• وقد دَلَّ هذا الحديثُ على أنَّ العملَ في أيَّامِهِ أحبُّ إلى اللهِ مِن العملِ في أيَّامِ الدُّنيا مِن غيرِ استثناءِ شيءٍ منها، وإذا كانَ أحبَّ إلى اللهِ فهوَ أفضلُ عندَهُ. وقد وَرَدَ هذا الحديثُ بلفظِ "ما مِن أيَّامٍ العملُ فيها أفضلُ مِن أيَّامِ العشرِ"، ورُوِيَ بالشَّكِّ في لفظةِ "أحبُّ" و"أفضلُ".
وإذا كانَ العملُ في أيَّامِ العشرِ أفضلَ وأحبَّ إلى اللهِ مِن العملِ في غيرِهِ مِن أيَّامِ
_________________
(١) (١٣ - العيدين، ١١ - العمل في أيّام التشريق، ٢/ ٤٥٧/ ٩٦٩).
[ ٥٧٩ ]
السَّنةِ كلِّها؛ صارَ العملُ فيهِ - وإنْ كانَ مفضولًا - أفضلَ مِن العملِ في غيرِهِ وإنْ كانَ فاضلًا. ولهذا قالوا: يا رسولَ اللهِ! ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ؟ قالَ: "ولا الجهادُ".
ثمَّ اسْتَثْنى جهادًا واحدًا هوَ أفضلُ الجهادِ: فإنَّهُ - ﷺ - سُئِلَ أيُّ الجهادِ أفضلُ؟ قالَ: "مَن عُقِرَ جوادُهُ وأُهْريقَ دمُهُ" (^١)، وصاحبُهُ أفضلُ النَّاسِ درجةً عندَ اللهِ. سَمعَ النَّبيُّ - ﷺ - رجلًا يَدْعو يَقولُ: اللهمَّ! أعْطِني أفضلَ ما تُعْطي عبادَكَ الصَّالحينَ. فقالَ لهُ: "إذن يُعْقَرَ جوادُكَ وتُسْتَشْهَدَ" (^٢). فهذا الجهادُ بخصوصِهِ يَفْضُلُ على العملِ في العشرِ.
_________________
(١) (صحيح). وقد جاء عن جماعة من الصحابة: فرواه: الطيالسي (١٧٧٧)، والحميدي (١٢٧٦)، وابن أبي شيبة (١٩٣١٦)، وأحمد (٣/ ٣٠٠ و٣٠٢ و٣٤٦ و٣٩١)، وعبد بن حميد (١٠٦٠)، والدارمي (٢/ ٢٠٠)، والحارث (٦٢٦ - زوائد الهيثمي)، والمروزي في "تعظيم الصلاة" (٢٤٦)، وأبو يعلى (٢٠٨١)، وابن حبّان (٤٦٣٩)، والطبراني في "الأوسط" (١٢٤٧) و"الصغير" (٧١٤)، وابن جميع في "شيوخه" (ص ٢٠٣/ رقم ١٥٩)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (١/ ٢٣٧)؛ من طريقين، عن جابر … رفعه. وإحدى طريقي الحديث صحيحة لذاتها. ورواه: الطيالسي (٢٢٧٢)، وابن أبي شيبة (١٩٣١٧)، وأحمد (٢/ ١٩٥ و١٥٩ - ١٦٠ و١٩١، ٤/ ١١٤)، وعبد بن حميد (٣٠١)، والدارمي (٢/ ٢٤٠)، وابن حبّان (٥١٧٦)، والحاكم (١/ ١١)، والبيهقي في "السنن" (١٠/ ٢٤٣) و"الشعب" (١٠٨٣٤)؛ من طريق قويّة، عن أبي كثير الزبيدي، عن ابن عمرو … رفعه. وأبو كثير قويّ الحديث وإن اقتصر العسقلاني على وصفه بالمقبول، فالسند قويّ. ورواه: ابن المبارك في "الجهاد" (٥١)، وعبد الرزّاق (٤٨٤٤)، وأحمد (٣/ ٤١١)، والدارمي (١/ ٣٣١)، وأبو داوود (٢ - الصلاة، ٣٤٧ - طول القيام، ١/ ٤٥٩/ ١٤٤٩ و١٣٢٥)، والحارث (٣٨ - هيثمي)، وابن أبي عاصم في "الجهاد" (٢٦ و٤٠ و٢٣٤) و"الآحاد" (٢٥٢٠)، وابن نصر في "الصلاة" (٦٤٥ و٨٨٢)، والنسائي في "الكبرى" (٢٣٠٥) و"المجتبى" (٢٣ - الزكاة، ٤٩ - جهد المقلّ، ٥/ ٥٨/ ٢٥٢٥ و٥٠٠١)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ١٤)، والبيهقي في "السنن" (٣/ ٩، ٤/ ١٨٠، ٩/ ١٦٤) و"الشعب" (٩٧١٢)، والضياء في "المختارة" (٩/ ٢٣٦/ ٢١٤)؛ من طرق، [عن عبيد بن عمير]، [عن عبد الله بن حبشيّ] … رفعه. وفي أسانيده اختلاف في إرسال ووصل وعلى الصحابيّ، لكنّه لا ينحطّ في كلّ حال عن كونه صالحًا في الشواهد، ومن حسّنه فما أبعد. وقد جاء أيضًا في سياق حديث عمرو بن عبسة الطويل الذي تقدّمت تقويته (ص ١١٥). وجاء أيضًا في سياق حديث أبي ذرّ الطويل الذي تقدّم توهينه (ص ٧٨). وجاء من مرسل الحسن عند: معمر في "الجامع" (٢٠٢٩٧)، وعبد الرزّاق (٤٨٤٣). والحديث صحيح من وجهه الأوّل وحده، فكيف باجتماع هذه الوجوه، وقد قوّاه ابن حبّان والحاكم والمنذري والذهبي والهيثمي والعسقلاني والألباني.
(٢) (حسن). رواه: البخاري في "التاريخ" (١/ ٢٢٢)، والبزّار (١١١٢ و١١١٣)، والنسائي في "الكبرى" (٩٩٢١) و"اليوم والليلة" (٩٣)، وأبو يعلى (٦٩٧ و٧٦٩)، وابن خزيمة (٤٥٣)، وابن حبّان =
[ ٥٨٠ ]
وأمَّا بقيّةُ أنواعِ الجهادِ؛ فإنَّ العملَ في عشرِ ذي الحجَّةِ أفضلُ وأحبُّ إلى اللهِ ﷿ منها، وكذلكَ سائرُ الأعمالِ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ العملَ المفضولَ في الوقتِ الفاضلِ يَلْتَحِقُ بالعملِ الفاضلِ في غيرِهِ ويَزيدُ عليهِ بمضاعفةِ (^١) ثوابِهِ وأجرِهِ.
• وقد رُوِيَ في حديثِ ابنِ عَبَّاسٍ هذا زيادةُ "والعملُ فيهنَّ يُضاعَفُ بسبعِ مئةٍ" (^٢)، وفي إسنادِاها ضعفٌ.
وقد وَرَدَ في قدرِ المضاعفةِ رواياتٌ متعدِّدةٌ مختلفةٌ:
فخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ وابنُ ماجَهْ مِن روايةِ: النَّهَّاسِ بنِ قَهْمٍ، عن قَتادَةَ، عنِ ابنِ المُسَيَّبِ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "ما مِن أيَّامٍ أحبُّ إلى اللهِ أنْ يُتَعَبَّدَ لهُ فيها مِن عشرِ ذي الحجِّةِ؛ يَعْدِلُ صيامُ كلِّ يومٍ منها سنةً، وكلُّ ليلةٍ منها بقيامِ ليلةِ القدرِ" (^٣). والنَّهَّاسُ بنُ قَهْمٍ ضَعَّفوهُ. وذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ عنِ البُخارِيِّ أنَّ الحديثَ يُرْوى عن
_________________
(١) = (٤٦٤٠)، والطبراني في "الدعاء" (٤٩٢)، وابن السنّي (١٠٦)، والحاكم (١/ ٢٠٧، ٢/ ٧٤)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (١/ ٢٣٦)، والضياء (٣/ ١٨٦/ ٩٧٨ - ٩٨١)؛ من طرق، عن الدراوردي، عن سهيل بن أبي صالح، [عن محمّد بن مسلم بن عائذ]، عن عامر بن سعد، عن سعد … رفعه. وهذا سند فيه علّتان: أولاهما: أنّ الخطيب رواه في"التاريخ" (٩/ ٦٤) من طريق عبد الله بن جعفر، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة .. رفعه. وليس بالقادح؛ فإنّ عبد الله هذا شديد الضعف، ومخالفته غير معتبرة. والثانية: أنّ محمّد بن مسلم بن عائذ هذا لم يرو عنه إلّا اثنان ولم يوثّقه إلّا ابن حبّان والعجلي، لكنّه تابعيّ، ولذلك قوّى أمره ابن خزيمة والحاكم والذهبي وحسّن له العسقلاني في "أمالي الأذكار". وعلى هذا فالحديث لاحق بمصافّ الحسن، ولا سيّما أنَّ ما قبله يشهد لمعناه. وأمّا الألباني؛ فمال إلى تضعيفه بجهالة ابن عائذ على غير عادته في أمثاله من التابعين إذا وثّقهم ابن حبّان وروى عنهم ثقتان! فالله أعلم.
(٢) في م ون وط: "لمضاعفة"، وكلاهما حسن.
(٣) (ضعيف). رواه البيهقي في "الشعب" (٣٧٥٨) من طريق العبّاس بن الوليد الأزدي، ثنا يحيى بن عيسى الرملي، ثنا يحيى بن أيّوب البجلي، عن عديّ بن ثابت، عن ابن جبير، عن ابن عبّاس … رفعه. قال المنذري: "يحيى الرملي ويحيى البجلي وعدي بن ثابت ثقات مشهورون لم يتكلّم فيهم". قلت: بل تكلّموا في البجلي، ويحيى الرملي ليّن، والعبّاس الأزدي الرملي الراوي عنه لم أقف له على ترجمة. فمثل هؤلاء لا تحتمل منهم هذه الزيادة التي تفرّدوا بها دون الثقات الذين رووا الحديث عن ابن عبّاس، ولذلك ضعّفها ابن رجب والعسقلاني والشوكاني والألباني.
(٤) (ضعيف). رواه: ابن ماجه (٧ - الصيام، ٣٩ - صيام العشر، ١/ ٥٥١/ ١٧٢٨)، والترمذي (٦ - الصوم، ٥٢ - العمل في العشر، ٣/ ١٣١/ ٧٥٨)، والبيهقي في "الشعب" (٣٧٥٦ و٣٧٥٧)، والخطيب في =
[ ٥٨١ ]
قَتادَةَ عن سَعيدٍ مرسلًا.
ورَوى ثُوَيْرُ بنُ أبي فاخِتَةَ - وفيهِ ضعفٌ - عن مُجاهِدٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ؛ قالَ: ليسَ يومٌ أعظمَ عندَ اللهِ مِن يومِ الجمعةِ؛ ليسَ العشرَ؛ فإنَّ العملَ فيها يَعْدِلُ عملَ سنةٍ (^١).
ورَوى أبو عَمْرٍو النَّيْسابورِيُّ في كتابِ "الحكايات" بإسنادِهِ عن حُمَيْدٍ؛ قالَ: سَمِعْتُ ابنَ سِيرِينَ وقَتادَةَ يَقولانِ: صومُ كلِّ يومٍ مِن العشرِ يَعْدِلُ سنةً (^٢).
وقد رُوِيَ في المضاعفةِ أكثرُ مِن ذلكَ: فرَوى هارونُ بنُ موسى النَّحْوِيُّ؛ قالَ: سَمِعْتُ الحَسَنَ، يُحَدِّثُ عن أنَس بنِ مالِكٍ؛ قالَ: كانَ يُقالُ في أيَّامِ العشرِ: بكلِّ يومٍ ألفُ يومٍ، ويومُ عرفةَ عشرةُ آلافٍ (^٣). قالَ الحاكِمُ: هذا مِن المسانيدِ التي لا يُذْكَرُ سندُها عن رسولِ اللهِ - ﷺ - (^٤).
ورُوِيَ في المضاعفةِ أقلُّ مِن سنةٍ: قالَ حُمَيْدُ بنُ زَنْجَوَيْهِ: حَدَّثَنا يَحْيى بنُ عَبْدِ اللهِ
_________________
(١) = "التاريخ" (١١/ ٢٠٨)، وابن الجوزي في "الواهيات" (٩٢٥)، والمزّي في "التهذيب" (٢٧/ ٤٨٢)، والذهبي في "الميزان" (٤/ ١٠٠)؛ من طريق مسعود بن واصل، عن النهّاس بن قهم، عن قتادة، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة … رفعه. قال البخاري والترمذي واللفظ للأخير: "لا نعرفه إلّا من حديث مسعود بن واصل عن النهّاس". قلت: كلاهما ضعيف، فهاتان علّتان، وأشار الترمذي إلى علّة ثالثة بقوله: "وقد روي عن قتادة عن سعيد بن المسيّب عن النبيّ - ﷺ - مرسلًا شيء من هذا". وقد ضعّف الحديث البخاري والترمذي وابن الجوزي والمنذري والذهبي والعسقلاني والسيوطي والمناوي والألباني.
(٢) (منكر). رواه ثوير بن أبي فاختة عن مجاهد عن ابن عمر كما ذكر المصنّف. وثوير اتّفقوا على ضعفه ونكارة حديثه وتركه جماعة. فهذه علّة؛ ثمّ إنّه خالف رواية الثقات عن مجاهد عن ابن عمر مرفوعًا كما سيأتي قريبًا وأتى بما لم يأتوا به. فظهر أنّه من منكراته.
(٣) (ضعيف). إن صحّ السند إلى حميد - وما إخاله - فقصاراه أن يكون له حكم الإرسال. وإن لم يصحّ؛ فهو أدعى لضعفه.
(٤) (ضعيف). رواه: البيهقي في "الشعب" (٣٧٦٦)، والأصبهاني في "الترغيب" (٣٦٤)؛ من طريق هارون بن موسى … به. قال المنذري: "إسناد البيهقي لا بأس به". قلت: له علّتان: أولاهما: أنّ رواية الحسن هنا غير صريحة بالسماع أو التحديث كما قد يتوهّمه بعض الناس بل هي لاحقة بالعنعنة. والأُخرى: أنّ قوله "كان يقال" هنا لا يعدّ من المرفوع؛ لأنّه لم ينسبه إلى عصر النبيّ - ﷺ - بل جاء به بصيغة التمريض التي تدلّ على أنّ راويه نفسه غير متثبّت في أمره.
(٥) فيه نظر تقدّم بيانه في الحاشية السابقة.
[ ٥٨٢ ]
الحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنا أبو بَكْرِ بنُ أبي مَرْيَمَ، عن راشِدِ بنِ سَعْدٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: "صيامُ كلِّ يومٍ مِن أيَّامِ العشرِ كصيامِ شهرٍ" (^١). وهذا مرسلٌ ضعيفُ الإسنادِ.
ورَوى عَبْدُ الرَّزَّاقِ في "كتابِهِ" عن: جَعْفَرٍ، عن هشامٍ، عنِ الحَسَنِ؛ قالَ: صيامُ يومٍ مِن العشرِ يَعْدِلُ شهرينِ (^٢).
وقالَ عَبْدُ الكَريمِ عن مُجاهِدٍ: العملُ في العشرِ يُضاعَفُ.
وفي المضاعفةِ أحاديثُ أُخرُ مرفوعةٌ، لكنَّها موضوعةٌ، فلذلكَ أعْرَضْنا عنها وعمَّا أشْبَهَها مِن الموضوعاتِ في فضائلِ العشرِ، وهيَ كثيرةٌ.
وقد دَلَّ حديثُ ابنِ عَبَّاسٍ على مضاعفةِ جميعِ الأعمالِ الصَّالحةِ في العشرِ مِن غيرِ استثناءِ شيءٍ منها.
• وقد رُوِيَ في خصوصِ صيامِ أيَّامِهِ وقيامِ لياليهِ وكثرةِ الذِّكرِ فيهِ ما يُذْكَرُ ممَّا يَحْسُنُ ذكرُهُ دونَ ما لا يَحْسُنُ [ذكرُهُ] لعدمِ صحَّتِهِ.
وقد سَبَقَ حديثُ أبي هُرَيْرَةَ في ذلكَ ومرسلُ راشِدِ بنِ سَعْدٍ وما رُوِيَ عنِ الحَسَنِ وابنِ سِيرينَ وقَتادَةَ في صومِهِ (^٣).
وفي "المسند" و"السُّنن": عن حَفْصَةَ؛ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كانَ لا يَدَعُ صيامَ عاشوراءَ والعشرِ وثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ (^٤). وفي إسنادِهِ اختلافٌ.
ورُوِيَ عن بعضِ أزواجِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كانَ لا يَدَعُ صيامَ تسعِ ذي الحجَّةِ (^٥).
وممَّن كانَ يَصومُ العشرَ عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ. وقد تَقَدَّمَ عنِ الحَسَنِ وابنِ سِيرِينَ
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). يحيى الحرّاني ضعيف. وابن أبي مريم ضعيف منكر الحديث. وراشد عن النبيّ - ﷺ - مرسل. فالسند ساقط. وقد ضعّفه ابن رجب.
(٢) (ضعيف). رواه عبد الرزّاق (٨١٢٦). وفيه علّتان: أولاهما: أنّ رواية هشام بن حسّان عن الحسن فيها مقال. والثانية: الوقف، ويحتمل أن يقال: له حكم الإرسال، لكنّ المرسل لاحق بالضعيف.
(٣) وكلّها ضعيفة الأسانيد كما تقدّم.
(٤) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ١٢٨ - ١٣٠).
(٥) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ١٢٨ - ١٣٠).
[ ٥٨٣ ]
وقَتادَةَ ذكرُ فضلِ صيامِهِ، وهوَ قولُ أكثرِ العلماءِ أو كثيرٍ منهُم.
وفي "صحيح مسلم" (^١): عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: ما رَأيْتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - صائمًا العشرَ قطُّ. وفي روايةٍ: في العشرِ قطُّ.
وقدِ اخْتَلَفَ جوابُ الإمامِ أحْمَدَ عن هذا الحديثِ:
فأجابَ مرَّةً بأنَّهُ قد رُوِيَ خلافُهُ، وذَكَرَ حديثَ حَفْصَةَ، وأشارَ إلى أنَّهُ اخْتُلِفَ في إسنادِ حديثِ عائِشَةَ: فأسْنَدَهُ الأعْمَشُ، ورَواهُ مَنْصورٌ عن إبْراهيمَ مرسلًا. وكذلكَ أجابَ غيرُهُ مِن العلماءِ بأنَّهُ إذا اخْتَلَفَتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ ﵄ في النَّفيِ والإثباتِ؛ أُخِذَ بقولِ المثبِتِ؛ لأنَّ معَهُ علمًا خَفِيَ على النَّافي (^٢).
وأجابَ أحْمَدُ مرَّةً أُخرى بأنَّ عائِشَةَ أرادَتْ أنَّهُ لم يَصُم العشرَ كاملًا؛ يَعْني: وحَفْصَةُ أرادَتْ أنَّهُ كانَ يَصومُ غالبَهُ. فيَنْبَغي أنْ يُصامَ بعضُهُ ويُفْطرَ بعضُهُ. وهذا الجمعُ يَصِحُّ في روايةِ مَن رَوى "ما رَأيْتُهُ صائمًا العشرَ"، وأمَّا مَن رَوى "ما رَأيْتُهُ صائمًا في العشرِ"؛ فيَبْعُدُ أو يَتَعَذَّرُ هذا الجمعُ فيهِ.
وكانَ ابنُ سِيرِينَ يَكْرَهُ أنْ يُقالَ: صامَ العشرَ؛ لأنَّهُ يوهِمُ دخولَ يومِ النَّحرِ فيهِ، وإنَّما يُقالُ: صامَ التِّسعَ، ولكنَّ الصِّيامَ إذا أُضيفَ إلى العشرِ فالمرادُ صيامُ ما يَجوزُ صومُهُ منهُ، وقد سَبَقَ حديثُ أن النَّبي - ﷺ - كانَ يَصومُ العشرَ (^٣). ولو نَذَرَ صيامَ العشرِ؛ فيَنْبَغي أنْ يَنْصَرِفَ إلى التِّسعِ أيضًا، فلا يَلْزَمُ بفطرِ يومِ النَّحرِ قضاءٌ ولا كفَّارةٌ؛ فإنَّهُ غَلَبَ استعمالُهُ عرفًا في التِّسعِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُخَرَّجَ في لزومِ القضاءِ والكفَّارةِ خلافٌ؛ فإنَّ أحْمَدَ قالَ فيمَن نَذَرَ صومَ شوَّالٍ فأفْطَرَ يومَ الفطرِ وصامَ باقيَهُ: إنَّهُ يَلْزَمُهُ قضاءُ يومٍ وكفَّارةٌ. وقالَ القاضي أبو يَعْلى: هذا إذا نَوى صومَ جميعِهِ، فأمَّا إنْ أطْلَقَ؛ لمْ يَلْزَمْهُ
_________________
(١) (١٤ - الاعتكاف، ٤ - صوم عشر ذي الحجّة، ٢/ ٨٣٣/ ١١٧٦).
(٢) وفي هذا كلّه نظر من أوجه: أوّلها: أنّ حديث حفصة ضعيف كما تقدّم آنفًا، فإعلال حديث عائشة الذي رواه مسلم به غير متّجه. والثاني: أنّ إسناد الأعمش مقدّم على إرسال إبراهيم؛ لأنّه زيادة ثقة ثبت إمام حجّة. وليت شعري! إذا لم تقبل زيادة الأعمش؛ فزيادة من؟! والثالث: أنّ تقديم المثبت على النافي إنّما يكون بعد أن تصحّ الأسانيد بهما معًا، وليست الحال هنا كذلك.
(٣) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ١٢٨ - ١٣٠).
[ ٥٨٤ ]
شيءٌ؛ لأنَّ [يومَ] الفطرِ مستثنًى شرعًا. وهذهِ قاعدة مِن قواعدِ الفقهِ، وهيَ أنَّ العمومَ هل يُخَصُّ بالشَّرعِ أم لا؟ ففي المسألةِ خلافٌ مشهورٌ.
• وأمَّا قيامُ ليالي العشرِ؛ فمستحبٌّ، وقد سَبَقَ الحديثُ في ذلكَ (^١).
وقد وَرَدَ في خصوصِ إحياءِ ليلتي العيدينِ أحاديثُ لا تَصِحُّ، ووَرَدَ إجابةُ الدُّعاءِ فيهِما، واسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِيُّ وغيرُهُ مِن العلماءِ (^٢).
وكانَ سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ - وهوَ الذي رَوى هذا الحديثَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ (^٣) - إذا دَخَلَ العشرُ؛ اجْتَهَدَ اجتهادًا حتَّى ما يَكادُ يُقدَرُ عليهِ. ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: لا تُطْفِئوا سرجَكُم لياليَ العشرِ؛ تُعْجِبُهُ العبادةُ.
• وأمَّا أستحبابُ الإكثارِ مِن الذِّكرِ فيها؛ فقد دَلَّ عليهِ قولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحجّ: ٢٨]؛ فإنَّ الأيَّامَ المعلوماتِ هيَ أيَّامُ العشرِ عندَ جمهورِ العلماءِ. وسَيَأْتي ذكرُ ذلكَ فيما بعدُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
وفي "مسند الإمام أحْمَد": عنِ ابنِ عُمَرَ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "ما مِن أيَّامٍ أعظمُ عندَ اللهِ ولا أحبُّ إليهِ العملُ فيهنَّ مِن هذهِ الأيَّامِ العشرِ؛ فأكْثِروا فيهنَّ مِن التَّهليلِ والتَّكبيرِ والتَّحميدِ" (^٤).
• فإنْ قيلَ: فإذا كانَ العملُ في أيَّامِ العشرِ أفضلَ مِن العملِ في غيرِها - وإنْ كانَ
_________________
(١) (ضعيف). وهو حديث أبي هريرة الذي تقدّم نصّه وتخريجه (ص ٥٨١).
(٢) قيام ليلتي العيد أسوة بسائر ليالي السنة أمر مستحبّ محمود فاعله. واختصاص ليلتي العيد بالقيام أو بمزيد من الاجتهاد فيه استنادًا لما ورد فيهما من النصوص الواهية أمر غير مشروع ولا يأمن فاعله من لوثة ابتداع تزيد أو تنقص بحسب حاله.
(٣) لو صحّ أنّ سعيدًا روى هذا الحديث عن ابن عبّاس لصحّ الحديث! لكنّ الطريق إليه واهية!
(٤) (صحيح). رواه: أحمد (٢/ ٥٧)، وعبد بن حميد (٨٠٧ - منتخب)، وأبو عوانة في "الصيام"، والطحاوي في "المشكل" (٤/ ١١٤)، والطبراني في "الكبير" (١١/ ٦٨/ ١١١١٦) و"الدعاء" (٨٧١)، والبيهقي في "الشعب" (٣٧٥٠ و٣٧٥١) و"الدعوات"، والأصبهاني في "الترغيب" (٣٦٠)؛ من طرق ثلاث، عن مجاهد، عن ابن عمر (وفي الطبراني: عن ابن عبّاس) … رفعه. وإحدى طرق الحديث قويّة، والطريقان الأُخريان تزيدانها قوّة، لكنّ ذكر ابن عبّاس فيه منكر تفرّد به يزيد بن أبي زياد الهاشميّ أحد الضعفاء والمعروف في هذا أنّه من حديث ابن عمر. وقد مال المنذري والهيثمي إلى تقوية هذا المتن لكن من حديث ابن عبّاس، وردّه الألباني، والصواب تقويته من حديث ابن عمر.
[ ٥٨٥ ]
ذلكَ العملُ أفضلَ في نفسِهِ ممَّا عُمِلَ في العشرِ لفضيلةِ العشرِ في نفسِهِ فيَصيرُ العملُ المفضولُ فيهِ فاضلًا حتَّى يَفْضُلَ على الجهادِ الذي هوَ أفضلُ الأعمالِ كما دَلَّتْ على ذلكَ النُّصوصُ الكثيرةُ وهوَ قولُ الإمامِ أحْمَدَ وغيرِهِ مِن العلماءِ -؛ فيَنْبَغي أنْ يَكونَ الحجُّ أفضلَ مِن الجهادِ؛ لأنَّ الحجَّ مخصوصٌ بالعشرِ، وهوَ مِن أفضلِ ما عُمِلَ في العشرِ [أ] وأفضلُ ما عُمِلَ فيهِ؛ فكيفَ كانَ الجهادُ أفضلَ مِن الحجِّ؟! فإنَّهُ ثَبَتَ في الصَّحيحينِ (^١) عن أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رجلًا قالَ: يا رسولَ اللهِ! أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قالَ: "إيمانٌ باللهِ ورسولِهِ". قالَ: ثمَّ ماذا؟ قالَ: "جهادٌ في سبيلِ اللهِ". قالَ: ثمَّ ماذا؟ قالَ: "حجٌّ مبرورٌ".
قيلَ: التَّطوُّعُ بالجهادِ أفضلُ مِن التَّطوُّعِ بالحجِّ عندَ جمهورِ العلماءِ، وقد نَصَّ عليهِ الإمامُ أحْمَدُ، وهوَ مرويٌّ عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ، ورُوِيَ فيهِ أحاديثُ مرفوعةٌ في أسانيدِها مقالٌ (^٢)، وحديثُ أبي هُرَيْرَةَ هذا صريحٌ في ذلكَ.
ويُمْكِنُ الجمعُ بينَهُ وبينَ حديثِ ابنِ عَبَّاسٍ بوجهينِ:
أحدُهُما: أنَّ حديثَ ابنِ عَبَّاسٍ قد صُرِّحَ فيهِ بأنَّ جهادَ مَن لا يَرْجِعُ مِن نفسِهِ ومالِهِ بشيءٍ يَفْضُلُ على العملِ في العشرِ، فيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الحجُّ أفضلُ مِن الجهادِ؛ إلَّا جهادَ مَن لمْ يَرْجِعْ مِن نفسِهِ ومالِهِ بشيءٍ، ويَكونُ هوَ المراد (^٣) مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ، ويَجْتَمعُ حينئذٍ الحديثانِ.
والثاني - وهوَ الأظهرُ -: أنَّ العملَ المفضولَ قد يَقْتَرِنُ بهِ ما يَصيرُ أفضلَ مِن الفاضلِ في نفسِهِ كما تَقَدَمَ. وحينئذٍ؛ فقد يَقْتَرِنُ بالحجِّ ما يَصيرُ بهِ أفضلَ مِن الجهادِ، وقد يَتَجَرَّدُ عن ذلكَ فيَكونُ الجهادُ حينئذٍ أفضلَ منهُ: فإنْ كانَ الحجُّ مفروضًا؛ فهوَ أفضلُ مِن التَّطوُّعِ بالجهادِ؛ فإن فروضَ الأعيانِ
_________________
(١) البخاري (٢ - الإيمان، ١٨ - من قال إنّ الإيمان هو العمل، ١/ ٧٧/ ٢٦)، ومسلم (١ - الإيمان، ٣٦ - الإيمان بالله أفضل الأعمال، ١/ ٨٨/ ٨٣).
(٢) يعني أن تفضيل التطوّع بالجهاد على التطوّعِ بالحجّ روي عن جماعة من الأئمّة، وعن عبد الله بن عمرو موقوفًا، وفيه أحاديث مرفوعة لا تصحّ، وانظر شيئًا من هذه المرويّات في "الدرّ المنثور" (التوبة ١٩).
(٣) في خ وم: "ويكون هذا المراد"، والأولى ما أثبتّه من ن وط.
[ ٥٨٦ ]
أفضلُ مِن فروضِ الكفاياتِ عندَ جمهورِ العلماءِ. وقد رُوِيَ هذا في الحجِّ والجهادِ بخصوصِهِما عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ، ورُوِيَ مرفوعًا مِن وجوهٍ متعدِّدةٍ في أسانيدِها لينٌ (^١). وقد دَلَّ على ذلكَ ما حَكاهُ النَّبيُّ - ﷺ - عن ربِّهِ ﷿؛ أنَّهُ قالَ: "ما تَقَرَّبَ إليَّ عبدي بمثلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُ عليهِ" (^٢).
وإنْ كانَ الحاجُّ ليسَ مِن أهلِ الجهادِ؛ فحجُّهُ أفضلُ مِن جهادِهِ، كالمرأةِ. وفي "صحيح البُخارِيِّ" (^٣): عن عائِشَةَ ﵂؛ أنَّها قالَتْ: يا رسولَ اللهِ! نَرى الجهادَ أفضلَ العملِ، أفلا نُجاهِدُ؛ فقالَ: "لكن أفضلُ الجهادِ حجٌّ مبرورٌ". وفي روايةٍ لهُ (^٤): "جهادُكنَّ الحجُّ". وفي روايةٍ لهُ أيضًا (^٥): "نِعْمَ الجهادُ الحجُّ".
وكذلكَ إذا اسْتَغْرَقَ العشرَ كلَّهُ عملُ الحجِّ، وأُتِيَ بهِ على أكملِ وجوهِ البرِّ مِن أداءِ الواجباتِ واجتنابِ المحرَّماتِ، وانْضَمَّ إلى ذلكَ الإحسانُ إلى النَّاسِ ببذلِ السَّلامِ وإطعامِ الطَّعامِ، وضُمَّ إليهِ كثرةُ ذكرِ اللهِ ﷿ والعجُّ والثَّجُّ - وهوَ رفعُ الصَّوتِ بالتَّلبيةِ وسوقُ الهديِ -؛ فإنَّ هذا الحجِّ على هذا الوجهِ قد يَفْضُلُ على الجهادِ. وإنْ وَقَعَ عملُ الحجِّ في جزءٍ يَسيرٍ مِن العشرِ، ولم يُؤْتَ بهِ على الوجهِ المبرورِ؛ فالجهادُ أفضلُ منهُ.
وقد رُوِيَ عن عُمَرَ [وابنِ عُمَرَ] وأبي موسى الأشْعَرِيِّ ومُجاهِدٍ ما يَدُلُّ على تفضيلِ الحجِّ على الجهادِ وسائرِ الأعمالِ. ويَنْبَغي حملُهُ على الحجِّ المبرورِ الذي كَمَلَ برُّهُ واسْتَوْعَبَ فعلُهُ أيَّامَ العشرِ، واللهُ أعلمُ.
• فإنْ قيلَ: قولُهُ - ﷺ - "ما مِن أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيها أحبُّ إلى اللهِ مِن هذهِ الأيَّامِ" هل يَقْتَضي تفضيلَ كلِّ عملٍ صالحٍ وَقَعَ في شيءٍ مِن أيَّامِ العشرِ على جميعِ ما يَقَعُ في غيرِها وإنْ طالَتْ مدَّتُهُ أم لا؟
_________________
(١) انظر ما تقدّم قبل حاشية.
(٢) رواه البخاري (٨١ - الرقاق، ٣٨ - التواضع، ١١/ ٣٤٠/ ٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.
(٣) (٢٥ - الحجّ، ٤ - فضل الحجّ المبرور، ٣/ ٣٨١/ ١٥٢٠).
(٤) (٥٦ - الجهاد، ٦٢ - جهاد النساء، ٦/ ٧٥/ ٢٨٧٥).
(٥) (الموضع السابق، ٢٨٧٦).
[ ٥٨٧ ]
قيلَ: الظَّاهرُ - واللهُ أعلمُ - أنَّ المرادَ أنَّ العملَ في هذهِ الأيَّامِ العشرِ أفضلُ مِن العملِ في أيَّامٍ عشرٍ غيرِها، فكلُّ عملٍ صالحٍ تقَعُ في هذا العشرِ فهوَ أفضلُ مِن عملٍ في عشرةِ أيَّامٍ سواها مِن أيِّ شهرٍ كانَ، فيَكونُ تفضيلًا للعملِ في كلِّ يومٍ منهُ على العملِ في كلِّ يومٍ مِن أيَّامِ السَّنةِ غيرِهِ.
وقد قيلَ: إنَّما يَفْضُلُ العملُ فيها على الجهادِ إذا كانَ العملُ فيها مستغرقًا لأيَّامِ العشرِ، فيَفْضُلُ على جهادٍ في عددِ تلكَ الأيَّامِ مِن غيرِ العشرِ. وإنْ كانَ العملُ مستغرقًا لبعضِ أيَّامِ العشرِ؛ فهوَ أفضلُ مِن جهادٍ في نظيرِ ذلكَ الزَّمانِ مِن غيرِ العشرِ.
واسْتُدِلَّ على ذلكَ بأنَّ النَّبيَّ - ﷺ - جَعَلَ العملَ الدَّائمَ الذي لا يَفْتُرُ مِن صيامٍ وصلاةٍ معادلًا للجهادِ في أيِّ وقتٍ كانَ، فإذا وَقَعَ ذلكَ العملُ الدَّائمُ في العشرِ؛ كانَ أفضلَ مِن الجهادِ [في سبيلِ اللهِ] في مثلِ أيَّامِهِ؛ لفضلِ العشرِ وشرفِهِ.
ففي الصَّحيحينِ (^١): عن أبي هُرَيْرَةَ؛ قالَ: جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ - ﷺ -، فقالَ: دُلَّني على عملٍ يَعْدِلُ الجهادَ. قالَ: "لا أجِدُهُ". قالَ: "هل تَسْتَطيعُ إذا خَرَجَ المجاهدُ أنْ تَدْخُلَ مسجدَكَ فتَقومَ ولا تَفْتُرَ وتَصومَ ولا تُفْطِرَ؟ ". قالَ: ومَن يَسْتَطيعُ ذلكَ؟! ولفظُهُ للبُخارِيِّ. ولمسلمٍ معناهُ، وزادَ: ثمَّ قالَ:"مثلُ المجاهدِ في سبيلِ اللهِ كمثلِ الصَّائمِ القائمِ القانتِ بآياتِ اللهِ الذي لا يَفْتُرُ مِن صلاةٍ ولا صيامٍ حتَّى يَرْجِعَ المجاهدُ في سبيلِ اللهِ". وللبُخارِيِّ (^٢): "مثلُ المجاهدِ في سبيلِ اللهِ - واللهُ أعلمُ بمَن يُجاهِدُ في سبيلِهِ - كمثلِ الصِّائمِ القائمِ". وللنَّسائِيِّ (^٣): "كمثلِ الصَّائمِ القائمِ الخاشعِ الرَّاكعِ السَّاجدِ".
ويَدُلُّ على أنَّ المرادَ تفضيلُهُ على جهادٍ في مثلِ أيَّامِهِ خاصَّةً ما [وَرَدَ] في "صحيح ابن حِبَّان": عن جابِرٍ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "ما مِن أيَّامٍ أفضلُ عندَ اللهِ مِن أيَّامِ عشرِ ذي
_________________
(١) البخاري (٥٦ - الجهاد، ١ - فضل الجهاد، ٦/ ٤/ ٢٧٨٥)، ومسلم (٣٣ - الإمارة، ٢٩ - فضل الشهادة، ٣/ ١٤٩٨/ ١٨٧٨).
(٢) (٥٦ - الجهاد، ٢ - أفضل الناس، ٦/ ٦/ ٢٧٨٧).
(٣) في "الكبرى" (٤٣٣٥) و"المجتبى" (٢٥ - الجهاد، ١٦ - مثل المجاهد، ٦/ ١٨/ ٣١٢٧) من طريق البخاري الأخيرة نفسها.
[ ٥٨٨ ]
الحجَّةِ". فقالَ رجلٌ: يا رسولَ اللهِ! هوَ أفضلُ أم عدَّتُهُنَّ جهادًا في سبيلِ اللهِ؟ قالَ: "هوَ أفضلُ مِن عدَّتِهنَّ جهادًا في سبيلِ اللهِ" (^١). فلم يُفَضِّلِ العملَ في العشرِ إلَّا على الجهادِ في عدَّةِ أيَّامِ العشرِ لا مطلقًا.
وأمَّا ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ كلَّ يومٍ منهُ يَعْدِلُ سنةً أو شهرينِ أو ألفَ يومٍ؛ فكلُّها مِن أحاديثِ الفضائلِ ليستْ بقويَّةٍ.
ثمَّ [إنَّ] أكثرَ ما وَرَدَ ذلكَ في صيامِها، والصِّيامُ لهُ خصوصيَّةٌ في المضاعفةِ؛ فإنَّهُ للهِ، واللهُ يَجْزي بهِ.
فإنْ قيلَ: إنَّهُ لا يَخْتَصُّ بالصَّومِ، بل يَعُمُّ سائرَ الأعمالِ. فإنَّما يَدُلُّ على تفضيلِ كلِّ عملٍ في العشرِ على مثلِ ذلكَ في غيرِهِ سنةً، فلا يَدْخُلُ فيهِ إلَّا تفضيلُ مَن جاهَدَ في العشرِ على مَن جاهَدَ في غيرِهِ سنةً (^٢).
وإذا قيلَ: يَلْزَمُ مِن تفضيلِ العملِ في هذا العشرِ على كلِّ عشرٍ غيرِهِ أنْ يَكونَ صيامُ هذا العشرِ أفضلَ مِن صومِ عشرِ رمضانَ وقيامُ لياليهِ أفضلَ مِن قيامِ لياليهِ. قيلَ: أمَّا صيامُ رمضانَ؛ فأفضلُ مِن صيامِهِ بلا شكٍّ؛ فإنَّ صومَ الفرضِ أفضلُ مِن النَّفلِ بلا تردُّدٍ، وحينئذٍ فيَكونُ المرادُ أنَّ ما فُعِلَ في العشرِ مِن فرضٍ فهوَ أفضلُ ممَّا فُعِلَ في عشرٍ غيرِهِ مِن فرضٍ، فقد تُضاعَفُ صلواتُهُ المكتوبةُ على صلواتِ عشرِ رمضانَ، وما فُعِلَ فيهِ مِن
_________________
(١) (ضعيف بهذا التمام). رواه: البزّار (١١٢٨ - كشف)، وأبو يعلى (٢٠٩٠)، وأبو عوانة (٢/ ٤٥٩ - فتح)، وابن حبّان (٣٨٥٣)، والإسماعيلي في "الشيوخ" (١/ ٣٢٧)، وأبو موسى المديني (٤٦٦ - لطائف)؛ من طرق، عن أبي الزبير، عن جابر … رفعه. قال المنذري: "البزّار بإسناد حسن وأبو يعلى بإسناد صحيح". وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٢٥٦): "فيه محمّد بن مروان العقيلي وثّقه ابن معين وابن حبّان وفيه بعض كلام". قلت: توبع من وجهين، فإعلاله به غير متوجّه. وقال الهيثمي مرّة (٤/ ٢٠): "إسناده حسن رجاله ثقات". قلت: أمّا أنّهم ثقات؛ فنعم، وأمّا أنّه حسن؛ فلا؛ فإنّ فيه عنعنة أبي الزبير على كثرة تدليسه عن جابر ﵁. فهذه علّة هذا الحديث القادحة. وهاهنا علّة أُخرى أشار إليها ابن رجب (ص ٥٩١) بقوله: "وروي مرسلًا وقيل إنّه أصحّ". قلت: لم أقف عليه مرسلًا. وقوّاه الألباني بشواهده، وهو كذلك بلا ريب. لكنّ فيه زيادات لم ترد في شواهده: منها ذكر "عدّتهنّ"، ومنها تسوية لياليهنّ بأيّامهنّ، ومنها زيادة "إلّا من عفّر وجهه بالتراب"، ومنها زيادة "وما من يوم أفضل من يوم عرفة". فالشواهد قاصرة عن تقوية هذه الزيادات الأربع. والله أعلم.
(٢) أوليس ضعف الحديث مغنيًا عن تكلّف التوجيهات له؟!
[ ٥٨٩ ]
نفلٍ فهوَ أفضلُ ممَّا فُعِلَ في غيرِهِ مِن نفلٍ (^١).
• وقدِ اخْتَلَفَ عُمَرُ وعَلِيٌّ ﵄ في قضاءِ رمضانَ في عشرِ ذي الحجَّةِ: فكانَ عُمَرُ يَسْتَحِبُّهُ لفضلِ أيَّامِهِ، فيَكونُ قضاءُ رمضانَ فيهِ أفضلَ مِن غيرِهِ، وهذا يَدُلُّ على مضاعفةِ الفرضِ فيهِ على النَّفلِ. وكانَ عَلِيٌّ يَنْهى عنهُ. وعنْ أحْمَدَ في ذلكَ روايتانِ. وقد عُلِّلَ قولُ عَلِيٍّ بأنَّ القضاءَ فيهِ يَفوتُ بهِ فضلُ صيامِهِ تطوُّعًا، وبهذا عَلَّلَهُ الإمامُ أحْمَدُ وغيرُهُ. وقد قيلَ: إنَّهُ يَحْصُلُ بهِ فضيلةُ صيامِ التَّطوُّعِ أيضًا، وهذا على قولِ مَن يَقولُ: إنَّ مَن نَذَرَ صيامَ شهرٍ فصامَ رمضانَ؛ أجْزَأهُ عن نذرِهِ وفرضِهِ متوجِّهٌ. وقد عُلِّلَ بغيرِ ذلكَ.
وأمَّا قيامُ لياليهِ وتفضيلُ قيامِهِ على قيامِ عشرِ رمضانَ، فيَأْتي الكلامُ فيهِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.