• قد سَبَقَ (^٢) حديثُ ابنِ عُمَرَ المرفوعُ: "ما مِن أيَّامٍ أعظمَ عندَ اللهِ ولا أحبَّ إليهِ العملُ فيهنَّ مِن هذهِ الأيَّامِ العشرِ".
وفي "صحيح ابن حِبَّان": عن جابرٍ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "ما مِن أيَّامٍ أفضلَ عندَ اللهِ مِن أيَّامِ عشرِ ذي الحجَّةِ" (^٣). وقد تَقَدَّمَ.
ورُوِّيْناهُ مِن وجهٍ آخرَ بزيادةٍ، وهيَ: "ولا لياليَ أفضلَ مِن لياليهِنَّ". قيلَ: يا رسولَ اللهِ! هنَّ أفضلُ مِن عدَّتهنَّ جهادًا في سبيلِ اللهِ؟ قالَ: "هنَّ أفضلُ مِن عدَّتهِنَّ (^٤) جهادًا في سبيلِ اللهِ؛ إلَّا مَن عُفِّرَ وجهُهُ تعفيرًا. وما مِن يومٍ أفضلَ مِن يومِ عرفةَ" (^٥).
_________________
(١) في خ: "تضاعف صلاة المكتوبة … من نفل وغيره"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٢) (صحيح). تقدم تفصيل القول فيه (ص ٥٨٥).
(٣) (صحيح لشواهده). تقدّم نصّه وبيان ضعفه (ص ٥٨٩)، لكنّ هذه القطعة بالتحديد صحيحة بشواهدها، ومنها حديث ابن عمر المتفق عليه المتقدّم قبله.
(٤) في خ: "من عدّهنّ جهادًا … من عدّهن"! والصواب ما أثبتّه من م ون وط.
(٥) (ضعيف). تقدّم الكلام في إسناده (ص ٥٨٩).
[ ٥٩٠ ]
خَرَّجَهُ الحافظُ أبو موسى المَدِينِيُّ مِن جهةِ أبي نُعَيْمٍ (^١) الحافِظِ بالإسنادِ الذي خَرَّجَهُ بهِ ابنُ حِبَّانَ.
وخَرَّجَ البَزَّارُ وغيرُهُ مِن حديثِ: جابِرٍ أيضَّاَ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "أفضلُ أيَّامِ الدُّنيا أيَّامُ العشرِ". قالوا: يا رسولَ اللهِ! ولا مثلُهُنَّ في سبيلِ اللهِ؟ قالَ: "ولا مثلُهُنَّ في سبيلِ اللهِ؛ إلَّا مَن عُفِّرَ وجهُهُ في التُّرابِ" (^٢). ورُوِيَ مرسلًا وقيلَ: إنَّهُ أصحُّ.
وقد سَبَقَ ما رُوِيَ عنِ ابنِ عُمَرَ؛ قالَ: ليسَ يومٌ أعظمَ عندَ اللهِ مِن يومِ الجمعةِ، ليسَ العشرَ. وهوَ يَدُلُّ على أنَّ أيَّامَ العشرِ أفضلُ مِن يومِ الجمعةِ الذي هوَ أفضلُ الأيَّامِ.
وقال سُهَيْلُ بنُ أبي صالحٍ، عن أبيهِ، عن كَعْبٍ؛ قالَ: اخْتارَ اللهُ الزَّمانَ، فأحبُّ الزَّمانِ إلى اللهِ الشَّهرُ الحرامُ، وأحبُّ الأشهرِ الحرمِ إلى اللهِ ذو الحجَّةِ، وأحبُّ ذي الحجَّةِ إلى اللهِ العشرُ الأوَّلُ (^٣). ورَواهُ بعضُهُم عن سُهَيْلٍ عن أبيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ ورَفَعَهُ، ولا يَصِحُّ ذلكَ.
وقال مَسْروقٌ في قولِهِ تَعالى ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢]: هيَ أفضلُ أيَّامِ السَّنةِ. خَرَّجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وغيرُهُ.
وأيضًا؛ فأيَّامُ هذا العشرِ يَشْتَمِلُ على يومِ عرفةَ، وقد رُوِيَ أنَّهُ أفضلُ أيَّامِ الدُّنيا، كما [جاءَ] في حديثِ جابِرٍ الذي ذَكَرْناهُ (^٤).
وفيهِ يومُ النَّحرِ. وفي حديثِ: عَبْدِ اللهِ بنِ قُرْطٍ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ أنَّهُ قالَ: "أعظمُ الأيَّامِ عندَ اللهِ يومُ النَّحرِ ثمَّ يومُ القرِّ" (^٥). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وأبو داوودَ وغيرُهُما.
_________________
(١) في خ وم: "المدينيّ وخرّجه أبو نعيم"، وما أثبتّه من ن وط أولى بالصواب.
(٢) (ضعيف): تقدّم الكلام في إسناده (ص ٥٨٩).
(٣) (منكر مرفوعًا). رواه ابن عدي (٤/ ١٥٨٩) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة … رفعه. وهذا سند ساقط: عبد الرحمن العمري هذا متّهم متروك، وقد خالف جماعة الثقات الذين رووه عند ابن نصر في "تعظيم الصلاة" (٣٢٦) وأبي نعيم في "الحلية" (٦/ ١٥) عن سهيل عن أبيه عن السلولي عن كعب موقوفًا. ولذلك استنكره ابن عدي والذهبي وابن رجب.
(٤) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٥٨٩).
(٥) (صحيح). رواه: أحمد (٤/ ٣٥٠)، والبخاري في "التاريخ" (٥/ ٣٤)، وأبو داوود (٥ - =
[ ٥٩١ ]
وهذا كلُّهُ يَدُلُّ على أنَّ عشرَ ذي الحجَّةِ أفضلُ مِن غيرِهِ مِن الأيَّامِ مِن غيرِ استثناءٍ. هذا في أيَّامِهِ.
• فأمَّا لياليهِ؛ فمِن المتأخِّرينَ (^١) مَن زَعَمَ أنَّ لياليَ عشرِ رمضانَ أفضلُ مِن لياليهِ لاشتمالِها على ليلةِ القدرِ. وهذا بعيدٌ جدًّا (^٢). ولو صَحَّ حديثُ أبي هُرَيْرَةَ "قيامُ كلِّ ليلةٍ منها بقيامِ ليلةِ القدرِ"؛ لَكانَ صريحًا في تفضيلِ لياليهِ على ليالي عشرِ رمضانَ؛ فإنَّ عشرَ رمضانَ فُضِّلَ بليلةٍ واحدةٍ فيهِ، وهذا جميعُ لياليهِ مساويةٌ لها في القيامِ على هذا الحديثِ (^٣). ولكنَّ حديثَ جابِرٍ الذي خَرَّجَهُ أبو موسى صريحٌ في تفضيلِ لياليهِ كتفضيلِ أيَّامِهِ أيضًا (^٤)، والأيَّامُ إذا أُطْلِقَتْ دَخَلَتْ فيها الليالي تبعًا، وكذلكَ الليالي تَدْخُلُ أيَّامُها تبعًا.
وقد أقْسَمَ اللهُ تَعالى بلياليهِ فقالَ تَعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٢]، وهذا يَدُلُّ على فضيلةِ لياليهِ أيضًا (^٥).
لكنْ لم يَثْبُتْ أنَّ لياليَهُ ولا شيئًا منها يَعْدِلُ ليلةَ القدرِ.
وقد زَعَمَ طوائفُ مِن أصحابِنا أنَّ ليلةَ الجمعةِ أفضلُ مِن ليلةِ القدرِ،
_________________
(١) = المناسك، ١٩ - الهدي إذا عطب، ١/ ٥٤٨/ ١٧٦٥)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٢٤٠٧ و٢٤٠٨)، والنسائي في "الكبرى" (٤٠٩٨)، وابن خزيمة (٢٨٦٦ و٢٩١٧ و٢٩٦٦)، والطحاوي (٣/ ٥٠)، وابن قانع (٢/ ١٠٣ - ١٠٤/ ٥٥٥)، وابن حبّان (٢٨١١)، والطبراني في "الأوسط" (٢٤٤٢) و"الشاميّين" (٤٧٥)، والحاكم (٤/ ٢٢١)، والبيهقي (٥/ ٢٣٧ و٢٤١، ٧/ ٢٨٨)، والخطيب في "الجمع والتفريق" (٢/ ١٨٩)، وابن عساكر (٣٢/ ٥ - ٧)، وابن الأثير في "الغابة" (٣/ ٦٠)، والمزّي (١٥/ ٤٤٥)؛ من طريق ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، عن عبد الله بن لحيّ، عن عبد الله بن قرط … رفعه. وهذا إسناد رجاله ثقات، وقد صحّحه ابن خزيمة وابن حبّان والحاكم والبيهقي والذهبي والألباني.
(٢) كأنّه يعني شيخي الإسلام فإنّهما يقولان بهذا القول.
(٣) لست أدري لماذا! مع أنّه قول وجيه جدًّا! ودخول ليالي العشر في أيّامه لا يعني أنّها تساويها تمامًا في الفضل، بل فضل النهار فيها على الليل ظاهر لأنّ معظم أعمال الحجّ تقع في النهار. فأيّ بعد في أن تكون ليالي عشر رمضان خيرًا من ليالي عشر ذي الحجّة وأيّام عشر ذي الحجّة خيرًا من أيّام عشر رمضان؟!
(٤) ولكنّه غير صحيح كما تقدّم.
(٥) ولكنّه غير صحيح كما تقدّم.
(٦) فضل ليالي العشر ليس موضع أخذ وردّ، وإنّما الكلام في فضل لياليه على ليالي عشر رمضان.
[ ٥٩٢ ]
ولكنْ لا يَصِحُّ ذلكَ عن أحْمَدَ. فعلى قولِ هؤلاءِ لا يُسْتَبْعَدُ تفضيلُ ليالي هذا العشرِ على ليلةِ القدرِ.
والتَّحقيقُ ما قالَهُ بعضُ أعيانِ المتأخِّرينَ مِن العلماءِ؛ أنْ يُقالَ: مجموعُ هذا العشرِ أفضلُ مِن مجموعِ عشرِ رمضانَ، وإنْ كانَ في عشرِ رمضانَ ليلةٌ لا يَفْضُلُ عليها غيرُها. واللهُ أعلمُ.
• وما تَقَدَّمَ عن كَعْبٍ يَدُلُّ على أنَّ شهرَ ذي الحجَّةِ أفضلُ الأشهرِ الحرمِ الأربعةِ.
وكذا قالَ سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ راوي هذا الحديثِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ: ما مِن الشُّهورِ شهرٌ أعظمَ حرمةً مِن ذي الحجَّةِ.
وفي "مسند البزَّار": عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "سيِّدُ الشُّهورِ رمضانُ، وأعظمُها حرمةً ذو الحجَّةِ" (^١). وفي إسنادِهِ ضعفٌ.
وفي "مسند الإمام أحْمَد": عن أبي سَعيدٍ أيضًا؛ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قالَ في حجَّةِ الوداعِ في خطبتِهِ يومَ النَّحرِ: "ألا إنَّ أحرمَ الأيَّامِ يومُكُم هذا، ألا وإنَّ أحرمَ الشُّهورِ شهرُكُم هذا، ألا وإنَّ أحرمَ البلادِ بلدُكُم هذا" (^٢). ورُوِيَ ذلكَ أيضًا عن جابِرٍ ووابِصَةَ بنِ مَعْبَدٍ ونُبَيْطِ بنِ شَريطٍ وغيرِهِم عنِ النَّبيِّ - ﷺ - (^٣).
_________________
(١) (موضوع). رواه: البزّار (٩٦٠ - كشف)، والبيهقي في "الشعب" (٣٦٣٧ و٣٧٥٥)؛ من طريق خالد بن يزيد، ثنا يزيد بن عبد الملك، عن صفوان بن سليم، عن عطاء، عن أبي سعيد … رفعه. قال البيهقي وابن رجب: "في إسناده ضعف". وقال الهيثمي (٣/ ١٤٣): "فيه يزيد بن عبد الملك النوفلي فيه لين وقد روى عنه جماعة". ورمز السيوطي لحسنه فردّه المناوي بإعلال الهيثمي. وقال الألباني: "ضعيف". قلت: ذهلوا جميعًا عن علّة الحديث الكبرى، وهي خالد بن يزيد المكي أبو الهيثم العمري؛ فإنّه كذّاب يضع الحديث، وقد تفرّد بهذا، فهو ممّا افترته يداه.
(٢) (صحيح). رواه: أحمد (٣/ ٨٠)، وابن ماجه (٣٦ - الفتن، ٢ - حرمة دم المؤمن، ٢/ ١٢٩٧/ ٣٩٣١)؛ من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد … رفعه. قال البوصيري: "إسناد صحيح رجاله ثقات". وصحّحه الألباني.
(٣) أمّا حديث جابر؛ فرواه: ابن أبي شيبة (٣٧١٥٤)، وأحمد (٣/ ٨٠ و٣١٣ و٣٧١)، والفاكهي (١٨٩٤)، وابن أبي عاصم في "الديات" (ص ٢٤)، وأبو يعلى (٢١١٣)؛ من أوجه قويّة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن جابر … رفعه. قال الهيثمي (٣/ ٢٧١): "رجاله رجال الصحيح". قلت: وقع في "مسند أبي يعلى": "عن أبي سفيان وأبي صالح أو أحدهما"، ولا يضرّ؛ لأنّه تردّد بين ثقتين أوّلًا، ولأنّ الطرق الأُخرى =
[ ٥٩٣ ]
وهذا كلُهُ يَدُلُّ على أنَّ شهرَ ذي الحجَّةِ أفضلُ الأشهرِ الحرمِ حيثُ كانَ أشدَّها حرمةً (^١).
وقد رُوِيَ عنِ الحَسَنِ أنَّ أفضلَها المحرَّمُ، وسَنَذْكُرُهُ عندَ ذكرِ شهرِ المحرَّمِ إنْ شاءَ اللهُ (^٢).
وأمَّا مَن قالَ: إنَّ أفضلَها رجبٌ؛ فقولُهُ مردودٌ.
• ولعشرِ ذي الحجَّةِ فضائلُ أُخرُ غيرُ ما تَقَدَّمَ:
* فمِن فضائلِهِ أنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ بهِ جملةً وببعضِهِ خصوصًا: قالَ تَعالى:
﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٢]. فأمَّا الفجرُ: فقيلَ: إنَّهُ أرادَ جنسَ الفجرِ.
_________________
(١) = بيّنت أنّه أبو صالح لا أبو سفيان فارتفع الخلاف وصحّ السند. وأمّا حديث وابصة؛ فوقفت له على ثلاثة وجوه: روى أوّلها: الطبراني (٢٢/ ١٤٧/ ٤٠١) من طريق طلحة بن زيد، عن راشد بن أبي راشد، عن وابصة … رفعه. قال الهيثمي (١/ ١٤٤): "طلحة بن زيد اتّهم بوضع الحديث". وروى الثاني: ابن أبي عاصم في "الآحاد" (١٠٥٢)، والبزّار (١٤٥ - كشف)، وأبو يعلى (١٥٨٩)، والطبراني في "الأوسط" (٤١٦٨)، وابن عساكر (٢٠/ ٨٣)؛ من طريقين ضعيفتين، عن جعفر بن برقان، عن شدّاد مولى عياض، عن وابصة … رفعه. قال الهيثمي (٣/ ٢٧٣): "رجاله موثّقون"، وأقرّه العسقلاني، قلت: شدّاد لا يعرف. وروى الثالث: ابن أبي عاصم في "الآحاد" (١٠٥٣)، وأبو يعلى (١٥٩٠)، وابن عساكر (٢٠/ ٨٣ و٨٤)؛ من ثلاث طرق إحداها قويّة، عن جعفر بن برقان، ثني سالم بن وابصة، عن أبيه … رفعه. وهذا سند حسن. وختامًا؛ فإمّا أنّ لجعفر في هذا الحديث شيخين، وهو الظاهر الراجح، فيتقوّى وجهه الثالث بالثاني ويصحّ. وإمّا أنّ الرواة أختلفوا عليه، فيسقط الثاني ويسلم الثالث لقوّة موارده، ويكون الحديث صحيحًا لشواهده. وأمّا حديث نبيط؛ فرواه: ابن سعد (٢/ ١٨٤، ٦/ ٢٩)، وأحمد (٤/ ٣٠٥)، والفاكهي (١٨٩٤)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (١٢٩٨)، والنسائي في "الكبرى" (٤٠٩٧)، والبغوي (٢/ ١٤٨ - إصابة)، وابن السكن (٢/ ١٤٨ - إصابة)، وابن قانع في "المعجم" (١/ ٣٤٦/ ٤٣٤، ٣/ ١٦٩/ ١١٤٤)، وابن حزم في "حجّة الوداع" (١٥٠)، والبيهقي (٣/ ٢١٥)، والضياء (٧/ ٢٤٠/ ٢٦٨٤)، والذهبي في "النبلاء" (١٢/ ١٥١)؛ من طرق، عن أبي مالك الأشجعي، عن نبيط بن شريط … رفعه. وهذا سند صحيح، لولا أنّهم اختلفوا: فقال بعضهم "عن نبيط عن النبيّ - ﷺ -"، وقال بعضهم "عن نبيط عن أبيه شريط بن أنس عن النبيّ"، ولا يضرّ، فكلاهما سمعه من النبيّ - ﷺ -، نصّت بعض الروايات على ذلك. وفي الباب عن جماعة ينظر لهم: "جامع الأُصول" (١/ ٢٥٨/ ٥٢)، و"مجمع الزوائد" (٣/ ٢٦٨).
(٢) كون ذي الحجّة أشدّ الأشهر حرمة لا يقتضي أنّه أفضلها بالضرورة. ألا ترى أنّه ليس أفضل من رمضان مع أنّ رمضان ليس من الأشهر الحرم؟ ألا ترى أنّ الحسن مال إلى تفضيل المحرّم عليه؟
(٣) هذا يدلّ على أنّ ابن رجب يرحمه الله لم يصنّف كتابه على ترتيب الأشهر ابتداء من المحرّم.
[ ٥٩٤ ]
وهلِ: المرادُ طلوعُ الفجرِ أو صلاةُ الفجرِ أوِ النَّهارُ كلُّهُ؟ فيهِ اختلافٌ بينَ المفسِّرينَ. وقيلَ: إنَّهُ أُريدَ بهِ فجرٌ معيَّنٌ. ثمَّ قيلَ: إنَّهُ أُريدَ بهِ فجرُ أوَّلِ يومٍ مِن عشرِ ذي الحجَّةِ. وقيلَ: بل أُريدَ [بهِ] فجرُ آخرِ يومٍ منهُ، وهوَ يومُ النَّحرِ. وعلى جميعِ هذهِ الأقوالِ فالعشرُ يَشْتَمِلُ على الفجرِ الذي أقْسَمَ اللهُ بهِ.
وأمَّا الليالي العشرِ؛ فهيَ عشرُ ذي الحجَّةِ. هذا الصَّحيحُ الذي عليهِ جمهورُ المفسِّرينَ مِن السَّلفِ وغيرِهِم، وهوَ الصَّحيحُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، رُوِيَ عنهُ مِن غيرِ وجهٍ، والرِّوايةُ عنهُ أنَّهُ عشرُ رمضانَ إسنادُها ضعيفٌ. وفيهِ حديثٌ مرفوعٌ خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ في "التَّفسير" مِن روايةِ: زَيْدِ بنِ الحُبَابِ، حَدَّثَنا عَيَّاشُ بنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنا خَيْرُ بنُ نُعَيْمٍ (^١)، عن أبي الزُّبَيْرِ، عن جابِرٍ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "العشرُ عشرُ الأضحى، والوترُ يومُ عرفةَ، والشَّفعُ يومُ النَّحرِ" (^٢). وهوَ إسنادٌ حسنٌ.
وكذا فَسَّرَ الشَّفعَ والوترَ ابنُ عَبَّاسٍ في روايةِ عِكْرِمَةَ وغيرِهِ، وفَسَّرَهُما أيضًا بذلكَ عِكْرِمَةُ والضَّحَّاكُ وغيرُ واحدٍ. وقد قيلَ في الشَّفعِ والوترِ أقوالٌ كثيرةٌ، وأكثرُها لا يَخْرُجُ عن أنْ يَكونَ العشرُ أو بعضُهُ مشتملًا على الشَّفعِ والوترِ أو أحدِهِما: كقولِ مَن قالَ: هيَ الصَّلاةُ منها شفعٌ ومنها وترٌ، وقد خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ عنِ النَّبيِّ - ﷺ -" (^٣). وقولِ مَن قالَ: هيَ المخلوقاتُ منها شفعٌ ومنها وترٌ. يَدْخُلُ
_________________
(١) في خ: "جرير بن نعيم"! وهذا تحريف صوابه ما أثبتّه من م ون وط.
(٢) (ضعيف). رواه: أحمد (٣/ ٣٢٧)، والبزّار (٢٢٨٦ - كشف)، والنسائي في "الكبرى" (١١٦٧١ و١١٦٧٢)، والطبري (٣٧٠٧٣)، وابن المنذر في "التفسير" (الفجر ٢ - الدرّ)، وابن أبي حاتم (الفجر ٢ - ابن كثير)، والحاكم (٤/ ٢٢٠)، وابن مردويه؛ من طريق قويّة، عن أبي الزبير، عن جابر … رفعه. قال البزّار: "لا نعلمه يروى عن جابر إلّا بهذا الإسناد". وقال الحاكم: "على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي (٧/ ١٤٠): "رجال الصحيح غير عيّاش بن عقبة وهو ثقة"، وهذا أدقّ من قول الحاكم والذهبيّ فإنّ مسلمًا لم يخرّج لعيّاش. لكن هاهنا علّة قادحة، وهي أنّ أبا الزبير عنعن على كثرة تدليسه عن جابر، ولذلك - والله أعلم - قال ابن كثير: "رجاله لا بأس بهم، وعندي أنّ المتن في رفعه نكارة".
(٣) (ضعيف). رواه: أحمد (٤/ ٤٣٧ و٤٣٨ و٤٤٢)، وعبد بن حميد (الفجر ٣ - الدرّ المنثور)، والترمذي (٤٨ - التفسير، ٧٩ - سورة الفجر، ٥/ ٤٤٠/ ٣٣٤٢)، والطبري (٣٧٠٩٧ و٣٧٠٩٨ و٣٧٠٩٩)، والروياني (١٢٤ و١٤٨)، وابن أبي حاتم (سورة الفجر ٣ - ابن كثير)، والطبراني (١٨/ ٢٣٢/ ٥٧٨ و٥٧٩)، والحاكم (٢/ ٥٢٢)، وابن مردويه (الفجر ٣ - الدرّ)، والمزّي في "التهذيب" (٢٢/ ٣٤١)؛ من طريق قتادة، عن =
[ ٥٩٥ ]
فيها أيَّامُ العشرِ. وقولِ مَن قالَ: الشَّفعُ الخلقُ كلُّهُ والوترُ اللهُ تَعالى؛ فإنَّ أيَّامَ العشرِ مِن جملةِ المخلوقاتِ.
* ومِن فضائلِهِ أيضًا: أنَّهُ مِن جملةِ الأربعينَ التي واعَدَها اللهُ [﷿] لموسى ﵇ (^١). قالَ تَعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]. لكنْ هل عشرُ ذي الحجَّةِ خاتمةُ الأربعينَ فيَكونَ هوَ العشرَ الذي أُتِمَّ بهِ الثَّلاثونَ، أم هوَ أوَّلُ الأربعينَ فيَكونَ مِن جملةِ الثَّلاثينَ التي أُتِمَّتْ بعشرٍ. فيهِ اختلافٌ بينَ المفسِّرينَ.
رَوى: عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن يَزيدَ بنِ أبي زِيادٍ، عن مُجاهِدٍ؛ قالَ: ما مِن عملٍ في أيَّامِ السَّنةِ أفضلَ منهُ في العشرِ مِن ذي الحجَّةِ، وهيَ العشرُ التي أتَمَّها اللهُ لموسى ﵇ (^٢).
* ومِن فضائلِهِ: أنَّهُ خاتمةُ الأشهرِ المعلوماتِ أشهرِ الحجِّ، التي قالَ اللهُ فيها: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وهيَ شوَّالٌ وذو القعدةِ وعشرٌ مِن ذي الحجَّةِ (^٣). رُوِيَ ذلكَ عن عُمَرَ وابنِهِ عَبْدِ اللهِ وعَلِيٍّ وابنِ مَسْعودٍ وابنِ عَبَّاسٍ وابنِ الزُّبَيْرِ وغيرِهِم، وهوَ قولُ أكثرِ التَّابعينَ ومذهبُ الشَّافِعِيِّ وأحْمَدَ وأبي حَنيفَةَ وأبي يوسُفَ وأبي ثَوْرٍ وغيرِهِم، لكنِ الشَّافِعِيُّ وطائفةٌ أخْرَجوا منهُ يومَ النَّحرِ وأدْخَلَهُ فيهِ الأكثرونَ؛ لأنَّهُ يومُ الحجِّ الأكبرِ، وفيهِ يَقَعُ أكثرُ أفعالِ مناسكِ الحجِّ. وقالَتْ طائفةٌ: ذو الحجَّةِ كلُّهُ
_________________
(١) = عمران بن عصام، [عن] شيخ من أهل البصرة، عن عمران بن حصين … رفعه. وهذا سند ضعيف فيه علل: أولاها: أنّ عمران بن عصام هذا مجهول. والثانية: أنّ شيخه البصري مبهم، ومنهم من أسقط "عن" وجعل عمران هو الشيخ البصري نفسه. والثالثة: أنّه رواه: عبد الرزّاق في "التفسير" (٣٥٩٧)، وعبد بن حميد (الفجر ٣ - الدرّ)، وابن جرير (٣٧٠٩٤ و٣٧٠٩٥)؛ عن قتادة، عن عمران … موقوفًا. وقد صحّح الحاكم هذا الحديث ووافقه الذهبي، وردّه العسقلاني في "الفتح" (٨/ ٧٠٢) بقوله: "أخرجه الحاكم من هذا الوجه فسقط من روايته المبهم فاغترّ فصحّحه". وقال ابن كثير: "وعندي أنّ وقفه على عمران بن حصين أشبه". وقال الألباني: "ضعيف الإسناد".
(٢) (لا أصل له في المرفوع). كما تقدّم (ص ٥٧٧).
(٣) ويزيد بن أبي زياد ضعيف.
(٤) وأيّام التشريق أيضًا! فهذه لا بدَّ أن تكون من أيّام الحجّ وشهوره!
[ ٥٩٦ ]
مِن أشهرِ الحجِّ، وهوَ قولُ مالِكِ والشَّافِعِيّ في القديمِ وروايةٌ عنِ ابنِ عُمَرَ أيضًا ورُوِيَ عن طائفةٍ مِن السَّلفِ، وفيهِ حديثٌ مرفوعٌ خَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ لكنَّهُ لا يَصِحُّ (^١). والكلامُ في هذهِ المسألةِ يَطولُ، وليسَ هذا موضعَهُ.
* ومِن فضائلِهِ: أنَّهُ الأيَّامُ المعلوماتُ التي شَرَعَ اللهُ تَعالى ذكرَهُ فيها على ما رَزَقَ مِن بهيمةِ الأنعامِ. قالَ تَعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحجّ: ٢٧ - ٢٨].
وجمهورُ العلماءِ على أنَّ هذهِ الأيَّامَ المعلوماتِ هيَ عشرُ ذي الحجَّةِ، منهُمُ ابنُ عُمَرَ وابنُ عَبَّاسٍ والحَسَنُ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ والنَّخَعِيُّ، وهوَ قولُ أبي حَنيفَةَ والشَّافِعِيِّ وأحْمَدَ في المشهورِ عنهُ.
ورُوِيَ عن أبي موسى الأشْعَرِيّ أنَّ الأيَّامَ المعلوماتِ هيَ تسعُ ذي الحجَّةِ غيرَ يومِ النَّحرِ، وأنَّهُ قالَ: لا يُرَدُّ فيهنَّ الدُّعاءُ. خَرَّجَهُ جَعْفَرٌ الفِرْيابِيُّ وغيرُهُ.
وقالَتْ طائفةٌ: هيَ أيَّامُ الذَّبحِ. ورُوِيَ عن طائفةٍ مِن السَّلفِ، وهوَ قولُ مالِكٍ وأبي يوسُفَ، وجَعَلوا ذكرَ اللهِ فيها ذكرَهُ على الذَّبحِ، وهوَ قولُ ابنِ عُمَرَ ﵄. ونَقَلَ المَرُّوذِيُّ عن أحْمَدَ أنَّهُ اسْتَحْسَنَهُ.
والقولُ الأوَّلُ أظهرُ. وذكرُ اللهِ على بهيمةِ الأنعامِ لا يَخْتَصُّ بحالِ ذبحِها (^٢): كما
_________________
(١) (ضعيف). وقد جاء عن جماعة من الصحابة: فرواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (١٦٠٧) من حديث أبي أُمامة مرفوعًا بسند فيه حصين بن مخارق وهو ممّن يضع الحديث. ورواه الطبراني في "الأوسط" (٧٠٥٦) من حديث ابن عمر مرفوعًا بسند فيه: يحيى بن السكن ضعيف، وشريك سيّئ الحفظ، وإبراهيم بن مهاجر ليّن. ورواه: الطبراني في "الأوسط" (٥٠٣٩)، والخطيب في "التاريخ"؛ من حديث ابن عبّاس مرفوعًا بسند فيه: المفضّل بن صدقة ضعيف، وخصيف ليّن، ومقسم عن ابن عبّاس منقطع. وحسب مثل هذا أن يكون من تفاسير الصحابة، وأمّا الرفع؛ فواهٍ.
(٢) ولكنّه حال ذبحها أعمّ وأظهر، فاستثناء هذا العامّ الظاهر لا يخلو من نظر! والآية الكريمة لم تقيّد الأيّام المعلومات بعشر بغير زيادة، فما أدري ما الداعي للتضييق باستثناء أيّام منى؟!
[ ٥٩٧ ]
قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحجّ: ٣٧]، وقالَ تَعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحجّ: ٣٤]. وأيضًا فقد قالَ تَعالى بعدَ هذا: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحجّ: ٢٨ - ٢٩]، فجَعَلَ هذا كلَّهُ بعدَ ذكرِهِ في الأيَّامِ المعلوماتِ وقضاءِ التَّفثِ، وهوَ شعثُ الحجِّ وغبارُهُ ونصبُهُ. والطَّوافُ بالبيتِ إنَّما يَكونُ في يومِ النَّحرِ وما بعدَهُ ولا يَكونُ قبلَهُ (^١). وقد جَعَلَ اللهُ سبحانَهُ هذا مرتَّبًا على ذكرِهِ في الأيَّامِ المعلوماتِ بلفظةِ ﴿ثُمَّ﴾، فدَلَّ على أنَّ المرادَ بالأيَّامِ المعلوماتِ ما قبلَ يومِ النَّحرِ، وهوَ عشرُ ذي الحجَّةِ.
وأمَّا قولُهُ تَعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحجّ: ٢٨]: فقيلَ: إنَّ المرادَ ذكرُهُ عندَ ذبحِها، وهوَ حاصلٌ بذكرِهِ في يومِ النَّحرِ؛ فإنَّهُ أفضلُ أيَّامِ النَّحرِ. والأصحُّ أنَّهُ إنَّما أُريدَ ذكرُهُ شكرًا على نعمتِهِ بتسخيرِ بهيمةِ الأنعامِ لعبادِهِ؛ فإنَّ للهِ تَعالى على عبادِهِ في بهيمةِ الأنعامِ نعمًا كثيرةً قد عَدَّدَ بعضَها في مواضعَ مِن القرآنِ، والحاجُّ لهُم خصوصيَّةٌ في ذلكَ عن غيرِهِم:
فإنَّهُم يَسِيرونَ عليها إلى الحرمِ لقضاءِ نسكِهِم كما قالَ تَعالى: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحجّ: ٢٧]، وقالَ: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧].
ويَأْكُلونَ مِن لحومِها ويَشْرَبونَ مِن ألبانِها ويَنْتَفِعونَ بأصوافِها وأوبارِها وأشعارِها.
* ويَخْتَصُّ عشرُ ذي الحجَّةِ في حقِّ الحاجِّ بأنَّهُ زمنُ سوقِهِم [لـ]ـلهديِ الذي بهِ يَكْمُلُ فضلُ الحجِّ ويَأْكُلونَ مِن لحومِهِ في آخرِ العشرِ، وهوَ يومُ النَّحرِ. وأفضلُ سوقِ الهديِ مِن الميقاتِ (^٢)، ويُشْعَرُ ويُقَلَّدُ عندَ الإحرامِ، وتُقارِنُهُ التَّلبيةُ، وهيَ مِن الذِّكرِ للهِ
_________________
(١) يعني: الطواف الذي يتمّ به الحجّ أو الطواف الذي يُقضى به التفث.
(٢) بالنسبة لمن رغب بسوق الهدي والقران في حجّه، وذلك لأنّ النبيّ - ﷺ - ساق هديه من ذي الحليفة ميقات أهل المدينة. وأفضل من هذا كلّه التمتّع وشراء الهدي من مكّة.
[ ٥٩٨ ]
في الأيَّامِ المعلوماتِ.
وفي الحديثِ: "أفضلُ الحجِّ العجُّ والثَّجُّ" (^١).
وفي حديثٍ آخرَ: "عُجُّوا التَّكبيرَ عجًّا، وثُجُّوا الإبلَ ثجًّا" (^٢).
فيَكونُ كثرةُ ذكرِ اللهِ في أيَّامِ العشرِ شكرًا على هذهِ النِّعمِ المختصَّةِ ببهيمةِ الأنعامِ التي بعضُها يَتَعَلَّقُ بدينِ الحاجِّ وبعضُها يَتَعَلَّقُ بدنياهُم، وأفضلُ الأعمالِ ما كَثُرَ ذكرُ اللهِ تَعالى فيهِ، خصوصًا الحجَّ (^٣)، وقد أمَرَ اللهُ تَعالى بذكرِهِ كثيرًا في الحجِّ: قالَ تَعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩]، وهذا الذِّكرُ يَكونُ في عشرِ ذي الحجَّةِ. ثمَّ قالَ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وهذا يَقَعُ في يومِ النَّحرِ، وهوَ خاتمةُ العشرِ أيضًا. ثمَّ أمَرَ بذكرِهِ بعدَ العشرِ في الأيَّامِ المعدوداتِ، وهيَ أيَّامُ التَّشريقِ.
وفي "السُّنن": عنِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إنَّما جُعِلَ الطَّوافُ بالبيتِ والسَّعيُ بينَ الصَّفا والمروةِ ورميُ الجمارِ لإقامةِ ذكرِ اللهِ ﷿" (^٤).
_________________
(١) (حسن). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٥٢١).
(٢) (ضعيف جدًّا). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٥٢٢).
(٣) في خ: "وأفضل الأعمال كثرة ذكر الله فيها خصوضا الحجّ"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٤) (ضعيف). رواه: ابن أبي شيبة (١٥٣٢٨ و١٥٣٢٩)، وأحمد (٦/ ٦٤ و٧٥ و١٣٩)، والدارمي (٢/ ٥٠)، وأبو داوود (٥ - المناسك، ٥٠ - الرمل، ١/ ٥٨١/ ١٨٨٨)، والترمذي (٧ - الحجّ، ٦٤ - كيف ترمى الجمار، ٣/ ٢٤٦/ ٩٠٢)، وابن عديّ (٤/ ١٦٣٥)، والحاكم (١/ ٤٥٩)، والبيهقي في "السنن" (٥/ ١٤٥) و"الشعب" (٤٠٨١)؛ من طرق، عن عبيد الله بن أبي زياد، عن القاسم، عن عائشة … رفعته. قال الترمذي:"حسن صحيح". وأقرّه المنذري والألباني. قلت: لكنّ فيه عللًا: أولاها: أنّ ترجمة ابن أبي زياد ترجّح أنّه لا يحتجّ بما انفرد به، ولذلك قال الذهبي:"ليّن"، وقال العسقلاني: "ليس بالقويّ". والثانية: أنّه اضطرب فيه وقفًا ورفعًا، قال المزّي في "التحفة" (١٧٥٣٣): "رواه يحيى بن سعيد عن عبيد الله فجعله من قول عائشة، فأخبره أبو حفص الفلّاس بقول أبي داوود الخريبي وأبي عاصم [وهما ممّن رواه عن عبيد الله مرفوعًا]، فقال يحيى: قد سمعت عبيد الله يحدّثه مرفوعًا ولكنّي أهابه". قال المزّي: "ورواه أبو قتيبة سلم بن قتيبة عن سفيان عن عبيد الله ولم يرفعه". قلت: ورواه وكيع عن سفيان عند الحاكم فرفعه. والثالثة: =
[ ٥٩٩ ]
وفي "مسند الإمام أحْمَد": عن مُعاذِ بنِ أنَسٍ؛ أنَّ رجلًا قالَ: يا رسولَ اللهِ! أيُّ الجهادِ أعظمُ أجرًا؟ قالَ: "أكثرُهُم للهِ ذكرًا". قالَ: فأيُّ الصَّائمينَ أعظمُ أجرًا؟ قالَ: "أكثرُهُم للهِ ذكرًا". قالَ: ثمَّ ذَكَرَ الصَّلاةَ والزَّكاةَ والحجَّ والصَّدقةَ؛ كلُّ [ذلكَ] يَقولُ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "أكثرُهُم للهِ ذكرًا"، فقالَ أبو بكرٍ: يا أبا حَفْصٍ! ذَهَبَ الذَّاكرونَ بكلِّ خيرٍ. فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -:"أجل" (^١). وقد خَرَّجَهُ ابنُ المُبارَكِ وابنُ أبي الدُّنْيا مِن وجوهٍ أُخَرَ مرسلةٍ، وفي بعضِها: أيُّ الحجَّاجِ خيرٌ؟ قالَ: "أكثرُهُم ذكرًا للهِ". وفي بعضِها: أيُّ الحاجِّ أعظمُ أجرًا؟ قالَ: "أكثرُهُم للهِ ذكرًا" … وذَكَرَ بقيَّةَ الأعمالِ بمعنى ما تَقَدَّمَ (^٢).
* فهذا كلُّهُ بالنِّسبةِ إلى الحاجِّ. فأمَّا أهلُ الأمصارِ؛ فإنَّهُم يُشارِكونَ الحاجَّ في عشرِ ذي الحجَّةِ في الذِّكرِ وإعدادِ الهديِ.
فأمَّا إعدادُ الهديِ؛ فإنَّ العشرَ تُعَدُّ فيهِ الأضاحي كما يَسوقُ أهلُ الموسمِ الهديَ، ويُشارِكونَهُم في بعضِ إحرامِهِم؛ فإنَّ مَن دَخَلَ عليهِ العشرُ وأرادَ أنْ يُضَحِّيَ فلا يَأْخُذُ مِن شعرِهِ ولا مِن أظفارِهِ شيئًا كما رَوَتْ ذلكَ أُمُّ سَلَمَةَ عنِ النَّبيِّ - ﷺ -. خَرَّجَ حديثَها مسلمٌ (^٣)، وأخَذَ بذلكَ الشَّافِعِيُّ وأحْمَدُ وعامَّةُ فقهاءِ الحديثِ. ومنهُم مَن شَرَطَ أنْ يَكونَ قدِ اشْتَرَى هديَةُ قبلَ العشرِ، وأكثرُهُم لم يَشْتَرِطوا ذلكَ. وخالَفَ فيهِ مالِكٌ وأبو حَنيفَةَ وكثيرٌ مِن الفقهاءِ وقالوا: لا يُكْرَهُ شيءٌ مِن ذلكَ. واسْتَدَلُّوا بحديثِ عائِشَةَ: كُنْتُ أفْتِلُ قلائدَ الهديِ لرسولُ اللهِ - ﷺ - فلا يَحْرُمُ عليهِ شيءٌ أحَلَّة اللهُ لهُ (^٤). وأجابَ
_________________
(١) = أنّه خولف، قال المزّي: "وكذلك [يعني: موقوفًا] رواه أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن القاسم، وكذلك رواه يزيد بن زريع عن حسين المعلّم عن عطاء عن عائشة قولها". وعلى هذا؛ فقد اضطرب ابن زياد على لينه في هذا المتن وقفًا ورفعًا، وخولف فرواه من هو أوثق منه بدرجات موقوفًا، فبان أنّ الصواب فيه الوقف وأنّ رفعه منكر. وقد أورده الذهبي في "الميزان" في مناكير الرجل، خلافًا لمتابعته الحاكم على تصحيحه في "التلخيص". والله أعلم.
(٢) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٥٢١).
(٣) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٥٢١).
(٤) (٣٥ - الأضاحي، ٧ - النهي أن يأخذ من شعره، ٣/ ١٥٦٥/ ١٩٧٧).
(٥) رواه: البخاري (٢٥ - الحجّ، ١١٠ - تقليد الغنم، ٣/ ٥٤٧/ ١٧٠٢ و١٧٠٣)، ومسلم (١٥ - الحجّ، استحباب بعث الهدي، ٢/ ٩٥٧/ ١٣٢١).
[ ٦٠٠ ]
كثيرٌ مِن أهلِ القولِ الأوَّلِ بأنَّهُ يُجْمَعُ بينَ الحديثينِ فيُؤْخَذُ بحديثِ أُمِّ سَلَمَةَ فيمَن يُريدُ أنْ يُضَحِّيَ في مصرِهِ وبحديثِ عائِشَةَ فيمَن أرْسَلَ بهديِهِ معَ غيرِهِ وأقامَ في بلدِهِ. وكانَ اْبنُ عُمَرَ إذا ضَحَّى يومَ النَّحرِ حَلَقَ رأْسَهُ. ونَصَّ أحْمَدُ على ذلكَ.
واْخْتَلَفَ العلماءُ في التَّعريفِ بالأمصارِ عشيَّةَ عرفةَ، وكانَ الإمامُ أحْمَدُ لا يَفْعَلُهُ ولا يُنْكِرُ [هُ]، على مَن فَعَلَهُ؛ لأنَّهُ رُوِيَ عنِ اْبنِ عَبَّاسٍ وغيرِهِ مِن الصَّحابةِ.
وأمَّا مشاركتُهُم لهُم في الذِّكرِ في الأيَّامِ المعلوماتِ؛ فإنَّهُ يُشْرَعُ للنَّاسِ كلِّهِم الإكثارُ مِن ذكرِ اللهِ في أيَّامِ العشرِ خصوصًا، وقد سَبَقَ حديثُ اْبنِ عُمَرَ المرفوعُ "فأكْثِروا فيهنَّ مِن التَّهليلِ والتَّكبيرِ والتَّحميدِ" (^١).
واخْتَلَفَ العلماءُ: هل يُشْرَعُ إظهارُ التَّكبيرِ والجهرُ بهِ في الأسواقِ في العشرِ: فأنْكَرَهُ طائفةٌ، واْسْتَحَبَّهُ أحْمَدُ والشَّافِعِيُّ، لكنَّ الشَّافِعِيَّ خَصَّهُ بحالِ رؤيةِ بهيمةِ الأنعامِ، وأحْمَدُ يَسْتَحِبُّهُ مطلقًا.
وقد ذَكَرَ البُخارِيُّ في "صحيحه" عنِ اْبنِ عُمَرَ وأبي هُرَيْرَةَ أنَّهُما كانا يَخْرُجانِ إلى السُّوقِ في العشرِ فيُكَبِّرانِ ويُكَبِّرُ النَّاسُ بتكبيرِهِما.
ورَواهُ عَفَّانُ: حَدَّثَنا سَلَّامٌ أبو المُنْذِرِ، عن حُمَيْدٍ الأعْرَجِ، عن مُجاهِدٍ؛ قالَ: كانَ أبو هُرَيْرَةَ واْبنُ عُمَرَ يَأْتِيانِ السُّوقَ أيَّامَ العشرِ فيُكَبِّرانِ ويُكَبِّرُ النَّاسُ معَهُما، ولا يَأْتِيانِ لشيءٍ إلَّا لذلكَ.
ورَوى جَعْفَرٌ الفِرْيابِيُّ في "كتاب العيدين": حَدَّثَنا إسْحاقُ بنُ راهَوَيْهِ، أخْبَرَنا جَريرٌ، عن يَزيدَ بنِ أبي زِيادٍ؛ قالَ: رَأيْت سَعيدَ بنَ جُبَيْرٍ ومُجاهِدًا وعَبْدَ الرَّحْمنِ بنَ أبي لَيْلى أوِ اْثنينِ مِن هؤلاءِ الثَّلاثةِ ومَن رَأيْنا مِن فقهاءِ النَّاسِ يَقولونَ في أيَّامِ العشرِ: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ لا إلهَ إلاَّ اللهُ، واللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ وللهِ الحمدُ.
• لمَّا كانَ اللهُ سبحانَهُ قد وَضَعَ في نفوس المؤمنينَ حنينًا إلى مشاهدةِ بيتِهِ الحرامِ، وليسَ كلُّ أحدٍ قادرًا على مشاهدتِهِ في كلِّ عامٍ؛ فَرَضَ على المستطيعِ الحجَّ
_________________
(١) (صحيح). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٥٨٥).
[ ٦٠١ ]
مرَّةً واحدةً في عمرِهِ، وجَعَلَ موسمَ العشرِ مشتركًا بينَ السَّائرينَ والقاعدينَ، فمَن عَجَزَ عنِ الحجِّ في عامٍ؛ قَدَرَ في العشرِ على عملٍ يَعْمَلُهُ في بيتِهِ يَكونُ أفضلَ مِن الجهادِ الذي هوَ أفضلُ مِن الحجِّ.
لَيالي العَشْرِ أوْقاتُ الإجابَهْ … فَبادِرْ رَغْبَةً تَلْحَقْ ثوابَهْ
ألا لا وَقْتَ لِلعُمَّالِ فيهِ … ثَوابُ الخَيْرِ أقْرَبُ لِلإصابَهْ (^١)
مِنَ اوقاتِ الليالي العَشْرِ حَقًّا … فَشَمِّرْ وَاْطلُبَنْ فيها الإنابَهْ
احْذَروا المعاصي؛ فإنَّها تَحْرِمُ المغفرةَ في مواسمِ الرَّحمةِ.
رَوى المَرُّوذِيُّ في كتابِ "الورع" بإسنادِهِ عن: عَبْدِ المَلِكَ بنِ عُمَيْرٍ، عن رجلٍ إمَّا مِن الصَّحابةِ أو مِن التَّابعينَ؛ أنَّ آتيًا أتاهُ في منامِهِ في العشرِ مِن ذي الحجَّةِ، فقالَ: ما مِن مسلمٍ إلَّا يُغْفَرُ لهُ في هذهِ الأيَّامِ كلَّ يومٍ خمسَ مرَّاتٍ؛ إلَّا أصحابَ الشَّاهِ؛ يَقولونَ: ماتَ! ما موتُهُ؟ يَعْني: أصحابَ الشَّطْرَنْجِ (^٢). فإذا كانَ اللعبُ بالشَّطْرَنْجِ مانعًا مِن المغفرةِ؛ فما الظَّنُّ بالإصرارِ على الكبائرِ المجمعِ عليها؟!
طاعَةُ اللهِ خَيْرُ ما لَزِمَ العَبْ … دُ فَكُنْ طائِعًا ولا تَعْصِيَنْهُ
ما هَلاكُ النُّفوسِ إلَّا المعاصي … فَاْجْتَنِبْ ما نَهاكَ لا تَقْرَبَنْهُ (^٣)
إنَّ شَيْئًا هَلاكُ نَفْسِكَ فيهِ … يَنْبَغي أنْ تَصونَ نَفْسَكَ عَنْهُ
المعاصي سببُ البعدِ والطَّردِ كما أنَّ الطَّاعاتِ أسبابُ القربِ والودِّ.
أيَضْمَنُ لي فتًى تَرْكَ المَعاصي … وأرْهَنَهُ الكَفالَةَ بِالخَلاصِ
أطاعَ اللهَ قَوْمٌ فَاْسْتَراحوا … وَلَمْ يَتَجَرَّعوا غُصَصَ المَعاصي
إخوانكُم في هذهِ الأيَّامِ قد عَقَدوا الإحرام، وقَصَدوا البيتَ الحرام، ومَلؤوا الفضاءَ بالتَّلبيةِ والتَّكبيرِ والتَّهليلِ والتَّحميدِ والإعظام. لقد ساروا وقَعَدْنا، وقَرُبوا وبَعُدْنا، فإنْ كانَ لنا معَهُم نصيبٌ سَعِدْنا.
_________________
(١) في خ: "أقرب للإجابة"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٢) هذا لو كان رواية يقظة لما كان حجّة فكيف وهو منام؟!
(٣) في خ: "طائعًا لله لا تعصينه … نهاك عنه لا تقربنه" ولا يستقيم الوزن إلاّ بما أثبتّه من م ون وط.
[ ٦٠٢ ]
أتُراكُمْ في النَّقا وَالمُنْحَنى … أهْلَ سَلْعٍ تَذْكُرونا ذِكْرَنا
إِنْقَطَعْنا وَوَصَلْتُمْ فَاعْلَموا … وَاْشْكُروا المُنْعِمَ يا أهْلَ مِنى
قَدْ خَسِرْنا وَرَبِحْتُمْ فَصِلوا … بِفُضولِ الرِّبْحِ مَنْ قَدْ غُبِنا
سارَ قَلْبي خَلْفَ أحْمالِكُمُ … غَيْرَ أنَّ العُذْرَ عاقَ البَدَنا
ما قَطَعْتُمْ وادِيًا إلَّا وَقَدْ … جِئْتُهُ أسْعى بِأقْدامِ المُنى
أنا مُذْ غِبْتُمْ عَلى تَذْكارِكُمْ … أتُرى عِنْدَكُمُ ما عِنْدَنا
القاعدُ لعذرٍ شريكُ السَّائرِ، وربَّما سَبَقَ السَّائرُ بقلبِهِ السَّائرينَ بأبدانِهِم.
رَأى بعضُهُم في المنامِ عشيَّةَ عرفةَ في الموقفِ [كأنَّ] قائلًا يَقولُ: أتَرى هذا الزِّحامَ على هذا الموقفِ؛ فإنَّهُ لم يَحُجَّ منهُم أحدٌ إلَّا رجلٌ تَخَلَّفَ عنِ الموقفِ فحَجَّ بهمَّتِهِ فوُهِبَ لهُ أهلُ الموقفِ (^١).
يا سائِرينَ إلى البَيْتِ العَتيقِ لَقَدْ … سِرْتُمْ جُسومًا وَسِرْنا نَحْنُ أرْواحا
إنَّا أقَمْنا على عُذْرٍ وَقَدْ رَحَلوا … ومَن أقامَ على عُذْرٍ كَمَنْ راحا
الغنيمةَ الغنيمة، بانتهازِ الفرصةِ في هذهِ الأيَّامِ العظيمة، فما منها عوضٌ ولا لها قيمة.
المبادرةَ المبادرةَ بالعمل، والعجلَ العجلَ قبلَ هجومِ الأجل، قبلَ أنْ يَنْدَمَ المفرِّطُ على ما فَعَل، قبلَ أنْ يَسْألَ الرَّجعةَ لِيَعْمَلَ صالحًا فلا يُجابَ إلى ما سَأل، قبلَ أنْ يَحولَ الموتُ بينَ المؤمِّلِ وبلوغِ الأمل، قبلَ أنْ يَصيرَ المرءُ مرتهنًا في حفرتِهِ بما قَدَّمَ مِن عمل.
لَيْسَ لِلْمَيِّتِ في قَبْرِهِ … فِطْرٌ ولا أضْحى وَلا عَشْرُ
ناءٍ عَنِ الأهلِ عَلى قُرْبِهِ … كَذاكَ مَن مَسْكَنُهُ القَبْرُ
يا مَن طَلَعَ فجرُ شيبِهِ بعدَ بلوغِ الأربعين! يا مَن مَضى عليهِ بعدَ ذلكَ ليالي عشرِ سنينَ حتَّى بَلَغَ الخمسين! يا مَن هوَ في معتركِ المنايا ما بينَ الستِّينَ إلى السَّبعين! ما
_________________
(١) تقدّم هذا والتعليق عليه (ص ٥٣١).
[ ٦٠٣ ]
تَنْتَظِرُ بعدَ هذا الخبرِ إلَّا أنْ يَأْتِيَكَ اليقين. يا مَن ذنوبُهُ بعددِ الشَّفعِ والوترِ! أما تَسْتَحي مِن الكرامِ الكاتبين؟ أم أنتَ ممَّن يُكَذِّبُ بالدِّين؟ يا مَن ظلمةُ قلبِهِ كالليلِ إذا يَسْري! أما آنَ لقلبِكَ أنْ يَسْتَنيرَ أو يَلين؟ تَعَرَّضْ لنفحاتِ مولاكَ في هذا العشر؛ فإنَّ للهِ فيهِ نفحاتٍ يُصيبُ بها مَن يَشاءُ، فمَن أصابَتْهُ سَعِدَ بها آخرَ الدَّهر.
جَنَحَتْ شَمْسُ حَياتي … وَتَدَلَّتْ لِلْغُروبِ
وَتَوَلَّى لَيْلُ رَأْسي … وَبَدا فَجْرُ المَشيبِ
رَبِّ خَلَّصْني فقَدْ لَجْـ … ــجَجْتُ في بَحْرِ الذُّنوبِ
وَأنِلْني العَفْوَ يا أقْـ … ــرَبَ مِنْ كُلِّ قَريبِ