في ب، ط: "عاتب موسى آدم على إخراجه".
(٢) روى البخاري، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، قال: "حاج موسى آم، فقال له: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم؟ قال آدم: يا موسى! أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه؟ أتلومني على أمر كتبه الله عليَّ قبل أن يخلقني، أو قدره الله عليَّ قبل أن يخلقني؟ قال رسول الله - ﷺ -: فحجَّ آدم موسى".
(٣) قوله: "كان كذا" زيادة من (ط)، وفي صحيح مسلم: "لو أني فعلت كان كذا وكذا".
(٤) قطعة من حديث أخرجه مسلم (٢٦٦٤) (٣٤) في القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز، من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "المؤمن القوي خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف؛ وفي كل خير. احْرصْ على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجزْ، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلْتُ كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فَعَل، فإنَّ "لو" تفتح عمل الشيطان".
(٥) زيادة من آ، ع.
(٦) في آ: "جراية الأقدار"، وفي ع: "جرية الأقدار"، والمثبت من ب، ط.
[ ١١٧ ]
حتى أقرُّوا بالعَجزِ عن علمه، وأقرُّوا له بالفضلِ، وأسْكِنَ هو وزوجتُه الجنةَ، ظَهَرَ الحسَدُ من إبليسَ وسَعَى في الأذى، وما زالتِ الفضائلُ إذا ظهرَتْ تُحْسَدُ، كما قيل:
لا ماتَ حُسَّادُكَ بَلْ خُلِّدُوا … حتى يَروْا منكَ الذي يُكْمِدُ
لا زلْتَ محسُودًا على نِعْمةٍ … فإنَّما الكاملُ مَن يُحْسَدُ
فما زالَ يحتالُ على آدمَ حتى تسبَّب في إخراجه من الجنةِ، وما فهِمَ الأبلَهُ أن آدمَ إذا خرجَ منها كَمُلَتْ فضائلُه، ثم عاد إلى الجنَّةِ على أكملِ مِن حالِه الأوَّلِ. إنما أهلَكَ إبليسَ العُجْبُ بنفسِه، ولذلك قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ (^١). وإنما كَمُلَتْ فضائلُ آدم باعترافهِ على نفسه ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ (^٢). كان إبليس كلَّما أوقَدَ نار الحسدِ لآدم فاح بها ريحُ طِيبِ آدم واحترَقَ إبليسُ.
وإذا أراد الله نشْر فضيلةٍ … طُوِيتْ أتاحَ لها لسان حَسُود
لولا اشْتعالُ النَّارِ فيما جَاوَزتْ … ما كان يُعْرَفُ طيبُ عَرْفِ العُودِ (^٣)
قال بعضُ السَّلفِ: آدمُ أُخرِج من الجنةِ بذنْبٍ واحدٍ، وأنتُم تعملُون الذنوب وتُكثِرون منها، وتُرِيدون أن تدخلوا بها الجنة! [كما قيل] (^٤):
تَصِلُ الذنوت إلى الذنوب وتَرْتَجي … درجُ الجنان بها وفوز العابِد
ونسِيت أن الله أخرجَ آدمًا … منها إلى الدُّنيا بذنْبٍ واحد
[وقال:
بِفرْدِ خطيئةٍ وبفرْدِ ذَنْبٍ … من الجنَّاتِ (^٥) أُخْرِجَتِ البَرايا
فقلْ لي كيف ترجو في دخولٍ … إليها بالألوف من الخطايا] (^٦)
_________________
(١) سورة الأعراف الآية ١٢.
(٢) سورة الأعراف الآية ٢٣.
(٣) في آ، ب، ع: "فيما حاولت". والبيتان لأبي تمام في ديوانه بشرح التبريزي ١/ ٣٩٧ من قصيدة يمدح بها أحمد بن أبي دواد، ومطلعها: أرأيت أي سَوَالفٍ وخدُودِ … عَنَّتْ لنا بين اللوى فَزرود
(٤) زيادة من (أ).
(٥) في الأصل: "الجنان".
(٦) زيادة من (آ).
[ ١١٨ ]
احذرُوا هذا العدوَّ الذي أخرج أباكم من الجنة؛ فإنَّه ساعٍ في منعكم من العود إليها بكل سبيلٍ، والعداوةُ بينَكم وبينَهُ قديمة؛ فإنه ما أُخرجَ مِن الجنة وطُرِدَ عن الخِدمَةِ إلا بسبب تكبُّرِه على أبيكم وامتناعِهِ من السجود له لمَّا أُمِرَ به. وقد أُبلِسَ (^١) من الرَّحمة وأيِسَ من العَوْدِ إلى الجنةِ، وتحقَّقَ خلودهُ في النارِ، فهو يجتهِدُ على أن يُخلِّدَ معه في النار بني آدمَ؛ بتحسينِ الشركِ؛ فإن عجِزَ قنعَ بما دونَه مِن الفُسُوقِ والعصيانِ، وقد حذَّرَكم مولاكم منه، وقد أُعذرَ مَن أنذر، فخذوا حِذرَكم ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ (^٢).
العَجبُ مِمن عَرَفَ ربَّه ثم عصاهُ، وعَرَفَ الشيطان ثم أطاعه، ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ (^٣).
رَعَى اللهُ مَنْ نَهْوَى وإنْ كان مَا رعَى … حَفِظْنا لَهُ العَهْدَ القَدِيمَ فَضَيَّعا
وصاحَبْتَ قومًا كُنْتُ أنهاكَ عنهُمُ … وَحَقِكَ ما أبقيْتَ للصلحِ مَوْضِعا
لمَّا أُهبِطَ آدمُ إلى الأرض وُعِدَ العودَ إلى الجنةِ هو ومَن آمن مِن ذريَّتِه واتبعَ الرُّسُلَ ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥)﴾ (^٤). فليُبَشَّر المؤمنونَ بالجنةِ، هي إقْطَاعُهم، وقد وصل مَنْشُورُ الإقْطَاعِ مَعَ جبريلَ إلى محمد - ﷺ - ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (^٥).
إنما خرَجَ الإقطاعُ عمَّن خرَجَ عن الطاعةِ، فأما مَنْ تابَ وآمَنَ فالإقطاعُ مردودٌ عليه. المؤمنون في دارِ الدنيا في سَفَرِ جِهادٍ، يجاهِدُون فيه النفوسَ والهوَى، فإذا انقضَى سَفَرُ الجِهادِ عادُوا إلى وطنهم الأوَّلِ الذي كانوا فيه في صُلْبِ أبيهم (^٦). تكفَّلَ الله للمجاهدِ في سبيله أنْ يردَّه إلى وطنِه بما نالَ من أجرٍ أو غنيمةٍ.
_________________
(١) أبلس من رحمة الله: أي يئس، ومنه سمي إبليس.
(٢) سورة الأعراف الآية ٢٧.
(٣) سورة الكهف الآية ٥٠.
(٤) سورة الأعراف الآية ٣٥.
(٥) سورة البقرة الآية ٢٥.
(٦) في ب، ط: "في صلب آدم".
[ ١١٩ ]
وصلتْ إليكم مَعْشَرَ الأمَّةِ رسالة من أبيكُم إبراهيمَ مع نبيِّكم محمد ﵉، قال رسولُ الله - ﷺ -: "رأيتُ ليلةَ أسري بي (^١) إبراهيمَ، فقال: يا محمد، أقرئ أمَّتَك مني السَّلامَ وأخبرْهُم أن الجنةَ عَذبةُ الماءِ، طيبةُ التربةِ، وأنها قِيعانٌ، وأن غِراسَها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" (^٢).
وخرَّج النسائي، والترمذي، عن جابر ﵁، عن النبي - ﷺ - "من قال سبحانَ الله العظيم وبحمده، غُرِسَتْ له نَخْلَةٌ في الجنة" (^٣). وخرَّج ابنُ ماجه، عن أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: "مَنْ قال (^٤) سبحانَ الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، يُغرسُ لك بكل واحدةٍ شجرة في الجنة" (^٥). وخرَّجه الطبراني (^٦) من حديث ابن عباس مرفوعًا. وخرجه ابنُ أبي الدنيا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "مَن قال سبحانَ الله العظيم بني له بُرجٌ في الجنة". ورُوي موقوفًا (^٧).
وعن الحسن (^٨)، قال: الملائكةُ يعمَلُون لبنِي آدمَ في الجِنان يَغرِسُونَ وَيبْنُونَ، فربَّما أمسَكُوا، فيقالُ لهم: [ما لكم] (^٩) قد أمسكتم؟ فيقولون: حتى تأتِينا النفقات. وقال الحسن: فابعثوهم (^١٠)، بأبي أنتم وأمي على العمل (^١١). وقال بعضُ السلف:
_________________
(١) زاد في نسخة آ: "أبي إبراهيم".
(٢) أخرجه الترمذي رقم (٣٤٥٨) في الدعوات، باب رقم (٦٠)، من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، وحسنه، وهو كما قال. وأخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة" (٨٢٧).
(٣) أخرجه الترمذي رقم (٣٤٦٠) و(٣٤٦١) في الدعوات، باب رقم (٦١)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي الزبير، عن جابر. ورواه المنذري في "الترغيب والترهيب" ٢/ ٤٢٢ وقال: رواه الترمذي وحسنه، واللفظ له والنسائي، إلا أنه قال: غرست له شجرة في الجنة، وابن حبان في صحيحه، والحكم في موضعين بإسنادين (١/ ٥٠١، ٥١٢)، قال في أحدهما: على شرط مسلم، وقال في الأخرى: على شرط البخاري.
(٤) عبارة "من قال" لم ترد في آ، ش، ع. وفي سنن ابن ماجه: "قل".
(٥) رواه ابن ماجه رقم (٣٨٠٧) في الآدب، باب فضل التسبيح.
(٦) ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١٠/ ٩١، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من قال سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ غُرس له بكل واحدة منهن شجرة في الجنة". رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثوقون.
(٧) في آ، ش: "مرفوعا".
(٨) إذا أطلق الحسن، فالحسن البصري التابعي.
(٩) زيادة من نسخة (آ).
(١٠) في ع، ط وهامش ب: "فأتعبوهم".
(١١) في آ، ع: "بالعمل"، وفي ش "في العمل".
[ ١٢٠ ]
بلغني أنَّ دُورَ الجنَّةِ تُبْنَى بالذكْرِ، فإذا أُمسِكَ عن الذكْر أمسكُوا عن البناء، فيقال لهم، فيقولون: حتى تأتينا نفقة.
أرضُ الجنةِ اليومَ قِيعانٌ (^١) والأعمَالُ الصَّالِحةُ لها عُمران، بها تُبْنَى القُصُورُ وتُغْرَسُ أرضُ الجِنانِ، فإذا تكامَلَ الغراسُ والبُنيانُ انتَقَل إليه السكَّانُ. رأى بعض الصالحين في منامه قائلًا يقولُ له: قد أُمِرْنا بالفراغِ من بناءِ داركَ، واسمُها دارُ السُّرورِ، فأبْشِرْ؛ وقد أُمِرْنا بتنجيدِها وتزيينها والفراغِ منها إلى سبعةِ أيام. فلمَّا كان بعدَ سبعة أيامٍ مات، فرؤي في المنام فقال: أُدْخِلْتُ دارَ السرور [وأنا في سرور] (^٢)، فلا تسألْ عمَّا فيها. لم يُرَ مثلُ الكريم إذا حل به مطيع (^٣). رأى بعضُهم كأنَّه أُدخِلَ الجنَّةَ وعُرِضَ عليه منازلُه وأزواجُه، فلمَّا أرادَ أنْ يخرُجَ تعلَّقَ به أزواجُهُ، وقالوا له: باللهِ حَسِّنْ عملَكَ، فكلَّما حسنْتَ عملَكَ ازْدَدْنا نحنُ حُسْنًا.
العاملون اليومَ يُسْلِفُونَ رؤوسَ أموالِ الأعمالِ فيما تشتهِي الأنفُسُ وتلَذُّ الأعينُ، إلى أجل يومِ المزيدِ في سُوقِ الجنةِ، فإذا حَل الأجلُ دخلُوا السُّوقَ فحمَلُوا منه ما شاؤوا بغير نقدِ ثَمَنٍ، على قدرِ ما سَلَفَ مِن تعجيلِ رأسِ مال السلفِ، لكن بغير مكيال ولا ميزان. فيا مَن عَزَمَ أنْ يُسْلِفَ اليومَ إلى ذلك المَوسِمِ، عَجِّلْ بتقبيضِ (^٤) رأسِ المال، فإن تأخيرَ التقبيضِ يُفسِدُ العقدَ.
فللهِ وادِيها (^٥) الذِي هُوَ مَوْعدُ الـ … مزيدِ لِوَفْدِ الحُبِّ لو كنْتَ منهُمُ
فما شِئتَ خذْ مِنْهُ بلا ثَمَنٍ لَهُ … فقدْ أسْلَفَ التُّجَّارُ فيه وأَسْلَمُوا (^٦)
وفي الحديث: "إن الجنَّةَ تقولُ: يا رب! ائتني بأهلِي وبما وَعَدْتَني؛ فقد كَثُرَ حَريرِي وإسْتَبْرَقي وسُنْدُسِي ولؤلؤي ومَرجاني [وزبرجدي] (^٧) وفِضتي وذهبي وأباريقي وخَمرِي وعَسَلي ولبَنِي، فاتِني بأهلي وبما وعدتنِي".
_________________
(١) قيعان: جمع قاع، وهو المكان المستوي الواسع في وَطاءٍ من الأرض، يعلوه ماء السماء، فيمسكه ويستوي نباته، ويجمع على قيعة وقيعان.
(٢) زيادة من آ، ع.
(٣) في ب، ط: "المطيع".
(٤) في آ، ش: "بقبض".
(٥) في ب، ش، ع، ط: "فلله ذاك السوق الذي … "، والمثبت من (آ).
(٦) أدرج البيتان في المطبوع على أنهما من الكلام المنثور.
(٧) زيادة من آ، ع.
[ ١٢١ ]
وفي الحديث أيضًا: "من سأل الله الجنةَ شفعتْ له الجنةُ إلى ربِّها وقالت: اللهم أدخِلْه الجنَّةَ" (^١). وفي الحديث أيضًا: "إنَّ الجنة تُفتح في كلِّ سحرٍ، ويقالُ لها: ازدادي طيبًا لأهلِكِ، فتزدادُ طيبًا، فذلك البردُ الذي يجدُه الناسُ في السَّحَر". قلوبُ العارِفينَ تستنشِقُ أحيانًا نسيمَ الجنةِ. قال أنس بن النضر (^٢) يومَ أُحُدٍ: واهًا لريح الجَنَّةِ، والله أني لأجِدُ ريحَ الجنةِ مِن قِبَلِ أُحُدٍ، ثم تقدَّمَ فقاتَلَ حتى قُتِلَ. [كما قيل] (^٣):
تَمرُّ الصَّبا صفحًا (^٤) بِسَاكِنِ ذِي الغَضا (^٥) … ويَصْدَعُ قلبي أنْ يَهُبَّ هُبُوبُها
قَرِيبةُ عَهْدٍ بالحبيبِ وإنما … هَوَى كُل نفسٍ حيثُ (^٦) حل حَبيبُها
كم لله من لطفٍ وحكمةٍ في إهباطِ آدمَ إلى الأرض، لولا نزولُهُ لما ظَهَرَ جِهادُ المجاهدينَ واجتهادُ العابدين المجتهدين، ولا صَعِدَتْ زَفَراتُ أنفاسِ التائبين، ولا نزلَتْ قطراتُ دموعِ المذنبين. يا آدم! إن كنْتَ أُهْبِطْتَ من دار القرب ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ (^٧)، إن كان حصَلَ لك بالإخراج مِنَ الجنةِ كسرٌ، فأنا عند المُنكَسِرةِ قلوبُهُم من أجلي، إن كان فاتَكَ في السماء سماعُ زَجَلِ المُسبِّحين (^٨)، فقد تعوَّضْتَ (^٩) في الأرضِ بسماع أنينِ المذنبينَ. أنينُ المذنبين أحبُّ إلينا من زَجَلِ المسبِّحينَ. زَجَلُ المسبِّحين ربَّما يَشُوبُه الافتخارُ، وأنينُ المُذْنِبينَ يَزينُهُ الانكسارُ. "لو لم تُذْنِبُوا لَذَهَبَ الله بكم، وجاءَ بقوم يُذْنِبُونَ ثم يَسْتَغفِرُون فَيَغْفِرُ لهم" (^١٠).
_________________
(١) أخرجه الترمذي رقم (٢٥٧٥) في صفة الجنة، باب ما جاء في صفة أنهار الجنة؛ والنسائي ٨/ ٢٧٩ في الاستعاذة من حرّ النار، عن أنس بن مالك ﵁، قال: "من سأل الله الجنة ثلاثًا، قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ومن استجار من النار ثلاث مرات، قالت النار: اللهم أجره من النار".
(٢) أنس بن النضر بن ضمضم، عم أنس بن مالك خادم رسول الله - ﷺ -، قتل يوم أحد. (انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٨٣، ١٢٤ والاشتقاق ص ٤٥٢).
(٣) زيادة من نسخة (آ).
(٤) في ب، ط: "صُبْحًا".
(٥) الغضا: شجر من الأثل، خشبه من أصلب الخشب. وأهل النضا: أهل نجد، لكثرته هنالك.
(٦) في ب، ع، ط: "أين".
(٧) سورة البقرة الآية ١٨٦.
(٨) زجل المسبِّحين: يعني أصوات الملائكة في تسبيحهم.
(٩) في آ، ش: "تعرضت".
(١٠) رواه مسلم رقم (٢٧٤٩) (١١) في التوبة، باب سقوط الذنوب بالاستغفار.
[ ١٢٢ ]
سبحان مَن إذا لطفَ بعبده في المِحن قلبَها مِنحًا، وإذا خذَلَ عبدًا لم ينفعْهُ كثرَةُ اجتهادِه، وعادَ عليه وبَالَا. لُقِّنَ آدمُ حجَّتَه وأُلقِي إليه ما تُتقبَّلُ به توبتُه، ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ (^١).
وطُردَ إبليسُ بعد طولِ خدمتِه فصارَ عملُه هباءً منثورًا، ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (^٢). إذا وضَعَ عَدْلَهُ على عَبْدٍ لم تَبْقَ له حَسَنَةٌ، وإذا بَسَطَ فضلَه على عبدٍ لم تَبْقَ له سيئَةٌ.
يُعْطِي ويمْنَعُ من يشاء (^٣) كما يَشَا … وهِباتُهُ لَيْسَتْ تُقارِنُها الرُّشا (^٤)
لمَّا ظهرَ فضلُ آدمَ على الخلائقِ بالعلمِ، وكان العِلْمُ لا يكمُلُ بدون العمَلِ بمقتضاه، والجنَّةُ ليسَتْ دارَ عمل ومجاهدةٍ، وإنما هي دارُ نعيمٍ ومشاهدةٍ، قيل له: يا آدمُ! اهبِطْ إلى رباطِ الجهادِ، وصابِرْ جُنودَ الهَوَى بالجِدِّ والاجتهاد، واذْرِ (^٥) دُمُوعَ الأسَفِ على البِعَادِ، فكأنكَ بالعيشِ الماضي وقد عادَ على أكملِ من ذلك الوجه المعتاد، [كما قيل] (^٦):
عُودُوا إلى الوَصْلِ عُودُوا … فالهجْرُ صَعْبٌ شَدِيدُ
لو ذاقَ طَعْمَ الفِراقِ رَضْوَى (^٧) … لَكَادَ مِنْ وَجْدِهِ يَمِيدُ
قَدْ حَمَّلُوني عَذَابَ شوقٍ … يَعجِزُ عن حَمْلِهِ الحَدِيدُ
قُلْتُ وقلبي أسيرُ وَجْدٍ … متَيَّمٌ في الجَفَا عَمِيدُ (^٨)
أنتُم لنا في الهَوَى مَوالٍ … ونحنُ في أسرِكُم عَبيدُ (^٩)
* * *
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٣٧.
(٢) سورة الحجر الآيتان ٣٤ و٣٥.
(٣) في آ: ا يشاء".
(٤) الرُّشا، بضم الراء وكسرها: جمع رشوة، وهو ما يعطى لقضاء مصلحة.
(٥) أذرت العينُ دمعها: أسألته.
(٦) زيادة من نسخة (آ).
(٧) رَضْوَى: جبل بالمدينة. ورضْوَى: اسم جبل بعينه.
(٨) العميد: الشديد الحزن. وقلبٌ عميد: هدَّه العِشق وكسره.
(٩) المَوالي: أراد بها هنا المالكين، وضدها العبيد.
[ ١٢٣ ]