في الصَّحيحينِ (^١): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "كلُّ عملِ ابن آدَمَ لهُ؛ الحسنةُ بعشرِ أمثالِها إلى سبعِ مئةِ ضعفٍ. قالَ اللهُ ﷿: إلَّا الصِّيامَ؛ فإنَّهُ لي وأنا أجْزي بهِ. إنَّهُ تَرَكَ شهوتَهُ وطعامَهُ وشرابَهُ مِن أجلي. للصَّائمِ فرحتانِ: فرحةٌ عند فطرِهِ، وفرحةٌ عندَ لقاءِ ربِّهِ. ولَخُلوفُ فمِ الصَّائمِ عندَ اللهِ أطيَبُ مِن ريحِ المسكِ". وفي روايةٍ (^٢): "كلُّ عملِ ابن آدَمَ لهُ إلَّا الصِّيامَ فإنَّهُ لي". وفي روايةٍ للبُخارِيِّ (^٣): "لكلِّ عملٍ كفَّارةٌ، والصَّومُ لي وأنا أجْزي بهِ". وخَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ مِن هذا الوجهِ (^٤) ولفظُهُ: "كلُّ عملِ ابن آدَمَ كفَّارةٌ؛ إلَّا الصَّومَ، والصَّومُ لي، وأنا أجْزي بهِ".
• فعلى الرِّوايةِ الأُولى يَكونُ استثناءُ الصَّومِ مِن الأعمالِ المضاعفةِ، فتكونُ الأعمالُ كلُّها تُضاعَفُ بعشرِ أمثالِها إلى سبعِ مئةِ ضعفٍ؛ إلَّا الصِّيامَ؛ فإنَّهُ لا يَنْحَصِرُ تضعيفُهُ في هذا العددِ، بل يُضاعِفُهُ اللهُ أضعافًا كثيرةً بغيرِ حصرِ عددٍ:
_________________
(١) البخاري (٩٧ - التوحيد، ٣٥ - يريدون أن يبدّلوا كلام الله، ١٣/ ٤٦٤/ ٧٤٩٢)، ومسلم (١٣ - الصيام، ٣٠ - فضل الصيام، ٢/ ٨٠٧/ ١١٥١).
(٢) البخاري (٣٠ - الصوم، ٩ - أيقول إنّي صائم، ٤/ ١١٨/ ١٩٠٤)، ومسلم (الموضع السابق).
(٣) (٩٧ - التوحيد، ٥٠ - ذكر النبيّ - ﷺ -، ١٣/ ٥١٢/ ٧٥٣٨).
(٤) يعني: من طريق شعبة عن محمّد بن زياد عن أبي هريرة مرفوعًا. وقد رواه أحمد (٢/ ٤٥٧ و٤٦٧ و٥٠١) من هذا الوجه، وأسانيده ثقات رجال البخاري، لكن ليس عنده هذا اللفظ على التحديد، وإنّما عنده في الموضعين الأوّل والثاني "كلّ العمل كفّارة وفي الثالث "لكلّ عمل كفارة".
[ ٣٥٣ ]
* فإنَّ الصِّيامَ مِن الصَّبرِ، وقد قالَ اللهُ: ﴿إنَّما يُوَفَّى الصَّابِرونَ أجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
ولهذا وَرَدَ عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّهُ سَمَّى شهرَ رمضانَ شهرَ الصَّبرِ (^١).
وفي حديثٍ آخرَ عنهُ - ﷺ -؛ قالَ: "الصَّومُ نصفُ الصَّبرِ" (^٢). خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ.
والصَّبرُ ثلاثةُ أنواعٍ: صبرٌ على طاعةِ اللهِ ﷿، وصبرٌ عن محارمِ اللهِ، وصبرٌ على أقدارِ اللهِ المؤلمةِ. وتَجْتَمعُ الثَّلاثةُ كلُّها في الصَّومِ؛ فإنَّ فيهِ صبرًا على طاعةِ اللهِ، وصبرًا عمَّا حَرَّمَ اللهُ على الصَّائمِ مِن الشَّهواتِ، وصبرًا على ما يَحْصُلُ للصَّائمِ [فيهِ] مِن ألمِ الجوعِ والعطشِ وضعفِ النَّفسِ والبدنِ.
وهذا الألمُ النَّاشئ مِن أعمالِ الطَّاعاتِ يُثابُ عليهِ صاحبُهُ، كما قالَ تَعالى في المجاهدينَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ
_________________
(١) (صحيح). وقد جاء في جملة من الأحاديث: منها حديث مجيبة الباهليّة الذي تقدّم (ص ٥٥٩) تخريجه وبيان ضعفه. ومنها حديث سلمان الفارسيّ الذي سيأتي بيان ضعفه بعد سطور. ومنها حديثا أبي ذرّ وزهير بن أقيش الصحيحان الآتيان بنصّهما وتفصيل القول فيهما في الحاشية التالية.
(٢) (حسن). وقد جاء عنه - ﷺ - من وجهين: * فرواه: ابن ماجه (٧ - الصيام، ٤٤ - الصوم زكاة الجسد، ١/ ٥٥٥/ ١٧٤٥)، والقضاعي (٢٢٩)، والبيهقي في "الشعب" (٣٥٧٧ و٣٥٧٨)؛ عن موسى بن عبيدة، عن جمهان، عن أبي هريرة … رفعه. قال البوصيري: "فيه موسى بن عبيدة الربذي، متّفق على تضعيفه". قلت: وجمهان فلا بأس بحديثه. * ورواه: معمر في "الجامع" (٢٠٥٨٢)، وأحمد (٤/ ٢٦٠، ٥/ ٣٦٣ و٣٦٥ و٣٧٠ و٣٧٢)، والعدني في "الإيمان" (٥٨)، والدارمي (١/ ١٦٧)، والترمذي (٤٩ - الدعوات، ٨٧ - باب، ٥/ ٥٣٦/ ٣٥١٩)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (١٤٢٩ و٢٩٢٠)، وابن نصر في "تنظيم الصلاة" (٤٣٢)، والطبراني في "الدعاء" (١٧٣٤)، وأبو الشيخ في "الطبقات" (٤/ ١٣)، والبيهقي في "الشعب" (٦٣١)؛ من طرق ثلاثة، عن جريّ النهديّ، عن رجل من بني سليم من أصحاب النبيّ - ﷺ - … رفعه في سياق. قال الترمذي: "حديث حسن". قلت: حديث جريّ لا يحتمل التحسين، وفي حقيقة حاله وهل هو رجل أو اثنين أو ثلاثة كلام يطول، وأعدل الأقوال فيه قول العسقلاني "مقبول"، فالسند صالح في الشواهد لا أكثر. وعليه؛ فهذه القطعة المذكورة حسنة بمجموع هذين الوجهين كما ذكر الترمذي، ولا سيّما أنّ ما قبلها وبعدها يشهد لها في الجملة. وقد مال إلى تحسينه العراقي وضعّف الألباني الحديثان بطولهما، وتضعيفه سليم جار على الأصول، لكنّ هذه القطعة بالتحديد تتقوّى بمجموعهما.
[ ٣٥٤ ]
يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنينَ﴾ [التَّوبة: ١٢٠].
وفي حديثِ سَلْمانَ المرفوعِ الذي خَرَّجَهُ ابنُ خُزَيْمَةَ في "صحيحه" في فضلِ شهرِ رمضانَ: "وهوَ شهرُ الصَّبرِ، والصَّبرُ ثوابُهُ الجنَّةُ" (^١).
وفي الطَّبَرانِيِّ عن ابن عُمَرَ مرفوعًا: "الصِّيامُ للهِ، لا يَعْلَمُ ثوابَ عملِهِ إلَّا اللهُ ﷿" (^٢). ورُوِيَ مرسلًا، وهوَ أصحَّ.
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). قطعة من حديث طويل رواه: الحارث في "مسنده" (٣٢١) وابن أبي حاتم في "العلل" (٧٣٣) والعقيلي (١/ ٣٥) والبيهقي في "الشعب" (٣٦٠٨) والخطيب في "التاريخ" (٤/ ٣٣٣) من طريق عبد الله بن بكر السهمي (قال الحارث: عن رجل يقال له إياس، وقال العقيلي: عن إياس بن أبي إياس، وقال ابن أبي حاتم والبيهقي: ثنا إياس بن عبد الغفّار). (ح) ورواه ابن خزيمة (١٨٨٧) وأبو الشيخ في "الثواب"، والبيهقي في "الأوقات" (٤٨ - ٥١)، والأصبهاني في "الترغيب" (١٧٢٦) من طريق يوسف بن زياد عن همّام بن يحيى. (ح) ورواه المحاملي (٢٩٣) وابن عدي (٥/ ١٩٣١) من طريق سعيد بن محمّد بن ثواب عن عبد العزيز بن عبد الله الجدعاني عن سعيد بن أبي عروبة. ثلاثتهم عن عليّ بن زيد بن جدعان (إلّا الحارث فأسقطه من السند وإلّا العقيلي فقال: عن شعبة)، عن سعيد بن المسيّب، عن سلمان … رفعه. وهذا سند واه فيه علّتان: أشار إلى أولاهما: العسقلاني بقوله: "مداره على عليّ بن زيد بن جدعان وهو ضعيف". والثانية: أنّ الطرق إلى ابن جدعان واهية: ففي الطريق الأولى إياس بن أبي إياس قال العسقلاني: "ما عرفته". قلت: مجهول لم يرو غير هذا الحديث واضطرب فيه فأسقط ابن جدعان مرّة وجعل مكانه شعبة مرّة فبان أنّه واهٍ على جهالته، وجزم أبو حاتم أنّه تحريف صوابه أبان بن أبي عيّاش، وهذا متروك. وفي الطريق الثانية يوسف بن زيد قال العسقلاني: "ضعيف جدّا". قلت: منكر الحديث متروك. وفي الثالثة ابن ثواب له أوهام والجدعاني ضعيف منكر الحديث مدلّس وقد عنعن. فاجتماع هذه الطرق الثلاث لا ينتشلها من الضعف. والحديث قال ابن خزيمة: "إن صحّ الخبر"، واستنكره أبو حاتم وابنه والعقيلي وابن عدي والعسقلاني والألباني. وقد جاء نحو هذه القطعة من أوجه قويّة تغني عن هذا الأصل جملة.
(٢) (صحيح بشواهده). قطعة من حديث طويل رواه عمر بن محمّد بن زيد واختلف عليه فيه على وجهين: روى الأوّل: ابن وهب في "الجامع" (٤/ ١٠٨ - فتح)، ومن طريقه البيهقي في "الشعب" (٣٥٨٨)؛ أني عمر بن محمّد بن زيد، أنّ زيدًا حدّثه، لا أعلمه إلّا عن رسول الله … فذكره. وروى الثاني: الطبراني في "الأوسط" (٨٦٩)، والبيهقي في "الشعب" (٣٥٨٩)؛ من طريق يحيى بن المتوكّل أبي عقيل، عن عمر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر … رفعه. قال الهيثمي (٣/ ١٨٥): "فيه يحيى بن المتوكّل، ضعّفه جمهور الأئمّة ووثّقه ابن معين في رواية وضعّفه في أُخرى". قلت: خلاصة أمره أنّه منكر الحديث، وممّا يدلّ على نكارة حديثه مخالفته لابن وهب الثقة الثبت في وصل هذا السند، ولذلك قال ابن رجب: "وروي مرسلًا وهو أصحّ". فالمعروف هاهنا الإرسال على الوجه الأوّل والوصل منكر. لكن يشهد لجملة الحديث دون قطعة الصوم المذكورة حديث خريم بن فاتك الصحيح عند: أحمد (٤/ ٣٢٢ و٣٤٥ و٣٤٦)، والترمذي (١٦٢٥)، وابن حبّان (٤٦٤٧ و٦١٧١)، والطبراني (٤/ ٢٠٥/ =
[ ٣٥٥ ]
* واعْلَمْ أن مضاعفةَ الأجرِ للأعمالِ تكونُ بأسبابٍ:
- منها: شرفُ المكانِ المعمولِ فيهِ ذلكَ العملُ، كالحرمِ.
ولذلكَ تُضاعَفُ الصَّلاةُ في مسجدَي مَكَّةَ والمَدينَةِ، كما ثَبَتَ ذلكَ في الحديثِ الصَّحيحِ عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ مِن ألفِ صلاةٍ فيما سِواهُ مِن المساجدِ إلَّا المسجدَ الحرامَ" (^١). وفي روايةٍ: "فإنَّهُ أفضلُ".
وكذلكَ (^٢) رُوِيَ أنَّ الصِّيامَ يُضاعَفُ بالحرمِ. وفي "سنن ابن ماجَهْ" بإسنادٍ ضعيفٍ عن ابن عَبَّاسٍ مرفوعًا: "مَن أدْرَكَ رمضانَ بمكَّةَ فصامَهُ وقامَ منهُ ما تَيَسَّرَ؛ كَتَبَ اللهُ لهُ مئةَ ألفِ شهرِ رمضانَ فيما سواهُ"، وذَكَرَ لهُ ثوابًا كثيرًا (^٣).
- ومنها: شرفُ الزَّمانِ، كشهرِ رمضانَ وعشرِ ذي الحجَّةِ.
وفي حديثِ سَلْمانَ المرفوعِ الذي أشَرْنا إليهِ في فضلِ شهرِ رمضانَ: "مَن تَطَوَّعَ فيهِ بخصلةٍ مِن خصالِ الخيرِ؛ كانَ كمَن أدَّى فريضةً فيما سواهُ، ومَن أدَّى فيهِ فريضة؛ كانَ كمَن أدَّى سبعينَ فريضةً فيما سواهُ" (^٤).
وفي التِّرْمِذِيِّ عن أنَسٍ: سُئِلَ النَّبيُّ - ﷺ -: أيُّ الصَّدقةِ أفضلُ؟ قالَ: "الصَّدقةُ في
_________________
(١) = ٤١٥١ - ٤١٥٥)، والحاكم (٢/ ٨٧). ويشهد لهذه القطعة ما رواه سمّويه في "الفوائد" (٤/ ١٠٨ - فتح) من طريق المسيب بن رافع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رفعه بلفظ: "إلّا الصوم فإنّه لا يدري أحد ما فيه". فالحديث صحيح بهذه الشواهد، وهذه القطعة قويّة بشواهدها المعنويّة.
(٢) رواه البخاري (٢٠ - مسجد مكّة، ١ - فضل الصلاة، ٣/ ٦٣/ ١١٩٠) من حديث أبي هريرة، ومسلم (١٥ - الحجّ، ٩٤ - الصلاة بمسجدي مكّة والمدينة، ٢/ ١٠١٢/ ١٣٩٤ - ١٣٩٦) من حديث أبي هريرة وابن عمر وابن عبّاس.
(٣) في خ ون: "ولذلك"، والأولى ما أثبتّه من م وط.
(٤) (موضوع). رواه: الفاكهي في "مكّة" (١٥٧٤)، وابن ماجه (٣٥ - المناسك، ١٠٦ - صيام رمضان بمكّة، ٢/ ١٠٤١/ ٣١١٧)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٧٣٥) تعليقًا، والبيهقي في "الشعب" (٣٧٢٩ و٤١٤٩)؛ من طريق عبد الرحيم بن زيد العمّي، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس … رفعه. قال أبو حاتم: "منكر، وعبد الرحيم بن زيد متروك الحديث". وقال البيهقي: "تفرّد به عبد الرحيم بن زيد"، وقال: "ضعيف يأتي بما لا يتابعه الثقات عليه". قلت: هو متّهم متروك. وقال ابن رجب: "إسناد ضعيف". وقال الألباني: "موضوع، ولوائح الوضع عليه ظاهرة".
(٥) (ضعيف جدًّا). تقدّم تفصيل القول فيه قبل قليل.
[ ٣٥٦ ]
رمضانَ" (^١).
وفي الصَّحيحِ عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "عمرةٌ في رمضانَ تَعْدِلُ حجَّةً (أو قالَ: حجَّةً معي) " (^٢).
ووَرَدَ في حديثٍ آخرَ: "إنَّ عملَ الصَّائمِ مضاعَفٌ" (^٣).
وذَكَرَ أبو بكرِ بنُ أبي مَرْيَمَ عن أشياخِهِ؛ أنَّهُم كانوا يَقولونَ: إذا حَضَرَ شهرُ رمضانَ؛ فانْبَسِطوا فيهِ بالنَّفقةِ؛ فإنَّ النَّفقةَ فيهِ مضاعفةٌ كالنَّفقةِ في سبيلِ اللهِ، وتسبيحةٌ فيهِ أفضلُ مِن ألفِ تسبيحةٍ في غيرِهِ،
[و] قالَ النَّخَعِيُّ: صومُ يومٍ مِن رمضانَ أفضلُ مِن ألفِ يومٍ، وتسبيحةٌ فيهِ أفضلُ مِن ألفِ تسبيحةٍ، وركعةٌ فيهِ أفضلُ مِن ألفِ ركعةٍ (^٤).
_________________
(١) (ضعيف). قطعة من حديث أنس أنّه - ﷺ - سئل أيّ الصوم أفضل بعد رمضان؟ فقال: "شعبان تعظيمًا لرمضان". وقد تقدّم تفصيل القول في القطعة الأولى منه (ص ٣٠٧) ولهذه القطعة حكمها.
(٢) رواه: البخاري (٢٦ - العمرة، ٤ - عمرة في رمضان، ٣/ ٦٠٣/ ١٧٨٢)، ومسلم (١٥ - الحجّ، ٣٦ - العمرة في رمضان، ٢/ ٩١٧/ ١٢٥٦)؛ من حديث ابن عبّاس.
(٣) (ضعيف جدًّا). قطعة من حديث لفظه "نوم الصائم عبادة وصمته تسبيح وعمله مضاعف ودعاؤه مستجاب وذنبه مغفور". رواه البيهقي في "الشعب" (٣٩٣٧) من طريق إدريس بن موسى ثنا سهيل بن خاقان ثنا خلف بن يحيى العبدي عن عبسة بن عبد الواحد القرشي، والبيهقي (٣٩٣٨) والديلمي في "المسند" (٦٨٣٤) من طريق سليمان بن عمرو، والبيهقي (٣٩٣٩) من طريق معروف بن حسّان عن زياد الأعلم؛ ثلاثتهم عن عبد الملك بن عمير، عن ابن أبي أوفى … رفعه. فأمّا الطريق الأولى؛ فإدريس لم أقف له على ترجمة، وسهيل أو سهل بن خاقان مترجم في "اللسان" بحديث باطل، وخلف بن يحيى إن كان قاضي الريّ فمتّهم وإلّا ما عرفته. وأمّا الطريق الثانية؛ فقال العراقي: "سليمان بن عمرو النخعي أحد الكذّابين". وأمّا الطريق الثالثة؛ فقال البيهقي: "معروف بن حسّان ضعيف". قلت: بل منكر الحديث متّهم. قال العراقي: "رويناه في "أمالي ابن منده" من رواية ابن المغيرة القوّاس عن عبد الله بن عمر بسند ضعيف، ولعلّه عبد الله بن عمرو؛ فإنّهم لم يذكروا لابن المغيرة رواية إلَّا عنه". قلت: وابن المغيرة تحريف صوابه أبو المغيرة، ولا يعدو أن يكون صالحًا في المتابعات. قال العسقلاني في "الفتح" (٧/ ١٥١): "وقد أورده صاحب "مسند الفردوس" من حديث ابن عمر، وفي إسناده الربيع بن بدر، وهو ساقط". فهذه أسانيد غاية في الوهاء، والحديث ساقط، وقد ضعّفه البيهقي والعراقي والعسقلاني والسيوطي والعجلوني والمناوي والألباني.
(٤) وهذا وما قبله لا بدّ فيه من سند صحيح إلى من يتعيّن المصير إلى قوله، وهيهات!
[ ٣٥٧ ]
فلمَّا كانَ الصِّيامُ في نفسِهِ مضاعفًا أجرُهُ بالنِّسبةِ إلى سائرِ الأعمالِ؛ كانَ صيامُ شهرِ رمضانَ مضاعفًا على سائرِ الصِّيامِ؛ لشرفِ زمانِهِ وكونِهِ هوَ الصَّومَ الذي فَرَضَهُ اللهُ على عبادِهِ، وجَعَلَ صيامَهُ أحدَ أركانِ الإسلامِ التي بُنِيَ الإسلامُ عليها.
- وقد يُضاعَفُ الثَّوابُ بأسبابٍ أُخرَ منها: شرفُ العاملِ عندَ اللهِ وقربُهُ منهُ وكثرةُ تقواهُ، كما ضوعِفَ أجرُ هذهِ الأُمَّةِ على أُجورِ مَن قبلَهُم مِن الأُممِ وأُعْطُوا كفلينِ مِن الأجرِ.
• وأمَّا على الرِّوايةِ الثانيةِ؛ فاستثناءُ الصِّيامِ مِن بين الأعمالِ يَرْجِعُ إلى أن سائرَ الأعمالِ للعبادِ والصِّيامُ اخْتَصَّهُ اللهُ لنفسِهِ مِن بين أعمالِ عبادِهِ وأضافَهُ إليهِ. وسَيَأْتي ذكرُ توجيهِ هذا الاختصاصِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
• وأمَّا [على] الرِّوايةِ الثَّالثةِ؛ فالاستثناءُ يَعودُ إلى التكفيرِ بالأعمالِ، ومِن أحسنِ ما قيلَ في معنى ذلكَ ما قالَهُ سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ ﵀؛ قالَ: هذا مِن أجودِ الأحاديثِ وأجلِّها، إذا كانَ يومُ القيامةِ؛ يُحاسِبُ اللهُ عبدَهُ، ويُؤَدِّي ما عليهِ مِن المظالمِ مِن سائرِ عملِهِ حتَّى لا يَبْقى إلَّا الصَّومُ، فيَتَحَمَّلُ اللهُ ﷿ ما بَقِيَ عليهِ مِن المظالمِ ويُدْخِلُهُ بالصَّومِ الجنَّةَ. خَرَّجَهُ البَيْهَقِيُّ في "شعب الإيمان" وغيرُهُ. وعلى هذا فيَكونُ المعنى أن الصِّيامَ للهِ ﷿، فلا سبيلَ لأحدٍ إلى أخذِ أجرِهِ مِن الصِّيامِ، بل أجرُهُ مدَّخرٌ لصاحبِهِ عندَ اللهِ ﷿. وحينئذٍ [فـ]ـقد يُقالُ: إنَّ سائرَ الأعمالِ [قد] يُكَفِّرُ بها اللهُ ﷿ ذنوبَ صاحبِها فلا يَبْقى لها أجرٌ؛ فإنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ يوازَنُ يومَ القيامةِ بينَ السَّيِّئاتِ والحسناتِ، ويُقَصُّ بعضُها مِن بعضٍ، فإنْ بَقِيَ مِن الحسناتِ حسنة؛ دَخَلَ بها صاحبُها الجنَّةَ. قالَهُ سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ وغيرُهُ، وفيهِ حديثٌ مرفوعٌ خَرَّجَهُ الحاكِمُ مِن حديثِ ابن عَبَّاسٍ مرفوعًا (^١). فيُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ في الصَّومِ: إنَّهُ لا يَسْقُطُ ثوابُهُ بمقاصَّةٍ ولا غيرِها،
_________________
(١) (ضعيف). رواه: عبد بن حميد (٦٦١ - منتخب)، والعدني (٤/ ٢٥٢ - تلخيص المستدرك)، والبخاري في "التاريخ" (٧/ ١١٣)، وابن جرير (٢٨٢٥٥ و٣١٢٧١)، وابن المنذر (الأحقاف ١٦ - الدرّ)، وابن أبي حاتم (الأحقاف ١٦ - ابن كثير)، والطبراني (١٠/ ٢٢٠ - مجمع)، والحاكم (٤/ ٢٥٢)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٩١)، والبيهقي في "الشعب" (٦٩٢٠)، والذهبي في "النبلاء" (١٢/ ٣٤٠)؛ من طريق الحكم بن أبان، ثني أبو هارون الغطريف بن عبيد الله، أنّ أبا الشعثاء حدّثه، أنّ ابن عبّاس حدّثه، عن النبي - ﷺ -: يؤتى =
[ ٣٥٨ ]
بل يُوَفَّرُ أجرُهُ لصاحبِهِ حتَّى يَدْخُلَ الجنَّةَ فيُوَفَّى أجرُهُ فيها (^١).
• وأمَّا قولُهُ: "فإنَّهُ لي"؛ فإن الله خَصَّ الصِّيامَ بإضافتِهِ إلى نفسِهِ دونَ سائرِ الأعمالِ، وقد كَثُرَ القولُ في معنى ذلكَ مِن الفقهاءِ والصُّوفيَّةِ وغيرِهِم، وذَكَروا فيهِ وجوهًا كثيرةً، ومِن أحسنِ ما ذُكِرَ فيهِ وجهانِ:
* أحدُهُما: أن الصِّيامَ هوَ مجرَّدُ تركِ حظوظِ النَّفسِ وشهواتِها الأصليَّةِ التي جُبِلَتْ على الميلِ إليها للهِ ﷿، ولا يوجَدُ ذلكَ في عبادةٍ أُخرى غيرِ الصِّيامِ: لأنَّ الإحرامَ إنَّما يُتْرَكُ فيهِ الجماعُ ودواعيهِ مِن الطِّيبِ دونَ سائرِ الشَّهواتِ مِن الأكلِ والشُّربِ. وكذلكَ الاعتكافُ معَ أنَّهُ تابعٌ للصَّومِ. وأمَّا الصَّلاةُ؛ فإنَّهُ وإنْ تَرَكَ المصلِّي فيها جميعَ الشَّهواتِ، إلَّا أن مدَّتَها لا تَطولُ، فلا يَجِدُ المصلِّي فقدَ الطَّعامِ والشَّرابِ في صلاتِهِ، بل قد نُهِيَ أنْ يُصَلِّيَ ونفسُهُ تَتوقُ إلى الطَّعامِ بحضرتِهِ حتَّى يَتَناوَلَ منهُ ما يُسَكِّنُ نفسَهُ. ولهذا أُمِرَ بتقديمِ العَشاءِ على الصَّلاةِ (^٢). وذهَبَتْ طائفةٌ مِن العلماءِ إلى إباحةِ شربِ الماءِ في صلاةِ التَّطوُّعِ، وكانَ ابنُ الزُّبَيْرِ يَفْعَلُهُ في صلاتِهِ، وهوَ روايةٌ عن الإمامِ أحْمَدَ. وهذا بخلافِ الصِّيامِ؛ فإنَّهُ يَسْتَوْعِبُ النَّهارَ كلَّهُ، فيَجِدُ الصَّائمُ فقدَ هذهِ الشَّهواتِ، وتَتُوقُ نفسُهُ إليها، [و] خصوصًا في نهارِ الصَّيفِ؛ لشدَّةِ حرِّهِ وطولِهِ. ولهذا رُوِيَ أن مِن خصالِ الإيمانِ الصَّومَ في الصَّيفِ (^٣).
_________________
(١) = بحسنات العبد وسيّئاته فيقصّ بعضها ببعض، فإن بقيت حسنة وسّع الله له في الجنّة … " إلخ. قال الحاكم: "صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي، وقال ابن كثير: "غريب، وإسناده جيّد، ولا بأس به". وقال الهيثمي: "إسناده جيّد". قلت: الحكم صدوق له أوهام، والغطريف مجهول لا يعرف إلّا بهذا الراوي وهذا الحديث، فالسند ضعيف.
(٢) فيه نظر يوضّحه ما رواه مسلم (٢٥٨١) من حديث أبي هريرة عن النبيّ - ﷺ -: "المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا … فيعطى هذ من حسناته … فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثمّ طرح في النار"! فهذا بيّن في أنّ الصيام يدخل في المقاصّة بين الحسنات والسيئات، ولو لم يدخل لما ذكره النبيّ - ﷺ - هنا أصلًا ولما فنيت الحسنات ولما صار الرجل مفلسًا أصلًا!
(٣) جاء هذا عنه - ﷺ - في غير ما حديث بعضها مخرّج في الصحيحين.
(٤) (موقوف ضعيف). رواه: ابن سعد (٣/ ٣٥٩)، والبيهقي في "الشعب" (٢٧٥٦)؛ من طريق ليث بن أبي سليم، عن أبي منير رجل من مكّة، عن ابن عمر، قال عمر: عليك بخصال الإيمان … فذكره.
[ ٣٥٩ ]
وقد كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يَصومُ رمضانَ في السَّفرِ في شدَّةِ الحرِّ دونَ أصحابِهِ، كما قالَ أبو الدَّرْداءِ: كُنَّا معَ رسولِ اللهِ - ﷺ - في سفرٍ في رمضانَ، وأحدُنا يَضَعُ يدَهُ على رأْسِهِ مِن شدَّةِ الحرِّ، وما كانَ فينا صائمٌ إلَّا رسولَ اللهِ - ﷺ - وعَبْدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ (^١).
وفي "الموطَّإ" أنَّهُ - ﷺ - كانَ بالعَرْجِ يَصُبُّ الماءَ على رأْسه وهوَ صائمٌ مِن العطشِ أو مِن الحرِّ (^٢).
فإذا اشْتَدَّ توقانُ النَّفسِ إلى ما تَشْتَهيهِ معَ قدرتِها عليهِ ثمَّ تَرَكَتْهُ للهِ ﷿ في موضعٍ لا يَطَّلِعُ عليهِ إلَّا اللهُ، كانَ ذلكَ دليلًا على صحَّةِ الإيمانِ؛ فإنَّ الصَّائمَ يَعْلَمُ أن لهُ ربًّا يَطَّلعُ عليهِ في خلوتِهِ، وقد حَرَّمَ عليهِ أنْ يَتَناوَلَ شهواتِهِ المجبولَ على الميلِ إليها في الخلوةِ، فأطاعَ ربّهُ وامْتَثَلَ أمرَهُ واجْتَنَبَ نهيَهُ خوفًا مِن عقابِهِ ورغبةً في ثوابِهِ، فشَكَرَ اللهُ لهُ ذلكَ واخْتَصَّ لنفسِهِ عملَهُ هذا مِن بين سائرِ أعمالِهِ. ولهذا قالَ بعدَ ذلكَ: "إنَّهُ تَرَكَ شهوتَهُ وطعامَهُ وشرابَهُ مِن أجلي".
قالَ بعضُ السَّلفِ: طوبى لمَن تَرَكَ شهوةً حاضرةً لموعدِ غيبٍ لمْ يَرَهُ.
لمَّا عَلِمَ المؤمنُ الصَّائمُ أنَّ رضى مولاهُ في ترك شهواتِهِ، قَدَّمَ رضى مولاهُ على هواهُ، فصارَتْ لذَّتُهُ في تركِ شهوتِهِ لله - لإيمانِهِ باطِّلاع اللهِ [عليهِ] وثوابِهِ وعقابِهِ - أعظمَ مِن لذتِهِ في تناولِها في الخلوةِ، إيثارًا لرضى ربِّهِ على هوى نفسِهِ. بلِ المؤمنُ
_________________
(١) = وهذا موقوف ما له حكم الرفع، والليث لا يعدو أن يكون صالحًا في الشواهد، وأتى برجل مجهول.
(٢) رواه: البخاري (٣٠ - الصوم، ٣٥ - باب، ٤/ ١٨٢/ ١٩٤٥)، ومسلم (١٣ - الصيام، ١٧ - التخيير في الصوم والفطر، ٢/ ٧٩٠/ ١١٢٢).
(٣) (صحيح). رواه: مالك في "الموطّأ" (١/ ٢٩٤)، والشافعي في "السنن" (ص ٣١٦)، وعبد الرزّاق (٧٥٠٩)، وأحمد (٣/ ٤٧٥، ٤/ ٦٣، ٥/ ٣٧٦)، وأبو داوود (٨ - الصيام، ٢٧ - الصائم يصبّ عليه الماء، ١/ ٧٢١/ ٢٣٦٥)، والنسائي في "الكبرى" (٣٠٢٩)، والطحاوي في "المعاني" (٢/ ٦٦)، والحاكم (١/ ٤٣٢)، والبيهقي (٤/ ٢٤٢)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٢/ ٤٧)؛ من طريق سميّ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، [عن رجل من الصحابة] … رفعه. وهذا سند رجاله ثقات رجال الستّة، لكن رواه الجماعة من طريق مالك عن سميّ موصولًا، وخالفهم عبد الرزّاق فرواه من طريق ابن عيينة عن سميّ عن أبي بكر مرسلًا. وزيادة مالك على الرأس والعين. وقد قوّى هذا الحديث الحاكم والذهبي والعسقلاني والشوكاني والألباني. ووقع في خ وم: "من العطش والحرّ"، وما أثبتّه من ن وط أولى بمصادر التخريج.
[ ٣٦٠ ]
يَكْرَهُ ذلكَ في خلوتِهِ أشدَّ مِن كراهتِهِ لألمِ الضَّربِ.
ولهذا؛ أكثرُ المؤمنينَ لو ضُرِبَ على أنْ يُفْطِرَ في أشهرِ، رمضانَ لغيرِ عذرٍ لمْ يَفْعَلْ؛ لعلمِهِ بكراهةِ اللهِ لفطرِهِ في هذا الشَّهرِ، وهذا مِن علاماتِ الإيمانِ أنْ يَكْرَهَ المؤمنُ ما يُلائِمُهُ مِن شهواتِهِ إذا عَلِمَ أن الله يَكْرَهُهُ، فتَصيرُ لذَّتُهُ فيما يُرْضي مولاهُ وإنْ كانَ مخالفًا لهواهُ، ويَكونُ ألمُهُ فيما يَكْرَهُهُ مولاهُ وإنْ كانَ موافقًا لهواهُ.
وإذا كانَ هذا فيما حُرِّمَ لعارضِ الصَّومِ مِن الطعامِ والشَّرابِ ومباشرةِ النِّساءِ؛ فيَنْبَغي أنْ يَتَأكَّدَ ذلكَ فيما حُرِّمَ على الإطلاقِ كالزِّنى وشربِ الخمرِ وأخذِ الأموالِ أوِ الأعراضِ بغيرِ حقٍّ وسفكِ الدِّماءِ المحرَّمةِ؛ فإنَّ هذا يُسْخِطُ الله على كلِّ حالٍ وفي كلِّ زمانٍ ومكانٍ، فإذا كَمَلَ إيمانُ المؤمنِ (^١)؛ كَرِهَ ذلكَ كلَّهُ أعظمَ مِن كراهتِهِ للقتلِ والضَّربِ.
ولهذا جَعَلَ رسولُ اللهِ - ﷺ - مِن علاماتِ وجودِ حلاوةِ الإيمانِ: أنْ يَكْرَهَ أنْ يَرْجِعَ إلى الكفرِ بعدَ أنْ أنْقَذَهُ اللهُ كما يَكْرَهُ أنْ يُلْقى في النَّارِ (^٢).
وقالَ يوسُفُ ﵇: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمَّا يَدْعونَني إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣].
سُئِلَ ذو النُّونِ: متى أُحِبُّ ربِّي؟ قالَ: إذا كانَ ما يَكْرَهُهُ أمَرَّ عندَكَ مِن الصَّبرِ.
وقالَ غيرُهُ: ليسَ مِن أعلامِ المحبَّةِ أنْ تُحِبَّ ما يَكْرَهُهُ حبيبُكَ.
وكثيرٌ مِن النَّاسِ يَمْشي على العوائدِ دونَ ما يوجِبُهُ الإيمانُ ويَقْتَضيهِ، فلهذا كثيرٌ منهُم لو ضُرِبَ ما أفْطَرَ في رمضانَ لغيرِ عذرٍ، ومِن جهَّالِهِم مَن لا يُفْطِرُ لعذرٍ ولو تَضَرَّرَ بالصَّومِ - معَ أنَّ الله يُحِبُّ منهُ أنْ يَقْبَلَ رخصتَهُ - جريًا منهُ على العادةِ، وقدِ اعْتادَ معَ ذلكَ ما حَرَّمـ[ـهُ] اللهُ مِن شربِ الخمرِ والزِّنى وأخذِ الأموالِ والأعراضِ أوِ الدِّماءِ بغيرِ حقٍّ! فهذا يَجْري على عوائدهِ في ذلكَ كلِّهِ لا على مقتضى الإيمانِ، ومَن عَمِلَ بمقتضى
_________________
(١) في خ: "كمل الإيمان للمؤمن"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٢) فيما رواه: البخاري (٢ - الإيمان، ٩ - حلاوة الإيمان، ١/ ٦٠/ ١٦)، ومسلم (١ - الإيمان، ١٥ - خصال من اتصف بهنّ، ١/ ٦٦/ ٤٣)؛ من حديث أنس.
[ ٣٦١ ]
الإيمانِ؛ صارَتْ لذَّتُهُ في مصابرةِ نفسِهِ عمَّا تَميلُ نفسُهُ إليهِ إذا كانَ فيهِ سخطُ اللهِ، وربَّما يَرْتَقي إلى أنْ يَكْرَهَ جميعَ ما يَكْرَهُهُ اللهُ منهُ ويَنْفُرَ منهُ وإنْ كانَ ملائمًا للنُّفوسِ، كما قيلَ:
إنْ كانَ رِضاكُمْ في سَهَري … فَسَلامُ اللهِ عَلى وَسَني
وقالَ آخرُ: فَما لِجُرْحٍ إذا أرْضاكُمُ ألَمُ.
وقالَ آخرُ:
عَذابُهُ فيكَ عَذْبُ … وَبُعْدُهُ فيكَ قُرْبُ
وَأنْتَ عِنْدي كَرُوحي … بَلْ أنْتَ مِنْها أحَبُّ
حَسْبي مِنَ الحُبِّ أنِّي … لِما تُحِبُّ أُحِبُّ
* الوجهُ الثَّاني: أن الصِّيامَ سرٌّ بينَ العبدِ وربِّهِ لا يَطَّلعُ عليهِ غيرُهُ؛ لأنَّهُ مركَّبٌ مِن نيَّةٍ باطنةٍ لا يَطَّلعُ عليها إلَّا اللهُ، وتركٍ لتناولِ الشَّهواتِ التي يُسْتَخْفى [بـ]ـتناولِها في العادةِ، ولذلكَ قيلَ: لا تَكْتبهُ الحفظةُ، وقيلَ: إنَّهُ ليسَ فيهِ رياءٌ. كذا قالَهُ الإمامُ أحْمَدُ وغيرُهُ. وفيهِ حديثٌ مرفوعٌ مرسلٌ (^١).
وهذا الوجهُ اختيارُ أبي عُبَيْدٍ وغيرِهِ. وقد يَرْجِعُ إلى الأوَّلِ؛ فإنَّ مَن تَرَكَ ما تَدْعوهُ نفسُهُ إليهِ للهِ ﷿ حيثُ لا يَطَّلعُ عليهِ غيرُ مَن أمَرَهُ ونَهاهُ؛ دَلَّ على صحَّةِ إيمانِهِ. واللهُ تَعالى يُحِبُّ مِن عبادِهِ أنْ يُعامِلوهُ سرًّا بينَهُم وبينَهُ، وأهلُ محبَّتِهِ يُحِبُّونَ أنْ يُعامِلوهُ سرًّا بينَهُم وبينَهُ بحيثُ لا يَطَّلعُ على معاملتِهِم إيَّاهُ سواهُ، حتَّى كانَ بعضُ السَّلفِ يَوَدُّ لو تَمَكَّنَ مِن عبادةٍ لا تَشْعُرُ بها الملائكةُ الحفظةُ. وقالَ بعضُهُم لمَّا اطُّلِعَ على بعضِ سرائرِهِ: إنَّما كانَتْ تَطيبُ الحياةُ لمَّا كانَتِ المعاملةُ بيني وبينَهُ سرًّا، ثمَّ دَعا لنفسه بالموتِ، فماتَ (^٢).
_________________
(١) أغلب الظنّ أنّه يريد ما جاء في الحديث الإلهي: "الإخلاص سرّ من أسراري استودعته قلب من أحبّ لا يطّلع عليه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده". وهذا موضوع على النبيّ - ﷺ - كما بيّنته في "مدارج السالكين" (٢/ ١١٦ - ط. ابن خزيمة). فإن أراد غيره فما عرفته.
(٢) إذا ستر العبد الصادق حاله مع الله عن الخلق، فاطّلع بعضهم على شيء من ذلك بغير قصد منه ولا تشوّف؛ فهذا قدر من أقدار من الله يستلزم منه عبوديّة الشكر أو الرضى أو الصبر بحسب مقامه، وهذا =
[ ٣٦٢ ]
المحبُّونَ يَغارونَ مِنِ اطِّلاعِ الأغيارِ على الأسرارِ التي بينَهُم وبينَ مَن يُحِبُّهُم ويُحِبُّونَهُ.
نَسيمَ صَبا نَجْدٍ مَتى جِئْتَ حامِلًا … تَحِيَّتَهُم فَأطْوِ الحَديثَ عَنِ الرَّكْبِ
وَلا تُذعِ السِّرَّ المَصونَ فَإنَّني … أغارُ عَلى ذِكْرِ الأحِبَّةِ مِنْ صَحْبي
• وقولُهُ "تَرَكَ شهوتَهُ وطعامَهُ وشرابَهُ مِن أجلي" فيهِ إشارة إلى المعنى الذي ذَكَرْناهُ، وأنَّ الصَّائمَ تَقَرَّبَ إلى اللهِ بتركِ ما تَشْتَهيهِ نفسُهُ مِن الطَّعامِ والشَّرابِ والنِّكاحِ، وهذهِ أعظمُ شهواتِ النَّفسِ.
* وفي التَّقرُّبِ بتركِ هذهِ الشَّهواتِ بالصِّيامِ فوائدُ:
منها: كسرُ النَّفسِ؛ فإنَّ الشِّبعَ والرِّيَّ ومباشرةَ النِّساءِ تَحْمِلُ النَّفسَ على الأشرِ والبطرِ والغفلةِ.
ومنها: تخلِّي القلبِ للفكرِ والذِّكرِ؛ فإنَّ تناول هذهِ الشَّهواتِ قد تُقَسِّي القلبَ وتُعْميهِ وتَحول بينَ العبدِ وبينَ الفكرِ والذِّكرِ وتَسْتَدْعي الغفلةَ. وخلوُّ الباطنِ مِن الطَّعامِ والشَّرابِ يُنَوِّرُ القلبَ ويوجِبُ رقَّتَهُ ويُزيلُ قسوتَهُ ويُخْليهِ للذِّكرِ والفكرِ.
ومنها: أنَّ الغنيَّ يَعْرِفُ قدرَ نعمةِ اللهِ عليهِ بإقدارِهِ لهُ على ما مَنَعَهُ كثيرًا مِن الفقراءِ مِن فضول الطَّعامِ والشَّرابِ والنِّكاحِ؛ فإنَّهُ بامتناعِهِ مِن ذلكَ في وقتٍ مخصوصٍ وحصول المشقَّةِ لهُ بذلكَ يَتَذَكَّرُ بهِ مَن مُنعَ مِن ذلكَ على الإطلاقِ، فيوجِبُ لهُ ذلكَ شكرَ نعمةِ اللهِ عليهِ بالغنى، ويَدْعوهُ إلى رحمةِ أخيهِ المحتاجِ ومواساتِهِ بما يُمْكِنُ مِن ذلكَ.
ومنها: أن الصِّيامَ يُضَيِّقُ مجاريَ الدَّمِ التي هيَ مجاري الشَّيطانِ منِ ابن آدَمَ؛ فإنَّ الشَّيطانَ يَجْري مِنِ آبنِ آدَمَ مجرى الدَّمِ، فتَسْكُنُ بالصِّيامِ وساوسُ الشَّيطانِ، وتَنْكَسِرُ
_________________
(١) = المذكور لم يفعل شيئًا من ذلك بل جزع واضطرب واستحوذ عليه الشيطان فجعله يتمنّى الموت مخالفًا لوصيّة النبيّ - ﷺ - فهذه واحدة. وإذا اطّلع بعض الخلق على شيء من حال الصادق مع ربّه؛ فالأصل فيه أن يستر ما خفي عنهم من أحواله، وهذا فضح سائر أحواله بقوله: "لمّا كانت المعاملة بيني وبينه سرًّا"! فكان كالذي قيل فيه: ما أحسن صلاة هذا الرجل! فلمّا سلّم قال للمستحسِن: إنّي صائم أيضًا! فتأمّل هذه القصص التي تساق على أنّها من كرامات القوم، فإذا أنعم الباحث عن الحقّ فيها نظره؛ رآها جهالات ومخالفات.
[ ٣٦٣ ]
سَوْرَةُ الشَّهوةِ والغضبِ، ولهذا جَعَلَ النَّبيُّ - ﷺ - الصِّيامَ وِجاءً؛ لقطعِهِ عن شهوةِ النِّكاحِ.
* واعْلَمْ أنَّهُ لا يَتِمُّ التَّقرُّبُ إلى اللهِ تَعالى بتركِ هذهِ الشَّهواتِ المباحةِ في غيرِ حالةِ الصِّيامِ إلَّا بعدَ التَّقرُّبِ إليهِ بتركِ ما حَرَّمَـ[ـهُ] اللهُ في كل حالٍ مِن الكذبِ والظُّلمِ والعدوانِ على النَّاسِ في دمائِهِم وأموالِهِم وأعراضِهِم.
ولهذا قالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "مَن لمْ يَدَعْ قولَ الزورِ والعملَ بهِ؛ فليسَ للهِ حاجةٌ في أنْ يَدَعَ طعامَهُ وشرابَهُ". خَرَّجَهُ البخاريُّ (^١).
وفي حديثٍ آخرَ: "ليسَ الصِّيامُ مِن الطَّعامِ والشَّرابِ، إنَّما الصّيامُ مِن اللغوِ والرَّفثِ" (^٢). قالَ الحافظُ أبو موسى المَدينِي: هوَ على شرطِ مسلمٍ.
[و] قالَ بعضُ السَّلفِ: أهونُ الصِّيامِ تركُ الشَّرابِ والطعامِ.
وقالَ جابِرٌ: إذا صُمْتَ؛ فلْيَصُمْ سمعُكَ وبصرُكَ ولسانُكَ عن الكذبِ والمحارمِ، ودع أذى الجارِ، ولْيَكُنْ عليكَ سكينةٌ ووقارٌ يومَ صومِكَ، ولا تَجْعَلْ يومَ صومِكَ ويومَ فطرِكَ سواء.
إذا لَمْ يَكُنْ في السَّمْعِ مِنِّي تَصاوُنٌ … وَفي بَصَري غَضٌّ وَفي مَنْطِقي صَمْتُ
فَحَظِّي إذًا مِنْ صَوْمِيَ الجوعُ وَالظَّما … فَإنْ قُلْتُ إنِّي صُمْتُ يَوْمِي فَما صُمْتُ
وقالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "ربَّ صائمٍ حظُّهُ مِن صيامِهِ (^٣) الجوعُ والعطشُ، وربَّ قائمٍ حظُّهُ
_________________
(١) (٣٠ - الصوم، ٨ - من لم يدع قول الزور، ٤/ ١١٦/ ١٩٠٣).
(٢) (صحيح). رواه الحارث بن أبي ذباب واختلف عليه فيه على وجهين: روى الأوَّل منها: ابن خزيمة (١٩٩٦)، وابن حبّان (٣٤٧٩)، والحاكم (١/ ٤٣٠)، والبيهقي (٤/ ٢٧٠)، والخطيب في "الجمع والتفريق" (١/ ٨١)؛ من طريقين قويّتين، عن الحارث، عن عمّه، عن أبي هريرة … رفعه. قال الحاكم: "على شرط مسلم"، وأقرّه المنذري والذهبي. قلت: عمّ الحارث هو عبد الله بن المغيرة بن أبي ذباب، لم يرو عنه إلّا الحارث ولم يوثّقه إلّا ابن حبّان ولم يخرّج له مسلم! وروى الثاني: الخطيب في "الجمع والتفريق" (١/ ٨١)، والأصبهاني في "الترغيب" (١٧٤٧)؛ من طريقين قويّتين، عن الحارث، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة … رفعه. وهذا سند حسن. وليس أحد الوجهين أولى من الآخر بالترجيح، فأولى الأقوال هاهنا قول الخطيب: "لعلّ الحديث عند الحارث عن عمّه وعن عطاء بن ميناء فيصحّ القولان معًا". قلت: ويصحّ الحديث أيضًا، ولا سيّما أنّ الشواهد لا تعوزه، وقد قوّاه ابن خزيمة وابن حبّان والحاكم والخطيب وأبو موسى المديني والمنذري والذهبي والألباني.
(٣) في خ: "من صومه"، وما أثبته من م ون وط أولى بلفظ "المسند".
[ ٣٦٤ ]
مِن قيامِهِ السَّهرُ" (^١).
وسرُّ هذا أنَّ التَّقرُّبَ إلى اللهِ تَعالى بتركِ المباحاتِ لا يَكْمُلُ إلَّا بعدَ التَّقرُّبِ إليهِ بتركِ المحرَّماتِ، فمَنِ ارْتكبَ المحرَّماتِ ثمَّ تَقَرَّبَ بتركِ المباحاتِ؛ كانَ بمثابةِ مَن يَتْرُكُ الفرائضَ ويَتَقَرَّبُ بالنَّوافلِ، وإنْ كانَ صومُهُ مجزئًا عندَ الجمهورِ بحيثُ لا يُؤْمَرُ بإعادتِهِ؛ لأنَّ العملَ إنَّما يَبْطُلُ بارتكابِ ما نُهِيَ عنهُ فيهِ بخصوصِهِ دونَ ارتكابِ ما نُهِيَ عنهُ لغيرِ معنًى يَخْتَصُّ بهِ. هذا هوَ أصلُ جمهورِ العلماءِ.
وفي "مسند الإمام أحْمَد": أنَّ امرأتينِ صامَتا في عهدِ النَّبيِّ - ﷺ -، فكادَتا أنْ تَموتا مِن العطشِ، فذُكِرَ ذلكَ للنَّبيِّ - ﷺ - فأعْرَضَ، ثمَّ ذُكِرَتا لهُ فدَعاهُما وأمَرَهُما أنْ يَتَقَيَّأا، فقاءَتا ملءَ قدحٍ قيحًا ودمًا وصديدًا ولحمًا عبيطًا. فقالَ النبي - ﷺ -: "إن هاتينِ صامَتا عمَّا أحَلَّ اللهُ لهُما، وأفْطَرَتا على ما حَرَّمَ اللهُ عليهِما، جَلَسَتْ إحداهُما إلى الأُخرى، فجَعَلَتا يَأْكُلانِ لحومَ النَّاسِ" (^٢).
_________________
(١) (صحيح). رواه: ابن المبارك في "المسند" (٧٥)، وأحمد (٢/ ٣٧٣ و٤٤١)، والدارمي (١/ ٣٠١)، وابن ماجه (٧ - الصيام، ٢١ - الغيبة والرفث للصائم، ١/ ٥٣٩/ ١٦٩٠)، والنسائي في "الكبرى" (٣٢٤٩ - ٣٢٥١ و٣٣٣٣)، وأبو يعلى (٦٥٥١)، وابن خزيمة (١٩٩٧)، وابن حبّان (٣٤٨١)، والحاكم (١/ ٤٣١)، والقضاعي في "الشهاب" (١٤٢٥ و١٤٢٦)، والبيهقي في "السنن" (٤/ ٢٧٠) و"الشعب" (٣٦٤٢)، والبغوي في "السنة" (١٧٤٧)؛ بعضهم من طريق أسامة بن زيد وبعضهم من طريق عمرو بن أبي عمرو، [عن سعيد المقبري]، [عن أبيه]، عن أبي هريرة … رفعه. قال البوصيري: "إسناده ضعيف"؛ يعني: سند ابن ماجه خصوصًا، فيه أُسامة بن زيد الليثي تكلّموا فيه وحديثه صالح في الشواهد على الأقلّ، وقد تابعه عمرو الثقة فخرج الحديث من عهدته. نعم؛ هاهنا خلاف في إثبات سعيد وإسقاطه إثبات أبيه وإسقاطه، ولا يضرّ، فكلاهما ثقة روى عن أبي هريرة، ولا يبعد أن سعيدًا حمله عن أبيه وعن أبي هريرة وحمله عمرو عن سعيد وعن أبيه. وكذلك رواه النسائيّ مرّة موقوفًا، والروايات المرفوعة أكثر وأصحّ. وقد صحّح الحديث ابن خزيمة وابن حبّان والألباني، وقال الحاكم: "على شرط البخاري"، وأقرّه المنذري والذهبي. وله شاهد من حديث ابن عمر عند: ابن أبي حاتم في "العلل" (٣٥٤ و٦٩٢)، والطبراني (١٢/ ٢٩٢ / ١٣٤١٣)، وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢٣٩٨)، والقضاعي في "المسند" (١٤٢٤)، والرافعي في "التدوين" (٣/ ٢٣٦)؛ بسند ضعّفه أبو حاتم وقوّاه الهيثمي.
(٢) (ضعيف). رواه: أحمد (٥/ ٤٣١)، والبخاري في "التاريخ" (٥/ ٤٤٠)، وابن أبي خيثمة (٢/ ٤٤٨ - إصابة)، وابن أبي الدنيا في "الصمت" (١٧١)، وأبو يعلى (١٥٧٦)، والحسن بن سفيان (٢/ ٤٠ - إصابة)، والروياني (٧٢٩)، وابن قانع (١/ ٢٥٧/ ٢٩٤)، وابن السكن (٢/ ٤٤٨ - إصابة)، وابن منده (٢/ ٤٤٨ - إصابة)، والبيهقي في "الدلائل" (٦/ ١٨٦)، والأصبهاني في "الترغيب" (٢٢١١)، وابن الأثير في =
[ ٣٦٥ ]
ولهذا المعنى - واللهُ أعلمُ - وَرَدَ في القرآنِ بعدَ ذكرِ تحريمِ الطَّعامِ والشَّرابِ على الصَّائمِ بالنَّهارِ ذكرُ تحريمِ أكلِ أموالِ النَّاسِ بالباطلِ؛ فإنَّ تحريمَ هذا عامٌّ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، بخلافِ الطعامِ والشَّرابِ، فكانَ إشارةً إلى أن مَنِ امْتَثَلَ أمرَ اللهِ في اجتنابِ الطعامِ والشَّرابِ في نهارِ صومِهِ؛ فلْيَمْتَثِلْ أمرَهُ في اجتنابِ أكلِ الأموالِ بالباطلِ؛ فإنَّهُ محرَّمٌ بكلِّ حالٍ لا يُباحُ في وقتٍ مِن الأوقاتِ. واللهُ أعلمُ.
• وقولُهُ - ﷺ -: "وللصَّائمِ فرحتانِ: فرحةٌ عندَ فطرِهِ، وفرحةٌ عندَ لقاءِ ربِّهِ":
* أمَّا فرحةُ (^١) الصَّائمِ عندَ فطرِهِ؛ فإنَّ النُّفوسَ مجبولة على الميلِ إلى ما يُلائِمُها مِن مطعمٍ ومشربٍ ومنكحٍ، فإذا مُنِعَتْ مِن ذلكَ في وقتٍ مِن الأوقاتِ، ثمَّ أُبيحَ لها في وقتٍ آخرَ؛ فَرِحَتْ إباحةِ ما مُنِعَتْ منهُ، خصوصًا عندَ اشتدادِ الحاجةِ إليهِ؛ فإنَّ النُّفوسَ تَفْرَحُ بذلكَ طبعًا، فإنْ كانَ ذلكَ محبوبًا للهِ؛ كانَ محبوبًا شرعًا، والصَّائمُ عندَ فطرِهِ كذلكَ، فكما أنَّ الله تَعالى حَرَّمَ على الصَّائمِ في نهارِ الصَّومِ تناولَ هذهِ الشَّهواتِ فقد أذِنَ لهُ فيها في ليلِ الصِّيامِ، بل أحَبَّ منهُ المبادرةَ إلى تناولِها في أوَّلِ الليلِ وآخرِهِ، فأحبُّ عبادِهِ إليهِ أعجلُهُم فطرًا، واللهُ وملائكتُهُ يُصلُّونَ على المتسحِّرينَ.
_________________
(١) = "الغابة" (٣/ ١٨٣)؛ من طريق سليمان التيمي تارة وعثمان بن غياث تارة، [عن رجل في حلقة أبي عثمان النهدي]، عن عبيد (أو: سعد) مولى النبي - ﷺ - … رفعه. قال البخاري وأبو حاتم وابنه وابن السكن: "مرسل". قال العسقلاني: "كأنّ البخاري يسمّي السند الذي فيه راو مبهم مرسلًا كما قال جماعة من المحدّثين". وقال المنذري والعراقي والهيثمي (٣/ ١٧٤): "فيه رجل لم يسمّ". وقال ابن كثير: "إسناد ضعيف ومتن غريب". وقال الألباني: "ضعيف". وله شاهد عند: العقيلي (٣/ ٣١٩)، وابن مردويه (٧/ ٥٤ - إتحاف المتّقين)، والأصبهاني (٢٢١٢)، وابن الجوزي في "الواهيات" (١٢٩٩)؛ من طريق عمّار بن علثم المحاربي، عن أُمّه أُم سعيد بنت الأسود، عن أمّها، عن أُمّ سلمة … رفعته بنحوه. قال البخاري والعقيلي وابن الجوزي: "إسناد مجهول ولا يتابع عليه". وقال الذهبي وأقرّه العسقلاني: "منكر لظلمة إسناده وجهالة عمّار وأمّه". قلت: وجدّته. وشاهد آخر عند: الطيالسي (٢١٠٧)، وابن أبي الدنيا في "الصمت" (١٧٠) و"الغيبة" (٣١)، وابن مردويه، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٣٠٩)، والبيهقي في "الشعب" (٦٧٢٢)؛ من طريق الربيع بن صبيح، عن يزيد الرقاشي، عن أنس … رفعه بنحوه. ويزيد ضعيف منكر الحديث والربيع ضعيف، وكلاهما من القصّاص أهل الزهد الذين تختلط عليهم الأسانيد والمرويات، ولا يبعد أنّ أحدهما تلقّاه من أحد الأوجه السابقة.
(٢) في خ: "فإنّه يحرم بكلّ حال … فأمّا فرحة"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
[ ٣٦٦ ]
فالصَّائمُ تَرَكَ شهواتِهِ للهِ بالنَّهارِ تقرُّبًا إليهِ وطاعةً لهُ، وبادَرَ إليها في الليلِ تقرُّبًا إلى اللهِ وطاعةً لهُ، فما تَرَكَها إلَّا بأمرِ ربِّهِ ولا عادَ إليها إلَّا بأمرِ ربِّهِ، فهوَ مطيعٌ لهُ في الحالينِ. ولهذا نُهِيَ عن الوصالِ في الصِّيامِ. فإذا بادَرَ الصَّائمُ إلى الفطرِ تقرُّبًا إلى مولاهُ، وأكَلَ وشَرِبَ وحَمِدَ الله؛ فإنَّهُ يُرْجى لهُ المغفرةُ أو بلوغُ الرِّضوانِ بذلكَ. وفي الحديثِ: "إنَّ الله لَيَرْضى عن عبدِهِ يَأْكُلُ الأكلةَ فيَحْمَدُهُ عليها ويَشْرَبُ الشَّربةَ فيَحْمَدُهُ عليها" (^١). وربَّما اسْتُجيبَ دعاؤُهُ عندَ ذلكَ، كما في الحديثِ المرفوعِ الذي خَرَّجَهُ ابنُ ماجَهْ: "إنَّ للصَّائمِ عندَ فطرِهِ دعوةً ما تُرَدُّ" (^٢). وإنْ نَوى بأكلِهِ وشربِهِ تقويةَ بدنِهِ على القيامِ والصِّيامِ؛ كانَ مثابًا على ذلكَ، كما أنَّهُ إذا نَوى بنومِهِ في الليلِ والنَّهارِ التَّقوِّيَ
_________________
(١) رواه مسلم (٤٨ - الذكر، ٢٤ - استحباب حمد الله، ٤/ ٢٠٩٥/ ٢٧٣٤) من حديث أنس.
(٢) (حسن بشواهده). رواه: ابن ماجه (٧ - الصيام، ٤٨ - الصائم لا تردّ دعوته، ١/ ٥٥٧/ ١٧٥٣)، والطبراني في "الدعاء" (٩١٩)، وابن السنّي (٤٨١)، والحاكم (١/ ٤٢٢)، والبيهقي في "الشعب" (٣٩٠٤ - ٣٩٠٦)، والأصبهاني (١٧٨٠)، وابن عساكر (٨/ ٢٥٦)؛ من طرق، عن الوليد بن مسلم، ثنا إسحاق بن عبيد الله، سمعت عبد الله بن أبي مليكة، سمعت عبد الله بن عمرو … به. وهذا سندٌ ضعيفٌ من أجل إسحاق: فإن كان ابن عبيد الله بن أبي المهاجر؛ فمجهول، وهذا أرجح الأقوال، وإليه مال ابن عساكر والعسقلاني. وإن كان ابن عبيد الله بن أبي مليكة؛ فمستور، وإليه مال الحافظ عبد الغني والمزّي. وإن كان ابن عبد الله مولى زائدة - كما أورده الحاكم ووافقه الذهبي -؛ فثقة، ولكنّه بعيد، فهذا تابعي قديم ما أدركه الوليد. وإن كان ابن عبد الله بن أبي طلحة؛ فثقة. وإن كان ابن عبد الله بن أبي فروة - كما أورده الحاكم ووافقه الذهبي -؛ فمتروك، وهو وارد أيضًا. وربّما كان مدنيًّا مجهولًا كما مال إليه المنذري. ورواه: الطيالسي (٢٢٦٢)، والبيهقي في "الشعب" (٣٩٠٧)؛ من طريق أبي محمّد المليكي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه … مرفوعًا بنحوه. وأبو محمّد هذا لم أجد له ترجمة. وله شاهد رواه: ابن عدي (٦/ ٢٢٨٢)، والبيهقي في "الشعب" (٣٩٠٣)، والذهبي في "الميزان" (٣/ ٤٧٦)، والعسقلاني في "اللسان" (٥/ ٧٦)؛ من طريقين، عن محمد بن يزيد بن خنيس، عن عبد العزيز بن أبي روّاد، عن نافع، عن ابن عمر … كان يقال فذكره. وفي طريق ابن عديّ محمّد بن إسحاق البلخي متّهم، لكن تابعه الحسن بن علي بن بحر بن بري عند البيهقي، لكن يبقى السند ضعيفًا لأنّ ابن بري هذا مستور. وآخر عند: ابن المبارك في "الزهد" (١٤٠٩)، والقضاعي (١٠٣١)؛ بسند قويّ، عن الحارث بن عبيدة … به. وهذا معضل. ويشهد لمعناه حديث أبي هريرة "ثلاثة لا تردّ دعوتهم"، وقد طوّلت الكلام فيه في "الأذكار" (٥٨٦). ومن المرجّح أنّ الحديث يرتقي بهذه الشواهد إلى مصاف الحسن، وقد مال إلى تقويته البوصيري والعسقلاني، وضعّفه الألباني.
[ ٣٦٧ ]
على العملِ؛ كانَ نومُهُ عبادةً.
وفي حديثٍ مرفوعٍ: "نومُ الصَّائمِ عبادةٌ" (^١).
قالَتْ حَفْصَةُ بنتُ سِيرينَ: قال أبو العالِيَةِ: الصَّائمُ في عبادة ما لمْ يَغْتَبْ أحدًا وإنْ كانَ نائمًا على فراشِهِ. قال: وكانَتْ حَفْصَةُ تَقول: يا حَبَّذا عبادةٌ وأنا نائمةٌ على فراشي. خَرَّجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ.
فالصَّائمُ في ليلهِ ونهارِهِ في عبادةٍ، ويُسْتَجابُ دعاؤُهُ في صيامِهِ وعندَ فطرِهِ، فهوَ في نهارِهِ صائم صابرٌ، وفي ليلِهِ طاعم شاكرٌ.
وفي الحديثِ الذي خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وغيرُهُ: "الطَّاعمُ الشَّاكرُ بمنزلةِ الصَّائمِ الصَّابرِ" (^٢).
ومَن فَهِمَ هذا الذي أشَرْنا إليهِ؛ لمْ يَتَوَقَّفْ في معنى فرحِ الصَّائمِ عندَ فطرِهِ؛ فإنَّ فطرَهُ على الوجهِ المشارِ إليهِ مِن فضلِ اللهِ ورحمتِهِ، فيَدْخُلُ في قولِهِ تَعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحوا﴾ [يونس: ٥٨].
ولكنْ شرطُ ذلكَ أنْ يَكونَ فطرُهُ على حلالٍ، فإنْ كانَ فطرُهُ على حرامٍ؛ كانَ ممَّن صامَ عمَّا أحَلَّ اللهُ وأفْطَرَ على ما حَرَّمَ اللهُ (^٣) ولمْ يُسْتَجَبْ لهُ دعاءٌ، كما قال النَّبيُّ - ﷺ - في الذي يُطيلُ السَّفرَ: "يَمُدُّ يديهِ إلى السَّماءِ: يا ربِّ! يا ربِّ! ومطعمُهُ حرامٌ، ومشربُهُ حرامٌ، وملبسُهُ حرامٌ، وغُذِيَ بالحرامِ، فأنَّى يُسْتَجابُ لذلكَ" (^٤).
* وأمَّا فرحُهُ عندَ لقاءِ ربِّهِ؛ فبما يَجِدُهُ عندَ اللهِ مِن ثوابِ الصِّيامِ مدَّخرًا، فيَجِدُهُ أحوجَ ما كانَ إليهِ: كما قال تَعالى: ﴿وَما تُقَدِّموا لِأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأعْظَمَ أجْرًا﴾ [المزَّمِّل: ٢٠]. وقال تَعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا] [آل عمران: ٣٠]. وقالَ تَعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقال ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهْ﴾
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٣٥٧).
(٢) (صحيح). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٣٤٣).
(٣) كما يفعل المبتلون بالتدخين الذين يفطرون أوّل ما يفطرون على السجائر.
(٤) رواه مسلم (١٢ - الزكاة، ١٩ - قبول الصدقة، ٢/ ٧٠٣/ ١٠١٥) عن أبي هريرة.
[ ٣٦٨ ]
[الزَّلزلة: ٧].
وقد تَقَدَّمَ قولُ ابن عُيَيْنَةَ أنَّ ثوابَ الصَّائمِ لا يَأْخُذُهُ الغرماءُ في المظالمِ بل يَدَّخِرُهُ اللهُ عندَهُ للصَّائمِ حتَّى يُدْخِلَهُ بهِ الجنَّةَ (^١).
وفي "المسند": عن عُقْبَةَ بن عامِرٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "ليسَ مِن عملِ يومٍ إلَّا يُخْتَمُ عليهِ" (^٢).
وعن عيسى ﵇؛ قالَ: إنَّ هذا الليلَ والنَّهارَ خزانتانِ، فانْظُروا ما تَضَعونَ فيهِما.
فالأيامُ خزائنُ للنَّاسِ ممتلئةٌ بما خَزَنوهُ فيها مِن خيرٍ وشرٍّ، وفي يومِ القيامةِ تُفْتَحُ هذهِ الخزائنُ لأهلِها، فالمتَّقونَ يَجِدونَ في خزائنِهِم العزَّ والكرامةَ، والمذنبونَ يَجِدون في خزائنِهِمُ الحسرةَ والنَّدامةَ.
• الصَّائمونَ على طبقتينِ:
* إحداهُما: مَن تَرَكَ طعامَهُ وشرابَهُ وشهوتَهُ للهِ يَرْجو عندَهُ عوضَ ذلكَ في الجنَّةِ، فهذا [قد] تاجَرَ معَ اللهِ وعامَلَهُ، واللهُ تَعالى لا يُضِيعُ أجرَ مَن أحْسَنَ عملًا ولا يَخِيبُ [معَهُ] مَن عامَلَهُ، بل يَرْبَحُ عليهِ أعظمَ الرِّبحِ.
وقالَ النَّبيُّ - ﷺ - لرجلٍ: "إنَّكَ لنْ تَدَعَ شيئًا اتِّقاءَ اللهِ إلَّا آتاكَ اللهُ خيرًا منهُ" (^٣). خَرَّجَهُ الإمامُ أحمدُ.
فهذا الصَّائمُ يُعْطى في الجنَّةِ ما شاءَ اللهُ مِن طعامٍ وشرابٍ ونساءٍ.
_________________
(١) وتقدّم ما فيه (ص ٣٥٩).
(٢) (صحيح). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤٢).
(٣) (صحيح). رواه: ابن المبارك في "الزهد" (١١٦٨)، ووكيع في "الزهد" (٣٥٦)، وأحمد (٥/ ٧٨ و٧٩ و٣٦٣)، وهنّاد في "الزهد" (٩٥٢)، والحارث (١١٠١ - زوائد الهيثمي)، والنسائي في "الكبرى" (١٥٦٦٠ - تحفة)، وابن منده في "الصحابة" (٥/ ٢٠٠ - غابة)، وأبو نعيم في "الصحابة" (٥/ ٢٠٠ - غابة)، والقضاعي في "الشهاب" (١١٣٥ - ١١٣٨)، والبيهقي في "السنن" (٥/ ٣٣٥) و"الشعب" (٥٧٤٨) و"الزهد" (٨٦٠)، وابن الأثير في "الغابة" (٥/ ٢٠٠)، والمزّي في "التهذيب" (٢٣/ ٥٧٠)؛ من طريق حميد بن هلال، [عن أبي قتادة وأبي الدهماء]، عن رجل من الصحابة من أهل البادية … رفعه. قال الهيثمي (١٠/ ٢٩٩): "رجاله ثقات". قلت: جهالة الصحابيّ لا تضرّ، وقد صحّحه الألباني.
[ ٣٦٩ ]
قالَ اللهُ تَعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيَّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقَّة: ٢٤]. قالَ مُجاهِدٌ وغيرُهُ: نَزَلَتْ في الصَّائمينَ.
قالَ يَعْقوبُ بنُ يوسُفَ الحَنَفِيُّ: بَلَغَنا أن الله تَعالى يَقولُ لأوليائِهِ يومَ القيامةِ: يا أوليائي! طالَما نَظَرْتُ إليكُم في الدُّنيا وقد قَلَصَتْ شفاهُكُم عن الأشربةِ وغارَتْ أعينُكُم وخَفَقَتْ بطونكُم! كونوا اليومَ في نعيمِكُم، وتَعاطَوُا الكأْسَ فيما بينكم، وكُلوا واشْرَبوا هنيئًا بما أسْلَفْتُمْ في الأيَّامِ الخاليةِ.
وقالَ الحَسَنُ: تَقولُ الحوراءُ لوليِّ اللهِ وهوَ متَّكئ معَها على نهرِ العسلِ تُعاطيهِ الكأْسَ: إنَّ الله نَظَرَ إليكَ في يومٍ صائفٍ بعيدِ ما بينَ الطَّرفينِ وأنتَ في ظمإ هاجرةٍ مِن جهدِ العطشِ، فباهى بكَ الملائكةَ وقالَ: انْظُروا إلى عبدي، تَرَكَ زوجتَهُ وشهوتَهُ ولذَّتَهُ وطعامَهُ وشرابَهُ مِن أجلي رغبةً فيما عندي، اشْهَدوا أنِّي قد غَفَرْتُ لهُ، فغَفَرَ لكَ يومئذٍ وزَوَّجَنيكَ.
وفي الصَّحيحينِ (^١): عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إنَّ في الجنَّةِ بابًا يُقالُ لهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ منهُ الصَّائمونَ، لا يَدْخُلُ منهُ غيرُهُم". وفي روايةٍ: "فإذا دَخَلوا أُغْلِقَ". وفي روايةٍ: "مَن دَخَلَ منهُ شَرِبَ، ومَن شَرِبَ لمْ يَظْمَأْ أبدًا".
وفي حديثِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بن سَمُرَةَ عن النَّبيِّ - ﷺ - في منامِهِ الطَّويلِ؛ قالَ: "ورَأيْتُ رجلًا مِن أُمَّتي يَلْهَثُ عطشًا، كلَّما وَرَدَ حوضًا مُنِعَ، فجاءَهُ صيامُ رمضانَ، فسَقاهُ وأرواهُ" (^٢). خَرَّجَهُ الطَّبَرانِي وغيرُهُ.
_________________
(١) البخاري (٣٠ - الصوم، ٤ - الريّان للصائمين، ٤/ ١١١/ ١٨٩٦)، ومسلم (١٣ - الصيام، ٣٠ - فضل الصيام، ٢/ ٨٠٨/ ١١٥٢)؛ من حديث سهل بن سعد. والرواية الأولى والثانية عندهما رواية واحدة. والثالثة ليست في الصحيحين، وإنّما هي عند: النَّسَائِي (٢٢ - الصيام، ٤٣ - باب، ٤/ ١٦٨/ ٢٦٣٥)، وابن خزيمة (١٩٠٢)؛ إسناد رجاله رجال مسلم.
(٢) (ضعيف جدًّا). رواه: بحشل في "واسط" (ص ١٦٩)، والحكيم الترمذي في "النوادر" (إبراهيم ٢٧ - ابن كثير)، والخرائطي، وابن حبّان في "المجروحين" (٣/ ٤٣)، والطبراني (٧/ ١٨٣ - مجمع)، وأبو الشيخ في "الطبقات" (٢/ ٣٠٣)، وأبو موسى المديني، وابن الجوزي في "الواهيات" (١١٦٥ و١١٦٦)؛ من طرق ستّة، عن ابن المسيّب، عن عبد الرحمن بن سمرة … رفعه مطوّلًا ومختصرًا. فأمّا طريق بحشل وطريق ابن الجوزي الثانية؛ فقال ابن الجوزي: "فيه عليّ بن زيد [قلت: ضعيفًا] =
[ ٣٧٠ ]
ورَوى ابنُ أبي الدُّنيا بإسنادٍ فيهِ ضعف عن أنسٍ مرفوعًا: "الصَّائمونَ يَنْفَحُ (^١) مِن أفواهِهِم ريحُ المسكِ، ويوضَعُ لهُم مائدةٌ تحتَ العرشِ، يَأْكُلونَ منها والنَّاسُ في الحسابِ" (^٢).
وعن أنَسٍ مرفوعًا: "إنَّ للهِ مائدةً لم تَرَ مثلَها عينٌ ولمْ تَسْمَعْ أُذنٌ ولا خَطَرَ على قلبِ بشرٍ، لا يَقْعُدُ عليها إلَّا الصَّائمونَ" (^٣).
وعن بعضِ السَّلفِ؛ قالَ: بَلَغَنا أنَّهُ يُوضَعُ للصُّوَّامِ مائدةٌ يَأْكُلونَ عليها والنَّاسُ في الحسابِ، فيَقولونَ: يا ربِّ! نحنُ نُحاسَبُ وهُم يَأْكُلونَ؟ فيُقالُ: إنَّهُم طالَما صاموا وأفْطَرْتُم وقاموا ونِمْتُم (^٤).
_________________
(١) = ومخلد بن عبد الواحد قال ابن حبّان: منكر الحديث جدًّا". قلت: متّهم. وأمّا طريق الحكيم الترمذي؛ ففيها أبو الحكيم الترمذي مستور، وعبد الله بن نافع وعبد الرحمن بن عبد الله لم أعرفهما. وأمّا طريقا الطبراني؛ فقال الهيثمي: "في أحدهما سليمان بن أحمد الواسطي وفي الآخر خالد بن عبد الرحمن المخزومي وكلاهما ضعيف". قلت: هما متّهمان متروكان. وأمّا طريق أبي الشيخ؛ ففيها عليّ بن بشر متّهم متروك عن نوح بن يعقوب بن عبد الله الأشعري لا يعرف. وأمّا طريق ابن الجوزي الأولى؛ ففيها فرج بن فضالة ضعيف أو دون ذلك عن هلال أبي جبلة لا يعرف. فالطريقان الثانية والسادسة واهيتان، وبقيّة الطرق ساقطة، والحديث ضعيف ولو اجتمعت طرقه، وقد مال إلى توهينه ابن الجوزي وابن كثير والهيثمي.
(٢) ينفح من أفواههم: يفوح من أفواههم.
(٣) (ضعيف جدًّا). رواه: ابن أبي الدنيا في "الجوع" (١٣٩) من طريق جعفر بن الحارث النخعي عن شيخ من أهل البصرة، والسهمي في "تاريخ جرجان" (ص ٤٧٨) من طريق مقاتل بن سليمان عن يزيد الرقاشي؛ كلاهما عن أنس بن مالك … رفعه. وهذا ساقط: النخعيّ ضعيف، ومقاتل كذّاب، والشيخ البصري في الأولى هو الرقاشي في الثانية ضعيف منكر الحديث، فالسند واه، والمتن منكر لائق بأخبار القصّاص.
(٤) (ضعيف جدًّا). رواه: الطبراني في "الأوسط" (٩٤٣٩)، وابن بشران في "أماليه" (٤/ ٢٤٣)؛ من طريق عبد المجيد بن كثير، ثنا بقيّة، ثني أبي بكر العنسي، ثنا أبو قبيل المصريّ، عن أنس … رفعه. قال الطبراني: "تفرّد به بقيّة". قلت: تفرّده لا يضرّ إذا صرّح بالتحديث. وقال الهيثمي (٣/ ١٨٥): "فيه عبد المجيد بن كثير الحرّاني لم أجد من ترجمه". قلت: والعنسيّ إن كان أبا بكر بن أبي مريم كما استظهر العسقلاني فضعيف منكر الحديث وإن لم يكنه فمجهول منكر الحديث. وهاهنا علّة ثالثة، وهي الوقف على ما ذكره ابن رجب. فالسند ساقط.
(٥) هذا البلاغ من جنس الواهيات المتقدّمة قبله، فإمّا أنّه أصل لها، أو أنّها أصل له، وهذا الثاني أرجح، وكثيرًا ما يقصد بالسلف هنا الزهّاد وكبار الصوفيّة الذين تختلط عليهم الرؤى والكشوف بالنصوص المرفوعة ولا يبالون في التفريق بينها.
[ ٣٧١ ]
رَأى بعضُهُم بِشْرَ بنَ الحارِثِ في المنامِ وبينَ يديهِ مائدةٌ وهوَ يَأْكُلُ ويُقالُ لهُ: كُلْ يا مَن لمْ يَأْكُلْ! واشْرَبْ يا مَن لمْ يَشْرَبْ!
كانَ بعضُ الصَّالحينَ قد صامَ حتَّى انْحَنى وانْقَطَعَ صوتُهُ فماتَ، فرُئِيَ بعضُ أصحابِهِ الصَّالحينَ في المنامِ، فسُئِلَ عن حالِهِ (^١)، فضَحِكَ وأنْشَدَ:
قَدْ كُسِي حُلَّةَ البَهاءِ وَأطافَتْ … بِأباريقَ حَوْلَهُ الخُدَّامُ
ثُمَّ حُلِّي وَقيلَ يا قارِئُ أرْقَ … فَلَعَمْري لَقَدْ بَراكَ الصِّيامُ (^٢)
اجْتازَ بعضُ العارفينَ بمنادٍ يُنادي على السَّحورِ في رمضانَ: ياما خَبَأْنا للصَّائمينَ! فتَنَبَّهَ بهذهِ الكلمةِ، وأكْثَرَ مِن الصّيامِ.
رَأى بعضُ العارفينَ في منامِهِ كأنَّهُ أُدْخِلَ الجنَّةَ، فسَمعَ قائلًا يَقولُ لهُ: هل تَذْكُرُ أنَّكَ صُمْتَ للهِ يومًا قطُّ (^٣)؟ فقالَ: نعم! قالَ: فأخَذَتْني صواني النِّثارِ مِن الجنَّةِ.
مَن تَرَكَ للهِ في الدُّنيا طعامًا وشرابًا وشهوةً مدَّةً يسيرةً عَوَّضهُ اللهُ عندَهُ طعامًا وشرابًا لا يَنْفَدُ وأزواجًا لا يَمُتْنَ أبدًا.
شهرُ رمضانَ فيهِ يُزَوَّجُ الصَّائمونَ.
في الحديثِ: "إنَّ الجنَّةَ لَتُزَخْرَفُ وتُنَجَّدُ مِن الحولِ إلى الحولِ لدخولِ رمضانَ، فتَقولُ الحورُ: يا ربِّ! اجْعَلْ لنا في هذا الشَّهرِ مِن عبادِكَ أزواجًا تَقَرُّ أعينُنا بهم وتَقَرُّ أعيُنُهم بنا" (^٤).
_________________
(١) في خ: "في منامه وهو يسأل عن حاله"، وهذا تحريف صوابه ما أثبتّه من م ون وط.
(٢) تقدّم هذا (ص ٩٤)، فراجع إن شئت هناك تعقيبي عليه.
(٣) في خ: "أنّك صمت قطّ يومًا لله"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٤) (موضوع). قد جاء هذا ونحوه عن جماعة من الصحابة: * فرواه: الطبراني في "الأوسط" (٦٧٩٦) و"الشاميّين" (٩١)، والبيهقي في "الشعب" (٣٦٣٣)، وابن الجوزي في "الواهيات" (٨٨١)، والذهبي في "السير" (١٧/ ٥٦٢) و"التذكرة" (٣/ ١١٠٧) "من طريق الوليد بن الوليد الدمشقي، عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر … رفعه. قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن ابن ثوبان إلّا الوليد". وقال الهيثمي (٣/ ١٤٥): "فيه الوليد بن الوليد القلانسي وثّقه أبو حاتم وضعّفه جماعة". قلت: هو متّهم متروك، وابن ثوبان فصالح في الشواهد. ورواه: الطبراني في "الأوسط" (٣٧٠٠) من طريق زهير بن عبّاد الرواسي ثني أحمد بن أبيض=
[ ٣٧٢ ]
وفي حديثٍ آخرَ: "إنَّ الحورَ تُنادي في شهرِ رمضانَ: هل مِن خاطبٍ إلى اللهِ فيُزَوِّجَهُ؟ " (^١).
مهورُ الحورِ طولُ التَّهجُّدِ، وهوَ حاصلٌ في شهرِ رمضانَ أكثرَ مِن غيرِهِ.
كانَ بعضُ الصَّالحينَ كثيرَ التَّهجُّدِ والصِّيامِ، فصَلَّى ليلةً في المسجدِ ودَعا، فغَلَبَتْهُ عيناهُ، فرَأى في منامِهِ جماعةً عَلِمَ أنَّهُم لَيْسوا مِن الآدميِّينَ، بأيديهِم أطباقٌ عليها أرغفةٌ ببياضِ الثَّلجِ (^٢)، فوقَ كلِّ رغيفٍ درٌّ أمثالُ الرُّمَّانِ. فقالوا: كُلْ. فقالَ: إنِّي أريدُ الصَّومَ. قالوا لهُ: يَأْمُرُكَ صاحبُ هذا البيتِ أنْ تَأْكُلَ. قالَ: فأكَلْتُ، وجَعَلْتُ آخُذ ذلكَ الدُّرَّ لِأحْتَمِلَهُ. فقالوا لي: دَعْهُ نَغْرِسْهُ لكَ شجرًا يُنْبِتُ لكَ خيرًا مِن هذا. قالَ: أينَ؟ قالوا: في دارٍ لا تَخْرَبُ وثمرٍ لا يَتَغَيَّرُ وملكٍ لا يَنْقَطعُ وثيابٍ لا تَبْلى، فيها رضوى وعينا وقرَّةُ أعينٍ، أزواجٌ رضيَّاتٌ مرضيَّات راضياتٌ، لا يَغِرْنَ ولا يُغَرْنَ، فعليكَ بالانكماشِ فيما أنتَ؛ فإنَّما هيَ غفوةٌ حتَّى تَرْتَحِلَ فتَنْزِلَ الدَّارَ. فما مَكَثَ بعدَ هذهِ
_________________
(١) = المديني، والبيهقي في "الشعب" (٣٦٣٢) من طريق محمد بن إبراهيم بن العلاء الشامي عن أحمد بن محمّد ابن أخي سواد القاضي؛ كلاهما عن الأوزاعي، عن عطاء بن رباح، عن ابن عبّاس … رفعه. والرؤاسيّ في الطريق الأولى ضعيف أتى بالمدينيّ الذي لم أقف له على ترجمة، والشاميّ في الطريق الثانية كذّاب أتى بابن أخي سواد القاضي الذي لم أقف له على ذكر. فالسند ساقط. وله شاهد من حديث أبي مسعود الغفاري (أو ابن مسعود) تقدّم (ص ٣٤٧) أنّه موضوع. ولأوَّله شاهد من حديث أن عند ابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ١٨٧) بسند فيه أصرم بن حوشب كذّاب يضع، وتعقّبه السيوطي في "اللآلئ" (٢/ ٩٩) بأنّ الديلمي رواه من طريق أُخرى عن أنس فلم يصنع شيئًا؛ فإن في تلك الطريق أبان بن أبي عيّاش هالك إن لم يكن فيها من هو شرّ منه. وبالجملة؛ فطرق هذه الرواية ساقطة لا تصلح لصالحة، ومتونها طويلة فيها عجائب ومنكرات يشهد القلب أنّها مصنوعة، وقد أعلّها البيهقي وابن الجوزي والهيثمي.
(٢) (موضوع). رواه: سلمة بن شبيب في "فضائل رمضان (٤٧٣ - لطائف المعارف)، والفاكهي في "مكّة" (١٥٧٥)، وأبو الشيخ في "الثواب"، والبيهقي في "الشعب" (٣٦٩٥)، والأصبهاني في "الترغيب" (١٧٤١)، وابن الجوزي في "الواهيات" (٨٨٠)؛ من طريقين واهيتين، [عن أبي الحسن جويبر]، عن الضحّاك بن مزاحم، عن ابن عبَّاس … رفعه في سياق طويل. قال المنذري: "ليس في إسناده من أجمع على ضعفه"! قلت: لكنّه مظلم: الطريقان إلى جويبر واهيتان، وجويبر هالك وأسقطه بعضهم فأصبح السند ظاهر الانقطاع، والضحّاك عن ابن عبّاس منقطع، والمتن طويل فيه عجائب يشهد القلب أنّها مصنوعة.
(٣) في خ: "فغلبته عينه … كبياض الثلج"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
[ ٣٧٣ ]
الرُّؤيا إلَّا جمعتينِ حتَّى تُوُفِّيَ، فرَآهُ ليلةَ وفاتِهِ في المنامِ بعضُ أصحابِهِ الذينَ حَدَّثَهُم برؤياهُ وهوَ يَقولُ: ألا تَعْجَبُ مِن شجرٍ غُرِسَ لي في يومِ حَدَّثْتُكَ وقد حَمَلَ؟! فقالَ لهُ: ما حَمَلَ؟! قالَ: لا تَسْألْ، لا يَقْدِرُ أحدٌ على صفتِهِ. لمْ يُرَ مثلُ الكريمِ إذا حَلَّ بهِ مطيعٌ.
يا قومِ! ألا خاطبٌ في هذا الشَّهرِ إلى الرَّحمن؟! ألا راغبٌ فيما أعَدَّهُ اللهُ تَعالى للطَّائعينَ في الجنان؟! ألا طالبٌ لِما أخْبَرَ بهِ مِن النَّعيمِ المقيمِ معَ أنَّهُ ليسَ الخبرُ كالعيان؟
مَن يُرِدْ مُلْكَ الجِنانِ … فَلْيَدَعْ عَنْهُ التَّواني
وَلْيَقُمْ في ظُلْمَةِ اللَيْـ … ـلِ إلى نورِ القُرانِ
وَلْيَصِلْ صَوْمًا بِصوْمٍ … إنَّ هذا العَيْشَ فاني
إنَّما العَيْشُ جِوارُ الـ … ـلهِ في دارِ الأمانِ
* الطَّبقةُ الثَّانيةُ مِن الصَّائمينَ: مَن يَصومُ في الدُّنيا عمَّا سِوى اللهِ، فيَحْفَظُ الرَّأْسَ وما حَوى، ويَحْفَظُ البطنَ وما وَعى، ويَذْكُرُ الموتَ والبِلى، ويُريدُ الآخرةَ فيَتْرُكُ زينةَ الدُّنيا. فهذا عيدُ فطرِهِ يومَ لقاءِ ربِّهِ وفرحِهِ برؤيتِهِ.
أهْلُ الخُصوصِ مِنَ الصُّوَّامِ صَوْمُهُمُ … صَوْنُ اللِسانِ عَنِ البُهْتانِ وَالكَذِبِ
وَالعارِفونَ وَأهْلُ الأُنْسِ صَوْمُهُمُ … صَوْنُ القُلوبِ عَنِ الأغْيارِ وَالحُجُبِ
العارفونَ لا يُسَلِّيهِم عن رؤيةِ مولاهُم قصرٌ، ولا يُرَوِّيهِم دونَ مشاهدتِهِ نهرٌ، هممُهُم أجلُّ مِن ذلكَ.
كَبُرَتْ هِمَّةُ عَبْدٍ … طَمِعَتْ في أنْ تَراكَ
مَنْ يَصُمْ عَنْ مُفْطِراتٍ … فَصِيامي عَنْ سِواكَ
مَن صامَ عن شهواتِهِ في الدنيا؛ أدْرَكَها غدًا في الجنَّةِ. ومَن صامَ عمَّا سِوى اللهِ؛ فعيدُهُ يومَ لقائِهِ.
﴿مَنْ كانَ يَرْجو لِقاءَ اللهِ فَإنَّ أجَلَ اللهِ لَاتٍ﴾ [العنكبوت: ٥].
وَقَدْ صُمْتُ عَنْ لَذَّاتِ دَهْرِيَ كُلِّها … وَيَوْمَ لِقاكُمْ ذاكَ فِطْرُ صِيامي
رُئِيَ بِشْرٌ في المنامِ، فسُئِلَ عن حالِهِ، فقالَ: عَلِمَ قلَّةَ رغبتي في الطَّعامِ فأباحَني
[ ٣٧٤ ]
النَّظرَ إليهِ (^١).
وقيلَ لبعضِهِم: أينَ نَطْلُبُكَ في الآخرةِ؟ قالَ: في زمرةِ الناظرينَ إلى اللهِ. قيلَ لهُ: كيفَ عَلِمْتَ ذلكَ؟ قالَ: بغضِّي طرفيَ لهُ عن كلِّ محرَّمٍ، وباجتنابي فيهِ كلَّ منكرٍ ومأْثم، وقد سَألْتُهُ أنْ يَجْعَلَ جنَّتي النَّظرَ إليهِ.
يا حَبِيبَ القُلوبِ مَنْ لي سِواكا … إرْحَمِ اليَوْمَ مُذْنِبًا قَدْ أتاكا
لَيْسَ لي في الجِنانِ مَوْلايَ إرْبٌ … غَيْرَ أنِّي أُريدُها لِأراكا (^٢)
يا معشرَ الصَّائمينَ! صوموا اليومَ عن شهواتِ الهوى، لِتُدْرِكوا عيدَ الفطرِ يومَ اللقاءِ، لا يَطولَنَّ عليكُمُ الأمدُ باستبطاءِ الأجلِ؛ فإنَّ معظمَ نهارِ الصِّيامِ قد ذَهَب وعيدُ اللقاءِ قدِ اقْتَرَب.
إنَّ يَوْمًا جامِعًا شَمْلي بِهِمْ … ذاكَ عِيدي لَيْسَ لي عِيدٌ سِواهُ
• قولُهُ: "ولَخُلوفُ فمِ الصَّائمِ أطيبُ عندَ اللهِ مِن ريحِ المسكِ": خُلوفُ الفمِ: رائحةُ ما يَتَصاعَدُ منهُ مِن الأبخرةِ؛ لخلوِّ المعدةِ مِن الطَّعامِ بالصِّيامِ. وهيَ رائحةٌ مستكرهةٌ في مشامِّ النَّاسِ في الدُّنيا، لكنَّها طيِّبة عندَ اللهِ حيثُ كانَتْ ناشئةً عن طاعتِهِ وابتغاءَ مرضاتِهِ، كما أن دمَ الشَّهيدِ يَجيءُ يومَ القيامةِ يَثْعَبُ دمًا؛ لونُهُ لونُ الدَّمِ، وريحُهُ ريحُ المسكِ.
_________________
(١) تقدّم (ص ٣٧٢) أنّ هناك من رآه يأكل ويقال له: كل يا من كنت لا تأكل! فأيّهما نصدّق؟! أفكلّما رأى مصطلم مهلوس شيخه في صورة تمسّكنا بها وتناقلناها؟!
(٢) في خ: "في الجنان أحسن رأي"، وفي م: "في الجنان رأي ولكن"، وفي ن: "في الجنان غرام"، وفي حاشية ن: "لعلّه وطر". وأثبتّ ما في ط لأنه أولاها بالصواب. هذا؛ ولا يخلو هذا المذهب من نظر شرعًا وعقلًا: فأمّا شرعًا؛ فلأنّه محدث مخالف لمعاني الكتاب والسنّة ومذاهب الصحابة وتابعيهم بإحسان. وأمّا عقلًا؛ فلأنّ العبد الحقيقيّ لا يشترط على مولاه ولا يردّ هداياه، والمحب الحقيقيّ يفرح أشدّ الفرح بكلّ ما وصله من محبوبه ولو كان كلمة في هاتف أو زهرة أو لقمة؛ فكيف إذا كان جنّة عرضها السماوات والأرض؟! والمذنب المعرف جلّ مطلوبه المسامحة والمغفرة؛ فأين هو من المشارطة؟! أوليس من الجحود أن يقول عبد حقير منغمس في الظلم والآثام لمولاه الكريم الرحيم الحليم: لا حاجة لي بعطاياك هذه كلّها؟! كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلَّا كذبا! نعم؛ لا ريب أن رؤية المولى سبحانه هي أعلى درجات نعيم الجنّة، نسأل الله ألّا يحرمنا إيّاها.
[ ٣٧٥ ]
وبهذا اسْتَدَلَّ مَن كَرِهَ السَّواكَ للصَّائمِ أو لمْ يَسْتَحِبَّهُ مِن العلماءِ. وأوَّلُ مَن عَلِمْناهُ اسْتَدَلَّ بذلكَ عطاءُ بنُ أبي رَباحٍ. ورُوِيَ عن أبي هُرَيْرَةَ أنَّهُ اسْتَدَلَّ بهِ، لكنْ مِن وجهٍ لا يَثْبُتُ. وفي المسألةِ اختلافٌ مشهورٌ بينَ العلماءِ. وإنَّما كَرِهَهُ مَن كَرِهَهُ في آخرِ نهارِ الصَّومِ؛ لأنَّهُ وقتُ خلوِّ المعدةِ وتصاعدِ الأبخرةِ. وهل يَدْخُلُ وقتُ الكراهةِ بصلاةِ العصرِ أو بزوالِ الشَّمسِ أو بفعلِ صلاةِ الظُّهرِ في أوَّلِ وقتِها، على أقوالٍ ثلاثةٍ، والثَّالثُ هوَ المنصوصُ عن أحْمَدَ (^١).
• وفي طيبِ ريحِ خُلوفِ فمِ الصَّائمِ عندَ اللهِ ﷿ معنيانِ:
* أحدُهُما: أن الصِّيامَ لمَّا كانَ سرًّا بينَ العبدِ وربِّهِ في الدُّنيا؛ أظْهَرَهُ اللهُ في الآخرةِ علانيةً للخلقِ؛ لِيَشْتَهِرَ بذلكَ أهلُ الصِّيامِ ويُعْرَفوا بصيامِهِم بينَ النَّاسِ جزاءً لإخفائِهِم صيامَهُم في الدُّنيا.
ورَوى أبو الشَّيخِ الأصبَهانِيُّ بإسنادٍ فيهِ ضعفٌ عن أنَسٍ مرفوعًا: "يَخْرُجُ الصَّائمونَ مِن قبورِهِم يُعْرَفونَ بريحِ أفواهِهِم، أفواهُهُم أطيبُ مِن ريحِ المسكِ" (^٢).
قالَ مَكْحولٌ: يُرَوَّحُ أهلُ الجنَّةِ برائحةٍ. فيَقولونَ: ربَّنا! ما وَجَدْنا ريحًا منذُ دَخَلْنا الجنَّةَ أطيبَ مِن هذهِ الرِّيحِ. فيُقالُ: هذهِ ريحُ أفواهِ الصَّائمينَ.
وقد تَفوحُ رائحةُ الصِّيامِ في الدُّنيا فتُسْتَنْشَقُ قبلَ الآخرةِ، وهوَ نوعانِ:
_________________
(١) الاستدلال لكراهة السواك للصائم في وقت ما بقوله - ﷺ -: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" فيه نظر من وجوه: أوَّلها: أنّه لو كان استدلالًا صحيحًا لسبق إليه النبيّ - ﷺ - وأصحابه الكرام أسبق الخلق إلى كلّ خير، ولكنهم لم يفعلوا، بل ثبت عن عمر وابن عمر وغيرهما خلافه. والثاني: أنّ السواك لا يزيل خلوف فم الصائم مهما تكرّر، وإنَّما يزيل روائح القلح وجفاف اللعاب وتفسّخ فضلات الطعام بين الأضراس، وتبقى خلوف فم الصائم ورائحة صيامه تنبعث من فمه وجوفه كما هو مشهود. والثالث: أنّ الله تعالى يحبّ أيضا أن يقبل الناس على الصلاة في رمضان ويتراصّوا فيها ويتآلفوا ولا يؤذي بعضهم بعضًا بالروائح المنفّرة، وهذا لا يحصل بغير السواك الذي يزيل الأذيّة ويبقي الخلوف التي يحبّها الله. وعليه؛ فاستحباب السواك في كلّ حال والحضّ عليه عند كلّ وضوء باق على عمومه للصائم وغيره في رمضان وغيره قبل الزوال وبعده، وإلى هذا مال جماعة كثر من أهل العلم، يحضرني الآن منهم عمر وابنه وابن عبّاس وأبو هريرة وعروة بن الزبير والشعبي والنخعي والإمام أحمد والبخاري وابن تيميّة وابن القيّم. والله أعلى وأعلم.
(٢) (ضعيف). رواه أبو الشيخ في "الثواب" ولم أقف عليه فحسبي فيه شهادة ابن رجب بضعفه.
[ ٣٧٦ ]
أحدُهُما: ما يُدْرَكُ بالحواسِّ الظَّاهرةِ.
كانَ عَبْدُ اللهِ بنُ غالِبٍ مِن العبَّادِ المجتهدينَ في الصَّلاةِ والصَّومِ، فلمَّا دُفِنَ؛ كانَ يَفوحُ مِن ترابِ قبرِهِ رائحةُ المسكِ، فرُئِيَ في المنامِ، فسُئِلَ عن تلكَ الرَّائحةِ التي توجَدُ مِن قبرِهِ، فقالَ: تلكَ رائحةُ التِّلاوةِ والظَّمإِ (^١).
والنَّوع الثَّاني: ما تَسْتَنْشِقُهُ الأرواحُ والقلوبُ، فيُوجِبُ ذلكَ للصَّائمينَ المخلصينَ المودَّةَ والمحبَّةَ في قلوبِ المؤمنينَ.
وفي حديثِ الحارِثِ الأشْعَرِيِّ عن النَّبي - ﷺ -: "إنَّ [يَحْيى بنَ] (^٢) زَكَرِيَّا ﵇ قالَ لبني إسْرائيلَ: آمُرُكُم بالصِّيامِ؛ فإن مَثَلَ ذلكَ كمَثَلِ رجلٍ في عصابةٍ، معَهُ صرَّةٌ فيها مسكٌ، فكلُّهُم يُعْجِبُهُ ريحُهُ، وإنَّ ريحَ الصَّائمِ عندَ اللهِ أطيبُ مِن ريحِ المسكِ" (^٣). خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وغيرُهُ.
_________________
(١) راجع ما تقدّم في هذا وأمثاله (ص ٩٦).
(٢) زيادة لا بدّ منها مستفادة من "سنن الترمذي" (٢٨٦٣) وحاشية ن.
(٣) (صحيح). قطعة من حديث الكلمات التي أُمر يحيى - ﷺ - أن يبلّغها بني إسرائيل. رواه معمر في "الجامع" (٢٠٧٠٩) عن يحيى بن أبي كثير بلاغا. ووصله: الطيالسي (١١٦١ و١١٦٢)، وابن سعد (٤/ ٤٩٤)، وأحمد (٤/ ١٣٠ و٢٠٢)، والبخاري في "التاريخ" (٢/ ٢٦٠)، والترمذي (٤٥ - الأمثال، ٣ - مثل الصلاة والصيام، ٥/ ١٤٨/ ٢٨٦٣ و٢٨٦٤)، وابن أبي عاصم في "السنّة" (١٠٣٦)، والبزّار (٦٩٥)، وابن نصر في "الصلاة" (١٢٤ - ١٢٧)، والنسائي في "الكبرى" (٣٢٧٤ - تحفة)، وأبو يعلى (١٥٧١)، وابن خزيمة (٤٨٣ و٩٣٠ و١٨٩٥)، وابن قانع في "المعجم" (١/ ١٦٧)، وابن حبّان (٦٢٣٣)، والطبراني (٣/ ٢٨٥/ ٣٤٢٧ - ٣٤٣١)، وابن منده في "الإيمان" (٢١٢)، والحاكم (١/ ١١٧ و١١٨ و٢٣٦ و٤٢١)، والبيهقي (٨/ ١٥٧)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢١/ ٢٧٩)، وابن عساكر في "التاريخ (٦٤/ ١٨٦ - ١٨٤)، وابن الأثير في "الغابة" (١/ ٣٨٣)، والمزّي في "التهذيب" (٥/ ٢١٧)؛ من طرق، عن يحيى بن أبي كثير تارة وعن معاوية بن سلام تارة أُخرى، كلاهما عن زيد بن سلام، عن أبي سلام ممطور، عن الحارث الأشعري … رفعه. وهذا سند صحيح. وقد أغمض الشيخان عن عنعنة ابن أبي كثير فخرّجاها في مواضع، على أنّه صرّح بالتحديث عند أبي يعلى وابن حبّان وتوبع كما ترى. وله شاهد من حديث علي عند: عبد الرزّاق (٥١٤١)، والبزّار (٣٣٧ - كشف). وآخر من حديث ابن مسعود عند البيهقي في "الشعب" (٥٣٨). والحديث؛ قال الترمذي في الموضعين: "حسن صحيح غريب". قال: "قال محمّد بن إسماعيل [يعني: البخاري]: الحارث الأشعريّ له صحبة وله غير هذا الحديث". وصحّحه ابن خزيمة وابن حبّان والحاكم والذهبي والمنذري والألباني.
[ ٣٧٧ ]
لمَّا كانَ معاملةُ المخلصينَ بصيامِهِم لمولاهُم سرًّا بينَهُ وبينَهُم، أظْهَرَ اللهُ سرَّهُم لعبادِهِ فصارَ علانيةً، فصارَ هذا التَّجلِّي والإظهار جزاءً لذلكَ الصَّونِ والإسرار.
في الحديثِ: "ما أسَرَّ أحدٌ سريرةً إلَّا ألْبَسَهُ اللهُ رداءَها علانيةً" (^١).
قالَ يوسُفُ بنُ أسْباطٍ: أوْحى اللهُ تَعالى إلى نبيٍّ مِن الأنبياءِ: قُلْ لقومِكَ يُخْفونَ لي أعمالَهُم وعليَّ أظهارُها لهُم.
تَذَلُّلُ أرْبابِ الهَوى في الهَوى عِزُّ … وَفَقْرُهُمُ نَحْوَ الحَبيبِ هُوَ الكَنْزُ
وَسَتْرُهُمُ فيهِ السَّرائِرَ شُهْرَةٌ … وَغَيْرُ تَلافِ النَّفْسِ فيهِ هُوَ العَجْزُ
* والمعنى الثَّاني: أن مَن عَبَدَ الله وأطاعَهُ وطَلَبَ رضاهُ في الدُّنيا بعملٍ، فنَشَأ مِن
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). وقد جاء عن النبيّ - ﷺ - من وجوه: • فرواه: الطبراني في "الكبير" (٢/ ١٧١/ ١٧٠٢) و"الأوسط" (٧٩٠٢)، والذكواني في "اثنا عشر مجلسًا" (٢٣٧ - الضعيفة)؛ من طريق الفضل بن موسى، عن [محمّد] بن عبيد الله العرزمي، عن سلمة بن كهيل، عن جندب بن سفيان … رفعه. قال الهثمي (١٠/ ٢٢٨): "فيه حامد بن آدم وهو كذّاب". قلت: تابعه ابن أبي رزمة عن الفضل عند الذكواني، لكن في الطريق إليه الجعابي وهو ضعيف. ثمّ هاهنا علّة أُخرى، وهي العرزميّ هذا؛ فإنّه متروك، وهو آفة هذا السند. * ورواه البيهقي في "الشعب" (٦٩٤٣) من طريق يوسف بن عطيّة، عن ثابت، عن أنس … رفعه. وهذا ساقط: يوسف متروك، وقد خالف رواية الثقات عند البيهقي (٦٩٤٤) عن ثابت: كان يقال … فذكره. * ورواه: ابن جرير (١٤٤٥١)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (٨٣٤٢)؛ من طريق سليمان بن أرقم، عن الحسن، رأيت عثمان على المنبر … فذكره مرفوعًا. وهذا ساقط: الحسن لعلّه رأى عثمان لكن لا يثبت له منه سماع. وسليمان متروك متّهم، وقد خالف من رواه عن الحسن مرسلًا عند أبي الشيخ (الأعراف ٢٦ - الدرّ) والغالب أنّه خير منه، أو خالف من رواه عن عثمان موقوفًا كما سيأتي بعده. * ورواه: ابن عدي (٢/ ٧٨٩)، وأبو نعيم في "الحلية" (١٠/ ٢١٥)، والقضاعي (٥١٠ و٥١١)، والبيهقي في "الشعب" (٦٩٤٢)، والخطيب في "التاريخ" (٢/ ٤٦٠)؛ من طريق حفص بن سليمان، عن علقمة بن مرثد، [عن سعد بن عبيد] عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان … رفعه. وهذا ساقط: حفص واه متروك، وقد خالف رواية الثقات عند البيهقي (٦٩٤١) عن عثمان موقوفًا. قال البيهقي: "هذا هو الصحيح موقوفًا عن عثمان وقد رفعه بعض الضعفاء". * ورواه أبو نعيم في "الحلية" (٥/ ٣٦) من طريق روح بن مسافر، عن زبيد، عن مرّة، عن ابن مسعود … رفعه. قال أبو نعيم: "لم نكتبه إلّا من هذا الوجه". قلت: روح متّهم متروك، والسند ساقط. فهذه خمسة أوجه ساقطة لهذا المتن، لا يخلو وجه منها من متّهم أو متروك، وأكثرها جمع إلى ذلك المخالفة والنكارة، فاجتماعها لا يغني عنها شيئًا، والحديث ساقط، وقد أعلّه ابن عدي وأبو نعيم والبيهقي وابن كثير والهيثمي وقال الألباني: "ضعيف جدًّا".
[ ٣٧٨ ]
عملِهِ آثارٌ مكروهةٌ للنُّفوسِ في الدُّنيا؛ فإنَّ تلكَ الآثارَ غيرُ مكروهةٍ عندَ اللهِ، بل هيَ محبوبةٌ لهُ وطيِّبةٌ عندَهُ؛ لكونها نَشَأتْ عن طاعتِهِ واتِّباعِ مرضاتِهِ. فإخبارُهُ بذلكَ للعاملينَ في الدُّنيا فيهِ تطييبٌ لقلوبِهِم؛ لئلّا يُكْرَهَ منهُم ما وُجِدَ في الدُّنيا.
قالَ بعضُ السَّلفِ: وَعَدَ اللهُ موسى ﵇ ثلاثينَ ليلةً أنْ يُكَلِّمَهُ على رأْسِها، فصامَ ثلاثينَ يومًا، ثمَّ وَجَدَ مِن فيهِ خُلوفًا، فكَرِهَ أنْ يُناجِيَ ربَّهُ على تلكَ الحالِ، فأخَذَ سواكًا فاسْتاكَ بهِ، فلمَّا أتى لموعدِ اللهِ إيَّاهُ؛ قالَ لهُ: يا موسى! أما عَلِمْتَ أن خُلوفَ فمِ الصَّائمِ أطيبُ عندَنا مِن ريحِ المسكِ، ارْجِعْ فصُم عشرةً أُخرى (^١).
ولهذا المعنى كانَ دمُ الشَّهيدِ ريحُهُ يومَ القيامةِ كريحِ المسكِ، وغبارُ المجاهدينَ في سبيلِهِ ذريرةَ أهلِ الجنَّةِ، وَرَدَ في ذلكَ حديثٌ مرسلٌ (^٢).
كلُّ شيءٍ ناقصٍ في عرفِ النَّاسِ في الدُّنيا إذا انْتَسَبَ إلى طاعتِهِ ورضاهُ فهوَ الكاملُ في الحقيقةِ.
خُلوفُ أفواهِ الصَّائمينَ لهُ أطيبُ مِن ريحِ المسكِ، عُرْيُ المحرمينَ لزيارةِ بيتِهِ أجملُ مِن لباسِ الحللِ، نَوْحُ المذنبينَ على أنفسِهِم مِن خشيتِهِ أفضلُ مِن التَّسبيحِ، انكسارُ المخبتينَ لعظمتِهِ هوَ الجبرُ، ذلُّ الخائفينَ مِن سطوتِهِ هوَ العزُّ، تهتكُ المحبِّينَ في محبَّتِهِ أحسنُ مِن السَّترِ، بذلُ النُّفوسِ للقتلِ في سبيلِهِ هوَ الحياةُ، جوعُ الصَّائمينَ لأجلِهِ هوَ الشِّبعُ، عطشُهُم في طلبِ مرضاتِهِ هوَ الرِّيُّ، نَصَبُ المجتهدينَ في خدمتِهِ هوَ الرَّاحةُ.
ذُلُّ الفَتى في الحُبِّ مَكْرُمَةٌ … وَخُضوعُهُ لِحَبيبِهِ شَرَفُ
هَبَّتِ اليومَ على القلوبِ نفحةٌ مِن نفحاتِ نسيمِ القربِ.
_________________
(١) كذا ذكره كثير من المفسّرين، والظاهر أنّه من الإسرائيليّات، وقد جاء مرفوعًا عند الديلمي في "الفردوس"، ولا يصحّ.
(٢) (ضعيف). رواه: ابن أبي شيبة (١٩٣٥٩)، وأبو داوود في "المراسيل" (٣٠٥)، والنسائي في "الكبرى" (٣٦٠١ - تحفة) وفي "الكنى" (١/ ٥٠٥ - إصابة)، والبغوي في "الصحابة" (١/ ٥٠٥ - إصابة)، والطبراني (٥/ ٦٩/ ٤٦٠٨)، وابن منده في "الصحابة" (١/ ٥٠٥ - إصابة)؛ من طريق قويّة، عن وبرة الحارثي أبي كرز، عن الربيع بن زيد (أو: الربيع بن زياد، أو: ربيعة بن زيد) … رفعه. قال الهيثمي (٥/ ٩٠): "رجاله ثقات". قلت: فيه علّتان: أولاهما: أنّ وبرة هذا مجهول الحال. والثانية: أنّه لا تثبت للربيع صحبة، ولذلك عدّ أبو داوود والمنذري وغيرهما هذا الحديث في المراسيل.
[ ٣٧٩ ]
سَعى سمسارُ المواعظِ للمهجورينَ في الصُّلحِ.
وَصَلَتِ البشارةُ للمنقطعينَ بالوصلِ وللمذنبينَ بالعفوِ وللمستوجبينَ النَّارَ بالعتقِ.
لمَّا سُلْسِلَ الشَّيطانُ في شهرِ رمضانَ وخَمَدَتْ نيرانُ الشَّهواتِ بالصِّيامِ؛ انْعَزَلَ سلطانُ الهوى، وصارَتِ الدَّولةُ لحاكمِ العقلِ بالعدلِ، فلم يَبْقَ للعاصي عذرٌ.
يا غيومَ الغفلةِ عن القلوبِ تَقَشَعي! يا شُموسَ التَّقوى والإيمانِ اطْلُعي! يا صحائفَ أعمالِ الصَّالحينَ ارْتَفِعي! يا قلوبَ الصَّائمينَ اخْشَعي! يا أقدامَ المجتهدينَ اسْجُدي لربكِ وارْكَعي! يا عيونَ المتهجِّدينَ لا تَهْجَعي! يا ذنوبَ التَّائبينَ لا تَرْجِعي! يا أرضَ الهوى ابْلَعي ماءَكِ ويا سماءَ النُّفوسِ أقْلِعي! يا بُروقَ الأشواقِ للعشَّاقِ الْمَعي! يا خواطرَ العارفينَ ارْتَعي! يا هممَ المحبِّينَ بغيرِ اللهِ لا تَقْنَعي! يا جُنَيْدُ اطْرَبْ، يا شِبْلِيُّ احْضُرْ، يا رابعةُ اسْمَعي! قد مُدَّتْ في هذهِ الأيامِ موائدُ الإنعامِ للصُّوَّامِ فما منكُم إلَّا مَن دُعي. يا قومَنا أجِيبوا داعيَ اللهِ، ويا هممَ المؤمنينَ أسْرِعي! فطوبى لمَن أجابَ فأصابَ، وويلٌ لمَن طُرِدَ عن البابِ وما دُعي!
سَألْتُكِ يا بانَةَ الأجْرَعي … مَتى رُفِعَ الحَيُّ مِنْ لَعْلَعي
وَهَلْ مَرَّ قَلْبي مَعَ الظَّاعِنيـ … ـنَ أمْ خارَ ضَعْفًا فَلَمْ يَتْبَعي
رَحَلْنا ووافَقَنا الصَّادِقونَ … وَلَمْ يَتَخَلَّفْ سِوى مُدَّعي
لَيْتَ شِعْري إنْ جِئْتُهُمْ يَقْبَلوني … أمْ تُراهُمْ عَنْ بابِهِم يَصْرِفوني
أمْ تُراني إذا وَقَفْتُ لَدَيْهِمْ … يَأْذَنوا بِالدُّخولِ أمْ يَطْرُدوني (^١)