خَرَّجا في الصَّحيحينِ (^١) من حديثِ: أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكُم ما يُخْرِجُ اللهُ لكُم مِن بركاتِ الأرضِ". قيلَ: ما بركاتُ الأرضِ؟ قالَ: "زهرةُ الدُّنيا". فقالَ لهُ رجلٌ: "هل يَأْتي الخيرُ بالشَّرِّ؟ ". فصَمَتَ رسولُ اللهِ - ﷺ - حتَّى ظَنَنْتُ أنَّهُ سَيُنْزَلُ عليهِ. ثمَّ جَعَلَ يَمْسَحُ عن جبينِهِ. قالَ: "أينَ السَّائلُ؟ ". قالَ: أنا. قالَ: "لا يَأْتي الخيرُ إلَّا بالخيرِ، إنَّ هذا المالَ خضرةٌ حلوةٌ، وإنَّ كلَّ ما أنْبَتَ الرَّبيعُ تقْتُلُ حبطًا أو يُلِمُّ، إلَّا آكلةَ الخضرِ، أكَلَتْ، حتَّى إذا امْتَدَّتْ خاصرتاها؛ اسْتَقْبَلَتِ الشَّمسَ، فاجْتَرَّتْ وثَلَطَتْ وبالَتْ، ثمَّ عادَتْ فأكَلَتْ. وإنَّ هذا المالَ خضرةٌ حلوةٌ، مَن أخَذَهُ بحقِّهِ ووَضَعَهُ في حقِّهِ؛ فنِعْمَ المعونةُ هوَ، وإنْ أخَذَهُ بغيرِ حقِّهِ؛ كانَ كالذي يَأْكُلُ ولا يَشْبَعُ".
• كانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَتَخَوَّفُ على أُمَّتِهِ مِن فتحِ الدُّنيا عليهِم، فيَخافُ عليهِمُ الافتتانَ بها.
ففي الصَّحيحين (^٢): عن عَمْرِو بن عَوْفٍ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - قالَ للأنصارِ لمَّا جاءَهُ مالُ
_________________
(١) البخاري (٨١ - الرقاق، ٧ - ما يحذر من زهرة الدنيا، ١١/ ٢٤٤/ ٦٤٢٧)، ومسلم (١٢ - الزكاة، ٤١ - تخوّف ما يخرج من زهرة الدنيا، ٢/ ٧٢٧/ ١٠٥٢).
(٢) البخاري (الموضع السابق، ١١/ ٢٤٣/ ٦٤٢٥)، ومسلم (٥٣ - الزهد، ٤/ ٢٢٧٣/ ٢٩٦١).
[ ٦٦٦ ]
البحرينِ: "أبْشِروا وأمِّلوا ما يَسُرُّكُم، فواللهِ؛ ما الفقرَ أخْشى عليكُم، ولكنْ أخْشى عليكُم أنْ تُبْسَطَ الدُّنيا عليكُم كما بُسِطَتْ على مَن كانَ قبلَكُم، فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، فتُهْلِكَكُمْ كما أهْلَكَتْهُم".
وكانَ آخرَ خطبةٍ خَطَبَها على المنبرِ حَذَّرَ [فيها] مِن زهرةِ الدُّنيا. ففي الصَّحيحين (^١): عن عُقْبَةَ بن عامِرٍ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - صَعِدَ المنبرَ، فقالَ: "إنِّي لَسْتُ أخشى عليكُم أنْ تُشْرِكوا بعدي، ولكنِّي أخشى عليكُمُ الدُّنيا أنْ تَنافَسوا فيها فتَقْتَتِلوا فتَهْلِكوا كما هَلَكَ مَن كانَ قبلَكُم". قالَ عُقْبَةُ: فكانَ آخرَ ما رَأيْتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - على المنبرِ.
وفي "صحيح مسلم" (^٢): عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو؛ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قالَ: "إذا فُتِحَتْ عليكُم خزائنُ فارسَ والرُّومِ؛ أيُّ قومٍ أنتُم؟ ". فقالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ عَوْفٍ: نَقولُ كما أمَرَنا اللهُ. فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "أو غيرَ ذلكَ! تَتَنافَسونَ، ثمَّ تَتَحاسَدونَ، ثمَّ تَتَدابَرونَ، ثمَّ تَتَباغَضونَ".
وفي "المسند": عن عُمَرَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "لا تُفْتَحُ الدُّنيا على أحدٍ إلَّا ألْقى اللهُ بينَهُمُ العداوةَ والبغضاءَ إلى يومِ القيامةِ". قالَ عُمَرُ: وأنا أشْفِقُ مِن ذلكَ (^٣).
وفيهِ أيضًا: عن أبي ذَرٍّ؛ أنَّ أعرابيًّا قالَ: يا رسولَ اللهِ! أكَلَتْنا الضَّبُعُ (يَعْني: السَّنةَ والجدبَ). فقالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "غيرُ ذلكَ أخوفُ منِّي عليكُم، حينَ تُصَبُّ عليكُمُ الدُّنيا صبًّا، فليتَ أُمَّتي لا يَلْبَسونَ الذَّهبَ (وفي روايةٍ: الدِّيباجَ) " (^٤).
_________________
(١) البخاري (الموضع السابق، ١١/ ٢٤٣/ ٦٤٢٦)، ومسلم (٤٣ - الفضائل، ٩ - إثبات الحوض، ٤/ ١٧٩٥/ ٢٢٩٦).
(٢) (٥٣ - الزهد، ٤/ ٢٢٧٤/ ٢٩٦٢).
(٣) (ضعيف). رواه: أحمد (١/ ١٦)، وعبد بن حميد (٤٤)، وابن أبي عاصم في "الزهد" (٢٧٦)، والبزّار (٣١١)، وأبو يعلى في "الكبير" (٣/ ١٢٥، ١٠/ ٢٣٩ - مجمع)؛ من طريق الحسن بن موسى، ثنا ابن لهيعة، ثنا أبو الأسود، ثنا محمّد بن عبد الرحمن بن لبيبة، عن أبي سنان الدئلي، عن عمر … رفعه. قال المنذري والهيثمي مرّة: "إسناده حسن". وقال الهيثمي مرّة: "فيه ابن لهيعة وفيه كلام"، قلت: خلّط، ورواية الحسن بن موسى عنه بعد اختلاطه. وابن أبي لبيبة لا يعدو أن يكون حسنًا في الشواهد بل هو ضعيف. فالسند ضعيف، وقد ضعّفه الألباني.
(٤) (حسن لشواهده). رواه: الطيالسي (٤٤٧)، وابن أبي شيبة (٣٤٣٧٤)، وأحمد (٥/ ١٥٢ و١٥٤ =
[ ٦٦٧ ]
وفيهِ أيضًا: عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "ما أخشى عليكُمُ الفقرَ، ولكنْ أخْشى عليكُمُ التَّكاثرَ" (^١).
ويُروى مِن حديثِ: عَوْفِ بن مالِكٍ وأبي الدَّرْداءِ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "الفقرَ تَخافونَ؟ والذي نفسي بيدِهِ؛ لَتُصَبَّنَّ عليكُمُ الدُّنيا صبًّا حتَّى لا يُزيغَ قلبَ أحدِكُم إنْ أزاغَهُ إلَّا هيَ" (^٢).
_________________
(١) = و١٧٨ و٣٦٨)، والحارث (٥٨٦ - هيثمي)، والبزّار (٣٩٨٤ - ٣٩٨٦)، والطبراني في "الأوسط" (٣٩٧٦)، والبيهقي في "الشعب" (١٠٣١٥)، من طرق، عن يزيد بن أبي زياد (وفي الأوسط: الحارث بن أبي زياد، وسقط عند ابن أبي شيبة)، عن زيد بن وهب، عن أبي ذرّ … رفعه. قال البزّار: "لا نعلم له طريقًا غير هذه". وقال المنذري والهيثمي (١٠/ ٢٤٠): "رجال الصحيح". قلت: يزيد ضعيف كبر فصار يتلقّن. ورواه الطبراني في "الأوسط" (٩٤٣٣) من طريق هشيم، عن عبيدة بن معتب، عن ربعيّ بن حراش، عن حذيفة … رفعه. قال الهيثمي (٥/ ١٤٦): "فيه عبيدة بن معتب وهو متروك". قلت: إنّما تكلّموا فيه من جهة سوء حفظه وتخليطه، نعم؛ هو واه وليس بالمتروك الساقط. ورواه الطبراني في "الكبير" (٥/ ١٤٦ - مجمع). قال الهيثمي: "فيه راو لم يسمّ والمسعوديّ اختلط". فهذه ثلاثة أوجه يفيد اجتماعها أنّ لهذا الحديث أصلًا عن النبيّ - ﷺ -، وأحاديث الصحيحين المتقدّمة آنفًا تزيدنا ثقة بقوّة هذا الأصل، وإلى تقويته مال المنذري والهيثمي.
(٢) (صحيح). رواه: أحمد (٢/ ٣٠٨ و٥٣٩)، والحارث بن أبي أُسامة، وابن حبّان (٣٢٢٢)، والحاكم (٢/ ٥٣٤)، وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٩٩)، والبيهقي في "الشعب" (١٠٣١٤)؛ من طرق، عن جعفر بن برقان، سمعت يزيد بن الأصمّ، عن أبي هريرة … رفعه. قال الحاكم: "على شرط مسلم"، ووافقه المنذري والذهبي والمناوي والألباني. وقال المنذري والهيثمي (٣/ ١٢٤، ١٠/ ٢٣٩): "رجال الصحيح".
(٣) (صحيح لشواهده). رواه: أحمد (٦/ ٢٤)، وابن أبي عاصم في "الزهد" (٢١٠)، والبزّار (٧/ ١٨٩/ ٢٧٥٨)، والطبراني في "الكبير" (١٨/ ٥٢/ ٩٣) و"الشاميّين" (١١٥٠)، وابن عساكر؛ من طرق، عن بقيّة، ثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، [عن جبير بن نفير]، عن عوف بن مالك … رفعه. قال المنذري: "في إسناده بقيّة". وقال الهيثمي (١٠/ ٢٤٨): "رجاله وثقوا؛ إلّا أنّ بقيّة مدلّس وإن كان عن ثقة". قلت: صرّح بالتحديث، والسند ثقات مشهورون برواية أحدهم عن الآخر. ورواه: ابن ماجه (المقدّمة، ١ - اتّباع السنّة، ١/ ٤/ ٥)، وابن أبي عاصم في "السنّة" (٤٧) مختصرًا؛ من طريق هشام بن عمّار، ثنا محمّد بن عيسى بن سميع، ثنا إبراهيم بن سليمان الأفطس، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء … رفعه. وهذا سند لا بأس به، رجاله ثقات، وفي هشام ومحمّد كلام يسير. وبمجموع هذين الحديثين يرتقي هذا المتن إلى رتبة الحسن بلا ريب، بل هو فوق ذلك، ثمّ يصحّ بشواهد له كثيرة بعضها من مخرجات الصحيحين، وقد قوّاه الألباني.
[ ٦٦٨ ]
وفي روايةِ عَوْفٍ (^١): "فإنَّ الله فاتحٌ عليكُم فارسَ والرُّومَ".
وفي المعنى أحاديثُ أُخرُ.
وفي "التِّرْمِذِيِّ": أنَّهُ - ﷺ - قالَ: "لكلِّ أُمَّةٍ فتنةٌ، وإنَّ فتنةَ أُمَّتي المالُ" (^٢).
• فقولُهُ - ﷺ - في حديثِ أبي سَعيدٍ: "إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكُم ما يُخْرِجُ اللهُ لكُم مِن بركاتِ الأرضِ"، ثمَّ فسَّرَهُ بزهرةِ الدُّنيا، ومرادُهُ: ما يُفْتَحُ على أُمَّتِهِ منها مِن ملكِ فارِسَ والرُّومِ وغيرِهِم مِن الكفَّارِ الذينَ وَرِثَتْ هذهِ الأُمَّةُ ديارَهُم وأموالَهُم وأراضيَهُم التي تَخْرُجُ منها زروعُهُم وثمارُهُم وأنهارُهُم ومعادنُهُم، وغيرُ ذلكَ ممَّا يَخْرُجُ مِن بركاتِ الأرضِ. وهذا مِن أعظمِ المعجزاتِ، وهوَ إخبارُهُ - ﷺ - بظهورِ أُمَّتِهِ على كنوزِ فارسَ والرُّومِ وأموالِهِم وديارِهِم، ووَقَعَ [على] ما أخْبَرَ بهِ.
ولكنَّهُ لمَّا سَمَّى ذلكَ بركاتِ الأرضِ، وأخْبَرَ أنَّهُ أخوفُ ما يَخافُـ[ـهُ] عليهِم؛ أشْكَلَ ذلكَ على بعضِ مَن سَمِعَهُ، حيثُ سَمَّاهُ بركةً ثمَّ خافَ منهُ أشدَّ الخوفِ؛ فإنَّ البركةَ إنَّما هيَ خيرٌ ورحمةٌ.
وقد سَمَّى اللهُ تَعالى المالَ خيرًا في مواضعَ كثيرةٍ مِن القرآنِ: فقالَ: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]. وقالَ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. وقالَ عن سُلَيْمانَ: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص:
_________________
(١) (صحيح لشواهده). قطعة من حديث عوف بن مالك المتقدّم في الحاشية السابقة. فلها حكمه. ثمّ لها شواهد كثيرة من مخرّجات الشيخين وغيرهما. فهي صحيحة بشواهدها.
(٢) (صحيح). رواه: ابن سعد (٧/ ٤١٤) معلّقًا، وأحمد (٤/ ١٦٠)، والبخاري في "التاريخ" (٧/ ٢٢٢)، والترمذي (٣٧ - الزهد، ٢٦ - فتنة هذه الأُمّة المال، ٤/ ٥٦٩/ ٢٣٣٦)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٢٥١٦)، والنسائي في "الكبرى" (١١١٢٩ - تحفة)، والطحاوي في "المشكل"، وابن قانع في "المعجم" (٢/ ٣٧٤/ ٩٢٠)، وابن حبّان (٣٢٢٣)، والطبراني في "الكبير" (١٩/ ١٧٩/ ٤٠٤) و"الأوسط" (٣٣١٩) و"الشاميين" (٢٠٢٧)، والحاكم (٤/ ٣١٨)، والقضاعي في "المسند" (١٠٢٢ و١٠٢٣)، والبيهقي في "الشعب" (١٠٣٠٩)، والمزّي في "التهذيب" (٢٤/ ١٨٧ و١٨٨ و١٩٨)؛ من طرق، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن كعب بن عياض … رفعه. قال الترمذي: "حسن صحيح"، وأقرّه المنذري. وقال الحاكم: "صحيح"، وأقرّه المنذري والذهبي. وصحّحه أيضًا ابن حبّان وابن عبدالبرّ والألباني. ومعاوية بن صالح صدوق قويّ الحديث. ثمّ له شاهدان من حديث عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي أوفى يصحّ بهما.
[ ٦٦٩ ]
٣٢].
• فلمَّا سَألَهُ السَّائلُ: هل يَأْتي الخيرُ بالشَّرِّ؟ صَمَتَ النَّبيُّ - ﷺ - حتَّى ظَنُّوا أنَّهُ أُوحِيَ إليهِ. والظَّاهرُ أن الأمرَ كانَ كذلكَ، ويَدُلُّ عليهِ أنَّهُ وَرَدَ في روايةٍ لمُسْلِمٍ (^١) في هذا الحديثِ: "فأفاقَ يَمْسَحُ عنهُ الرُّحَضاءَ"، وهوَ العرقُ، وكانَ النَّبيُّ - ﷺ - إذا أُوحِيَ إليهِ يَتَحَدَّرُ منهُ مثلُ الجُمانِ مِن العرقِ مِن شدَّةِ الوحيِ وثقلِهِ عليهِ (^٢). وفي هذا دليلٌ على أنَّهُ كانَ - ﷺ - إذا سُئِلَ عن شيءٍ لمْ يَكُنْ أُوحِيَ إليهِ فيهِ شيءٌ؛ انْتَظَرَ الوحيَ فيهِ، ولمْ يَتكَلَّمْ فيهِ بشيءٍ حتَّى يُوحى إليهِ فيهِ.
• فلمَّا نَزَلَ عليهِ جوابُ ما سُئِلَ عنهُ؛ قالَ: "أينَ السَّائلُ؟ ". قالَ: ها أنا. فقالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "إنَّ الخيرَ لا يَأْتي إلَّا بالخيرِ". وفي روايةٍ لمسلمٍ (^٣): فقالَ: "أوَ خيرٌ هوَ؟ ". وفي ذلكَ دليلٌ على أن المالَ ليسَ بخيرٍ على الإطلاقِ، بل منهُ خيرٌ ومنهُ شرٌّ.
ثمَّ ضَرَبَ مثلَ المالِ ومثلَ مَن يَأْخُذُهُ بحقِّهِ ويَصْرِفُهُ في حقِّهِ ومَن يَأْخُذُهُ مِن غيرِ حقِّهِ ويَصْرِفُهُ في غيرِ حقِّهِ. فالمالُ في حقِّ الأوَّلِ خيرٌ، وفي حقِّ الثَّاني شرٌّ. فتَبَيَّنَ بهذا أن المالَ ليسَ بخيرٍ مطلقٍ، بل هوَ خيرٌ مقيَّدٌ: فإنِ اسْتَعانَ بهِ المؤمنُ على ما يَنْفَعُهُ في آخرتِهِ؛ كانَ خيرًا لهُ، وإلَّا؛ كانَ شرًّا لهُ.
• فأمَّا المالُ؛ فقالَ: إنَّهُ "خضرةٌ حلوة"، وقد وُصِفَ المالُ والدُّنيا بهذا الوصفِ في أحاديثَ كثيرةٍ:
ففي الصَّحيحينِ (^٤): عن حَكيمِ بن حِزامٍ؛ أنَّهُ سَألَ النَّبيَّ - ﷺ - فأعْطاهُ، ثمَّ سَألَهُ فأعْطاهُ، ثمَّ سَألَهُ فأعْطاهُ، [ثمَّ] سَألَهُ فقالَ لهُ - ﷺ -: "يا حَكيمُ! إنَّ هذا المالَ خضرةٌ حلوةٌ، فمَن أخَذَهُ بسخاوةِ نفسٍ؛ بورِكَ لهُ فيهِ، ومَن أخَذَهُ بإشرافِ نفسٍ؛ لمْ يُبارَكْ لهُ
_________________
(١) (١٢ - الزكاة، ٤١ - تخوّف ما يخرج من زهرة الدنيا، ٢/ ٧٢٨/ ١٠٥٢).
(٢) رواه: البخاري (١ - بدء الوحي، ٢ - باب، ١/ ١٨/ ٢)، ومسلم (٤٣ - الفضائل، ٢٣ - عرقه - ﷺ -، ٤/ ١٨١٦/ ٢٣٣٣)؛ من حديث عائشة.
(٣) (١٢ - الزكاة، ٤١ - تخوّف ما يخرج من زهرة الدنيا، ٢/ ٧٢٧/ ١٠٥٢).
(٤) البخاري (٢٤ - الزكاة، ٥٠ - الاستعفاف عن المسألة، ٣/ ٣٣٥/ ١٤٧٢)، ومسلم (١٢ - الزكاة، ٣٢ - اليد العليا خير من السفلى، ٢/ ٧١٧/ ١٠٣٥).
[ ٦٧٠ ]
فيهِ، وكانَ كالذي يَأْكُلُ ولا يَشْبَعُ".
وفي "صحيح مُسْلِمٍ" (^١): عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إنَّ الدُّنيا خضرةٌ حلوةٌ، وإنَّ الله مستخلفُكُم فيها فناظرٌ كيفَ تَعْمَلونَ. فاتَّقوا الدُّنيا، واتَّقوا النِّساءَ؛ فإنَّ أوَّلَ فتنةِ بني إسرائيلَ كانَتْ في النِّساءِ".
واستخلافُهُم فيها هوَ ما أوْرَثَهُمُ اللهُ منها ممَّا كانَ في أيدي الأُممِ مِن قبلِهِم كفارِسَ والرُّومِ. وحَذَّرَهُم مِن فتنةِ الدُّنيا وفتنةِ النِّساءِ خصوصًا؛ فإنَّ النِّساءَ أوَّلُ ما ذَكَرَهُ اللهُ مِن شهواتِ الدُّنيا ومتاعِها في قولِهِ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤].
وفي "المسند" و"التِّرْمِذِيِّ": عن خَوْلَةَ بنتِ قَيْسٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إنَّ هذا المالَ خضرةٌ حلوةٌ، فمَن أصابَهُ بحقِّهِ بورِكَ لهُ فيهِ، وربَّ متخوِّضٍ فيما شاءَتْ نفسُهُ مِن مالِ اللهِ ورسولِهِ ليسَ لهُ يومَ القيامةِ (^٢) إلَّا النَّارُ" (^٣).
_________________
(١) (٤٨ - الذكر والدعاء، ٢٦ - أكثر أهل الجنّة، ٤/ ٢٠٩٨/ ٢٧٤٢).
(٢) في خ: "له في يوم القيامة"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٣) (صحيح). رواه: عبد الرزّاق (٦٩٦٢)، والحميدي (٣٥٣)، وابن أبي شيبة (٣٤٣٧١)، وإسحاق (١/ ٢٦٨/ ٣)، وأحمد (٤/ ٣٦٤ و٤١٠)، وعبد بن حميد (١٥٨٧)، والبخاري في "التاريخ" (٥/ ٤٥٠ و٤٥١)، والترمذي (٣٧ - الزهد، ٤١ - أخذ المال، ٤/ ٥٨٧/ ٢٣٧٤)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٣٢٥٩ - ٣٢٦٢) و"الزهد" (١٥٢)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٦١٦)، وابن الأعرابي (٩٦ - ٩٩)، والطحاوي في "مشكل الآثار"، وابن حبّان (٢٨٩٢ و٤٥١٢)، والطبراني في "الكبير" (٢٤/ ٥٧٧ - ٥٨٧) و"الأوسط" (٥٣١٤)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٦٤، ٧/ ٣١١) و"المعرفة" (٤/ ٢٩٣ - إصابة)، والقضاعي (١١٤٣)، والبيهقي في "الشعب" (١٠٣٠٤)، والخطيب (٥/ ١٩١)، والمزّي (١٩/ ٢٥١)؛ من طريق أبي الوليد عبيد سنوطا؛ قال: دخلت على خولة بنت قيس وكانت تحت حمزة … رفعته. وهذا سند لا بأس به، جاء عن سنوطا من وجهين قويّين، وسنوطا تابعيّ روى عنه آثنان وذكره ابن حبّان في "الثقات" ووثّقه العجلي وحسّن له الترمذي وقوّى أمره الذهبي والعسقلاني، فحديث أمثاله لا بأس به، ولا سيّما أنّه توبع. فرواه: البخاري في "التاريخ" (٥/ ٤٥٠)، والطبراني (٢٤/ ٢٣١/ ٥٨٨)، وابن منده (٤/ ٢٩٣ - إصابة)، والبيهقي في "الشعب" (٥٩١٣) مختصرًا، والخطيب في "الجمع والتفريق" (١/ ١٤٣، ٢/ ٧٣)؛ من طريق عيسى بن النعمان من ولد رافع، ثني معاذ بن رفاعة بن رافع، عن خولة بنت قيس … رفعته. وعيسى ذكره ابن حبّان في "الثقات" وروى عنه جماعة فحديثه لا بأس به والسند كذلك.
[ ٦٧١ ]
وفي "المسند" أيضًا: عن خَوْلَةَ بنتِ تامِرٍ الأنْصارِيَّةِ (^١)، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إنَّ هذهِ الدُّنيا خضرةٌ حلوةٌ، وإنَّ رجالًا يَتَخَوَّضونَ في مالِ اللهِ بغيرِ حقٍّ لهُمُ النَّارُ يومَ القيامةِ" (^٢).
وخَرَّجَ البُخارِيُّ (^٣) مِن قولِهِ "إنَّ رجالًا" إلى آخرِهِ.
وفي "المسند" أيضًا: عن عائِشَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إن هذهِ الدُّنيا خضرة حلوةٌ، فمَن آتَيْناهُ منها شيئًا بطيبِ نفسٍ أو طيبِ طعمةٍ ولا إشرافٍ؛ بورِكَ لهُ فيهِ، ومَن آتيْناهُ منها شيئًا بغيرِ طيبِ نفسٍ منَّا وغيرِ طيبِ طعمةٍ وإشرافٍ منهُ؛ لمْ يُبارَكْ لهُ فيهِ" (^٤).
وفي المعنى أحاديثُ أُخرُ.
• وقولُهُ - ﷺ - "إنَّ ممَّا يُنْبِتُ (^٥) الرَّبيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا أو يُلِمُّ؛ إلَّا آكلةَ الخضرِ" مثلٌ آخرُ
_________________
(١) = ورواه البخاري في "التاريخ" (٥/ ٤٥٠) من طريق قويّة، عن عثمان بن محمّد، عن حنظلة بن قيس الزرقي، عن امرأة حمزة … رفعته. وقد تكلّموا في عثمان، وحديثه حسن في الشواهد على الأقلّ. فالحديث صحيح بهذه الطرق وغيرها ممَّا سيأتي بعده. وقد قوّاه الترمذي والعسقلاني والألباني.
(٢) قال العسقلاني في "الفتح" (٦/ ٢١٩): "فرّق غير واحد بين خولة بنت ثامر وبين خولة بنت قيس، وقيل: إنّ قيس بن فهد لقبه ثامر، وبذلك جزم عليّ بن المديني، فعلى هذا فهي واحدة" اهـ. قلت: وبذلك جزم جماعة من أهل العلم، واتّفاق لفظي الحديثين دليل قويّ على صحّة هذا المذهب، وصنيع البخاري في "تاريخه" يدلّ على أنّه يميل إلى ما ذهب إليه شيخه عليّ بن المديني. والله أعلم.
(٣) (صحيح). رواه: أحمد (٦/ ٤١٠)، وعبد بن حميد (١٥٨٦)، والبخاري في "التاريخ" (٥/ ٤٥٠)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٣٢٧٢) و"الزهد" (١٥٣)، والطبراني (٢٤/ ٢٤٢/ ٦١٧)، والمزّي في "التهذيب" (٣٥/ ١٦٥)؛ من طريقين قويّتين، عن محمّد بن عبد الرحمن أبي الأسود، عن النعمان بن أبي عيّاش، عن خولة بنت ثامر … رفعته. وهؤلاء ثقات رجال الشيخين، وأبو الأسود هو يتيم عروة، فالسند صحيح، وحسبك به صحّة أنّ البخاري رواه مختصرًا من هذه الطريق نفسها. وانظر ما بعده.
(٤) (٥٧ - الخمس، ٧ - فأنّ لله خمسه، ٦/ ٢١٧/ ٣١١٨).
(٥) (صحيح لشواهده). رواه: أحمد (٦/ ٦٨)، والبزّار (٩٢٠ - كشف)، وابن حبّان (٣٢١٥)؛ من طريق شريك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة … رفعته. قال المنذري في "الترغيب" (١٢٣١): "إسناد حسن". وقال الهيثمي (٣/ ١٠٣): "رجال الصحيح". قلت: شريك سيّئ الحفظ، وحديثه لا يعدو أن يكون صالحًا في الشواهد، ومسلم إنّما روى له في المتابعات. نعم؛ يشهد له حديث حكيم بن حزام المتّفق عليه الذي تقدّم آنفًا فهو به صحيح.
(٦) في خ: "إنّ ممّا أنبت"، وأثبتّ ما في م ون وط لموافقته متن الحديث.
[ ٦٧٢ ]
ضَرَبَهُ - ﷺ - لزهرةِ الدُّنيا وبهجةِ منظرِها وطيبِ نعيمِها وحلاوتِهِ في النُّفوسِ. فمثلُهُ كمثلِ نباتِ الرَّبيعِ، وهوَ المرعى الخضرُ الذي يَنْبُتُ في زمانِ الرَّبيعِ؛ فإنَّهُ يُعْجِبُ الدَّوابَّ التي تَرْعى فيهِ وتَسْتَطيبُهُ وتكْثِرُ [مِن] الأكلِ منهُ أكثرَ مِن قدرِ حاجتِها لاستحلائِها لهُ: فإمَّا أنْ يَقْتُلَها فتَهْلِكَ وتَموتَ حَبَطًا - والحَبَطُ: انتفاخُ البطنِ مِن كثرةِ الأكلِ - أو يُقارِبَ قتلَها ويُلِمَّ بهِ فتَمْرَضَ منهُ مرضًا مخوفًا مقاربًا للموتِ.
فهذا مثلُ مَن يَأْخُذُ مِن الدُّنيا بشرهٍ وجوعِ نفسٍ مِن حيثُ لاحَتْ لهُ؛ لا بقليلٍ يَقْنَعُ، ولا بكثيرٍ يَشْبَعُ، ولا يُحَلِّلُ ولا يُحَرِّمُ، بل الحلالُ [عندَهُ] ما حَلَّ بيدهِ وقَدَرَ عليهِ، والحرامُ عندَهُ ما مُنعَ منهُ وعَجَزَ عنهُ.
فهذا هوَ المتخوِّضُ في مالِ اللهِ ورسولِهِ فيما شاءَتْ نفسُهُ وليسَ لهُ إلَّا النَّارُ يومَ القيامةِ، كما في حديثِ خَوْلَةَ المتقدِّمِ.
والمرادُ بمالِ اللهِ ومالِ رسولِهِ: الأموالُ التي يَجِبُ على ولاةِ الأُمورِ حفظُها وصرفُها في طاعةِ اللهِ ورسولِهِ مِن أموالِ الفيءِ والغنائمِ، ويَتْبَعُ ذلكَ مالُ الخراجِ والجزيةِ، وكذلكَ أموالُ الصَّدقاتِ التي تُصْرَفُ للفقراءِ والمساكينِ كمالِ الزَّكاةِ والوقفِ ونحوِ ذلكَ.
وفي هذا تنبيهٌ على أنَّ مَن تَخَوَّضَ مِن الدُّنيا في الأموالِ المحرَّمِ أكلُها - كمالِ الرِّبا ومالِ الأيتامِ الذي مَن أكَلَهُ أكَلَ نارًا والمغصوبِ والسَّرقةِ والغشِّ في البيوعِ والخداعِ والمكرِ وجحدِ الأماناتِ والدَّعاوى الباطلةِ ونحوِها مِن الحيلِ المحرَّمةِ - أولى أنْ يَتَخَوَّضَ صاحبُها في نارِ جهنَّمَ غدًا. فكلُّ هذهِ الأموالِ وما أشْبَهَها يَتَوَسَّعُ بها أهلُها في الدُّنيا ويَتَلَذَّذونَ بها ويَتَوَصَّلون بها إلى لذَّاتِ الدُّنيا وشهواتِها، ثمَّ يَنْقَلِبُ ذلكَ بعدَ موتِهِم فيَصيرُ جمرًا مِن جمرِ جهنَّمَ في بطونهِم، فما تَفي لذَّتُها بتبعتِها، كما قيلَ:
تَفْنى اللَذاذَةُ مِمَّنْ نالَ لَذَّتَها … مِنَ الحَرامِ وَيَبْقى الإثْمُ وَالعارُ
تَبْقى عَواقِبُ سَوْءٍ مِنْ مَغَبَّتِها … لا خَيْرَ في لَذَّة مِنْ بَعْدِها النَّارُ
فلهذا شَبَّهَ النَّبيُّ - ﷺ - مَن يَأْخُذُ الدُّنيا بغيرِ حقِّها ويَضَعُها في غيرِ حقِّها بالبهائمِ الرَّاعيةِ مِن خضرِ الرَّبيعِ حتَّى تَنْتَفِخَ بطونُها مِن أكلِهِ فإمَّا أنْ يَقْتُلَها وإمَّا أنْ يُقارِبَ قتلَها.
[ ٦٧٣ ]
فكذلكَ مَن أخَذَ الدُّنيا مِن غيرِ حقِّها ووَضَعَها في غيرِ وجهِها (^١): إمَّا أنْ يَقْتُلَهُ ذلكَ فيَموتَ بهِ قلبُهُ ودينُهُ - وهوَ مَن ماتَ على ذلكَ مِن غيرِ توبةٍ منهُ وإصلاحِ حالٍ - فيَسْتَحِقَّ النَّارَ بعملِهِ. قالَ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢]. وهذا هوَ الميِّتُ حقيقةً؛ فإنَّ الميتَ مَن ماتَ قلبُهُ، كما قيلَ:
لَيْسَ مَنْ ماتَ فَاسْتَراحَ بِمَيْتٍ … إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحْياءِ
وإمَّا أنْ يُقارِبَ موتُهُ ثمَّ يُعافى، وهوَ مَن أفاقَ مِن هذهِ السَّكرةِ وتابَ وأصْلَحَ عملَهُ قبلَ موتِهِ.
وقد قالَ عَلِيٌّ ﵁ في كلامِهِ المشهورِ في أقسامِ حملةِ العلمِ: أو منهومٌ باللذَّاتِ سلسُ القيادِ للشَّهواتِ، أو مغرًى بجمعِ الأموالِ والادِّخارِ، ولَيْسا مِن رعاةِ الدِّينِ، أقربُ شبهًا بهِمُ الأنعامُ السَّارحةُ.
وفي الأبياتِ المشهورةِ التي كانَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ يُنْشِدُها كثيرًا (^٢):
نَهارُكَ يا مَغْرورُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ … وَلَيْلُكَ نَوْمٌ وَالرَّدى لَكَ لازِمُ
[تُسَرُّ بِما يَفْنى وَتَفْرَحُ بِالمنى … كَما سُرَّ بِاللَّذاتِ في النَّومِ حالِمُ] (^٣)
وَتَتْعَبُ فيما سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ … كَذلِكَ في الدُّنْيا تَعيشُ البَهائِمُ
• وأمَّا استثناؤهُ - ﷺ - مِن ذلكَ آكلةَ الخضرِ؛ فمرادُهُ بذلكَ مثلُ المقتصدِ الذي يَأْخُذُ مِن الدُّنيا بحقِّها مقدارَ حاجتِهِ، فإذا نَفِدَ واحْتاجَ (^٤)؛ عادَ إلى الأخذِ منها قدرَ الحاجةِ بحقِّهِ.
وآكلةُ الخضرِ دُوَيْبَّةٌ، تَأْكُلُ مِن الخضرِ بقدرِ حاجتِها إذا احْتاجَتْ إلى الأكلِ ثمَّ تَصْرِفُهُ عنها، فتَسْتَقْبِلُ عينَ الشَّمسِ فتَصْرِفُ بذلكَ ما في بطنِها وتُخْرِجُ منهُ (^٥) ما يُؤْذيها مِن الفضلاتِ.
_________________
(١) في خ وم: "ووضعها في غير حقّها"، والأولى ما أثبتّه من ن وط.
(٢) في خ: "التي كان ينشدها عمر بن عبد العزيز كثيرًا"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٣) ليس في خ وم ون، استفدته من ط استكمالًا للشاهد.
(٤) في خ: "فإذا فقد واحتاج"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٥) في خ: "وتخرج منها"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
[ ٦٧٤ ]
وقد قيلَ: إنَّ الخضرَ ليسَ مِن نباتِ الرَّبيعِ عندَ العربِ، إنَّما هوَ مِن كلإ الصَّيفِ بعدَ يبسِ العشبِ وهيجِهِ واصفرارِهِ، والماشيةُ مِن الإبلِ لا تَسْتكْثِرُ منهُ، بل تَأْخُذُ منهُ قليلًا قليلًا، ولا تَحْبَطُ بطونُها عنهُ.
فهذا مثلُ المؤمنِ المقتصدِ مِن الدُّنيا؛ يَأْخُذُ مِن حلالِها - وهوَ قليلٌ بالنِّسبةِ إلى حرامِها - قدرَ بلغتِهِ وحاجتِهِ، ويَجْتَزِئُ مِن متاعِها بأدونِهِ وأخشنِهِ، ولا يَعودُ إلى الأخذِ منها إلَّا إذا نَفِدَ ما عندَهُ وخَرَجَتْ فضلاتُهُ، فلا يوجِبُ لهُ هذا الأخذُ ضررًا ولا مرضًا ولا هلاكًا، بل يَكونُ ذلكَ بلاغًا لهُ يَتَبَلَّغُ بهِ مدَّةَ حياتِهِ ويُعينُهُ على التَّزوُّدِ لآخرتهِ. وفي هذا إشارةٌ إلى مدحِ مَن أخَذَ مِن حلالِ الدُّنيا بقدرِ بلغتِهِ وقَنِعَ بذلكَ:
كما قالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "قد أفْلَحَ مَن هَداهُ اللهُ إلى الإسلامِ وكانَ عيشُهُ كفافًا فقَنِعَ بهِ" (^١).
وقالَ - ﷺ -: "خيرُ الرِّزقِ ما يَكْفي " (^٢).
_________________
(١) رواه مسلم (١٢ - الزكاة، ٤٣ - الكفاف، ٢/ ٧٣٠/ ١٠٥٤) من حديث ابن عمرو.
(٢) (حسن لشواهده). رواه: وكيع في "الزهد" (١١٨ و٣٣٩)، ونعيم في "الفتن" (٤٠٢)، وابن أبي شيبة (٣٤٣٦٦)، وأحمد في "المسند" (١/ ١٧٢ و١٨٠ و١٨١) و"الزهد" (٥٣)، والدورقي في "مسند سعد" (٧٤)، وعبد بن حميد (١٣٧)، وأبو يعلى (٧٣١)، وأبو عوانة في "الصحيح" (٢٥٤٥ و٤٧٠٤ - ترغيب)، والشاشي (١٨٣)، وابن الأعرابي في "الزهد" (٩٥)، وابن حبّان (٨٠٩)، والطبراني في "الدعاء" (٨٨٣)، والعسكري في "الأمثال" (٤٥٨ - مقاصد)، والقضاعي في "الشهاب" (١٢١٨ - ١٢٢٠)، والبيهقي في "الشعب" (٥٥٢ و٥٥٣ و٥٥٤ و١٠٣٦٩)، والأصبهاني في "الترغيب" (١٣٢٨)؛ من طرق، عن أُسامة بن زيد، عن محمّد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة، عن سعد … رفعه. قال الهيثمي (١٠/ ٨٤): "فيه عبد الرحمن بن [أبي] لبيبة وقد وثّقه ابن حبّان وقال: روى عن سعد بن أبي وقّاص. قلت: وضعّفه ابن معين، وبقيّة رجاله رجال الصحيح". قلت: عبد الرحمن ليّن الحديث، وروايته عن سعد مرسلة، ولذلك قال النووي: "ليس بثابت". ورواه: ابن حبّان في "المجروحين" (١/ ١٥٥)، وابن عدي (٣/ ١٠٩٨)، والذهبي في "الميزان" (١/ ١٤٨) تعليقًا، والعسقلاني في "اللسان" (١/ ٣١٦) تعليقًا؛ من حديث أنس … رفعه بنحوه. وفي طريق ابن حبّان محمّد بن أحمد بن الفضل القيسي كذّاب يضع، وفي طريق ابن عدي أبو داوود النخعي سليمان بن عمرو متّهم، ولذلك عدّه ابن حبّان وابن عدي والذهبي والعسقلاني والألباني في الموضوعات. ورواه وكيع في "الزهد" (١١٥): ثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن النبيّ - ﷺ -؛ قال: "خير الرزق الكفاف". وهذا مرسل ضعيف من أجل عنعنة مبارك. ورواه أحمد في "الزهد" (١٢٥٢ - كشف الخفاء) عن زياد بن جبير، عن النبيّ - ﷺ -؛ قال: "خير الرزق الكفاف". فإن صحّت الطريق إلى زياد فهو مرسل قويّ، ولكنّي لم أقف عليه في "الزهد" بعد طول بحث.
[ ٦٧٥ ]
وقالَ: "اللهمَّ! اجْعَلْ رزقَ آلِ مُحَمَّدٍ قوتًا" (^١).
خُذْ مِنَ الرِّزْقِ ما كَفى … وَمِنَ العَيْشِ ما صَفا
كُلُّ هذا سَيَنْقَضي … كَسِراجٍ إذا انْطَفا
• ثمَّ قالَ - ﷺ -: "إنَّ هذا المالَ خضرةٌ حلوةٌ". فأعادَ مرَّةَّ ثَانيةً تحذيرًا مِن الاغترارِ بهِ. فخضرتُهُ بهجةُ منظرِهِ، وحلاوتُهُ طيبُ طعمِهِ. فلذلكَ تَشْتَهيهِ النُّفوسُ وتُسارِعُ إلى طلبِهِ، ولكنْ لو فَكَّرَتْ في عواقبِهِ لَهَرَبَتْ منهُ.
الدُّنيا في الحالِ حلوةٌ خضرةٌ وفي المآلِ مرَّةٌ كدرةٌ، نِعْمَتِ المرضعةُ وبِئْسَتِ الفاطمةُ!
إنَّما الدُّنْيا نَهارُ … ضَوْؤُهُ ضَوْءٌ مُعارُ
بَيْنَما عَيْشُكَ غَضٌّ … ناعِمٌ فيهِ اخْضِرارُ
إذْ رَماهُ زَمَناهُ … فَإذا فيهِ اصْفِرارُ
وَكَذاكَ اللَيْلُ يَأْتي … ثُمَّ يَمْحوهُ النَّهارُ
مثلُ حرامِ الدُّنيا كشجرةِ الدِّفلى؛ تُعْجِبُ مَن رَآها، وتَقْتُلُ مَن أكَلَها.
تَرى الدُّنْيا وَزَهْرَتَها فَتَصْبو … وَما يَخْلو مِنَ الشَّهَواتِ قَلْبُ
فُضولُ العَيْشِ أكْثَرُهُ هُمومٌ … وَأكْثَرُ ما يَضُرُّكَ ما تُحِبُّ
إذا اتَّفَقَ القَليلُ وَفيهِ سِلْمٌ … فَلا تُرِدِ الكَثيرَ وَفيهِ حَرْبُ
الذي بَشَّرَ أُمَّتَهُ بفتحِ الدُّنيا عليهِم حَذَّرَهُم مِن الاغترارِ بزهرتِها وخَوَّفَهُم مِن خضرتِها وحلاوتِها وأخْبَرَهُم بخرابِها وفنائِها وأنَّ بينَ أيديهِم دارًا لا تَنْقَطِعُ خضرتُها وحلاوتُها. فمَن وَقَفَ معَ زهرةِ هذهِ العاجلةِ انْقَطَعَ وهَلَكَ، ومَن لم يَقِفْ معَها وسارَ إلى تلكَ [الآجلةِ] وَصَلَ ونَجا.
_________________
(١) = وأرجو أنّ الطريقين المرسلتين صالحتان لتقوية حديث سعد وانتشاله من ضعفه، وإلى تقويته مال أبو عوانة وابن حبّان والمنذري والهيثمي والألباني.
(٢) رواه: البخاري (٨١ - الرقاق، ١٧ - كيف كان عيشه - ﷺ -، ١١/ ٢٨٣/ ٦٤٦٠)، ومسلم (١٢ - الزكاة، ٤٣ - الكفاف والقناعة، ٢/ ٧٣٠/ ١٠٥٥)؛ من حديث أبي هريرة.
[ ٦٧٦ ]
في "المسند": عن ابن عَبَّاسٍ، أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أتاهُ فيما يَرى النَّائمُ ملكانِ، فقَعَدَ أحدُهُما عندَ رأْسِهِ والآخرُ عندَ رجليهِ، فقالَ أحدُهُما للآخرِ: اضْرِبْ لهُ مثلًا. فقالَ: إنَّ مثلَهُ ومثلَ أُمَّتِهِ كمثلِ قومٍ سَفْرٍ، انْتَهَوْا إلى رأْسِ مفازةٍ، فلمْ يَكُنْ معَهُم مِن الزَّادِ ما يَقْطَعونَ بهِ المفازةَ ولا ما يَرْجِعونَ بهِ، فبينَما هُم كذلكَ إذْ أتاهُم رجلٌ في حلَّةٍ حبرةٍ فقالَ: أرَأيْتُمْ إنْ وَرَدْتُ بكُم رياضًا معشبةً وحياضًا رواءً؛ أتَتْبَعوني؟ قالوا: نعم. قالَ: فانْطَلَقَ بهِم فأوْرَدَهُم رياضًا معشبةً وحياضًا رواءً، فأكَلوا وشَرِبوا وسَمِنوا. فقالَ لهُم: ألَمْ ألْقَكُمْ على تلكَ الحالِ فجَعَلْتُمْ لي إنْ وَرَدْتُ بكُم رياضًا معشبةً وحياضًا رواءً أنْ تَتْبَعوني؟ قالوا: بلى. قالَ: فإنَّ بينَ أيديكُم رياضًا هيَ أعشبُ مِن هذهِ وحياضًا هيَ أروى مِن هذهِ، فاتْبَعوني. قالَ: فقالَتْ طائفةٌ: صَدَقَ واللهِ، لنَتْبَعَنَّهُ. وقالَتْ طائفةٌ: قد رَضِينا بهذا نُقيمُ عليهِ (^١).
وقد خَرَّجَهُ ابنُ أبي الدُّنْيا وغيرُهُ عن الحَسَنِ مرسلًا بسياقٍ أبْسَطَ مِن هذا، وفيهِ أنَّهُم لمَّا رَتَعوا وسَمِنوا وأعْجَبَهُمُ المنزلُ؛ صاحَ بهِم فقالَ: ارْتَحِلوا؟ فإنَّ هذهِ الرَّوضةَ ذاهبةٌ، وإنَّ هذا الماءَ غائرٌ ذاهبٌ، وإنَّ أمامَكُم روضةً أعشبَ مِن هذهِ وماءً أرْوى مِن هذا الماءِ. فكَرِهَ ذلكَ عامَّةُ النَّاسِ وقالوا: ما نُريدُ بهذا بدلًا. وهُم أكثرُ النَّاسِ. وقالَ آخرونَ: واللهِ؛ إنَّ آخرَ قولِهِ كأوَّلِهِ، ارْتَحِلوا. فأبَوْا، فارْتَحَلَ قومٌ فنَجَوْا، ولمْ يَشْعُرِ الذينَ أقاموا حتَّى طَرَقَهُمُ العدوُّ ليلًا، فأصْبَحوا مِن بين قتيلٍ وأسيرٍ (^٢).
الدُّنيا خضراءُ الدِّمنِ. ومعنى ذلكَ أن خضرتَها نابتةٌ على مزبلةٍ منتنةٍ. يا دنيَّ
_________________
(١) (صحيح لشواهده). رواه: أحمد (١/ ٢٦٧)، وعبد بن حميد (٦٦٧)، والبزّار (٢٤٠٧ - كشف)، والطبراني (١٢/ ١٦٩/ ١٢٩٤٠)؛ من طريق عليّ بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عبّاس … رفعه. قال الهيثمي (٨/ ٢٦٣): "إسناده حسن". وضعّفه العسقلاني بابن جدعان. قلت: وابن مهران فيه جهالة وحديثه لا يعدو أن يكون صالحًا في الشواهد. وله شاهد من حديث الحسن مرسلًا مختصرًا عند ابن أبي الدنيا وغيره يأتي بعده. وله شاهد عند الحاكم (٤/ ٣٩٧) من حديث سمرة بن جندب مرفوعًا باللفظ نفسه بسند رجاله ثقات رجال البخاري وصحّحه الحاكم والذهبي على شرط الشيخين. وحديث ابن عبّاس صحيح بهذا الشاهد. وإلى تقويته مال الهيثمي.
(٢) (صحيح لشواهده). انظر الحاشية السابقة.
[ ٦٧٧ ]
الهمَّةِ! قَنِعْتَ بروضةٍ على مزبلةٍ والملكُ يَدْعوكَ إلى فردوسِهِ الأعلى؟! ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨]؟! أرَضِيتُم بخراباتِ البِلى مِن الفردوسِ؟! يا لها صفقةُ غبنٍ ما أخسرَها! أتَقْنَعُ بخسائسِ الحشائشِ والرِّياضُ معشبةٌ بينَ يديكَ؟!
فَإنْ حَنَنْتَ لِلْحِمى وَرَوْضِهِ … فَبِالْغَضى ماءٌ وَرَوْضاتٌ أُخَرْ
• وقولُهُ - ﷺ - "مَن أخَذَهُ بحقِّهِ ووَضَعَهُ في حقِّهِ؛ فنِعْمَ المعونةُ هوَ، ومَن أخَذَهُ بغيرِ حقِّهِ؛ كانَ كالذي يَأْكُلُ ولا يَشْبَعُ" تقسيم لمَن يَأْخُذُ المالَ إلى قسمينِ:
• فأحدُهُما: يُشْبِهُ حالَ آكلةِ الخضرِ، وهوَ مَن أخَذَهُ بحقِّهِ ووَضَعَهُ في حقِّهِ. وذَكَرَ - ﷺ - أنَّهُ نِعْمَ المعونةُ هوَ؛ فإنَّهُ نعمَ العونُ لمَن هذهِ صفتُهُ على الآخرةِ، كما في حديثِ عَمْرِو بن العاصِ عن النَّبيِّ - ﷺ -؟ قالَ: "نعمَ المالُ الصَّالحُ للرَّجلِ الصَّالحِ" (^١)، وهوَ الذي يَأْخُذُهُ بحقِّهِ ويَضَعُهُ في حقِّهِ، فهذا يوصِلُهُ مالُهُ إلى اللهِ تَعالى، فمَن أخَذَ مِن المالِ بحقِّهِ ما يُقَوِّيهِ على طاعةِ اللهِ ويَسْتَعينُ بهِ عليها؛ كانَ أخذُهُ طاعةً ونفقتُهُ طاعةً.
وفي الحديثِ الصَّحيحِ: عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إنَّكَ لنْ تُنْفِقَ نفقةً تَبْتَغي بها وجهَ اللهِ إلَّا أُجِرْتَ عليها، حتَّى اللقمةَ تَرْفَعُها إلى في امرأتِكَ" (^٢).
وفي حديثٍ آخرَ: "ما أطْعَمْتَ نفسَكَ فهوَ لكَ صدقةٌ، وما أطْعَمْتَ أهلَكَ فهوَ لكَ صدقةٌ، وما أطْعَمْتَ ولدَكَ فهوَ لكَ صدقةٌ، وما أطْعَمْتَ خادمَكَ فهوَ لكَ صدقةٌ" (^٣).
_________________
(١) (صحيح). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٥٣٤).
(٢) رواه: البخاري (٢ - الإيمان، ٤١ - الأعمال بالنيّة والحسبة، ١/ ١٣٦/ ٥٦)، ومسلم (٢٥ - الوصيّة، ١ - الوصيّة بالثلث، ٣/ ١٢٥٠/ ١٦٢٨)؛ من حديث سعد.
(٣) (صحيح). رواه: أحمد (٤/ ١٣١ و١٣٢)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٨٢ و١٩٥)، وابن ماجه (١٢ - التجارات، ١ - الحثّ على المكاسب، ٢/ ٧٢٣/ ٢١٣٨)، والنسائي في "السنن الكبرى" (٩١٨٥ و٩٢٠٤)، والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ٢٦٨/ ٦٣٤) و"الشاميين" (١١٢٤)، وأبو نعيم في "الحلية" (٩/ ٣٠٩) و"أخبار أصبهان" (٢/ ٧٦)، والبيهقي (٤/ ١٧٩)؛ من طريقين قويّتين، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معديكرب … رفعه. قال البوصيري: "في إسناده إسماعيل بن عيّاش". قلت: روايته عن الشاميّين جيّدة، وهذا منها، وتابعه بقيّة بن الوليد مصرّحًا بالسماع من بحير، وبقيّة السند ثقات أثبات. نعم؛ تكلّموا في سماع ابن معدان =
[ ٦٧٨ ]
فما أُخِذَ مِن الدُّنيا بنيَّةِ التَّقوِّي بهِ على طلبِ الآخرةِ فهوَ داخلٌ في قسمِ إرادةِ الآخرةِ والسَّعيِ لها لا في إرادةِ الدُّنيا والسَّعيِ لها.
قالَ الحَسَنُ: ليسَ مِن حبِّ الدُّنيا طلبُكَ ما يُصْلِحُكَ فيها، ومِن زهدِكَ فيها تركُ الحاجةِ يَسُدُّها عنكَ تركُها. ومَن أحَبَّ الدُّنيا وسَرَّتْهُ ذَهَبَ خوفُ الآخرةِ مِن قلبِهِ.
وقالَ سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: متاعُ الغرورِ ما يُلْهيكَ عن طلبِ الآخرةِ، وما لمْ يُلْهِكَ فليسَ بمتاعِ الغرورِ، ولكنَّهُ بلاغٌ إلى ما هوَ خيرٌ منهُ.
وقالَ بعضُ العارفينَ: كلُّ ما أصَبْتَ مِن الدُّنيا تُريدُ بهِ الدُّنيا فهوَ مذمومٌ، وكلُّ ما أصَبْتَ منها تُريدُ [بهِ] الآخرةَ فليسَ مِن الدُّنيا.
وقالَ أبو سُلَيْمانَ: الدُّنيا حجابٌ عن اللهِ لأعدائِهِ ومطيَّةٌ موصلةٌ إليهِ لأوليائِهِ، فسُبْحانَ مَن جَعَلَ شيئًا واحدًا سببًا للاتِّصالِ بهِ والانقطاعِ عنهُ.
• والقسمُ الثَّاني: يُشْبِهُ حالُهُ حالَ البهائمِ التي تَرْعى ممَّا يُنْبِتُ الرَّبيعُ فيَقْتُلُها حَبَطًا أو يُلِمُّ، وهوَ مَن يَأْخُذُ المالَ بغيرِ حقِّهِ، فيَأْخُذُهُ مِن الوجوهِ المحرَّمةِ، فلا يَقْنَعُ منهُ بقليلٍ ولا بكثيرٍ ولا تَشْبَعُ نفسُهُ منهُ. ولهذا قالَ: "وكانَ كالذي يَأْكُلُ ولا يَشْبَعُ".
وكانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَتَعَوَّذُ مِن نفسٍ لا تَشْبَعُ (^١).
وفي حديثِ: زَيْدِ بن ثابتٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -: "مَن كانَتِ الدُّنيا همَّهُ؛ فَرَّقَ اللهُ عليهِ أمرَهُ، وجَعَلَ فقرَهُ بينَ عينيهِ، ولمْ يَأْتِهِ مِن الدُّنيا إلَّا ما كُتِبَ لهُ" (^٢)، فمَن كانَ فقرُهُ بينَ
_________________
(١) = من المقدام، فقال الإسماعيلي: "بينه وبين المقدام جبير بن نفير"، وردّه العسقلاني بقوله: "حديثه عن المقدام في "صحيح البخاري"". قلت: لو سلّمنا بأنّه لم يسمع منه فقد عرفت الواسطة بينهما وهي ثقة ثبت، فعاد السند صحيحًا متّصلًا. وقد صحّحه المنذري وابن كثير والهيثمي والسيوطي والمناوي والألباني.
(٢) رواه مسلم (٤٨ - الذكر، ١٨ - التعوّذ من شرّ ما عمل، ٤/ ٢٠٨٨/ ٢٧٢٢) عن زيد بن أرقم.
(٣) (صحيح). قطعة من حديث "نضّر الله امرأ … " المشهور الذي رواه: أحمد في "المسند" (٥/ ١٨٣) و"الزهد" (١٨٠)، والدارمي (١/ ٧٥)، وابن ماجه (٣٧ - الزهد، ١٢ - الهمّ بالدنيا، ٢/ ١٣٧٥/ ٤١٠٥)، وأبو داوود (١٩ - العلم، ١٠ - فضل نشر العلم، ٢/ ٣٤٦/ ٣٦٦٠)، والترمذي (٤٢ - العلم، ١٧ - الحثّ على التبليغ، ٥/ ٣٣/ ٢٦٥٦)، وابن أبي عاصم في "السنّة" (٩٤) و"الزهد" (١٦٣)، والنسائي في "السنن الكبرى" (٣٦٩٤ - تحفة)، وابن أبي حاتم في "الجرح" (٢/ ١٠)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (٢/ ٢٣٢)، وابن حبّان (٦٧ و٦٨٠)، والطبراني (٥/ ١٤٣/ ٤٨٩٠ و٤٨٩١)، والرامهرمزي في "المحدّث" =
[ ٦٧٩ ]
عينيهِ؛ لمْ يَزَلْ خائفًا مِن الفقرِ، لا يَسْتَغْني قلبُهُ بشيءٍ ولا يَشْبَعُ مِن الدُّنيا؛ فإنَّ الغنى غنى القلبِ والفقرَ فقرُ النَّفسِ.
وفي حديثٍ خَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ مرفوعًا: "الغنى في القلبِ، والفقرُ في القلبِ. ومَن كانَ الغنى في قلبِهِ فلا يَضُرُّهُ ما لَقِيَ مِن الدُّنيا، ومَن كانَ الفقرُ في قلبِهِ فلا يُغْنيهِ ما أُكْثِرَ لهُ منها، وإنَّما يَضُرُّ نفسَهُ [شحُّها] (^١) " (^٢).
وعن عيسى ﵇؛ قالَ: مثلُ طالبِ الدُّنيا كشاربِ ماءِ البحرِ، كلَّما زادَ شربًا منهُ؛ زادَ عطشًا، حتَّى تقْتُلَهُ.
_________________
(١) = (٣ و٤)، والحاكم في "المدخل" (ص ٨٤)، وأبو نعيم في "المستخرج" (١٠)، والبيهقي في "الشعب" (١٧٣٦ و١٧٣٧ و١٠٣٣٨) و"الاعتقاد" (ص ٢٤٥)، وابن عبدالبرّ في "التمهيد" (٢١/ ٢٧٥) و"العلم" (١/ ٤٦)، والخطيب في "الفقيه" (٢/ ٧١) و"الشرف" (٢٤)، والمزّي (١٦/ ٤٩٤)؛ من طرق، عن شعبة، عن عمر بن سليمان، عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان، عن أبيه، عن زيد … رفعه مطوّلًا ومختصرًا. قال الترمذي: "حسن". وقال البوصيري: "صحيح رجاله ثقات". وقوّاه ابن حبّان والمنذري والألباني. ورواه: ابن ماجه (المقدّمة، ١٨ - من بلّغ علمًا، ١/ ٨٤/ ٢٣٠)، والطبراني في "الكبير" (٥/ ١٥٤ / ٤٩٢٤ و٤٩٢٥) و"الأوسط" (٧٢٦٧)؛ من طريق ليث بن أبي سليم، (قال مرّة: عن يحيى بن عبّاد عن أبيه، ومرّة: عن محمّد بن وهب عن أبيه)، عن زيد … رفعه مطوّلًا ومختصرًا. قال الهيثمي (١٠/ ٢٥٠): "وثّقوا". قلت: ليث اختلط، وقد تردّد بين وجهين، ومحمّد بن وهب وأبوه ما وقفت لهما على ترجمة. والحديث صحيح غاية بطريقه الأولى وحدها، فكيف وله طريق أخرى؟! فكيف وله شواهد من حديث ابن عمر وأبي الدرداء وأبي هريرة وأنس وغيرهم؟!
(٢) ليست في خ وم ون وط، أضفتها من "معجم الطبراني الكبير".
(٣) (ضعيف جدًّا بهذا التمام). رواه الطبراني (٢/ ١٥٤/ ١٦٤٣) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، ثنا إسماعيل بن عبد الله بن خالد بن سعيد بن أبي مريم، عن أبيه، عن جدّه، عن نعيم بن عبد الله مولى عمر، سمع أبا زينب مولى حازم الغفاري، سمع أبا ذرّ … رفعه. قال الهيثمي (١٠/ ٢٤٠): "فيه من لم أعرفه". قلت: لعلّه يعني إسماعيل بن عبد الله وأبا زينب فإنّهما مجهولان، وابن أبي أويس وعبد الله بن خالد وأبوه لا يعدو أن يكونوا صالحين في الشواهد، فالسند واه. وروى: النسائي في "الكبرى" (١١٩٠٥ - تحفة)، وابن حبّان (٦٨٥)، والحاكم (٤/ ٣٢٧)، وابن عساكر؛ من طرق، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن أبي ذرّ … رفعه في سياق مقتصرًا على القطعة الأولى. قال الحاكم: "على شرط البخاري"، ووافقه الذهبي، مع أنّ البخاري لم يخرّج لمعاوية ولا لعبد الرحمن. نعم؛ هم ثقات رجال مسلم، وفي معاوية كلام يسير، وحديثه حسن. فقوله - ﷺ - "الغنى في القلب والفقر في القلب" صحيح بهذه الطريق الثانية وبشواهدها المخرّجة في الصحاح، وقد قوّاها ابن حبّان والمنذري والألباني. والحديث بطوله واهٍ، وقد ضعّفه الهيثمي.
[ ٦٨٠ ]
قالَ يَحْيى بنُ مُعاذٍ: مَن كانَ غناهُ في قلبِهِ؛ لمْ يَزَلْ غنيًّا، ومَن كانَ غناهُ في كسبِهِ؛ لمْ يَزَلْ فقيرًا، ومَن قَصَدَ المخلوقينَ بحوائجِهِ؛ لمْ يَزَلْ محرومًا.
ويَشْهَدُ لذلكَ كلِّهِ الحديثُ الصَّحيحُ عن النَّبيِّ - ﷺ -: "لو كانَ لابنِ آدَمَ واديانِ مِن ذهبٍ؛ لابْتَغى لهُما ثالثًا، ولا يَمْلأُ جوفَ ابن آدَمَ إلَّا التُّرابُ، ويَتوبُ اللهُ على مَن تابَ" (^١).
لو فَكَّرَ الطَّامعُ في عاقبةِ الدُّنيا لَقَنعَ، ولو تَذَكَّرَ الجائعُ إلى فضولٍ مآلَها لَشَبِعَ.
هَبَ انَّكَ قَدْ مَلَكْتَ الأرْضَ طُرًّا … ودانَ لَكَ العِبادُ فَكانَ ماذا
ألَيْسَ مَصيرُ جِسْمِكَ جَوْفَ قَبْرٍ (^٢) … وَيَحْثِي التُّرْبَ هذا ثمَّ هذا
• وقد ضَرَبَ اللهُ في كتابِهِ مثلَ الدُّنيا وخضرتها ونضرتِها وبهجتِها وسرعةِ تقلُّبِها وزوالِها، وجعلَ مثلَها كمثلِ نباتِ الأرضِ النابتِ مِن قطرِ السَّماءِ في تقلُّبِ أحوالِهِ ومآلِهِ: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥]. وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾ [يونس: ٢٤]. وقالَ تَعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾ [الحديد: ٢٠]. وقالَ تَعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ
_________________
(١) رواه: البخاري (٨١ - الرقاق، ١٠ - ما يتّقى من فتنة المال، ١١/ ٢٥٣/ ٦٤٣٦ - ٦٤٤٠) من حديث ابن عبّاس وابن الزبير وأنس وأبيّ، ومسلم (١٢ - الزكاة، ٣٩ - لو أن لابن آدم واديين، ٢/ ٧٢٥/ ١٠٤٨ - ١٠٥٠) من حديث أنس وابن عبّاس وأبي موسى الأشعريّ.
(٢) في خ: "جوف ترب"، وفي ن: "أليس مصيرك جوف قبر"، وما أثبتّه أولى.
[ ٦٨١ ]
يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٢١].
فالدُّنيا وجميعُ ما فيها مِن الخضرةِ والبهجةِ والنَّضرةِ تتقَلَّبُ أحوالُهُ وتَتبَدَّلُ ثمَّ تَصيرُ حطامًا يابسًا.
وقد عَدَّدَ سبحانَهُ زينةَ الدُّنيا ومتاعَها المبهجَ في قولِهِ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ …﴾ الآيةَ [آل عمران: ١٤]. وهذا كلُّهُ يَصيرُ ترابًا، ما خلا الذَّهبَ والفضَّةَ، ولا يُنْتَفَعُ بأعيانِهِما، بل هُما قيمُ الأشياءِ، فلا يَنْتَفِعُ صاحبُهُما بإمساكِهِما، وإنَّما يَنْتَفعُ بإنفاقِهِما. ولهذا قالَ الحَسَنُ: بِئْسَ الرَّفيقُ الدِّرهمُ والدِّينارُ؛ لا يَنْفعانِكَ حتَّى يُفارِقانِكَ (^١).
وأجسامُ بني آدَمَ - بل وسائرِ الحيواناتِ - كنباتِ الأرضِ تَتَقَلَّبُ مِن حالٍ إلى حالٍ ثمَّ تَجِفُّ وتَصيرُ ترابًا. قالَ تَعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح: ١٧، ١٨].
وَما المَرْءُ إلَّا كَالنَّباتِ وَزَهْرِهِ … يَعودُ رُفاتًا بَعْدَما هُوَ ساطِعُ
فيَنْتَقِلُ ابنُ آدَمَ مِن الشَّبابِ إلى الهرمِ ومِن الصِّحَّةِ إلى السَّقمِ ومِن الوجودِ إلى العدمِ، كما قيلَ:
وَما حالاتُنا إلَّا ثلاثُ … شَبابٌ ثُمَّ شَيْبٌ ثُمَّ مَوْتُ
وَآخِرُ ما يُسَمَّى المَرْءُ شَيْخًا … وَيَتْلوهُ مِنَ الأسْماءِ مَيْتُ
مدَّةُ الشَّبابِ قصيرةٌ كمدَّةِ زهرِ الرَّبيعِ وبهجتِهِ ونضارتِهِ، فإذا يَبِسَ وابْيَضَّ فقد آنَ ارتحالُهُ كما أن الزَّرعَ إذا ابْيَضَّ فقد آنَ حصادُهُ. وأجلُّ زهورِ الرَّبيعِ الوردُ، ومتى كَثُرَ فيهِ البياضُ فقد قَرُبَ زمنُ انتقالِهِ.
قالَ وُهَيْبُ بنُ الوَرْدِ: إنَّ للهِ ملكًا يُنادي في السَّماءِ كلَّ يومٍ: أبناءَ الخمسينَ! زرعٌ دَنا حصادُهُ.
وفي حديثٍ مرفوعٍ: "إنَّ لكلِّ شيءٍ حصادًا، وحصادُ أُمَّتي ما بينَ السِّتِّينَ إلى
_________________
(١) رحمة الله على الحسن، ما كان أعظم كلامه! حتّى قال بعضهم: كأنّما هو كلام الأنبياء.
[ ٦٨٢ ]
السَّبعينَ" (^١).
قَدْ يَبْلُغُ الزَّرْعُ مُنْتَهاهُ (^٢) … لا بُدَّ لِلزَّرْعِ مِنْ حَصادِ
وقد يُدْرِكُ الزَّرعَ آفةٌ قبلَ بلوغِ حصادِهِ فيَهْلِكُ، كما أُشِيرَ إليهِ في قولِهِ تَعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ الآية [يونس: ٢٤].
قالَ مَيْمونُ بنُ مِهْرانَ لجلسائِهِ: يا معشرَ الشُّيوخِ! ما يُنْتَظَرُ بالزَّرعِ إذا ابْيَضَّ؟ قالوا: الحصادُ. فنَظَرَ إلى الشَّبابِ، فقالَ: يا معشرَ الشَّبابِ! إنَّ الزَّرعَ قد تُدْرِكُهُ الآفةُ قبلَ أنْ يَسْتَحْصِدَ.
وقالَ بعضُهُم: أكثرُ مَن يَموتُ الشَّبابُ، وآيةُ ذلكَ أن الشُّيوخَ في النَّاسِ قليلٌ.
أيا ابْنَ آدَمَ لا تَغْرُرْكَ عافِيَةٌ … عَلَيْكَ ضافِيَةٌ فَالْعُمْرُ مَعْدودُ
ما أنْتَ إلَّا كَزَرْعٍ عِنْدَ خُضْرَتِهِ … بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الآفاتِ مَقْصودُ
فَإنْ سَلِمْتَ مِنَ الآفاتِ أجْمَعِها … فَأنْتَ عِنْدَ كَمالِ الأمْرِ مَحْصودُ
• كلُّ ما في الدُّنيا فهوَ مذكِّرٌ بالآخرةِ ودليلٌ عليهِ:
• فنباتُ الأرضِ واخضرارُها في الرَّبيعِ بعدَ قحولها ويبسِها في الشِّتاءِ وإيناعُ الأشجارِ وزهوُها (^٣) بعدَ كونِها خشبًا يابسًا يَدُلُّ على بعثِ الموتى مِن الأرضِ. وقد ذَكَرَ اللهُ تَعالى ذلكَ في كتابِهِ في مواضعَ كثيرةٍ: قالَ تَعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٥ - ٧]. وقالَ تَعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا
_________________
(١) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٢٤٩).
(٢) في خ وم ون: "قد بلغ الزرع منتهاه"! وأثبتّ ما في ط لموافقته للوزن.
(٣) في خ: "بعد قحولتها … "، وفي م: "بعد قحولتها … وزهورها"، وفي ن: "بعد قحولها … واخضرارها".
[ ٦٨٣ ]
كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ٩ - ١١]. وقالَ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧].
قالَ أبو رَزِينٍ للنَّبيِّ - ﷺ -: كيفَ يُحْيي اللهُ الموتى؟ وما آيةُ ذلكَ في خلقِهِ؟ قالَ: "هل مَرَرْتَ بوادٍ أُهْلِكَ محلًا ثمَّ مَرَرْتَ بهِ يَهْتَزُّ خضرًا؟ ". قالَ: نعم. قالَ: "كذلكَ يُخْرِجُ اللهُ الموتى، وذلكَ آيتُهُ في خلقِهِ" (^١). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ.
• وقصرُ مدَّةِ الزَّرعِ والثِّمارِ وعودُ الأرضِ بعدَ ذلكَ إلى يبسِها والشَّجرِ إلى حالِها الأوَّلِ كعودِ ابن آدَمَ بعدَ كونهِ حيًّا إلى التُّرابِ الذي خُلِقَ منهُ.
• وفصولُ السَّنةِ تُذَكِّرُ بالآخرةِ: فشدَّةُ حرِّ الصَّيفِ يُذَكِّرُ بحرِّ جهنَّمَ وهوَ مِن سمومِها. وشدَّةُ بردِ الشِّتاءِ يُذَكِّرُ بزمهريرِ جهنَّمَ وهوَ مِن زمهريرِها. والخريفُ يَكْمُلُ فيهِ اجتناءُ الثَّمراتِ التي تَبْقى وتُدَّخَرُ في البيوتِ، فهوَ منبِّهٌ على اجتناءِ ثمراتِ الأعمالِ في الآخرةِ. وأمَّا الرَّبيعُ؛ فهوَ أطيبُ فصولِ السَّنةِ، وهوَ يُذَكِّرُ بنعيمِ الجنَّةِ وطيبِ عيشِها، فيَنْبَغي أنْ يَحُثَّ المؤمنَ على الاستعدادِ لطلبِ الجنَّةِ بالأعمالِ الصَّالحةِ.
كانَ بعضُ السَّلفِ يَخْرُجُ في أيَّامِ الرَّياحينِ والفواكهِ إلى السُّوقِ فيَقِفُ ويَنْظُرُ ويَعْتَبِرُ ويَسْألُ الله الجنَّةَ.
_________________
(١) (ضعيف). رواه: الطيالسي (١٠٨٩)، وأحمد (٤/ ١١ و١٢)، وابن أبي عاصم في "السنّة" (٦٣٩)، والطبراني (١٩/ ٢٠٨/ ٤٧٠)، والحاكم (٤/ ٥٦٠)، والبيهقي في "الصفات" (١٠٦٩ و١٠٧٠) و"الاعتقاد" (ص ٢١٧)؛ من طريق يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عدس، عن أبي رزين العقيلي … رفعه. صحّحه الحاكم ووافقه الذهبي وليس كذلك من أجل وكيع فإنه مجهول. ورواه: أحمد (٤/ ١١)، والطبراني في "الشاميّين" (٣٩٥)؛ من طريقين، عن سليمان بن موسى الأشدق، عن أبي رزين … رفعه. قال الهيثمي (١/ ٥٩): "في إسناده سليمان بن موسى وقد وثّقه ابن معين وأبو حاتم وضعّفه آخرون". قلت: فيه لين واختلط بآخره وروايته عن أبي رزين منقطعة. وقد رواه عبد الغني بن سعيد المصري (١/ ١٩٥ - تفسير القرطبي) عنه عن مجاهد عن ابن عبّاس عن أبي رزين مرفوعًا، وفي إسناده محمّد بن سعيد الشاميّ المصلوب الكذّاب، فما هو بالمعتبر. ولا ينبغي أن تتقوّى إحدى الطريقين بالأُخرى؛ لأنّه لا يبعد أن يكون الأشدق تلقّاه عن وكيع مباشرة أو بواسطة فيعود الأمر إلى الضعف لجهالة وكيع. وقد ضعّفه الهيثمي والألباني.
[ ٦٨٤ ]
• ومَرَّ سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ بشبابٍ مِن أبناءِ الملوكِ جلوسٍ في مجالسِهِم في زينتِهِم، فسَلَّموا عليهِ، فلمَّا بَعُدَ عنهُم؛ بَكى واشْتَدَّ بكاؤُهُ وقالَ: ذَكَّرَني هؤلاءِ بشبابِ أهلِ الجنَّةِ.
• تزَوَّجَ صِلَةُ بنُ أشْيَمَ بمُعاذَةَ العَدَوِيَّةِ، وكانا مِن كبارِ الصَّالحينَ، فأدْخَلَهُ ابنُ أخيهِ الحمَّامَ ثمَّ أدْخَلَهُ على زوجتِهِ في بيتٍ مطيَّبٍ منجَّدٍ، فقاما يُصَلِّيانِ إلى الصَّباحِ، فسَألَهُ ابنُ أخيهِ عن حالِهِ، فقالَ: أدْخَلْتَني بالأمسِ بيتًا أذْكَرْتَني بهِ النَّارَ (يَعْني: الحمَّامَ)، وأدْخَلْتَني الليلةَ بيتًا أذْكَرْتَني بهِ الجنَّةَ، فلم يَزَلْ فكري في الجنَّةِ والنَّارِ إلى الصَّباحِ.
• دَعا عَبْدُ الواحِدِ بنُ زَيْدٍ إخوانَهُ إلى طعامٍ صَنَعَهُ لهُم، فقامَ على رؤوسِهِم عُتْبَةُ الغلامُ يَخْدُمُهُم وهوَ صائمٌ وهُم يَأْكُلونَ، فجَعَلَتْ عيناهُ تَهْمُلانِ، فسَألَهُ عَبْدُ الواحِدِ بعدُ عن سببِ بكائِهِ، فقالَ: ذَكَرْتُ موائدَ أهلِ الجنَّةِ إذا أكَلوا وقامَ الولدانُ على رؤوسِهِم.
إنَّما جُعِلَتِ الدُّنيا مرآةً لِيُنْظَرَ بها إلى الآخرةِ لا لِيُنْظَرَ إليها ويُوقَفَ معَها.
كَفى حَزَنًا أنْ لا أُعايِنَ بُقْعَةً … مِنَ الأرْضِ إلَّا ازْدَدْتُ شَوْقًا إلَيْكُمُ
وَأنِّي مَتى ما طابَ لي خَفْضُ عِيشَةٍ … تَذَكَّرْتُ أيَّامًا مَضَتْ لي لَدَيْكُمُ
• تدقيقُ النَّظرِ والفكرِ في حالِ النَّباتِ يَسْتَدِلُّ بهِ المؤمنُ على عظمةِ خالقِهِ وكمالِ قدرتِهِ ورحمتِهِ فتَزْدادُ القلوبُ هيمانًا في محبَّتِهِ. وإلى ذلكَ الإشارةُ بقولِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾ [الأنعام: ٩٩].
• زمانُ الرَّبيعِ كلُّهُ واعظٌ يُذَكِّرُ بعظمةِ موجدِهِ وكمالِ قدرتِهِ ويُشَوِّقُ إلى طيبِ مجاورتِهِ في دارِ كرامتِهِ:
كما قالَ ابنُ سَمْعونَ في وصفِ الرَّبيعِ: أرضُهُ حريرٌ، وأنفاسُهُ عبيرٌ، وأوقاتُهُ كلُّها وعظٌ وتذكيرٌ.
وقالَ غيرُهُ: الأرضُ فيهِ زمرُّدةٌ، والأشجارُ حللٌ، والهواءُ مسكٌ، والنَّسيمُ عنبرٌ، والماءُ راحٌ، والطَّيرُ قيانٌ، والكلُّ دالٌّ على كمالِ الصَّانعِ شاهدٌ لهُ بالوحدانيَّةِ.
[ ٦٨٥ ]
أنْشَدَ بعضُهُم في وصفِ زمانِ الرَّبيعِ:
يا قَوْمَنا فاحَ الرَّبيـ … ـعُ وَلاحَ لِلأْحْبابِ نَجْدُ
الزَّهْرُ مِسْكٌ وَالرِّيا … ضُ أريضَةٌ وَالماءُ جَعْدُ (^١)
وَالظِّلُّ مَنْثورٌ وَفي … جيدِ الشَّقائِقِ مِنْهُ عِقْدُ
هذا النَّسيمُ مُعَنْبَرٌ … وَضَبابُ هذا النَّوْءِ نَدُّ
وَالغُصْنُ يَرْقُصُ وَالغَديـ … ـرُ مُصَفِّق وَالوُرْقُ تَشْدو (^٢)
وَالجَوُّ بَعْضٌ مِنْهُ يا … قوتٌ وَبَعْضٌ لازَوَرْدُ (^٣)
وَالكُلُّ يَشْهَدُ أن صا … نِعَهُ قَديرٌ وَهْوَ فَرْدُ
وأنْشَدَ آخرُ:
الطَّلُّ في سِلْكِ الغُصونِ كَلُؤْلُؤٍ … رَطْبٍ يُصافِحُهُ النَّسيمُ فَيَسْقُطُ (^٤)
وَالطَّيْرُ يَقْرَأُ وَالغَديرُ صَحيفَةٌ … وَالرِّيحُ يَكْتُبُ وَالغَمامُ يُنَقِّطُ
رُئِيَ بعضُ الشُّعراءِ المتقدِّمينَ في المنامِ بعدَ موتِهِ، فسُئِلَ عن حالِهِ، فقالَ: غُفِرَ لي بأبياتٍ قلتُها في النَّرجسِ، وهيَ:
تَفَكَّرْ في نَباتِ الأرْضِ وَانْظُرْ … إلى آثارِ ما صَنَعَ المَليكُ
عُيونٌ مِنْ لجَيْنٍ ناظِراتٌ … بِأحْداقٍ هِيَ الذَّهَبُ السَّبيكُ (^٥)
عَلى قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شاهِداتٌ … بِأنَّ الله لَيْسَ لَهُ شَريكُ
سبحانَ مَن سَبَّحَتِ المخلوقاتُ بحمدِهِ فمَلأ الأكوانَ تحميدُه، وأفْصَحَتِ الكائناتُ بالشَّهادةِ بوحدانيَّتِهِ فوَضَحَ توحيدُه، يُسَبِّحُهُ النَّباتُ جمعُهُ وفريدُه، والشَّجرُ عتيقُهُ وجديدُه، ويُمَجِّدُهُ رهبانُ الأطيارِ في صوامعِ الأشجارِ فيُطْرِبُ السَّامعَ تمجيدُه، كلَّما دَرَّسَ الهزارُ دَرْسَ شكرِهِ فالبلبلُ بالحمدِ معيدُه، وكلَّما أقامَ خطيبُ
_________________
(١) أريضة: زكيّة، غنيّة بالخير.
(٢) ندّ: طيّب الريح، أو نديّ منعش. الورق: الحمائم.
(٣) اللازورد: أزرق سماويّ اللون من الأحجار الكريمة.
(٤) الطلّ: الندى.
(٥) اللجين: الفضّة. يشير إلى الزهر الأبيض الذي وسطه أصفر.
[ ٦٨٦ ]
الحمامِ النَّوحَ على منابرِ الدَّوحِ هَيَّجَ المستهامَ نوحُهُ وتغريدُه، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [العنكبوت: ١٩].
• وا عجبًا للمتقلِّبِ بينَ مشاهدةِ حِكَمِهِ وتناولِ نعمِهِ ثمَّ لا يَشْكُرُ نعمَهُ ولا يُبْصِرُ حِكَمَهُ! وأعجبُ مِن ذلكَ مَن تَراكَمَ عليهِ الجهلُ بظلمتِهِ فعَصى المنعمَ بنعمتِهِ.
هذا عودُ شجرِ الكرمِ يَكونُ يابسًا طولَ الشِّتاءِ، ثمَّ إذا جاءَ الرَّبيعُ دَبَّ فيهِ الماءُ واخْضَرَّ، ثمَّ يُخْرِجُ الحصرمَ فيَنْتَفعُ النَّاسُ بهِ حامضًا ويَتَناوَلونَ منهُ طبخًا واعتصارًا، ثمَّ يَنْقَلِبُ حلوًا فيَنْتَفعُ النَّاسُ بهِ حلوًا رطبًا ويابسًا ويَسْتَخْرِجونَ منهُ ما يَنْتَفِعونَ بحلاوتِهِ طولَ العامِ وما يَأْتَدِمونَ بحمضِهِ وهوَ نعمَ الإدامُ. فهذهِ التَّنقُلاتُ توجِبُ للعاقلِ الدَّهشَ والتَّعجُّبَ مِن صنعِ صانعِهِ وقدرةِ خالقِهِ، فيَنْبَغي لهُ أنْ يُفَرِّغَ عقلَهُ للتَّفكُّرِ في هذهِ النِّعمِ والشِّكرِ عليها. وأمَّا الجاهلُ؛ فيَأْخُذُ العنبَ فيَجْعَلُهُ خمرًا فيُغَطِّي بهِ العقلَ الذي يَنْبَغي أنْ يُسْتَعْمَلَ في التَّفكُّرِ والشُّكرِ حتَّى يَنْسى خالقَهُ المنعمَ عليهِ بهذهِ النِّعمِ كلِّها، فلا يَسْتَطيعُ بعدَ سكرِهِ أنْ يَقومَ لهُ بذكرِهِ ولا بشكرِهِ، بل يَنْسى في سكرِهِ مَن خَلَقَهُ ورَزَقَهُ فلا يَعْرِفُهُ بالكلِّيَّة، وهذا نهايةُ كفرانِ النِّعمِ الوقوعُ في هذهِ البليَّة.
فَوا عَجَبًا كَيْفَ يَعْصي الإلـ … ـهَ أمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الجاحِدُ
وَلِلهِ في كُلِّ تَحْريكَةٍ … وَفي كُلِّ تَسْكينَةٍ شاهِدُ
وَفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ … تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ
• ومِن وجوهِ الاعتبارِ في النَّظرِ إلى الأرضِ التي أحْياها اللهُ بعدَ موتِها في فصلِ الرَّبيعِ بما ساقَ إليها مِن قطرِ السَّماءِ أنَّهُ يُرْجى مِن كرمِهِ أنْ يُحْيِيَ القلوبَ الميتةَ بالذُّنوبِ وطولِ الغفلةِ بسماعِ الذِّكرِ النَّازلِ مِن السَّماءِ. وإلى ذلكَ الإشارةُ بقولهِ تَعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ إلى قولِهِ: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد: ١٦، ١٧]. ففيهِ إشارةٌ إلى أن مَن قَدَرَ على إحياءِ الأرضِ بعدَ موتها بوابلِ القطرِ فهوَ قادرٌ على إحياءِ القلوبِ الميتةِ القاسيةِ بالذِّكرِ. عَسى لمحةٌ مِن لمحاتِ عطفِهِ، ونفحةٌ مِن نفحاتِ لطفِهِ، وقد صَلَحَ مِن القلوبِ كلُّ ما فَسَدَ، فهوَ اللطيفُ الكريمُ.
[ ٦٨٧ ]
عَسى فَرَجٌ يَأْتي بهِ اللهُ إنَّهُ … لَهُ كُلَّ يَوْمٍ في خَليقَتِهِ أمْرُ
إذا اشْتَدَّ عُسْرٌ فَارْجُ يُسْرًا فَإنَّهُ … قَضى اللهُ أنَّ العُسْرَ يَتْبَعُهُ اليُسْرُ
عَسى مَن أحْيا الأرضَ الميتةَ بالقطرِ أنْ يُحْيِيَ القلوبَ الميتةَ بالذِّكرِ.
عسى نفحةٌ مِن نفحاتِ رحمتِهِ تَهُبُّ، فمَن أصابَتْهُ سَعِدَ سعادةً لا يَشْقى بعدَها أبدًا، فهوَ المنَّانُ الرَّحيمُ.
إذا ما تَجَدَّدَ فَصْل الرَّبيعِ … تَجَدَّدَ لِلْقَلْبِ فَضْلُ الرَّجاءِ
عَسى الحال يَصْلُحُ بعدَ الذُّنوبِ … كَما الأرْضُ تَهْتَزُّ بَعْدَ الشِّتاءِ
وَمَنْ ذا الذي لَيْسَ يَرْجُوكَ رَبِّ … وَرَبْعُ عَطائِكَ رَحْبُ الفِناءِ