خَرَّجَ مسلمٌ (^١) مِن حديثِ: أبي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "مَن صامَ رمضانَ، ثمَّ أتْبَعَهُ ستًّا مِن شوَّالٍ، كانَ كصيامِ الدَّهرِ".
وقدِ اخْتُلِفَ في هذا الحديثِ ثمَّ في العملِ بهِ:
• فمنهُم مَن صَحَّحَهُ. ومنهُم مَن قالَ: هوَ موقوفٌ، قالَهُ ابنُ عُيَيْنَةَ وغيرُهُ، وإليهِ يَميلُ الإمامُ أحْمَدُ. ومنهُم مَن تَكَلَّمَ في إسنادِهِ.
• وأمَّا العملُ بهِ:
* فاسْتَحَبَّ صيامَ ستَّةِ أيَّامٍ مِن شوَّالٍ أكثرُ العلماءِ. رُوِيَ ذلكَ عن: ابن عَبَّاسٍ، وطاووسٍ، والشَّعْبِيِّ، ومَيْمونِ بن مِهْرانَ، وهوَ قولُ ابنِ المُبارَكِ والشَّافِعِيِّ وأحْمَدَ وإسْحاقَ.
* وأنْكَرَ ذلكَ آخرونَ:
رُوِيَ عن الحَسَنِ أنَّهُ كانَ إذا ذُكِرَ عندَهُ صيامُ هذهِ السِّتِّ؛ قالَ: لقد رَضِيَ اللهُ بهذا الشَّهرِ للسَّنةِ كلِّها! ولَعَلَّهُ إنَّما أنْكَرَ على مَنِ اعْتَقَدَ وجوبَ صيامِها وأنَّهُ لا يُكْتَفى بصيامِ رمضانَ عنها في الوجوبِ. وظاهرُ كلامِهِ يَدُلُّ على هذا.
وكَرِهَها الثَّوْرِيُّ وأبو حَنِيفَةَ وأبو يوسُفَ، وعَلَّلَ أصحابُهُما ذلكَ بمشابهةِ أهلِ
_________________
(١) (١٣ - الصيام، ٣٩ - صوم ستّة من شوّال، ٢/ ٨٢٢/ ١١٦٤).
[ ٤٨٨ ]
الكتابِ؛ يَعْنونَ: في الزِّيادةِ في صيامِهِمُ المفروضِ عليهِم ما ليسَ منهُ. وأكثرُ المتأخِّرينَ مِن مشايخِهِم قالوا: لا بأْسَ بهِ، وعَلَّلوا بأنَّ الفصلَ قد حَصَلَ بفطرِ يومِ العيدِ، حَكى ذلكَ صاحبُ "الكافي" منهُم. وكانَ ابنُ مَهْدي يَكْرَهُها ولا يَنْهى عنها. وكَرِهَها أيضًا مالِكٌ، وذَكَرَ في "الموطَّأ" أنَّهُ لم يَرَ أحدًا مِن أهلِ العلمِ والفقهِ يَصومُها، قالَ: ولم يَبْلُغْني ذلكَ عن أحدٍ مِن السَّلفِ، وإنَّ أهلَ العلمِ يَكْرَهونَ ذلكَ ويَخافونَ بدعتَهُ وأنْ يُلْحِقَ برمضانَ ما ليسَ منهُ أهلُ الجهالةِ لو رَأَوْا أحدًا مِن أهلِ العلمِ يَفْعَلُ ذلكَ. وقد قيلَ: إنَّهُ كانَ يَصومُها في نفسِهِ، وإنَّما كَرِهَها على وجهٍ يُخْشى منهُ أنْ يُعْتَقَدَ فريضتُها لئلَّا يُزادَ في رمضانَ ما ليسَ منهُ.
• وأمَّا الذينَ اسْتَحَبُّوا صيامَها؛ فاخْتَلَفوا في صفةِ صيامِها على ثلاثةِ أقوالٍ:
أحدُها: أنَّهُ يُسْتَحَبُّ صيامُها مِن أوَّلِ الشَّهرِ متتابعةً. وهوَ قولُ الشَّافِعِيِّ وابنِ المُبارَكِ. وقد رُوِيَ في حديثِ أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: "مَن صامَ ستَّةَ أيَّامٍ بعدَ الفطرِ متتابعةً؛ فكأنَّما صامَ السَّنةَ" (^١). خَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ وغيرُهُ مِن طرقٍ ضعيفةٍ. ورُوِيَ موقوفًا. ورُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ مِن قولِهِ بمعناهُ بإسنادٍ ضعيفٍ أيضًا.
والثَّاني: أنَّهُ لا فرقَ بينَ أنْ يُتابِعَها أو يُفَرِّقَها مِن الشَّهرِ كلِّهِ، وهُما سواءٌ. وهوَ قولُ وَكيعٍ وأحْمَدَ.
والثَّالثُ: أنَّهُ لا يُصامُ عَقِيبَ يومِ الفطرِ؛ فإنَّها أيَّامُ أكلٍ وشربٍ، ولكنْ يُصامُ ثلاثةُ أيَّامٍ قبلَ أيَّامِ البيضِ أو بعدَها وأيَّامُ البيضِ (^٢). وهذا قولُ مَعْمَرٍ وعَبْدِ الرَّزَّاقِ ويُرْوى عن
_________________
(١) (ضعيف). رواه الطبراني في "الأوسط" (٧٦٠٣): ثنا محمّد بن إسحاق بن إبراهيم، ثني أبي، ثنا سعيد بن الصلت، ثنا الحسن بن عمرو الفقيمي، عن يزيد بن خصيفة، عن ثوبان، عن أبي هريرة … رفعه. قال الطبراني: "تفرّد به شاذان [إسحاق بن إبراهيم] وقال: عن يزيد عن ثوبان، وإنّما يزيد عن محمّد بن عبد الرحمن بن ثوبان". وقال المنذري: "إسناد فيه نظر". وقال الهيثمي (٣/ ١٨٧): "فيه من لم أعرفه". قلت: يزيد عن ثوبان منقطع، إلّا إن كان خطأ صوابه ما ذكر الطبراني. وسعيد بن الصلت ما عرفته، والغالب أنّ صوابه سعد بن الصلت، وهذا صالح الحديث. ومحمّد بن إسحاق ما وقفت له على ترجمة، ولعلّه هو الذي لم يعرفه الهيثمي، وهو علّة السند القادحة. وقد ضعّفه المنذري وابن رجب والهيثمي.
(٢) في خ: "ثلاثة أيّام قبل أيّام البيض وأيّام البيض أو بعدها"، وفي م: "ثلاثة أيّام قبل أيّام البيض أو بعدها"، والأولى ما أثبتّه من ط.
[ ٤٨٩ ]
عَطاءٍ، حتَّى رُوِيَ عنهُ أنَّهُ كَرِهَ لمَن عليهِ صيامٌ مِن قضاءِ رمضانَ أنْ يَصومَهُ ثمَّ يَصِلَهُ بصيامِ تطوُّعٍ، وأمَرَ بالفصلِ بينَهُما. وهوَ قولٌ شاذٌّ.
وأكثرُ العلماءِ على أنَّهُ لا يُكْرَهُ صيامُ ثاني يومِ الفطرِ، وقد دَلَّ عليهِ حديثُ: عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ أنَّهُ قالَ لرجلٍ: "إذا أفْطَرْتَ فَصُمْ" (^١). وقد ذَكَرْناهُ في صيامِ آخرِ شعبانَ.
وقد سَرَدَ طائفةٌ مِن الصَّحابةِ والتَّابعينَ الصَّومَ إلَّا يومَ فطرٍ وأضحى (^٢).
وقد رُوِيَ عن أمِّ سَلَمَةَ؛ أنَّها كانَتْ تَقولُ لأهلِها: مَن كانَ عليهِ رمضانُ؛ فلْيَصُمْهُ الغدَ مِن يومِ الفطرِ، فمَن صامَ الغدَ مِن يومِ الفطرِ؛ فكأنَّما صامَ رمضانَ. وفي إسنادِهِ ضعفٌ.
وعنِ الشَّعْبِيِّ؛ قالَ: لأنْ أصومَ يومًا بعدَ رمضانَ أحبُّ إليَّ مِن أنْ أصومَ الدَّهرَ كلَّهُ.
ويُرْوى بإسنادٍ ضعيفٍ عن ابن عُمَرَ مرفوعًا: "مَن صامَ بعدَ الفطرِ يومًا؛ فكأنَّما صامَ السَّنةَ" (^٣).
وبإسنادٍ ضعيفٍ عن ابن عَبَّاسٍ مرفوعًا: "الصَّائمُ بعدَ رمضانَ كالكارِّ بعدَ الفارِّ" (^٤).
• وأمَّا صيامُ شوَّالٍ كلِّهِ؛ ففي حديثِ رجلٍ مِن قريشٍ سَمعَ النَّبيَّ - ﷺ - يَقولُ: "مَن صامَ رمضانَ وشوَّالًا والأربعاءَ والخميسَ؛ دَخَلَ الجنَّةَ" (^٥). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ
_________________
(١) متّفق عليه. تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٣٣٣ - ٣٣٤).
(٢) تقدّم (ص ٩٤) ما فيه، ومراده بإيراده هنا جواز صوم ثاني يوم الفطر، وهو كما قال.
(٣) (ضعيف). لم أقف عليه، فحسبي فيه قول من وقف عليه، بل الغالب على ما عهدت من طريقة المصنّف يرحمه الله أنّه دون ذلك. وانظر ما بعده.
(٤) (ضعيف جدًّا). رواه: أبو الشيخ في "الثواب"، والبيهقي في "الشعب" (٣٧٣٧) و"فضائل الأوقات" (٢٠٠)، والديلمي في "الفردوس" (٤/ ٢٣١ - فيض)؛ من طريق ابن أبي السريّ، ثنا بقيّة بن الوليد، عن إسماعيل بن بشير، عن عكرمة، عن ابن عبّاس … رفعه. وهذا سند واه: ابن أبي السريّ كثير الوهم، وبقيّة عنعن على تدليسه، وإسماعيل بن بشير ضعيف، وقال الألباني: "ضعيف جدًّا".
(٥) (ضعيف). رواه: أحمد وابنه (٣/ ٤١٦)، والحارث (٣٣٥ - هيثمي)، والنسائي في "الكبرى" =
[ ٤٩٠ ]
والنَّسائِيُّ.
وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ وأبو داوودَ والنَّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ: مُسْلِمٍ القُرَشِيِّ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ أنَّهُ سُئِلَ عن صيامِ الدَّهرِ، فقالَ: "إنَّ لأهلكَ عليكَ حقًّا، فصُم رمضانَ والذي يَليهِ وكلَّ أربعاءٍ وخميسٍ، فإذا أنتَ قد صُمْتَ الدَّهرَ وأفْطَرْتَ" (^١).
وخَرَّجَ ابنُ ماجَهْ بإسنادٍ منقطعٍ، أنَّ أُسامةَ بنَ زيدٍ كانَ يَصومُ أشهرَ الحرمِ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "صُمْ شوَّالًا"، فتَرَكَ أشهرَ الحرمِ ثمَّ لمْ يَزَلْ يَصومُ شوَّالًا حتَّى ماتَ (^٢).
وخَرَّجَهُ أبو يَعْلى المَوْصِلِيُّ بإسنادٍ متَّصلٍ: عن أُسامَةَ؛ قالَ: كنتُ أصومُ شهرًا مِن السَّنةِ، فقالَ ليَ النَّبيُّ - ﷺ -: "أينَ أنتَ مِن شوَّالٍ؟ ". فكانَ أُسامَةُ ﵁ إذا أفْطَرَ
_________________
(١) = (٢٧٧٨)، وابن عدي (٧/ ٢٥٨١)، والبيهقي في "الشعب" (٣٨٧٠)، والخطيب في "أوهام الجمع" (٢/ ٢٠٥)؛ من طريق هلال بن خبّاب، عن عكرمة بن خالد، ثني عريف من قريش، ثني أبي … رفعه. قال الهيثمي (٣/ ١٩٣): "فيه من لم يسّم". قلت: وهلال كبر وتغيّر. وقد ضعّفه الألباني.
(٢) (ضعيف). رواه: البخاري في "التاريخ" (٧/ ٢٥٣)، وأبو داوود (٨ - الصيام، ٥٧ - صوم شوّال، ١/ ٧٣٩/ ٢٤٣٢)، والترمذي (٦ - الصوم، ٤٥ - صوم الأربعاء والخميس، ٣/ ١٢٣/ ٧٤٨)، والحارث في "المسند" (٣٣٦ - زوائد الهيثمي)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٨٦٢)، والنسائي في "الكبرى" (٢٧٧٩ و٢٧٨٠)، وابن قانع في "المعجم" (٢/ ١٧٩/ ٦٦٦)، وابن منده في "الصحابة" (٣/ ١٧٧ - غابة)، وأبو نعيم في "المعرفة" (٣/ ١٧٧ - غابة)، والبيهقي في "الشعب" (٣٨٦٨ و٣٨٦٩) و"فضائل الأوقات" (٢٠١)، وابن الجوزي في "الواهيات" (٩٠٧)، وابن الأثير في "الغابة" (٤/ ١٢٦)؛ من طريق هارون بن سلمان الفرّاء، ثنا عبيد الله بن مسلم (وقال بعضهم: مسلم بن عبيد الله) القرشي، ثني أبي … رفعه. قال الترمذي: "حديث غريب". وقال المنذري: "رواته ثقات". قلت: عبيد الله بن مسلم مجهول، فالقول قول الترمذي، وقد ضعّفه الألباني.
(٣) (ضعيف). رواه: ابن ماجه (٧ - الصيام، ٤٣ - صيام الحرم، ١/ ٥٥٥/ ١٧٤٤)، والضياء في "المختارة" (٤/ ١٤٥/ ١٣٥٩)؛ من طريق قويّة، عن محمّد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ، أنّ أُسامة … فذكره. قال البوصيري: "إسناد رجاله ثقات وفيه مقال. قال العلائي في "المراسيل": ذكر في "التهذيب" أنّ محمّد بن إبراهيم التيميّ أرسل عن أُسامة وأُسيد بن حضير. قال شيخنا أبو زرعة: "لم يذكر في "التهذيب" أنّه أرسل عن أُسامة، وإنّما قال: روى عن أُسامة بن زيد وأُسيد بن حضير مرسل، فتوهّم العلائيّ عوده لهما، وليس كذلك، وإنّما هو عائد إلى أُسيد فقط". قلت: بل إليهما معًا، وهو ما استظهره العسقلاني في "تهذيبه"، ثمّ إنّي لم أقف على رواية لمحمّد التيميّ عن أُسامة غير هذه، وقد ساقها مرسلة، فترجّح أنّ حديثه كلّه عنه مرسل، ولذلك تابع أبو زرعة قائلًا: "نعم؛ الحديث الذي في "سنن ابن ماجه" من رواية التيميّ عن أُسامة لم يسنده إليه فليس بمتّصل". قلت: فقد اتّفقوا إذن على أنّ هذه الرواية معلولة منقطعة. وانظر ما بعده.
[ ٤٩١ ]
رمضانَ؛ أصْبَحَ الغدَ صائمًا مِن شوَّالٍ حتَّى يَأْتِىَ على آخرِهِ (^١).
وصيامُ شوَّالٍ كصيامِ شَعْبانَ؛ لأنَّ كلا الشَّهرينِ حريمٌ لشهرِ رمضانَ، وهُما يَلِيانِهِ.
وقد ذَكَرْنا في فضلِ صيامِ شعبانَ أن الأظهرَ أن صيامَهُما أفضلُ مِن صيامِ الأشهرِ الحرمِ، والاختلافَ في ذلكَ.
• وإنَّما كانَ صيامُ رمضانَ وإتباعُهُ بستٍّ مِن شوَّالٍ يَعْدِلُ صيامَ الدَّهرِ؛ لأنَّ الحسنةَ بعشرِ أمثالِها.
وقد جاءَ ذلكَ مفسَّرًا مِن حديثِ ثوبانَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "صيامُ رمضانَ بعشرةِ أشهرٍ، وصيامُ ستَّةِ أيَّامٍ بشهرينِ، فذلكَ صيامُ سنةٍ" (^٢)؛ يَعْني: رمضانَ وستَّةَ أيَّامٍ بعدَهُ. خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ - وهذا لفظُهُ - وابنُ حِبَّانَ في "صحيحِهِ"، وصَحَّحَهُ أبو حاتِمٍ الرَّازِيُّ. وقالَ الإمامُ أحْمَدُ: ليسَ في أحاديثِ البابِ أصحُّ منهُ. وتَوَقَّفَ فيهِ في روايةٍ أُخرى.
_________________
(١) (ضعيف). لم أقف عليه في مطبوع "مسند أبي يعلى" فلعلّه في "مسنده الكبير"، لكن ساق البوصيريّ رحمة الله عليه طريقه فكفانا مؤنة الحدس والرجم بالغيب فقال: "رواه أبو يعلى في "مسنده" من طريق محمّد بن إسحاق، عن أبي محمّد بن أُسامة، عن جدّه أُسامة … به مرفوعًا". وهذا سند واهٍ وإن سلمت الطريق إلى ابن إسحاق: فابن إسحاق عنعن علي تدليسه. وأبو محمّد بن أُسامة لم أقف له على ذكر، والغالب على الظنّ أنّه تحريف صوابه محمّد بن أسامة بن محمّد بن أسامة، فهذا الذي ذكر أهل التواريخ رواية ابن إسحاق عنه، وهو رجل مجهول، وروايته عن أسامة بن زيد منقطعة، بينه وبينه أبوه وجده، وأبوه مجهول مثله، فالسند واه بمرة بعنعنة مدلس ومجهولين أو بعنعنة مدلس وانقطاع أو إعضال. فالطريق المتقدّمة آنفًا منقطعة، وهذه واهية راجحة الانقطاع في الموضع نفسه، بل لا يبعد أنّ التيميّ في الطريق الأولى تلقّاه عن أبي محمد في الثانية، فتعود الطريقان واحدة. وإلى تقوية الحديث بطريقيه مال ابن رجب والبوصيري والسيوطي والمناوي، وقد تقدّم لك ما فيهما، وضعّفه الألباني، وهو الأولى بقواعد المصطلح. والله أعلم.
(٢) (صحيح). رواه: أحمد (٥/ ٢٨٠)، والدارمي (٢/ ٢١)، وابن ماجه (٧ - الصيام، ٣٣ - صيام ستّة أيّام، ١/ ٥٤٧/ ١٧١٥)، والنسائي في "الكبرى" (٢٨٦٠ و٢٨٦١)، وابن خزيمة (٢١١٥)، والروياني (١٣٤)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (٣/ ١١٩)، وابن حبّان (٣٦٣٥)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢/ ١٠٢/ ١٤٥١) و"الشاميين" (٤٨٥ و٨٩٨ و٩٠٣)، والبيهقي في "الشعب" (٣٧٣٥ و٣٧٣٦) و"السنن" (٤/ ٢٩٣)، والخطيب في "التاريخ" (٢/ ٣٦٢)؛ من طرق قويّة، عن يحيى بن الحارث، أني أبو أسماء الرحبي، عن ثوبان … رفعه بهذا اللفظ وبنحوه. وهذا سند صحيح، صحّحه أحمد وأبو حاتم وابن خزيمة وابن حبّان والمنذري والبوصيري والألباني.
[ ٤٩٢ ]
ولا فرقَ في ذلكَ بينَ أنْ يَكونَ شهرُ رمضانَ ثلاثينَ أو تسعًا وعشرينَ. وعلى هذا حَمَلَ بعضُهُم قولَ النَّبيِّ - ﷺ -: "شهرا عيدٍ لا يَنْقُصانِ؛ رمضانُ، وذو الحجَّةِ" (^١)، وقالَ: المرادُ كمالُ أجرِهِ، سواءٌ كانَ ثلاثينَ أو تسعًا وعشرينَ. وأنَّهُ إذا أُتِّبِعَ بستَّةِ أيَّامٍ مِن شوَّالٍ؛ فإنَّهُ يَعْدِلُ صيامَ الدَّهرِ على كلِّ حالٍ. وكَرِهَ إسْحاقُ بنُ راهَوَيْهِ أنْ يُقالَ لشهرِ رمضانَ إنَّهُ ناقصٌ وإنْ كانَ تسعًا وعشرينَ لهذا المعنى.
فإن قالَ قائلٌ: فلو صامَ هذهِ السِّتَّةَ أيَّامٍ مِن غيرِ شوَّالٍ يَحْصُلُ لهُ هذا الفضلُ؛ فكيفَ خُصَّ صيامُها مِن شوَّالٍ؟ قيلَ: صيامُها مِن شوَّالٍ يَلْتَحِيُّ بصيامِ رمضانَ في الفضلِ (^٢)، فيَكونُ لهُ أجرُ صيامِ الدَّهرِ فَرَضًا. ذَكَرَ ذلكَ ابنُ المُبارَكِ، وذَكَرَ أنَّهُ في بعضِ الحديثِ، حَكاهُ عنهُ التِّرْمِذِيُّ في "جامعه". ولعلَّهُ أشارَ إلى ما رُوِيَ عن أُمِّ سَلَمَةَ؛ أنَّ مَن صامَ الغدَ مِن يومِ الفطرِ؛ فكأنَّما صامَ رمضانَ (^٣).
• وفي معاودةِ الصِّيامِ بعدَ رمضانَ فوائدُ عديدةٌ:
* منها: أن صيامَ ستَّةِ أيَّامٍ مِن شوَّالٍ بعدَ رمضانَ يُسْتكمَلُ بها أجرُ صيامِ الدَّهرِ كلِّهِ كما سَبَقَ.
* ومنها: أن صيامَ شوَّالٍ وشعبانَ كصلاةِ السُّننِ الرَّواتبِ قبلَ الصَّلاةِ المفروضةِ وبعدَها، فيَكْمُلُ بذلكَ ما حَصَلَ في الفرضِ مِن خللٍ ونقصٍ. فإنَّ الفرائضَ تُكْمَلُ بالنَّوافلِ يومَ القيامةِ، كما وَرَدَ ذلكَ عن النَّبيِّ - ﷺ - مِن وجوهٍ متعدِّدةٍ (^٤). وأكثرُ النَّاسِ في صيامِهِ للفرضِ نقصٌ وخللٌ، فيَحْتاجُ إلى ما يَجْبُرُهُ ويُكْمِلُهُ مِن الأعمالِ.
ولهذا نَهى النَّبيُّ - ﷺ - أنْ يَقولَ الرَّجلُ: صُمْتُ رمضانَ كلَّهُ أو قُمْتُهُ كلَّهُ. قالَ الصَّحابيُّ: فلا أدْري؛ أكَرِهَ التَّزكيةَ أم لا بدَّ مِن غفلةٍ (^٥). وكانَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ رَحِمَهُ
_________________
(١) رواه: البخاري (٣٠ - الصوم، ١٢ - شهرا عيد لا ينقصان، ٤/ ١٢٤/ ١٩١٢)، ومسلم (١٣ - الصيام، ٧ - معنى قوله شهرا عيد لا ينقصان، ٢/ ٧٦٦/ ١٠٨٩)؛ من حديث أبي بكرة.
(٢) في خ: "في أجر الفضل"! وقد تقدّم هذا الكلام. وبيان ما فيه (ص ٣٠٨).
(٣) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤٩٠).
(٤) انظر لهذا: "جامع الأصول" (١٠/ ٤٣٤/ ٧٩٦٤ - ٧٩٦٦).
(٥) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤٨٥).
[ ٤٩٣ ]
اللهُ يَقولُ: مَن لم يَجِدْ ما يَتَصَدَّقُ بهِ فلْيَصُمْ (^١). يَعْني: مَن لم يَجِدْ ما يُخْرِجُهُ صدقةً [لـ]ـــــلفطرِ في آخرِ رمضانَ فلْيَصُمْ بعدَ الفطرِ؛ فإنَّ الصِّيامَ يَقومُ مقامَ الإطعامِ في التَّكفيرِ للسَّيِّئاتِ كما يَقومُ مقامَهُ في كفَّاراتِ الأيمانِ وغيرِها مِن الكفَّاراتِ مثلِ كفَّارةِ القتلِ والوطءِ في رمضانَ والظِّهارِ.
* ومنها: أن معاودةَ الصِّيامِ بعدَ صيامِ رمضانَ علامةٌ على قبولِ صومِ رمضانَ؛ فإنَّ الله إذا تَقَبَّلَ عملَ عبدٍ وَفَّقَهُ لعملٍ صالحٍ بعدَهُ، كما قالَ بعضُهُم: ثوابُ الحسنةِ الحسنةُ بعدَها، فمَن عَمِلَ حسنةً ثمَّ أتْبَعَها بحسنةٍ بعدَها؛ كانَ ذلكَ علامةً على قبولِ الحسنةِ الأُولى، كما أن مَن عَمِلَ حسنةً ثمَّ أتْبَعَها بسيِّئةٍ؛ كانَ ذلكَ علامةَ ردِّ الحسنةِ وعدمِ قبولِها.
* ومنها: أن صيامَ رمضانَ يُوجِبُ مغفرةَ ما تَقَدَّمَ مِن الذُّنوبِ كما سَبَقَ ذكرُهُ، وأنَّ الصَّائمينَ لرمضانَ يُوَفَّوْنَ أُجورَهُم في يومِ الفطرِ، وهوَ يومُ الجوائزِ. فيَكونُ معاودةُ الصِّيامِ بعدَ الفطرِ شكرًا لهذهِ النِّعمةِ، فلا نعمةَ أعظمُ مِن مغفرةِ الذُّنوبِ.
كانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَقومُ حتَّى تتوَرَّمَ قدماهُ، فيُقالُ لهُ: أتَفْعَلُ ذلكَ وقد غَفَرَ اللهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذنبِكَ وما تَأخَّرَ؟ فيَقولُ: "أفلا أكونُ عبدًا شكورًا؟ " (^٢).
وقد أمَرَ اللهُ سبحانَهُ عبادَهُ بشكرِ نعمةِ صيامِ رمضانَ بإظهارِ ذكرِهِ وغيرِ ذلكَ مِن أنواعِ شكرِهِ، فقالَ تَعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فمِن جملةِ شكرِ العبدِ لربِّهِ على توفيقِهِ لصيامِ رمضان وإعانتِهِ عليهِ ومغفرةِ ذنوبِهِ أنْ يَصومَ لهُ شكرًا عقيبَ ذلكَ.
كانَ بعضُ السَّلفِ إذا وُفِّقَ لقيامِ ليلةٍ مِن الليالي؛ أصْبَحَ في نهارِها صائمًا، ويَجْعَلُ صيامَهُ شكرًا للتَّوفيقِ للقيامِ.
_________________
(١) إن صحّ هذا عن عمر بن عبد العزيز؛ فإنّما قاله لتطييب قلب من لم يجد ما ينفقه زكاة لفطره وجبر إحساسه بنقص صومه. والأصل أنّ من لم يجد ما ينفقه زكاة لفطره فلا صيام عليه ولا غيره.
(٢) رواه: البخاري (١٩ - التهجّد، ٦ - قيام النبيّ - ﷺ -، ٣/ ١٤/ ١١٣٩)، ومسلم (٥٠ - المنافقين، ١٨ - إكثار الأعمال، ٤/ ٢١٧١/ ٢٨١٩)؛ من حديث المغيرة بن شعبة.
[ ٤٩٤ ]
وكانَ وُهَيْبُ بنُ الوَرْدِ يُسْألُ عن ثوابِ شيءٍ مِن الأعمالِ كالطَّوافِ ونحوِهِ، فيَقولُ: لا تَسْألوا عن ثوابِهِ، ولكنْ سَلُوا ما الذي على مَن وُفِّقَ لهذا العملِ مِن الشُّكرِ للتَّوفيقِ والإعانةِ عليهِ.
إذا أنْتَ لَمْ تَزْدَدْ عَلى كُلِّ نِعْمَةٍ … لِمُولِيكَها شُكْرًا فَلَسْتَ بِشاكِرِ
كلُّ نعمةٍ على العبدِ مِن اللهِ في دينٍ أو دنيا تَحْتاجُ إلى شكرٍ عليها، ثمَّ التَّوفيقُ للشُّكرِ عليها نعمةٌ أُخرى تَحْتاجُ إلى شكرٍ ثانٍ، دمَّ التَّوفيقُ للشُّكرِ الثَّاني نعمةٌ أُخرى تَحْتاجُ إلى شكرٍ آخرَ … وهكذا أبدًا، فلا يَقْدِرُ العبادُ على القيامِ بشكرِ النِّعمِ.
وحقيقةُ الشُّكرِ الاعترافُ بالعجزِ عن الشُّكرِ، كما قيلَ:
إذا كانَ شُكْري نِعْمَةَ اللهِ نِعْمَةً … عَلَيَّ لَهُ في مِثْلِها يَجِبُ الشُّكْرُ
فَكَيْفَ بُلوغُ الشُّكْرِ إلَّا بِفَضْلِهِ … وَإنْ طالَتِ الأيَّامُ وَاتَّصَلَ العُمْرُ
قالَ أبو عَمْرٍو الشَّيْبانِيُّ: قالَ موسى ﵇ يومَ الطُّورِ: يا ربِّ! إنْ أنا صَلَّيْتُ فمِن قِبَلِكَ، وإنْ أنا تَصَدَّقْتُ فمِنْ قِبَلِكَ، وإنْ بَلَّغْتُ رسالاتِكَ فمِن قِبَلِكَ؛ فكَيْفَ أشْكُرُكَ؟ قالَ: يا موسى! الآنَ شَكَرْتَني.
فأمَّا مقابلةُ نعمةِ التَّوفيقِ لصيامِ رمضانَ بارتكابِ المعاصي بعدَهُ؛ فهوَ مِن فعلِ مَن بَدَّلَ نعمةَ اللهِ كفرًا. فإنْ كانَ قد عَزَمَ في صيامِهِ على معاودةِ المعاصي بعدَ انقضاءِ الصِّيامِ؛ فصيامُهُ عليهِ مردودٌ وبابُ الرَّحمةِ في وجهِهِ مسدودٌ.
قالَ كعبٌ: مَن صامَ رمضانَ وهوَ يُحَدِّثُ نفسَهُ أنَّهُ إذا أفْطَرَ رمضانَ أنْ لا يَعْصِيَ الله؛ دَخَلَ الجنَّةَ بغيرِ مسألةٍ ولا حسابٍ، ومَن صامَ رمضانَ وهوَ يُحَدِّثُ نفسَهُ أنَّهُ إذا أفْطَرَ عَصى الله؛ فصيامُهُ عليهِ مردودٌ.
* ومنها: أن الأعمالَ التي كانَ العبدُ يَتَقَرَّبُ بها إلى ربِّهِ في شهرِ رمضانَ لا تَنْقَطِعُ بانقضاءِ رمضانَ، بل هيَ باقيةٌ بعدَ انقضائِهِ ما دامَ العبدُ حيًّا.
وهذا معنى الحديثِ المتقدِّمِ؛ أن الصَّائمَ بعدَ رمضانَ كالكارِّ بعدَ الفارِّ (^١)؛ يَعْني:
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤٩٠).
[ ٤٩٥ ]
كالذي يَفِرُّ مِن القتالِ في سبيلِ اللهِ ثمَّ يَعودُ إليهِ، وذلكَ لأنَّ كثيرًا مِن النَّاسِ يَفْرَحُ بانقضاءِ شهرِ رمضانَ لاستثقالِ الصِّيامِ ومللِهِ وطولِهِ عليهِ، ومَن كانَ كذلكَ؛ فلا يَكادُ يَعودُ إلى الصِّيامِ سريعًا، فالعائدُ إلى الصِّيامِ بعدَ فطرِهِ يومَ الفطرِ يَدُلُّ عودُهُ على رغبتِهِ في الصِّيامِ وأنَّهُ لم يَمَلَّهُ ولم يَسْتَثْقِلْهُ ولا تَكَرَّهَ بهِ.
وفي حديثِ خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مرفوعًا: "أحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ الحالُّ المرتحلُ" (^١). وفُسِّرَ بصاحبِ القرآنِ يَضْرِبُ مِن أوَّلِهِ إلى آخرِهِ ومِن آخرِهِ إلى أوَّلِهِ، فكلَّما حَلَّ ارْتَحَلَ (^٢). والعائدُ إلى الصِّيامِ سريعًا بعدَ فراغِ صيامِهِ شبيهٌ بقارئ القرآنِ إذا فَرَغَ مِن قراءتِهِ ثمَّ عادَ إليهِ في المعنى. واللهُ أعلمُ.
قيلَ لبِشْرٍ: إنَّ قومًا يَتَعَبَّدونَ ويَجْتَهِدونَ في رمضانَ. فقالَ: بئسَ القومُ قومٌ لا يَعْرِفونَ للهِ حقًّا إلَّا في شهرِ رمضانَ، إنَّ الصَّالحَ الذي يَتَعَبَّدُ ويَجْتَهِدُ السَّنةَ كلَّها.
وسُئِلَ الشِّبْلِيُّ: أيُّما أفضلُ؛ رجبٌ أو شعبانُ؟ فقالَ: كُنْ ربَّانيًّا، ولا تَكُنْ
_________________
(١) (ضعيف). رواه: الترمذي (٤٧ - القراءات، ١٣ - باب، ٥/ ١٩٧/ ٢٩٤٨)، والطبراني (١٢/ ١٣٠/ ١٢٧٨٣)، والرامهرمزي في "الأمثال" (٨٥)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٢٦٠، ٦/ ١٧٤)، والحاكم (١/ ٥٦٨)، والبيهقي في "الشعب" (٢٠٠١ و٢٠٦٩)، والمزّي في "التهذيب" (٣٠/ ٣٨٥)، والذهبي في "النبلاء" (٤/ ٥١٦)؛ من طرق، عن صالح المزي، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن ابن عبّاس … رفعه. قال الترمذي والحاكم وأبو نعيم: "تفرّد به صالح المرّي". وقال الذهبي: "صالح متروك". قلت: هذه علّة، وهاهنا علّة أُخرى فقد رواه: الدارمي (٢/ ٤٦٩)، والترمذي (الموضع السابق)؛ عن صالح، عن قتادة، عن زرارة … مرسلًا. قال الترمذي: "هذا عندي أصحّ". ورواه الحاكم (١/ ٥٦٩) من طريق مقدام بن داوود الرعيني، عن خالد بن نزار، عن الليث بن سعد، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن الأعرج، عن أبي هريرة … رفعه. قال الذهبي: "لم يتكلّم عليه الحاكم، وهو موضوع على سند الصحيحين، والمقدام متكلّم فيه، والآفة منه". ورواه ابن المبارك في "الزهد" (٨٠٠): أنا إسماعيل بن رافع، عن رجل من الإسكندريّة، عن النبيّ - ﷺ -. وإسماعيل واهٍ، وفيه الرجل المبهم، ثمّ هو مرسل بعد ذلك أو معضل. وجملة القول أنّ الحديث جاء عن النبيّ - ﷺ - من أوجه ثلاثة شديدة الضعف لا يفيدها اجتماعها قوّة، ولذلك ضعّفه الترمذي والحاكم وأبو نعيم والذهبي والألباني.
(٢) جاء في حاشية خ هنا: "وقال الشيخ محيي الدين النووي في كتابه "آداب حملة القرآن": يستحبّ إذا فرغ من الختمة أن يشرع في أُخرى عقيب الختمة، فقد استحبّه السلف واحتجّوا فيه بحديث أنس ﵁ أنّ رسول الله - ﷺ - قال: خير الأعمال الحل والرحلة. قيل: وما هما؟ قال: افتتاح القرآن وختمه".
[ ٤٩٦ ]
شعبانيًّا. ثمَّ أنْشَدَ:
إذا كُنْتُ في حَرْبِ الهَوى مُتَجَرِّدًا … فَفي كُلِّ أرْضٍ لِيَ ثَغْرٌ وَطَرْسُوسُ (^١)
• كانَ النَّبيُّ - ﷺ - عملُهُ ديمةٌ. وسُئِلَتْ عائِشَةُ: هل كانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَخُصُّ يومًا مِن الأيَّامِ؟ فقالَتْ: لا؛ كانَ عملُهُ ديمةً (^٢). وقالَتْ: كانَ النَّبيُّ - ﷺ - لا يَزيدُ في رمضانَ ولا غيرِهِ على إحدى عشرةَ ركعةً (^٣).
وقد كانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَقْضي ما فاتَهُ مِن أورادِهِ في رمضانَ في شوَّالٍ، فتَرَكَ في عامٍ اعتكافَ العشرِ الأواخرِ مِن رمضانَ، ثمَّ قضاهُ في شوَّالٍ، فاعْتكَفَ العشرَ الأوَّلَ منهُ (^٤).
وسَألَ رجلًا: هل صامَ مِن سررِ شعبانَ شيئًا؟ فقالَ: لا. فأمَرَهُ أنْ يَصومَ إذا أفْطَرَ (^٥). يَعْني: يَقْضي ما فاتَهُ مِن صيامِ شعبانَ في شوَّالٍ.
وقد تَقَدَّمَ عن أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها كانَتْ تَأْمُرُ أهلَها مَن كانَ عليهِ قضاءٌ مِن رمضانَ أنْ يَقْضِيَهِ الغدَ مِن يومِ الفطرِ.
فمَن كانَ عليهِ قضاءٌ مِن شهرِ رمضانَ؛ فلْيَبْدَأْ بقضائِهِ في شوَّالٍ؛ فإنَّهُ أسرعُ لبراءةِ ذمَّتِهِ، وهوَ أولى مِن التَّطوُّعِ بصيامِ ستٍّ مِن شوَّالٍ؛ فإنَّ العلماءَ اخْتَلَفوا فيمَن عليهِ صيامٌ مفروضٌ هل يَجوزُ أنْ يَتَطَوَّعَ قبلَهُ أم لا؟ وعلى قولِ مَن جَوَّزَ التَّطوُّعَ قبلَ القضاءِ؛ فلا يَحْصُلُ مقصودُ صيامِ ستَّةِ أيَّامٍ مِن شوَّالٍ إلَّا لمَن أكْمَلَ صيامَ رمضانَ ثمَّ أتْبَعَهُ ستًّا مِن شوَّالٍ (^٦)، فمَن كانَ عليهِ قضاءٌ مِن رمضانَ ثمَّ بَدَأ بصيامِ ستٍّ مِن شوَّالٍ تطوُّعًا؛ لم
_________________
(١) في خ: "فكلّ أرض لي ثغر وطرسوس"! وفي م: "فكلّ أرضي ثغر لي وطرسوس"! ولا يستقيم الوزن إلّا بما أثبتّه. وطرسوس مدينة اقتتل عليها المسلمون والأرمن مرارًا.
(٢) رواه: البخاري (٣٠ - الصوم، ٦٤ - هل يخصّ شيئًا، ٤/ ٢٣٥/ ١٩٨٧)، ومسلم (٦ - المسافرين، ٣٠ - فضيلة العمل الدائم، ١/ ٥٤١/ ٧٨٣).
(٣) رواه: البخاري (١٩ - التهجّد، ١٦ - قيامه - ﷺ -، ٣/ ٣٣/ ١١٤٧)، ومسلم (٦ - المسافرين، ١٧ - صلاة الليل، ١/ ٥٠٩/ ٧٣٨).
(٤) رواه: البخاري (٣٣ - الاعتكاف، ٦ - اعتكاف النساء، ٤/ ٢٧٥/ ٢٠٣٣)، ومسلم (١٤ - الاعتكاف، ٢ - متى يدخل من أراد الاعتكاف، ٢/ ٨٣١/ ١٧٣)؛ من حديث عائشة.
(٥) متفق عليه. تقدّم بلفظه وتخريجه (ص ٣٣٣ - ٣٣٤).
(٦) لأنّه ظاهر الحديث.
[ ٤٩٧ ]
يَحْصُلْ لهُ ثوابُ مَن صامَ رمضانَ ثمَّ أتْبَعَهُ بستٍّ مِن شوَّالٍ؛ حيثُ لم يُكْمِلْ عدَّةَ رمضانَ، كما لا يَحْصُلُ لمَن أفْطَرَ رمضانَ لعذرٍ بصيامِ ستَّةِ أيَّامٍ مِن سوَّالٍ أجرُ صيامِ السَّنةِ بغيرِ إشكالٍ (^١). ومَن بَدَأ بالقضاءِ في شوَّالٍ، ثمَّ أرادَ أنْ يُتْبعَ ذلكَ بصيامِ ستٍّ مِن شوَّالٍ بعدَ تكملةِ قضاءِ رمضانَ؛ كانَ حسنًا؛ لأنَّهُ يَصيرُ حينئذٍ قد صامَ رمضانَ وأتْبَعَهُ بستٍّ مِن شوَّالٍ. ولا يَحْصُلُ لهُ فضلُ صيامِ ستٍّ مِن شوَّالٍ بصومِ قضاءِ رمضانَ؛ لأنَّ صيامَ السِّتِّ مِن شوَّالٍ إنَّما يَكونُ بعدَ إكمالِ عدَّةِ رمضانَ.
عملُ المؤمنِ لا يَنْقَضي حتَّى يَأْتِيَهُ أجلُهُ.
قالَ الحَسَنُ: إنَّ الله لمْ يَجْعَلْ لعملِ المؤمنِ أجلًا دونَ الموتِ، ثمَّ قَرَأ ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩].
هذهِ الشُّهورُ والأعوام والليالي والأيَّام كلُّها مقاديرُ للآجال ومواقيتُ للأعمال، ثمَّ تَنْقَضي سريعًا وتَمْضي جميعًا. والذي أوْجَدَها وابْتَدَعَها وخَصَّها بالفضائلِ وأوْدَعَها باقٍ لا يَزول ودائمٌ لا يَحول، هوَ في جميعِ الأوقاتِ إلهٌ واحد ولأعمالِ عبادِهِ رقيبٌ مشاهد. فسبحانَ مَن قَلَّبَ عبادَهُ في اختلافِ الأوقاتِ بينَ وظائفِ الخِدَم (^٢)؛ لِيُسْبغَ عليهِم فيها فواضلَ النِّعم، ويُعامِلَهُم بنهايةِ الجودِ والكرم.
لمَّا انْقَضَتِ الأشهرُ الثَّلاثةُ الكرام، التي أوَّلُها الشَّهرُ الحرامُ وآخرُها شهرُ الصِّيام؛ أقْبَلَتْ بعدَها الأشهرُ الثَّلائهُ أشهرُ الحجّ إلى البيتِ الحرام. فكما أن مَن صامَ رمضانَ وقامَهُ غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذنبِه، فمَن حَجَّ البيتَ ولمْ يَرْفُثْ ولمْ يَفْسُقْ رَجَعَ مِن ذنوبِهِ كيومَ وَلَدَتْهُ أُمُّه. فما يَمْضي مِن عمرِ المؤمنِ ساعةٌ مِن السَّاعات إلَّا وللهِ عليهِ فيها وظيفةٌ مِن وظائفِ الطَّاعات، فالمؤمنُ يَتَقَلَّبُ بينَ هذهِ الوظائف ويَتَقَرَّبُ بها إلى مولاهُ وهوَ راجٍ خائف.
المحبُّ لا يَمَلُّ مِن التَّقرُّبِ بالنَّوافلِ إلى مولاه، ولا يَأْمَلُ إلَّا قربَهُ ورضاه.
_________________
(١) الأصل أن يوكل مثل هذا إلى الله جلّ وعلا؛ فإنّه أمر بين العبد وربّه، والربّ كريم، فإن صدقت النيّة لحق المعذور بالصائم والنائم بالقائم، وربّما جاوزه درجات، وكم وكم سبق درهم ألف درهم!
(٢) جمع خدمة، وقد تقدّم (ص ٤٢٥ - ٤٢٦) الكلام في لفظ "الخدمة".
[ ٤٩٨ ]
ما للمُحِبِّ سِوى إرادَةِ حِبِّهِ (^١) … إنَّ المُحِبَّ بِكُلِّ بِرٍّ يَضْرَعُ
كلُّ وقتٍ يُخْليهِ العبدُ مِن طاعةِ مولاهُ فقد خَسِرَه، وكلُّ ساعةٍ يَغْفُلُ فيها عن ذكرِ اللهِ تَكونُ عليهِ يومَ القيامةِ تِرَة. فوا أسفاهُ على زمانٍ ضاعَ في غيرِ طاعتِه! ووا حسرتاهُ على وقتٍ فاتَ في غيرِ خدمتِه (^٢)!
مَنْ فاتَهُ أنْ يَراكَ يَوْمًا … فَكُلُّ أوْقاتِهِ فَواتُ
وَحَيْثُما كُنْت مِنْ بِلادٍ … فلي إلى وَجْهِكَ الْتِفاتُ
مَن عَمِلَ طاعةً مِن الطَّاعاتِ وفَرَغَ منها؛ فعلامةُ قبولِها أنْ يَصِلَها بطاعةٍ أُخرى، وعلامةُ ردِّها أنْ يُعْقِبَ تلكَ الطَّاعةَ بمعصيةٍ.
ما أحْسَنَ الحسنةَ بعدَ السَّيِّئةِ تَمْحُوها! وأحْسَنُ منها الحسنةُ بعدَ الحسنةِ تَتْلوها.
وما أقْبَحَ السَّيِّئةَ بعدَ الحسنةِ تَمْحَقُها وتَعْفوها!
ذنبٌ واحدٌ بعدَ التَّوبةِ أقبحُ مِن سبعينَ ذنبًا قبلَها.
النَّكسةُ أصعبُ مِن المرضِ وربَّما أهْلَكَتْ.
سَلُوا الله الثَّباتَ على الطَّاعاتِ إلى المماتِ، وتَعَوَّذوا بهِ مِن تَقَلُّبِ القلوبِ ومِنَ الحورِ بعدَ الكورِ.
ما أوحشَ ذلَّ المعصيةِ بعدَ عزِّ الطَّاعة، وأفحشَ فقرَ الطَّمعِ بعدَ غنى القناعة!
ارْحَموا عزيزَ قومٍ بالمعاصي ذَلَّ، وغنيَّ قومٍ بالذُّنوبِ افْتَقَرَ.
تَرى الحَيَّ الأُلَى بانوا (^٣) … عَلى العَهْدِ كَما كانوا
أمِ الدَّهْرُ بِهِمْ خانَ … وَدَهْرُ المَرْءِ خَوَّانُ
إذا عَزَّ بِغَيْرِ اللـ … ــــــــــــهِ يَوْمًا مَعْشَرٌ هانوا
يا شبابَ التَّوبةِ! لا تَرْجِعوا إلى ارتضاعِ ثدي الهوى [مِن] بعدِ الفطام؛ فالرَّضاعُ إنَّما يَصْلُحُ للأطفالِ لا للرِّجال! ولكنْ لا بدَّ مِن الصَّبرِ على مرارةِ الفطامِ، فإنْ صَبَرْتُمْ؛
_________________
(١) بكسر الحاء؛ أي: محبوبه.
(٢) تقدّم (ص ٤٢٥ - ٤٢٦) الكلام فيما في لفظ "الخدمة" هنا من إشكال.
(٣) الأُلى بانوا: الذين بانوا.
[ ٤٩٩ ]
تَعَوَّضْتُم عن لذَّةِ الهوى بحلاوةِ الإيمانِ في القلوبِ. مَن تَرَكَ للهِ شيئًا؛ لم يَجِدْ فقدَهُ وعَوَّضَهُ اللهُ خيرًا منهُ. ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠]. وفي الحديثِ: "النَّظرُ سهمٌ مسمومٌ مِن سهامِ إبْليسَ، مَن تَرَكَهُ مِن خوفِ اللهِ؛ أعْطاهُ اللهُ إيمانًا يَجِدُ حلاوتَهُ في قلبِهِ" (^١). خرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ.
وهذا الخطابُ للشَّبابِ. فأمَّا الشيخُ إذا عاوَدَ المعاصيَ بعدَ انقضاءِ رمضانَ؛ فهوَ أقبحُ وأقبحُ؛ لأنَّ الشَّبابَ يُؤَمِّلُ معاودةَ التَّوبةِ في آخرِ عمرِهِ، وهوَ مخاطرٌ؛ فإنَّ الموتَ قد يُعاجِلُهُ وقد يَطْرُقُهُ بغتةً. فأمَّا الشَّيخُ؛ فقد شارَفَ مركبُهُ ساحلَ بحرِ المنونِ؛ فماذا
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). وقد جاء من حديث جماعة من الصحابة: • فرواه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي واضطرب فيه على أربعة وجوه: روى أوّلها: الحاكم (٤/ ٣١٣)، والقضاعي (٢٩٢)، وابن الجوزي في "ذمّ الهوى" (ص ١١٦)، والذهبي في "الميزان" (١/ ١٩٤) تعليقًا؛ عنه، عن محارب بن دثار، عن صلة بن زفر، عن حذيفة … رفعه. قال الحاكم: "صحيح الإسناد"، وأقرّه العراقي، وضعّفه المنذري، وقال الذهبي: في الطريق إليه "إسحاق بن عبد الواحد القرشي واه، وعبد الرحمن هو الواسطي ضعّفوه". وروى الثاني الطبراني (١٠/ ١٧٣/ ١٠٣٦٢) عنه، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود … رفعه بنحوه. قال الهيثمي (٨/ ٦٦): "فيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف". وروى الثالث القضاعي (٢٩٣) عنه، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر … رفعه. وروى الرابع ابن الجوزي في "ذمّ الهوى" (ص ١١٦) عنه، عن النعمان بن سعد، عن علي … رفعه وجعله قدسيًّا. وما من حاجة هنا إلى دراسة الطرق والترجيح؛ فإنّ الواسطيّ هذا واه منكر الحديث. • ورواه: أبو نعيم في "الحلية" (٦/ ١٠١)، وابن الجوزي في "ذم الهوى" (ص ١١٥ - ١١٦)؛ من طريق أبي مهدي سعيد بن سنان، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرّة، عن ابن عمر … رفعه. وأبو مهدي هذا متّهم رموه بالوضع. • ورواه: أحمد (٥/ ٢٦٤)، والطبراني (٨/ ٢٠٨/ ٧٨٤٢)، والبيهقي في "الشعب" (٥٤٣١)، وابن الجوزي في "ذم الهوى" (ص ١١٥ و١١٦)؛ من طريق يحيى بن أيّوب، عن عبيد الله بن زحر، عن عليّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة … رفعه. قال الهيثمي (٨/ ٦٦): "فيه عليّ بن يزيد الألهاني وهو متروك". قلت: ويحيى وعبيد الله والقاسم فيهم ضعف. • ورواه ابن الجوزي في "ذمّ الهوى" (ص ١١٦ و١١٧) من طريق عصمة بن محمّد، ثنا موسى بن عقبة، عن القاسم بن محمّد، عن عائشة … رفعته. وعصمة هذا متّهم متروك. • ورواه ابن الجوزي في "ذم الهوى" (ص ٧٩) من طريق عبد العزيز بن عبد الرحمن القرشي، عن خصيف، عن أنس … رفعه مختصرًا. والقرشيّ متهم متروك، وخصيف ليّن روايته عن أنس منقطعة. فطرق الحديث شديدة الضعف لا يصلح شيء منها للاعتبار كما ترى، فاجتماعها لا يضيف للحديث قوّة، ولذلك ضعّفه المنذري والذهبي والهيثمي، وقال الألباني: "ضعيف جدًّا".
[ ٥٠٠ ]
يُؤَمِّلُ؟!
نَعَى لَكَ ظِلَّ الشَّبابِ المَشِيبُ وَنادَتْكَ بِاسْمِ سِواكَ الخُطوبُ
فَكُنْ مُسْتَعِدًّا لِداعي الفَناءِ … فَكُلُّ الَّذي هُوَ آتٍ قَريبُ
ألَسْنا نَرى شَهَواتِ النُّفو … سِ تَفْنى وَتَبْقى عَلَيْنا الذُّنوبُ
يَخافُ على نَفْسِهِ مَنْ يَتوبُ … فَكَيْفَ يَكُنْ حالُ مَن لا يَتوبُ