خَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائيُّ مِن حديثِ [أُسامَةَ بن زَيْدٍ]؛ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يَصومُ الأيَّامَ يَسْرُدُ حتَّى نَقولَ لا يُفْطِرُ، ويُفْطِرُ الأيامَ حتَّى لا يَكادُ يَصومُ؛ إلَّا يومينِ مِن الجمعةِ إنْ كانا في صيامِهِ، وإلَّا؛ صامَهُما. ولمْ يَكُنْ يَصومُ مِن الشُّهورِ ما يَصومُ مِن شعبانَ. فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ! إنَّكَ تَصومُ لا تكادُ تُفْطِرُ، وتُفْطِرُ حتَّى لا تكادُ تَصومُ إلَّا يومينِ إنْ دَخَلا في صيامِكَ وإلَّا صمتَهُما. قالَ: "أيُّ يومينِ؟ ". قُلْتُ: يومُ الاثنينِ ويومُ الخميسِ. قالَ: "ذانِكَ يومانِ تُعْرَضُ فيهِما الأعمالُ على ربِّ العالمينَ، وأُحِبُّ أنْ يُعْرَضَ عملي وأنا صائمٌ". قُلْتُ: ولم أرَكَ تَصومُ مِن الشُّهورِ ما تَصومُ مِن شعبانَ. قالَ: "ذاكَ شهرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عنهُ بينَ رجب ورمضانَ، وهوَ [شهرٌ] تُرْفَعُ فيهِ الأعمالُ إلى ربّ العالمينَ ﷿، وأُحِبُّ أنْ يُرْفَعَ عملي وأنا صائمٌ" (^١).
_________________
(١) (صحيح). رواه: عبد الرزّاق (٧٩١٧)، والطيالسي (٦٣٢)، وابن أبي شيبة (٩٢٣٤ و٩٧٦٥)، وابن سعد (٤/ ٧١)، وأحمد (٥/ ٢٠٠ و٢٠١ و٢٠٤ و٢٠٥ و٢٠٦ و٢٠٨)، والدارمي (٢/ ١٩)، وأبو داوود (٨ - الصيام، ٦٠ - صيام الاثنين والخميس، ١/ ٧٤٠/ ٢٤٣٦)، والبزّار (٧/ ٦٩/ ٢٦١٧ و٣٨٢١)، والنسائي في "السنن الكبرى" (٢٦٦٧ و٢٧٨١ - ٢٧٨٣ و٢٧٨٥) و"المجتبى" (٢٢ - الصيام، ٧٠ - صوم النبيّ - ﷺ -، ٤/ ٢٠١/ ٢٣٥٦ - ٢٣٥٨)، وابن خزيمة (٢١١٩)، والطحاوي في "شرح المعاني" (٢/ ٨٢)، وابن عديّ (٢/ ٥١٩)، وأبو نعيم في "الحلية" (٩/ ١٨)، والبيهقي في "السنن" (٤/ ٢٩٣) و"الشعب" (٣٨٢٠ و٣٨٢١ و٣٨٥٩)، والأصبهاني في "الترغيب" (١٨٣٨)، والضياء في "المختارة" (٤/ ١٤٣/ ١٣٥٦ - ١٣٥٨)؛ من طرق أربع، عن أُسامة … رفعه مطوّلًا ومختصرًا. وإحدى طرق الحديث صحيحة لذاتها، والأخرى حسنة لذاتها، والثالثة حسنة في الشواهد، والرابعة =
[ ٢٩٣ ]
قد تَضَمَّنَ هذا الحديثُ ذكرَ صيامِ النَّبيِّ - ﷺ - مِن جميعِ السَّنةِ، وصيامَهُ مِن أيَّامِ الأُسبوعِ، وصيامَهُ مِن شهورِ السَّنةِ.
• فأمَّا صيامُهُ مِن السَّنةِ؛ فكانَ - ﷺ - يَسْرُدُ الصِّيامَ أحيانًا والفِطْرَ أحيانًا، فيَصومُ حتَّى يُقالَ لا يُفْطِرُ، ويُفْطِرُ حتَّى يُقالَ لا يَصومُ.
وقد رَوَى ذلكَ أيضًا عائِشَةُ (^١) وابنُ عَبَّاسٍ وأنَسٌ وغيرُهُم.
ففي الصَّحيحينِ (^٢) عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يَصومُ حتَّى نَقولَ: لا يُفْطِرُ، ويُفْطِرُ حتَّى نَقولَ: لا يَصومُ.
وفيهِما (^٣) عن ابن عَبَّاسٍ؛ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يَصومُ إذا صامَ حتَّى يَقولَ القائلُ: لا واللهِ لا يُفْطِرُ، ويُفْطِرُ إذا أفْطَرَ حتَّى تقولَ القائلُ: لا واللهِ لا يَصومُ.
وفيهِما (^٤) عن أنَسٍ؛ أنَّهُ سُئِلَ عن صيامِ النَّبيِّ - ﷺ - فقالَ: ما كُنْتُ أُحِبُّ أنْ أراهُ مِن الشَّهرِ صائمًا إلَّا رَأيْتُهُ ولا مفطرًا إلَّا رَأيْتُهُ، ولا مِن الليلِ قائمًا إلَّا رَأيْتُهُ ولا نائمًا إلَّا رَأيْتُهُ.
ولمسلمٍ (^٥) عنهُ؛ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يَصومُ حتَّى يُقالَ: قد صامَ قد صامَ، ويُفْطِرُ حتَّى يُقالَ: قَدْ أفْطَرَ قد أفْطَرَ (^٦).
• وقد كانَ النَّبيُّ - ﷺ - يُنْكِرُ على مَن يَسْرُدُ الصَّومَ الدَّهرَ ولا يُفْطِرُ منهُ، ويُخْبِرُ عن نفسِهِ أنَّهُ لا يَفْعَلُ ذلكَ.
_________________
(١) = ضعيفة بمجهولين، والحديث صحيح غاية بمجموع طرقه الأربع بما يغني عن التفصيل فيها، وقد قوّاه ابن خزيمة والضياء المقدسي والمنذري والعسقلاني والألباني.
(٢) في خ: "أيضًا عن عائشة"! والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٣) البخاري (٣٠ - الصوم، ٥٢ - صوم شعبان، ٤/ ٢١٣/ ١٩٦٩)، ومسلم (١٣ - الصيام، ٣٤ - صيامه - ﷺ -، ٢/ ٨٠٩/ ١١٥٦).
(٤) البخاري (٣٠ - الصوم، ٥٣ - ما يذكر من صومه - ﷺ -، ٤/ ٢١٥/ ١٩٧١)، ومسلم (الموضع السابق، ٤/ ٨١١/ ١١٥٧).
(٥) بل في البخاري فقط (الموضع السابق، ١٩٧٣).
(٦) (الموضع السابق، ٤/ ٨١٢/ ١١٥٨).
(٧) زاد في خ هنا "وقد كان - ﷺ - يصوم حتّى يقال قد صام ويفطر حتّى يقال قد أفطر" مرّة أخرى.
[ ٢٩٤ ]
ففي الصَّحيحينِ (^١) عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - قالَ لهُ: "أتَصومُ النَّهارَ وتَقومُ الليلَ؟ ". قالَ: نعم. فقالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "لكنِّي أصومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وأنامُ، وأمَسُّ النِّساءَ، فمَن رَغِبَ عن سنَّتي؛ فليسَ منِّي".
وفيهِما (^٢) عن أنَسٍ؛ أن نفرًا مِن أصحابِ النَّبيِّ - ﷺ - قالَ بعضهُم: لا أتَزَوَّجُ النِّساءَ، وقالَ بعضُهُم: لا آكلُ اللحمَ، وقالَ بعضُهُم: لا أنامُ على فراشٍ. فبَلَغَ ذلكَ النَّبيَّ - ﷺ -، فخَطَبَ وقالَ: "ما بالُ أقوامٍ يَقولونَ كذا وكذا؟ لكنِّي أُصَلِّي وأنامُ، وأصومُ وأُفْطِرُ، وأتَزَوَّجُ النِّساءَ؛ فمَن رَغِبَ عن سنَّتي؛ فليسَ منِّي".
وخَرَّجَهُ النَّسائيُّ وزادَ فيهِ: وقالَ بعضُهُم: أصومُ ولا أُفْطِرُ (^٣).
وفي "مسند الإمامِ أحْمَد": عن رجلٍ مِن الصَّحابةِ قالَ: ذُكِرَ للنَّبيِّ - ﷺ - مولاةٌ لبني عبدِ المُطَّلِبِ [أنَّها] قامَتِ الليلَ وتَصومُ النَّهارَ. فقالَ النَّبي - ﷺ -: "لكنِّي أنا أنامُ وأُصَلِّي (^٤) وأصومُ وأُفْطِرُ، فمنِ اقْتَدى بي؛ فهوَ منِّي، ومَن رَغِبَ عن سنَّتي؛ فليسَ منِّي. إنَّ لكلِّ عملٍ شِرَّةً وفترةً، فمَن كانَتْ فترتُهُ إلى بدعةٍ فقد ضَلَّ، ومَن كانَتْ فترتُهُ إلى سنَّةٍ فقدِ اهْتَدى" (^٥).
_________________
(١) البخاري (٣٠ - الصوم، ٥٤ - ٥٩ - باب، ٤/ ٢١٧/ ١٩٧٤ - ١٩٨٠)، ومسلم (١٣ - الصيام، ٣٥ - النهي عن صوم الدهر، ٢/ ٨١٢/ ١١٥٩).
(٢) البخاري (٦٧ - النكاح، ١ - الترغيب في النكاح، ٩/ ١٠٤/ ٥٠٦٣)، ومسلم (١٦ - النكاح، ١ - استحباب النكاح، ٢/ ١٠٢٠/ ١٤٠١).
(٣) (صحيح). رواه: ابن سعد (١/ ٣٧١)، وأحمد (٣/ ٢٤١ و٢٨٥)، وعبد بن حميد (١٣١٨)، والنسائي في "المجتبى" (٢٦ - النكاح، ٤ - النهي عن التبتّل، ٦/ ٦٠/ ٣٢١٧) و"الكبرى" (٥٣٢٤)، وأبو نعيم في "المستخرج" (٣٢٣٨)، والبيهقي (٧/ ٧٧)؛ من طرق، عن حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس … رفعه بهذه الزيادة. وهذا سند مسلم نفسه.
(٤) في خ: "لكنّي أصلّي وأنام"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط متابعة للفظ أحمد.
(٥) (صحيح). رواه مجاهد واختلف عليه فيه على أوجه روى أوّلها: الحسين المروزي في "زوائد الزهد" (١١٠٢)، والشاشي (٨٩٤)؛ من طريق قويّ، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن مجاهد، أعن عبد الله] … رفعه بنحوه مطوّلًا ومختصرًا. وهذا سند قويّ، ووصله زيادة ثقة. وروى الثاني: أحمد (٥/ ٤٠٩)، والطحاوي في "المشكل" (٢/ ٨٨)، والطبراني في "الكبير" (٢/ ٢٨٤/ ٢١٨٦)، من طرق قويّة، عن منصور، عن مجاهد، (قال مرّة: عن رجل من الصحابة، ومرّة: عن رجل من الأنصار من أصحاب النبيّ - ﷺ -، ومرّة: عن جعدة بن هبيرة) … رفعه مطوّلًا ومختصرًا. وهذا سند قويّ، وإبهام الصحابيّ لا يضرّ، على =
[ ٢٩٥ ]
وفي "المسند" و"سنن أبي داوود" عن عائِشَةَ؛ أن عُثْمانَ بنَ مَظْعونٍ أرادَ التَّبتُّلَ، فقال لهُ النَّبيُّ - ﷺ -: "أتَرْغَبُ عن سنَّتي؟ ". قال: لا واللهِ، ولكنْ سنّتكَ أُريدُ. قال: "فإنِّي أنامُ وأُصَلِّي (^١)، وأصومُ وأُفْطِرُ، وأنْكِحُ النِّساءَ، فاتَّقِ اللهِ يا عُثْمانُ؛ فإن لأهلِكَ عليكَ حقًّا، وإنَّ لضيفِكَ عليكَ حقًّا، و[إنَّ] لنفسِكَ عليكَ حقًّا، فصُمْ وأفْطِرْ وصَل ونَمْ" (^٢).
وقد قال عِكْرِمَةُ وغيرُهُ: إنّ عُثْمانَ بنَ مَظْعونٍ وعَلِيَّ بنَ أبي طالِبٍ والمِقْدادَ وسالِمًا مولى أبي حُذَيْفَةَ في جماعةٍ تَبَتَّلوا، فجَلَسوا في البيوتِ واعْتَزَلوا النِّساءَ وحَرَّموا طيِّباتِ الطَّعامِ واللباسِ؛ إلَّا ما يَأْكُلُ ويَلْبَسُ أهلُ السِّياحةِ مِن بني إسْرائيلَ، وهَمُّوا بالاختصاءِ، وأجْمَعوا لقيامِ الليلِ وصيامِ النَّهارِ، فنَزَلَتْ [فيهِم]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا [إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]﴾
_________________
(١) = أنّ المبهم هنا محمول على المبيّن، وهو جعدة بن هبيرة، صحابيّ صغير له رؤية، ومرسله مقبول عند أهل العلم. وروى الثالث: البزّار (٧٢٤ - كشف)، والطحاوي في "المشكل" (٢/ ٨٩)، والقضاعي في "الشهاب" (١٠٢٧)؛ من طريق مسلم بن كيسان الأعور، عن مجاهد، عن ابن عبّاس مطوّلًا ومختصرًا. وهذا واهٍ، مسلم هذا ضعيف جدًّا شبه المتروك. فالوجهان الأوّلان هنا قويّان، ولا يبعد أن يكون مجاهد سمعه من أكثر من صحابيّ فإنّه واسع الرواية جدّا. فمن لم يرتح لهذا؛ فليعلم أنّ التردّد بين وجهين صحيحين لا يضرّ. فالحديث قويّ على جميع الأحوال، ولا سيما أنّ للحديث شواهد عدّة. وقد قوّاه الهيثمي.
(٢) في خ: "فإنّي أصلّي وأنام"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط متابعة للفظ أحمد.
(٣) (صحيح). رواه بهذا اللفظ: أحمد (٦/ ٢٦٨)، وأبو داوود (٢ - الصلاة، ٣١٧ - ما يؤمر من القصد، ١/ ٤٣٥/ ١٣٦٩)، والبزّار (١٤٥٧ - كشف)؛ من طريق قويّة، عن ابن إسحاق، ثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة … رفعته، وهذا سند قويّ، وقد صرّح ابن إسحاق بالتحديث فانتفت شبهة التدليس، ولذلك قال الألباني: صحيح. ولحديث عائشة طرق أخرى صحيحة بنحو هذا اللفظ ومعناه عند: عبد الرزّاق (١٠٣٧٥)، وأحمد (٦/ ١٠٦ و٢٢٦)، والبزّار (١٤٥٨ - كشف). وروى الحادثة مختصرة: البخاري (٥٠٧٣ و٥٠٧٤)، ومسلم (١٤٠٢)؛ من حديث سعد. ولها شواهد مطوّلة ومختصرة بنحوه عند: ابن سعد (٣/ ٣٩٥)، وأبي يعلى (٧٢٤٢)، وابن حبّان (٣١٦)؛ من حديث أبي موسى الأشعري بسند صالح. وعند الطبراني (٨/ ١٧٠/ ٧٧١٥) من حديث أبي أُمامة بسند ضعيف. وعند ابن سعد (٣/ ٣٩٤ و٣٩٥) من مراسيل الزهريّ وأبي قلابة الجرميّ وغيرهما.
[ ٢٩٦ ]
[المائدة: ٨٧] (^١).
وفي "صحيح البخاريِّ" (^٢)؛ أن سَلْمانَ زارَ أبا الدَّرْداءِ، وكانَ النَّبيُّ - ﷺ - قد آخى بينَهُما، فرَأى أُمَّ الدَّرْداءِ متبذِّلةً، فقالَ لها: ما شأْنُكِ متبذِّلةً؟ فقالَتْ: إنَّ أخاكَ أبا الدَّرْداءِ لا حاجةَ لهُ في الدُّنيا. فلمَّا جاءَ أبو الدَّرْداءِ؛ قَرَّبَ لهُ طعامًا. فقالَ لهُ: كُلْ. قالَ: إنِّي صائمٌ. قالَ: ما أنا بآكلٍ حتَّى تَأْكُلَ. فأكَلَ. فلمَّا كانَ الليلُ، ذَهَبَ أبو الدَّرْداءِ لِيَقومَ، فقالَ لهُ سَلْمانُ: نَمْ. ثمَّ ذَهَبَ لِيَقومَ، فقالَ لهُ: نَمْ. فلمَّا كانَ مِن آخرِ الليلِ؛ قالَ سَلْمانُ: قُمِ الآنَ. فقاما فصَلَّيا. فقالَ سَلْمانُ: إنَّ لنفسِكَ عليكَ حقًّا، وإنَّ لضيفِكَ عليكَ حقًّا، وإن لأهلِكَ عليكَ حقًّا، فأعْطِ كل ذي حقٍّ حقَّهُ. فأتَيا النَّبيَّ - ﷺ -، فذَكَرا ذلكَ لهُ، فقالَ: "صَدَقَ سَلْمانُ". وفي روايةٍ في غيرِ الصَّحيحِ؛ قالَ: "ثَكِلَتْ سَلْمانَ أُمُّهُ! لقد أُشْبعَ مِن العلمِ" (^٣).
وهكذا قالَ النبيُّ - ﷺ - لعَبْدِ اللهِ بن عَمْرِو بن العاصِ لمَّا كانَ يَصومُ الدَّهرَ، فنَهاهُ وأمَرَهُ أنْ يَصومَ صومَ داوودَ؛ يَصومَ يومًا ويُفْطِرَ يومًا. وقالَ لهُ: "لا أفضلَ مِن ذلكَ" (^٤).
ووَرَدَ النَّهيُ عن صيامِ الدَّهرِ والتَّشديدُ فيهِ (^٥).
_________________
(١) وقد جاء هذا من أوجه قويّة كثيرة جدًّا مرسلة وموصولة ساق السيوطي أكثرها في "الدرّ" (المائدة ٨٧) وجاء فيها ذكر جماعة آخرين من الصحابة زيادة على المذكورين هنا بما يوحي بأنّ الاندفاع في العبادات والرغبة بالتبتّل وقع من جماعة غير قليلة من الصحابة رضوان الله عليهم، فنزلت الآية فيهم جميعًا وفيمن تلاهم من الأُمّة إلى يوم الدين. فلله الحمد والمنّة على الإسلام والسنّة.
(٢) (٣٠ - الصوم، ٥١ - من أقسم على أخيه ليفطر، ٤/ ٢٠٩/ ١٩٦٨).
(٣) (حسن). رواه: ابن سعد (٢/ ٣٤٦)، وابن أبي شيبة (٣٢٣١٨)، وابن عساكر (٢١/ ٤١٧)؛ من طريق الأعمش، عن أبي صالح … به. وهذا مرسل قويّ. ورواه الطبراني في "الأوسط" (٧٦٣٣) من طريق الحسن بن جبلة، ثنا سعيد بن الصلت، عن الأعمش، عن شمر بن عطيّة، عن شهر بن حوشب، عن أُمّ الدرداء … رفعته. قال الطبراني: "تفرّد به الحسن بن جبلة". وقال الهيثمي (٩/ ٣٤٧): "لم أعرفه". قلت: وشهر لا يعدو أن يكون صالحًا في المتابعات. لكنّ هذا اللفظ يرتقي إلى الحسن بمجموع طريقيه المرسل والموصول.
(٤) أحد ألفاظ حديث ابن عمرو المتّفق عليه الذي تقدّم تخريجه (ص ٢٩٥).
(٥) عن جماعة من الصحابة، منهم ابن عمرو في حديثه المتفق عليه المتقدّم تخريجه (ص ٢٩٥).
[ ٢٩٧ ]
• وهذا كلُّهُ يَدُلُّ على أن أفضلَ الصِّيامِ ألَّا يُسْتَدامَ، بل يُعاقَبُ بينَهُ وبينَ الفطرِ، وهذا هوَ الصَّحيحُ مِن قولَـ[ـي] العلماءِ، وهوَ مذهبُ أحْمَدَ وغيرِهِ.
وقيلَ لِعُمَرَ: إنَّ فلانًا يَصومُ الدَّهرَ. فجَعَلَ يَقْرَعُ رأْسَهُ بقناةٍ معَهُ ويَقولُ: كُلْ يا دهرُ! كُلْ يا دهرُ! خَرَّجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ.
• وقد أشارَ - ﷺ - إلى الحكمةِ في ذلكَ مِن وجوهٍ:
- منها: قولُهُ - ﷺ - في صيامِ الدَّهرِ: "لا صامَ ولا أفْطَرَ" (^١)؛ يَعْني: أنَّهُ لا يَجِدُ مشقَّةَ الصِّيامِ ولا فقدَ الطَّعامِ والشَّرابِ والشَّهوةِ؛ لأنَّهُ صارَ الصِّيامُ لهُ عادةً مأْلوفةً، فربَّما تَضَرَّرَ بتركِهِ، فإذا صامَ تارةً وأفْطَرَ أُخرى؛ حَصَلَ لهُ بالصِّيامِ مقصودُهُ بتركِ هذهِ الشَّهواتِ، وفي نفسِهِ داعية إليها، وذلكَ أفضلُ مِن أنْ يَتْرُكَها ونفسُهُ لا تتوقُ إليها.
- ومنها: قولُهُ - ﷺ - في حقِّ داوودَ ﵇: "كانَ يَصومُ يومًا ويُفْطِرُ يومًا ولا يَفِرُّ إذا لاقى" (^٢)؛ يُشيرُ إلى أنَّهُ كانَ لا يُضْعِفُهُ صيامُهُ عن ملاقاةِ عدوِّهِ ومجاهدتِهِ في سبيلِ اللهِ. ولهذا رُوِيَ عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّهُ قالَ لأصحابِهِ يومَ الفتحِ وكانَ في رمضانَ: "إنَّ هذا يومُ قتالٍ فأفْطِروا" (^٣). وكانَ عُمَرُ إذا بَعَثَ سريَّةً؛ قالَ لهُم: لا تَصوموا؛ فإنَّ التَّقوِّيَ على الجهادِ أفضلُ مِن الصَّومِ.
فأفضلُ الصَّومِ ألَّا يُضْعِفَ البدنَ حتَّى يَعْجِزَ عمَّا هوَ أفضلُ منهُ؛ مِن القيامِ بحقوق اللهِ أو حقوقِ عباده اللازمةِ، فإنْ أضْعَفَ عن شيءٍ مِن ذلكَ ممَّا هوَ أفضلُ منهُ؛ كانَ تركُهُ أفضلَ.
فالأوَّلُ: مثلُ أنْ يُضْعِفَ الصِّيامُ البدنَ عن الصَّلاةِ أو عن الذِّكرِ أو العلمِ، كما قيلَ
_________________
(١) رواه مسلم (١٣ - الصيام، ٣٥ - النهي عن صوم الدهر، ٢/ ٨١٨/ ١١٦٢) من حديث أبي قتادة.
(٢) قطعة من حديث ابن عمرو المتّفق عليه الذي تقدّم تخريجه (ص ٢٩٥).
(٣) رواه مسلم (١٣ - الصيام، ١٦ - أجر المفطر في السفر، ٢/ ٧٨٩/ ١١٢٠) من حديث أبي سعيد رفعه بلفظ: "إنّكم مصبّحو عدوّكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا". وهو عند ابن سعد (٢/ ١٤٠) من حديث أبي سعيد بلفظ: "حتى إذا بلغنا مرّ الظهران أعلمنا أنّا نلقى العدوّ وأمرنا بالفطر". وأمّا هذا اللفظ بالتحديد فعند: عبد الرزّاق (٩٦٨٨)، وابن سعد (٢/ ١٤١)؛ من حديث عبيد بن عمير مرسلًا. وسند قويّ. ويشهد له حديث أبي سعيد المتقدّم.
[ ٢٩٨ ]
في النَّهيِ عن صيامِ الجمعةِ ويومِ عرفةَ بعرفةَ: إنّهُ يُضْعِفُ عن الذِّكرِ والدُّعاءِ في هذينِ اليومينِ. وكانَ ابنُ مَسْعودٍ يُقِلُّ الصِّيامَ وتقولُ: إنَّهُ يَمْنَعُني مِن قراءةِ القرآنِ (^١)، وقراءةُ القرآنِ أحبُّ إليَّ. فقراءةُ القرآنِ أفضلُ مِن الصِّيامِ. نَصَّ عليهِ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وغيرُهُ مِن الأئمَّةِ. وكذلكَ تعلَّمُ العلمِ النَّافعِ وتعليمُهُ أفضلُ مِن الصِّيامِ.
وقد نَصَّ الأئمَّةُ الأربعةُ على أن طلبَ العلمِ أفضلُ مِن صلاةِ النَّافلةِ، والصلاةُ أفضلُ مِن الصِّيامِ المتطوَّعِ بهِ، فيَكونُ العلمُ أفضلَ مِن الصِّيامِ بطريقِ الأَوْلى؛ فإنَّ العلمَ مصباحٌ يُسْتَضاءُ بهِ في ظلمةِ الجهلِ والهوى، فمَن سارَ في طريقٍ على غيرِ مصباحٍ؛ لمْ يَأْمَنْ أنْ يَقَعَ في بئرٍ بوارٍ فيَعْطَبَ. قالَ ابن سِيرِينَ: إنَّ قومًا تَرَكوا العلمَ واتَّخَذوا محاريبَ فصاموا وصَلَّوْا بغيرِ علمٍ، واللهِ؛ ما عَمِلَ أحدٌ بغيرِ علمٍ إلَّا كانَ ما يُفْسِدُ أكثرَ ممَّا يُصْلحُ.
والثَّاني: [مثلُ] أنْ يُضْعِفَ الصِّيامُ عن الكسبِ للعيالِ أوِ القيامِ بحقوقِ الزَّوجاتِ، فيَكونُ تركُهُ أفضلَ. وإليهِ الإشارةُ بقولهِ - ﷺ -: "وإنَّ لأهلِكَ عليكَ حقًّا" (^٢). - ومنها: ما أشارَ إليهِ - ﷺ - بقولِهِ: "إنَّ لنفسِكَ عليكَ حقًّا … فأعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ" (^٣)؛ يُشيرُ إلى أن النَّفسَ وديعةٌ للهِ عندَ ابن آدَمَ، وهوَ مأْمورٌ أنْ يَقومَ بحقِّها، ومِن حقِّها اللطفُ بها حتَّى توصِلَ صاحبَها إلى المنزلِ.
قالَ الحَسَنُ: نفوسُكُم مطاياكُم إلى ربكم، فأصْلِحوا مطاياكُم توصِلْكُم إلى ربِّكُم.
فمَن وَفَّى نفسَهُ حظَّها مِن المباحِ بنيّةِ التَّقوِّي بهِ على أعمالِ الطَّاعاتِ (^٤)؛ كانَ مأْجورًا في ذلكَ، كما قالَ مُعاذ: إنِّي أحْتَسِبُ نومتي كما أحْتَسِبُ قومتي. ومَن قَصَّرَ في حقِّها حتَّى ضَعُفَتْ وتَضَرَّرَتْ؛ كانَ ظالمًا لها. وإلى هذا أشارَ - ﷺ - بقولهِ لعَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو: "إنَّكَ إذا فَعَلْتَ ذلكَ نَفِهَتْ لهُ النَّفسُ وهَجَمَتْ لهُ العينُ" (^٥). ومعنى نَفِهَتْ:
_________________
(١) في خ: "من تلاوة القرآن"، وما أثبتّه من م ون وط أولى بالسياق.
(٢) قطعة من حديث ابن عمرو المتّفق عليه الذي تقدّم تخريجه (ص ٢٩٥).
(٣) قطعة من حديث ابن عمرو المتّفق عليه الذي تقدّم تخريجه (ص ٢٩٥).
(٤) في خ: "بنية التقوّي به على تقويتها على أعمال الطاعات"! والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٥) قطعة من حديث ابن عمرو المتفق عليه الذي تقدّم تخريجه (ص ٢٩٥).
[ ٢٩٩ ]
كَلَّتْ وأعْيَتْ. ومعنى هَجَمَتِ العينُ: غارَتْ.
وقالَ لأعرابيٍّ جاءَهُ فأسْلَمَ، ثمَّ أتاهُ مِن عامٍ قابلٍ وقد تَغَيَّرَ فلمْ يَعْرِفْهُ، فلمَّا عَرَفَهُ؛ سَألَهُ عن حالِهِ، قالَ: ما أكَلْتُ بعدَكَ طعامًا بنهارٍ. فقالَ - ﷺ -: "ومَن أمَرَكَ أنْ تُعَذِّبَ نفسَكَ؟ " (^١).
فمَن عَذَّبَ نفسَهُ بأنْ حَمَّلَها ما لا تُطيقُهُ مِن الصِّيامِ ونحوِهِ؛ فربَّما أثَرَ ذلكَ في ضعفِ بدنِهِ وعقلِهِ، فيَفوتُهُ مِن الطَّاعاتِ الفاضلةِ أكثرُ ممَّا يَحْصُلُ لهُ بتعذيبِهِ نفسَهُ بالصِّيامِ.
وكانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَتَوَسَّطُ في إعطاءِ نفسِهِ حقَّها ويَعْدِلُ فيها غايةَ العدلِ: فيَصوم ويُفْطِرُ، ويقومُ ويَنامُ، ويَنكِحُ النِّساءَ، ويَأْكُلُ ممَّا يَجِدُ مِن الطَّيِّباتِ كالحلواءِ والعسلِ ولحمِ الدَّجاجِ. وتارةً يَجوعُ حتَّى يَرْبِطَ على بطنِهِ الحجرَ.
وقالَ: "عَرَضَ عليَّ ربِّي أنْ يَجْعَلَ لي بطحاءَ مكَّةَ ذهبًا، فقُلْتُ: لا يا ربِّ! ولكنْ أجوعُ يومًا وأشْبَعُ يومًا، فإذا جُعْتُ؛ تَضَرَّعْتُ إليكَ وذَكَرْتُكَ، وإذا شَبِعْتُ؛ حَمِدْتُكَ وشَكَرْتُكَ" (^٢).
فاخْتارَ - ﷺ - لنفسِهِ أفضلَ الأحوال؛ لِيَجْمَعَ بينَ مقاميِ الشُّكرِ والصَّبرِ والرِّضى.
- ومنها: ما أشارَ إليهِ بقولهِ - ﷺ - لعَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو: "لَعَلَّهُ أنْ يَطولَ بكَ حياةٌ" (^٣)؛ يَعْني: أن مَن تكلَّفَ الاجتهاد (^٤) في العبادةِ فقد تَحْمِلُهُ قوَّةُ الشَّبابِ ما دامَتْ باقيةً، فإذا
_________________
(١) (حسن). سيأتي تفصيل القول في تخريجه (ص ٥٥٩).
(٢) (ضعيف جدًّا). رواه: ابن المبارك في "الزهد" (١٩٦)، وابن سعد (١/ ٣٨١)، وأحمد في "المسند" (٥/ ٢٥٤)، والترمذي (٣٧ - الزهد، ٣٥ - الكفاف والصبر عليه، ٤/ ٥٧٥/ ٢٣٤٧)، والروياني (١٢٢٢)، والطبراني (٨/ ٢٠٧/ ٧٨٣٥)، وأبو الشيخ في "أخلاقه - ﷺ - " (٨٣٦ و٨٣٧)، وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ١٣٣) و"الدلائل" (٥٤٠)، والسلمي في "الأربعين"، والبيهقي في "الشعب" (١٤٦٧ و١٠٤١٠)؛ من طريق عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة … رفعه. قال الترمذي: "حسن"، وتعقّبه ابن كثير بقوله: "عليّ بن يزيد يضعّف". وقال أبو نعيم: "لا أعلم روي بهذا اللفظ إلَّا عن عليّ بن يزيد عن القاسم". قلت: ابن زحر لا يعدو أن يكون صالحًا في المتابعات، وعليّ بن يزيد منكر الحديث شبه المتروك، والقاسم في حديثه مناكير. فالسند واهٍ، وقد ضعّفه ابن كثير والألباني.
(٣) قطعة من حديث ابن عمرو المتّفق عليه المتقدّم تخريجه (ص ٢٩٥).
(٤) في خ: "من تكلّف الجهاد"! والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
[ ٣٠٠ ]
ذَهَبَ الشَّبابُ وجاءَ المشيبُ والكِبَرُ؛ عَجَزَ عن حملِ ذلكَ، فإنْ صابَرَ وجاهَدَ واسْتَمَرَّ؛ فربَّما هَلَكَ بدنُهُ، وإنْ قَطَعَ؛ فقد فاتَهُ أحبُّ العملِ إلى اللهِ تَعالى، وهوَ المداومةُ على العملِ.
ولهذا قال - ﷺ -: "اكْلَفوا مِن العملِ ما تُطيقونَ، فواللهِ؛ لا يَمَلُّ الله حتَّى تَمَلُّوا (^١).
وقالَ: "أحبُّ العملِ إلى اللهِ أدومُهُ وإنْ قَلَّ" (^٢).
فمَن عَمِلَ عملًا تقْوى عليهِ بدنُهُ في طولِ عمرِهِ في قوَّتِهِ وضعفِهِ؛ اسْتَقامَ سيرُهُ. ومَن حَمَلَ ما لا يُطيقُ؛ فإنَّهُ قد يَحْدُثُ لهُ مرضٌ يَمْنَعُهُ مِن العملِ بالكلِّيَّةِ وقد يَسْأمُ ويَضْجَرُ فيقْطَعُ العملَ فيَصيرُ كالمُنْبَتِّ لا أرضًا قَطَعَ ولا ظهرًا أبْقى.
• وأمَّا صيامُ النَّبِيِّ - ﷺ - مِن الأيَّامِ؛ أعْني: أيَّامَ الأسبوعِ (^٣)؛ فكانَ يَتَحَرَّى صيامَ الاثنينِ والخميسِ.
وكذا رُوِيَ عن عائِشَةَ: أن النَّبيَّ - ﷺ - كانَ يَتَحَرَّى صيامَ الاثنينِ والخميسِ (^٤). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائيُّ وابنُ ماجَهْ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ.
وخَرَّجَ ابنُ ماجَهْ مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁؛ قالَ: كانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَصومُ الاثنينِ والخميسَ. فقيلَ: يا رسولَ اللهِ! إنَّكَ تَصومُ الاثنينِ والخميسَ؟ فقال: "إنَّ يومَ الاثنينِ والخميسِ يَغْفِرُ [اللهُ] فيهِما لكلِّ مسلمٍ؛ إلَّا مهتجرينِ، فتقولُ: دَعوهُما حتَّى يَصْطَلِحا" (^٥).
وخَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ، وعندَهُ: أن رسولَ اللهِ - ﷺ - كانَ أكثرُ ما يَصومُ الاثنينِ والخميسَ، فقيلَ لهُ، قالَ: "إنَّ الأعمالَ تُعْرَضُ كل اثنينِ وخميسٍ، فيُغْفَرُ لكلِّ مسلمٍ
_________________
(١) رواه: البخاري (٢ - الإيمان، ٣٢ - أحبّ الدين إلى الله، ١/ ١٠١/ ٤٣)، ومسلم (٦ - المسافرين، ٣٠ - فضيلة العمل الدائم، ١/ ٥٤٠/ ٧٨٢)؛ من حديث عائشة.
(٢) قطعة من حديث عائشة المتّفق عليه المتقدّم تخريجه في الحاشية السابقة.
(٣) في خ: "يعني أيّام الأسبوع"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٤) (صحيح). تقدّم تفصيل القول في تخريجه (ص ٢٣٧).
(٥) (صحيح بشواهده). تقدم تفصيل القول في تخريجه (ص ٢٣٨).
[ ٣٠١ ]
(أو: لكلِّ مؤمنٍ)؛ إلَّا المتهاجرينِ، فيَقولُ: أخِّروهُما" (^١).
وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، ولفظُهُ: قالَ: "تُعْرَضُ الأعمالُ يومَ الاثنينِ ويومَ الخميسِ، فأُحِبُّ أنْ يُعْرَضَ عملي وأنا صائمٌ" (^٢). ورُوِيَ موقوفًا على أبي هُرَيْرَةَ، ورَجَّحَ بعضُهُم وقفَهُ.
وفي "صحيح مسلم" (^٣) عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: "تُفْتَحُ أبوابُ الجنَّةِ يومَ الاثنينِ ويومَ الخميسِ، فيُغْفَرُ لكلِّ عبدٍ لا يُشْرِكُ باللهِ شيئًا؛ إلَّا رجلًا كانَتْ بينَهُ وبينَ أخيهِ شحناءُ، تقولُ: أنْظِروا هذينِ حتَّى يَصْطَلِحا".
ويُرْوى بإسنادٍ فيهِ ضعف عن أبي أُمامَةَ مرفوعًا: "تُرْفَعُ الأعمالُ يومَ الاثنينِ ويومَ الخميسِ، فيُغْفَرُ للمستغفرينَ ويُتْرَكُ أهلُ الحقدِ بحقدِهِم" (^٤).
ورَوى عَلِيُّ [بنُ] أبي طَلْحَةَ عن ابن عَبَّاسٍ، في قولهِ ﷿: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، قالَ: يُكْتَبُ كلُّ ما تَكَلَّمَ بهِ مِن خيرٍ وشرٍّ، حتَّى إنَّهُ لَيُكْتَبُ قولُهُ أكَلْتُ وشَرِبْتُ وذَهَبْتُ وجِئْتُ ورَأيْتُ، حتَّى إذا كانَ يومُ الخميسِ؛ عُرِضَ قولُهُ وعملُهُ، فأُقِرَّ [منهُ] ما كانَ فيهِ مِن خيرٍ أو شرٍّ وأُلْقِيَ سائرُهُ. فذلكَ قولُهُ تَعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] (^٥). خَرَّجَهُ ابنُ أبي حاتِمٍ وغيرُهُ. فهذا يَدُلُّ على اختصاصِ يومِ الخميسِ بعرضٍ للأعمالِ لا يوجَدُ في غيرِهِ (^٦).
وكانَ إبْراهيمُ النَّخَعِيُّ يَبْكي إلى امرأتِهِ يومَ الخميسِ وتَبْكي إليهِ ويَقولُ: اليومَ تُعْرَضُ أعمالُنا على اللهِ ﷿.
_________________
(١) (صحيح بشواهده). تقدّم تفصيل القول في تخريجه (ص ٢٣٨).
(٢) (صحيح بشواهده). تقدّم تفصيل القول في تخريجه (ص ٢٣٨).
(٣) (٤٥ - البرّ والصلة، ١١ - النهي عن الشحناء والتهاجر، ٤/ ١٩٨٧/ ٢٥٢٦٥).
(٤) (ضعيف جدًّا). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٢٣٨). ووقع في خ: "لحقدهم"!
(٥) (موقوف ضعيف). علي بن أبي طلحة يخطئ، وروايته عن ابن عبّاس مرسلة. ولو صحّ هذا السند؛ فليس له حكم الرفع.
(٦) الاستدلال بالنصّ فرع تصحيحه، وقد علمت ما فيه.
[ ٣٠٢ ]
فهذا عرضٌ خاصٌ في هذينِ اليومينِ غيرُ العرضِ العامِّ كلَّ يومٍ؛ فإنَّ ذلكَ عرضٌ دائمٌ كلَّ يومٍ بكرةً وعشيًّا.
ويَدُلُّ على ذلكَ ما في الصَّحيحينِ (^١): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "يَتَعاقَبونَ فيكُم ملائكةٌ بالليلِ وملائكةٌ بالنَّهارِ، فيَجْتَمِعونَ في صلاةِ الصُّبحِ وفي صلاةِ العصرِ، فيَسْألُ الذينَ باتوا فيكُم - وهوَ أعْلَمُ -: كيفَ تَرَكْتُم عبادي؟ فيَقولونَ: أتَيْناهُم وهُم يُصَلُّونَ، وتَرَكْناهُم وهُم يُصلُّونَ".
وفي "صحيح مسلم" (^٢): عن أبي موسى الأشْعَرِيِّ؛ قالَ: قامَ فينا رسولُ اللهِ - ﷺ - بخمسِ كلماتٍ، فقالَ: "إنَّ الله لا يَنامُ، ولا يَنْبَغي لهُ أنْ يَنامَ، يَخْفِضُ القسطَ ويَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إليهِ عملُ الليلِ قبلَ النَّهارِ، وعملُ النَّهارِ قبلَ الليلِ، حجابُهُ النُّورُ، لو كَشَفَهُ؛ لأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجهِهِ ما انْتَهى إليهِ بصرُهُ مِن خلقِهِ".
ويُرْوى عن ابن مَسْعودٍ؛ قالَ: إن مقدارَ كلِّ يومٍ مِن أيَّامِكُم عندَ ربَكُم ثنتا عشرةَ ساعةً، فتُعْرَضُ عليهِ أعمالُكُم بالأمسِ أوَّلَ النَّهارِ اليومَ، فيَنْظُرُ فيها ثلاثَ ساعاتٍ … وذَكَرَ باقيَهُ.
كانَ الضَّحَّاكُ يَبْكي آخرَ النَّهارِ ويَقولُ: لا أدْري ما رُفعَ مِن عملي.
يا مَن عملُهُ معروضٌ على مَن يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى، لا تُبَهْرِجْ؛ فالنَّاقدُ بصيرٌ.
السُّقْمُ عَلى الجِسْمِ لَهُ تَرْدادُ … والعُمْرُ مَضى وَزَلَّتي تَزْدادُ
ما أبْعَدَ شُقَتي وما لِيَ … ما أكْثَرَ بَهْرَجي ولي نُقَّادُ
وحديثُ أُسامَةَ فيهِ أن النَّبيَّ - ﷺ - كانَ إذا سَرَدَ الفطرَ؛ يَصومُ الاثنينِ والخميسَ (^٣).
فدَلَّ على مواظبةِ النَّبيِّ - ﷺ - على صيامِهِما، وقد كانَ أُسامَةُ يَصومُهُما حضرًا وسفرًا لهذا.
وفي "مسند الإمام أحْمَدَ" و"سنن النَّسائِي": عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو؛ أن النَّبيَّ - ﷺ -
_________________
(١) البخاري (٩ - المواقيت، ١٦ - فضل العصر، ٢/ ٣٣/ ٥٥٥)، ومسلم (٥ - المساجد، ٣٧ - فضل الصبح والعصر، ١/ ٤٣٩/ ٦٣٢).
(٢) (١ - الإيمان، ٧٩ - قوله - ﷺ - إنّ الله لا ينام، ١/ ١٦١/ ١٧٩).
(٣) (صحيح). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٢٩٣).
[ ٣٠٣ ]
أمَرَهُ أنْ يَصومَ ثلاثةَ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ. فقالَ [لهُ]: إنِّي أقوى على أكثرَ مِن ذلكَ. قالَ: "فصُمْ مِن الجمعةِ [يومَ] الاثنينِ والخميسِ". قالَ: إنِّي أقوى على أكثرَ مِن ذلكَ. قالَ: "فصُمْ صيامَ داوودَ" (^١).
وفي "مسند الإمام أحْمَدَ" مِن روايةِ: عُثْمانَ بن رُشَيْدٍ، حَدَّثَني أنَسُ بنُ سِيرِينَ؛ قالَ: أتَيْنا أنَسَ بنَ مالِكٍ في يومِ خميسٍ، فدَعا بمائدتِهِ، فدَعاهُم إلى الغداءِ، فأكَلَ بعضُ القومِ وأمْسَكَ بعضٌ. ثمَّ أتَوْهُ يومَ خميسٍ، ففَعَلَ مثلَها. فقالَ أنَسٌ: لعلَّكُم أثنائيُّونَ، لعلَّكُم خميسيُّونَ، كان رسولُ اللهِ - ﷺ - يَصومُ حتَّى يُقالَ لا يُفْطِرُ، ويُفْطِرُ حتَّى يُقالَ لا يَصومُ (^٢).
وظاهرُ هذا الحديثِ يُخالِفُ حديثَ أُسامَةَ وأنَّ (^٣) النَّبيَّ - ﷺ - إنَّما كانَ يَصومُ الاثنينِ والخميسَ إذا دَخَلا في صيامِهِ ولمْ يَكُنْ يَتَحَرَّى صيامَهُما في أيَّامِ سردِ فطرِهِ. ولكنَّ عُثْمانَ بنَ رُشَيْدٍ ضعيفٌ، ضَعفَهُ ابنُ مَعينٍ وغيرُهُ، وحديثُ أُسامَةَ أصحُّ منهُ.
وقد رُوِيَ مِن حديثِ أُمَّ سَلَمَةَ أن النَّبيَّ - ﷺ - كانَ يَصومُ مِن كل شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ؛ أوَّلَ خميسٍ والاثنينِ والاثنينِ (^٤). وفي روايةٍ بالعكسِ: الاثنينِ والخميسَ والخميسَ (^٥).
_________________
(١) (صحيح). رواه: أحمد (٢/ ٢٠٠ و٢٠١)، والنسائي في "المجتبى" (٢٢ - الصيام، ٧٦ - صوم يوم وإفطار يوم، ٤/ ٢١١/ ٢٣٩٢) و"الكبرى" (٢٧٠١)؛ من طريق ابن إسحاق، عن محمّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن ابن عمرو … رفعه. وهذا سند رجاله ثقات، لكنّ ابن إسحاق عنعن على تدليسه. على أنّه يشهد له في الجملة أنّه جاء في بعض سياقات الحديث عند أحمد (٢/ ٢١٦) بسند صالح: "فما زلت أناقصه ويناقصني". فلا معنى لتضعيف هذه الزيادة بعنعنة ابن إسحاق، وإلى تقويتها مال العسقلاني، واستنكر الألباني الحديث لزيادة أخرى فيه وأمّا هذه فليست موضع استنكار. وأصل الحديث في الصحيحين كما تقدّم مرارًا.
(٢) (ضعيف بهذا التمام). رواه: أحمد (٣/ ٢٣٠)، والطبراني في "الأوسط" (٣/ ٢٣٠)؛ من طريق عثمان بن رشيد، عن أنس بن سيرين، عن أنس … به. قال ابن رجب والهيثمي (٣/ ١٩٥): "فيه عثمان بن رشيد الثقفي وهو ضعيف". قلت: الضعف لازم للقصّة جملة، وأمّا المرفوع؛ فيشهد له حديث عائشة المتّفق عليه المتقدّم في أوّل المجلس.
(٣) يعني: وظاهره أيضًا أنّ النبيّ - ﷺ - … إلخ.
(٤) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ١٢٨ - ١٣٠).
(٥) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ١٢٨ - ١٣٠).
[ ٣٠٤ ]
وأكثرُ العلماءِ على استحبابِ صيامِ الاثنينِ والخميسِ.
ورُوِيَ كراهتُهُ عن أنسِ بن مالكٍ مِن غيرِ وجهٍ عنهُ. وكانَ مُجاهِدٌ يَفْعَلُهُ ثمَّ تَرَكَهُ وكَرِهَهُ. وكَرِهَ أبو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ صيامَ الاثنينِ. وكَرِهَتْ طائفةٌ صيامَ يومٍ معيَّنٍ كلَّما مَرَّ بالإنسانِ، رُوِيَ عن عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ وابنِ عَبَّاسٍ والشَّعْبِيِّ والنَّخَعِيِّ، ونَقَلَهُ ابنُ القاسِمِ عن مالِكٍ. وقالَ الشَّافِعِيُّ في القديمِ: أكْرَهُ ذلكَ. قالَ: وإنَّما أكْرَهُهُ لئلَّا يَتَأسَّى جاهلٌ فيَظُنَّ أن ذلكَ واجبٌ. فالَ: وإنْ فَعَلَ فحسنٌ؛ يَعْني: على غيرِ اعتقادِ الوجوبِ (^١).
• وأمَّا صيامُ النَّبيِّ - ﷺ - مِن أشهرِ السَّنةِ؛ فكانَ يَصومُ مِن شعبانَ ما لا يَصومُ مِن غيرِهِ مِن الشُّهورِ.
ففي الصَّحيحينِ (^٢) عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: ما رَأيْتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - اسْتكْمَلَ صيامَ شهرٍ قطُّ إلَّا رمضانَ، وما رَأيْتُهُ في شهرٍ أكثرَ صيامًا منهُ في شعبانَ. زادَ البُخارِيُّ (^٣) في روايةٍ: كانَ يَصومُ شعبانَ كلَّهُ. ولمسلمٍ (^٤) في روايةٍ: كانَ يَصومُ شعبانَ كلَّهُ، كانَ يَصومُ شعبانَ إلَّا قليلًا. وفي روايةٍ [لـ]ـنَّسائيِّ عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: كانَ أحبَّ الشُهورِ إلى رسولِ اللهِ - ﷺ - أنْ يَصومَ شعبانُ، كانَ يَصِلُهُ برمضانَ (^٥).
_________________
(١) لا يشرع توقيت عبادة معيّنة في ميقات زمانيّ أو مكانيّ محدّد بغير دليل شرعيّ، فإن حضر الدليل الشرعيّ؛ صارت العبادة مشروعة. فاختصاص السابع والعشرين من رجب بصيام أو قيام بدعة ضلالة، واختصاص يوم عرفة بالصوم مندوب إليه. وبهذا الاعتبار؛ فاختصاص الاثنين والخميس بالصيام أمر مشروع مندوب إليه؛ لأنّ النبيّ - ﷺ -: أقرّه واستحبّه في قوله "ذلك يوم ولدت فيه"، وفعله كما في حديث أسامة، وأمر به ابن عمرو كما تقدّم آنفًا. نعم؛ من المستحبّ أن يفطر العبد بعض أيّام الاثنين والخميس اتّباعًا لسنّته - ﷺ - الفعليّة والتركيّة، فإن لم يفعل؛ فلا بأس عليه. والله أعلى وأعلم.
(٢) البخاري (٣٠ - الصوم، ٥٢ - صوم شعبان، ٤/ ٢١٣/ ١٩٦٩)، ومسلم (١٣ - الصيام، ٣٤ - صيامه - ﷺ - في غير رمضان، ٢/ ١١٥٦/٨١٠).
(٣) (الموضع السابق، ١٩٧٠).
(٤) (الموضع السابق، ٢/ ٨١١/ ١١٥٦).
(٥) (حسن بهذا السياق). رواه: أحمد (٦/ ١٨٨)، وأبو داوود (٨ - الصيام، ٥٦ - صوم شعبان، ١/ ٧٣٩/ ٢٤٣١)، والنسائي في "المجتبى" (٢٢ - الصيام، ٧٠ - صوم النبي - ﷺ -، ٤/ ١٩٩/ ٢٣٤٩) و"الكبرى" (٢٦٥٩ و٢٩١٠)، وابن خزيمة (٢٠٧٧)، والحاكم (١/ ٤٣٤)، والبيهقي في "السنن" (٤/ ٢٩٢) و"الشعب" (٣٨١٨)، والبغوي في "السنّة" (١٧٧٩)، والرافعي في "التدوين" (٢/ ٦٦)؛ من طريق معاوية بن صالح، ثنا عبد الله بن أبي قيس، سمعت عائشة … رفعته.
[ ٣٠٥ ]
وعنها وعن أُمِّ سَلَمَةَ؛ قالَتا: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يَصومُ شعبانَ إلَّا قليلًا، بل كانَ يَصومُهُ كلَّهُ (^١).
وعن أُمِّ سَلَمَةَ؛ قالَتْ: ما رَأيْتُ رسولُ اللهِ - ﷺ - يَصومُ شهرينِ متتابعينِ إلَّا شعبانَ ورمضانَ (^٢).
• وقد رَجَّحَ طائفةٌ مِن العلماءِ - منهُمُ ابنُ المبارَكِ وغيرُهُ - أن النَّبيَّ - ﷺ - لمْ يَسْتكْمِلْ صيامَ شعبانَ، وإنَّما كانَ يَصومُ أكثرَهُ (^٣).
ويَشْهَدُ لهُ ما في "صحيحِ مسلم" (^٤) عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: ما عَلِمْتُهُ (يَعْني: النَّبيَّ - ﷺ -) صامَ شهرًا كلَّهُ إلَّا رمضان. وفي روايةٍ لهُ (^٥) أيضًا عنها قالَتْ: ما رَأيْتُهُ صامَ شهرًا
_________________
(١) = قال الحاكم: "على شرط البخاري ومسلم"، ووافقه الذهبي. قلت: معاوية وعبد الله من رجال مسلم وحده، وفي معاوية كلام يسير، فالسند حسن، وقد صحّحه ابن خزيمة والألباني، وأصله في الصحيحين.
(٢) هذه رواية مسلم المتقدّمة نفسها، ولكنّه عنده عن عائشة وحدها. ورواه: أحمد (٦/ ١٤٣ و١٦٥)، وعبد بن حميد (١٥١٦)، وأبو داوود (٨ - الصيام، ٥٩ - كيف كان - ﷺ - يصوم، ١/ ٧٤٠/ ٢٤٣٥)، والترمذي (٦ - الصوم، ٣٧ - وصال شعبان برمضان، ٣/ ١١٣/ ٧٣٧)، والنسائي في "المجتبى" (٢٢ - الصوم، ٣٤ - الاختلاف على محمّد بن إبراهيم، ٤/ ١٥٠/ ٢١٧٧) و"الكبرى" (٢٤٨٨)، وابن الجارود (٤٠٠)، والطحاوي (٢/ ٨٢)، وابن حبّان (٣٥١٦)، وأبو نعيم في "المستخرج " (٢٦٠١ و٢٦٢٢)، والبيهقي (٤/ ٢٩٢)، والخطيب في "التاريخ" (٨/ ١٤٥)؛ من طريقين قويّتين، عن أبي سلمة، عن عائشة (إلّا أبا داوود فقال: عن أبي هريرة) … رفعته بهذا اللفظ على التحديد. ولم يذكر أحد منهم أُمّ سلمة! فكأنّه التبس على المصنّف يرحمه الله "أبو سلمة عن عائشة" بـ "أُمّ سلمة وعائشة".
(٣) (صحيح). رواه: إسحاق في "المسند" (١/ ١٥٠/ ١١٣ - ١١٤)، وابن ماجه (٧ - الصيام، ٤ - وصال شعبان برمضان، ١/ ٥٢٨/ ١٦٤٨) وليس عنده هذ اللفظ، والترمذي (٦ - الصوم، ٣٧ - وصال شعبان ورمضان، ٣/ ١١٣/ ٧٣٦)، والنسائي في "المجتبى" (٢٢ - الصيام، ٣٣ - حديث أبي سلمة، ٤/ ١٥٠/ ٢١٧٤ و٢٣٥١) و"الكبرى" (٢٤٨٥ و٢٦٦١)، والطحاوي (٢/ ٨٢)، والبيهقي في "السنن" (٤/ ٢١٠) و"الشعب" (٣٨١٧)؛ من طرق، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي سلمة، عن أُمّ سلمة … رفعته. قال الترمذي: "حديث أُمّ سلمة حديث حسن". قلت: هؤلاء ثقات رجال الشيخين، والطرق إلى منصور صحيحة، فالسند صحيح، وقد صحّحه الألباني.
(٤) وهو ظاهر روايات الصحيحين وغيرهما، وما جاء مطلقًا فهو محمول على المقيّد. ومن المألوف جدًّا أن يقال: قمت ليلة القدر كلّها مع أنّه قد اشتغل حينًا بإعداد سحوره وأكله وغير ذلك من شأنه.
(٥) (١٣ - الصيام، ٣٤ - صيامه - ﷺ - في غير رمضان، ٢/ ٨١٠/ ١١٥٦). وأصله عند البخاريّ.
(٦) (الموضع السابق، بعدها).
[ ٣٠٦ ]
كاملًا منذُ قَدِمَ المدينةَ، إلَّا أنْ يَكونَ رمضانَ. وفي روايةٍ له (^١) أيضًا " أنَّها قالَتْ: لا أعْلَمُ نبيَّ اللهِ - ﷺ - قَرَأ القرآنَ كلَّهُ في ليلةٍ ولا صامَ شهرًا كاملًا غيرَ رمضانَ. وفي رواية لهُ أيضًا (^٢)؛ قالَتْ: ما رَأيْتُهُ قامَ ليلةَّ حَتى الصَّباحِ ولا صامَ شهرًا متتابعًا إلَّا رمضانَ.
وفي الصَّحيحينِ (^٣) عن ابن عَبَّاسٍ؛ قالَ: ما صامَ رسولُ اللهِ - ﷺ - شهرًا كاملًا غيرَ رمضانَ. وكانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَكْرَهُ أنْ يَصومَ شهرًا كاملًا غيرَ رمضانَ.
ورَوى عَبْدُ الرَّزَّاقِ في كتابِهِ: عن ابن جُرَيْجٍ، عن عَطاء، قالَ: كانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَنْهى عن صيامِ الشَّهرِ كاملًا ويَقولُ: لِيَصُمْهُ إلَّا أيَّامًا، وكانَ يَنْهى عن إفرادِ اليومِ كلَّما مرَّ بهِ، وعن صيامِ الأيَّامِ المعلومةِ، وكانَ يَقولُ: لا تَصُمْ أيَّامًا معلومةً (^٤).
• فإنْ قيلَ: كيفَ كانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَخُصُّ شعبانَ بصيامِ التَّطوُّعِ فيهِ معَ أنَّهُ قالَ: "أفضلُ الصِّيامِ بعدَ شهرِ رمضانَ شهرُ اللهِ المحرَّمُ" (^٥)؟
فالجوابُ: أن جماعةً مِن النَّاسِ أجابوا عن ذلكَ بأجوبةٍ غيرِ قويَّةٍ، لاعتقادِهِم أن صيامَ المحرَّمِ والأشهرِ الحرمِ أفضلُ مِن صيامِ شعبانَ، كما صَرَّحَ بهِ الشَّافعيَّةُ وغيرُهُم، والأظهرُ خلافُ ذلكَ، وأن صيامَ شعبانَ أفضلُ مِن صيامِ الأشهرِ الحرمِ.
ويَدُلُّ على ذلكَ ما خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ أنَسٍ: سُئِلَ النَّبيُّ - ﷺ -: أيُّ الصِّيامِ أفضلُ بعدَ رمضانَ؟ قالَ: "شعبانُ؛ تعظيمًا لرمضانَ" (^٦). وفي إسنادِهِ مقالٌ.
_________________
(١) (٦ - المسافرين، ١٨ - جامع صلاة الليل، ١/ ٥١٤/ ٧٤٦).
(٢) (الموضع السابق، ١/ ٥١٥/ ٧٤٦).
(٣) البخاري (٣٠ - الصيام، ٥٣ - ما يذكر من صومه - ﷺ -، ٤/ ٢١٥/ ١٩٧١)، ومسلم (١٣ - الصيام، ٣٤ - صيامه - ﷺ -، ٢/ ٨١١/ ١١٥٧).
(٤) يعني: في نفل الصيام المطلق. وقد تقدّم تفصيل القول في هذا المعنى (ص ٣٠٥).
(٥) رواه مسلم. تقدّم تفصيل القول فيه وفي تخريجه (ص ٨٥).
(٦) (ضعيف). رواه: ابن أبي شيبة (٩٧٦٣)، والترمذي (٥ - الزكاة، ٢٨ - فضل الصدقة، ٣/ ٥١ / ٦٦١)، وأبو يعلى (٦/ ١٥٤)، والطحاوي (٢/ ٨٣)، والبيهقي في "السنن" (٤/ ٣٠٥) و"الشعب" (٣٨١٩) و"الأوقات" (٢٦)، والخطيب (١٣/ ٣١٤)، والبغوي في "السنّة" (١٧٧٨)، وابن الجوزي في "الواهيات" (٩١٤)، والمزّي (١٣/ ١٥٤)؛ من طريق صدقة بن موسى، ثنا ثابت، عن أنس … رفعه. قال الترمذي: "غريب، وصدقة ليس عندهم بذاك القويّ"، وأقرّه البغوي وابن الجوزي والمنذري وابن رجب والشوكاني والألباني، وزاد العسقلاني: "ويعارضه ما رواه مسلم (فذكر حديث صيام المحرّم).
[ ٣٠٧ ]
وفي "سنن ابن ماجَهْ"؛ أن أُسامَةَ كانَ يَصومُ الأشهرَ الحرمَ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "صُمْ شوَّالًا"، فتَرَكَ الأشهرَ الحرمَ، فكانَ يَصومُ شوَّالًا حتَّى ماتَ (^١). وفي إسنادِهِ إرسالٌ. وقد رُوِيَ مِن وجهٍ آخرَ يَعْضُدُهُ (^٢). فهذا نَصٌّ في تفضيلِ صيامِ شوَّالٍ على صيامِ الأشهرِ الحرمِ.
وإنَّما كانَ كذلكَ لأنَّهُ يَلي رمضانَ مِن بعدِهِ، كما أن شعبانَ يَليهِ مِن قبلِهِ، وشعبانُ أفضلُ؛ لصيامِ رسولُ اللهِ - ﷺ - لهُ دونَ شوَّالٍ، فإذا كانَ صيامُ شوَّالٍ أفضلَ مِن الأشهرِ الحرمِ؛ فلأَنْ يَكونَ صومُ شعبانَ أفضلَ بطريقِ الأَوْلى (^٣).
فظَهَرَ بهذا أن أفضلَ التَّطوُّعِ ما كانَ قريبًا مِن رمضانَ قبلَهُ وبعدَهُ، وذلكَ ملتحقٌ بصيامِ رمضانَ لقربِهِ منهُ، وتَكونُ منزلتُهُ مِن الصِّيامِ بمنزلةِ السُّننِ الرَّواتبِ معَ الفرائضِ قبلَها وبعدَها فتَلْتَحِقُ بالفرائضِ في الفضلِ وهيَ تكملةٌ لنقصِ الفرائضِ، وكذلكَ صيامُ ما قبلَ رمضانَ وبعدَهُ. فكما أن السُّننَ الرَّواتبَ أفضلُ مِن التَّطوُّعِ المطلَقِ بالصَّلاةِ؛ فكذلكَ يَكونُ صيامُ ما قبلَ رمضانَ وما بعدَهُ أفضلَ مِن صيامِ ما بَعُدَ منهُ، ويَكونُ قولُهُ "أفضلُ الصِّيامِ بعدَ رمضانَ المحرَّمُ" محمولًا على التَّطوُّعِ المطلقِ بالصِّيامِ. فأمَّا ما قبلَ رمضانَ وبعدَهُ؛ فإنَّهُ ملتحقٌ بهِ في الفضلِ. كما أن قولَهُ في تمامِ الحديثِ "وأفضلُ الصَّلاةِ بعدَ المكتوبةِ قيامُ الليلِ" إنَّما أُريدَ بهِ تفضيلُ قيامِ الليلِ على التَّطوُّعِ المطلقِ دونَ السُّننِ الرَّواتبِ عندَ جمهورِ العلماءِ خلافًا لبعضِ الشَّافعيَّةِ (^٤). واللهُ أعلمُ -.
• فإنْ قيلَ: فقد قالَ - ﷺ -: "أفضلُ الصِّيامُ صيامُ داوودَ، كانَ يَصومُ يومًا ويُفْطِرُ
_________________
(١) (ضعيف). سيأتي تفصيل القول فيه (ص ٤٩١).
(٢) (ضعيف). سيأتي تفصيل القول فيه وبيان أنّه لا يعضد ما سبقه (ص ٤٩٢).
(٣) هذا يستلزم أن يثبت فضل صيام شوّال على الحرم وفضل صيام شعبان على شوّال، وهيهات.
(٤) هذا كلام طويل فيه نظر من وجوه: أوّلها: أنّ قوله - ﷺ - مقدّم على فعله عند الأُصوليّين، وذلك لأنّ قوله - ﷺ - "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرّم" هو تقرير لقاعدة عامّة بخلاف صومه في شعبان الذي هو واقعة حال يتطرّق إليها الاحتمال. والثاني: أنّ حديثي أنس وأسامة ضعيفان لا يقومان سندًا لحديث مسلم، ولو فرضنا أنّ حديث أُسامة قابل للتقوية؛ فمتنه حمّال لأوجه لا يقوم لمتن حديث مسلم الصحيح الصريح. والثالث: أنّ تفضيل الرواتب على قيام الليل محلّ نظر، بل النظر فيه أكبر من النظر في القضيّة محلّ البحث، والمستشهد به لها كالمستجير من الرمضاء بالنار.
[ ٣٠٨ ]
يومًا" (^١)، ولم يَصُمْ كذلكَ، بل كانَ يَصومُ سردًا ويُفْطِرُ سردًا، ويَصومُ شعبانَ وكلَّ اثنينِ وخميسٍ. قيلَ: صيامُ داوودَ الذي فَضَّلَهُ على الصِّيامِ قد فَسَّرَهُ - ﷺ - في حديثٍ آخرَ بأنَّهُ صومُ شطرِ الدَّهرِ، وكانَ صيامُ النَّبيِّ - ﷺ - إذا جُمعَ يَبْلُغُ صيامَ نصفِ الدَّهرِ أو يَزيدُ عليهِ (^٢)، وقد كانَ يَصومُ معَ ما سَبَقَ ذكرُهُ يومَ عاشوراءَ وتسعَ ذي الحِجَّةِ (^٣)، وإنَّما كانَ يُفَرِّقُ صيامَهُ ولا يَصومُ يومًا ويُفْطِرُ يومًا؛ لأنَّهُ - ﷺ - كانَ يَتَحَرَّى صيامَ الأوقاتِ الفاضلةِ، ولا يَضُرُّ تفريقُ الصِّيامِ والفطرِ أكثرَ مِن يومٍ ويومٍ إذا كانَ القصدُ بهِ التَّقوِّيَ على ما هوَ أفضلُ مِن الصِّيامِ مِن أداءِ الرِّسالةِ وتبليغِها والجهادِ عليها والقيامِ بحقوقِها، وكانَ صيامُ يومٍ وفطرُ يومٍ يُضْعِفُهُ عن ذلكَ. ولهذا لمَّا سُئِلَ النَّبيُّ - ﷺ - في حديثِ أبي قَتادَةَ عمَّن يَصومُ يومًا ويُفْطِرُ يومينِ؛ قالَ: "وَدِدْتُ أنِّي طُوِّقْتُ ذلكَ" (^٤). وقد كانَ عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرِو بن العاصِ لمَّا كَبُرَ يَسْرُدُ الفطرَ أحيانًا لِيَتَقَوَّى بهِ على الصِّيامِ ثمَّ يَعودُ فيَصومُ ما فاتَهُ؛ محافظةً على ما فارَقَ عليهِ النَّبيَّ - ﷺ - مِن صيامِ شطرِ الدَّهرِ. فحَصَلَ للنَّبي - ﷺ - أجرُ صيامِ شطرِ الدَّهرِ وأزيدُ منهُ بصيامِهِ المتفرَّقِ، وحَصَلَ لهُ - ﷺ - أجرُ تتابعِ الصِّيامِ بتمنِّيهِ لذلكَ، وإنَّما عاقَهُ عنهُ الاشتغالُ بما هوَ أهمُّ منهُ وأفضلُ. واللهُ أعلمُ.
• وقد ظَهَرَ بما ذَكَرْناهُ وجهُ صيام النَّبيِّ - ﷺ - لشعبانَ دونَ غيرِهِ مِن الشُّهورِ، وفيهِ معانٍ أُخرُ، وقد ذَكَرَ منها - ﷺ - في حديثِ أُسامَةَ معنيينِ:
أحدُهُما: أنَّهُ شهرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عنهُ بينَ رجب ورمضانَ؛ يُشيرُ [إلى] أنَّهُ لمَّا اكْتَنَفَهُ شهرانِ عظيمانِ؛ الشَّهرُ الحرامُ وشهرُ الصِّيامِ؛ اشْتَغَلَ النَّاسُ بهِما عنهُ فصارَ مغفولًا عنهُ.
وكثيرٌ مِن النَّاس يَظُنُّ أن صيامَ رجبٍ أفضلُ مِن صيامِهِ؛ لأنَّهُ شهرٌ حرامٌ، وليسَ كذلكَ.
_________________
(١) قطعة من حديث ابن عمرو المتّفق عليه المتقدّم آنفًا.
(٢) من جمع ما ثبت من النصوص في صيامه - ﷺ - على صعيد واحد، ثمّ نظر فيها نظرة علميّة بعيدة عن العواطف؛ أيقن أنّ هذه دعوى مجرّدة لا تسندها الأدلّة. ولعمر الله إنّه - ﷺ - لخير الأنبياء وأحبّهم وأقربهم إلى الله وأكثرهم له عبوديّة بما صحّ من النصوص، ثمّ هو بعد ذلك غنيّ عن غلوّ الغالين ووضع الوضّاعين.
(٣) أمّا يوم عاشوراء؛ فنعم، وأمّا عشر ذي الحجّة؛ فقد تقدّم لك ضعف الحديث فيه، وفيه مزيد من التفصيل يأتي في وظائف ذي الحجّة إن شاء الله.
(٤) قطعة من حديث رواه مسلم (١٣ - الصيام، ٣٦ - استحباب صيام ثلاثة أيّام، ٢/ ٨١٨/ ١١٦٢).
[ ٣٠٩ ]
ورَوى ابنُ وَهْبٍ: عن مُعاوِيَةَ بن صالحٍ، عن أزْهَرَ بن سعيدٍ (^١)، عن أبيهِ، عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: ذُكِرَ لرسولِ اللهِ - ﷺ - ناسٌ يَصومونَ رجبًا، فقالَ: "فأينَ هُم عن شعبانَ" (^٢).
وفي قولِهِ - ﷺ -: "يَغْفُلُ النَّاسُ عنهُ بينَ رجبٍ ورمضانَ"، إشارةٌ إلى أنَّ بعضَ ما يَشْتَهِرُ فضلُهُ مِن الأزمانِ أوِ الأماكنِ أوِ الأشخاصِ قد يَكونُ غيرُهُ أفضلَ منهُ إمَّا مطلقًا أو لخصوصيَّةٍ فيهِ لا يَتَفَطَّنُ لها أكثرُ النَّاسِ فيَشْتَغِلونَ بالمشهورِ عنهُ ويُفَوِّتونَ تحصيلَ فضيلةِ ما ليسَ بمشهورٍ عندَهُم (^٣).
وفيهِ دليلٌ على استحبابِ عمارةِ أزمانِ غفلةِ النَّاسِ بالطَّاعةِ، وأنَّ ذلكَ محبوبٌ للهِ ﷿، كما كانَ طائفةٌ مِن السَّلفِ يَسْتَحِبُّونَ إحياءَ ما بينَ العشاءينِ بالصلاةِ ويَقولونَ: هيَ ساعةُ الغفلةِ (^٤)، وكذلكَ فضلُ القيامِ في وسطِ الليلِ لشمولِ الغفلةِ لأكثرِ النَّاسِ فيهِ عن الذِّكرِ، وقد قالَ - ﷺ -: "إنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَكونَ ممَّن يَذْكُرُ الله في تلكَ السَّاعةِ فكُنْ" (^٥). ولهذا المعنى كانَ النَّبيُّ - ﷺ - يُريدُ أنْ يُؤَخِّرَ العشاءَ إلى نصفِ الليلِ، وإنَّما عَلَّلَ تركَ ذلكَ بخشيةِ المشقَّةِ على النَّاسِ (^٦). ولما خَرَجَ - ﷺ - على أصحابهِ وهُم يَنْتَظِرونَهُ لصلاةِ العشاءِ؛ قالَ [لهُم]: "ما يَنْتَظِرُها أحدٌ مِن أهلِ الأرضِ غيرُكُم" (^٧). وفي هذا إشارةٌ إلى فضيلةِ التَّفرُّدِ بذكرِ اللهِ في وقتٍ من الأوقاتِ لا يوجَدُ فيهِ ذاكرٌ لهُ. ولهذا وَرَدَ في فضلِ الذِّكرِ في الأسواقِ ما وَرَدَ مِن الحديثِ المرفوعِ والآثارِ الموقوفةِ، حتَّى
_________________
(١) في خ وم ون: "أزهر بن سعد"! والذي يروي عنه معاوية هو أزهر بن سعيد لا ابن سعد.
(٢) (ضعيف). تقدّم (ص ٢٨٧) عن أمّ أزهر لا عن أبيه، فإن كان ذكر أبيه محفوظًا فعلّة جديدة.
(٣) كما يتأخّر كثيرون في الحضور إلى المسجد لصلاة القيام في رمضان حتّى تنقضي جماعة العشاء! ويقوم آخرون الليل بطوله ثمّ يستعجلون الفجر قبل الجماعة من شدّة نعاسهم!
(٤) تخصيص ما بين العشاءين بصلاة مخصوصة غير سنّة المغرب وركعتين قبل فرض العشاء والتزامها بدعوى أنّه وقت غفلة أو غير ذلك لا يجوز، بل هو داخل في باب البدع المنهيّ عنها كما قدّمت.
(٥) (صحيح). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ١١٥)، لكنّ المقصود بقوله - ﷺ - "في تلك الساعة" هو ثلث الليل الأخير لا وسطه كما تقدّم.
(٦) كما جاء في حديث ابن عبّاس عند: البخاري (٩ - المواقيت، ٢٤ - النوم قبل العشاء، ٢/ ٥٠/ ٥٧١)، ومسلم (٥ - المساجد، ٣٩ - وقت العشاء، ١/ ٤٤٤/ ٦٤٢).
(٧) رواه: البخاري (الموضع السابق، ٥٦٩ و٥٧٠)، ومسلم (الموضع السابق، ١/ ٤٤٢/ ٦٣٩).
[ ٣١٠ ]
قالَ أبو صالحٍ: إنَّ الله لَيَضْحَكُ ممَّن يَذْكُرُهُ في السُّوقِ. وسببُ ذلكَ أنَّهُ ذكرٌ في موطنِ الغفلةِ بينَ أهلِ الغفلةِ.
وفي حديثِ أبي ذَرٍّ المرفوعِ: "ثلاثةٌ يُحِبُّهُمُ اللهُ: قومٌ ساروا ليلتَهُم (^١)، حتَّى إذا كانَ النَّومُ أحبَّ إليهِم ممَّا يُعْدَلُ بهِ، فوَضَعوا رؤوسَهُم، فقامَ أحدُهُم يَتَمَلَّقُني ويَتْلو آياتي. وقومٌ كانوا في سريَّةٍ، فانْهَزَموا، فتَقَدَّمَ أحدُهُم، فلَقِيَ العدوَّ فصَبَرَ حتَّى قُتِلَ". وذَكَرَ أيضًا قومًا جاءَهُم سائلٌ فسَألَهُم فلمْ يُعْطوهُ، فانْفَرَدَ أحدُهُم حتَّى أعْطاهُ سرًّا (^٢). فهؤلاءِ الثَّلاثةُ انْفَرَدوا عن رفقتِهِم بمعاملةِ اللهِ ﷿ سرًّا بينَهُم وبينَهُ، فأحَبَّهُمُ اللهُ. فكذلكَ مَن يَذْكُرُ الله في غفلةِ النَّاسِ أو مَن يَصومُ في أيَّامِ غفلةِ النَّاسِ عن الصِّيامِ (^٣).
وفي إحياءِ الوقتِ المغفولِ عنهُ بالطَّاعةِ فوائدُ (^٤):
منها: أنَّهُ يَكونُ أخفى، وإخفاءُ النَّوافلِ وإسرارُها أفضلُ، ولا سيَّما الصِّيامِ؛ فإنَّهُ سرٌّ بينَ العبدِ وربِّهِ، ولهذا قيلَ: إنَّهُ ليسَ فيهِ رياءٌ.
وقد صامَ بعضُ السَّلفِ أربعينَ سنةً لا يَعْلَمُ بهِ أحدٌ، كانَ يَخْرُجُ مِن بيتِهِ إلى السُّوقِ ومعَهُ رغيفانِ، فيَتَصَدَّقُ بهِما ويَصومُ، فيَظُنُّ أهلُهُ أنَّهُ أكلَهُما، ويَظُنُّ أهلُ السُّوقِ
_________________
(١) في خ: "بليلتهم"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٢) (صحيح). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ١١٠).
(٣) هذا حسن على أن لا يتّخذ عادة وتوقيتًا كما تقدّم بيانه! فلو أنّ رجلًا رأى الظالمين من المسلمين - ولا أقول النصارى - الذين ينبعثون في ليلة رأس السنة الميلاديّة فجرًا وعهرًا، فحمله ذلك على صيام ذاك اليوم وقيام تلك الليلة يناجي ربّه ويحمده على أنّه لم يجعله من أُولئك الهوامّ ويسأله أن يتولّاه برحمته ويصلحه ويصلح أحوال المسلمين، لكان حسنًا. فإن جعل هذا الفعل عادة موقوتة يلتزمها كلّ عام أو دعا الناس إليها؛ صار بدعة تبدأ صغيرة ثمّ تتحوّل إلى ضلالة عظيمة. ولقد رأيت بعض المعثّرين من المشايخ وأنصاف المتعلّمين في دمشق الشام - فرّج الله عن أهلها - يجمعون العامّة في المساجد ويحيون بهم ليلة ميلاد المسيح المزعومة بقراءة الموالد وتلاوة الأناشيد ودق الدفوف، فسألت متعجّبًا عن المناسبة، فقال بعضهم: أما قال النبيّ - ﷺ - "نحن أحقّ بموسى منهم" وصام عاشوراء؟ فكذلك نحن أحقّ بعيسى من النصارى! فانصرفت متألّمًا وأنا أقول في نفسي: سبحان الله! كيف يستجرّ الشيطان بني آدم وإلى أيّ درك يحملهم؟! أترى الشيطان أفرح بأهل المجون الذين أحيوا ليلتهم بالخمور والفجور أم بأُولئك المعثّرين الذين جمعوا بدعة المولد إلى بدعة التوقيت إلى بدعة مضاهأة النصارى فضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعًا؟!
(٤) على أن يكون مقيّدًا بالضوابط المتقدّمة.
[ ٣١١ ]
أنَّهُ أكَلَ في بيتِهِ.
وكانوا يَسْتَحِبُّونَ لمَن صامَ أنْ يُظْهِرَ ما يُخْفي بهِ صيامَهُ.
فعنِ ابن مَسْعودٍ قالَ: إذا أصْبَحْتُمْ صيامًا؛ فأصْبِحوا مدَّهنين.
وقالَ قتادَةُ: يُسْتَحَبُّ للصَّائمِ أنْ يَدَّهِنَ حتَّى تَذْهَبَ عنهُ غُبْرَةُ الصِّيامِ.
وقالَ أبو التَّيَّاحِ: أدْرَكْتُ أبي ومشيخةَ الحيِّ إذا صامَ أحدُهُمُ ادَّهَنَ ولَبِسَ أحسنَ ثيابِهِ.
ويُرْوى أنَّ عيسى بنَ مَرْيَمَ ﵇ قالَ: إذا كانَ يومُ صومِ أحدِكُم؛ فلْيَدْهَنْ لحيتَهُ ولْيَمْسَحْ شفتيهِ مِن دهنِهِ حتَّى يَنْظُرَ النَّاظرُ إليهِ [فـ) ـيَرى أنَّهُ ليسَ بصائمٍ.
اشْتَهَرَ بعضُ الصَّالحينَ بكثرةِ الصِّيامِ، فكانَ يَجْتَهِدُ في إظهارِ فطرِهِ للنَّاسِ، حتَّى [كانَ] يَقومُ يومَ الجمعةِ والنَّاسُ مجتمعونَ في مسجدِ الجامعِ، فيَأْخُذُ إبريقًا، [فـ) ـيَضَعُ بلبلتَهُ في فيهِ ويَمَصُّهُ ولا يَزْدَرِدُ منهُ شيئًا ويَبْقى ساعةً كذلكَ لِيَنْظُرَ النَّاسُ إليهِ فيَظنُّوا أنَّهُ يَشْرَبُ الماءَ، وما يَدْخُلُ إلى حلقِهِ منهُ شيءٌ.
كم يَسْتُرُ الصَّادقونَ أحوالَهُم وريحُ الصِّدقِ يَنُمُّ عليهِم.
ريحُ الصِّيامِ أطيبُ مِن ريحِ المسكِ، تَسْتَنْشِقُهُ قلوبُ المؤمنينَ وإنْ أُخْفِيَ، وكلَّما طالَتْ عليهِ المدَّةُ؛ ازْدادَ قوَّةُ ريحِهِ.
كَمْ أكْتُمُ حُبَّكُمْ عَنِ الأغْيارِ … وَالدَّمْعُ يُذيعُ في الهَوى أسْراري
كَمْ أسْتُرُكُم هَتَكْتُمُ أسْتاري … مَنْ يُخْفي في الهَوى لَهيبَ النَّارِ
ما أسَرَّ أحدٌ سريرةً إلَّا ألْبَسَهُ اللهُ رداءَها علانيةً.
وَهَبْني كَتَمْتُ السِّرَّ أوْ قُلْتُ غَيْرَهُ … أتَخْفى عَلى أهْلِ القُلوبِ السَّرائِرُ
أبى ذاكَ أنَّ السِّرَّ في الوَجْهِ ناطِقٌ … وَأنَّ ضَميرَ القَلْبِ في العَيْنِ ظاهِرُ
ومنها: أنَّهُ أشقُّ على النُّفوسِ، وأفضلُ الأعمالِ أشقُّها على النُّفوسِ (^١). وسببُ
_________________
(١) لا يخلو هذا التعميم من نظر، والأمثلة الشاهدة لذلك كثيرة جدًّا.
[ ٣١٢ ]
ذلكَ أن النُّفوسَ تتأسَّى بما تُشاهِدُ [هُ] مِن أحوالِ أبناءِ الجنسِ، فإذا كَثُرَتْ يقظةُ النَّاسِ وطاعاتُهُم (^١)؛ كَثُرَ أهلُ الطَّاعةِ لكثرةِ المقتدينَ بهِم، فسَهُلَتِ الطَّاعاتُ. وإذا كَثُرَتِ الغفلاتُ وأهلُها؛ تَأسَّى بهِم عمومُ النَّاسِ، فيَشُقُّ على نفوسِ المتيقِّظينَ طاعاتُهُم؛ لقلَّةِ مَن يَقْتَدونَ بهِم فيها.
ولهذا المعنى قالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "للعاملِ منهُم أجرُ خمسينَ منكُم، إنَّكُم تَجِدونَ على الخيرِ أعوانًا ولا يَجِدونَ" (^٢).
وقالَ - ﷺ -: "بَدَأ الإسلامُ غريبًا، وسَيَعودُ غريبًا كما بَدَأ، فطوبى للغرباءِ" (^٣). وفي روايةٍ: قيلَ: ومَنِ الغرباءُ؟ قالَ: "الذينَ يُصْلِحونَ إذا فَسَدَ النَّاسُ" (^٤).
_________________
(١) في خ ون: "وطاعتهم"، والأولى ما أثبتّه من م وط.
(٢) (لم أقف عليه بهذا التمام). القطعة الأولى من الحديث جاءت عن جماعة من الصحابة منهم أبو ثعلبة الخشني وعبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وعتبة بن غزوان ومازن بن صعصعة، وبعض أسانيدها صحيحة، وليس في شيء منها ذكر هذه الزيادة.
(٣) رواه مسلم (١ - الإيمان، ٦٥ - الإسلام بدأ غريبًا، ١/ ١٣٠/ ١٤٥) من حديث أبي هريرة.
(٤) (صحيح). وقد جاء من حديث جماعة من الصحابة: • فرواه: ابن حبّان في "المجروجن" (٢/ ٢٢٦)، والآجرّي في "الشريعة" (١٠٤)، والطبراني (٨/ ١٥٢/ ٧٦٥٩)، وابن بطّة (٥٣٢)، والبيهقي في "الزهد" (٢٠١)، وابن عساكر (٣٣/ ٣٦٩ - ٣٧٠)؛ من طريق كثير بن مروان الشامي، ثنا عبد الله بن يزيد الدمشقي، ثنا أنس وواثلة وأبو الدرداء وأبو أُمامة … به مرفوعًا. قال الهيثمي (١/ ١١١): "كثير كذّبه يحيى والدارقطني". قلت: وعبد الله مثله. والسند ساقط. • ورواه: ابن أحمد (٤/ ٧٣)، والبغوي (٢/ ٤٠١ - إصابة)، وابن عديّ (٤/ ١٦١٥)، وابن الأثير في "الغابة" (٣/ ٤٥٧)؛ من طريقين، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، ثنا يوسف بن سليمان، عن جدّته ميمونة، عن عبد الرحمن بن سنّة … رفعه. قال الهيثمي (٧/ ٢٨١): "فيه ابن أبي فروة وهو متروك". قلت: ويوسف وجدّته مجهولان. فالسند مظلم، وقد ضعّفه البخاري والبغوي وابن السكن وابن عديّ والعسقلاني. • ورواه: ابن أبي شيبة (٣٤٣٥٧) بسند لا بأس به عن إبراهيم بن أبي المغيرة، وهناد في "الزهد" (١٢٦٢) بسند صحيح عن يحيى بن سعيد؛ كلاهما عن النبيّ - ﷺ -. وهذان معضلان. • ورواه: الدولابي (١/ ١٩٢)، والطبراني في "الكبير" (٦/ ١٦٤/ ٥٨٦٧) و"الأوسط" (٣٠٨٠) و"الصغير" (٢٩١)، وابن عديّ (٢/ ٤٦٢)، والقضاعي (١٠٥٥)؛ من طرق، عن أحمد بن عمرو بن السرح، ثنا بكر بن بكر، وهو ثقة". قلت: بل ليّن، وفي روايته عن أبي حازم ضعف، وقد اضطرب، فرواه ابن عديّ (٢/ ٤٦٢) وابن بطة (٣٢) عنه عن أبي حازم (وزاد ابن عديّ: عن الأعرج) عن أبي هريرة … رفعه! • ورواه: الطحاوي (١/ ٢٩٨)، والطبراني في "الأوسط" (٤٩١٢ و٨٧١١ و٨٩٧٢)، والبيهقي في "الزهد" (٢٠٠)؛ من طريقين تقوّي إحداهما الأُخرى، عن خالد بن أبي عمران، ثنا أبو عيّاش، سمعت =
[ ٣١٣ ]
وفي "صحيح مسلم" (^١) مِن حديثِ: مَعْقِلِ بن يَسارٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "العبادةُ في الهَرْجِ كالهجرةِ إليَّ". وخَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ، ولفظُهُ: "العبادةُ في الفتنةِ كالهجرةِ إليَّ" (^٢).
وسببُ ذلكَ أن النَّاسَ في زمنِ الفتنِ يَتَّبِعونَ أهواءَهُم ولا يَرْجِعونَ إلى دينٍ، فيَكونُ حالُهُم شبيهًا بحالِ الجاهليَّةِ، فإذا انْفَرَدَ مِن بينِهِم مَن يَتَمَسَّكُ بدينِهِ ويَعْبُدُ ربَّهُ ويَتَّبعُ مراضِيَهُ ويَجْتَنِبُ مساخطَهُ؛ كانَ بمنزلةِ مَن هاجَرَ مِن بين أهلِ الجاهليَّةِ إلى رسولِ اللهِ - ﷺ - مؤمنًا بهِ متَّبعًا لأوامرِهِ مجتنبًا لنواهيهِ.
ومنها: أنَّ المنفردَ بالطَّاعةِ بينَ أهلِ المعاصي والغفلةِ قد يُدْفَعُ بهِ البلاءُ عن النَّاسِ [كلِّهِم]، فكأنَّهُ يَحْميهِم ويُدافِعُ عنهُم.
وفي حديثِ ابن عُمَرَ الذي رَوَيْناهُ في "جزءِ ابن عَرَفَةَ" مرفوعًا: "ذاكرُ اللهِ في الغافلينَ كالذي يُقاتِلُ عن الفارِّينَ، وذاكرُ اللهِ في الغافلينَ كالشَّجرةِ الخضراءِ في وسطِ الشَّجرِ الذي تَحاتَّ ورقُهُ مِن الصَّريدِ (والصَّريدُ: البردُ الشَّديدُ)، وذاكرُ اللهِ في الغافلينَ يُغْفَرُ لهُ بعددِ كلِّ رطبٍ ويابسٍ، وذاكرُ اللهِ في الغافلينَ يَعْرِفُ مقعدَهُ في الجنَّةِ" (^٣).
_________________
(١) = جابرًا … رفعه. قال الهيثمي: "فيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو ضعيف، وقد وثّق". قلت: قد توبع عند الطبراني نفسه، والعلّة من أبي عيّاش؛ فإنّه مجهول الحال أو مشور. • ورواه الداني (١٢٧٣ - صحيحة) من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود … رفعه. قال الألباني: "صحيح رجاله ثقات". قلت: قد عنعن الأعمش على تدليسه. • ورواه: أحمد (١/ ١٨٤)، والبزّار (١١١٩)، وأبو يعلى (٧٥٦)، وعبد الله بن أحمد (١/ ١٨٤)؛ من طريق صخر، ثني أبو حازم، ثني ابن لسعد، عن أبيه … رفعه بنحوه. قال الهيثمي: "رجال الصحيح". قلت: في أبي صخر حميد بن زياد الخرّاط كلام لا ينزل بحديثه عن رتبة الحسن. • نعم؛ الأوجه الثلاثة الأولى ساقطة، ولكن الحديث صحيح بما تلاها، وقد صحّحه الألباني وغيره.
(٢) (٥٢ - الفتن، ٣٦ - فضل العبادة في الهرج، ٤/ ٢٢٦٨/ ٢٩٤٨).
(٣) والفتنة والهرج واحد، وإنّما ذكر اللفظ الآخر لبيان المقصود بالهرج. وهو عند: ابن أبي شيبة (٣٧٢٨٨)، وأحمد (٥/ ٢٧)، والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ٢١٣/ ٩٤٢ - ٤٩٤) و"الصغير" (٩٣٤)، وأبي نعيم في "الحلية" (٣/ ٦٢)؛ من طرق، عن معاوية بن قرّة، عن معقل … رفعه. وهذه طريق مسلم نفسها.
(٤) (ضعيف جدًّا). رواه: ابن عرفة في "جزئه" (٤٥)، وابن عدي في "الكامل" (٥/ ١٧٤٥)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ١٨١)، والبيهقي في "الشعب" (٥٦٥ و٥٦٦)؛ من طريق يحيى بن سليم الطائفي، عن عمران بن مسلم القصير وعبّاد بن كثير، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر … رفعه.
[ ٣١٤ ]
قالَ بعضُ السَّلفِ: ذاكرُ اللهِ في الغافلينَ كمَثَلِ الذي يَحْمي الفئةَ المنهزمةَ، ولولا مَن يَذْكُرُ الله في غفلةِ النَّاسِ؛ لَهَلَكَ النَّاسُ.
رَأى جماعةٌ مِن المتقدِّمينَ في منامِهِم كأنَّ ملائكةً نَزَلَتْ إلى بلادٍ شتَّى، فقالَ بعضُهُم لبعضٍ: اخْسِفوا بهذهِ القريةِ، [فـ]ـقالَ بعضُهُم: كيفَ نَخْسِفُ بها وفلانٌ فيها قائم يُصَلِّي؟
ورَأى بعضُ المتقدِّمينَ في منامِهِ مَن يُنْشِدُ:
لَوْلا الَّذينَ لَهُمْ وِرْدٌ يُصَلونا … وَآخَرونَ لَهُمْ سَرْدٌ يَصومونا
لَدُكْدِكَتْ أرْضُكُمْ مِنْ تَحْتِكُمْ سَحَرًا … لِأنَّكُمْ قومُ سَوْءٍ ما تُطيعونا
وفي "مسند البَزَّارِ" عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: "مهلًا عن اللهِ مهلًا! فلولا عبادٌ رُكَّعٌ وأطفالٌ رُضَّع وبهائمُ رُتَّعٌّ؛ لَصُبَّ عليكُمُ العذابُ صبًّا" (^١).
_________________
(١) = قال ابن عدي: "هذا عندي قد حمل يحيى بن سليم حديث عبّاد بن كثير على حديث عمران بن مسلم فجمع بينهما، وعمران خير من عبّاد". قلت: يحيى سيء الحفظ، وقد جمع بين لفظي عمران وعبّاد بصورة لا يطمئنّ القلب إليها إطلاقًا، وهذا من أدلّة سوء تحمّله وأدائه للحديث. وعمران بن مسلم الذي يروي عن ابن دينار وعنه ابن سليم قال البخاري منكر الحديث وفرّق بينه وبين القصير وتابعه جماعة، فإن كانا واحدًا كما ذهب إليه جماعة؛ فهذا لا يعفي روايته عن ابن دينار أو رواية ابن سليم عنه من النكارة. وعبّاد بن كثير هالك. فالسند واه، وقد أعلّه ابن عديّ والمنذري والذهبي والعراقي والألباني.
(٢) (ضعيف). رواه: البزّار (٣٢١٢ - كشف الأستار)، وأبو يعلى (٦٤٠٢ و٦٦٣٣)، والطبراني في "الأوسط" (٧٠٨١)، وابن عدي (١/ ٢٤٣)، والبيهقي (٣/ ٣٤٥)، والخطيب في "التاريخ" (٦/ ٦٤)؛ من طريق إبراهيم بن خثيم بن عراك بن مالك، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي هريرة … رفعه. قال الهيثمي (١٠/ ٢٣٠): "فيه إبراهيم بن خشتم وهو ضعيف". قلت: إبراهيم متروك، والسند ساقط. وله شاهد عند: ابن أبي عاصم في "الآحاد" (٩٦٥)، وابن قانع في "المعجم" (٢/ ١٨٤/ ٦٧٥) على خطأ عنده بيّنه العسقلاني في "الإصابة" (٣/ ١٥٩)، والطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٣٠٩/ ٧٨٥) و"الأوسط" (٦٥٣٩)، وابن عدي (٤/ ١٦٢٢، ٦/ ٢٣٧٧)، وابن منده (٣/ ٤٠٦ - إصابة)، وأبي نعيم في "المعرفة" (٢/ ١٠٤ - التلخيص)، والبيهقي في "السنن" (٣/ ٣٤٥) و"الشعب" (٩٢٨٠)، وابن الأثير في "الغابة" (٤/ ١١٣) تعليقًا؛ من طريق عبد الرحمن بن سعد المؤذّن، عن مالك بن عبيدة بن مسافع الدئلي، عن أبيه، عن جدّه … رفعه. قال الذهبي: "مالك وأبوه مجهولان". وقال الهيثمي (١٠/ ٢٣٠): "فيه عبد الرحمن بن سعد بن عمّار، وهو ضعيف". قلت: فهذه آفات ثلاث، والسند واه. وله شاهد رواه أبو نعيم في "المعرفة" (٢/ ١٠٤ - التلخيص) و"الحلية" (٦/ ١٠٠) من طريق معاوية بن صالح، عن أبي الزاهريّة، عن النبيّ - ﷺ -. وهذا مرسل أو معضل؛ فإنّ أكثر رواية أبي الزاهريّة عن التابعين.
[ ٣١٥ ]
ولبعضِهِم في المعنى:
لَوْلا عِبادٌ لِلإلهِ رُكَّعُ … وَصِبْيَةٌ مِنَ اليَتامى رُضَّعُ
وَمُهْمَلاتٌ في الفَلاةِ رُتَّعُ … صُبَّ عَلَيْكُمُ (^١) العَذابُ الموجِعُ
وقد قيلَ في تأْويلِ قولِهِ تعالى ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١]: إنَّهُ يَدْخُلُ فيها دفعُهُ عن العصاةِ بأهلِ الطَّاعةِ.
وجاءَ في الآثارِ: إنَّ الله يَدْفَعُ بالرَّجلِ الصَّالح عن أهلِهِ وولدِهِ وذرِّيَّتِهِ ومَن حولَهُ (^٢).
وفي بعضِ الآثارِ (^٣): يَقولُ اللهُ ﷿: أحَبُّ العبادِ إليَّ: المتحابُّونَ بجلالي، المشَّاؤونَ في الأرضِ بالنَّصيحةِ، المشَّاؤونَ على أقدامِهِم إلى الجمعاتِ (وفي روايةٍ: المعلَّقةُ قلوبُهُم بالمساجدِ)، والمستغفرونَ بالأسحارِ، فإذا أرَدْتُ إنزالَ عذابٍ بأهلِ الأرضِ فنَظَرْتُ إليهِم؛ صَرَفْتُ العذابَ عن النَّاسِ.
وقالَ مَكْحولٌ: ما دامَ في الناسِ خمسةَ عشرَ يَسْتَغْفِرُ كلٌّ منهُمُ [الله] كلَّ يومٍ خمسًا وعشرينَ مرَّةً؛ لم يَهْلِكوا بعذابٍ عامٍّ (^٤).
والآثارُ في هذا المعنى كثيرةٌ جدًّا.
• وقد رُوِيَ في صيامِ النَّبيِّ - ﷺ - شعبانَ معنًى آخرَ، وهوَ أنَّهُ تُنْسَخُ فيهِ الآجالُ. فرُوِيَ بإسناد فيهِ ضعفٌ عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: كانَ أكثرُ صيامِ النَّبيِّ - ﷺ - في شعبانَ، فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ! أرَى أكثرَ صيامِكَ في شعبانَ. قالَ: "إنَّ هذا الشَّهرَ يُكْتَبُ فيهِ لملَكِ
_________________
(١) = فحديث أبي هريرة ساقط، وحديث مسافع واهٍ، وحديث أبي الزاهريّة مرسل؛ فلا يفيدها اجتماعها قوّة، وقد ضعّف الحديث ابن عديّ والبيهقي والذهبي والهيثمي والعسقلاني وغيرهم.
(٢) كذا في خ ون وط، وفي م وأشار إليها في خ: "لصبّ فيكم".
(٣) قد أحسن يرحمه الله إذ لم يجعله من المرفوع؛ فإن المرفوع فيه جاء عند ابن جرير (٥٧٥٥ و٥٧٥٦) من حديث ابن عمر بسند ساقط ومن حديث جابر بسند واه.
(٤) يعني: الإسرائيليات. وهو عند: ابن أبي شيبة (٣٤٢٧٩) من حديث يزيد بن ميسرة عمّا أوحى الله إلى موسى، وأبي نعيم في "الحلية" (٥/ ٢١٢) من كلام خالد بن معدان.
(٥) وهذا وأمثاله أقوال تذكر لتقوية الفكرة وتثبيتها في الجملة؛ وأمّا على التفصيل والتدقيق؛ فلا بدّ من مرفوع صحيح تقوم به الحجّة، وهيهات!
[ ٣١٦ ]
الموتِ مَن تقْبِضُ، فأنا لا أُحِبُّ أنْ يُنْسَخَ اسمي إلَّا وأنا صائمٌ" (^١). وقد رُوِيَ مرسلًا، وقيلَ: إنَّهُ أصحُّ.
وفي حديثٍ آخرَ مرسلِ: "تُقْطَعُ الآجالُ مِن شعبانَ إلى شعبانَ، حتَّى إن الرَّجلَ لَيَنْكِحُ ويولَدُ لهُ ولقدْ خَرَجَ اسمُهُ في الموتى" (^٢).
• ورُوِيَ في ذلكَ معنًى آخرُ، وهوَ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - وقد رُوِيَ مرسلًا، كانَ يَصومُ مِن كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ، وربَّما أخَّرَ ذلكَ حتَّى يَصومَ شعبانَ (^٣). رَواهُ: ابنُ أبي لَيْلى، عن أخيهِ عيسى، عن أبيهِما، عن عائِشَةَ. خَرَّجَهُ الطبَرانِى. ورَواهُ غيرُهُ وزادَ: قالَتْ عائِشَةُ: فربَّما أرَدْتُ أنْ أصومَ فلم أُطِقْ، حتَّى إذا [صامَ] صُمْتُ معَهُ (^٤).
وقد يُشْكِلُ على هذا ما في "صحيح مسلم" (^٥) عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِ
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). رواه: ابن أبي حاتم (٧٣٧ و٧٧٨) والخطيب (١١/ ٣١٤) وفي "أوهام الجمع" (٢/ ٢٢٤) من طريق إسماعيل بن قيس بن سعد بن زيد بن ثابت عن هشام بن عروة، والبيهقي في "الفضائل" (٢٦) والأصبهاني (١٨٢٧) من طريق النضر بن كثير عن يحيى بن سعيد؛ كلاهما عن عروة، عن عائشة … رفعته. وفي الطريق الأولى إسماعيل بن قيس متروك منكر الحديث، وفي الثانية النضر بن كثير متروك. ورواه أبو يعلى (٤٩١١): ثنا سويد بن سعيد، ثنا مسلم بن خالد، عن طريف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن عائشة … رفعته. قال الهيثمي (٣/ ١٩٥): "فيه مسلم بن خالد الزنجي، وفيه كلام، وقد وثّق". قلت: لا يعدو مسلم أن يكون صالحًا في الشواهد. وسويد ليّن عمي فصار يتلقّن. وطريف ليّن على جهالته. فالسند واه. وعلى أنّ هذه الأسانيد دون حدّ الاعتبار؛ لا يقوّي أحدها الآخر، ولا تتقوّى بالشواهد؛ فإنّ شواهدها مثلها في السقوط أو دونها، فليس في الباب حديث ضعيف بله الحسن والصحيح، ولذلك استنكرها ابن كثير.
(٢) (ضعيف جدًّا). رواه: ابن أبي الدنيا في "الموت" (١٠/ ٢٨١ - إتحاف السادة)، والطبري (٣١٠٤٠)، والبيهقي في "الشعب" (٣٨٣٩)، والبغوي في "التفسير" (٥/ ١١١)؛ من طريق قويّة، عن عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس … به موقوفًا تارة وعن النبيّ - ﷺ - تارة. وفيه علل: أولاها: أنّه معضل. والثانية: أنّ عثمان هذا فيه ضعف. والثالثة: أنّه اضطرب فيه وقفًا وإرسالًا. ولذلك قال ابن كثير: "مثله لا يعارض به النصوص". يعني نصوص القرآن في أنّ الليلة التي يفرق فيها كلّ أمر حكيم هي ليلة القدر. فهذه علّة رابعة. فالسند واه كما ترى، وشواهده أوهى منه كما تقدّم.
(٣) (ضعيف). رواه الطبراني في "الأوسط" (٢١١٩) من هذه الطريق. قال الهيثمي (٣/ ١٩٥): "فيه محمّد بن أبي ليلى وفيه كلام". وقال العسقلاني في "الفتح" (٤/ ٢١٤): " [محمّد] بن أبي ليلى ضعيف".
(٤) (لم أقف عليه بهذا اللفظ). لكنّ معناه مخرّج عند الشيخين.
(٥) (١٣ - الصيام، ٣٦ - استحباب صيام ثلاثة أيّام، ٢/ ٨١٨/ ١١٦٠).
[ ٣١٧ ]
- ﷺ - يَصومُ ثلاثةَ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ، لا يُبالي مِن أيِّهِ كانَ.
وفيهِ أيضًا (^١) عنها؛ قالَتْ: ما عَلِمْتُهُ (تَعْني: النَّبيَّ - ﷺ -) صامَ شهرًا كاملًا إلَّا رمضانَ، ولا أفْطَرَهُ كلَّهُ حتَّى يَصومَ منهُ، حتَّى مضى لسبيلِهِ.
وقد يُجْمَعُ بينَهُما بأنَّهُ قد يَكونُ صومُهُ في بعضِ الشُّهورِ لا يَبْلُغُ ثلاثةَ أيَّامٍ، فيُكْمِلُ ما فاتَهُ مِن ذلكَ في شعبانَ، أو أنَّهُ كانَ يَصومُ مِن كل شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ معَ الاثنينِ والخميسِ، فيُؤَخِّرُ الثلاثةَ خاصَّةً حتَّى يَقْضِيَها في شعبانَ معَ صومِهِ الاثنينِ والخميسَ.
وبكلِّ حالٍ؛ [فـ]ـكانَ النَّبيُّ - ﷺ - عملُهُ ديمةٌ، وكانَ إذا فاتَهُ شيءٌ مِن نوافلِهِ قَضاهُ، كما [كانَ] يَقْضي ما فاتَهُ مِن سننِ الصَّلاةِ، وما فاتَهُ مِن قيامِ الليلِ قَضاهُ بالنَّهارِ. وكانَ إذا دَخَلَ شعبانُ وعليهِ بقيَّةٌ مِن صيامِ تطوُّعٍ لمْ يَصُمْهُ؛ قَضاهُ في شعبانَ حتَّى يَسْتكمِلَ نوافلَهُ بالصَّومِ قبلَ دخولِ رمضانَ (^٢)، فكانَتْ عائِشَةُ حينئذٍ تَغْتَنِمُ قضاءَهُ لنوافلِهِ فتَقْضي ما عليها مِن فرضِ رمضانَ حينئذٍ لفطرِها فيهِ بالحيضِ، وكانَتْ في غيرِهِ مِن الشُّهورِ مشتغلةً بالنَّبيِّ - ﷺ -؛ فإنَّ المرأةَ لا تَصومُ وبعلُها شاهدٌ إلَّا بإذنِهِ (^٣).
فمَن دَخَلَ عليهِ شعبانُ وقد بَقِيَ عليهِ مِن نوافلِ صيامِهِ في العامِ؛ اسْتُحِبَّ لهُ قضاؤُها فيهِ حتَّى يُكَمِّلَ نوافلَ صيامِهِ بينَ الرَّمضانينِ.
ومَن كانَ عليهِ [شيءٌ] مِن قضاءِ رمضانَ؛ وَجَبَ عليهِ قضاؤُهُ معَ القدرةِ، ولا يَجوزُ لهُ تأْخيرُهُ إلى ما بعدَ رمضانَ آخرَ لغيرِ ضرورةٍ. فإنْ فَعَلَ ذلكَ وكانَ تأْخيرُهُ لعذرٍ مستمرٍّ بينَ الرَّمضانينِ؛ كانَ عليهِ قضاؤُهُ بعدَ رمضانَ الثَّاني ولا شيءَ عليهِ معَ القضاءِ. وإنْ كانَ ذلكَ لغيرِ عذرٍ: فقيلَ: يَقْضي ويُطْعِمُ معَ القضاءِ لكلِّ يومٍ مسكينًا، وهوَ قولُ مالِكٍ والشَّافِعِيِّ وأحْمَدَ اتِّباعًا لآثارٍ وَرَدَتْ بذلكَ. وقيلَ: يَقْضي ولا إطعامَ عليهِ، وهوَ
_________________
(١) (١٣ - الصيام، ٣٤ - صيامه - ﷺ - في غير رمضان، ٢/ ٨٠٩/ ١٥٦). وأصله عند البخاري (٣٠ - الصوم، ٥٢ - صوم شعبان، ٤/ ٢١٣/ ١٩٦٩).
(٢) أمّا أنّ عمله - ﷺ - كان ديمة وأنّه كان يقضي ما فاته من السنن أحيانًا؛ فصحيح مخرّج عند الشيخين وغيرهما. وأمّا أنّه - ﷺ - كان يقضي نوافل صومه في شعبان؛ فرأي يحتمل الخطأ والصواب، وقد تبيّن لك أنّ الأسانيد فيه ضعيفة، ولذلك استنكره العسقلاني في "الفتح" (٤/ ٢١٤ - ٢١٥) ورجّح غيره. والله أعلم.
(٣) إلّا في قضاء الفريضة إن ضاق الوقت أو علمت أنّها لن تتمكّن من صومه في المستقبل لسبب ما.
[ ٣١٨ ]
قولُ أبي حَنِيفَةَ. وقيلَ: يُطْعِمُ ولا يَقْضي، وهوَ ضعيفٌ (^١)،
• وقد قيلَ في صومِ شعبانَ معنًى آخرُ، وهوَ أن صيامَهُ كالتَّمرينِ على صيامِ رمضانَ، لئلَّا يَدْخُلَ في صيامِ رمضانَ على مشقَّةٍ وكلفةٍ، بل يَكونُ قد تَمَرَّنَ على الصِّيامِ واعْتادَهُ ووَجَدَ بصيامِ شعبانَ قبلَهُ حلاوةَ الصِّيامِ ولذَّتَهُ، فيَدْخُلُ في صيامِ رمضانَ بقوَّةٍ ونشاطٍ.
ولمَّا كانَ شعبانُ كالمقدِّمةِ لرمضانَ؛ شُرِعَ فيهِ ما يُشْرَعُ في رمضانَ مِن الصِّيامِ وقراءةِ القرآنِ؛ لِيَحْصُلَ التَّأهُّبُ لِتَلَقِّي رمضان وتَرْتاضَ النُّفوسُ بذلكَ على طاعةِ الرَّحمنِ.
رُوِّينا بإسنادٍ ضعيفٍ عن أنَسٍ، قالَ: كانَ المسلمونَ إذا دَخَلَ شعبانُ، أكَبُّوا على المصاحفِ يَقْرَؤونَها، وأخْرَجوا زكاةَ أموالِهِم، تقويةً للضَّعيفِ والمسكينِ على صيامِ رمضانَ (^٢).
وقالَ سَلَمَةُ بنُ كُهَيْلٍ: كانَ يُقالُ: شهرُ شعبانَ شهرُ القرَّاءِ.
وكانَ حَبيبُ بنُ أبي ثابِتٍ إذا دَخَلَ شعبانُ قالَ: هذا شهرُ القرَّاءِ.
وكانَ عَمْرُو بنُ قَيْسٍ المُلائِيُّ إذا دَخَلَ شعبانُ أغْلَقَ حانوتَهُ وتَفَرَّغَ لقراءةِ القرآنِ.
قالَ الحَسَنُ بنُ سَهْلٍ: قالَ شعبانُ: يا ربِّ! جَعَلْتَني بينَ شهرينِ عظيمينِ فما لي؟ قالَ: جَعَلْتُ فيكَ قراءةَ القرآنِ.
يا مَن فَرَّطَ في الأوقاتِ الشَّريفةِ وضَيَّعَها وأوْدَعَها الأعمالَ السَّيِّئةَ، وبئسَ ما اسْتَوْدَعَها!
مَضى رَجَبٌ وما أحْسَنْتَ فيهِ … وهذا شَهْرُ شَعْبانَ المُبارَكْ
_________________
(١) لأنّه معارض لعموم قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، وهذا بيّن. وكذلك قول من ألزم المؤخّر الصيام والفدية معًا ضعيف من وجوه: أوّلها: أنّ الإلزام بالفدية تشريع لا بدّ فيه من دليل، ولا دليل. والثاني: أنّ الصيام بعد رمضان الثاني سدّ الدين وقضاه؛ فما الحاجة لهذه الفائدة الربويّة بعده؟! والثالث: أنّ طرد هذا الحكم أنّ من أخّر رمضانين عليه أن يدفع فديتين ومن أخّر عشرًا يدفع عشر فديات … وهكذا دواليك! فالراجح المعتمد هنا قول من قال: يقضي ما أفطره ولا فدية عليه، وإن كان أساء وظلم بتأخيره.
(٢) (ضعيف). رواه يزيد بن أبان الرقاشي عن أنس، ويزيد ضعيف منكر الحديث.
[ ٣١٩ ]
فَيا مَنْ ضَيَّعَ الأوْقاتَ جَهْلًا … بِحُرْمَتِها أفِقْ وَاحْذَرْ بَوارَكْ
فَسَوْفَ تُفارِقُ اللَذَّاتِ قَهْرًا … وَيُخْلي المَوْتُ كَرْهًا مِنْكَ دارَكْ
تَدارَكْ ما اسْتَطَعْتَ مِنَ الخَطايا … بِتَوْبَةِ مُخْلِصٍ وَاجْعَلْ مَدارَكْ
عَلى طَلَبِ السَّلامَةِ مِنْ جَحِيمٍ … فَخَيْرُ ذوي الجَرائِمِ مَنْ تَدارَكْ