خَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حديثِ: العِرْباضِ بن سارِيَةَ السُّلَمِيِّ ﵁، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إنِّي عندَ اللهِ في أُمِّ الكتابِ لخاتمُ النَّبيِّينَ وإنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ في طينتِهِ، وسوفَ أُنَبِّئُكُمْ بتأْويلِ ذلكَ: دعوةُ أبي إبْراهيمَ، وبشارةُ عيسى قومَهُ، ورؤيا أُمِّي التي رَأتْ أنَّهُ خَرَجَ منها نورٌ أضاءَتْ لهُ قصورُ الشَّامِ، وكذلكَ أُمَّهاتُ النَّبيينَ يَرَيْنَ" (^١).
_________________
(١) (صحيح بشواهده إلّا ذكر أُمّهات النبيّين فضعيف). رواه: ابن سعد (١/ ١٤٩)، وأحمد (٤/ ١٢٧ و١٢٨)، والبخاري في "التاريخ" (٦/ ٦٨) و"الصغير" (٣٣)، والفسوي (٢/ ٣٤٥)، وابن أبي عاصم في "السنّة" (٤٠٩)، والبزّار (٢٣٦٥ - كشف)، وابن جرير (٢٠٧٦ و٢٠٧٧ و٢٠٧٨ و٣٤٠٥٤)، وابن حبّان (٦٤٠٤)، والطبراني (١٨/ ٢٥٢/ ٦٢٩ - ٦٣١) وفي "الشاميّين" (١٤٥٥)، والآجرّي (٩٦١)، والحاكم (٢/ ٤١٨ و٦٠٠)، وأبو نعيم في "الدلائل" (٩ و١٠) و"الحلية" (٦/ ٩٠)، والبيهقي في "الدلائل" (١/ ٨٠ و٨٣، ٢/ ١٣٠) و"الشعب" (١٣٨٥)، وابن عساكر (٣٣/ ٤٤٧)؛ بعضهم من طريق أبي بكر بن أبي مريم وبعضهم من طريق معاوية بن صالح؛ كلاهما عن سعيد بن سويد، [عن عبد الأعلى بن هلال]، عن العرباض … رفعه. وها هنا علل: أولاها: أبو بكر هذا ضعيف، لكن تابعه معاوية، ثمّ اختلفا فأسقط أبو بكر عبد الأعلى وأثبته معاوية. قال البيهقي: "قصّر أبو بكر بإسناده". قلت: هذا ممكن، وغيره أيضًا ممكن، وهو العلّة الثانية، فإنّ سعيد بن سويد مدلّس على ضعف فيه، فلعلّه دلّسه لأبي بكر، وبسعيد أعلّ الهيثمي الحديث. والعلّة الثالثة: أنّ في عبد الأعلى جهالة ما. وعليه، فالقلب لا يطمئنّ لتقوية هذا السند. لكن يشهد للقطعة الأولى حديثا أبي هريرة وميسرة الفجر، وسيأتي تفصيل الكلام فيهما قريبًا. ويشهد للقطعة الثانية حديث أبي أمامة الآتي قريبًا مع شواهده. ويشهد لرؤية أُمّه - ﷺ - النور شواهد كثيرة أُخرى موصولة ومرسلة سيأتي تفصيل القول في بعضها قريبًا. وقد قوّى حديث العرباض بن حبّان والحاكم والذهبي والهيثمي والألباني.
[ ٢٠٠ ]
وخَرَّجَهُ الحاكِمُ وقالَ: صحيحُ الإسنادِ. وقد رُوِيَ معناهُ مِن حديثِ أبي أُمامَةَ الباهِلِيِّ (^١) ومِن وجوهٍ أخُرَ مرسَلَةٍ.
• المقصودُ مِن هذا الحديثِ أن نبوَّةَ النبي - ﷺ - كانَتْ مذكورةً معروفةً مِن قبلِ أنْ يَخْلُقَهُ اللهُ ويُخْرِجَهُ إلى دارِ الدُّنيا حيًّا، وأنَّ ذلكَ كانَ مكتوبًا في أُمِّ الكتابِ مِن قبلِ نفخِ الرُّوحِ في آدَمَ ﵇.
وفُسِّرَ أمُّ الكتابِ باللوحِ المحفوظِ وبالذِّكرِ في قولهِ تَعالى: ﴿يَمْحو اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩].
وعنِ ابن عَبَّاسٍ أنَّهُ سَألَ كَعْبًا عن أُمِّ الكتابِ، فقالَ: عَلِمَ اللهُ ما هوَ خالقٌ وما خلقُهُ عاملونَ، فقالَ لعلمِهِ: كُنْ كتابًا، فكانَ كتابًا.
ولا ريبَ أن علمَ اللهِ قديمٌ أزليٌّ لم يَزَلْ عالمًا بما يُحْدِثُهُ مِن مخلوقاتِهِ، ثمَّ إنَّهُ تَعالى كَتَبَ ذلكَ في كتابٍ عندَهُ قبلَ خلقِ السَّماواتِ والأرضِ، كما قالَ تَعالى: ﴿مَا أَصابَ مِنْ مُصيبَةٍ في الأرْضِ وَلا في أنْفُسِكُمْ إلَّا في كتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأَها إنَّ ذلِكَ عَلى اللهِ يَسيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢].
وفي "صحيح البُخارِيِّ" (^٢) عن: عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ - قالَ: "كانَ اللهُ ولا شيءَ قبلَهُ، وكانَ عرشُهُ على الماءِ، وكَتَبَ في الذِّكرِ كل شيءٍ، ثمَّ خَلَقَ
_________________
(١) (صحيح بشاهده). رواه: الطيالسي (١١٤٠)، وابن سعد (١/ ١٠٢ و١٤٩)، وابن الجعد (٣٥٥٣)، وأحمد (٥/ ٢٦٢)، والحارث (٩٢٧ - الهيثمي)، والروياني (١٢٦٧)، والطبراني (٨/ ١٧٥/ ٧٧٢٩) وفي "الشاميّين" (١٥٨٢)، وابن عدي (٦/ ٢٠٥٥)، واللالكائي في "الاعتقاد" (١٤٠٤)، والبيهقي في "الدلائل" (١/ ٨٤)؛ من طريق فرج بن فضالة، عن لقمان بن عامر، عن أبي أُمامة؛ أنّه - ﷺ - قال: أنا "دعوة أبي إبراهيم … قصور الشام". قال الهيثمي (٨/ ٢٢٥): إسناده حسن، وأقره الألباني. قلت: فرج لا يستحقّ أن يحسّن له، لكنّ روايته عن الشاميّين أمثل، وهذا منها، فهو صالح في الشواهد. وله شاهد عند: ابن إسحاق (ص ٢٨/ نصّ ٣٣، ١/ ٢٩٣ و٣٠٢ - ابن هشام)، والطبري في "التفسير" (٢٠٧٥) و"التاريخ" (١/ ٤٥٨)، والحاكم (٢/ ٦٠٠)، والبيهقي في "الدلائل" (١/ ٨٣)؛ من طريق قويّة، عن خالد بن معدان، عن جماعة من الصحابة … رفعوه. وقوّاه الحاكم والذهبي وابن كثير والألباني. وله شاهد آخر من حديث عبادة بن الصامت عند ابن عساكر بسند ضعيف.
(٢) (٥٩ - الخلق، ١ - وهو الذي يبدأ الخلق، ٦/ ٢٨٦/ ٣١٩١).
[ ٢٠١ ]
السَّماواتِ والأرضَ".
وفي "صحيح مُسْلِم" (^١) عن: عَبْدِ اللهِ بن عَمْرِو بن العاصِ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إنَّ الله كَتَبَ مقاديرَ الخلائقِ قبلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ وَالأرضَ بخمسينَ ألفَ سنة، وكانَ عرشُهُ على الماءِ".
ومِن جملةِ ما كَتبَهُ في هذا الذكرِ - وهوَ أُمُّ الكتابِ - أن مُحَمَّدًا خاتمُ النَّبيِّينَ، ومِن حينئذ انْتَقَلَتِ المخلوقاتُ مِن مرتبةِ العلمِ إلى مرتبةِ الكتابةِ، وهوَ نوع مِن أنواعِ الوجودِ الخارجيِّ.
ولهذا قالَ سَعيدُ بنُ راشِدٍ: سَألْتُ عَطاءً: هل كانَ النَّبيُّ - ﷺ - نبيًّا قبلَ أنْ يُخْلَقَ (^٢)؟ قالَ: إي واللهِ، وقبلَ أنْ تُخْلَقَ الدُّنيا بألفي عامٍ. خَرَّجَهُ أبو بَكْرٍ الآجُرِّيُّ في كتاب "الشَّريعة". وعطاءٌ الظَّاهرُ أنَّهُ الخُراسانِيُّ. وهذا إشارة (^٣) إلى ما ذَكَرْناهُ مِن كتابةِ نبوَّتِهِ - ﷺ - في أُمِّ الكتابِ عندَ تقديرِ المقاديرِ.
• وقولُهُ - ﷺ - في هذا الحديثِ "إنِّي عندَ اللهِ في أُمِّ الكتابِ لَخاتمُ النَّبيِّينَ وإنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ في طينتِهِ" ليسَ المرادُ بهِ - واللهُ أعلمُ - أنَّهُ حينئذ كُتِبَ في أُمِّ الكتابِ ختمُهُ للنَّبيينَ، وإنَّما المرادُ الإخبارُ عن كونِ ذلكَ مكتوبًا في أُمِّ الكتابِ في تلكَ الحالِ قبلَ نفخِ الرُّوحِ في آدَمَ، وهوَ أوَّلُ ما خُلِقَ مِن النَّوعِ الإنسانيِّ.
وجاءَ في أحاديثَ أُخرَ أنَّهُ في تلكَ الحالِ وَجَبَتْ لهُ النُّبوَّة (^٤). وهذهِ مرتبة ثالثة، وهيَ انتقالُهُ مِن مرتبةِ العلمِ والكتابةِ إلى مرتبةِ الوجودِ العينيِّ الخارجي؛ فإنَّهُ - ﷺ - اسْتُخْرِجَ حينئذ مِن ظهرِ آدَمَ ونُبِّئَ، فصارَتْ نبوَّتُهُ موجودةً في الخارجِ بعدَ كونِها كانَتْ مكتوبة مقدَّرةً في أُمِّ الكتابِ.
ففي حديثِ مَيْسَرَةَ الفَجْرِ قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ! متى كُنْتَ نبيًّا؟ قالَ: "وآدَمُ بينَ
_________________
(١) (٤٦ - القدر، ٢ - حجاج آدم وموسى، ٤/ ٢٠٤٤/ ٢٦٥٣).
(٢) في خ: "قبل أن يخلق الخلق"! والصواب ما أثبته من م ون وط.
(٣) في خ: "وهو إشارة"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٤) سيأتي شيء من هذه الأحاديث قريبا.
[ ٢٠٢ ]
الرُّوحِ والجسدِ" (^١). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والحاكِمُ. قالَ الإمامُ أحْمَدُ في روايةِ مُهَنَّى: وبعضُهُم يَرْويهِ: متى كُتِبْتَ نبيًّا؟ مِن الكتابةِ. فإنْ صَحَّتْ هذهِ الروايةُ؟ حُمِلَتْ معَ حديثِ العِرْباضِ على وجوبِ نبوَّتِهِ وثبوتها وظهورِها في الخارجِ؛ فإنَّ الكتابةَ إنَّما تُسْتَعْمَلُ فيما هوَ واجبٌ: إمَّا شرعًا كقولهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] أو قدرًا كقولِهِ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلي﴾ [المجادلة: ٢١].
وفي حديثِ: أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ أنَّهُم قالوا: يا رسولَ اللهِ! متى وَجَبَتْ لكَ النُّبوَّةُ؟ قالَ: "وآدَمُ بينَ الرُّوحِ والجسدِ" (^٢). خَرَّجَهُ التَرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ (وفي نسخةٍ
_________________
(١) (صحيح). يرويه عبد الله بن شقيق واختلف عليه فيه: فرواه: ابن سعد (٧/ ٥٩)، وأحمد (٥/ ٥٩)، والبخاري في "التاريخ" (٧/ ٣٧٤)، وابن أبي عاصم في "السنّة" (٤١٠)، والبغوي (٣/ ٤٧٠ - إصابة)، وابن قانع (٣/ ١٢٩/ ١١٠٣)، وابن السكن (٣/ ٤٧٠ - إصابة)، والطبراني (٢٠/ ٣٥٣/ ٨٣٣ و٨٣٤)، والآجرّي، وابن عدي (٤/ ١٤٨٦)، والسهمي (ص ٣٩٢)، وأبو نعيم في "الحلية" (٩/ ٥٣، ٧/ ١٢٢)، والبيهقي في "الدلائل" (١/ ٨٤، ٢/ ١٢٩)، والرافعي في "التدوين" (٢/ ٢٤٤)، وابن الأثير في "الغابة" (٤/ ٢٠٦)، والذهبي في "النبلاء" (٧/ ٣٨٤، ١٣/ ٤٥١)؛ من طرق قويّة، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن ميسرة الفجر … رفعه. وهذا سند صحيح. لكن رواه ابن قانع (٢/ ١٢٧/ ٥٩١) من طريق ضعيفة، عن بديل، عن عبد الله، عن ابن أبي الجدعاء … رفعه. فهذه الطريق لا تقوم للطرق الصحيحة السابقة، والمحفوظ عن بديل حديث ميسرة الفجر. ورواه: ابن أبي شيبة (٣٦٥٤٢)، وابن سعد (١/ ١٤٨)، وابن أبي عاصم في "السنّة" (٤١١)، والروياني (١٥٢٧)، والضياء في "المختارة" (٩/ ١٤٢/ ١٢٣ و١٢٤)، والمزّي في "التهذيب" (١٤/ ٣٦٠)؛ من طرق، عن خالد الحذّاء، عن عبد الله بن شقيق، (قال مرّة: قام أبي فقال: يا رسول الله … فذكره مرسلًا، وقال مرّة: عن ابن أبي الجدعاء مرفوعًا، وقال مرّة: قال رجل فذكره مرسلًا). فالوجه الأوّل منكر ضعيف، والثاني قويّ بمجموع طرقه، والثالث جاء من أكثر من وجه صحيح، لكنّ صحابيّه مبهم، وأولى ما يفسّر به هذا المبهم أنّه ابن أبي الجدعاء كما في الوجه الثاني. فالمحفوظ عن بديل أنّ هذا الحديث لميسرة الفجر، والمحفوظ عن الحذّاء أنّه لابن أبي جدعاء، وكلاهما ثقة لا يمكن ردّ روايته بغير حجّة. فإمّا أن يقال: ميسرة الفجر لقب لابن أبي جدعاء والرجلان واحد، وهذا وجيه له ما يؤيّده، وقد ذهب جماعة من أهل العلم إليه. وامّا أن يقال: لابن شقيق في هذا الحديث شيخان سمعه منهما. أو يقال: تردّد ابن شقيق هنا بين صحابيّين. والحديث صحيح على كلّ حال، والتردّد بين صحابيّين لا يضرّ، وقد قوّاه الحاكم والذهبي والهيثمي والعسقلاني والألباني.
(٢) (صحيح). رواه: الترمذي (٥٠ - المناقب، ١ - فضله - - ﷺ -، ٥/ ٥٨٥/ ٣٦٠٩)، وابن حبّان في "الثقات" (١/ ٤٧)، والآجرّي في "الشريعة" (٩٥٩ و٩٦٠)، والحاكم (١/ ٦٠٩)، واللالكائي في "أصول الاعتقاد" (١٤٠٣)، وأبو نعيم في "الدلائل" (٨) و"أخبار أصبهان" (٢/ ٢٢٦)، والبيهقي في "الدلائل"=
[ ٢٠٣ ]
صَحَّحَهُ)، وخَرَّجَهُ الحاكِمُ.
ورَوى ابنُ سَعْدٍ مِن روايةِ: جابِرٍ الجُعْفِيُّ، عن الشَّعْبِيِّ؛ قال: قال رجلٌ للنَّبِيِّ - ﷺ -: متى اسْتُنْبِئْتَ؟ قال: "وآدَمُ بينَ الرُّوحِ والجسدِ، حينَ أُخِذَ منِّي الميثاقُ" (^١). وهذهِ الرِّوايةُ تَدُلُّ على أنَّهُ [- ﷺ -] حينئذٍ اسْتُخْرِجَ مِن ظهرِ آدَمَ ونُبِّئَ وأُخِذَ ميثاقُهُ: فيُحْتَمَلُ أنْ يَكونَ ذلكَ دليلًا على أن استخراجَ ذرِّيَّةِ آدَمَ مِن ظهرِهِ وأخذَ الميثاقِ منهُم كانَ قبلَ نفخِ الرُّوحِ في آدَمَ (^٢).
وقد رُوِيَ هذا عن سَلْمانَ الفارِسِيِّ وغيرِهِ من السَّلفِ.
ويُسْتَدَلُّ لهُ أيضًا بظاهرِ قولِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلمَلائِكَةِ اسْجُدوا لآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]؛ على ما فَسَّرَهُ بهِ مُجاهِدٌ وغيرُهُ؛ أن المرادَ إخراجُ ذرِّيَّةِ آدَمَ مِن ظهرِهِ قبلَ أمرِ الملائكةِ بالسُّجودِ لهُ.
ولكنَّ أكثرَ السَّلفِ على أن استخراجَ ذرّيَّةِ آدَمَ منهُ كانَ بعدَ نفخِ الرُّوحِ فيهِ، وعلى هذا تَدُلُّ أكثرُ الأحاديثِ، فيُحْتَمَلُ على هذا أنْ يَكونَ مُحَمَّدٌ - ﷺ - خُصَّ باستخراجِهِ مِن ظهرِ آدَمَ قبلَ نفخِ الرُّوحِ فيهِ؛ فإنَّ مُحمَّدًا - ﷺ - هوَ المقصودُ مِن خلقِ النَّوعِ
_________________
(١) = (٢/ ١٣٠)، والخطيب في "التاريخ" (٣/ ٧٠، ٥/ ٨٢، ١٠/ ١٤٦)؛ من طرق، عن الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، ثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة … رفعه. قال الترمذي: "حسن صحيح غريب من حديث أبي هريرة لا نعرفه إلّا من هذا الوجه". قلت: صرّح الوليد بالسماع، وبقية السند ثقات معروفون برواية أحدهم عن الآخر، وقد صحّحه الألباني.
(٢) (ضعيف جدًّ). يرويه جابر الجعفيّ واختلف عليه فيه على وجهين: روى الأوَّل: ابن سعد (١/ ١٤٨) من طريق الفضل بن دكين، أنا إسرائيل بن يونس، عن جابر، عن الشعبي … مرسلًا. وروى الثاني: البزّار (٢٣٦٤ - كشف)، والطبرانى في "الكبير" (١٢/ ٧٣/ ١٢٥٧١) و"الأوسط" (٤١٨٧)؛ من طريق نصر بن مزاحم، ثنا قيس بن الربيع، عن جابر، عن الشعبيّ، عن ابن عبّاس … رفعه. ومن البيّن أنّ الوجه الأوّل المرسل هو الراجح هنا لأنّه من رواية الثقات عن جابر، بخلاف الوجه الثاني الذي رواه نصر المتروك عن قيس الذي كان يلقّن. فالجادّة هاهنا الإرسال، والحديث ساقط على إرساله لأنّ جابرًا الجعفي نفسه ساقط في حدّ الترك.
(٣) سبحان الله! لو كان هذا الحديث صحيحًا لما دلّ على ذلك! فكيف وهو واهٍ ساقط؟! فكيف وقد صحّ ما يدل على خلافه من أنّه تعالى استخرج من آدم ذرِّيّته ثم عرضهم عليه فاختار يمين ربّه - وكلتا يديه تعالى يمين مبارك - ثمّ أعطى ابنه داوود من عمره أربعين … إلخ الحديث الصحيح المشهور. وانظر للاستزادة: "قصص الأنبياء" (ص ٩٦ - ط. ابن خزيمة).
[ ٢٠٤ ]
الإنسانيِّ (^١)، وهوَ عينُهُ وخلاصتُهُ (^٢) وواسطةُ عقدِهِ، فلا يَبْعُدُ أنْ يَكونَ أُخْرِجَ مِن ظهرِ آدَمَ عندَ خلقِهِ قبلَ نفخ الرُّوحِ فيهِ (^٣).
وقد رُوِيَ أن آدَمَ ﵇ رَأى اسمَ مُحَمَّد - ﷺ - مكتوبًا على العرشِ، وأنَّ الله ﷿ قالَ لآدَمَ: لولا مُحَمَّدٌ ما خَلَقْتُكَ (^٤). وقد خَرَّجَهُ الحاكِمُ في "صحيحه" (^٥). فيَكونُ حينئذٍ مِن حينَ صُوِّرَ آدَمُ طينًا اسْتُخْرِجَ منهُ مُحَمَّدٌ - ﷺ - ونُبِّئَ وأُخِذَ منهُ الميثاقُ ثمَّ أُعيدَ إلى ظهرِ آدَمَ حتَّى خَرَجَ في وقتِ خروجِهِ الذي قَدَّرَ اللهُ خروجَهُ فيهِ. ويَشْهَدُ لذلكَ ما رُوِيَ عن قَتادَةَ؛ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قالَ: "كُنْتُ أوَّلَ النَّبيينَ في الخلقِ وآخرَهُم في البعثِ" (^٦). وفي روايةٍ: "أوَّلَ النَّاسِ في الخلقِ". خَرَّجَهُ ابنُ سَعْدٍ وغيرُهُ.
_________________
(١) فيه والله نظر، وقد قال تعالى: ﴿لا تغلو في دينكم غير الحقّ﴾، وقال - ﷺ -: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم"، ولا يأمن من قال بهذا القول أن يناله قسط من تلك الآية وهذا الحديث! وما خلق الله الخلق إلَّا ليعبدوه ويوحّدوه ويسجدوا له ويسبّحوه! ومحمّد - ﷺ -؛ فوالله إنّه لصفوة الخلق وسيّد ولد آدم وخليل الرحمن وصاحب الشفاعة العظمى المشهود له بعلوّ الشأن، ومقامه في الدنيا والآخرة أعلى وأرفع من أن يحتاج إلى تشقيقات الصوفيّة التي ما أنزل الله بها من سلطان.
(٢) في خ: "عينه وخاصّته"، والصواب ما أثبتّه من م ون وط.
(٣) لو صحّ الحديث؛ لكان هذا التأويل لا يخلو من نظر! فكيف والحديث ساقط؟!
(٤) (موضوع). رواه: الطبراني في "الأوسط" (٦٤٩٨) و"الصغير" (٩٩٤)، والحاكم (٢/ ٦١٥)، والبيهقي في "الدلائل" (٥/ ٤٨٨)، وابن عساكر (٧/ ٤٣٦)؛ من طريقين واهمتين، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، [عن عمر] … رفعه. قال الهيثمي (٨/ ٢٥٦) عن سند الطبراني: "وفيه من لم أعرفهم". وقال الذهبي عن سند الحاكم: "رواه عبد الله بن مسلم الفهري ولا أدري من ذا". وعبد الرحمن بن زيد واهٍ. فهؤلاء جماعة مجاهيل، تفرّدوا بخبر منكر أسندوه لأحد الضعفاء، ولذلك أعلّ شيخ الإسلام هذا الحديث، وضعّفه البيهقي وابن كثير، وأبطله الذهبي والعسقلاني، وقال الذهبي مرة والألباني: "موضوع".
(٥) فتأمّل ما في وصف "المستدرك" بـ "الصحيح"من البعد عن الصواب.
(٦) (منكر). يرويه قتادة، واختلف عليه فيه متنًا وسندًا: * فرواه: ابن سعد (١/ ١٤٩)، وابن جرير (٢٨٣٥٢)؛ من طريقين قويّتين، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة؛ قال: وذكر لنا أنّه - ﷺ - كان يقول … فذكره. وهذا مرسل قويّ. * ورواه: ابن أبي شيبة (٣١٧٥٣ و٣٤٣٣١) من طريق قويّة، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة؛ قال: كان - ﷺ - إذا قرأ ﴿وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح﴾ يقول: "بدئ بي في الخير، وكنت آخرهم في البعث". وهذا قويّ أيضًا، وهو أدقّ من الأوّل ومفسّر له. * ورواه: ابن سعد في "الطبقات" (١/ ١٤٩)، وابن جرير في "التفسير" (٢٨٣٥٣)؛ من طريق أبي =
[ ٢٠٥ ]
وخَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ (^١) مِن روايةِ قتادَةَ عن الحَسَنِ عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا. والمرسلُ أشبهُ.
وفي روايةٍ عن قَتادَةَ مرسلةٍ: ثمَّ تَلا: ﴿وإذْ أخَذْنا مِن النَّبيِّينَ ميثاقَهُم وَمِنْكَ وَمِنْ نوحٍ وَإبْراهيمَ وَموسى وَعيسى ابن مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]، فبَدَأ بهِ قبلَ نوحٍ الذي هوَ أوَّلُ الرُّسلِ.
فمُحَمَّدٌ - ﷺ - أول الرُّسلِ خَلْقًا وآخرُهُم بعثًا؛ فإنَّهُ اسْتُخْرِجَ مِن ظهرِ آدَمَ لمَّا صُوِّرَ ونُبِّئَ - ﷺ - وأُخِذَ ميثاقُهُ ثمَّ أُعيدَ إلى ظهرِهِ (^٢).
ولا يُقالُ: فقد خُلِقَ آدَمُ قبلَهُ؛ لأنَّ آدَمَ كانَ حينئذٍ مواتًا لا روحَ فيهِ ومُحَمَّدٌ - ﷺ - كانَ حيًّا حينَ اسْتُخْرِجَ ونُبِّئَ وأُخِذَ ميثاقُهُ، فهوَ أوَّلُ النَّبيِّينَ خَلقًا وآخرُهُم بعثًا، فهوَ خاتَمُ النَّبيِّينَ باعتبارِ أنَّ زمانَهُ تَأخَّرَ عنهُم، فهوَ المُقَفِّي والعاقِبُ الذي جاءَ عقبَ الأنبياءِ ويقْفوهُم. قالَ تَعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
وفي الصَّحيحينِ (^٣): عن جابِرٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "مَثَلي ومَثَلُ الأنبياءِ كمَثَلِ
_________________
(١) = هلال، عن قتادة … أرسله مرّة ووقفه مرّة. * ورواه: الحسن بن سفيان (الأحزاب ٧ - الدرّ)، وابن أبي حاتم (الأحزاب ٧ - ابن كثير)، وابن مردويه (الأحزاب ٧ - الدرّ)، والثعلبي في "تفسيره" (٦٦١ - ضعيفة)، وابن لال، وتمّام في "الفوائد" (١٣٩٩)، وأبو نعيم في "الدلائل" (٣)، والبغوي في "التفسير" (٤/ ٤٣٥)؛ من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة … رفعه. وابن بشير ضعيف، وحديثه عن قتادة أضعف من غيره، وقد خالف ابن أبي عروبة الراوي المعياري لقتادة، وهذا حدّ النكارة. وقد عنعن الحسن على تدليسه. فالمعروف هنا الإرسال والوصل منكر، والصواب في هذا أنّه جاء تفسيرًا للآية، ومقصود قتادة أنّ الله سبحانه بدأ في هذه الآية بذكر محمّد - ﷺ - تقديمًا له في الخيريّة. وأمّا في أخذ الميثاق، فقد صحّ عنه - ﷺ - أنّ "أوّلهم نوح ثمّ الأوّل فالأوّل". رواه ابن أبي عاصم في "السنّة" (٤٠٧) بسند حسن. فهذا أولى سندًا ومتنًا وشرعًا وعقلًا من اللفظ الذي ذكره المصنّف، ولذلك عدّه الذهبي وابن كثير والألباني في الغرائب الواهيات.
(٢) لم أقف عليه عند الطبراني، ولا نسبه إليه الهيثمي ولا السيوطي في "الدرّ".
(٣) فيه نظر! وإيراد الواهيات ثمّ الاستناد في الأحكام إليها بنيان على شفا جرف هار. وهذه قضيّة يعاني أهل العلم في تقريرها في أذهان العوامّ، وطالب الحقّ لا يهوله أن يقال هذا؛ لأنّه يعلم أنّ قدر محمّد - ﷺ - أعظم من أن يحتاج لهذه الترّهات، وأنّ رفعة المقام عند الله لا تحسب بأوّليّة ولا آخرية، وكما أنّ تأخّر إبراهيم عن آدم خلقًا وبعثًا لم يحطّ من مقامه ولم ينقص من خلّته فكذلك تأخّر محمّد صلّى الله عليهم أجمعين.
(٤) البخاري (٦١ - المناقب، ١٨ - خاتم النبيّين، ٦/ ٥٥٨/ ٣٥٣٤)، ومسلم (٤٣ - الفضائل، ٧ - كونه =
[ ٢٠٦ ]
رجلٍ بنى دارًا فأكْمَلَها وأحْسَنَها إلَّا موضعَ لَبِنَةٍ، فجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلونَها ويَعْجَبونَ منها ويَقولونَ: لولا موضعُ اللَّبِنَةِ". زادَ مسلمٌ: قالَ: "فجِئْتُ فخَتَمْتُ الأنبياءَ".
وفيهِما أيضًا (^١): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، معناهُ. وفيهِ: "فجَعَلَ النَّاسُ يَطوفونَ بهِ ويَقولونَ: هلَّا وُضِعَتِ اللَبِنَةُ! فأنا اللَبِنَةُ، وأنا خاتَمُ النَّبيِّينَ".
وقدِ اسْتَدَلَّ الإمامُ أحْمَدُ بحديثِ العِرْباضِ هذا على أن النَّبيَّ - ﷺ - لمْ يَزَلْ على التَّوحيدِ منذُ نَشَأ ورَدَّ بذلكَ على مَن زَعَمَ غيرَ ذلكَ.
بل قد يُسْتَدَلُّ بهذا الحديثِ على أنَّهُ - ﷺ - ولِدَ نبيًّا، فإنَّ نبوَّتَهُ وَجَبَتْ لهُ مِن حينَ أُخذَ الميثاقُ منهُ، حيثُ اسْتُخْرِجَ مِن صلبِ آدَمَ، فكانَ نبيًّا مِن حينئذٍ، لكنْ كانَتْ مدَّةُ خروجِهِ إلى الدُّنيا متأخِّرةً عن ذلكَ، وذلكَ لا يَمْنَعُ كونَهُ نبيًّا قبلَ خروجِهِ، كمَن يُوَلَّى ولايةً ويُؤْمَرُ بالتَّصَرُّفِ فيها في زمنٍ مستقبلٍ، فحكمُ الولايةِ ثابتٌ لهُ مِن حينِ ولايتِهِ وإنْ كانَ تصرُّفُهُ يَتَأخَّرُ إلى حينِ مجيءِ الوقتِ.
قالَ حَنْبَلٌ: قُلْتُ لأبي عَبْدِ اللهِ (يَعْني: أحْمَدَ): مَن زَعَمَ أن النَّبيَّ - ﷺ - كانَ على دينِ قومِهِ قبلَ أنْ يُبْعَثَ. قالَ: هذا قولُ سوءٍ، يَنْبَغي لصاحبِ هذهِ المقالةِ أن يُحْذَرَ كلامُهُ ولا يُجالَسَ. قُلْتُ لهُ: إنَّ جارَنا النَّاقدَ أبا العَبَّاسِ يَقولُ هذهِ المقالةَ. قالَ: قاتَلَهُ اللهُ! وأيُّ شيءٍ أبْقى إذا زَعَمَ أن رسولَ اللهِ - ﷺ - كانَ على دينِ قومِهِ وهُم يَعْبُدونَ الأصنامَ؟! قالَ اللهُ تَعالى حاكيًا عن عيسى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسولٍ يَأْتي مِنْ بَعْدي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. قُلْتُ لهُ: وَزَعَمَ أن خَديجَةَ كانَتْ على ذلكَ حينَ تَزَوَّجَها النَّبيُّ - ﷺ - في الجاهليَّةِ. قالَ: أمَّا خديجةُ؛ فلا أقولُ شيئًا، قد كانَتْ أوَّلَ مَن آمَنَ بهِ مِن النِّساءِ. ثمَّ قالَ: ما [ذا] يُحْدِثُ النَّاسُ مِن الكلامِ! هؤلاءِ أصحابُ الكلامِ! مَن أحَبَّ الكلامَ لمْ يُفْلحْ! سبحانَ اللهِ لهذا القولِ! واحْتَجَّ في ذلكَ بكلامٍ لمْ أحْفَظْهُ. وذَكَرَ أن أمَّهُ حينَ وَلَدَتْ رَأتْ نورًا أضاءَ لهُ قصورُ الشَّامِ، أوليسَ هذا عندَما وَلَدَتْ رَأتْ هذا؟! وقبلَ أنْ يُبْعَثَ كانَ طاهرًا مطهَّرًا مِن الأوثانِ، أوليسَ كانَ لا يَأْكُلُ ما ذُبِحَ على
_________________
(١) = - ﷺ - خاتم النبيّين، ٤/ ١٧٩١/ ٢٢٨٧).
(٢) البخاري (الموضع السابق، ٣٥٣٥)، ومسلم (الموضع السابق، ٤/ ١٧٩٠/ ٢٢٨٦).
[ ٢٠٧ ]
النُّصبِ؟! ثمَّ قالَ: أحْذَروا الكلامَ؛ فإنَّ أصحابَ الكلامِ لا يَؤولُ أمرُهُم إلى خيرٍ.
خَرَّجَهُ أبو بَكْرٍ عَبْدُ العَزيزِ بنُ جَعْفَرٍ في كتابِ "السُّنَّة".
ومرادُ أحْمَدَ الاستدلالُ بتقدُّمِ البشارةِ بنبوَّتهِ مِن الأنبياءِ الذينَ قبلَهُ وبِما شوهِدَ عندَ ولادتِهِ مِن الآياتِ على أنَّهُ كانَ نبيًّا مِن قبلِ خروجِهِ إلى الدُّنيا وولادتِهِ، وهذا هوَ الذي يَدُلُّ عليهِ حديثُ العِرْباضِ هذا؛ فإنَّهُ - ﷺ - ذَكَرَ فيهِ أن نبوَّتَهُ كانَتْ حاصلةً منذُ كانَ آدَمُ مُنْجَدِلًا في طينتِهِ، والمرادُ بالمُنْجَدِلِ الطَّريحُ الملقى على الأرضِ قبلَ نفخِ الرُّوحِ فيهِ، ويُقالُ للقتيلِ إنَّهُ مُنْجَدِل لذلكَ.
• ثمَّ اسْتَدَلَّ - ﷺ - على سبقِ ذكرِهِ والتَّنويهِ باسمِهِ ونبوَّتِهِ وشرفِ قدرِهِ لخروجِهِ إلى الدُّنيا بثلاثِ دلائلَ، وهوَ مرادُهُ بقولِهِ: "وسَأنبِّئُكُم بتأْويلِ ذلكَ".
• الدَّليلُ الأوَّلُ: دعوةُ [أبيهِ] إبْراهيمَ ﵇. وأشارَ بذلكَ إلى ما قَصَّ اللهُ في كتابِهِ العزيزِ عن إبْراهيمَ وإسْماعيلَ أنَّهُما قالا عندَ بناءِ البيتِ الذي بمَكَّةَ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧ - ١٢٩]. فاسْتَجابَ اللهُ دعاءَهُما وبَعَثَ في أهلِ مَكَّةَ منهُم رسولًا بهذهِ الصِّفةِ مِن ولدِ إسْماعيلَ الذي دَعا معَ أبيهِ إبْراهيمَ ﵉ بهذا الدُّعاءِ.
وقدِ امْتَنَّ اللهُ تَعالى على المؤمنينَ ببعثِ هذا النَّبيِّ منهُم على هذهِ الصِّفةِ التي دَعا بها إبْراهيمُ وَإسْماعيلُ:
قالَ اللهُ ﷿: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وقالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ
[ ٢٠٨ ]
الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٢ - ٤]
ومعلومٌ أنَّهُ لمْ يُبْعَثْ في مَكَّةَ رسولٌ منهُم بهذهِ الصِّفةِ غيرُ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، وهوَ مِن ولدِ إسْماعيلَ، كما أن أنبياءَ بني إسرائيلَ مِن ولدِ إسْحاقَ.
وذَكَرَ تَعالى أنَّهُ مَنَّ على المؤمنينَ بهذهِ الرِّسالةِ، فليسَ للهِ نعمةٌ أعظمُ مِن إرسالِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - يَهْدي إلى الحقِّ وإلى طريقٍ مستقيمٍ.
وقولُهُ ﴿في الأُمَيِّينَ﴾ - والمرادُ بهِمُ العربُ - تنبيهٌ لهُم على قدرِ هذهِ النِّعمةِ وعظمِها، حيثُ كانوا أُمِّيِّينَ لا كتابَ لهُم، وليسَ عندَهُم شيءٌ مِن آثارِ النُّبوَّاتِ، كما كانَ عندَ أهلِ الكتابِ، فمَنَّ اللهُ عليهِم بهذا الرَّسولِ وبهذا الكتابِ، حتَّى صاروا أفضلَ الأُممِ وأعلمَهُم، وعَرَفوا ضلالةَ مَن ضَلَّ مِن الأُممِ مِن قبلِهِم.
وفي كونهِ منهُم فائدتانِ:
إحداهُما: أن هذا الرَّسولَ كانَ أيضًا أُمِّيًّا كأُمَّتِهِ المبعوثِ إليهِم: لمْ تقْرَأْ كتابًا قطُّ ولمْ يَخُطَّهُ بيمينِهِ، كما قالَ تَعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتاب وَلا تَخُطُّهُ بِيَمينِكَ …﴾ الآياتِ [العنكبوت: ٤٨]. ولا خَرَجَ عن ديارِ قومِهِ فأقامَ عندَ غيرِهِم حتَّى تَعَلَّمَ منهُم شيئًا، بلْ لمْ يَزَلْ أُمِّيًّا بينَ أُمَّةٍ أُمَيَّةَ لا يَكْتُبُ ولا يقرَأُ حتَّى كَمَّلَ الأربعينَ مِن عُمُرِهِ، ثمَّ جاءَ بعدَ ذلكَ بهذا الكتاب المبينِ وهذهِ الشَّريعةِ الباهرةِ وهذا الدِّينِ القيِّمِ الذي اعْتَرَفَ حذَّاقُ أهلِ الأرضِ ونظَّارُهُم أنَّهُ لمْ يَقْرَعِ العالَمَ ناموس أعظمُ منهُ. وفي هذا برهانٌ ظاهرٌ على صدقِهِ.
والفائدةُ الثَّانيةُ: التَّنبيهُ على أن المبعوثَ منهُم - وهُمُ الأمِّيُّونَ خصوصًا أهلَ مَكَّةَ - يَعْرِفونَ نسبَهُ وشرفَهُ وصدقَهُ وأمانتَهُ وعفَّتَهُ، وأنَّهُ نَشَأ بينَهُم معروفًا بذلكَ كلِّهِ، وأنَّهُ لمْ يَكْذِبْ قطُّ، فكيفَ كانَ يَدَعُ الكذبَ على النَّاسِ ثمَّ يَفْتَري الكذبَ على اللهِ، هذا هوَ الباطلُ، ولذلكَ سَألَ هِرَقْلُ عن هذهِ الأوصافِ، واسْتَدَلَّ بها على صدقِهِ فيما ادَّعاهُ مِن النُّبوَّةِ والرسالةِ.
وقولُهُ تَعالى: ﴿يَتْلو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾؛ يَعْني: يَتْلو عليهِم ما أَنْزَلَ اللهُ عليهِ مِن آياتِهِ المتلوَّةِ، وهوَ القرآنُ، وهوَ أعظمُ الكتبِ السَّماويَّةِ، وقد تَضَمَّنَ مِن العلومِ والحكمِ
[ ٢٠٩ ]
والمواعظِ والقصصِ والتَّرغيبِ والتَّرهيبِ وذكرِ أخبارِ مَن سَبَقَ وأخبارِ ما يَأْتي مِن البعثِ والنُّشورِ والجنَّةِ والنَّارِ ما لمْ يَشْتَمِلْ عليهِ كتابٌ غيرُهُ، حتَّى قالَ بعضُ العلماءِ: لوْ أنَّ هذا الكتابَ وُجِدَ مكتوبًا في مصحفٍ في فلاةٍ مِن الأرضِ ولمْ يُعْلَمْ مَن وَضَعَهُ هناكَ؛ لشَهِدَتِ العقولُ السَّليمةُ أنَّهُ منزَّل مِن عندِ اللهِ وأنَّ البشرَ لا قدرةَ لهُم على تأْليفِ ذلكَ، فكيفَ إذا جاءَ على يدي أصدقِ الخلقِ وأبرِّهِم وأتقاهُم، وقالَ: إنَّهُ كلامُ اللهِ، وتَحَدَّى الخلقَ كلَّهُم أنْ يَأْتوا بسورةٍ مِن مثلِهِ فعَجَزوا؟! فكيفَ يَبْقى معَ هذا شكٌّ فيهِ؟!
ولهذا قالَ تَعالى: ﴿ذلكَ الكتابُ لا رَيْبَ فيهِ﴾ [البقرة: ٢]. وقالَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنَّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١].
فلو لمْ يَكُنْ لمُحَمَّدٍ مِن المعجزاتِ الدَّالَّةِ على صدقِهِ غيرُ هذا الكتابِ؛ لَكَفاهُ؛ فكيفَ ولهُ مِن المعجزاتِ الأرضيَّةِ والسَّماويَّةِ ما لا يُحْصى؟!
وقولُهُ تَعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾؛ يَعْني: أنَّهُ يُزَكِّي قلوبَهُم ويُطَهِّرُها مِن أدناسِ الشِّركِ والفجورِ والضَّلالِ؛ فإنَّ النُّفوسَ تَزْكو إذا طَهُرَتْ مِن ذلكَ كلِّهِ، ومَن زَكَتْ نفسُهُ؛ فقد أفْلَحَ، كما قالَ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَنْ زَكَاها﴾ [الشمس: ٩]، وقالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤].
وقولُهُ تَعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ﴾؛ يَعْني بالكتابِ: القرآنَ، والمرادُ تعليمُهُم تلاوةَ ألفاظِهِ. ويَعْني بالحكمةِ: فهمَ معاني القرآنِ والعملَ بما فيهِ. فالحكمةُ هيَ فهمُ القرآنِ والعملُ بهِ، فلا يُكْتَفى بتلاوةِ ألفاظِ الكتابِ حتَّى يُعْلَمَ معناهُ ويُعْمَلَ بمقتضاهُ، فمَن جُمِعَ لهُ ذلكَ كلُّهُ؛ فقد أُوتِيَ الحكمةَ. قالَ تَعالى: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].
قالَ الفُضَيْلُ: العلماءُ كثيرٌ، والحكماءُ قليلٌ.
وقالَ: الحكماءُ ورثةُ الأنبياءِ.
فالحكمةُ هيَ العلمُ النَّافعُ الذي يَتْبَعُهُ العملُ الصَّالحُ، وهيَ نورٌ يُقْذَفُ في القلبِ يُفْهَمُ بهِ معنى العلمِ المنزَّلِ مِن الماءِ ويَحُضُّ على اتِّباعِهِ والعملِ بهِ. ومَن قالَ: الحكمةُ السُّنَّةُ؛ فقولُهُ حقٌّ؛ لأنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ القرآنَ وتُبَيِّنُ معانيَهُ وتَحُضُّ على اتِّباعِهِ
[ ٢١٠ ]
والعملِ بهِ، فالحكيمُ هوَ العالمُ المستنبطُ لدقائقِ العلمِ المنتفعُ بعلمِهِ بالعملِ بهِ.
ولأبي العَتاهِيَةِ:
وَكَيْفَ تُحِبُّ أنْ تُدْعى حَكيمًا … وَأنْتَ لِكُلِّ ما تَهْوى رَكوبُ
وَتَضْحَكُ دائِبًا ظَهْرًا لِبَطْنٍ … وَتَذْكُرُ ما عَمِلْتَ فَلا تَتوبُ
وقولُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كانوا مِنْ قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبينٍ﴾ [الجمعة: ٢]؛ إشارةً إلى ما كانَ النَّاسُ عليهِ قبلَ إنزالِ هذا الكتابِ مِن الضَّلالِ؛ فإنَّ الله نَظَرَ حينئذ إلى أهلِ الأرضِ فمَقَتَهُم؛ عربَهُم وعجمَهُم؛ إلَّا بقايا مِن أهلِ الكتابِ تَمَسَّكوا بدينِهِمُ الذي لمْ يُبَدَّلْ ولمْ يُغَيَّرْ وكانوا قليلًا جدًّا. فأمَّا عامَّةُ أهلِ الكتابِ؛ فكانوا قد بَدَّلوا كتبَهُم وغَيَّروها وحَرَّفوها وأدْخَلوا في دينِهِم ما ليسَ منهُ فَضَلُّوا وأضَلُّوا. وأمَّا غيرُ أهلِ الكتابِ؛ فكانوا على ضلال بيِّنٍ: فالأُمِّيُّونَ أهلُ شركٍ يَعْبُدونَ الأوثانَ، والمجوسُ يَعْبُدونَ النِّيرانَ ويَقولونَ بإلهينِ اثنينِ، وكذلكَ غيرُهُم مِن أهلِ الأرضِ؛ منهُم مَن كانَ يَعْبُدُ النُّجومَ، ومنهُم مَن كانَ يَعْبُدُ الشَّمسَ أوِ القمرَ.
فهَدى اللهُ المؤمنينَ بإرسالِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - إلى ما جاءَ بهِ مِن الهدى ودينِ الحقِّ، وأظْهَرَ اللهُ دينَهُ حتَّى بَلَغَ مشارقَ الأرضِ ومغاربَها، فظَهَرَتْ فيها كلمةُ التَّوحيدِ والعملِ بالعدلِ بعدَ أنْ كانَتِ الأرضُ كلُّها ممتلئةً مِن ظلمةِ الشِّركِ والظُّلمِ.
فالأُمِّيُّونَ همُ العربُ، والآخرونَ الذينَ لمْ يَلْحَقوا بهِم هُم أهلُ فارسَ والرُّومُ. فكانَتْ أهلُ فارسَ مجوسًا والرُّومُ نصارى، فهَدى اللهُ جميعَ هؤلاءِ برسالةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - إلى التَّوحيدِ.
وقد رُئِيَ الإمامُ أحْمَدُ بعدَ موتِهِ في المنامِ، فسُئِلَ عن حالِهِ، فقالَ: لولا هذا النَّبيُّ؛ لَكُنَّا مجوسًا. وهوَ كما قالَ؛ فإنَّ أهلَ العراقِ لولا رسالةُ مُحَمَّدٍ - ﷺ -[لَـ]ـكانوا مجوسًا، وأهلَ الشَّامِ ومِصْرَ والرُّومَ لولا مُحَمَّد - ﷺ - لَكانوا نصارى، وأهلَ جزيرةِ العربِ لولا رسالةُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لَكانوا مشركينَ عُبَّادَ أوثانٍ. ولكنْ رَحِمَ اللهُ عبادَهُ بإرسالِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، فأنْقَذَهُم مِن الضَّلالِ، كما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. ولهذا قالَ تَعالى: ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ
[ ٢١١ ]
ذو الفَضْلِ العَظيمِ﴾ [الجمعة: ٤]. فمَن حَصَلَ لهُ نصيبٌ مِن دينِ الإسلامِ؛ فقد حَصَلَ لهُ الفضلُ العظيمُ، وقد عَظُمَتْ عليهِ نعمةُ اللهِ، فما أحْوَجَهُ إلى القيامِ بشكرِ هذهِ النِّعمةِ وسؤالِهِ دوامَها والثَّباتَ عليها إلى المماتِ والموتَ عليها، فبذلكَ تَتِمُّ النِّعمةُ.
فإبْراهيمُ ﵇ هوَ إمامُ الحنفاءِ المأْمورُ مُحَمَّدٌ - ﷺ - ومَن قبلَهُ مِن الأنبياءِ بالاقتداء بهِ، وهوَ الذي جَعَلَهُ اللهُ للنَّاسِ إمامًا. وقد دَعا هوَ وابنُهُ إسْماعيلُ بأنْ يَبْعَثَ اللهُ في أهلِ مَكَّةَ رسولًا منهُم موصوفًا بهذهِ الأوصافِ، فاسْتَجابَ اللهُ لهُما وجَعَلَ هذا النَّبيَّ المبعوثَ فيهِم مِن ولدِ إسْماعيلَ بن إبْراهيمَ كما دَعَيا بذلكَ، وهوَ النَّبيُّ الذي أظْهَرَ دينَ إبْراهيمَ الحنيفَ بعدَ اضمحلالِهِ وخفائِهِ على أهلِ الأرضِ. فلهذا كانَ أولى النَّاسِ بإبْراهيمَ: كما قال تَعالى: ﴿إنَّ أوْلى النَّاسِ بِإبْراهيمَ لَلَّذينَ اتَّبَعُوهُ وَهذا النَّبيُّ وَالَّذينَ آمَنوا﴾ [آل عمران: ٦٨]. وقال - ﷺ -: "إنَّ لكلِّ نبي وليًّا مِن النَّبيِّينَ وإن وليي إبْراهيمُ (ثمَّ تَلا هذهِ الآيةَ) " (^١). وكانَ - ﷺ - أشبهَ ولدِ إبْراهيمَ بهِ صورةً ومعنًى، حتَّى إنَّهُ أشْبَهَهُ في خُلَّةِ اللهِ تَعالى، فقال: "إنَّ الله اتَّخَذني خليلًا كما اتَّخَذَ إبْراهيمَ خليلًا" (^٢).
• الثَّاني: بشارةُ عيسى ﵇ بهِ، وعيسى آخرُ أنبياءِ بني إسرائيلَ، وقد قال
_________________
(١) (صحيح). رواه: وكيع في "تفسيره" (آل عمران ٦٨ - ابن كثير)، وأحمد (١/ ٤٠٠ و٤٢٩)، وعبد بن حميد، والترمذي (٤٨ - التفسير، ٤ - آل عمران، ٥/ ٢٢٣/ ٥٩٩٥)، والبزّار (١٩٧٣ و١٩٨١)، والطبري (٧٢١٢ و٧٢١٣)، وابن أبي حاتم (ص ٦٠ - أسباب النزول)، والحاكم (٢/ ٢٩٢ و٥٥٣)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص ٦٠)؛ من طرق، عن الثوري، عن أبيه سعيد بن مسروق، عن أبي الضحى، [عن مسروق]، عن ابن مسعود … رفعه. وهؤلاء ثقات رجال الشيخين. لكن قال البزار: "لا نعلم أحدًا وصله إلّا أبو أحمد الزبيري عن الثوري، ورواه غيره عن الثوري عن أبيه عن أبي الضحى عن ابن مسعود". قلت: بلى وصله أيضًا محمّد بن عمر الواقدي ومحمّد بن عبيد الطنافسيّ عند الحاكم، والواقديّ متّهم، والزبيريّ يخطئ في حديث الثوري، والطنافسيّ ثقة حافظ من رجال الشيخين، فالأصل فيما زاده القبول، لكنّه خالف الفضل بن دكين ويحيى القطّان وعبد الرحمن بن مهدي ووكيعًا، وهؤلاء جبال أسقطوا مسروقًا، فلا يطمئنّ القلب إلى رواية من خالفهم، ولذلك قال الترمذي في روايتهم: "هذا أصحّ من حديث أبي الضحى عن مسروق". ثمّ وجدت سعيد بن منصور رواه في "السنن" (٥٠١) عن أبي الأحوص، عن سعيد، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود، .. رفعه. وأبو الأحوص ثقة متقن، ومتابعته تزيدنا ثقة بأنّ لرواية من أثبت مسروقًا في هذا السند أصلًا أصيلًا. وقد صحّح الحاكم هذا الحديث على شرطهما ووافقه الذهبي والألباني.
(٢) رواه مسلم (٥ - المساجد، ٣ - بناء المساجد على القبور، ١/ ٣٧٧/ ٥٣٢) عن جندب البجليّ.
[ ٢١٢ ]
تَعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].
وقد كانَ المسيح ﵇ يَحُضُّ على اتِّباعِهِ وتقولُ: إنَّهُ يُبْعَثُ بالسَّيفِ، فلا يَمْنَعَنَّكُمْ ذلكَ منهُ.
ورُوِيَ عنهُ ﵇ أنَّهُ قالَ: سوفَ أذْهَبُ أنا ويَأْتي الذي بعدي، لا يَتَحَمَّدُكُمْ بدعواهُ (^١)، ولكنْ يَسُل السَّيفَ فتَدْخُلونَهُ طوعًا وكرهًا.
وفي "المسند": عن أبي الدَّرْداءِ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ أن الله ﷿ أوْحى إلى عيسى ﵇: "إنِّي باعثٌ بعدَكَ أمَّةً: إنْ أصابَهُمْ ما يُحِبُّونَ؛ حَمِدوا وشَكَروا، وإنْ أصابَهُم ما يَكْرَهونَ؛ احْتَسَبوا وصَبَروا، ولا حِلْمَ ولا عِلْمَ. قالَ: يا ربِّ! كيفَ هذا ولا حِلْمَ ولا عِلْمَ؟! قالَ: أُعْطيهِم مِن حِلْمي وعِلْمي" (^٢).
قالَ ابنُ إسْحاقَ: حَدَّثَني بعضُ أهلِ العلم؛ أن عيسى ﵇ قالَ: إنّ أحَبَّ الأُممِ إلى اللهِ لأُمَّةُ أحْمَدَ - ﷺ -. قيلَ لهُ: وما فضلُهُمُ الذي تَذْكُرُ؟ قالَ: لمْ تُذَلَّلْ لا إلهَ إلَّا اللهُ على ألسنِ أُمَّةٍ مِن الأُممِ تذليلَها على ألسنتِهِم.
• الثَّالثُ ممَّا دَلَّ على نبوَّتِهِ - ﷺ - قبلَ ظهورِهِ: رؤيا أمِّهِ التي رَأتْ أنَّهُ خَرَجَ منها نورٌ أضاءَتْ لهُ قصورُ الشَّامِ، وذَكَرَ أن أُمَّهاتِ النَّبيِّينَ كذلكَ يَرَيْنَ.
_________________
(١) لا يداريكم وينتظر رضاكم كما يفعل المسلمون اليوم.
(٢) (ضعيف). رواه: أحمد (٦/ ٤٥٠)، والبخاري في "التاريخ" (٨/ ٣٥٥)، والبزّار (٢٨٤٥ - كشف)، والطبراني في "الأوسط" (٣٢٧٦) و"الشاميين" (٢٠٥٠)، والحاكم (١/ ٣٤٨ و٤٩٩)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٢٧، ٥/ ٢٤٣)، والبيهقي في "الشعب" (٤٤٨٢ و٩٩٥٣)؛ من طريق أبي حلبس يزيد بن ميسرة، سمعت أمّ الدرداء، سمعت أبا الدرداء … رفعه. قال الحاكم: "على شرط البخاري"، ووافقه المنذري والذهبي. وقال الهيثمي (١٠/ ٧١): "رجال الصحيح غير الحسن بن سوار وأبي حلبس يزيد بن ميسرة، وهما ثقتان". قلت: الحسن صدوق توبع. وأبو حلبس تابعيّ شاميّ مشهور، روى عنه جماعة من الثقات الأجلّة، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وترجم له صاحب "الحلية" بما يفيد صلاحه في نفسه، فحقّه أن يحسّن له، لولا أنّه أكثر من قراءة كتب أهل الكتاب ورواية أخبارهم ومواعظهم ولم يعن بالحديث المرفوع فلا يعرف له إلّا حديثان، وعلى هذا فلا يطمئنّ القلب إلى تقوية ما تفرّد بإسناده من جنس الإسرائيليّات إلى النبيّ - ﷺ -؛ فإنّ الفصل بين المرفوع والخبر الإسرائيليّ يحتاج إلى الثقات الأثبات. والله أعلم.
[ ٢١٣ ]
والرُّؤيا هنا إنْ أُريدَ بها رؤيا المنامِ:
فقدْ رُوِيَ أنَّ آمِنَةَ بنتَ وَهْبٍ رَأتْ في أوَّلِ حملِها بالنَّبيِّ - ﷺ - أنَّها بُشِّرَتْ بأنَّهُ يَخْرُجُ منها عندَ ولادتِها نورٌ تُضيءُ لهُ قصورُ الشَّامِ (^١).
ورَوى الطَّبَرانِي بإسنادِهِ: عن أبي مَرْيَمَ (^٢) الكِنْدِيِّ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ أنَّهُ سُئِلَ: أيُّ شيءٍ كانَ أوَّل مِن أمرِ نبوَّتكَ؟ قالَ: "أخَذَ اللهُ منِّي الميثاقَ كما أخَذَ مِن النَّبيِّينَ ميثاقَهُم (وتَلا: ﴿[وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ ميثاقَهُمْ] (^٣) وَمِنْكَ وَمِنْ نوحٍ﴾ الآيةَ [الأحزاب: ٧])، وبُشرى المسيحِ بن مَرْيَمَ، ورَأتْ أُمُّ رسولِ اللهِ - ﷺ - في منامِها أنَّهُ خَرَجَ مِن بين يديها سراجٌ أضاءَتْ لها منهُ قصورُ الشَّامِ". ثمَّ قالَ: "ووراءَ ذلكَ"؛ مرَّتينِ أو ثلاثًا (^٤).
* وإنْ أُريدَ بها رؤيةُ عينٍ: كما قالَ ابنُ عَبَّاسٍ في قولِ اللهِ تَعالى ﴿وَما جَعَلْنا الرُّؤيا التي أرَيْناكَ إلَّا فِتْنةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]: إنَّها رؤيةُ عينٍ أُرِيَها رسولُ اللهِ - ﷺ - ليلةَ أُسْرِيَ بهِ؛ فقدْ رُوِيَ أن آمِنَةَ رَأتْ ذلكَ عندَ ولادةِ النَّبيِّ - ﷺ -.
قالَ ابنُ إسْحاقَ: كانَتْ آمِنَةُ بنتُ وَهْبٍ تُحَدِّثُ أنَّها أُتِيَتْ حينَ حَمَلَتْ برسولِ اللهِ - ﷺ -، فقيلَ لها: إنَّكِ حَمَلْتِ بسيِّدِ هذهِ الأُمَّةِ، فإذا وَقَعَ إلى الأرضِ؛ فقولي: أُعيذُهُ
_________________
(١) ذكره ابن إسحاق في "السيرة" (ص ٢٢/ نصّ ٢٨) بغير سند، وسيأتي لفظه في الصفحة التالية. وفي استشهاد المصنّف يرحمه الله به هنا نظر؛ لأنّ البشارة بخروج النور - إن صحّت - دليل على أنّ النور سيخرج حقيقة عند الولادة. نعم؛ يمكن أن يستشهد للرؤيا المناميّة بحديث خالد بن معدان الصحيح عن نفر من الصحابة، وقد تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٢٠١). ويستأنس لها أيضًا بحديث شدّاد بن أوس عند: ابن جرير (١/ ٤٥٦)، وابن عساكر (٤/ ٤٦٦ - ٤٧٠)؛ على ضعف فيه.
(٢) في خ وم: "عن أبي مرّة"، والصواب ما أثبتّه من ن وط، وهو صحابيّ اسمه عمرو بن مرّة، ولعلّه من هنا جاء التحريف. والله أعلم.
(٣) ليست في خ وم ون، استفدتها من ط و"المعجم الكبير".
(٤) (حسن بشواهده). رواه: ابن أبي عاصم في "المولد" (٢/ ٢٩٢ - بداية) و"الآحاد" (٢٤٤٦)، والطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٣٣٣/ ٨٣٥) و"الشاميّين" (٩٨٤)، وابن مردويه (الأحزاب ٧ - الدرّ)، وأبو نعيم في "الدلائل"؛ من طريق بقيّة، ثنا صفوان بن عمرو، عن حجر بن مالك (وقال الطبراني: حجر بن حجر) الكندي، عن أبي مريم الكندي … رفعه. قال الهيثمي (٨/ ٢٢٧): "رجاله وثّقوا". قلت: حجر بن حجر مجهول أن وثّقه ابن حبّان. لكن يشهد لأوّله حديث أُبيّ بن كعب عند ابن أبي عاصم في "السنّة" (٤٠٧)، ولآخره حديث العرباض المتقدّم أوَّل هذا المجلس وشواهده المذكورة فيه، فهو حسن بهذه الشواهد.
[ ٢١٤ ]
بالواحدِ مِن شرِّ كلِّ حاسدٍ، وآيةُ ذلكَ أنْ يَخْرُجَ معَهُ نورٌ يَمْلأُ قصورَ بُصْرى مِن أرضِ الشَّامِ، فإذا وَقَعَ؛ [فـ]ـسَمِّيهِ مُحَمَّدًا؛ فإنَّ اسمَهُ في التَّوراةِ أحْمَدُ يَحْمَدُهُ أهلُ السَّماءِ وأهلُ الأرضِ، واسمُهُ في الإنجيلِ أحْمَدُ يَحْمَدُهُ أهلُ السَّماءِ وأهلُ الأرضِ، واسمُهُ في القرآنِ مُحَمَّد (^١).
وذَكَرَ ابنُ سَعْدٍ عن الواقِدِيِّ بأسانيدَ [لهُ] متعدِّدةٍ؛ أن آمِنَةَ بنتَ وَهْب قالَتْ: لقدْ عَلِقْتُ بهِ (تَعْني: النَّبيَّ - ﷺ -)، فما وَجَدْتُ لهُ مشقَّةً حتَّى وَضَعْتُهُ، فلمَّا فُصِلَ منِّي؛ خَرَجَ معَهُ نورٌ أضاءَ لهُ ما بينَ المشرقِ إلى المغرب، ثمَّ وَقَعَ إلى الأرضِ (^٢) معتمدًا على يديهِ، ثمَّ أخَذَ قبضةً مِن التُّرابِ فقَبَضها ورَفَعَ رأسَهُ إلى السَّماءِ. وفي حديثِ بعضِهِم: وَقَعَ جاثيًا على ركبتيهِ، وخَرَجَ معَهُ نور أضاءَتْ لهُ قصورُ الشَّامِ وأسواقُها، حتَّى رُئِيَتْ أعناق الإبلِ ببُصْرى، رافعًا رأْسَهُ إلى السَّماءِ (^٣).
ورَوى البَيْهَقِيُّ بإسنادهِ: عن عُثْمانَ بن أبي العاصِ، حَدَّثَتْني أُمِّي؛ أنَّها شَهِدَتْ ولادةَ آمِنَةَ بنتِ وَهْبٍ رسولَ اللهِ - ﷺ - ليلةَ وَلَدَتْهُ؛ قالَتْ: فما شيءٌ أنْظُرُ إليهِ مِن البيتِ إلَّا نورٌ، وإنِّي أنْظُرُ إلى النُّجومِ تَدْنو حتَّى إنِّي لأقولُ: لَيَقَعُنَّ عليَّ (^٤).
وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حديثِ: عُتْبَةَ بن عَبْدٍ السُّلَمِيِّ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ أن أُمَّهُ
_________________
(١) (ضعيف). ذكره ابن إسحاق في "السيرة" (ص ٢٢/ نصّ ٢٨) بغير سند. وعنه: ابن هشام (١/ ٢٩٣)، وابن جرير في "التاريخ" (١/ ٤٥٣)، والبيهقي في "الدلائل" (١/ ٨٢ و١١١)، وابن عساكر في "التاريخ" (٣/ ٨٢). ورواه ابن سعد (١/ ٩٨) مسندًا من طريق الواقدي، والواقديّ متّهم لا يفرح بمسنداته.
(٢) في خ ون: "على الأرض"، والأولى ما أثبتّه من م وط.
(٣) (ضعيف جدًّا). رواه: ابن سعد في "الطبقات" (١/ ١٠١ و١٥٠ و١٥١)، وابن عساكر (٣/ ٧٩ و٨٦)؛ من طريق الواقدي بأسانيد له خمسة، وأسانيد الواقدي ممّا لا يفرح به لتهمته، وتفرّده بالأسانيد الكثيرة لمتن ما لا يزيد المرء إلَّا ارتيابًا به وترجيحًا لعدم صحَّته.
(٤) (موضوع). رواه: الطبري في "التاريخ" (١/ ٤٥٤)، والطبراني في "الكبير" (٢٥/ ١٤٧/ ٣٥٥)، وأبو نعيم في "الدلائل" (٧٦)، والبيهقي في "الدلائل" (١/ ١١٠)، وابن عساكر (٣/ ٧٨)؛ من طريق يعقوب بن محمّد الزهري، ثنا عبد العزيز بن عمران، عن عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن ابن أبي سويد الثقفي، عن عثمان … به. قال الهيثمي (٨/ ٢٢٣): "فيه عبد العزيز بن عمران وهو متروك". قلت: والزهريّ ليّن، وعبد الله بن عثمان مجهول، وابن أبي سويد - وهو محمّد - مجهول أيضًا. فالسند ساقط، والمتن شبه الموضوع.
[ ٢١٥ ]
قالَتْ: إنِّي رَأيْتُ خَرَجَ منِّي نورٌ أضاءَتْ منهُ قصورُ الشَّامِ (^١).
ورَوى: ابنُ إسْحاقَ، عن جَهْمِ بن أبي جَهْمٍ، عن عَبْدِ اللهِ بن جَعْفَرٍ، عمَّن حَدَّثَ، عن حَليمَةَ أُمِّ النَّبيِّ - ﷺ - التي أرْضَعَتْهُ، أن آمِنَةَ بنتَ وَهْبٍ حَدَّثَتْها؛ قالَتْ: إنِّي حَمَلْتُ بهِ فلمْ أرَ حملًا قطُّ كانَ أخفَّ عليَّ منهُ ولا أعظمَ بركةً منهُ، لقد رَأيْتُ نورًا كأنَّهُ شهابٌ خَرَجَ منِّي حينَ وَضَعْتُهُ، أضاءَتْ لهُ أعناقُ الإبلِ ببُصْرى (^٢).
وخروجُ هذا النُّورِ عندَ وضعِهِ إشارةٌ إلى ما يَجيءُ بهِ مِن النُّورِ الذي اهْتَدى بهِ أهلُ الأرضِ وزالَ بهِ ظلمةُ الشِّركِ منها: كما قالَ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نورٌ وَكِتابٌ مُبينٌ. يَهْدي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ
_________________
(١) (حسن صحيح). قطعة من حديث طويل رواه: يحيى بن معين في "التاريخ" (٢٢٠)، وأحمد (٤/ ١٨٤)، والدارمي (١/ ٨)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (١٣٦٩ و١٣٧٠)، والطبراني في "الكبير" (١٧/ ١٣١/ ٣٢٣) و"الشاميّين" (١١٨١)، والحاكم (٢/ ٦١٦)، والبيهقي في "الدلائل" (٢/ ٧)، وابن عساكر (٣/ ٤٦٤)؛ من طريق بقيّة بن الوليد، ثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو بن عبسة، عن عتبة بن عبد السلمي … رفعه في سياق. قال الهيثمي: "إسناد أحمد حسن". قلت: صرّح بقيّة بالتحديث، وسائر السند بين ثقة وصدوق معروفون برواية أحدهم عن الآخر، فالسند حسن، وقد تقدّمت في هذا المجلس شواهد عدّة تصحّحه.
(٢) (ضعيف). قطعة من حديث رضاع النبي - ﷺ -. وقد رواه: ابن إسحاق في "السيرة" (ص ٢٦/ نصّ ٣٢). وعنه: ابن هشام (١/ ٢٩٨)، وأبو يعلى (٧١٦٣)، والطبري في "التاريخ" (١/ ٤٥٥)، وابن حبّان (٦٣٣٥)، والطبراني (٢٤/ ٢١٢/ ٥٤٥)، والآجرّي في "الشريعة" (٩٧٧)، وأبو نعيم في "الدلائل" (٩٤)، والبيهقي في "الدلائل" (١/ ١٣٣)، وابن عساكر (٣/ ٨٨ - ٩٢)، والرافعي في (٢/ ٤٤٨)، وابن الأثير (٥/ ٢٥٢)؛ عن ابن إسحاق، ثني جهم بن أبي جهم، عن عبد الله بن جعفر، عن حليمة السعديّة … به. قال الهيثمي (٨/ ٢٢٤): "رواه أبو يعلى والطبراني بنحوه؛ إلّا أنّه قال: حدّثتني حليمة بنت أبي ذؤيب، ورجالهما ثقات". قلت: صرّح ابن إسحاق بالتحديث. وجهم لا بأس بحديثه، لكن جاء في كثير من مصادر الحديث: "حدّثني من سمع عبد الله بن جعفر"، فالظاهر أنّه لم يسمع منه. وأمّا تصريح عبد الله بن جعفر بسماعه من حليمة ففيه نظر، وقد وقع في كثير من مصادر الحديث: "حُدّثت عن حليمة"، وليس بالقادح، فمراسيل الصحابة مقبولة، وإنّما القادح هنا الانقطاع بين جهم وابن جعفر، فالسند ضعيف. قال ابن كثير: "قد روي من طرق أُخر، وهو من الأحاديث المشهورة المتداولة بين أهل السير والمغازي". قلت: أمّا عن حليمة؛ فلم أقف له على طريق أُخرى. وأمّا عن غيرها؛ فبأسانيد الواقدي الساقطة. نعم؛ خروج النور قد صحّ من غير ما وجه، وأمّا غالب تفاصيل الحديث وكلام آمنة بنت وهب؛ فلم أقف له على شاهد يصلح للتقوية، وإنما هي مراسيل مختصرة لعلّ مرجعها إلى هذه الطريق.
[ ٢١٦ ]
بِإذْنِهِ وَيَهْديهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. وقالَ تَعالى: ﴿فَالَّذينَ آمَنوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذي أُنزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ المُفْلِحونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وفي هذا المعنى يَقولُ العَبَّاسُ في أبياتِهِ المشهورةِ السَّائرةِ:
وَأنْتَ لَمَّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الْـ … أرْضُ وَضَاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ
فنَحْنُ في ذلِكَ الضِّياءِ وَفي الْـ … ـنُّورِ وَسُبْلِ الرَّشادِ نَخْتَرِقُ
• وأمَّا إضاءَةُ قُصورِ بُصْرى بالنُّورِ الذي خَرَجَ معَهُ؛ فهوَ إشار إلى ما خَصَّ الشَّامَ مِن نورِ نبوَّتهِ؛ فإنَّها دارُ ملكِهِ - كما ذَكَرَ كَعْبٌ أن في الكتبِ السَّابقةِ: مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ، مولدُهُ بمكَّةَ، ومهاجَرُهُ يَثْرِبُ، وملكُهُ بالشَّامِ -، فمِن مكَّةَ بُدِئَتَ نبوَّةُ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، وإلى الشَّامِ يَنْتَهي ملكُهُ. ولهذا أُسْرِيَ بهِ - ﷺ - إلى الشَّامِ إلى بيتِ المقدسِ كما هاجَرَ إبْراهيمُ مِن قبلِهِ إلى الشَّامِ.
قالَ بعضُ السَّلفِ: ما بَعَثَ اللهُ نبيًّا إلَّا مِن الشَّامِ، فإنْ لمْ يُبْعَثْ منها؛ هاجَرَ إليها (^١).
وفي آخرِ الزَّمانِ يَسْتَقِرُّ العلمُ والإيمانُ بالشَّامِ، فيَكونُ نورُ النُّبوَّةِ فيها أظهرَ منهُ في سائرِ بلادِ الإسلامِ.
وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حديثِ عَمْرِو بن العاصِ وأبي الدَّرْداءِ والحاكِمُ مِن حديثِ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرِو بن العاصِ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "رَأيْتُ عمودَ الكتابِ انْتُزِعَ مِن تحتِ وسادتي، فأتْبَعْتُهُ بصري، فإذا هوَ عمودٌ ساطع عُمِدَ بهِ إلى الشَّامِ. ألا وإنَّ الإيمانَ إذا وَقَعَتِ الفتنُ بالشَّامِ" (^٢).
_________________
(١) هذا يحتاج إلى دليل يتعيّن المصير إليه، وهيهات!
(٢) (صحيح). وقد جاء عن جماعة من الصحابة: * فرواه: أحمد (٤/ ١٩٨)، والطبراني في "الشاميّين" (١٣٥٧)، وابن عساكر (١/ ١٠٨)؛ من طريق إسماعيل بن عيّاش، عن عبد العزيز بن عبيد الله، عن عبد الله بن الحارث، سمعت عمرو بن العاص … رفعه. قال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٦٠): "فيه عبد العزيز بن عبيد الله وهو ضعيف". قلت: منكر الحديث شبه المتروك، وقد تفرّد بهذا عن عمرو بن العاص، فحديثه واهٍ يغني عنه ما بعده.
[ ٢١٧ ]
وفي "المسند" والتِّرْمِذِيِّ (^١) وغيرِهِما: عن النَّبيِّ - ﷺ -، قالَ: "سَتكونُ هجرةٌ بعدَ هجرةٍ، فخيارُ أهلِ الأرضِ ألزمُهُم مهاجَرَ إبْراهيمَ (يَعْني: الشَّامَ) " (^٢).
وبالشَّامِ يَنْزِلُ عيسى بنُ مَرْيَمَ ﵇ في آخرِ الزَّمانِ، وهوَ المبشِّرُ بمُحَمَّدٍ
_________________
(١) =* ورواه: أحمد في "المسند" (٥/ ١٩٨) و"فضائل الصحابة" (١٧١٧)، ويعقوب بن سفيان (٢/ ٢٩٠)، والبزّار (٣٣٣٢ - كسْف)، والطبراني في "الشاميّين" (٤٤٩ و١١٩٨)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٩٨)، والبيهقي (١/ ١٠٧ - عساكر)، وابن عساكر (١/ ١٠٦ - ١٠٨)؛ من طريق يحيى بن حمزة، ثنا زيد بن واقد، ثنا بسر بن عبيد الله، ثني أبو إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء … رفعه. قال أبو نعيم: "لم نكتبه إلّا من حديث يحيى بن حمزة". قلت: هو ثقة من رجال الشيخين لا يضرّه التفرّد. وقال الهيثمي (٧/ ٢٩٢، ١٠/ ٦٠): "رجال الصحيح". قلت: ثقات رجال البخاري. * ورواه: يعقوب بن سفيان (٢/ ٢٩٠ و٢٩١ و٣٠٠ و٥٢٣)، والحارث (١٠٤١ - زوائد)، والطبراني في "الأوسط" (٢٧١٠) و"الشاميّين" (٣٠٨ - ٣١٠)، والحاكم (٤/ ٥٠٩)، وأبو نعيم في "الحلية" (٥/ ٢٥٢)، والبيهقي في "الدلائل" (٦/ ٤٤٧ و٤٤٨)، وابن عساكر (١/ ١٠٢ - ١٠٥)، والذهبي في "النبلاء" (٨/ ٣٧)؛ من طرق، عن ابن عمرو … رفعه. صحّحه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه المنذري والذهبي. وقال الهيثمي (١٠/ ٦١): له "أسانيد، في أحدها ابن لهيعة وهو حسن الحديث، وقد توبع على هذا، وبقيّة رجاله رجال الصحيح". قلت: له أكثر من سند صحيح. * وفي الباب عن عمر بن الخطّاب وأبي أُمامة الباهلي وعبد الله بن حوالة الأزدي وغيرهم.
(٢) كذا قال! ولم أقف عليه عند الترمذيّ!
(٣) (حسن بشواهده). رواه: معمر في "الجامع" (٢٠٧٩٠)، والطيالسي (٢٢٩٣)، ونعيم في "الفتن" (١٣٠٨ و١٣٤٨ و١٧٥٨ و١٧٦٥)، وأحمد (٢/ ٨٤ و١٩٨ و٢٠٩)، وأبو داوود (٩ - الجهاد، ٣ - سكنى الشام، ٢/ ٦/ ٢٤٨٢)، وابن جرير (٢٧٧٣٠)، والطبراني في "الأوسط" (٦٧٨٧)، والحاكم (٤/ ٤٨٦)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٥٣ و٦٦)، والبغوي في "السنّة" (٤٠٠٨)، وابن عساكر (١/ ١٦٠ - ١٦٢)؛ من طرق، عن شهر بن حوشب، عن ابن عمرو … رفعه. هذا هو المعتمد المعروف في سند هذا الحديث، وخالف بعض الضعفاء فيه بما لا يضرّ. وقد سكت عنه الحاكم والذهبي، وقال الهيثمي (٦/ ٢٣١): "شهر ثقة، وفيه كلام لا يضرّ". قلت: بلى؛ قد ضرّه الكلام وحطّه عن رتبة الحسن، فرواياته لا تعدو أن تكون صالحة في الشواهد. قال الهيثمي: "وبقيّة رجاله رجال الصحيح". ورواه: ابن عبد الحكم في "فتوح مصر" (ص ٢٣٢) مختصرًا، ومن طريقه الحاكم (٤/ ٥١٠)؛ عن عبد الله بن صالح، ثنا موسى بن عليّ بن رباح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن عمرو بن العاص … رفعه. قال الحاكم: "على شرط الشيخين "، ووافقه الذهبي. قلت: حديث ابن صالح صالح في الشواهد. ورواه: ابن صاعد (١/ ١٦٣ - ابن عساكر)، ويعقوب بن سفيان (١/ ١٦٣ - ابن عساكر)؛ من طريق قويّة، عن الأوزاعي، [عمّن حدّثه]، عن نافع، عن ابن عمر … رفعه بنحوه. وفيه رجل مبهم. ويشهد لمعناه حديث عبد الله بن حوالة الآتي بعده. والحديث حسن بمجموع طرقه، وقد قوّاه الحاكم والذهبي والهيثمي والعسقلاني، وضعّفه الألباني.
[ ٢١٨ ]
- ﷺ -، فيُقَرِّرُ عندَ نزولِهِ دينَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، ويَحْكُمُ بهِ، ولا تقْبَلُ مِن أحدٍ غيرَ دينِهِ، فيَكْسِرُ الصَّليبَ، ويقْتُلُ الخنزيرَ، ويَضَعُ الجزيةَ، ويُصَلِّي خلفَ إمامِ المسلمينَ، ويَقولُ: إن هذهِ الأُمَّةَ أئمَّة بعضُهُم لبعض؛ إشارةً إلى أنَّهُ متَبعٌ لدينِهِم غيرُ ناسخٍ لهُ.
والشَّامُ هيَ في آخرِ الزَّمانِ أرضُ المحشرِ والمنشرِ، فيُحْشَرُ النَّاسُ إليها قبلَ القيامةِ مِن أقطارِ الأرضِ، فيُهاجِرُ خيارُ أهلِ الأرضِ إلى مهاجَرِ إبراهيمَ - وهيَ أرضُ الشَّامِ - طوعًا، كما تَقَدَّمَ أن خيارَ أهلِ الأرضِ ألزمُهُم مهاجَرَ إبْراهيمَ.
وقالَ - ﷺ -: "عليكُم بالشَّامِ، فإنَّها خيرةُ اللهِ مِن أرضِهِ يَجْتَبي إليها خيرتَهُ مِن عبادهِ" (^١). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وأبو داوودَ وابنُ حِبَّانَ والحاكِمُ في "صحيحيهِما".
وقالَ أبو أُمامَةَ: لا تَقومُ السَّاعةُ حتَّى يَنْتَقِلَ خيارُ أهلِ العراقِ إلى الشَّامِ وشرارُ أهلِ الشَّامِ إلى العراقِ (^٢). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ.
وقد ثَبَتَ في الصَّحيحينِ (^٣) عن النَّبي - ﷺ -، أنَّهُ قالَ: "لا تَقومُ السَّاعةُ حتَّى تَخْرُجَ
_________________
(١) (صحيح). قطعة من حديث ابن حوالة في الأجناد الذي رواه: أحمد في "المسند" (٤/ ١١٠، ٥/ ٢٨٨) و"الصحابة" (١٧٠٤ و١٧٠٧)، والبخاري في "التاريخ" (١/ ٢٩٢، ٥/ ٣٣)، وأبو داوود (٩ - الجهاد، ٣ - سكنى الشام، ٢/ ٦/ ٢٤٨٣)، والفسوي (٢/ ٢٨٨)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٢٢٩٥)، والطحاوي في "المشكل" (٢/ ٣٥)، وابن قانع (٢/ ٨٩/ ٥٣٢)، وابن حبّان (٧٣٠٦)، والطبراني في "الشاميّين" (٢٩٢ و٣٣٧ و٥٧٠ و٦٠١ و١٠٥٤ و١١٧٢)، والحاكم (٤/ ٥١٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٣) و"الدلائل" (٤٧٨)، والداني في "الفتن" (٤٩٩ و٥٠٠)، والبيهقي (٩/ ١٧٩) وفي "الدلائل" (٦/ ٣٢٧)، وابن عساكر (١/ ٦٩ - ٧٧)، والضياء في "المختارة" (٩/ ٢٧١/ ٢٣١ - ٢٣٧ و٢٤٠ و٢٤١ و٢٤٦)، والمزّي (٢٧/ ٣٦٠)؛ من طرق كثيرة، عن عبد الله بن حوالة الأزدي … رفعه مطوّلًا ومختصرًا. وللحديث أكثر من طريق صحيحة لذاتها، وهو بمجموع طرقه صحيح غاية، وقد صحّحه أبو حاتم الرازي وابن حبّان والحاكم والضياء المقدسي والمنذري والذهبي والهيثمي والألباني.
(٢) (ضعيف). رواه: نعيم بن حمّاد في "الفتن" (١٧٦٢)، وابن أبي شيبة (٣٧٧٣٩)، وأحمد (٥/ ٢٤٩)، والبخاري في "التاريخ" (٨/ ٤٤٦)، وابن عساكر؛ من طريق حمّاد بن سلمة، عن الجريري، عن لقيط بن مشّاء أبي المشّاء، عن أبي أمامة … فذكره موقوفًا ومرفوعًا. وهذا سند ضعيف: الجريريّ تغيّر وخلّط ورواية حمّاد بن سلمة عنه قبل الاختلاط وبعده، ولقيط فيه ضعف وجهالة، وقد اضطرب فيه وقفًا ورفعًا.
(٣) البخاري (٩٢ - الفتن، ٢٤ - خروج النار، ١٣/ ٧٨/ ٧١١٨)، ومسلم (٥٢ - الفتن، ١٤ - لا تقوم الساعة حتّى تخرج نار، ٤/ ٢٢٢٧/ ٢٩٠٢).
[ ٢١٩ ]
نارٌ مِن أرضِ الحجازِ فتُضيءَ لها أعناقُ الإبلِ ببُصْرى". وقد خَرَجَتْ هذهِ النَّارُ بالحجازِ بقربِ المدينةِ، ورُئِيَتْ أعناقُ الإبلِ مِن ضوئِها ببُصْرى في سنةِ أربعٍ وخمسينَ وستِّ مئةٍ، وعَقِيبَهُما جَرَتْ واقعةٌ ببَغْدادَ وقُتِلَ بها الخليفةُ وعامَّةُ مَن كانَ ببغدادَ، وتكاملَ خرابُ أرضِ العراقِ على أيدي التَّتارِ، وهاجَرَ خيارُ أهلِها إلى الشَّامِ مِن حينئذٍ (^١).
فأمَّا شرارُ النَّاسِ؛ فتَخْرُجُ نارٌ في آخرِ الرمانِ تَسوقُهُمْ إلى الشَّامِ قهرًا حتَّى يَجْتَمعَ النَّاسُ كلُّهُم بالشَّامِ قبلَ قيامِ السَّاعةِ.
وفي "سنن أبي داوودَ": عن أبي الدَّرْداءِ، عن النَّبي - ﷺ -، قالَ: "إنَّ فُسْطاطَ المسلمينَ يومَ الملحمةِ بالغوطةِ إلى جانبِ مدينةٍ يقالُ لها: دِمَشْقُ، مِن خيرِ مدائنِ الشَّامِ". وخَرَّجَهُ الحاكِمُ ولفظُهُ: "خيرُ منازلِ المسلمينَ يومئذٍ" (^٢).
• إخواني! مَن كانَ مِن هذهِ الأُمَّةِ؛ فهوَ مِن خيرِ الأُممِ عندَ اللهِ. قالَ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. وقالَ النبي - ﷺ -: "أنتُم تُوفُونَ سبعينَ أُمَّةً، أنتُم خيرُها وأكرمُها على اللهِ تَعالى" (^٣).
_________________
(١) تنزيل الغيبيّات وأشراط الساعة على حوادث بعينها لا يخلو من نظر، وقد دلّت الحقائق الواقعيّة في أغلب الأحيان على عدم صحّة ذلك، وهذا منها، والله أعلى وأعلم.
(٢) (صحيح). رواه: أحمد (٥/ ١٩٧)، وأبو داوود (٣١ - الملاحم، ١٦ - المعقل من الملاحم، ٢/ ٥١٤/ ٤٢٩٨)، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٢٩٠)، والطبراني في "الأوسط" (٣٢٢٩) و"الشاميّين" (٥٨٩ و١٣١٣)، والحاكم (٤/ ٤٨٦)، وابن عساكر في "التاريخ" (١/ ٢٣٠ - ٢٣٣)؛ من طرق، عن زيد بن أرطاة، سمعت جبير بن نفير، سمعت أبا الدرداء … رفعه. وهذا سند صحيح، رجاله ثقات، والطرق إلى زيد بعضها صحيح لذاته، فكيف بها مجتمعة؟! فكيف وله شواهد عن جماعة من الصحابة؟! ولذلك صحّحه الحاكم ووافقه المنذري والذهبي والألباني.
(٣) (صحيح بشواهده). وقد جاء عن جماعة من الصحابة وغيرهم: * فرواه الطرسوسي في "مسند ابن عمر (٢٤): ثنا محمد بن سعيد بن زياد، ثنا سعيد بن راشد، ثنا عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر … رفعه. ومحمّد وسعيد متروكان، والسند ساقط. * ورواه ابن جرير (٧٦٢١) من طريق قويّة عن قتادة … مرسلًا. * ورواه: ابن معمر في "الجامع" (٢٠٧٢٠)، وأحمد (٣/ ٦١)، والبغوي في "السنّة" (٤٠٣٩)؛ من طريق ابن جدعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد … رفعه. وابن جدعان مضعّف، فالسند كذلك. * ورواه: نعيم في "زوائد الزهد" (٣٨٢)، وأحمد في "المسند" (٤/ ٤٤٦ و٤٤٧، ٥/ ٣ و٥) و"الفضائل" (١٧١٠)، وعبد بن حميد (٤٠٩ و٤١١)، والدارمي (٢/ ٣١٣)، وابن ماجه (٣٧ - الزهد، ٣٤ - =
[ ٢٢٠ ]
لمَّا كانَ هذا الرَّسولُ النَّبيُّ الأُمِّيُّ خيرَ الخلقِ وأفضلَم عندَ اللهِ سبحانَهُ؛ كانَتْ أُمَّتُهُ خيرَ أُمَّةِ وأفضلَها، فما يَحْسُنُ بمَن كانَ مِن خيرِ الأممِ وانْتَسَبَ إلى متابعةِ خيرِ الخلقِ وأفضلِهِم -[و] خصوصًا مَن كانَ يَسْكُنُ خيرَ منازلِ المسلمينَ في آخرِ الزَّمانِ - إلَّا أنْ يَكونَ متَّصفًا بصفاتِ الخيرِ مجتنبًا لصفاتِ الشَّرِّ، وقبيحٌ بهِ أنْ يَرْضى لنفسِهِ أنْ يَكونَ مِن شرارِ النَّاسِ معَ انتسابِهِ إلى خيرِ الأُممِ ومتابعةِ خيرِ الرُّسلِ.
قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ [البيّنة: ٧]. فخيرُ النَّاسِ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالحًا.
وقالَ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أخرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرونَ بِالمَعْروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنونَ بِاللهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّهُ قالَ: "خيرُ النَّاسِ مَن فَقُهَ في دينِ اللهِ ووَصَلَ رَحِمَهُ وأمَرَ بالمعروفِ ونَهى عن المنكرِ" (^١). وفي روايةٍ: "خيرُ النَّاسِ أتقاهُم للرَّبِّ وأوصلُهُم للرَّحمِ وآمَرُهُم بالمعروفِ وأنهاهُمْ عن المنكرِ" (^٢).
_________________
(١) = صفة أُمّة محمّد، ٢/ ١٤٣٣/ ٤٢٨٧ - ٤٢٨٨)، والترمذي (٤٨ - التفسير، ٤ - آل عمران، ٥/ ٢٢٦ / ٣٠٠١)، والنسائي في "الكبرى" (١١٤٣١)، والروياني (٩٢١ و٩٢٤ و٩٣٧)، وابن جرير (٧٦١٩ و٧٦٢٠ و٣٠٤٨٩)، والطبراني في "الكبير" (١٩/ ٤١٩/ ١٠١٢ و١٠٢٣ - ١٠٢٥ و١٠٣٠ و١٠٣٦ - ١٠٣٨) و"الأوسط" (١٤٣٧ و٦٣٩٨)، والحاكم (٤/ ٨٤)، والبيهقي (٩/ ٥)، والرافعي في "التدوين" (٢/ ٢٦٢)؛ من طرق خمس قويّة، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه … رفعه. وحكيم صدوق، فالسند حسن. فهاهنا أربعة أوجه: الأوّل منها ساقط، والثاني والثالث ضعيفان، والرابع حسن لذاته، والحديث صحيح بمجموع هذه الأوجه لا ريب، وقد قوّاه الترمذي والحاكم والذهبي وابن القيّم وابن كثير والهيثمي والألباني، وقال العسقلاني: "حسن صحيح".
(٢) (ضعيف). لم أقف عليه بهذا اللفظ، لكنّ صنيع المصنّف يدلّ على أنّه أحد ألفاظ الحديث الآتي بعده، فله حكمه على الأغلب.
(٣) (ضعيف). رواه: ابن أبي شيبة (٢٥٣٨٨ و٣٧٥٦٩)، وأحمد في "المسند" (٦/ ٤٣١ و٤٣٢) و"الزهد" (١١٧٥)، وابن أبي الدنيا في "الأمر بالمعروف" (٢٠٩٣ - ضعيفة)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٣١٦٦ و٣١٦٧)، والطبراني (٢٤/ ٢٥٧/ ٦٥٧)، وابن منده في "الصحابة" (٤/ ٢٩٨ - إصابة)، والبيهقي في الشعب (٧٩٥٠) و"الزهد" (٨٧٧)، وابن عبد البرّ في "الاستيعاب" (٤/ ٢٩٨)؛ من طرق، عن شريك، عن سماك، عن عبد الله بن عميرة، عن زوج درّة، عن درّة بنت أبي لهب … رفعته. قال الهيثمي (٧/ ٢٦٦، ٩/ ٢٦١): "رجاله ثقات، وفي بعضهم كلام لا يضرّ". قلت: بل يضرّ والله:=
[ ٢٢١ ]
وقالَ ﵇: "النَّاسُ معادنُ، فخيارُهُم في الجاهليَّةِ خيارُهُم في الإسلامِ إذا فَقُهوا" (^١).
وقالَ ﵇: "خيرُ النَّاسِ مَن طالَ عمرُهُ وحَسُنَ عملُهُ، وشرُّ النَّاسِ مَن طالَ عمرُهُ وساءَ عملُهُ" (^٢).
وقالَ: "خيرُكُمْ مَن يُرْجى خيرُهُ ويُؤْمَنُ شرّهُ، وشرُّكُمْ مَن لا يُرْجى خيرُهُ ولا يُؤْمَنُ شرُّهُ" (^٣).
_________________
(١) = شريك سيئ الحفظ، وسماك تغيّر وصار يتلقّن، وابن عميرة مجهول لم يرو عنه إلّا سماك ولم يوثّقه إلّا ابن حبّان، وزوج درّة لا يعرف. وقد ضعّفه الألباني.
(٢) البخاري (٦٠ - الأنبياء، ١٩ - لقد كان في يوسف، ٦/ ٤١٧/ ٣٣٨٢)، ومسلم (٤٤ - الصحابة، ٤٨ - خيار الناس، ٤/ ١٩٥٨/ ٢٥٢٦)؛ من حديث أبي هريرة.
(٣) (صحيح بشاهده). رواه: الطيالسي (٨٦٤)، وابن أبي شيبة (٣٤٤١٣)، وأحمد (٥/ ٤٧ - ٥٠)، والدارمي (٢/ ٣٠٨)، والترمذي (٣٧ - الزهد، ٢٢ - باب منه، ٤/ ٥٦٦/ ٢٣٣٠ و٣٣٧٥)، والبزّار (٣٦٢٣)، والبيهقي في "الزهد" (٦٢٠)، والبغوي (٤٠٩٥)، من طرق، عن علي بن زيد بن جدعان، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه … رفعه بنحوه. قال الترمذي: "حسن صحيح"، ووافقه البغوي والمنذري. قلت: ابن جدعان يضعِّف وحديثه من باب الحسن في الشواهد. ورواه: أحمد (٥/ ٤٤ و٤٧)، والطبراني في "الأوسط" (٥٤٤٥) و"الصغير" (٨١٩)، والحاكم (١/ ٣٣٩)، والبيهقي في "السنن" (٣/ ٣٧١) و"الزهد" (٦٢٠ و٦٢١)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٠/ ٢٥٢)؛ من طرق، عن الحسن، عن أبي بكرة … رفعه. قال الحاكم: "على شرط مسلم"، ووافقه المنذري والذهبي. قلت: قد عنعن الحسن على تدليسه. وله شاهد صحيح عند: ابن أبي شيبة (٣٤٤٠٩)، وابن الجعد (٣٥٥٦)، وأحمد (٤/ ١٨٨ و١٩٠) وفي "الزهد" (١٨٨)، والطبراني في "الأوسط" (١٤٦٤ وفي "الشاميّين" (١٨٨٣ و٢٠٠٨ و٢٥٤٤ - ٢٥٤٧) و"الدعاء" (١٨٥٤ و١٨٥٥)، والبيهقي (٣/ ٣٧١) وفي "الشعب" (٥١٥)؛ من حديث عبد الله بن بسر. وآخر ضعيف عند: ابن أبي شيبة (٣٤٤١١)، والبزّار (١٩٧١ - كشف)، وابن حبّان (٤٨٤ و٢٩٨١)، والبيهقي (٣/ ٣٧١) وفي "الزهد" (٦٢٢)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٤/ ٢٢٦)؛ من حديث أبي هريرة. وثالث عند: عبد بن حميد (١٠٨٦)، والحاكم (١/ ٣٣٩)، والبيهقي (٣/ ٣٧١)؛ من حديث جابر صحّحه الحاكم والذهبي على شرط مسلم. والحديث صحيح بطريقيه وشواهده، وقد صحّحه الترمذي والبزّار والحاكم والبغوي والمنذري والذهبي والهيثمي والألباني.
(٤) (صحيح). رواه: أحمد (٢/ ٣٦٨ و٣٧٨)، والترمذي (٣٤ - الفتن، ٧٦ - باب ٤/ ٥٢٨/ ٢٢٦٣)، وابن حبّان (٥٢٧ و٥٢٨)، والبيهقي في "الشعب" (١١٢٦٨)، والقضاعي (١٢٤٦ و١٢٤٧)؛ من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة … رفعه. والعلاء وأبوه صدوقان فالسند حسن كما قال الترمذي.
[ ٢٢٢ ]
وقال: "ألا أُخْبِرُكُم بخيارِكُم؟ ". قالوا: بلى. قال: "الذينَ إذا رُؤوا ذُكِرَ اللهُ، ألا أُنبِئُكُم بشرارِكُم؟ ". قالوا: بلى. قال: "المشَّاؤونَ بالنَّميمةِ، المفرِّقونَ بينَ الأحبَّةِ، الباغونَ للبُرَآءِ العَنَتَ (^١) " (^٢).
_________________
(١) = ورواه: ابن أبي شيبة (٣٤٤١٩)، وهنّاد في "الزهد" (١٢٩٥)، والبيهقي في "الشعب" (١١٢٦٦ و١١٢٦٧)؛ من طريق عبيد بن نسطاس، عن سعيد المقبري، [عن أبي هريرة] … رفعه. وهذا ضعيف من أجل عبيد هذا فإنّه مجهول. وله شاهد من حديث أنس عند: أبي يعلى ٣٩١٠)، وابن عدي (٦/ ٢٣٢٣)، وأبي نعيم في "أصبهان" (٢/ ٢١٦)؛ بسند ضعيف. وآخر من حديث جابر عند القضاعي (١٢٤٨) بسند ضعيف أيضًا. والحديث صحيح بطريقيه بله شواهده؛ وقد قوّاه الترمذي وابن حبّان والألباني.
(٢) في خ وم ون: "العيب"، والصواب ما أثبتّه من ط ومصادر التخريج.
(٣) (ضعيف). وقد جاء من أوجه: * فأمّا الوجه؛ فاختلف فيه: فرواه أوَّلًا أحمد (٤/ ٢٢٧): ثنا سفيان، عن ابن أبي حسين، عن شهر، عن عبد الرحمن بن غنم … رفعه. ورواه ثانيًا: البيهقي في "الشعب" (٦٧٠٨) من طريق ابن لهيعة، ثني ابن عجلان، أنا ابن أبي حسين، عن ابن عمر … رفعه. ورواه ثالثًا: مسدّد (١٤٦٥ - زجاجة)، وإسحاق (١/ ١٨٠/ ٢٤)، وأحمد (٦/ ٤٥٩)، وعبد بن حميد (١٥٨٠)، والبخاري في "الأدب" (٣٢٣)، وابن ماجه (٣٧ - الزهد، ٥ - من لا يؤبه له، ٢/ ١٣٧٩/ ٤١١٩)، وابن أبي الدنيا في "الأولياء" (١٦) و"الصمت" (٢٥٥)، والخرائطي في "المساوئ" (٢٣٢)، والطبراني (٢٤/ ١٦٧/ ٤٢٣ - ٤٢٥)، وأبو الشيخ في "التوبيخ "، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٦، ١٠/ ٣٨٩)، والبيهقي (١١١٠٧ و١١١٠٨)؛ من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن شهر، عن أسماء بنت يزيد بن السكن … رفعته. ورواه رابعًا الخرائطي في "المساوئ" (٢٣٣) من طريق مسلسلة بالمجاهيل، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك الأشعري … رفعه. فرواية سفيان عن ابن أبي حسين أوثق من رواية ابن عجلان فضلًا عن ابن لهيعة، فالمعروف إذا عن ابن أبي حسين هو حديث ابن غنم وحديث ابن عمر منكر. وأيضا؛ رواية ابن أبي حسين عن شهر أصحّ من رواية ابن خثيم عن شهر، ولو كان شهر ثقة؛ لقلت: حفظه على الوجهين، ولكنّه مضطرب الحديث، فلزم الترجيح، فالمحفوظ عنه رواية ابن أبي حسين ورواية ابن خثيم شاذّة. وأيضًا؛ فرواية شهر عن ابن غنم أولى من رواية المجاهيل عنه في الطريق الرابعة، فالمعروف إذا حديث ابن غنم عن النبيّ - ﷺ - وحديث الأشعريّ منكر. وعليه؛ فالعمدة هنا هي الطريق الأولى والطرق الأخرى بين شاذّ ومنكر، ثمّ هذه الطريق الأولى ضعيفة لحال شهر بن حوشب ولإرسال فيها على الأغلب. * ورواه أبو نعيم في "الحلية" (١/ ٦) من طريق الهيّاج بن بسطام، عن مسعر بن كدام، عن بكير بن الأخنس، عن سعيد ﵁ … رفعه بالقطعة الأولى فحسب. والهيّاج ضعيف. * ورواه: ابن أبي الدنيا في "الصمت" (٢٥٣)، والطبراني في "الأوسط" (٧٦٩٣) و"الصغير" (٨٣٦)، والخطيب في "التاريخ" (٥/ ٢٦٣)؛ من طريق صالح المرّي، عن الجريري، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة … رفعه. قال الهيثمي: "فيه صالح بن بشير المرّي وهو ضعيف". قلت: شبه المتروك.=
[ ٢٢٣ ]
وقالَ: "شرُّ النَّاسِ منزلةً عندَ اللهِ مَن تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقاءَ فحشِهِ" (^١).
وقالَ: "إنَّ مِن شرِّ النَّاسِ [يومَ القيامةِ] منزلةً عندَ اللهِ ذا الوجهينِ، الذي يَأْتي هؤلاءِ بوجهٍ وهؤلاءِ بوجهٍ" (^٢).
وقالَ: "مِن شرِّ النَّاسِ منزلةً عندَ اللهِ يومَ القيامةِ عبدٌ أذْهَبَ آخرتَهُ بدنيا غيرِهِ" (^٣).
وقالَ: "إنَّ مِن شرِّ النَّاسِ عندَ اللهِ منزلةً مَن يَقْرَأُ كتابَ اللهِ ثمَّ لا يَرْعَوي إلى ما فيهِ" (^٤).
أعمالُ الأُمَّةِ تُعْرَضُ على نبيِّها في البَرْزَخِ (^٥)، فلْيَسْتَحِ عبدٌ أنْ يُعْرَضَ على نبيِّهِ مِن
_________________
(١) = والجريريّ خلّط أخيرًا أو تغيّر. * ورواه: البزار (٢٧١٩)، والطبراني في "الكبير" (٨/ ٩٦ - مجمع)؛ من طريق يزيد بن ربيعة، عن يزيد بن أبي مالك، عن أبي الأزهر، عن عبادة … رفعه. قال الهيثمي: "فيه يزيد بن ربيعة وهو متروك". فالأوّل ضعيف راجح الإرسال، والثاني مختصر ضعيف، والثالث والرابع ساقطان، فالضعف لازم لمجموع هذه الأسانيد الواهية، وقد ضعّفه العراقي والألباني.
(٢) رواه: البخاري (٧٨ - الأدب، ٣٨ - لم يكن - ﷺ - فاحشًا، ١٠/ ٤٥٢/ ٦٠٣٢)، ومسلم (٤٥ - البرّ، ٢٢ - مداراة من يتقى فحشه، ٤/ ٢٠٠٢/ ٢٥٩١)؛ من حديث عائشة.
(٣) رواه: البخاري (٧٨ - الأدب، ٥٢ - ما قيل في ذي الوجهين، ١٠/ ٤٧٤/ ٦٠٥٨)، ومسلم (٤٤ - الصحابة، ٤٨ - خيار الناس، ٤/ ١٩٥٨/ ٢٥٢٦)؛ من حديث أبي هريرة.
(٤) (ضعيف). رواه: الطيالسي (٢٣٩٨)، وابن أبي شيبة في "المسند" (٥٩٣١ - مصباح)، ومحمّد بن أبي عمر في "المسند" (٥٩٣١ - مصباح)، والبخاري في "التاريخ" (٦/ ١٢٨)، وابن ماجه (٣٦ - الفتن، ١١ - إذا التقى المسلمان، ٢/ ١٣١٣/ ٣٩٦٦)، والطبراني (٨/ ١٢٢/ ٧٥٥٩)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٦٥)، والقضاعي (١١٢٥)، والبيهقي في "الشعب" (٦٩٣٨)، من طريق عبد الحكم بن ذكوان السدوسي، [عن شهر بن حوشب]، عن أبي هريرة (وقال مرّة: عن أبي أُمامة) … رفعه. قال البوصيري: "إسناد حسن". قلت: ابن ذكوان لا يعدو أن يكون مقبولًا في المتابعات، وشهر كذلك، والسند ضعيف، وقد ضعّفه الألباني.
(٥) (ضعيف). قطعة من حديث رواه: ابن المبارك في "الجهاد" (١٦٧)، وابن أبي شيبة (١٩٥٠٢)، وأحمد (٣/ ٣٧ و٤١ و٥٧)، وعبد بن حميد (٩٨٩)، والنسائي في "الكبرى" (٤٣١٤) و"المجتبى" (٢٥ - الجهاد، ٨ - فضل من عمل في سبيل الله، ٦/ ١١/ ٣١٠٦)، والحاكم (٢/ ٦٧)، والبيهقي في "السنن" (٩/ ١٦٠) و"الشعب" (٢٠٤٧ و٤٢٩٠)، والمزّي في "التهذيب" (٣٣/ ٢٨٢)؛ من طريق يزيد بن أبي حبيب، [عن أبي الخير]، عن أبي الخطّاب، عن أبي سعيد … رفعه. وهذا سند ضعيف من أجل أبي الخطّاب المصري؛ فإنّه مجهول، وقد ضعّفه الألباني.
(٦) هذه دعوى تفتقر إلى الأسانيد الصحيحة إلى من يتعيّن الأخذ بقوله! وقد طار بها أهل البدع=
[ ٢٢٤ ]
عملِهِ ما نَهاهُ عنهُ.
لمَّا وَقَفَ - ﷺ - عامَ حجَّةِ الوداع؛ قالَ: "إنِّي فَرَطُكُم على الحوضِ، وإنِّي مكاثرٌ بكُمُ الأُممَ، فلا تُسَوِّدوا وجهي" (^١). يُشيرُ إلى أنَّهُ - ﷺ - يَسْتَحْي مِن سيِّئاتِ أُمَّتِهِ إذا عُرِضتْ عليهِ.
وقالَ: "لَيُؤْخَذَنَّ برجالٍ مِن أُمَّتي ذاتَ الشِّمالِ، فأقولُ: يا ربِّ أصحابي! فيُقالُ: إنَّكَ لا تَدْري ما أحْدَثوا بعدَكَ، فأقولُ: سحقًا سحقًا لمَن بَدَّلَ بعدي" (^٢).
خيرُ هذهِ الأُمَّةِ أوَّلُها قرنًا: كما قالَ - ﷺ -: "خيرُ القرونِ قرني، ثمَّ الذينَ يَلونَهُم، ثمَّ الذينَ يَلونَهُم" (^٣). وقالَ: "بُعِثْتُ مِن خيرِ قرونِ بني آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا، حتَّى كُنْتُ مِن القرنِ الذي كُنْتُ منهُ" (^٤).
كم قد جاءَ مدحُ أصحابِهِ في كتابِهِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ وَالَّذينَ مَعَهُ أشِدَّاءُ عَلى الكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنينَ إذْ يُبايِعونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. وخَصَّ الصِّدِّيقَ مِن بينِهِم بالصُّحبةِ بقولِهِ: ﴿إذْ يَقولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ الله مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٥].
لمَّا جَلى الرَّسولُ - ﷺ - عروسَ الإسلامِ وأبرزَها للبصائرِ مِن خدرِها؛ أخْرَجَ أبو بكْرٍ
_________________
(١) = ومخرّفو الصوفيّة كلّ مطار. وانظر لمزيد من التفصيل "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (٩٧٥).
(٢) (صحيح). رواه: مسدّد في "مسنده" (١٦٠١ - مصباح)، وابن أبي شيبة (٣٧١٦٩)، وأحمد (٥/ ٤١٢)، وابن ماجه (٢٥ - المناسك، ٧٦ - الخطبة يوم النحر، ٢/ ١٠١٦/ ٣٠٥٧)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٢٩٣٢)، والنسائي في "الكبرى" (٤٠٩٩)، وأبو الشيخ في "الطبقات" (٣/ ٢٣٣)؛ من طريق عمرو بن مرّة، [سمعت مرّة] ثني رجل من أصحاب النبيّ - ﷺ - … رفعه. قال البوصيري: "إسناده صحيح". قلت: ثقات رجال الستّة، وإثبات مرّة زيادة ثقات يتعيّن قبولها، وجهالة الصحابي لا تضرّ، وقد صرّح ابن ماجه بأنَّه ابن مسعود، وقد صحّحه الألباني.
(٣) رواه البخاري (٨١ - الرقاق، ٥٣ - الحوض، ١١/ ٤٦٤/ ٦٥٨٣ و٦٥٨٤)، ومسلم (٤٣ - الفضائل، ٩ - إثبات الحوض، ٤/ ١٧٩٣/ ٢٢٩٠ و٢٢٩١)؛ من حديث سهل وأبي سعيد.
(٤) رواه: البخاري (٥٢ - الشهادات، ٩ - لا يشهد على جور، ٥/ ٢٥٨/ ٢٦٥١ و٢٦٥٢) من حديث عمران وابن مسعود، ومسلم (٤٤ - الصحابة، ٥٢ - فضل الصحابة، ٤/ ١٩٦٢/ ٢٥٣٣ - ٢٥٣٦) من حديث ابن مسعود وأبي هريرة وعمران وعائشة.
(٥) رواه البخاري (٦١ - المناقب، ٢٣ - صفته - ﷺ -، ٦/ ٥٦٦/ ٣٥٥٧) من حديث أبي هريرة.
[ ٢٢٥ ]
مالَهُ كلَّهُ نثارًا لهذهِ العروسِ، فأخْرَجَ عُمَرُ النِّصفَ موافقةً لهُ، فقامَ عُثْمانُ بوليمةِ العرسِ فجَهَّزَ جيشَ العسرةِ، فعَلِمَ عَلِيٌّ ﵁ أن الدُّنيا ضرَّةُ هذهِ العروس وأنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ فبَتَّ طلاقَها ثلاثًا.
فالحمدُ للهِ الذي خَصَّنا بهذهِ الرَّحمة، وأسْبَغَ علينا هذهِ النِّعمة، وأعْطانا ببركةِ نبيِّنا هذهِ الفضائلَ الجمَّة، فقالَ لنا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [أُخْرِجَتْ لِلنَّاس]﴾ [آل عمران: ١١٠].
مِن أينَ في الأُممِ مثلُ أبي بَكْرٍ الصِّدِّيق، أو عُمَرَ الذي ما سَلَكَ طريقًا إلَّا هَرَبَ الشَّيطانُ مِن ذلكَ الطَّريق، أو عُثْمانَ الصَّابرِ على مُرِّ الضِّيق، أو عَلِيٍّ بحرِ العلمِ العميق، أو حَمْزَةَ والعَبَّاس؟! ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاس﴾.
أفيهِم مثلُ طلحةَ والزُّبَيْرِ القرينين، أو مثلُ سَعْدٍ وسَعيدٍ؟! هيهاتَ! مِن أين؟ أو مثلُ ابن عَوْفٍ وأبي عُبَيْدَةَ؟ ومَن مثلُ الاثنين؟ إن سَبَّهْتُم بهِم؛ فقد أبْعَدْتُمُ القياس! ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاس﴾.
مِن أينَ في زهَّادِ الأُممِ مثلُ أُوَيْس، أو في عبَّادِهِم مثلُ عامِرِ بن عَبْدِ قَيْس، أو في خائفيهِمْ مثلُ عُمَرَ بنُ عَبْدِ العَزيز؟! هيهاتَ! ليسَ ضوءُ الشَّمس كالمقباس! ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاس﴾.
أفي علمائِهِم مثلُ أبي حَنِيفَةَ ومالِك، والشَّافِعِيِّ الشَّديد المسالِك، كيفَ تَمْدَحُهُ وهوَ أجلُّ مِن ذلك؟ ما أحْسَنَ بنيانَهُ والأساس! ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاس﴾.
أفيهِم أعلى مِن الحَسَنِ البَصْرِيِّ وأنبل، أو ابن سِيرِينَ الذي بالورعِ تَقَبَّل، أو سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ الذي بالخوفِ والعلمِ تَسَرْبَل، أو مثلُ أحْمَدَ الذي بَذَلَ نفسَهُ للهِ وسَبَّل، تاللهِ ما في الأُممِ مثلُ ابن حَنْبَل، ارْفَعْ صوتَكَ بهذا ولا باس، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس﴾ [آل عمران: ١١٠].
لاحَ شَيْبُ الرَّأْسِ مِنِّي وَنَصَحْ (^١) … بَعْدَ لَهْوٍ وَشَبابٍ وَمَرَحْ
_________________
(١) نصح الشيب: تكاثر حتّى غدا الرأس شيئا خالصًا.
[ ٢٢٦ ]
إخْوَتي توبوا إلى اللهِ بِنا .. قَدْ لَهَوْنا وَجَهِلْنا ما صَلَحْ
نَحْنُ في دارٍ نَرى المَوْتَ بِها … لَمْ يَدَعْ فيها لِذي اللُبِّ فَرَحْ
يا بَني آدَمَ صونوا دينكُمْ … يَنْبَغي لِلدِّينِ ألَّا يُطَّرَحْ
وَاحْمَدوا الله الَّذي أكْرَمَكُمْ … بِنَبِيٍّ قامَ فيكُمْ وَنَصَحْ
بِنَبِيٍّ فتَحَ اللهُ بِه … كُلَّ خَيْرٍ نِلْتُموهُ وَمَنَحْ
مُرْسَلٍ لَوْ يوزَنُ النَّاسُ بِهِ … في التُّقى وَالبِرِّ خَفُّوا وَرَجَحْ
فَرَسولُ اللهِ أوْلى بِالعُلى … وَرَسولُ اللهِ أوْلى بِالمِدَحْ