• وقد دَلَّ حديثُ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ هذا على أنَّهُ أفضلُ الصَّلاةِ بعدَ المكتوبةِ.
وهل هوَ أفضلُ مِن السُّننِ الرَّاتبةِ؟ فيهِ خلافٌ سَبَقَ ذكرُهُ (^٢).
وقال ابنُ مَسْعودٍ ﵁: فضلُ صلاةِ الليلِ على صلاةِ النَّهارِ كفضلِ صدقةِ السِّرِّ على صدقةِ العلانيةِ (^٣). وخَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ عنهُ مرفوعًا، والمحفوظُ وقفُهُ.
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). رواه: أبو الشيخ في "الثواب"، وعنه الرافعي في "التدوين" (٢/ ٣٢٦)؛ من طريق عبد الصمد بن عبد العزيز، عن حماد بن عمر، عن النضير بن حميد، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس … رفعه. وهذا سند واهٍ بمرّة: حمّاد بن عمر: الغالب أنه محرف عن حماد بن عمرو، وهو النصيبي، متروك متّهم. والنضير بن حميد: الغالب أنّه محرّف عن النضر بن حميد، متروك منكر الحديث.
(٢) فانظره فيما تقدّم (ص ٨٧).
(٣) (صحيح موقوفًا ورفعه شاذّ). رواه: ابن صاعد في "زوائد الزهد" (٢٥)، والطبراني (١٠/ ١٧٩/ ١٠٣٨٢)، وأبو الشيخ في "الطبقات" (٣/ ٤٥٥)، وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ١٦٧، ٥/ ٣٦ و٢٣٨)، والبيهقي في "الشعب" (٣٠٩٨)؛ من طريق مخلد بن يزيد، ثنا الثوري، عن زبيد اليامي، عن مرّة بن شراحيل، عن ابن مسعود … رفعه. وهاهنا علل ثلاث: أولاها: أنّ مخلد بن يزيد هذا صدوق له أوهام. والثانية: أنّه خولف فرواه: عبد الرزّاق (٤٧٣٥)، والطبراني (٩/ ٢٠٥/ ٨٩٩٩)؛ من طريق عبد الرزاق، عن الثوري، عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود … موقوفًا. وعبد الرزاق ثقة ثبت إمام، فقوله أرجح. والثالثة: أنّ الثوريّ توبع على وقفه فرواه: ابن المبارك في "الزهد" (٢٣) وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ١٦٦) من طريق شعبة، وابن أبي شيبة (٦٦٠٩) وأبو نعيم (٧/ ٢٣٨) والبيهقي (٢/ ٥٠٢) من طريق مسعر بن كدام، والطبراني (٩/ ٢٠٥/ ٨٩٩٨) وأبو نعيم (٤/ ١٦٦، ٥/ ٣٦) من طريق منصور بن المعتمر، وابن أبي شيبة (٣٤٥٤٢) من طريق ليث بن أبي سليم؛ أربعتهم عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود … موقوفًا. وشعبة ومسعر ومنصور أئمّة جبال تتابعوا على الوقف، فالقول قولهم. ومن هنا يظهر أن تحسين المنذري للمرفوع وقول الهيثمي (٢/ ٢٥٤) "رجاله ثقات" لا يخلو من تساهل، وأنّ الصواب هنا قول البيهقي "قال أبو علي: لم يرفعه غير مخلد بن يزيد وأخطأ فيه =
[ ٩٧ ]
وقالَ عَمْرُو بنُ العاصِ: ركعةٌ بالليلِ خيرٌ مِن عشرٍ بالنَّهارِ. خَرَّجَهُ ابنُ أبي الدُّنْيا.
• وإنَّما فُضِّلَتْ صلاةُ الليلِ على صلاةِ النَّهارِ:
* لأنَّها أبلغُ في الإسرارِ وأقربُ إلى الإخلاصِ.
كانَ السَّلفُ يَجْتَهِدونَ على إخفاءِ تهجُّدِهِم:
قالَ الحَسَنُ: كانَ الرَّجل يَكونُ عندَهُ زوَّارٌ (^١)، فيَقومُ مِن الليلِ يُصَلِّي ولا يَعْلَمُ بهِ زوَّارُهُ. وكانوا يَجْتَهِدونَ في الدُّعاءِ ولا يُسْمَعُ لهُم صوتٌ. وكانَ الرَّجلُ يَنامُ معَ زوجتِهِ على وسادةٍ، فيَبْكي طولَ ليلتِهِ وهيَ لا تَشْعُرُ.
وكانَ مُحَمَّدُ بن واسِعٍ يُصَلِّي في طريقِ مكَّةَ طولَ ليلِهِ في محملِهِ، ويَأْمُرُ حاديَهُ أنْ يَرْفَعَ صوتَهُ لِيَشْغَلَ النَّاسَ عنهُ.
وكان بعضُهُم يَقومُ في وسطِ الليلِ ولا يُدْرَى بهِ، فإذا كانَ قربَ طلوعِ الفجرِ؛ رَفَعَ صوتَهُ بالقرآنِ، يُوهِمُ أنَّهُ قامَ تلكَ السَّاعةَ.
* ولأنَّ صلاةَ الليلِ أشقُّ على النُّفوسِ؛ فإنَّ الليلَ محلُّ النَّومِ والرَّاحةِ مِن التَّعبِ بالنَّهارِ، فتركُ النَّومِ معَ ميلِ النَّفسِ إليهِ مجاهدةٌ عظيمةٌ. قالَ بعضُهُم: أفضلُ الأعمالِ ما أُكْرِهَتِ النُّفوسُ عليهِ.
* ولأن القراءة (^٢) في صلاةِ الليلِ أقربُ إلى التَّدبُّرِ؛ فإنَّهُ تَنْقَطعُ الشَّواغلُ بالليلِ، ويَحْضرُ القلبُ، ويَتَواطَأُ هوَ واللسانُ على الفهمِ، كما قالَ تَعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦].
ولهذا المعنى أُمِرَ بترتيلِ القرانِ في قيامِ الليلِ ترتيلًا.
ولهذا كانَتْ صلاةُ الليلِ منهاةً عن الإثمِ كما يَأْتي في حديثٍ خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣).
وفي "المسند": عن أبي هُرَيْرَةَ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - قيلَ لهُ: إنَّ فلانًا يُصَلِّي مِن الليلِ،
_________________
(١) = والصحيح موقوف" وقول ابن رجب "والمحفوظ وقفه"؛ يعني أن الرفع شاذّ.
(٢) في خ: "كان بعض السلف يجتهدون … زوّاره"، والأولى ما أثبته من م وط.
(٣) في خ: "ولأنّ القرآن"، والأولى ما أثبته من م وط.
(٤) (حسن بشواهده). سيأتي تفصيل القول فيه (ص ١٠٢).
[ ٩٨ ]
فإذا أصْبَحَ سَرَقَ! فقالَ: "سَيَنْهاهُ ما تَقولُ" (^١).
* ولأنَّ وقتَ التَّهجُّدِ مِن الليلِ أفضلُ أوقاتِ التَّطوُّعِ بالصَّلاةِ وأقربُ ما يَكونُ العبدُ مِن ربِّهِ، وهوَ وقتُ فتحِ أبوابِ السَّماءِ واستجابةِ الدُّعاءِ واستعراضِ حوائجِ السَّائلينَ.
وقد مَدَحَ اللهُ المستيقظينَ بالليلِ لذكرِهِ ودعائِهِ واستغفارِهِ ومناجاتِهِ: فقالَ اللهُ تَعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧]. وقالَ: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]. وقالَ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ. وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨]. وقالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤]. وقالَ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. وقالَ: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣]. وقالَ لنبيِّهِ - ﷺ -: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. وقالَ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦]. وقالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ١ - ٤].
• قالَتْ عائِشَةُ ﵂ لرجلٍ: لا تَدَعْ قيامَ الليلِ؛ فإنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - كانَ لا يَدَعُهُ، وكانَ إذا مَرِضَ (أو قالَتْ: كَسِلَ) صَلَّى قاعدًا (^٢).
_________________
(١) (صحيح). رواه: ابن الجعد (٢١٦٠)، وأحمد (٢/ ٤٤٧)، والبزّار (٧٢٠ و٧٢١ و٧٢٢)، والطحاوي في "المشكل" (٢/ ٤٣٠)، وابن حبّان (٢٥٦٠)، والبيهقي في "الشعب" (٣٢٦١)، والكلاباذي في "معاني الآثار" (الضعيفة ٢)؛ من طرق، عن الأعمش، عن أبي صالح (ووقع عند ابن الجعد: عن أبي سفيان وهو خطأ من الراوي عن الأعمش)، عن أبي هريرة أو عن جابر بن عبد الله (شكّ الأعمش) … رفعه. قال الهيثمي (٢/ ٢٦١، ٧/ ٩٢): "رجال الصحيح" إلّا أن الأعمش قال: أرى أبا صالح عن أبي هريرة". قلت: التردّد في الصحابيّ لا يضرّ، ورواية الأعمش عن أبي صالح محمولة على السماع، والسند صحيح، وقد قوّاه ابن حبّان وابن كثير والهيثمي والألباني.
(٢) (صحيح). رواه: الطيالسي (١٥١٩)، وأحمد (٦/ ١٢٥ و٢٤٩)، والبخاري في "الأدب المفرد" =
[ ٩٩ ]
وفي روايةٍ أخرى عنها؛ قالَتْ: بَلَغَني عن قومٍ يَقولونَ: إنْ أدَّيْنا الفرائضَ لمْ نُبالِ ألَّا نَزْدادَ! ولَعَمْري؛ لا يَسْألُهُمُ اللهُ إلَّا عمَّا افْتَرَضَ عليهِم، ولكنَّهُم قومٌ يُخْطِئونَ بالليلِ والنَّهارِ، وما أنتُم إلَّا مِن نبيِّكُم، وما نبيُّكُم إلَّا منكُم، واللهِ؛ ما تَرَكَ رسولُ اللهِ - ﷺ - قيامَ الليلِ. ونَزَعَتْ كلَّ آيةٍ فيها قيامُ الليلِ (^١).
فأشارَتْ عائِشَةُ ﵂ إلى أن قيامَ الليلِ فيهِ فائدتانِ عظيمتانِ: الاقتداءُ بسنَّةِ رسولِ اللهِ - ﷺ - والتَّأسِّي بهِ، وقد قالَ تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وتكفيرُ الذُّنوبِ والخطايا؛ فإنَّ بني آدَمَ يُخْطِئونَ بالليلِ والنَّهارِ، فيَحْتاجونَ إلى الاستكثارِ مِن مكفِّراتِ الخطايا، وقيامُ الليلِ مِن أعظمِ المكفِّراتِ، كما قالَ النَّبيُّ - ﷺ - لمُعاذِ بن جَبَلٍ: "قيامُ العبدِ في جوفِ الليلِ يُكَفِّرُ الخطيئةَ". ثمَّ تَلا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ …﴾ الآية [السجدة: ١٦] (^٢).
_________________
(١) = (٨٠٠)، وأبو داوود (٢ - الصلاة، ٣٠٧ - قيام الليل، ١/ ٤١٧/ ١٣٠٧)، وابن أبي الدنيا في "التهجّد" (٢)، وابن خزيمة (١١٣٧)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٢٤٢)، والحاكم (١/ ٤٥٢)، والبيهقي (٣/ ١٤)، والخطيب في "الجمع والتفريق" (٢/ ١٨٥)؛ من طريق شعبة، سمعت يزيد بن خمير، سمعت عبد الله بن أبي موسى؛ قال: قالت لي عائشة … فذكره. وهؤلاء ثقات رجال مسلم، ولذلك قال الحاكم: "على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي والألباني.
(٢) (لم أقف عليها). لكن المرفوع منها صحيح بلا ريب.
(٣) (صحيح). قطعة من حديث طويل رواه: معمر في "الجامع" (٢٠٣٠٣)، وأحمد (٥/ ٢٣١)، وعبد بن حميد (١١٢ - منتخب)، وابن ماجه (٣٩ - الفتن، ١٢ - كف اللسان، ٢/ ١٣١٤/ ٣٩٧٣)، والترمذي (٤١ - الإيمان، ٨ - حرمة الصلاة، ٥/ ١١/ ٢٦١٦)، والنسائي في "الكبرى" (١١٣١١ - تحفة)، والطبراني (٢٠/ ١٣٠/ ٢٦٦)، والقضاعي (١٠٤)، والبغوي في "السنّة" (١١)؛ من طريق عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل شقيق أبي سلمة، عن معاذ … رفعه. قال الترمذي: "حسن صحيح"، وتعقّبه المنذري في "الترغيب" وابن رجب في "العلوم والحكم" (ح ٢٩) بأنّ أبا وائل لم يسمع معاذًا وإن أدركه. ورواه: ابن أبي شيبة (٣٠٣٥٦)، وهناد (١٠٩١)، وأحمد (٥/ ٢٣٣ و٢٣٧)، وابن أبي الدنيا في "الصمت" (٦)، والطبري (٢٨٢٣٨ و٢٨٢٣٩)، والطبراني (٢٠/ ١٤٢/ ٢٩١ - ٢٩٤)، والدارقطني في "العلل" (٩٨٨)، والحاكم (٢/ ٧٦ و٤١٢)، وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٣٧٦)، والبيهقي في "الشعب" (٤٩٥٨ و٤٩٥٩)، والأصبهاني في "الترغيب" (٨٣)؛ من طريق ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ … رفعه مطوّلًا ومختصرًا. وصحّحه الحاكم والذهبي على شرطهما، وأعله المنذري وابن رجب بأنّ ميمونًا لم يدرك معاذًا. ورواه أيضًا: الطيالسي (٥٦٠)، وابن أبي شيبة (٢٦٤٨٩)، وأحمد (٥/ ٢٣٣ و٢٣٧)، والطبراني (٢٠/ ١٤٧/ ٣٠٤ و٣٠٥)، والبيهقي في "الشعب" (٣٣٤٩)، والأصبهاني في "الترغيب" (١٤٣٦)؛ من طريق =
[ ١٠٠ ]
خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وغيرُهُ.
وقد رُوِيَ أن المتهجِّدينَ يَدْخُلونَ الجنَّةَ بغيرِ حساب:
ورُوِيَ عن: شهرِ بن حَوْشَب، عن أسْماءَ بنتِ يَزيدَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إذا جَمَعَ اللهُ الأوَّلينَ والآخِرينَ يومَ القيامةِ؛ جاءَ مناد يُنادي بصوتٍ يُسْمعُ الخلائقَ: سَيَعْلَمُ الخلائقُ اليومَ مَن أولى بالكرمِ. ثمَّ يَرْجِعُ فيُنادي: أينَ الذينَ كانوا لا تُلْهيهِمْ تجارةٌ وَلا بيعٌ عن ذكرِ اللهِ؟ فيقومونَ وهُم قليلٌ. ثمَّ يَرْجِعُ فيُنادي: لِيَقُمِ الذينَ كانوا يَحْمَدونَ الله في السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ! فيَقومونَ وهُم قليلٌ. ثمَّ يَرْجِعُ فيُنادي: لِيَقُمِ الذينَ كانَتْ تتجافى جنوبُهُم عن المضَاجعِ! فيَقومونَ وهُم قليلٌ. ثمَّ يُحاسَبُ سائرُ النَّاسِ" (^١). خَرَّجَهُ ابنُ أبي الدُّنيا وغيرُهُ.
ويُرْوى عن: شَهْرِ بن حَوْشَب، عن ابن عَبَّاسٍ؛ مِن قولهِ (^٢).
_________________
(١) = عروة بن النزّال، عن معاذ … رفعه. وعروة هذا على جهالته لم يسمع معاذًا. ورواه أيضًا: أحمد (٥/ ٢٣٦ و٢٤٥)، والبزّار (١٦٥٣ و١٦٥٤ - كشف)، وابن حبّان (٢١٤)، والطبراني (٢٠/ ٦٤/ ١١٦ و١٣٧ و١٤١)، والبيهقي في "الشعب" (٤٩٦١)، والأصبهاني في "الترغيب" (١٤٣٧)؛ من طرق أربع يقوّي بعضها بعضًا، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ … رفعه. وعبد الرحمن شامي قديم لزم معاذًا واختلفوا في صحبته. فهذه أقوى الطرق وعليها العمدة في تقوية هذا الحديث. ولهذه القطعة طرق أخرى عن معاذ عند: أحمد (٥/ ٢٣٢ و٢٤٢)، وهنّاد في "الزهد" (١٠٩٢)، وابن جرير (٢٨٢٣٧ و٢٨٢٤٠)، وابن مردويه (السجدة ١٧ - الدرّ)؛ مرفوعًا. والحديث صحيح بطريق ابن غنم وحدها، فإن لم يكن كذلك؛ فهو صحيح بمجموع طرقه بلا ريب. وقد صحّحه الترمذي والدارقطني والنووي والألباني.
(٢) (منكر). رواه: عبد الرزاق (١٥٨١) والخطيب في "الجمع والتفريق" (١/ ٤٦٨) من طريق أبان بن أبي عيّاش، وهناد في "الزهد" (١٧٨) وإسحاق (١/ ١٨٠/ ٢٣) وابن نصر في "الصلاة" (النور ٣٧ - الدرّ) وابن أبي الدنيا في "التهجّد" (٢٠٣) وابن أبي حاتم (النور ٣٧ - ابن كثير) وابن مردويه (النور ٣٧ - الدرّ) من طريق أبي شيبة الواسطيّ؛ كلاهما عن شهر، عن أسماء … به مرفوعًا. وهذا سند فيه علل: أولاها: ضعف شهر فإنّه لا يعدو أن يكون صالحًا في الشواهد. والثانية: أن ابنَ أبي عيّاش متروك ومتابعه أبا شيبة عبد الرحمن بن إسحاق ضعيف منكر الحديث. والثالثة: أنّهما خولفا فرواه: ابن المبارك في "الزهد" (٣٥٣)، والحارث في "المسند"، وعنه أبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٦٢)؛ من طريق [أبي] المنهال سيّار بن سلامة، عن شهر، عن ابن عبّاس … موقوفًا. وأبو المنهال ثقة، فالقول قوله، والمعروف في هذا المتن أنّه من حديث ابن عبّاس موقوفًا وحديث أسماء مرفوعًا منكر.
(٣) (موقوف ضعيف). فيه شهر بن حوشب كما تقدّم في الحاشية السابقة.
[ ١٠١ ]
ويُرْوى نحوُهُ أيضًا مِن حديثِ: أبي إسْحاقَ، عن عَبْدِ اللهِ بن عَطاءٍ، عن عُقْبَةَ بن عامِرٍ مرفوعًا وموقوفًا (^١).
ويُرْوى نحوُهُ أيضا عن عُبادَةِ بن الصَّامتِ ورَبيعَةَ الجُرَشِيِّ والحَسَنِ وكَعْبٍ مِن قولهِم (^٢).
قالَ بعضُ السَّلفِ: قيامُ الليلِ يُهَوِّنُ طولَ القيامِ يومَ القيامةِ، وإذا كانَ أهلُهُ يَسْبِقونَ إلى الجنَّةِ بغيرِ حساب؛ فقدِ اسْتَراحَ أهلُهُ مِن طولِ الموقفِ والحساب.
وفي حديثِ أبي أُمامةَ وبلالٍ المرفوعِ: "عليكُم بقيام الليلِ؛ فإنَّهُ دأْبُ الصَّالحينَ قبلَكُم، وإن قيامَ الليلِ قربةٌ إلى اللهِ وتكفيرٌ للسَّيِّئاتِ ومنهاةٌ عن الإثمِ ومطردةٌ للدَّاءِ عن الجسدِ" (^٣). خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (منكر). رواه: الحاكم (٢/ ٣٩٨)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٩)، والبيهقي في "الشعب" (٣٢٤٦)؛ من طريق أبي الأحوص، عن أبي إسحاق … رفعه بنحوه بالسند المذكور. قال الحاكم: "صحيح، وله طرق عن أبي إسحاق". ووافقه الذهبي مع أنه قال في "الميزان" (٢/ ٤٦١): "قال شعبة: سألت أبا إسحاق السبيعي عن عبد الله بن عطاء الذي روى عن عقبة (فذكر هذا الحديث)، فقال: شيخ من أهل الطائف. فلقيت ابن عطاء فسألته: أسمعته من عقبة؟ فقال: لا، حدّثنيه سعد بن إبراهيم. فلقيت سعدًا فقال: حدّثنيه زياد بن مخراق. فلقيت زيادًا فقال: حدّثني رجل عن شهر بن حوشب"! فبان أوّلًا: أن هذا السنف ضعيف من أجل شهر والرجل المبهم. وبان ثانيًا: أنّه ليس بالشاهد المستقلّ وإنّما هو فرع من فروع الاختلاف المتقدّم على شهر في هذا المتن، والذي بيّنت قبل حاشية أنّ الثقات رووه عن شهر عن ابن عبّاس موقوفا خلافًا للضعفاء الذين جعلوه من حديث أسماء أو عقبة بن عامر، فالمعروف هاهنا حديث ابن عبّاس الموقوف، وحديثا أسماء وعقبة منكران. * ملاحظة: ذكر ابن رجب رحمة الله عليه أن هذا المتن جاء عن عقبة بن عامر مرفوعًا وموقوفًا، ولم أقف عليه إلّا مرفوعًا، وما أظنّ الوقف إلّا وهمًا من ابن رجب ساقه إليه سياق البيهقي للحديث. والله أعلم.
(٢) ولا تفيد هذه الموقوفات الحديث قوّة؛ لأنّها - إن صحّت أسانيدها إلى المذكورين - لا يبعد أن تكون ممّا تلقّوه من أهل الكتاب، ولا سيّما أن في رواتها كعب الأحبار. والله أعلم.
(٣) (حسن بشواهده). يرويه ربيعة بن يزيد واختلف عليه فيه على ثلاثة أوجه: روى أوّلها: ابن منيع، والترمذي (٤٩ - دعوات، ١٠٢ - دعاؤه - ﷺ -، ٥/ ٥٥٢/ ٣٥٤٩)، وابن نصر في "قيام الليل" (٢٤)، وابن أبي الدنيا في "التهجد" (١)، والروياني في "المسند" (٧٤٥)، والشاشي (٩٧٨)، والبيهقي (٢/ ٥٠٢)، والخطيب في "التاريخ" (٧/ ١٨٧)، وابن عساكر؛ من طريق [بكر بن خنيس]، [عن محمّد القرشي]، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن بلال … رفعه. قال الترمذي: "غريب لا نعرفه من حديث بلال إلّا من هذا الوجه". قلت: بكر ضعيف، والقرشي هو محمد بن سعيد الشامي المصلوب=
[ ١٠٢ ]
ففي هذا الحديثِ أنَّ قيامَ الليلِ يوجِبُ صحَّةَ الجسدِ ويَطْرُدُ عنهُ الدَّاءَ. وكذلكَ صيامُ النَّهارِ: ففي الطَّبَرانِيِّ مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ مرفوعًا: "صوموا تَصِحوا" (^١).
_________________
(١) =كذّاب، والسند ساقط. وروى الثاني: البيهقي في "السنن" (٢/ ٥٠٢) و"الشعب" (٣٠٨٧ و٣٠٨٨) من طريق أبي عبد الله خالد بن أبي خالد، عن يزيد بن ربيعة، عن أبي إدريس، عن بلال … رفعه. قال الألباني في "الإرواء" (٤٥٢): "خالد هذا لم أعرفه … ويزيد بن ربيعة هو الرحبي الدمشقي وهو ضعيف، وقد قلبه بعض الضعفاء فقال ربيعة بن يزيد، وهذا ثقة". قلت: بل هو ربيعة بن يزيد، والمنقلب هو يزيد بن ربيعة، فقد رواه كذلك الثقات والضعفاء في جميع طرق الحديث كما تقدّم في الوجه الأوّل وسيأتي في الثالث، ولم يذكروا للرحبيّ رواية عن أبي إدريس بخلاف ربيعة بن يزيد الثقة. لكن يبقى هذا الوجه ضعيفًا لجهالة خالد أبي عبد الله. وروى الثالث: ابن خزيمة (١١٣٥)، والترمذي (الموضع السابق) معلّقًا، والطبراني في "الكبير" (٨/ ٩٢/ ٧٤٦٦) و"الأوسط" (٣٢٧٧)، وابن عدي (٤/ ١٥٢٤)، والحاكم (١/ ٣٠٨)، والبيهقي في "السنن" (٢/ ٥٠٢) و"الشعب" (٣٠٨٨)، والبغوي في "السنن" (٩٢٢)، والذهبي في "التذكرة" (١/ ٣٨٩)؛ من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد (ووقع عند الحاكم: ثور بن يزيد، وهو خطأ بيّن من رواة المستدرك أو نسخه فقد رواه البيهقي عن الحاكم فوقع فيه على الجادّة، وفات هذا الألباني فبنى تخريجه للحديث على أنّه ثور)، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي أُمامة … رفعه دون قوله "ومطردة للداء من الجسد". قال الذهبي: "حسن الإسناد". فهذا الوجه هو أولى الأوجه بالصواب كما قال الترمذيّ، والأوّل ساقط لا يصلح لصالحة، والثاني ضعيف منكر ولكنّه يزيدنا ثقة بأنّ للحديث أصلًا عن ربيعة بن يزيد. ثم هاهنا شاهد من حديث سلمان عند: الطبراني (٦/ ٢٥٨/ ٦١٥٤)، وابن عديّ (٤/ ١٥٩٧)، والبيهقي في "الشعب" (٣٠٨٩)، وابن عساكر؛ بسند ضعّفه المنذري والهيثمي والألباني. وشاهد آخر من حديث ابن عمرو عند الديلمي في "الفردوس". فالحديث حسن بهذه الشواهد، وقد قوَّاه ابن خزيمة والحاكم والبغوي والذهبي والعراقي والألباني.
(٢) (ضعيف). وقد جاء عن جماعة من الصحابة: * فرواه: العقيلي في "الضعفاء" (٢/ ٩٢)، والطبراني في "الأوسط" (٨٣٠٨)، وأبو نعيم في "الطبّ" (٢٥٣ - ضعيفة)؛ من طريق محمّد بن سليمان بن أبي داوود، ثنا زهير بن محمّد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة … رفعه. قال الطبراني "لم يرو هذا الحديث عن سهيل بهذا اللفظ إلّا زهير". وقال العقيلي: "لا يتابع عليه إلّا من وجه فيه لين". وقال المنذري والهيثمي (٣/ ١٨٢): "رجاله ثقات". قلت: لكن رواية الشاميّين عن زهير ضعيفة، وهذا منها. * ورواه ابن عدي في "الكامل" (٧/ ٢٥٢١) من طريق نهشل بن سعيد، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس … رفعه. ونهشل متّهم متروك، والضحّاك عن ابن عبّاس منقطع، فالسند ساقط. * ورواه ابن عديّ في "الكامل" (٢/ ٧٦٧) من طريق حسين بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن=
[ ١٠٣ ]
وكما أنَّ قيامَ الليلِ يُكَفِّرُ السَّيِّئاتِ فهوَ يَرْفَعُ الدَّرجاتِ، وقد ذَكَرْنا أن أهلَهُ مِن السَّابقينَ إلى الجنَّةِ بغيرِ حسابٍ.
وفي حديثِ المنامِ المشهورِ الذي خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والترْمِذِيُّ: أن الملأ الأعلى يَخْتَصِمونَ في الدَّرجاتِ والكفَّاراتِ، وفيهِ أن الدَّرجاتِ: إطعامُ الطعام، وإفشاءُ السَّلامِ، والصَّلاةُ بالليلِ والنَّاسُ نيامٌ (^١).
_________________
(١) = جدّه، عن علي … رفعه. والحسين هذا متّهم متروك، فالسند ساقط. والحديث ضعّفه العقيلي وابن عديّ والعراقي والألباني، وقال الصغاني: "موضوع".
(٢) (صحيح لشواهده). قطعة من حديث طويل رواه جماعة من الصحابة والتابعين: * فرواه البزّار (٢١٢٩ - كشف) من طريق سعيد بن سنان، عن أبي الزاهريّة، عن كثير بن مرّة، عن ابن عمر … رفعه. قال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ١٨١): فيه سعيد بن سنان، وهو ضعيف، وقد وثّقه بعضهم، ولم يلتفت إليه في ذلك". قلت: سعيد ساقط رموه بالوضع، والسند كذلك. * ورواه: النجّاد في "ردّ خلق القرآن" (٨٢)، والطبراني في "الدعاء" (١٤٢١)؛ من طريقين واهيتين، عن عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح، عن أبي هريرة … رفعه. وهذا ساقط: الطريقان إلى ابن حميد واهيتان، وابن حميد متروك. * ورواه: أبو بكر النيسابوري في "الزيادات" (٢/ ٤٠٦ - إصابة)، والنجّاد في "خلق القرآن" (٧٩)، وابن حبّان في "المجروحين" (٣/ ١٣٥)، والدارقطني في "العلل" (٩٧٣)، وابن الجوزي في "الواهيات" (١٠)؛ من طريق يوسف الصفّار، عن قتادة، عن أنس … رفعه. ويوسف متروك، وقد خالف رواية الثقات عن قتادة، فروايته منكرة ساقطة. * ورواه العقيلي في "الضعفاء" (٣/ ١٢٦) من طريق عبيد الله بن غالب، عن أبي المليح، عن عمران … رفعه. وعبيد الله بن غالب متروك، والسند ساقط. * ورواه الطبراني في "الكبير" (١/ ٣١٧/ ٩٣٨) من طريق عبد الله بن إبراهيم بن الحسين بن علي بن الحسن، عن أبيه، عن جدّه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبي رافع … رفعه مختصرًا. قال الهيثمي (١/ ٢٤٢): "فيه عبد الله بن إبراهيم بن الحسين عن أبيه ولم أر من ترجمهما". فالسند واه. * ورواه عبد الرحمن بن سابط واختلف عليه فيه على ثلاثة وجوه: روى أوّلها: ابن أبي عاصم في "السنّة" (٣٨٩ و٤٦٦)، والروياني (١٢٤١)، والنجّاد في "خلق القرآن" (٧٨)، والرافعي في "التدوين" (١/ ٢٠٠)، من طريق ليث، عن ابن سابط، عن أبي أمامة … رفعه. قال الهيثمي (٧/ ١٨٢): "فيه ليث بن أبي سليم وهو حسن الحديث على ضعفه". قلت: ليث اختلط وكان يدلّس فالسند ضعيف. وروى الثاني ابن أبي شيبة (٣١٦٩٧) من طريق موسى بن مسلم، عن ابن سابط، عن النبيّ - ﷺ - مرسلًا. وموسى صدوق. وروى الثالث: الطبراني في "الدعاء" (١٤١٦)، والخطيب في "التاريخ" (٨/ ١٥١ و١٥٢)، وابن الجوزي في "الواهيات" (١٠)؛ من طريقين إحداهما قويّة، عن عمرو بن مرّة، عن ابن سابط، عن أبي ثعلبة، عن أبي عبيدة … رفعه. وخلاصة الكلام: أنّ الوجه الأوّل هنا منكر لضعف ليث، والثاني والثالث قويّان، لكن الثاني=
[ ١٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مرسل والثالث منقطع بين ابن سابط وأبي ثعلبة، فالحديث ضعيف على الحالين بإرسال أو انقطاع. * ورواه معاوية بن صالح واختلف عليه فيه على وجهين: روى أوّلهما: البخاري في "الكنى" (ص ٨١)، وابن أبي عاصم في "السنّة" (٤٧٠)، والروياني (٦٥٦)، وابن خزيمة في "التوحيد" (ص ٢١٩ - ٢٢٠)، والنجّاد في "خلق القرآن" (٨٣)، والطبراني في "الدعاء" (١٤١٧)، والبغوي في "السنّة" (٩٢٥)؛ من طرق يقوّي بعضها بعضًا، عن معاوية، عن أبي يحيى، عن أبي يزيد، عن أبي سلام الأسود، عن ثوبان … رفعه. قال ابن خزيمة والبغوي: "أبو يحيى هو سليم بن عامر الخبائري"، وهو ثقة من رجال مسلم. قال ابن خزيمة: "وأبو يزيد لست أعرفه بعدالة ولا جرح". وقال البغوي: "لا يعرف اسمه". وقال الألباني: "هو غيلان بن أنس الكلبي روى عنه جمع ولم يوثقوه". قلت: هو على هذا مستور أو مجهول، والسند ضعيف به. وروى الثاني البزّار (٢١٢٨ - كشف) من طريق الليث بن سعد، عن معاوية، عن أبي يحيى، عن أبي أسماء، عن ثوبان … رفعه. قال الهيثمي (٧/ ١٨١): "أبو يحيى لم أعرفه، وبقيّة رجاله ثقات". قلت: قد عرفه غيره كما تقدّم وتبين أنه ثقة من رجال مسلم. فالسند حسن. وخلاصة الكلام: أنّنا إن عمدنا إلى الترجيح؛ فالوجه الثاني أرجح لأن الليث ثقة ثبت إمام روايته مقدّمة على رواية الضعفاء في الوجه الأوّل، والحديث حسن عن ثوبان. وإن قلنا: بل سمعه أبو يحيى على الوجهين، وكلاهما محفوظ؛ فالحديث قويّ أيضًا باجتماع الوجهين. وعلى التعنّت وترجيح الوجه الأوّل، فالسند ضعيف لجهالة أبي يزيد حالًا أو عينًا. • ورواه عبد الرحمن بن عائش واختلفوا عليه فيه على وجهين: روى أوّلهما: الدارمي في "السنن" (٢/ ١٢٦)، والبخاري في "التاريخ" (٧/ ٣٥٩)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٢٥٨٥ و٢٥٨٦) و"السنّة" (٣٨٨ و٤٦٧)، وابن نصر في "قيام الليل" (ص ٢٢)، وابن خزيمة في "التوحيد" (ص ٢١٥ و٢١٦) تعليقًا، وابن أبي حاتم في "المراسيل" (٤٤٤) و"العلل" (٢٦) تعليقًا، والنجّاد في "خلق القرآن" (٧٧ و٨٠ و٨١)، وابن قانع في "المعجم" (٢/ ١٧٥/ ٦٥٨)، والطبراني في "الكبير" (٧/ ١٨٠ - مجمع) و"الشاميّين" (٥٩٧ و٥٩٨) و"الدعاء" (١٤١٨ و١٤١٩)، والآجري في "الشريعة" (١٠٥٥)، والدارقطني في "العلل" (٩٧٣) و"الرؤية" (٢٣٣ - ٢٤٠)، والحاكم (١/ ٥٢٠) مختصرًا، واللالكائي في "أصول الاعتقاد" (٩٠١ و٩٠٢)، والبيهقي في "الصفات" (٦٤٤)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٤/ ٣٢٢ - ٣٢٤)، والبغوي في "السنّة" (٩٢٤)، وابن الجوزي في "الواهيات" (١١)، والذهبي في "التذكرة" (١/ ٣٨٧)؛ من طرق خمس قويّة، عن خالد بن اللجلاج، عن عبد الرحمن بن عائق … رفعه. وروى الثاني: أحمد في "المسند" (٤/ ٦٦، ٥/ ٣٧٨) و"السنّة" (٩٥٢)، وابن خزيمة في "التوحيد" (ص ٢١٧)، والدارقطني في "العلل" (٩٧٣)، وابن منده في "الردّ على الجهميّة" (٧٤)، وابن الجوزي في "الواهيات" (١٢)؛ من طريق زهير بن محمّد، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن خالد بن اللجلاج، عن عبد الرحمن بن عائق، عن بعض الصحابة … رفعه. قال الهيثمي (١٠/ ١٨٠): "رجاله ثقات". ووجه الإشكال هنا أنّهم اختلفوا في صحبة عبد الرحمن بن عائش: فأثبتها ابن سعد والبخاري وأبو زرعة الدمشقي وابن سميع وابن البرقي وأبو القاسم البغوي وأبو زرعة الحرّاني وابن السكن وابن حبّان، وأنكرها أبو حاتم وأبو زرعة الرازي والترمذي وابن خزيمة وابن أبي حاتم، وقال ابن عبد البرّ: "لم يقل في حديثه "سمعت النبيّ - ﷺ - إلّا الوليد بن مسلم". وتعقّبهم العسقلاني في "الإصابة" (٢/ ٤٠٥) - ومن قبله=
[ ١٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الدارقطني في "العلل" (٩٧٣) - بقوله: "لم ينفرد الوليد بن مسلم بالتصريح المذكور، بل تابعه حمّاد بن مالك الأشجعي والوليد بن مزيد البيروتي وعمارة بن بشير وغيرهم". قلت: ومنهم الأوزاعي، وقد صحّح الحاكم بعض هذه الطرق ووافقه الذهبي. وها هنا أمر آخر، وهو أنّه جاء في بعض الطرق "سمعت النبيّ - ﷺ -"، وفي بعضها "صلّى بنا النبيّ - ﷺ - ذات غداة"، وقال الهيثمي (٧/ ١٨٠): "رجال الحديث الذي فيه "خرج علينا رسول الله - ﷺ - "ثقات". فهذا التنوّع في الصيغ يرجّح أنّ صحبة ابن عائشة ثابتة وليست وهمًا من راو تابعه عليه آخرون. وأمر آخر أيضًا، وهو أنّ العسقلاني ذكر لابن عائشة حديثين آخرين يرجّحان سماعه من النبيّ - ﷺ - وجاء في أحدهما التصريح بأنّه صاحب النبيّ - ﷺ -. وأمر آخر أيضًا، وهو أنّ الرجل شاميّ، والذين أثبتوا صحبته هم الشاميّون كالوليد بن مزيد والوليد بن مسلم والأوزاعي وأبي زرعة الدمشقي، وهؤلاء أدرى بأهل بلدهم. وأمر آخر، وهو أنّ رواية ابن اللجلاج التابعي الكبير عنه تقوّي احتمال صحته. وبالجملة؛ فإنكار صحبة عبد الرحمن بن عائشة لا يخلو من تسرّع ومجازفة. والمهمّ هنا أنّنا إن عددنا ابن عائشة في الصحابة؛ فالسند صحيح على الوجهين، والتردّد بين وجهين صحيحين لا يضرّ. وإن عددناه تابعيًّا: فالوجه الأوّل مرسل، والوصل في الوجه الثاني زيادة صدوق معتبرة، والحديث حسن بها. وإن تعنّتنا وقلنا: الوصل غلط من زهير وقد تكلّموا في حفظه؛ فالحديث مرسل قويّ، ولا سيّما أنّ في سياقه ما يدلّ على أنّ مكحولًا الشاميّ سمعه من غير ابن عائش، وهذا أدنى أحوال هذا السند. * ورواه: عبد الرزّاق في "التفسير" (٢٦١٢)، وأحمد (١/ ٣٦٨)، وعبد بن حميد (٦٨٢)، والترمذي (٤٨ - التفسير، ٣٩ - سورة ص، ٥/ ٣٦٦/ ٣٢٣٣ و٣٢٣٤)، وابن أبي عاصم في "السنّة" (٤٦٩)، وأبو يعلى (٢٦٠٨)، وابن خزيمة في "التوحيد" (ص ٢١٧)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٢٦)، والنجّاد في "خلق القرآن" (٧٦)، وابن قانع (٢/ ١٠٢/ ٥٥١)، والطبراني في "الدعاء" (١٤٢٠)، والآجرّي في "الشريعة" (١٠٥٣ و١٠٥٤)، وأبو الشيخ في "الطبقات" (٣/ ٤٦٤ و٤٦٥)، والدارقطني في "العلل" (٩٧٣)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٤/ ٣٢١ و٣٢٢) معلّقًا، وابن الجوزي في "الواهيات" (١٤)؛ من طريق أبي قلابة، [عن خالد بن اللجلاج]، (قال مرّة: عن ابن عبّاس، ومرّة: عن ابن عيّاش، ومرّة: عن ابن عائش) … رفعه. قال الإمام أحمد: "هذا ليس بشيء، والقول ما قاله ابن جابر"؛ يعني: الصواب أنّه من حديث ابن عائشة لا ابن عبّاس. ورجّح الدارقطني أيضًا أنّه من حديث ابن عائش؛ قال: "وقتادة لم يسمع من أبي قلابة إلّا أحرفًا؛ فإنّه وقع إليه كتاب، ولم يميّزوا فيه عائشة وعبّاس". وقال العسقلاني: "المحفوظ عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي"؛ يعني أنّ رواية ابن عبّاس شاذّة. وهذا واضح من تردّدهم فيها بين ابن عائش وابن عبّاس، ومثل هذا التحريف كثير الوقوع عند الرواة والنسّاخ. * ورواه: أحمد (٥/ ٢٤٣)، والبخاري في "التاريخ" (٧/ ٣٥٩)، والترمذي (الموضع السابق، ٥/ ٣٦٨/ ٣٢٣٥)، وابن خزيمة في "التوحيد" (ص ٢١٨ - ٢١٩)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٢٦)، والدارقطني في "العلل" (٩٧٣)، والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ١٠٩/ ٢١٦)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٤/ ٣٢٣) تعليقًا، والمزّي في "التهذيب" (١٧/ ٢٠٣ و٢٠٥)؛ من طريق جهضم بن عبد الله. ح: ورواه: البخاري في "التاريخ" (٧/ ٣٥٩)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٢٦)، والنجّاد في "خلق القرآن" (٧٤)، والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ١٠٩/ ٢١٦) و"الدعاء" (١٤١٤)، وابن عدي (٦/ ٢٣٤٤)، والدارقطني في =
[ ١٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = "العلل" (٩٧٣)، وابن الجوزي في "الواهيات" (١٣)، والمزّي في "التهذيب" (١٧/ ٢٠٥)؛ من طريق موسى بن خلف العمّي. كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلّام، عن جدّه ممطور، (قال جهضم: عن عبد الرحمن بن عائش، وقال موسى: عن أبي عبد الرحمن السكسكي)، عن مالك بن يخامر، عن معاذ … رفعه. فأمّا الدارقطني؛ فصوّب هنا ذكر ابن عائش، وعليه يكون هذا السند من أوجه الاختلاف المتقدّمة على ابن عائش. وأمّا العسقلاني؛ فقال في "الإصابة" (٢/ ٤٠٦): "أخرجه الدارقطني وابن عدي ونقل عن أحمد أنّه قال: هذه الطريق أصحّها". قال العسقلاني: "فإن كان الأمر كذلك؛ فإنّما روى هذا الحديث عن مالك بن يخامر أبو عبد الرحمن السكسكي لا عبد الرحمن بن عائش، ويكون للحديث سندان: ابن جابر عن خالد عن عبد الرحمن بن عائش، ويحيى عن زيد عن أبي سلّام عن أبي عبد الرحمن عن مالك عن معاذ، ويقوّي ذلك اختلاف السياق بين الروايتين". قلت: ويقوّيه أيضًا أنّ جهضمًا تابع موسى على ذكر السكسكي عند الطبراني ولم يذكر ابن عائش. لكن المشكل هنا أنّ السكسكي مجهول، فعاد السند ضعيفًا على هذا الترجيح. ورواه: البزّار (٧/ ١٠١/ ٢٦٦٨)، وابن خزيمة (ص ٢٢٠)، والنجّاد (٧٥)، والطبراني في "الدعاء" (١٤١٥) و"المعجم الكبير" (٢٠/ ١٤١/ ٢٩٠)، والدارقطني (٩٧٣)، والحاكم (١/ ٥٢١)؛ من طريقين، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ … رفعه. فإن لم يكن "عبد الرحمن بن أبي ليلى" هنا تحريفًا صوابه "أبو عبد الرحمن السكسكي"؛ فابن أبي ليلى لم يسمع معاذًا، فالسند ضعيف أيضًا. * ورواه: ابن قانع (٢/ ٤٦/ ٤٨٤) والطبراني في "الكبير" (٨/ ٣٢٢/ ٨٢٠٧) و"الأوسط" (٥٤٩٢) من طريق قويّة عن سعيد بن المرزبان أبي سعد، والطبراني في "الدعاء" (١٤١٦)، والخطيب في "التاريخ" (٨/ ١٥١ و١٥٢) وابن الجوزي في "الواهيات" (١٠) من طريق قويّة عن الثوري؛ كلاهما عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب … رفعه مطوّلًا ومختصرًا. قال الهيثمي (١/ ٢٤٣): "فيه أبو سعد البقّال، وهو مدلّس، وقد وثّقه وكيع". قلت: تابعه الثوري. على أنّ لهذا السند علّة، وهي أنّه جاء عن الثوريّ مرّة "عن طارق بن شهاب أو عبد الرحمن بن سابط"، وليست بالقادحة؛ لأنّ الشكّ في إحدى الطرق عن الثوري محمول على اليقين في الطريق الأُخرى، ولأنّهم لم يذكروا لقيس رواية عن ابن سابط، فبان أنّ ذكره وهم. وطارق له رؤية، ومراسيل أمثاله مقبولة عند أهل العلم. فالحديث حسن من هذا الوجه. * ورواه ابن أبي عاصم في "السنّة" (٤٦٥) من طريق إبراهيم بن طهمان، عن سماك بن حرب؛ عن جابر بن سمرة … رفعه مختصرًا. وجازف المعلّقون على "مسند الإمام أحمد" (طبعة الرسالة) فأعلّوا هذا السند بإبراهيم! وإبراهيم ثقة لا تعلّ بمثله الأسانيد! ولو كانت الأسانيد تعلّ بأمثال إبراهيم؛ لما سلم سند ولا صحّ حديث! وأعلّوه أيضا بسماك، وإنّما يضعّف سماك فيما رواه عن عكرمة وأمّا سائر حديثه فمقارب وقد احتجَّ به مسلم، وعلى التنزّل؛ فحديثه لا ينحطّ عن أن يكون حسنًا في الشواهد! وجازفوا مرّة أُخرى فزعموا أنّ سماكًا لا يصلح في هذا المطلب (يعني: العقائد والصفات)! وهذا باب ضلالة لو فتح لأتى على الأخضر واليابس وترك نصوص السنّة الصحيحة حصيدًا كأن لم يغن بالأمس وتصنيف مبتدع لم يأت بمثله الأوائل! وأخشى ما أخشاه أن يتطوّر الحال بنا إلى: راو صالح في الأحكام غير صالح في العقائد، وآخر صالح في الحيض والنفاس غير صالح في الحدود وأحكام المرتدّين! وجملة القول أنّ هذا السند لا ينحطّ عن كونه حسنًا في الشواهد بوجه من الوجوه، بل هو حسن لذاته، وقد قوّاه الألباني.
[ ١٠٧ ]
وفي "المسند" و"التِّرْمِذِيِّ" وغيرِهِما عن النَّبيِّ - ﷺ - مِن وجوهٍ: أن في الجنَّةِ غرفًا يُرى ظاهرُها مِن باطنِها وباطنُها مِن ظاهرِها وأنها لأهلِ هذهِ الخصالِ الثَّلاثةِ (^١).
_________________
(١) = فهذه اثنا عشر وجهًا لهذا الحديث. إذا استثنينا الأوجه الأربعة الأولى لسقوطها. فالأوجه الثمانية الأخيرة متراوحة بين الضعيف والحسن في الشواهد والحسن، وهي أكثر من كافية لتصحيح هذا الأصل. وإن تعنّتنا وقلنا: الأوجه الخمسة الأولى ساقطة لا تصلح لصالحة، وحديث طارق بن شهاب آيل إلى حديث ابن سابط ولا يعدوان أن يكونا مرسلًا قويًّا، وحديثا ابن عبّاس ومعاذ بطريقه الألى آيلان إلى حديث ابن عائش ولا يعدو الثلاثة أن يكونوا مرسلًا قويًّا؛ فهذان المرسلان مع حديث ثوبان وجابر بن سمرة والطريق الثانية لحديث معاذ هي أكثر من كافية لتقوية الحديث تبعًا لأحمد والبخاري والترمذي والحاكم وابن عبد البرّ مرّة والبغوي والمنذري والذهبي مرّة وابن كثير وابن رجب والهيثمي والعسقلاني والألباني. وما هو والله موضع إطالة، لكنني لمّا رأيت المعلّقين على "مسند الإمام أحمد" (طبعة الرسالة) قد ركبوا الصعب والذلول في تضعيف هذا الحديث على كثرة مخارجه وحسن بعضها وصلاح بعضها في الشواهد وضعف بعضها يسيرًا آثرت أن أتوسّع في تخريجه وبيان حاله نصحًا وتحذيرًا. وإنما أُتي من أُتي هاهنا: إمّا من موقف مبرم اتّخذه قبل الشروع في دراسة الطرق، وإمّا من رغبة جامحة بمخالفة الألباني جعلته يتنكّب منهج أهل العلم في تقوية الحديث بكثرة مخارجه إذا كان ضعفها يسيرًا، أو تكاثرت عليه الطرق ثم عجز عن تبويبها وترتيبها بصورة علمية منهجة تفضي به إلى نتيجة سليمة فعاجلها بالتضعيف حفظًا للمقام ودرءًا لتهمة العجز عن الدرس والتحليل.
(٢) (صحيح). وقد جاء عن جماعة من الصحابة: * فرواه: الخرائطي في "المكارم" (١٤٣)، وابن عدي (٢/ ٧٩٥)، والبيهقي في "البعث" (٢٥٤)، والذهبي في "الميزان" (١/ ٥٦٣) تعليقًا؛ من طريق حفص بن عير بن حكيم، ثنا عمرو بن قيس الملائيّ، عن عطاء، عن ابن عبّاس … رفعه. وحفص متروك متهم وقد استنكر حديثه هذا ابن عديّ والذهبي والعسقلاني. * ورواه: ابن أبي شيبة (٢٥٧٣٤ و٣٣٩٦١)، وهنّاد في "الزهد" (١٢٣)، والترمذي (٣٩ - الجنّة، ٣ - صفة غرف الجنّة، ٤/ ٦٧٣/ ٢٥٢٧)، وعبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (١/ ١٥٦) و"زوائد الزهد" (٩٩)، والبزّار (٧٠٢)، وابن نصر في "مختصر قيام الليل" (٢٢)، وأبو يعلى (٤٢٨ و٤٣٨)، وابن خزيمة (٢١٣٦)، وابن أبي داوود في "البعث" (٧٤)، والخرائطي في "المكارم" (١٤٢)، وابن عدي (٤/ ١٦١٣)، وابن السنّي (٣١٩)، والسهمي في "جرجان" (٥٢٠)، والبيهقي في "الشعب" (٣٣٦٠) و"البعث" (٢٥٢)، والخطيب في "الجامع" (٢٣٦)، والبغوي في "التفسير" (البقرة ٢٥)، والأصبهاني في "الترغيب" (١٩١٥)؛ من طريق عبد الرحمن بن إسحاق أبي شيبة، عن النعمان بن سعد، عن عليّ … رفعه. قال الترمذيّ: "غريب، وقد تكلّم بعض أهل العلم في عبد الرحمن بن إسحاق هذا من قبل حفظه". قلت: هو ضعيف منكر الحديث، والنعمان مجهول لا يعرف، ولذلك ضعّف العراقي حديثه هذا. * ورواه: تمّام في "الفوائد" (١٧٨٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٣٥٦)، والبيهقي في "البعث" (٢٥٣)؛ من طريق عبد الرحمن بن عبد المؤمن الأزدي، سمعت محمّد بن واسع، عن الحسن، عن جابر … رفعه. وعبد الرحمن هذا لا بأس به، وهو غير الحافظ الجرجاني المشهور. والحسن عن جابر مرسل. ولذلك قال البيهقي: "غير قويّ، وروي بإسناد آخر عن جابر".
[ ١٠٨ ]
وفي حديثِ عَبْدِ اللهِ بن سَلامٍ المشهورِ المخرَّجِ في "السُّننِ": أنّهُ أوَّلُ ما سَمعَ النَّبيَّ - ﷺ - تقولُ عندَ قدومِهِ المدينةَ: "يا أيّها النّاس! أطْعِموا الطّعامَ، وأفْشُوا السَّلامَ، وصِلوا الأرحامَ، وصَلُّوا بالليلِ والناسُ نيامٌ؛ تَدْخُلوا الجنةَ بسلامٍ" (^١).
_________________
(١) = * ورواه الطبراني في "الشاميين" (١٢٤٧) من طريق بقية، عن علي بن أبي حملة وشراحيل بن عبد الحميد وشعيب بن أبي الأشعث، عن نافع، عن ابن عمر … رفعه. وبقية عنعن على تدليسه، وشراحيل مجهول وشعيب ضعيف، ولا يبعد أنّ في السند خطأ! وقد توبع بقيّة عند ابن عديّ في "الكامل" (٢/ ٤٥٣) من طريق بشير بن زاذان، عن عليّ بن عبد الله القرشي، عن شراحيل بن عبد الحميد، عن نافع، عن ابن عمر … رفعه. وبشير واهٍ، والقرشيّ لم أقف له على ترجمة. * ورواه: أحمد (٢/ ١٧٣)، والطبراني (١٠/ ٤٩٨ - نهاية)، والحاكم (١/ ٨٠ و٣٢١)، والبيهقي في "الشعب" (٣٠٩٠) و"البعث" (٢٥١)؛ من طريق حييّ بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلّي، عن ابن عمرو … رفعه. صحّحه الحاكم مرّة على شرط مسلم ومرّة على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي فيهما، وقوّاه المنذري وابن كثير والهيثمي (٢/ ٢٥٧) والعسقلاني، وأولى منه قول الهيثمي (١٠/ ٤٢٣): "رجاله وثّقوا على ضعف في بعضهم"؛ لأنّ حييًّا هذا ليّن ولم يخرّج له الشيخان شيئًا. * ورواه: معمر في "الجامع" (٢٠٨٨٣)، وأحمد (٥/ ٣٤٣)، وابن خزيمة (٢١٣٧)، وابن أبي حاتم (العنكبوت ٦٠ - ابن كثير)، والخرائطي في "المكارم" (١٤٦)، وابن حبّان (٥٠٩)، والطبراني (٣/ ٣٠١/ ٣٤٦٦ و٣٤٦٧)، والبيهقي في "السنن" (٤/ ٣٠٠) و"الشعب" (٣٨٩٢)، والخطيب في "التاريخ" (٨/ ٢٠٢)، والبغوي في "السنّة" (٩٢٧)، والأصبهاني في "الترغيب" (٢٠٥١)، وابن عساكر؛ من طريقين قويّتين، عن عبد الله بن معانق الأشعريّ، عن أبي مالك الأشعريّ … - رفعه. قال الهيثمي (١٠/ ٤٢٢): "رجال الصحيح، غير عبد الله بن معانق، ووثقه ابن حبّان". قلت: والعجلي، وروى عنه جماعة، فالسند قويّ. فهذه ستّة أوجه: الأوّلان ساقطان، والتاليان ضعيفان، والخامس صالح في الشواهد، والسادس قويّ. وهذا المتن صحيح بمجموع الأربعة الأخيرة، وقد صحّحه ابن خزيمة وابن حبّان والحاكم والمنذري والذهبي وابن كثير والهيثمي والعسقلاني والألباني.
(٢) (صحيح). رواه: ابن أبي شيبة (٢٥٣٨٠ و٣٥٨٣٦)، وابن سعد في "الطبقات" (١/ ٢٣٥)، وأحمد (٥/ ٤٥١)، وعبد بن حميد (٤٩٦)، والدارمي (١/ ٣٤٠، ٢/ ٢٧٥)، وابن ماجه (٥ - الإقامة، ١٧٤ - قيام الليل، ١/ ٤٢٣/ ١٣٣٤ و٣٢٥١)، والفسوي (١/ ٢٦٤)، والترمذي (٣٨ - القيامة، ٤٢ - باب، ٤/ ٦٥٢ / ٢٤٨٥)، وابن أبي عاصم في "الأوائل"، وابن نصر في "القيام" (٢٠)، وابن قانع في "المعجم" (٢/ ١٣٢/ ٥٩٨)، والطبراني في "الأوائل" و"المكارم"، وابن السنّي (٢١٥)، والحاكم (٣/ ١١٣، ٤/ ١٥٩)، وتمّام (١١٧٤ و١١٧٥)، والقضاعي (٧١٩)، والبيهقي في "السنن" (٢/ ٥٠٢) و"الشعب" (٣٣٦١ و٨٧٤٩) و"الدلائل" (٢/ ٥٣١)، والبغوي في "السنّة" (٩٢٦)، والأصبهاني في "الترغيب" (٤٠١ و٢٠٥٢)، وابن عساكر (٢٩/ ١٠٤ - ١٠٦)، والضياء في "المختارة" (٩/ ٣٩٩/٤٣١ - ٤٠٤)؛ من طرق، عن عوف بن أبي جميلة، عن زرارة بن أوفى، عن ابن سلام … رفعه.
[ ١٠٩ ]
• ومِن فضائلِ التَّهجُّدِ أن الله ﷿: يُحِبُّ أهلَهُ، ويُباهي بهمُ الملائكةَ، ويَسْتَجيبُ دعاءَهُم.
رَوى الطَّبَرانِيُّ وغيرُهُ مِن حديثِ: أبي الدَّرْداءِ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "ثلاثة يُحِبُّهُمُ اللهُ ويضحَكُ إليهِم ويَسْتَبْشِرُ بهِم … (فذَكَرَ منهُمُ) الذي لهُ امرأةٌ حسناءُ وفراشٌ حسنٌ فيَقومُ مِن الليلِ، فيقولُ اللهُ: يَذَرُ شهوتَهُ فيَذْكُرُني ولو شاءَ رَقَدَ. والذي إذا كانَ في سفرٍ وكانَ معَهُ ركبٌ فسَهِروا ثمَّ هَجَعوا، فقامَ مِن السَّحرِ في ضرَّاءَ وسرَّاءَ" (^١).
وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ مِن حديثِ: أبي ذَرٍّ، عن النّبي - ﷺ -؛ قالَ: "ثلاثةٌ يُحِبُّهُم اللهُ … (فذَكَرَ منهُم) وقومٌ ساروا ليلَهُم، حتَّى إذ كانَ النَّومُ أحبَّ إليهِم ممَّا يُعْدَلُ بهِ فوَضَعوا رؤوسَهُم؛ قامَ يَتَمَلَّقُني ويَتْلو آياتي" (^٢). وصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) = وهؤلاء ثقات رجال الشيخين، ولذلك صحّحه الترمذي والحاكم والبغوي والمنذري والنووي والذهبي والعسقلاني في "الفتح" والألباني- ثمّ رأيت العسقلاني يقول في "أمالي الأذكار" (٥/ ٢٧٧ - فتوحات): "وفي تصحيحه نظر؛ فإنّ زرارة، وإن كان ثقة، لا يعرف له سماع من ابن سلام". قلت: أصله قول أبي حاتم عندما سئل عن سماع زرارة من ابن سلام: "ما أراه، ولكن يدخل في المسند"، وقد صرّح بالتحديث عند ابن أبي شيبة، وقال الضياء: "في هذا الحديث بيان سماع زرارة من عبد الله"، ثمّ الرجل ثقة عابد لا يعرف بإرسال ولا تدليس، فالأصل أن تحمل عنعنته على السماع طالما أنّ التاريخ يدعمها، ولا سيّما أنّه سمع من هم في طبقة ابن سلام من الصحابة، وأبو حاتم ظنّ ولم يحقّق، ثمّ إنّه حمل هذه الرواية على الاتِّصال، فكأنّه يريد أنّها من رواية زرارة عن بعض الصحابة عن ابن سلام، وبالجملة فمثل هذا لا يعلّ الحديث. والله أعلم.
(٢) (حسن بشواهده). رواه: الطبراني (٢/ ٢٥٨ - مجمع)، والحاكم (١/ ٢٥)؛ من طريق فضيل بن سليمان، ثنا موسى بن عقبة، ثنا عبيد الله، عن أبيه، عن أبي الدرداء … رفعه مطوّلًا ومختصرًا. قال الحاكم: "صحيح، وقد احتجّا بجميع رواته"، ووافقه الذهبي. قلت: يعني: مجتمعَيْن أو منفردَيْن؛ لأنّ عبيد الله بن سلمان الأغرّ من رجال مسلم وحده، وفضيل لا يعدو أن يكون صالحًا في الشواهد، فالسند كذلك، ولكنّه يتقوّى بما بعده، وقد قوّاه المنذري والهيثمي والألباني.
(٣) (صحيح). قطعة من حديث طويل رواه: ابن أبي شيبة (١٩٣١١)، وأحمد (٥/ ١٥٣)، والترمذي (٣٩ - الجنّة، ٢٥ - باب، ٤/ ٦٩٨/ ٢٥٦٨)، والبزّار (٤٠٢٧ - ٤٠٢٩)، وابن نصر في "القيام" (٢٥١)، والنسائي في "الكبرى" (١٣١٤ و١٣١٥ و٢٣٥١ و٧١٣٨) و"المجتبى" (٢٠ - قيام الليل، ٧ - صلاة الليل في السفر، ٣/ ٢٠٧ / ١٦١٤ و٥/ ٨٤/ ٢٥٦٩)، وابن خزيمة (٢٤٥٦ و١٢٥٦٤، وابن حبّان (٣٣٤٩ و٣٣٥٠ و٤٧٧١)، والحاكم (١/ ٤١٦، ٢/ ١١٣)، والمزّي في "التهذيب" (١٠/ ٨٢)؛ من طريق قويّة، [عن زيد بن ظبيان]، عن أبي ذرّ … رفعه فذكر المنفق سرًّا والقائم في السفر والمقاتل بعد الهزيمة. وفيه ضعف من وجهين: أوّلهما: أنّهم رووه بإسقاط زيد، ورجّح البخاري والدارقطني إثباته. والثاني: جهالة زيد؛ فإنّه لم =
[ ١١٠ ]
وفي "المسند": عن ابن مَسْعودٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "عَجِبَ ربُّنا مِن رجلٍ ثارَ عن وطائِهِ ولحافِهِ مِن بين أهلِهِ وحبِّهِ إلى صلاتِهِ، فيَقولُ ربُّنا ﵎: يا ملائكتي! انْظُروا إلى عبدي، ثارَ مِن فراشِهِ ووطائِهِ مِن بين أهلِهِ وحبِّهِ إلى الصَّلاةِ؛ رغبةً فيما عندي وشفقةً ممَّا عندي … " وذَكَرَ بقيَّةَ الحديثِ (^١).
وقولُهُ "ثارَ" فيهِ إشارةٌ إلى قيامِهِ بنشاطٍ وعزمٍ.
_________________
(١) = يرو عنه إلّا ربعيّ بن حراش. وأمّا الترمذي والحاكم فصحّحاه ووافقهما المنذري والذهبي والعراقي. وله طريق أُخرى يرويها أبو العلاء يزيد بن الشخّير واختلف عليه فيها على وجهين: روى الأوّل: معمر في "الجامع" (٢٠٢٨٢)، وابن المبارك في "الجهاد" (٤٧)، وأحمد (٥/ ١٥١)، وابن منيع، وابن أبي عاصم في "الجهاد" (١٢٧)؛ من طرق، عن الجريري، عن أبي العلاء يزيد بن الشخّير، عن ابن الأحمس، عن أبي ذرّ … موقوفا ومرفوعًا بذكر التارك لفراشه والقائم في السفر والمقاتل بعد هزيمة سريّته. وابن الأحمس هذا قال العراقي: "لا يعرف حاله". وروى الثاني: الطيالسي (٤٦٨)، وابن أبي شيبة (١٩٣٤٨)، وأحمد (٥/ ١٧٦)، وابن أبي حاتم (الصفّ ٤ - ابن كثير)، والطبراني (٢/ ١٥٢/ ١٦٣٧)، والحاكم (٢/ ٨٨)، والبيهقي (٩/ ١٦٠)؛ من طريقين قويّتين، عن يزيد، [عن مطرّف]، عن أبي ذرّ … رفعه بذكر القائم في السفر والصابر على جار السوء والمقاتل بعد هزيمة سريّته. فالأظهر أنّ ليزيد شيخين في هذا الحديث، وإن كان لا بدّ من الترجيح؛ فالوجه الثاني أرجح لاجتماع الثقتين عليه وخشية أن يكون الجريريّ لم يحكم الوجه الأوّل. وقد صحّح الحاكم والذهبي هذا الوجه الأخير على شرط مسلم وصحّحه الألباني.
(٢) (صحيح). رواه: ابن أبي شيبة (١٩٣٩٥)، وأحمد (١/ ٤١٦)، وأبو داوود (٩ - الجهاد، ٣٧ - الرجل يشري نفسه، ٢/ ٢٣/ ٢٥٣٦)، وابن أبي عاصم في "السنّة" (٥٦٩) و"الجهاد" (١٢٥)، وأبو يعلى (٥٢٧٢ و٥٣٦١ و٥٣٦٢)، والشاشي (٨٧٦)، وابن حبّان (٢٥٥٧ و٢٥٥٨)، والطبراني (١٠/ ١٧٩ / ١٠٣٨٣)، والحاكم (٢/ ١١٢)، وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ١٦٧)، والبيهقي (٩/ ٤٦ و١٦٤)؛ من طرق، عن حمّاد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن مرّة الهمداني، عن ابن مسعود … رفعه. وهاهنا علّتان: أولاهما: أنّ عطاء أختلط، ورواية حمّاد عنه غير مأمونة. وأشار الدارقطني في "العلل" (٨٦٩) إلى الثانية بقوله: "اختلف عن مرّة فرفعه حمّاد بن سلمة ووقفه خالد بن عبد الله". قلت: خالد أوثق من حمّاد ولكنّ روايته عن عطاء أيضًا غير مأمونة. قال الدارقطني: "وروى هذا الحديث قيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن مرّة عن عبد الله مرفوعًا، تفرّد به يحيى الحمّاني عن قيس". قلت: كلاهما غير مأمون. وله طريق أخرى: قال الدارقطني: "ورواه إسرائيل واختلف عنه: فقال أحمد بن يونس عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص وأبي الكنود عن عبد الله موقوفًا. وقال يحيى بن آدم عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة وأبي الكنود موقوفًا. والصحيح هو الموقوف". قلت: هؤلاء كلّهم ثقات، والوقف صحيح من هذا الوجه، لكنّ له حكم الرفع لأنّه لا يدرك بالرأي. وعلى هذا فالحديث صحيح موقوفًا ومرفوعًا؛ وطرقه الموقوفة تزيد المرفوعة قوّة ولا تعارضها، وقد قوّاه ابن حبّان والدارقطني والحاكم والمنذري والذهبي والهيثمي (٢/ ٢٥٨) وشاكر والألباني.
[ ١١١ ]
ويُرْوى مِن حديثِ: عَطِيَّةَ، عن أبي سَعيدٍ، عن النَّبي - ﷺ -؛ قالَ: "إن الله يَضْحَكُ إلى ثلاثةِ نفرٍ: رجلٍ قامَ مِن جوفِ الليلِ فأحْسَنَ الطَّهورَ فصَلَّى، ورجلٍ نامَ وهوَ ساجدٌ، ورجلٍ في كتيبةٍ منهزمةٍ فهوَ على فرسٍ جوادٍ لو شاءَ أنْ يَذْهَبَ لَذَهَبَ" (^١).
وخَرَّجَهُ ابنُ ماجَهْ مِن روايةِ: مُجالِدٍ (^٢)، عن أبي الوَدَّاكِ، عن أبي سَعيدٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إنَّ الله لَيَضْحَكُ إلى ثلاثةٍ: الصَّفِّ في الصَّلاةِ، والرَّجلِ يُصَلِّي في جوفِ الليلِ، والرَّجلِ يُقاتِلُ (أُراهُ قالَ:) خلفَ الكتيبةِ" (^٣).
ورُوِّينا مِن حديثِ: أبَانَ، عن أنَسٍ، عن رَبيعَةَ بن وَقَاصٍ، عن النَّبيّ - ﷺ -؛ قالَ: "ثلاثُ مواطنَ لا تُرَدُّ فيها دعوةٌ: رجلٌ يَكونُ في بَرِّيَّةٍ حيثُ لا يَراهُ أحدٌ فيَقومُ فيُصَلِّي، فيَقولُ اللهُ لملائكتِهِ: أرى عبدي هذا يَعْلَمُ أن لهُ ربًّا يَغْفِرُ الذُّنوبَ، فانْظُروا ما يَطْلُبُ. فيَقولُ الملائكةُ: أي ربِّ! رضاكَ ومغفرتَكَ. فيَقولُ: اشْهَدوا أنِّي قد غَفَرْتُ لهُ ورَضِيتُ عنهُ. ورجلٌ يقومُ مِن الليلِ، فيقولُ اللهُ ﷿: أليسَ قد جَعَلْتُ الليلَ سكنًا والنَّومَ سباتًا، فقامَ عبدي هذا يُصَلِّي، يَعْلَمُ أن لهُ ربًّا [يَغْفِرُ الذُنوبَ]. فيَقولُ اللهُ لملائكتِهِ: انْظُروا ما يَطْلُبُ عبدي هذا. فتَقولُ الملائكةُ: يا ربِّ! رضاكَ ومغفرتَكَ. فتقولُ: اشْهَدوا أنِّي قد غَفَرْتُ لهُ … " وذَكَرَ الثَّالثَ الذي يَكونُ في فئةٍ فيَفِرُّ أصحابُهُ ويَثْبُتُ
_________________
(١) (منكر بهذا التمام). رواه: البزّار (٧١٥ - كشف)، وابن شاهين في "الناسخ" (١٩٨)؛ من طريق محمد بن أبي ليلى، عن عطيّة العوفي، عن أبي سعيد … رفعه. وهذا سند ضعيف فيه علل: أولاها: محمّد بن أبي ليلى سيّء الحفظ جدَّا. والثانية: عطيّة العوفي ضعيف ولا سيّما في روايته عن أبي سعيد. والثالثة: أنّه خولف في متن الحديث كما يأتي بعده، وهذا حدّ النكارة، وقد ضعّفه الهيثمي.
(٢) في خ: "مجاهد"! وهو تحريف صوابه ما أثبته من م وط و"سنن ابن ماجه".
(٣) (ضعيف بهذا التمام). رواه: ابن أبي شيبة في "المصنّف" (١٩٣١٠)، وأحمد في "المسند" (٣/ ٨٠)، وابن ماجه في "السنن" (المقدّمة، ١٣ - باب ما أنكرت الجهميّة، ١/ ٧٣/ ٢٠٠)، وابن أبي الدنيا في "كتاب التهجّد" (٢١٦)، وابن نصر في "قيام الليل" (٢٧)، وأبو يعلى في "المسند" (١٠٠٤)، والآجرّي في "الشريعة" (٦٤٦ و٦٤٧)، والبيهقي في "الأسماء والصفات"؛ من طريقين، عن مجالد، عن أبي الودّاك، عن أبي سعيد الخدري ﵁ … رفعه. قال البوصيري: "في إسناده مقال". قلت: مجالد ليّن، وقد تفرّد بهذا السياق مخالفًا ما تقدّم، فلا يحتمل منه هذا، وقد ضعّفه الألباني.
[ ١١٢ ]
هوَ (^١). وهوَ مذكور أيضًا في كلِّ الأحاديثِ المتقدِّمةِ.
وفي "المسند" و"صحيح ابن حِبَّان": عن عُقْبَةَ بن عامر، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "رجلانِ مِن أُمَّتي: تقومُ أحدُهُما مِن الليلِ فيُعالجُ نفسَهُ إلى الطهورِ وعليهِ عُقَدٌ فَيَتَوَضَّأُ: فإذا وَضَّأ يديهِ انْحَلَّتْ عقدةٌ، وإذا وَضَّأ وجهَهُ انْحَلَّتْ عقدةٌ، وإذا مَسَحَ رأْسَهُ انْحَلَّت عقدةٌ، وإذا وَضَّأ رجليهِ انْحَلَّتْ عقدةٌ. فتقولُ الرَّبُّ ﷿ للذينَ وراءَ الحجابِ: انْظُروا إلى عبدي هذا يُعابُ نفسَهُ، ما سَألَني عبدي هذا فهوَ لهُ" (^٢).
وفي الصَّحيحينِ (^٣) أن النَّبي - ﷺ - قالَ: "نِعْمَ الرَّجلُ عبدُ اللهِ (يَعْني: ابنَ عُمَرَ) (^٤) لو كانَ يُصَلِّي مِن الليلِ". فكانَ عبدُ اللهِ لا يَنامُ بعدَ ذلكَ مِن الليلِ إلَّا قليلًا.
كانَ أبو ذَرٍّ ﵁ يَقولُ للنَّاسِ: أرَأيْتُمْ لوْ أن أحَدَكُمْ أرادَ سفرًا؛ أليسَ يَتَّخِذُ مِن الزَّادِ ما يُصْلِحُهُ ويُبَلِّغُهُ؟ قالوا: بلى. قالَ: فسفرُ طريقِ القيامةِ أبعدُ، فخُذوا لهُ ما يُصْلِحُكُم؛ حُجُّوا حَجَّةً لعظائمِ الأُمور، صوموا يومًا شديدًا حرُّهُ لحرِّ يومِ النُّشور، صَلُّوا ركعتينِ في ظلمةِ الليلِ لظلمةِ القبور، تَصَدَّقوا صدقة لشرّ يومٍ عسير.
أينَ رجالُ الليل؟! أينَ الحَسَنُ وسُفْيانُ وفُضَيْل؟!
يا رِجالَ اللَيْلِ جِدُّوا … رُبَّ داعٍ لا يُردُّ
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). رواه: ابن منده في "الصحابة" (١/ ٥١٢ - إصابة)، وأبو نعيم في "الصحابة" (٢/ ١٨٤ - غابة)؛ من طريق أبان بن أبي عياش، عن أنس، عن ربيعة بن وقاص … رفعه. قال ابن منده: "لا نعرفه إلّا من هذا الوجه". وقال ابن الأثير: "في حديثه نظر". قلت: من أجل أبان؛ فإنّه متروك. وقال الذهبي: "حديث مضطرب". وقال العسقلاني: "إسناده ضعيف".
(٢) (صحح). رواه أحمد (٤/ ١٥٩) والطبراني (١٧/ ٣٠٥/ ٨٤٣) وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٩) من طريق ابن لهيعة، ورواه أحمد (٤/ ٢٠١) والروياني (٢٣٧) وابن حبّان (١٠٥٢ و٢٥٥٥) من طريق عمرو بن الحارث؛ كلاهما عن أبي عشانة المعافريّ، سمعت عقبة بن عامر … رفعه. قال الهيثمي (٢/ ٢٦٧): "فيه ابن لهيعة وفيه كلام". قلت: تابعه عمرو بن الحارث وهو ثقة ثبت، وأبو عشانة ثقة أيضا. وقد قال الهيثمي في موضع آخر (١/ ٢٢٩): "له سندان عندهما رجال أحدهما ثقات". فهذا أولى. والحديث قوّاه ابن حبّان والمنذري والهيثمي والألباني.
(٣) البخاري (١٩ - التهجّد، ٢ - فضل قيام الليل، ٣/ ٦/ ١١٢١ و١١٢٢)، ومسلم (٤٤ - الصحابة، ٣١ - فضائل ابن عمر، ٤/ ١٩٢٧/ ٢٤٧٩)؛ من حديث ابن عمر.
(٤) في خ: "يعني عبد الله بن عمر"، والصواب ما أثبتّه من م وط.
[ ١١٣ ]
ما يَقومُ اللَيْلَ إلَّا … مَنْ لَهُ عَزْمٌ وَجِدُّ
لَيْسَ شَيْءٌ كَصَلاةِ الْـ … ـــــلَيْلِ لِلْقَبْرِ يُعَدُّ
صَلَّى كثيرٌ مِن السَّلفِ صلاةَ الصُّبحِ بوضوءِ العشاءِ عشرينَ سنةً، ومنهُم مَن صَلَّى كذلكَ أربعينَ سنةً.
قالَ بعضُهُم: منذُ أربعينَ سنةً ما أحْزَنَني إلَّا طلوعُ الفجرِ.
قالَ ثابِتٌ: كابَدْتُ (^١) قيامَ الليلِ عشرينَ سنةً، وتَنَعَّمْتُ بهِ عشرينَ سنة أُخرى.
• أفضلُ قيامِ الليلِ وسطُهُ (^٢). قالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "أفضلُ القيامِ قيامُ داوودَ، كانَ يَنامُ نصفَ الليلِ ويقومُ ثلثَهُ ويَنامُ سدسَهُ" (^٣).
وكانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - إذا سَمعَ الصَّارخَ يَقومُ للصَّلاةِ (^٤). والصَّارخُ: الدِّيكُ، وهوَ يَصيحُ وسطَ الليلِ.
وخَرَّجَ النَّسائيُّ عن أبي ذَرٍّ؛ قالَ: سَألْتُ النَّبيَّ - ﷺ -: أيُّ الليلِ (^٥) خيرٌ؟ قالَ: "جوفُهُ" (^٦).
وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ عن أبي ذَرٍّ؛ قالَ: سَألْتُ النَّبي - ﷺ -: أيُّ قيامِ الليلِ أفضلُ؟ قالَ: "جوفُ الليلِ الغابرِ (أو: نصفُ الليلِ)، وقليل فاعلُهُ" (^٧).
_________________
(١) كابدت: عانيت ووجدت المشقّة.
(٢) كذا! ومقتضى النصوص التي سيذكرها أنّ أفضل القيام هو النصف الأخير أو الثلث الأخير.
(٣) رواه: البخاري (١٩ - التهجّد، ٧ - من نام عند السحر، ٣/ ١٦/ ١١٣١)، ومسلم (١٣ - الصيام، ٣٥ - النهي عن صوم الدهر، ٢/ ٨١٦/ ١١٥٩)؛ من حديث ابن عمرو.
(٤) البخاري (الموضع السابق، ١١٣٢)، ومسلم (٦ - المسافرين، ١٧ - صلاة الليل، ١/ ٥١١/ ٧٤١).
(٥) في خ: "أيّ قيام الليل خير"! والصواب ما أثبتّه من م ون وط.
(٦) (صحيح). قطعة من حديث تقدّم متنه وتفصيل القول في تخريجه (ص ٨٨).
(٧) (ضعيف). رواه: ابن المبارك (١٢١٧)، وأحمد (٥/ ١٧٩)، وابن نصر في "القيام" (٧٧)، والنسائي في "الكبرى" (١٣٠٨)، وابن حبّان (٢٥٦٤)، والطبراني في "الأوسط" (٢٦٤٥)، وابن عديّ (٦/ ٢٤٥٢)، والبيهقي في "السنن" (٣/ ٤) و"الشعب" (٣٠٩٣)، والمزّي في "التهذيب" (٢٨/ ٥٨١)؛ من طريق المهاجر بن مخلد أبي مخلد، عن أبي العالية (ووقع في الأوسط: أبي العلاء يزيد بن الشخير)، ثني أبو مسلم الجذمي، سمعت أبا ذرّ … رفعه.
[ ١١٤ ]
وخَرَّجَ ابنُ أبي الدُّنْيا مِن حديثِ أبي أُمامَةَ؛ أن رجلًا قالَ: يا رَسولَ اللهِ! أيُّ الصَّلاةِ أفضلُ؟ قالَ: "جوفُ الليلِ الأوسطُ". قالَ: أيُّ الدُّعاءِ أسمعُ؟ قالَ: "دبرَ الصَّلواتِ المكتوباتِ" (^١).
وخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، ولفظُهُما؛ أنّهُ سَألَهُ: أيُّ الدُّعاءِ أسمعُ؟ قالَ: "جوفُ الليلِ الآخرِ ودبرَ الصَّلواتِ المكتوباتِ" (^٢).
وخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ عَمْرِو بن عَبَسَةَ؛ [أنَّهُ] سَمعَ النَّبيَّ - ﷺ - يَقولُ: "أقربُ ما يَكونُ الرَّبُّ مِن العبدِ في جوفِ الليلِ، فإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَكونَ ممَّن يَذْكُرُ الله في تلكَ السَّاعةِ؛ فكُنْ" (^٣).
_________________
(١) = قال الطبراني: "تفرّد به المهاجر". قلت: لينه أبو حاتم وغيره، واضطرابه بين أبي العالية وأبي العلاء وتردّده بين جوف الليل الغابر ونصفه يدلّ على أنّه ليس بالضابط على قلّة حديثه، فلا يستحقّ ما انفرد به التحسين. وفي الباب ما يشهد لبعض هذا وأمّا السياق بطوله فلا.
(٢) (شاذّ أو منكر). انظر ما بعده.
(٣) (شاذّ بهذا التمام). رواه: عبد الرزّاق (٣٩٤٨)، والترمذي (٤٩ - الدعوات، ٧٩ - باب، ٥/ ٥٢٦ / ٣٤٩٩)، والنسائي في "الكبرى" (٩٩٣٦) و"اليوم والليلة" (١٠٨)، والطبراني (٨/ ٢٨٩/ ٨١٠٨) مختصرًا؛ من طريق ابن جريج، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي أُمامة … رفعه. قال الترمذي: "حديث حسن"! وأقرّه المنذري والنووي والألباني. وقال الهيثمي (٢/ ٢٢٨): "مرسل". وقال العسقلاني في "أمالي الأذكار" (٣/ ٣٠ - فتوحات): "فيما قاله [يعني: الترمذي] نظر؛ لأنّ له عللًا: منها: الانقطاع بين ابن سابط وأبي أُمامة. قال ابن معين: لم يسمع عبد الرحمن بن سابط من أبي أُمامة. ومنها: عنعنة ابن جريج عن ابن سابط. ومنها: الشذوذ؛ فإنّه جاء عن خمسة من أصحاب أبي أُمامة أصل هذا الحديث من رواية أبي أُمامة صاحب النبيّ - ﷺ - عن عمرو بن عبسة واقتصروا كلّهم على الشقّ الأوّل" اهـ. قلت: أمّا الانقطاع والشذوذ؛ فنعم، وأمّا عنعنة ابن جريج؛ فقد صرّح بالإخبار عند عبد الرزّاق. لكن يضاف إلى العلل المتقدّمة: أنّه اختلف فيه فقيل لأجوف الليل الآخر" وقيل "الأوسط" على ما تقدّم عند ابن أبي الدنيا. وقد فتّشت "التهجّد وقيام الليل" حديثًا حديثًا فما وجدته في الطبعة المصريّة، وليست بحوزتي رسالة الحارثي للماجستير في الجامعة الإسلاميّة لأطّلع على سنده عنده. وعلى أيّ حال؛ فهاهنا شذوذ في المتن بزيادة "ودبر الصلوات المكتوبات" والاختلاف بين "الأوسط" و"الآخر"، وشذوذ في السند بجعل هذا الحديث من مسند أبي أُمامة والمحفوظ أنّه من مسند عمرو بن عبسة كما سيأتي بعده. وقد أعلّ حديث أبي أُمامة بن القطّان والهيثمي والزيلعي والعسقلاني.
(٤) (صحيح). قطعة من حديث طويل جليل رواه: عبد الرزّاق (١٥٤)، والطيالسي (١١٥٣)، وابن أبي شيبة (٧٣٤٣)، وابن سعد (٤/ ٢١٥ - ٢١٧)، وأحمد (٤/ ١١١ - ١١٣ و٣٨٥ و٣٨٧)، وعبد بن حميد (٣٠٠ و٣٠٢)، وأبو داوود (٢ - الصلاة، ٢٩٩ - من رخّص فيهما، ١/ ٤٠٩/ ١٢٧٧)، والفسوي (٢/ ٣٣٩)، =
[ ١١٥ ]
ويُرْوى (^١) أن داوودَ ﵇ قالَ: يا ربِّ! أيَّ وقتٍ أقومُ لكَ؟ قالَ: لا تَقُمْ أوَّلَ الليلِ ولا آخرَهُ، ولكنْ قُمْ وَسَطَ الليلِ حتَّى تَخْلُوَ بي وأخْلُوَ بكَ، وارْفَعْ إليَّ حوائجَكَ.
وفي الأثرِ المشهورِ (^٢): كَذَبَ مَنِ ادَّعى محبَّتي فإذا جَنَّهُ الليلُ نامَ عنِّي، أليسَ كل محبٍّ (^٣) يُحِبُّ خلوةَ حبيبِهِ؟ فهاأنا ذا مطَّلعٌ على أحبابي، إذا جَنَّهُمُ الليلُ؛ جَعَلْتُ أبصارَهُم في قلوبهِم، فخاطَبوني على المشاهدةِ، وكَلَّموني على حضوري، غدًا أُقِرُّ أعينَ أحبابي في جناني.
اللَيْلُ لي وَلِأحْبابي أُحادِثُهُمْ … قَدِ اصْطَفَيْتُهُمُ كَيْ يَسْمَعوا وَيَعُوا
لَهُمْ قُلوبٌ بِإسْراري لَها مُلِئَتْ … عَلى وِدادي وَإرشادي لَهُمْ طُبِعوا
سَرَوْا فَما وَهَنوا عَجْزًا وَلا ضَعُفوا … وَواصَلوا حَبْلَ تَقْريبي فَما انْقَطَعوا
_________________
(١) = والترمذي (٤٩ - الدعوات، ١١٩ - باب، ٥/ ٥٦٩/ ٣٥٧٩)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (١٣٢٦ - ١٣٣٠)، وابن نصر في "الصلاة" (٦٤٤)، والنسائي (٦ - المواقيت، ٣٥ - النهي عن الصلاة بعد العصر، ١/ ٢٧٩/ ٥٧١ و٥٨٣) و"الكبرى" (١٥٤٤ و١٥٦٠ و٩٩٣٦)، وابن قانع (٢/ ١٩٥ - ١٩٦)، والطبراني في "الدعاء" (١٢٨ - ١٣٤) و"الأوسط" (٦٩٦٠) و"الشاميّين" (٦٠٥ و٨٠٣ و٨٠٦ و٨٦٣ و١٣٢٠ و١٤١٠ و١٥٩٠ و١٨٤٧)، والدارقطني (١/ ١٠٧ و١٠٨)، والحاكم (١/ ١٣١ و٣٠٩، ٣/ ٦٥ و٦٦ و٦١٧، ٤/ ١٤٨)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ١٥، ٥/ ١٥٤) و"الدلائل" (١٩٨)، والبيهقي في "السنن" (١/ ٨١، ٢/ ٤٥٤ - ٤٥٥، ٦/ ٣٦٩) و"الدلائل" (٢/ ١٦٨)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٤/ ٢٣ - ٢٥ و٥١ - ٥٥)، والبغوي في "السنّة" (٧٧٧)، والأصبهاني في "الترغيب" (١٩٢٣)، وابن عساكر (٤٦/ ٢٥٧ - ٢٦٧)، والمزّي في "التهذيب" (١٧/ ١١، ٢٢/ ١٢٢)؛ من طرق كثيرة عن أبي أمامة وطرق أخرى كثيرة غير طريق أبي أُمامة، عن عمرو بن عبسة … رفعه مطوّلًا ومختصرًا بذكر هذه القطعة وبدونها لكنّ الحديث واحد بلا ريب. وللحديث أكثر من طريق صحيحة، وأقوى طرقه وأصحّها طريق أبي أُمامة، وقد صحّحه الترمذي وأقرّه المنذري والنووي والهيثمي والعسقلاني، وصحّح الحاكم أكثر من طريق له فيها هذه القطعة على شرط الشيخين أو أحدهما ووافقه الذهبي، وصحّحه الألباني. وحسبك أنّ مسلمًا (٦ - المسافرين، ٥٢ - إسلام عمرو بن عبسة، ١/ ٥٦٩/ ٨٣٢) روى قطعة كبيرة منه ليس فيها المذكور هنا، والحديث هو هو. * تنبيه: اتّفقت طرق حديث عمرو بن عبسة المختلفة على ذكر جوف الليل الآخر إلّا طريق ابن أبي شيبة فوقع فيها "جوف الليل الأوسط"، ولكنّها معلولة، فالمعروف في هذا الحديث جوف الليل الآخر، وذكر "الأوسط" فيه منكر.
(٢) يعني في الإسرائيليّات، ولا أصل له في المرفوع.
(٣) يعني الإسرائيليّ. رواه أبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٩٩) موقوفًا على الفضيل بن عياض.
(٤) في خ: "أليس كل حبيب"، والأولى ما أثبته من م ون وط.
[ ١١٦ ]
ما عندَ المحبِّينَ ألذَّ مِن أوقاتِ الخلوةِ بمناجاةِ محبوبِهِم، هوَ شفاءُ قلوبِهِم ونهايةُ مطلوبِهِم.
كَتَمْتُ اسْمَ الحَبيبِ عن العِبادِ … وَرَدَّدْتُ الصَّبابَةَ في فُؤادي
فَوا شَوْقًا إلى بَلَدٍ خَلِيٍّ … لَعَلِّي بِاسْمِ مَنْ أهْوى أُنادي
كانَ داوودُ الطَّائيُّ يَقولُ في الليلِ: همُّكَ عَطَّلَ عليَّ الهمومَ وحالَفَ بيني وبينَ السُّهاد، وشوقي إلى النَّظرِ إليكَ أوْثَقَ منِّيَ اللذَّات (^١) وحالَ بيني وبينَ الشَّهوات.
وكانَ عُتْبَةُ الغلامُ تقولُ في مناجاتِهِ بالليلِ: إنْ تُعَذِّبْني؟ فإنِّي لكَ محبٌّ، وإنْ تَرْحَمْني؛ فإنِّي لكَ محبٌّ (^٢).
لَوَ أنّكَ أبْصَرْتَ أهلَ الهَوى … إذا غارَتِ الأنْجُمُ الطُّلَّعُ
فهذا يَنوحُ على ذَنْبِهِ … وَهذا يُصَلِّي وَذا يَرْكَعُ
مَن لمْ يُشارِكْهُمْ في هواهُم وذوقِ حلاوةِ نجواهُم؛ لمْ يَدْرِ ما الذي أبْكاهُم.
مَن لمْ يُشاهِدْ جمالَ يوسُف؛ لم يَدْرِ ما الذي آلَمَ قلبَ يَعْقوبَ.
مَنْ لَمْ يَبِتْ وَالحُبُّ حَشْوُ فُؤادِهِ … لَمْ يَدْرِ كَيْفَ تَفَتَّتُ الأكْبادُ
كانَ أبو سُلَيْمانَ يقولُ: أهلُ الليلِ في ليلِهِم ألذُّ مِن أهلِ اللهوِ في لهوِهِم، ولولا الليلُ؛ ما أحْبَبْتُ البقاءَ في الدُّنيا.
وسطُ الليلِ للمحبِّينَ للخلوةِ بمناجاةِ حبيبِهِم، والسَّحَرُ للمذنبينَ للاستغفارِ مِن ذنوبِهِم، فوسطُ الليلِ خاصٌّ لخلوةِ الخواصِّ، والسَّحَرُ عامٌّ لرفعِ قَصصِ (^٣) الجميعِ وبروزِ التَّواقيعِ لأهلِها بقضاءِ الحوائجِ، فمَن عَجَزَ عن مسابقةِ المحبِّينَ في ميدانِ مضمارِهِم؛ فلا يَعْجِزْ عن مشاركةِ المذنبينَ في استغفارِهِم واعتذارِهِم.
صحائفُ التَّائبينَ خدودُهُم، ومدادُهُم دموعُهُم.
_________________
(١) في خ وم: "أوبق منّي اللذات"، والأولى ما أثبتّه من ن وط.
(٢) وما هو والله بالكلام الطيّب إن صحّت نسبته إلى عتبة! وما أمرنا الله أن نناجيه هكذا! والذي علّمنا إيّاه النبي - ﷺ - أن نسأل الله العافية.
(٣) القصص: القصاصات التي تكتب عليها الحوائج ثمّ ترفع إلى الولاة وأشباههم.
[ ١١٧ ]
قالَ بعضُهُم: إذا بَكى الخائفونَ؛ فقد كاتَبوا الله بدموعِهِم.
رسائلُ الأسحارِ تُحْمَلُ ولا يَدْري بها الفلك، وأجوبتُها تَرِدُ إلى الأسرارِ ولا يَعْلَمُ بها المَلَك.
صَحائِفُنا إشارَتُنا … وَأكْثَرُ رُسْلِنا الحُرَقُ (^١)
لِأنَّ الكُتْبَ قَدْ تُقْرا … بِغَيْرِ الدَّمْعِ لا نَثِقُ
لا تَزالُ القَصصُ تُسْتَعْرَضُ ويُوَقَّعُ عليها بقضاءِ حوائجِ أهلِها إلى أنْ يَطْلُعَ الفجرُ.
يَنْزِلُ ربُّنا كلَّ ليلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا فيَقولُ: هل مِن تائبٍ فأتوبَ عليهِ؟ هل مِن مستغفرٍ فأغْفِرَ لهُ؟ هل مِن داعٍ فأُجيبَ دعوتَهُ؟ إلى أنْ يَنْفَجِرَ الفجرُ.
فلذلكَ كانوا يُفَضِّلونَ صلاةَ آخرِ الليلِ (^٢) على أوَّلِهِ.
نَحْنُ الَّذينَ إذا أتانا سائِلٌ … نُولِيهِ إحْسانًا وَحُسْنَ تكرُّمِ
وَنَقولُ في الأسْحارِ هَلْ مِنْ تائِبٍ … مُسْتَغْفِرٍ لِيَنالَ خَيْرَ المَغْنَمِ
الغنيمةُ تُقْسَمُ على كلِّ مَن حَضَرَ الوقعةَ، فيُعْطى الرَّجَّالةُ والأُجراءُ والغلمان معَ الأُمراءِ والأبطالِ والشُّجعانِ والفرسان، فما يَطْلُعُ فجرُ الأجر إلَّا وقد حازَ القومُ الغنيمةَ وفازوا بالفخر، وحَمِدوا عندَ الصَّباحِ السُّرى (^٣) وما عندَ أهلِ الغفلةِ والنَّومِ خبرٌ ممَّا جَرى.
كانَ بعضُ الصَّالحينَ يَقومُ الليلَ، فإذا كانَ السَّحَرُ؛ نادى بأعلى صوتِهِ: يا أيُّها الرَّكبُ المعرِّسون! أكُلَّ هذا الليلِ تَرْقُدون؟ ألا تَقومونَ فتَرْحَلون؟ فإذا سَمعَ النَّاسُ صوتَهُ؛ وَثَبوا مِن فرشِهِم، فيُسْمَعُ مِن هنا باكٍ ومِن هنا داعٍ ومِن هنا تالٍ ومِن هنا متوضِّئ، فإذا طَلَعَ الفجرُ؛ نادى بأعلى صوتِهِ: عندَ الصَّباحِ يَحْمَدُ القوم السُّرى.
يا نَفْسُ قومي فَلَقَدْ نامَ الوَرى … إنْ تَصْنَعى الخَيْرَ (^٤) فَذو العَرْشِ يَرى
وَأنْتِ يا عَيْنُ دَعي عَنْكِ الكَرى … عِنْدَ الصَّباحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرى
_________________
(١) الحرق: جمع حرقة، وهو الشعور بالألم بعد المعصية.
(٢) في خ: "يفضّلون صلاة الليل آخر الليل"! والصواب ما أثبته من م ون وط.
(٣) في خ: "وحمدوا عند الصباح يحمد القوم السرى"! والصواب ما أثبتّه من م ون وط.
(٤) في خ ون: "واصنعي الخير"، والصواب وزنًا ما أثبتّه من م وط.
[ ١١٨ ]
يا قُوَّامَ الليلِ! اشْفَعوا في النُّوَّام، يا أحياءَ القلوبِ! تَرَحَّموا على الأمواتِ.
• قيلَ لابنِ مَسْعودٍ: ما نَسْتَطيعُ قيامَ الليلِ. قالَ: أبْعَدَتْكُمْ ذنوبُكُمْ.
وقيلَ للحَسَنِ: قد أعْجَزَنا قيامُ الليلِ. قالَ: قَيَّدَتْكُمْ خطاياكُم.
وقالَ الفُضَيْلُ: إذا لمْ تَقْدِرْ على قيامِ الليلِ وصيامِ النَّهارِ؛ فاعْلَمْ أنَّكَ محرومٌ مكبَّلٌ كَبَّلَتْكَ خطيئتُكَ.
قالَ الحَسَنُ: إنَّ العبدَ لَيُذْنِبُ الذَّنبَ فيُحْرَمُ بهِ قيامَ الليلِ.
قالَ بعضُ السَّلفِ: أذْنَبْتُ ذنبًا فحُرِمْتُ بهِ قيامَ الليلِ ستَّةَ أشهرٍ.
ما يُؤهِّلُ الملوكُ للخلوةِ بهِم إلَّا مَن أخْلَصَ في ودِّهِم ومعاملتِهِم، فأمَّا مَن كانَ مِن أهلِ المخالفةِ؛ فلا يُؤَهِّلونَهُ.
في بعضِ الآثارِ: أن جبريلَ يُنادى كلَّ ليلةٍ: أقِمْ فلانًا وأنِمْ فلانًا!
قامَ بعضُ الصَّالحينَ في ليلةٍ باردة وعليهِ ثيابٌ رثَّة، فضربَهُ البردُ، فبَكى، فهَتَفَ بهِ هاتفٌ: أقَمْناكَ وأنَمْناهُمْ ثمَّ تَبْكي علينا!
يا حُسْنَهُمْ وَاللَيْلُ قَدْ جَنَّهُمُ … وَنورُهُمْ يَفوقُ نورَ الأنْجُمِ
تَرَنَّموا بِالذِّكْرِ في لَيْلِهِمُ … فَعَيْشُهُمْ قَدْ طابَ بِالتَّرَنُّمِ
قُلوبُهُمْ لِلذكْرِ قَدْ تَفَرَّغَتْ … دُموعُهُمْ كَلُؤْلُؤٍ مُنْتَظَمِ
أسْحارُهُمْ بِهِمْ لَهُمْ قَدْ أشْرَقَتْ … وَخِلَعُ الغُفْرانِ خَيْرُ القِسَمِ
الليلُ منهلٌ يَرِدُهُ أهلُ الإرادةِ كلُّهُم، ويَخْتَلِفونَ فيما يَرِدونَ ويُريدونَ، قد عَلِمَ كلُّ أُناسٍ مشربَهُم: فالمحبُّ يَتَنَعَّمُ بمناجاةِ محبوبِه، والخائفُ يَتَضَرَّعُ لطلبِ العفوِ ويَبْكي على ذنوبِه، والرَّاجي يُلحُّ في سؤالِ مطلوبِه، والغافلُ المسكينُ أحْسَنَ اللهُ عزاءَهُ في حرمانِهِ وفواتِ نصيبِه.
قالَ النَّبيُّ - ﷺ - لعَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو ﵄: "لا تكُنْ مثلَ فلانٍ! كانَ يَقومُ الليلَ فتَرَكَ قيامَ الليلِ" (^١).
_________________
(١) رواه: البخاري (١٩ - التهجّد، ١٩ - ما يكره من ترك القيام، ٣/ ٣٧/ ١١٥٢)، ومسلم (١٣ - الصيام، ٣٥ - النهي عن صوم الدهر، ٢/ ٨١٤/ ١١٥٩).
[ ١١٩ ]
مَرِضَتْ رابِعَةُ مرَّةً، فصارَتْ تُصَلِّي وِرْدَها بالنَّهارِ، فعوفِيَتْ وقد ألِفَتْ ذلكَ وانْقَطَعَ عنها قيامُ الليلِ، فرَأتْ ذاتَ ليلةٍ في نومِها كأنّها أُدْخِلَتْ إلى روضةٍ خضراءَ عظيمةٍ، وفُتحَ لها فيها بابُ دارٍ، فسَطَعَ منها نورٌ حتَّى كادَ يَخْطَفُ بصرَها، فخَرَجَ منها وُصَفاءُ كأنَّ وجوهَهُمُ اللؤلؤُ بأيديهِم مجامرُ، فقالَتْ لهُمُ امرأةٌ كانَتْ معَ رابِعَةَ: أينَ تُريدونَ؟ قالوا: نُريدُ فلانًا قُتِلَ شهيدًا في البحرِ فنُجَمِّرُهُ. فقالَتْ لهُم: أفلا تُجَمِّرونَ هذهِ المرأةَ (تَعْني: رابِعَةَ)؟ فنَظَروا إليها وقالوا: قد كانَ لها حظٌّ من ذلكَ فتَرَكَتْهُ. فالْتَفَتَتْ تلكَ المرأةُ إلى رابِعَةَ وأنْشَدَتْ:
صَلاتُكِ نورٌ وَالعِبادُ رُقودُ … وَنَوْمُكِ ضِدٌّ للِصَّلاةِ عَنيدُ
كانَ بعضُ العلماءِ يقومُ السَّحَرَ، فنامَ عن ذلكَ لياليَ، فرَأى في منامِهِ رجلينِ وَقفا عليهِ وقالَ أحدُهُما للآخرِ: هذا كانَ مِن المستغفرينَ بالأسحارِ فتَرَكَ ذلكَ.
يا مَن كانَ لهُ قلبٌ فانْقَلَب! يا مَن كانَ لهُ وقتٌ معَ اللهِ فذَهَب! قيامُ السَّحَرِ يَسْتَوْحِشُ لك، صيامُ النَّهارِ يُسائِلُ عنك، ليالي الوصالِ تُعاتِبُكَ على الهَجْر.
تَغَيَّرْتُمُ عَنَّا بِصُحْبَةِ غَيْرِنا … وَأظْهَرْتُمُ الهِجْرانَ ما هكَذا كُنَّا
وَأقْسَمْتُمُ ألَّا تَحُولُوا عَنِ الهوى … فَحُلْتُمْ عَنِ العَهْدِ القَديمِ وَما حُلْنا
لَيالِيَ كُنَّا نَسْتَقي مِنْ وِصالِكُمْ … وَقَلْبي إلى تِلْكَ اللَيالِيَ قَدْ حَنَّا
قيلَ للنَّبيِّ - ﷺ -: إنَّ فلانًا نامَ حتَّى أصْبَحَ. فقالَ: "بالَ الشَّيطانُ في أُذنِهِ" (^١).
كانَ سَرِيٌّ تقولُ: رَأيْتُ الفوائدَ تَرِدُ في ظلمةِ الليل، ماذا فاتَ (^٢) مَن فاتَهُ خيرُ الليل؟ لقد حَصَلَ أهلُ الغفلةِ والنّومِ [على] الحرمان والويل.
كانَ بعضُ السَّلفِ تقومُ بالليلِ، فنامَ ليلةً، فأتاهُ آتٍ في منامِهِ، فقالَ لهُ: قُمْ فصَلِّ، ثمَّ قالَ لهُ: أما عَلِمْتَ أن مفاتيحَ الجنَّةِ معَ أصحابِ الليلِ هُم خزَّانُها؟
وكانَ آخَرُ تقومُ الليلَ، فنامَ ليلةً، فأتاهُ في منامِهِ آتٍ، فقالَ: ما لكَ قَصَّرْتَ في
_________________
(١) رواه: البخاري (١٩ - التهجّد، ١٣ - إذا نام ولم يصلّ، ٣/ ٢٨/ ١١٤٤)، ومسلم (٦ - المسافرين، ٢٨ - ما روي فيمن نام الليل، ١/ ٥٣٧/ ٧٧٤)؛ من حديث ابن مسعود.
(٢) في خ: "يا ما فات"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
[ ١٢٠ ]
الخطبةِ؟! أما عَلِمْتَ أن المتهجِّدَ إذا قامَ إلى تهجُّدِهِ؛ قالَتِ الملائكةُ: قامَ الخاطبُ إلى خطبتِهِ؟!
ورَأى بعضُهُم حَوْراءَ في نومِهِ، فقالَ لَها: زَوِّجيني نفسَكِ! قالَتْ: اخْطُبْني إلى ربِّي وأمْهِرْني. قالَ: وما مهرُكِ؟ قالَتْ: طولُ التَّهجُّدِ.
نامَ أبو سُلَيْمانَ [الدَّارانِيُّ] ليلةً، فأيْقَظَتْهُ حَوْراءُ وقالَتْ: يا أبا سُلَيْمانَ! تَنام؛ وأنا أُرَبَّى لكَ في الخدورِ مِن خمسِ مئةِ عام؟!
واشْتَرى بعضُهُم مِن اللهِ حوراءَ بصَداقِ ثلاثينَ ختمةً، فنامَ ليلة قبلَ أنْ يُكْمِلَ الثَّلاثينَ ختمة، فرَآها في منامِهِ تَقولُ لهُ:
أتَخْطُبُ مِثْلي وَعَنِّي تَنامُ … وَنَوْمُ المُحِبِّينَ عَنِّي حَرامُ
لِأنَّا خُلِقْنا لِكُلِّ امْرِئ … كَثيرِ الصَّلاةِ بَراهُ الصِّيامُ
كانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَطْرُقُ بابَ فاطِمَةَ وعَلِيٍّ وتقولُ: "ألا تُصَلِّيانِ؟ " (^١).
وفي الحديثِ: "إذا اسْتَيْقَظَ الرَّجلُ وأيْقَظَ أهلَهُ فصَلَّيا ركعتينِ؛ كُتِبا مِن الذَّاكرينَ الله كثيرًا والذَّاكراتِ" (^٢).
_________________
(١) رواه: البخاري (١٩ - التهجّد، ٥ - تحريضه - ﷺ - على صلاة الليل، ٣/ ١٠/ ١١٢٧)، ومسلم (الموضع السابق، ٧٧٥)؛ من حديث عليّ.
(٢) (صحيح). رواه: عبد الرزّاق (٤٧٣٨)، وابن ماجه (٥ - الإقامة، ١٧٥ - من أيقظ أهله، ١/ ٤٢٣/ ١٣٣٥)، وأبو داوود (٢ - الصلاة، ٣٠٧ - قيام الليل، ١/ ٤١٨/ ١٣٠٩ و١٤٥١)، والحارث (٢٤٠ - هيثمي)، والنسائي في "الكبرى" (١٣١٠ و١١٤٠٦)، وأبو يعلى (١١١٢)، وابن حبّان (٢٥٦٩)، والدارقطني في "العلل" (١٦٤٩)، والطبراني في "الأوسط" (٢٩٨٩) و"الصغير" (٢٤٨)، والحاكم (١/ ٣١٦، ٢/ ٤١٦)، والبيهقي في "السنن" (٢/ ٥٠١) و"الشعب" (٣٠٨٣)، وابن عساكر (٦/ ٣٦٩)؛ من طرق، عن علي بن الأقمر، عن الأغرّ أبي مسلم، عن أبي سعيد أو أبي هريرة أو هما معًا … موقوفًا ومرفوعًا. قال أبو داوود: "لم يرفعه ابن كثير [أحد رواته] ولا ذكر أبا هريرة جعله كلام أبي سعيد". قال أبو داوود: "رواه ابن مهدي عن سفيان قال: وأراه ذكر أبا هريرة". قال أبو داوود: "وحديث سفيان موقوف". قلت: فهاهنا علّتان: الأولى: أنّهم اختلفوا في الصحابيّ، وما هو بالقادح، والراجح أنه من حديثهما معًا. والثانية: الوقف، وليس بالقادح أيضا، وقد صحَّ مرفوعًا وموقوفًا عن الأعمش والثوريّ ومسعر ومرفوعًا حسب عن محمّد بن جابر، والطرق المرفوعة صحيحة وكثيرة لها حكم زيادة الثقة، ولذلك صحّح الحديث ابن حبّان والدارقطني والحاكم والمنذري والذهبي والألباني.
[ ١٢١ ]
كانَتِ امرأةُ حَبيبٍ [العَجَمِيِّ] (^١) توقِظُهُ بالليلِ وتَقولُ: ذَهَبَ الليلُ، وبينَ أيدينا طريق بعيدٌ، وزادُنا قليل، وقوافلُ الصَّالحينَ قد سارَتْ قدَّامَنا ونحنُ قد بَقِينا.
يا راقِدَ اللَيْلِ فَكَمْ تَرْقُدُ … قُم يا حَبيبي قَدْ دَنا المَوْعِدُ
وَخُذْ مِنَ اللَيْلِ وَأوْقاتِهِ … وِرْدًا إذا ما هَجَعَ الرُّقَّدُ
مَنْ نامَ حَتَّى يَنْقَضي لَيْلُهُ … لَمْ يَبْلُغِ المَنْزِلَ أوْ يَجْهَدُ
قُلْ لأُولي الألْبابِ أهْلِ التُّقى … قَنْطَرَةُ العَرْضِ لَكُمْ مَوْعِدُ