• وهذا الحديثُ صريحٌ في أن أفضلَ ما تُطُوِّعَ بهِ مِن الصِّيامِ بعدَ رمضانَ صومُ شهرِ اللهِ المحرَّمِ.
وقد يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ أنَّهُ أفضلُ شهرٍ تُطُوِّعَ بصيامِهِ كاملًا بعدَ رمضانَ. فأمَّا بعضُ التَّطوُّعِ ببعضِ شهرٍ؛ فقد يَكونُ أفضلَ مِن بعضِ أيَّامِهِ: كصيامِ يومِ عرفةَ، أو عشرِ ذي الحجَّةِ، أو ستةِ أيَّامٍ مِن شوَّالٍ … ونحوِ ذلكَ.
ويَشْهَدُ لهذا ما خَرَّجَهُ [الإمامُ أحْمَدُ و] التِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ عَلِيٍّ؛ أن رجلًا أتى
_________________
(١) (١٣ - الصيام، ٢٨ - صوم المحرم، ٢/ ٨٢١/ ١١٦٣).
[ ٨٥ ]
النَّبيَّ - ﷺ -، فقالَ: يا رسولَ اللهِ! أخْبِرْني بشهرٍ أصومُهُ بعدَ شهرِ رمضانَ. فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "إنْ كُنْتَ صائمًا شهرًا بعدَ رمضانَ، فصُمِ المُحَرَّمَ؛ فإنَّهُ شهرُ اللهِ، وفيهِ يومٌ تابَ اللهُ فيهِ على قومٍ ويَتوبُ على آخرينَ" (^١). وفي إسنادِهِ مقالٌ.
ولكنْ يُقالُ: إنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كانَ يَصومُ شهرَ شَعْبانَ، ولم يُنْقَلْ [عنهُ] أنَّهُ كانَ يَصومُ المُحَرَّمَ، إنَّما كانَ يَصومُ عاشوراءَ، وقولُهُ في آخرِ سنةٍ "لئنْ عِشْتُ إلى قابلٍ لأصومَنَّ التَّاسعَ" يَدُلُّ على أنَّهُ كانَ لا يَصومُ التَّاسعَ قبلَ ذلكَ.
وقد أجابَ النَّاسُ عن هذا السُّؤالِ بأجوبةٍ فيها ضعفٌ. والذي ظَهَرَ لي - واللهُ أعلمُ - أن التَّطوُّعَ بالصِّيامِ نوعانِ:
أحدُهُما: التَّطوُّعُ المطلقُ بالصَّومِ، فهذا أفضلُهُ المُحَرَّمُ، كما أن أفضلَ التَّطوُّعِ المطلقِ بالصَّلاةِ قيامُ الليلِ.
والثَّاني: ما صيامُهُ تبعٌ لصيامِ رمضانَ قبلَهُ وبعدَهُ، فهذا ليسَ مِن التَّطوُّعِ المطلَقِ، بل صيامُهُ تَبَعٌ لصيامِ رمضانَ، وهوَ ملتحقٌ بصيامِ رمضانَ. ولهذا قيلَ: إنَّ صيامَ ستَّةِ أيَّامٍ مِن شهرِ شوَّالٍ يَلْتَحِقُ بصيامِ رمضانَ ويُكْتَبُ بذلكَ لمَن صامَها معَ رمضانَ صيامُ الدَّهرِ فَرَضًا. وقد رُوِيَ أن أُسامَةَ بنَ زَيْدٍ كانَ يَصومُ الأشهرَ الحرمَ، فأمَرَهُ النَّبيُّ - ﷺ - بصيامِ شوَّالٍ، فتَرَكَ الأشهرَ الحرمَ وصامَ شوَّالًا. وسَنَذْكُرُ ذلك في موضعِهِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى (^٢). فهذا النَّوعُ مِن الصِّيامِ يَلْتَحِقُ برمضانَ، وصيامُهُ أفضلُ التَّطوُّعِ مطلقًا.
فامَّا التَّطوُّعُ المطلقُ؛ فأفضلُهُ صيامُ الأشهرِ الحرمِ، وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّهُ أمَرَ
_________________
(١) (ضعيف). رواه: ابن أبي شيبة (٩٢٢٣)، وأحمد (١/ ١٥٤)، والدارمي (٢/ ٢١)، والترمذي (٦ - الصوم، ٤٠ - صوم المحرم، ٣/ ١١٧/ ٧٤١)، وعبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (١/ ١٥٥)، والبزّار (٦٩٩)، وأبو يعلى (٢٦٧ و٤٢٦ و٤٢٧)، وابن عديّ في "الكامل" (٤/ ١٦١٤)، والبيهقي في "الشعب" (٣٧٧٥) و"الفضائل" (٢٧٧)، والأصبهاني في "الترغيب" (١٨٥٢)؛ من طرق، عن عبد الرحمن بن إسحاق أبي شيبة الواسطي، عن النعمان بن سعد، عن علي … رفعه. قال الترمذي: "حسن غريب". وقال المنذري: "من رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي". وهذا منه تعليل للحديث. وقال ابن رجب: "في إسناده مقال". وضعّفه الألباني. قلت: عبد الرحمن ضعيف منكر الحديث عن النعمان، والنعمان مجهول، فالسند أقرب إلى الضعف الشديد.
(٢) انظر تفصيل القول في صومه - ﷺ - في شعبان (ص ٢٩٣) وفي حديث أسامة (ص ٤٩١ - ٤٩٢).
[ ٨٦ ]
رجلًا أنْ يَصومَ الأشهرَ الحرمَ، وسنَذْكُرُهُ في موضع آخرَ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى (^١).
وأفضلُ صيامِ الأشهرِ الحرمِ صيامُ شهرِ اللهِ المحرَّمِ، ويَشْهَدُ لهذا أنَّهُ - ﷺ - قالَ في هذا الحديثِ: "وأفضلُ الصَّلاةِ بعدَ المكتوبةِ قيامُ الليلِ". ومرادُهُ بعدَ المكتوبةِ ولواحقِها مِن سننِها الرَّواتبِ؛ فإنَّ الرَّواتبَ قبلَ الفرائضِ وبعدَها أفضلُ مِن قيامِ الليلِ عندَ جمهورِ العلماءِ؛ لالتحاقِها بالفرائضِ. وإنَّما خالَفَ في ذلكَ بعضُ الشَّافعيَّةِ (^٢). فكذلكَ الصِّيامُ قبلَ رمضانَ وبعدَهُ ملتحقٌ برمضانَ، وصيامُهُ أفضلُ مِن صيامِ الأشهرِ الحرمِ (^٣)، وأفضلُ التَّطوُّعِ المطلقِ بالصِّيامِ صيامُ المحرَّمِ.
• وقدِ اخْتَلَفَ العلماءُ في أيِّ الأشهرِ الحرمِ أفضلُ:
فقالَ الحَسَنُ وغيرُهُ: أفضلُها شهرُ اللهِ المحرَّمُ. ورَجَّحَهُ طائفةٌ مِن المتأخِّرينَ.
ورَوى: وَهْبُ بنُ جَريرٍ، عن قُرَّةَ بن خالِدٍ، عن الحَسَنِ؛ قالَ: إنَّ الله افْتَتَحَ السَّنةَ بشهرٍ حرامٍ وخَتَمَها بشهرٍ حرامٍ، فليسَ شهرٌ في السَّنةِ بعدَ شهرِ رمضانَ أعظمَ عندَ اللهِ مِن المحرَّمِ، وكانَ يُسَمَّى شهرَ اللهِ الأصمَّ من شدَّةِ تحريمِهِ.
وقد رُوِيَ عنهُ مرفوعًا مرسلًا: قالَ آدَمُ بنُ أبي إياسٍ: حَدَّثَنا أبو هِلالٍ الرَّاسِبِيُّ، عن الحَسَنِ؛ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "أفضلُ الصَّلاةِ بعدَ المكتوبةِ الصَّلاةُ في جوفِ الليلِ الأوسطِ، وأفضلُ الشُّهورِ بعدَ شهرِ رمضانَ المحرَّمُ، وهوَ شهرُ اللهِ الأصمُّ" (^٤).
وخَرَّجَ النَّسائِيُّ مِن حديثِ أبي ذَرٍّ؛ قالَ: سَألْتُ النَّبيَّ - ﷺ -: أيُّ الليلِ خيرٌ، وأيُّ
_________________
(١) فانظره (ص ٥٥٩) مع بيان ضعفه. ثمّ اعلم أنّ فكرة أنّ الصيام قبل رمضان وبعده ملتحق برمضان مستمدة من مجموعة من النصوص سيأتيك (ص ٣٠٧ و٣٠٨) بيان ضعفها. وأولى منها أن يقال: التطوّع بالصوم نوعان: تطوع مطلق، فهذا أفضله صوم المحرّم للنصّ المتقدّم. وتطوع ورد في فضله نصّ مخصوص كصيام عرفة وستّ من شوّال، فهذا أفضل من التطوّع المطلق. فلو صام المرء ستًّا من شوال؛ كانت أفضل من صوم ستّ من المحرم، ولكنّ صيام يوم آخر من شوّال بعد الستّة ليس بأفضل من صيام يوم من المحرّم.
(٢) ومعهم ظاهر النصّ؛ لأن قوله - ﷺ - "بعد المكتوبة" يشمل الرواتب وغيرها. والله أعلم.
(٣) انظر ما تقدم قبل حاشية.
(٤) (ضعيف). فيه علل ثلاث: أولاها: أن الراسبيّ ليّن لا يعدو أن يكون صالحًا في المتابعات. والثانية: أنه مرسل. والثالثة: أنّه تفرّد بزيادتين عن المتون الأخرى الصحيحة في الباب: إحداهما لفظة "الأوسط" المخالفة للروايات الصحيحة في فضل جوف الليل الآخر. والثانية: أنّه شهر الله الأصمّ.
[ ٨٧ ]
الأشهرِ أفضلُ؟ فقالَ: "خيرُ الليلِ جوفُهُ، وأفضلُ الأشهرِ شهرُ اللهِ الذي تَدْعونَهُ المُحَرَّمَ" (^١). وإطلاقُهُ في هذا الحديثِ "أفضلَ الأشهرِ" محمولٌ على ما بعدَ رمضانَ، كما في روايةِ الحَسَنِ المرسلةِ.
وقالَ سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ وغيرُهُ: أفضلُ الأشهرِ الحرمِ ذو الحِجَّةِ.
بل قد قيلَ: إنَّهُ أفضلُ الأشهرِ مطلقًا، وسَنَذْكُرُهُ في موضعِهِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
وزَعَمَ بعضُ الشَّافِعِيَّةِ أن أفضلَ الأشهرِ الحرمِ رجبٌ، وهوَ قولٌ مردودٌ.
• وأفضلُ شهرِ المحرَّمِ عشرُهُ الأوَّلُ (^٢).
وقد زَعَمَ يَمانُ بنُ رِئابٍ أنَّهُ العشرُ الذي أقْسَمَ اللهُ بهِ في كتابِهِ، ولكنَّ الصَّحيحَ أن العشرَ المقسَمَ بهِ عشرُ ذي الحِجَّةِ، كما سَيَأْتي في موضعِهِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
وقالَ أبو عُثْمانَ النَّهْدِيُ: كانوا يُعَظِّمونَ ثلاثَ عشراتٍ: العشرَ الأخيرَ مِن رمضانَ، والعشرَ الأوَّلَ مِن ذي الحِجَّةِ، والعشرَ الأوَّلَ مِن المُحَرَّمِ.
وقد وَقَعَ هذا في بعضِ نسخِ كتابِ "فضائل العشر" لابنِ أبي الدُّنْيا: عن أبي عُثْمانَ، عن أبي ذَرٍّ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -؛ أنَّهُ كانَ يُعَظِّمُ هذهِ العشراتِ الثَّلاثَ (^٣). وليسَ ذلكَ
_________________
(١) (صحيح بشواهده). يرويه حميد بن عبد الرحمن واختلف عليه فيه على وجوه ثلاثة: روى أولها: البخاري في "التاريخ" (٢/ ٤٦) من طريق قوية، عنه … مرسلًا. وروى الثاني: البخاري في "التاريخ" (٢/ ٤٥)، والنسائي في "الكبرى" (٤٢١٦) و"المجتبى" (٢٠ - قيام الليل، ٦ - فضل صلاة الليل، ٣/ ٢٠٧ / ١٦١٣)، والمزّي في "التحفة" (١١٩٠٢) معلّقًا؛ من طريق قوية، عن داوود بن عبد الله الأودي، عن حميد، عن أهبان ابن امرأة أبي ذرّ، عن أبي ذرّ … رفعه. وأهبان مجهول أو شبهه. وروى الثالث: ابن أبي شيبة (٩٢٢٦)، وإسحاق (١/ ٢٩٩/ ٢٧٧)، وأحمد (٢/ ٣٠٣ و٣٢٩)، ومسلم (١١٦٣)، وابن ماجه (١٧٤٢)، وأبو داوود (٢٤٢٩)، والترمذي (٤٣٨ و٧٤٠)، والنسائي (٣/ ٢٠٧/ ١٦١٢)، وأبو يعلى (٦٣٩٢ و٦٣٩٥)، وابن حبّان (٣٦٣٦)، وابن خزيمة (١١٣٤ و٢٠٧٦)، والحاكم (١/ ٣٠٧)، والبيهقي (٤/ ٢٩٠ و٢٩١)، والبغوي (٩٢٣ و١٧٨٨)؛ من طريقين قويّتين، عن حميد، عن أبي هريرة … رفعه. وحميد تابعي ثقة فقيه لا يعرف بتدليس، فمن المرجح أنّه سمع هذا المتن من أبي هريرة مرة ومن أهبان مرّة وكان يرسله أحيانًا اختصارًا، فهاهنا إذًا حديثان؛ حديث أبي هريرة وحديث أبي ذرّ، فحديث أبي هريرة صحيح رواه مسلم، وحديث أبي ذر ضعيف لجهالة أهبان يتقوّى بحديث أبي هريرة.
(٢) كذا قال يرحمه الله، ثمّ استدلّ له بجملة من الواهيات والموقوفات والإسرائيليات التي لا تقوم بها حجّة. وإذ لا حجة هنا؛ فالأصل أن أيّام المحرّم سواء؛ إلّا التاسع والعاشر والحادي عشر لما صحّ فيها.
(٣) (ليس بمحفوظ). كتاب ابن أبي الدنيا هذا غير مطبوع فيما أعلم، والحديث موجود في "بعض =
[ ٨٨ ]
بمحفوظٍ.
وقد قيلَ: إنَّهُ العشرُ الذي أتَمَّ اللهُ بهِ ميقاتَ موسى ﵇ أربعينَ ليلةً، وإنَّ التَّكليمَ وَقَعَ في عاشرِهِ.
ورُوِيَ عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ؛ قالَ: أوْحى اللهُ إلى موسى ﵇: أنْ مُرْ قومَكَ أنْ يَتقَرَّبوا إليَّ في أوَّلِ عشرِ المحرَّمِ، فإذا كانَ يومُ العاشرِ؛ فلْيَخْرُجوا إليَّ أغْفِرْ لهُم.
وعن قَتادَةَ: أن الفجرَ الذي أقْسَمَ اللهُ بهِ في أوَّلِ سورةِ الفجرِ هوَ فجرُ أوَّلِ يوم مِن المحرَّمِ، تَنْفَجِرُ منهُ السَّنةُ (^١).
ولمَّا كانَتِ الأشهرُ الحرمُ أفضلَ الأشهرِ بعدَ رمضانَ أو مطلقًا (^٢)، وكانَ صيامُها كلِّها مندوبًا إليهِ كما أمَرَ بهِ النَّبيُّ - ﷺ - (^٣)، وكانَ بعضُها ختامَ السَّنةِ الهلاليَّةِ وبعضُها مفتاحًا لها، فمَن صامَ ذا الحِجَّةِ سوى الأيَّامِ المحرَّم صيامُها منهُ وصامَ المحرَّمَ، فقد خَتَمَ السَّنةَ بالطَّاعةِ وافْتَتَحَها بالطَّاعةِ، فيُرْجى أنْ تُكْتَبَ لهُ سنتُهُ كلُّها طاعةً؛ فإنَّ مَن كانَ أوَّلُ عملِهِ طاعةً وآخرُهُ طاعةً؛ فهوَ في حكمِ مَنِ اسْتَغْرَقَ بالطَّاعةِ ما بينَ العملينِ.
وفي حديثٍ مرفوع: "ما مِن حافظينِ يَرْفَعانِ إلى اللهِ صحيفةً، فيَرى في أوَّلِها وفي آخرِها خيرًا؛ إلَّا قالَ اللهُ للملائكةِ: أُشْهِدُكُمْ أنِّي قد غَفَرْتُ لعبدي ما بينَ طرفيها" (^٤).
_________________
(١) = نسخه" لا فيها جميعًا، وقد رواه موقوفًا ابن نصر في "الصلاة"، فحسبي فيه قول من أورده.
(٢) في خ: "تنفجر فيه السنة"، وأثبتّ ما في م وط.
(٣) لا بدّ في هذا من سند صحيح إلى من يتعين المصير إلى قوله! وهيهات!!
(٤) يشير إلى حديث مجيبة الباهليّة الذي سيأتيك تفصيل القول فيه (ص ٥٥٩)، وفي كلامه هذا نظر من وجهين: أولهما: أنّ المحفوظ في حديث مجيبة "صم من الحرم واترك" لا صيام الحرم كلّها. والثاني: أنّ الحديث ضعيف لا ينبغي أن يستند إليه.
(٥) (ضعيف جدًّا). رواه: الترمذي (٨ - الجنائز، ٩ - باب، ٣/ ٣١٠/ ٩٨١)، والبزّار (الانفطار ١٢ - ابن كثير، ١٠/ ٢١١ - مجمع)، وأبو يعلى (٢٧٧٥)، وابن حبان في "المجروحين" (١/ ٢٠٤)، وابن عدي (٢/ ٥١٣)، والمخلّص في "الفوائد"، والبيهقي في "الشعب" (٢٨٢١ و٧٠٥٣)، والأصبهاني في "الترغيب" (١٩٤٤)، وابن الجوزي في "الواهيات" (٢٨ و١٣٢٠)، وابن عساكر (١١/ ٤٥ - ٤٦)، والرافعي في "التدوين" (٢/ ٣٢٣، ٣/ ١١٥)؛ من طريق تمّام بن نجيح، عن الحسن، عن أنس … رفعه. قال ابن عديّ: "لا أعلم يرويه عن الحسن غير تمّام، وتمّام غير ثقة". وقال الهيثمي: "فيه تمّام بن نجيح، وثقه ابن معين وغيره وضعّفه البخاري وغيره". قلت: خلاصة حاله الضعف ونكارة الحديث. والحسن عنعن علي تدليسه.
[ ٨٩ ]
خَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ وغيرُهُ (^١)، وهوَ موجودٌ في بعضِ نسخِ كتابِ التِّرْمِذِيِّ.
وفي حديثٍ آخرَ مرفوعٍ: "ابنَ آدَمَ! اذْكُرْني مِن أوَّلِ النَّهارِ ساعةً ومِن آخرِ النَّهارِ ساعةً؛ أغْفِرْ لكَ ما بينَ ذلكَ؛ إلَّا الكبائرَ أو تَتوبَ منها" (^٢).
وقالَ ابنُ المُبارَكِ: مَن خَتَمَ نهارَهُ بذكرِ [اللهِ]؛ كُتِبَ نهارُهُ كلُّهُ ذكرًا. يُشيرُ إلى أن الأعمالَ بالخواتيمِ، فإذا كانَ البداءةُ والختامُ ذكرًا؛ فهوَ أولى أنْ يَكونَ حكمُ الذِّكرِ شاملًا للجميعِ.
ويَتَعَيَّن استفتاحُ العامِ بتوبةٍ نصوحٍ تَمْحو ما سَلَفَ مِن الذُّنوبِ السَّالفةِ [في الأيَّامِ] الخاليةِ:
قَطَعْتَ شُهورَ العامِ لَهْوًا وَغَفْلَةً … وَلَمْ تَحْتَرِمْ فيما أتَيْتَ المُحَرَّما
فَلا رَجَبًا وافَيْتَ فيهِ بِحَقِّهِ … وَلا صُمْتَ شَهْرَ الصَّوْمِ صَوْمًا مُتَمَّما
وَلا في ليالي عَشْرِ ذي الحِجَّةِ الذي … مَضى كُنْتَ قَوَّامًا وَلا كُنْتَ مُحْرِما
فَهَلْ لَكَ أنْ تَمْحُو الذُّنوبَ بِعَبْرَةٍ … وَتَبْكي عَلَيْها حَسْرَةً وَتندُّما
وَتَسْتَقْبِلَ العامَ الجَديدَ بتَوْبَةٍ … لَعَلَّكَ أنْ تَمْحُو بِها ما تَقَدَّما
وقد سَمَّى النَّبيُّ - ﷺ - المُحَرَّمَ شهرَ اللهِ (^٣)، وإضافتُهُ إلى اللهِ تَدُلُّ على شرفِهِ وفضلِهِ؛ فإنَّه تَعالى لا يُضيفُ إليهِ إلَّا خواصَّ مخلوقاتِهِ، كما نَسَبَ مُحَمَّدًا وإبْراهيمَ وإسْحاقَ ويَعْقوبَ وغيرَهُم مِن الأنبياءِ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِم إلى عبوديَّتِهِ ونَسَبَ إليهِ بيتَهُ وناقتَهُ (^٤).
_________________
(١) = وله شاهد من حديث أبي هريرة عند البيهقي في "الشعب" (٧٠٥٢)، لكن فيه سليمان بن سلمة الخبائري، وهو شرّ من تمام. ولذلك سكت الترمذي عن الحديث، وقال البيهقي: "فيه نظر"، وقال ابن الجوزي: "لا يصحّ"، ومال المنذري إلى إعلاله، وقال الألباني: "ضعيف جدًّا".
(٢) ولم أقف عليه عند الطبراني ولا عزاه المنذري ولا السيوطي له!
(٣) (لم أقف عليه بهذا اللفظ). وهو عند أبي نعيم في "حلية الأولياء" (٨/ ٢١٣) بنحوه من حديث أبي هريرة ﵁ بسند واهٍ.
(٤) في حديث مسلم الذي تقدّم أوّل الباب.
(٥) في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [ص: ٤٥]، وقوله: ﴿أسرى =
[ ٩٠ ]
• ولمَّا كانَ هذا الشَّهرُ مختصًّا بإضافتِهِ إلى اللهِ، وكانَ الصِّيامُ مِن بين الأعمالِ مضافًا إلى اللهِ؛ فإنَّهُ لهُ مِن بين الأعمالِ؛ ناسَبَ أنْ يُخْتَصَّ هذا الشَّهرُ المضافُ إلى اللهِ بالعملِ المضافِ إليهِ المختصِّ بهِ وهوَ الصِّيامُ.
وقد قيلَ في معنى إضافةِ هذا الشَّهرِ إلى اللهِ [إنَّهُ] (^١) إنَّهُ إشارةٌ إلى أن تحريمَهُ إلى اللهِ ﷿ ليسَ لأحدٍ تبديلُهُ كما كانَتِ الجاهليَّةُ يُحِلُّونَهُ ويُحَرِّمونَ مكانَهُ صَفَرَ، فأشارَ إلى أنَّهُ شهرُ اللهِ الذي حَرَّمَهُ فليسَ لأحدٍ مِن خلقِهِ تبديلُ ذلكَ وتغييرُهُ.
شَهْرُ الحَرامِ مُبارَكٌ مَيْمونُ … وَالصَّوْمُ فيهِ مُضاعَفٌ مَسْنونُ
وَثَوابُ صائِمِهِ لِوَجْهِ إلهِهِ … في الخُلْدِ عِنْدَ مَليكِهِ مَخْزونُ
الصِّيامُ سرٌّ بينَ العبدِ وبينَ ربِّهِ، ولهذا يَقولُ اللهُ ﷿: كلُّ عملِ ابن آدَمَ لهُ؛ إلَّا الصَّومَ؛ فإنَّهُ لي، وأنا أجْزي بهِ، إنَّهُ تَرَكَ شهوتَهُ وطعامَهُ وشرابَهُ مِن أجلي. وفي الجنَّةِ بابٌ يُقالُ لهُ الرَّيَّانُ، لا يَدْخُلُ منهُ إلَّا الصَّائمونَ، فإذا دَخَلوا؛ أُغْلِقَ فلمْ يَدْخُلْ منهُ غيرُهُم. وهوَ جُنَّةٌ للعبدِ مِن النَّارِ كجُنَّةِ أحدِكُم مِن القتالِ (^٢).
وفي "المسند": عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "مَن صامَ يومًا ابتغاءَ وجهِ اللهِ؛ بَعَّدَهُ اللهُ مِن نارِ جهنَّمَ كبعدِ غرابٍ طارَ وهوَ فرخٌ حتَّى ماتَ هَرِمًا" (^٣).
_________________
(١) = بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، وقوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقوله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ [الشمس: ١٣].
(٢) زيادة من ط.
(٣) وهذه قطع من نصوص مرفوعة سيأتي تخريجها في وظائف شهر رمضان.
(٤) (ضعيف جدًّا). رواه: أحمد (٢/ ٥٢٦)، والبزّار (١٠٣٧ - كشف)، وأبو يعلى (٩٢١)، وابن أبي حاتم في "الجرح" (٤/ ٣٠٠) و"المراسيل" (١/ ٦٦) تعليقًا، وابن قانع في "المعجم" (١/ ٢٨٠/ ٣٣١)، وابن حبان في "الثقات" (٧/ ٣٦٢) تعليقًا، والطبراني في "الكبير" (٧/ ٥٦/ ٦٣٦٥) و"الأوسط" (٣١٤٢)، والبيهقي في "الشعب" (٣٥٩٠)، وابن عبد البرّ في "الاستيعاب" (٢/ ١٣١) معلّقًا، وابن الأثير في "الغابة" (٢/ ٣٦٠)، والعلائي في "المراسيل" (٢٧٣) تعليقًا؛ من طرق، عن ابن لهيعة، ثنا زبّان بن فائد (ووقع عند أحمد: خالد بن يزيد)، عن لهيعة بن عقبة، عن عمرو بن ربيعة (ووقع عند أحمد: عن رجل سماه وعند البزّار: عن أبي الشعثاء)، عن سلمة بن قيصر، عن النبيّ - ﷺ - (ووقع عند البزّار: عن أبي هريرة عن النبيّ - ﷺ -). قال الهيثمي (٣/ ١٨٤): "فيه ابن لهيعة وفيه كلام". قلت: هذه أيسر علل الحديث وأقلّها قدحًا به؛ فقد رواه عن ابن لهيعة ابن يزيد وابن المبارك وابن وهب وروايتهم عنه مستقيمة. ولو أعله بزبّان لكان أولى؛ فإنَّه ضعيف كثير المنكرات، ومتابعة خالد بن يزيد له عند أحمد من أوهام ابن لهيعة، وقد جاء من الطريق =
[ ٩١ ]
وفيهِ: أن أبا أُمامَةَ قالَ للنَّبيِّ - ﷺ -: أوْصِني! قالَ: "عليكَ بالصَّومِ؛ فإنَّهُ لا عِدْلَ لهُ" (^١). فكانَ أبو أمامَةَ وأهلُهُ يَصومونَ، فإذا رُئِيَ في بيتِهِم دخانٌ بالنَّهارِ؛ عُلِمَ أنَّهُ قد نَزَلَ بهِم ضيفٌ.
• وممَّن سَرَدَ الصَّومَ (^٢) عُمَرُ وأبو طَلْحَةَ وعائِشَةُ وغيرُهُم مِن الصَّحابةِ وخلقٌ كثيرٌ مِن السَّلفِ.
وممَّن صامَ الأشهرَ الحرمَ كلَّها ابنُ عُمَرَ والحَسَنُ البَصْرِي وغيرُهُما (^٣).
قالَ بعضُهُم: إنَّما هوَ غداءٌ وعشاءٌ، فإنْ أخَّرْتَ غداءَكَ إلى عشائِكَ؛ أمْسَيْتَ وقد
_________________
(١) = نفسها عن غيره على الجادّة. وكذلك لو أعلّه بلهيعة بن عقبة لكان أولى؛ ففيه ضعف وجهالة. وعمرو بن ربيعة لا يعرف. وسلمة بن قيصر مثله، وحديثه عن النبيّ - ﷺ - مرسل. فالسند مظلم مسلسل بالعلل، وقد ضعّفه البخاري وأبو حاتم وأبو زرعة والذهبي والمنذري والعلائي والهيثمي والعسقلاني والألباني.
(٢) (صحيح). قطعة من حديث طويل يرويه محمّد بن عبد الله بن أبي يعقوب واختلف عليه فيه على وجهين: روى الأول: عبد الرزّاق (٧٨٩٩)، وابن أبي شيبة (٨٨٩٥)، وأحمد (٥/ ٢٤٨ و٢٥٥ و٢٥٨)، والحارث (٣٤٥ و٣٤٦ - زوائد الهيثمي)، والنسائي (٢٢ - الصيام، ٤٣ - الاختلاف على محمد بن أبي يعقوب، ٤/ ١٦٥/ ٢٢١٩)، وابن حبان (٣٤٢٥)، والروياني (١١٧٦)، والطبراني في "الكبير" (٨/ ٩١/ ٧٤٦٣ - ٧٤٦٥) و"الشاميين" (٢١١١ و٢١١٢)، وأبو نعيم في "الحلية" (٥/ ١٧٤ و١٧٥، ٦/ ٢٧٧)، والبيهقي في "الكبرى" (٤/ ٣٠١) و"الشعب" (٣٨٩٣) و"الدلائل" (٦/ ٢٣٤)؛ من طرق أربعة قويّة، عن ابن أبي يعقوب، عن رجاء بن حيوة، عن أبي أمامة … رفعه. وروى الثاني: أحمد (٥/ ٢٤٩ و٢٦٤)، والنسائي (الموضع السابق، ٢٢٢١ و٢٢٢٢)، وابن خزيمة (١٨٩٣)، وابن حبّان (٣٤٢٦)، والروياني (١١٧٥)، والحاكم (١/ ٤٢١)، وأبو نعيم في "الحلية" (٥/ ١٧٥، ٧/ ١٦٥)، والبيهقي في "الشعب" (٣٥٨٧)، والأصبهاني في "الترغيب" (١٧٢٣)؛ من طرق، عن شعبة، عن ابن أبي يعقوب، سمعت أبا نصر الهلاليّ، عن رجاء بن حيوة، عن أبي أمامة … رفعه. قال ابن حبان: "أبو نصر هذا هو حميد بن هلال. ولست أنكر أن ابن أبي يعقوب سمع هذا الخبر بطوله عن رجاء وسمع بعضه عن حميد بن هلال، فالطريقان جميعًا محفوظان". قلت: وصحيحان أيضًا. وقد صحّحه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والمنذري والذهبي والهيثمي والعسقلاني والألباني.
(٣) سرد الصوم بمعنى صوم الأيّام المتتابعة مشهور عن أولئك الأجلّة، وأمّا سرده بمعنى صوم الدهر على طريقة جهلة المتعبّدة والصوفيّة فلا.
(٤) والآثار الواردة في هذا الباب عن السلف الصالح كثيرة، وما صحّ منها فألفاظه متفاوتة، والناظر فيها بإنصاف لن يتردد في أنّهم ﵃ وأرضاهم كانوا يكثرون الصوم في الأشهر الحرم وغيرها ولا يصومونها كلّها، وهو اللائق بحرصهم على اتّباع آثار نبيّهم، خلافًا لمن جاء بعدهم ممّن يصحّ فيه قول القائل: كثير الحركة قليل البركة.
[ ٩٢ ]
كُتِبْتَ في ديوانِ الصَّائمينَ.
للصَّائمِ فرحتانِ: فرحةٌ عندَ فطرِهِ، وفرحةٌ عندَ لقاءِ ربِّهِ إذا وَجَدَ ثوابَ صيامِهِ مدخورًا.
سَمعَ بعضُهُم مناديًا يُنادي على السُّحورِ في رمضانَ: يا ما خَبَأْنا للصُّوَّامِ! فانْتبَهَ بذلكَ وسَرَدَ الصَّوم.
ورُوِيَ أن الصَّائمينَ توضَعُ لهُم مائدةٌ تحتَ العرشِ يَأكُلونَ والنَّاسُ في الحسابِ، فيَقولُ النَّاسُ: ما بالُ هؤلاءِ يأْكُلون ونحنُ نُحاسَبُ؟ فيُقالُ: كانوا يَصومونَ وأنتُم تُفْطِرونَ. ورُوِيَ أنَّهُم يُحَكَّمونَ في ثمارِ الجنَّةِ والنَاسُ في الحسابِ. رَوَى ذلكَ ابنُ أبي الدُّنْيا في "كتاب الجوع" (^١).
قالَ اللهُ ﷿: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥].
وقالَ: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]: قالَ مُجاهِدٌ وغيرُهُ: نَزَلَتْ في الصُّوَّامِ.
مَن تَرَكَ للهِ طعامَهُ وشرابَهُ وشهوتَهُ؛ عَوَّضَهُ اللهُ خيرًا مِن ذلكَ؛ طعامًا وشرابًا لا يَنْفَدُ، وأزواجًا لا تَموتُ.
وفي التَّوراةِ: طوبى لمَن جَوَّعَ نفسَهُ ليومِ الشبعِ الأكبرِ، طوبى لمَن ظَمَّأ نفسَهُ ليومِ الرِّيَ الأكبرِ، طوبى لمَن تَرَكَ شهوةً حاضرةً لموعدِ غيبٍ لمْ يَرَهُ، طوبى لمَن تَرَكَ طعامًا يَنْفَدُ في دارِ تَنْفَدُ لدارٍ أُكُلُها دائمٌ وظلُّها.
مَنْ يُرِدْ مُلْكَ الجِنانِ … فَلْيَذَرْ عَنْهُ التَّواني
وَليَقُمْ في ظُلْمَةِ اللَيْـ … ـلِ إلى نورِ القُرانِ
وَلْيَصِلْ صَوْمًا بِصَوْمٍ … إنَّ هذا العَيْشَ فاني
إنَّما العَيْشُ جِوارُ الْـ … ـلهِ في دارِ الأمانِ
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). سيأتي تفصيل الكلام في تخريجه (ص ٣٧١).
[ ٩٣ ]
كانَ بعضُ الصَّالحينَ يُكْثِرُ الصَّومَ، فرَأى في منامِهِ كانَّهُ دَخَلَ الجنَّةَ، فنُودِيَ مِن ورائِهِ: يا فلانُ! تَذْكُرُ أنَّكَ صُمْتَ للهِ يومًا قطُّ؟ قالَ: إي واللهِ؛ يومٌ ويومٌ ويومٌ. فإذا صَوانِيُّ النِّثارِ (^١) قد أخَذَتْهُ يمنةً ويسرةً.
كانَ بعضُ الصَّالحينَ قد صامَ حتَّى انْحَنى وانْقَطَعَ صوتُهُ (^٢)، فماتَ، فرُئيَ بعضُ أصحابِهِ في المنامِ، فسُئِلَ عن حالِهِ، فقالَ:
قَدْ كُسِي حُلَّةَ البَهاءِ وَطافَتْ … بِأباريقَ حَوْلَهُ الخُدَّامُ
ثُمَّ حُلِّي وَقيلَ يا قارِيَ ارْقَهْ (^٣) … فَلَعَمْري لَقَدْ بَراكَ الصِّيامُ
وصامَ بعضُ التَّابعينَ حتَّى اسْوَدَّ مِن طولِ صيامِهِ!
وصامَ الأسودُ بنُ يَزيدَ (^٤) حتَّى اخْضَرَّ جسمُهُ وأصْفَرَّ، وكانَ إذا عوتِبَ في رفقِهِ بجسدِهِ؛ يَقولُ: كرامةَ هذا الجسدِ أريدُ!
وصامَ بعضُهُم حتَّى وَجَدَ طعمَ دماغِهِ في حلقِهِ!
وكانَ بعضُهُم يَسْرُدُ الصَّومَ، فمَرِضَ وهوَ صائمٌ، فقالوا لهُ: أفْطِرْ، فقالَ: ليسَ هذا وقتَ تركٍ!
وقيلَ لآخرَ منهُم وهوَ مريضٌ: أفْطِرْ، فقالَ: كيفَ [أفطِرُ وَ] أنا أسيرٌ لا أدْري ما يُفْعَلُ بي (^٥)؟
ماتَ عامِرُ بنُ عَبْدِ اللهِ بن الزُّبَيْرِ وهوَ صائمٌ وما أفْطَرَ.
ودَخَلوا على أبي بَكْرِ بن أبي مَرْيَمَ وهوَ في النَّزعِ وهوَ صائمٌ، فعَرَضوا عليهِ ماءً
_________________
(١) الصوانيّ: جمع صينيّة؛ معروفة. والنثار: ما ينثر في الأفراح من السكاكر والمكسّرات ونحوها.
(٢) على سبيل المبالغة، والبشر جميعًا ينحنون وتضعف أصواتهم عند الكبر. فإن كان الصوم هو الذي أحنى ظهره وقطع صوته فعلًا؛ فتعمّق وتنطّع وغلو ورغبة عن الحنيفيّة السمحة التي جاء بها النبيّ - ﷺ -.
(٣) كذا! والرجل مذكور بكثرة الصوم لا بكثرة قراءة القرآن! حتّى أهل البرزخ لا همّ لهم إلّا متابعة القوافي والأوزان على حساب المعاني!
(٤) في خ وم: "الأسود بن زيد"! وهو تحريف صوابه ما أثبتّه.
(٥) كيف؟! كما أفطر رسول الله - ﷺ - أبو بكر وعمر وعثمان وعلي … فهذا وما قبله إن سلم من الحشو والمبالغة؛ فأحسن الظن بأصحابه أنهم لم يبلغهم نهي النبي - ﷺ - عن ذلك. قال الذهبي في "النبلاء" (٤/ ٥٢) معقّبًا على قصّة الأسود المتقدّمة: "كأنه لم يبلغه النهي عن ذلك".
[ ٩٤ ]
لِيُفْطِرَ، فقالَ: أغَرَبَتِ الشَّمسُ؟ قالوا: لا، فأبى أنْ يُفْطِرَ، ثمَّ أتَوْهُ بماءٍ وقدِ اشْتَدَّ نزعُهُ، فأوْمَأ إليهِم: أغَرَبَتِ الشَّمسُ؟ قالوا: نعم، فقَطَّروا في فيهِ قطرةً [مِن ماءٍ]، ثمَّ ماتَ.
واحْتُضِرَ إبْراهيمُ بنُ هانيء صاحبُ الإمام أحْمَدَ وهوَ صائمٌ، وطَلَبَ ماءً، وسَألَ: أغَرَبَتِ الشَّمسُ؟ قالوا: لا، وقالوا لهُ: قد رُخِّصَ لكَ في الفرضِ وأنتَ متطوِّعٌ، قالَ: أمْهِلـ[ـوا]، ثمَّ قالَ (^١): ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]، ثمَّ خَرَجَتْ نفسُهُ وما أفْطَرَ.
الدُّنْيا كلُّها شهرُ صيامِ المتَّقينَ، وعيدُ فطرِهِم يومَ لقاءِ ربِّهِم، ومعظمُ نهارِ الصِّيامِ قد ذَهَب، وعيدُ اللقاءِ قدِ اقْتَرَب.
وَقَدْ صُمْتُ عَنْ لَذَّاتِ دَهْرِيَ كُلِّها … وَيَوْمَ لِقاكُمْ ذاكَ فِطْرُ صِيامي
لمَّا كانَ الصِّيامُ سرًّا بينَ العبدِ وربِّهِ؛ اجْتَهَدَ المخلصونَ في إخفائِهِ بكلِّ طريقٍ حتَّى لا يَطَّلعَ عليهِم أحدٌ.
قالَ بعضُ الصَّالحينَ (^٢): بَلَغَنا عن عيسى بن مَرْيَمَ ﵇ أنَّهُ قالَ: إذا كانَ يومُ صومِ أحدِكُم؛ فَلْيَدْهُنْ لحيتَهُ ويَمْسَحْ شفتيهِ مِن دُهنِهِ حتَّى يَنْظُرَ إليهِ النَّاظرُ فيَظُنَّ أنَّهُ ليسَ بصائمٍ.
وعنِ ابن مَسْعودٍ؛ قالَ: إذا أصبَحَ أحدُكُم صائمًا؛ فلْيَتَرَجَّلْ (يَعْني: يُسَرِّحْ شعرَهُ ويَدْهُنُهُ)، وإذا تَصَدَّقَ بصدقةٍ عن يمينِهِ؛ فلْيُخْفِها عن شمالِهِ، وإذا صَلَّى تطوُّعًا؛ فلْيُصَليِّ في داخلِ بيتِهِ.
وقالَ أبو التَّيَّاحِ: أدْرَكْتُ أبي ومشيخةَ الحيِّ، إذا صامَ أحدُهُمُ؛ ادَّهَنَ ولَبِسَ صالحَ ثيابِهِ.
صامَ بعضُ السَّلفِ أربعينَ سنةً لا يَعْلَمُ بهِ أحدٌ: كانَ لهُ دكَّانٌ، فكانَ كل يومٍ يَأْخُذُ مِن بيتِهِ رغيفينِ ويَخْرُجُ إلى دكَّانِهِ فيَتَصَدَّقُ بهِما في طريقِهِ، فيَظُنُّ أهلُهُ أنَّهُ يَأْكُلُهُما في السُّوقِ، ويَظُنُّ أهلُ السُّوقِ أنَّهُ قد أكَلَ في بيتِهِ قبلَ أنْ يَجيءَ.
_________________
(١) في م: "فقال أجل ثمّ قال"، وما بين الحاصرتين من ط.
(٢) في خ: "بعض السلف"، والأولى ما أثبتّه من م وط.
[ ٩٥ ]
اشْتُهِرَ بعضُ الصَّالحينَ بكثرةِ الصِّيامِ، فكانَ تقومُ يومَ الجمعةَ في مسجدِ الجامعِ فيَأْخُذُ إبريقَ الماءِ فيَضَعُ بُلْبُلَتَهُ (^١) في فيهِ ويَمَصُّها والنَّاسُ يَنْظُرونَ إليهِ ولا يَدْخُلُ حلقَهُ منهُ شيءٌ؛ لِيَنْفِيَ عن نفسِهِ ما اشْتُهِرَ بهِ مِن الصَّومِ.
كم يَسْتُرُ الصَّادقونَ أحوالَهُم وريحُ الصِّدقِ يَنُمُّ عليهِم!
ما أسَرَّ أحدٌ سريرةً إلَّا ألْبَسَهُ اللهُ رداءَها علانيةً.
كَمْ أكْتُمُ حُبَّكُمْ عَنِ الأغْيارِ … وَالدَّمْعُ يُذيعُ في الهَوى أسْراري
كَمْ أسْتُرُكُمْ هَتكْتُم أسْتاري … مَنْ يُخْفي في الهَوى لَهيبَ النَّارِ
ريحُ الصَّائمِ أطيبُ عندَ اللهِ مِن ريحِ المسكِ، فكلَّما اجْتَهَدَ صاحبُهُ على إخفائِهِ؛ فاحَ ريحُهُ للقلوبِ فتَسْتَنْشِقُهُ الأرواحُ، وربَّما ظَهَرَ بعدَ الموتِ ويومَ القيامةِ.
فَكاتِمُ الحُبِّ يَوْمَ البَيْنِ مُنْهتِكٌ … وَصاحِبُ الوَجْدِ لا تَخْفى سَرائِرُهُ
لمَّا دُفِنَ عَبْدُ اللهِ بنُ غالِبٍ؛ كانَ يَفوحُ مِن ترابِ قبرِهِ رائحةُ المسكِ، فرُئِيَ في المنامِ، فسُئِلَ عن تلكَ الرَّائحةِ التي توجَدُ مِن قبرِهِ، فقالَ: تلكَ رائحةُ التَلاوةِ والظَّمإ (^٢).
_________________
(١) البلبلة: القناة التي يصب منها الماء.
(٢) قصص شاعت وذاعت بعد القرون الثلاثة الأولى ما ترى في السابقين الأولين لها عينًا ولا أثرًا! وكلّما زادت رائحة المسك وعفّت زاد تقديس العامة لصاحبها! وقد اعتاد صوفيّة الشام وغيرهم بين فينة وأخرى أن يشيعوا بين الناس أنّ فلانًا (وليّ الله الحيّ!) قد رأى في نومه فلانًا (وفي الله الميّت!) فطلب منه أن ينقله من مقبرة البلد لأن العصاة كثروا فيها ويجعله في مقام خاص (غالبًا ما يكون مسجدًا)! فيذهب جماعة من القوم خلسة في الليل، فينبشون القبر، ويجمعون ما فيه من التراب ثم يلفّونه في القطن الممسك ويدرجونه في أكفان بيضاء جديدة ممسكة، ثمّ يرشون المسك داخل القبر ويعيدونه كما كان، فإذا طلع الصباح خرجت جماعة منهم كبيرة بالدفوف والأناشيد يتبعهم العوامّ، فيكشفون القبر مرة أخرى ويحملون الوليّ المزعوم إلى المقام الجديد! ثم تأتيك أخبار العوامّ: هذا يقسم أنّه رآه بشحمه ولحمه وشعر صدره! وهذا يقسم أنه شمّ روائح المسك من باب المقبرة! وهذا يقسم أنّه رآه يتحرّك بأمّ عينيه! فيتسارع الجهلة والضلّال إلى الولي الحيّ في قبره وينذرون له النذور ويقربون له القربات. قد رأيت أنا وغيري هذا وعايشناه، وهو غيض من فيض من بلايا هذه القصّة وأمثالها! وإذا كان الصدّيق أبو بكر قد أوصى أن يكفّن بثوب قديم وقال: إنّما هو للمهلة (يعني: القيح والصديد)؛ فماذا أبقى لأولئك الذين يتحلّلون في قبورهم إلى مسك وعنبر؟! وإذا كانت روائح التلاوة والظمأ لم تصدر من قبر عبد الله بن عمرو صوّام الأمّة؛ فماذا بقي لمن بعده؟!
[ ٩٦ ]
وجاءَ في حديثٍ مرفوعٍ: "يَخْرُجُ الصَّائمونَ مِن قبورِهِم يُعْرَفونَ بريحِ صيامِهِم، أفواهُهُم أطيبُ مِن ريحِ المسكِ" (^١).
وَهَبْني كَتَمْتُ السِّرَّ أوْ قُلْتُ غَيْرَهُ … أتَخْفى عَلى أهْلِ القُلوبِ السَّرائِرُ
أبَى ذاكَ أن السِّرَّ في الوَجْهِ ناطِقٌ … وَأنَّ ضَميرَ القَلْبِ في العَيْنِ ظاهِرُ