في أيام التشريق
خَرَّجَ مُسْلِمٌ في "صحيحه" (^١) مِن حديثِ: نُبَيْشَةَ الهُذَلِيِّ؛ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قالَ: "أيَّامُ مِنًى أيَّامُ أكلٍ وشربٍ وذِكْرِ اللهِ ﷿".
وخَرَّجَهُ أهلُ السُّننِ والمسانيدِ مِن طرقٍ متعدِّدةٍ عنِ النَّبيِّ - ﷺ -:
وفي بعضِها: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - بعَثَ في أيَّامِ منًى مناديًا يُنادي: "لا تَصوموا هذهِ الأيَّامَ؛ فإنَّها أيَّامُ أكلٍ وشربٍ وذكرِ اللهِ ﷿" (^٢).
وفي روايةٍ للنَّسائِيِّ: "أيَّامُ أكلٍ وشربٍ وصلاةٍ" (^٣).
_________________
(١) (١٣ - الصيام، ٢٣ - صوم أيّام التشريق، ٢/ ٨٠٠/ ١١٤١).
(٢) (صحيح). رواه: ابن سعد (٢/ ١٨٧، ٤/ ١٩٠)، وأحمد (٢/ ٥١٣ و٥٣٥)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٨١٧)، والنسائي في "السنن الكبرى" (٢٨٨٠ - ٢٨٨٤)، وابن جرير (٣٤٧٦)، والطحاوي (٢/ ٢٤٤)، وابن قانع (٢/ ٩٨/ ٥٤٧)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (٨٢١٣)، وابن عدي (٤/ ١٥٣٦)، والدارقطني (٢/ ٨٧ و٢١٣)، والخطيب (١٤/ ٢٧٧)، وابن عبد البرّ (١٢/ ١٢٤، ٢١/ ٢٣٢)؛ من طرق، عن الزهري، (قال مرّة: إنّ النبيّ - ﷺ - بعث عبد الله بن حذافة، ومرّة: عن ابن المسيّب عن عبد الله بن حذافة، ومرّة: عن ابن المسيّب عن أبي هريرة، ومرّة: عن مسعود بن الحكم الزرقي عن رجل من الصحابة صرّح مرّة بأنّه عبد الله بن حذافة) … رفعه بهذا اللفظ بطوله حينًا ودون قوله "لا تصوموا" حينًا. والإرسال هنا لا يضرّ لأنّ الوصل زيادة جماعة من الثقات. والاختلاف على الزهريّ لا يضرّ لأنّه تردّد بين أوجه صحيحة، وليس بغريب على الزهري أن يكون سمعه من أكثر من وجه، فإن كان لا بدّ من الترجيح؛ فالوجه الأخير. ورواه: مالك في "الموطّأ" (١/ ٣٧٦)، وأحمد (٣/ ٤٩٤)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٣٤٤٥)، والنسائي في "الكبرى" (٢٨٧٥ - ٢٨٧٨)، والطحاوي (٢/ ٢٤٦)، وابن قانع في "المعجم" (٢/ ٩٨/ ٥٤٧)، والطبراني (٣/ ١٥٧/ ٢٩٨٧)، وأبو الشيخ (٢/ ٣٩١)، والدارقطني (٢/ ٢١٢)؛ من طرق، عن سليمان بن يسار، (أرسله مرّة، وقال مرّة: عن حمزة الأسلمي، ومرّة: عن عبد الله بن حذافة، ومرّة: عن مسعود بن الحكم عن أُمّه) … رفعه دون قوله "لا تصوموا". والكلام فيه كالكلام في الذي قبله. ورواه الحاكم (١/ ٤٣٤) من طريق أُخرى عن مسعود عن أُمّه وصحّحه على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وله شاهد عند الطحاوي (٢/ ٢٤٤) بسند لا بأس به عن عائشة. وآخر صالح عند: أحمد (٢/ ٢٢٩)، والطحاوي (٢/ ٢٤٥)، وابن حبّان (٣٦٠٢)؛ عن أبي هريرة. وثالث عند: الطبراني في "المعجم الأوسط" (٧٠٥٢)، وأبي الشيخ في "الطبقات" (١/ ٢٦٣)؛ بسند ضعيف من حديث ابن عبّاس. ورابع عند الرافعي في "التدوين" (٣/ ١٤١) بسند ضعيف عن خالد الزرقي.
(٣) (ضعيف). رواه: البزّار (٢/ ٢٠٩ - التلخيص الحبير)، والنسائي في "الكبرى" (٢٩٠٢)؛ من =
[ ٦٣٤ ]
وفي روايةٍ للدَّارَقُطْنِيِّ بإسنادٍ فيهِ ضعفٌ: "أيَّامُ أكلٍ وشربٍ وبعالٍ" (^١).
وفي روايةٍ للإمامِ أحْمَدَ: "مَن كانَ صائمًا؛ فلْيُفْطِرْ؛ فإنَّها أيَّامُ أكلٍ وشربٍ" (^٢)
_________________
(١) = طريق شريك، عن أشعث بن سليم، عن أبيه، عن ابن عمرو … رفعه. وهذا سند رجاله ثقات رجال الشيخين إلّا شريكًا فإنّه كثير الخطأ لا يعدو حديثه أن يكون صالحًا في الشواهد، وقد تفرّد بهذا دونما شاهد، فحقّه التضعيف.
(٢) (صحيح لشواهده). وقد جاء من حديث جماعة من الصحابة: فرواه الدارقطني (٤/ ٢٨٣) من حديث أبي هريرة بسند فيه سعيد بن سلاّم العطّار، وسعيد كذّاب. ورواه (٢/ ٢١٢) من حديث عبد الله بن حذافة، ثمّ ضعّفه بالواقدي، وحديث الواقدي ساقط. ورواه الطحاوي (٢/ ٢٤٤) من حديث سعد بسند فيه محمّد بن أبي حميد المدني واه منكر الحديث. ورواه الطبراني (١١/ ٢٣٢/ ١١٥٨٧) من طريق إبراهيم بن إسماعيل، ثنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داوود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عبّاس … رفعه. وحسّن الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٢٠٦) إسناده. وردّه الألباني في "تمام المنّة" (ص ٤٠٣) بقوله: (إبراهيم ابن أبي حبيبة ضعّفه الجمهور من قبل حفظه". قلت: والراوي عنه إبراهيم اليشكري مجهول الحال. وشيخه داوود بن الحصين منكر الحديث عن عكرمة. فالسند ساقط. ورواه: ابن أبي شيبة (١٥٢٦٠)، وإسحاق (١/ ٢٦٦/ ١)، وعبد بن حميد (١٥٦٢)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٣٣٧٦)، وأبو يعلى (٢/ ٢٠٨ - التلخيص الحبير)، والطحاوي (٢/ ٢٤٥)؛ من طريق موسى بن عبيدة، أني المنذر بن جهم، عن عمرو بن خلدة الزرقي، عن أُمّه … رفعته. قال العسقلاني: "في إسناده موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف". قلت: والمنذر بن الجهم مستور. ورواه: النسائي في "الكبرى" (٢٨٨٥) معلّقًا، والبيهقي (٤/ ٢٩٨)؛ من طريق يوسف بن مسعود بن الحكم الزرقي، عن جدّته … رفعته. ويوسف مجهول. ورواه الفاكهي في "مكّة" (٢٥٦٣) من طريق قويّة، عن سفيان، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه؛ أنّه - ﷺ - بعث بديل بن ورقاء … فذكره. وهذا مرسل قويّ. ورواه: ابن يونس في "تاريخ مصر" (٢/ ٢٠٨ - التلخيص الحبير)، وابن الأثير في "الغابة" (٥/ ٤٧٧ و٤٩٤) معلّقًا، والعسقلاني في "الإصابة" (٤/ ٤٨١) معلّقًا؛ من طريق يزيد بن عبد الله بن الهاد، [عن عبد الله بن أبي سلمة]، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن أُمّه … رفعته. فإن سلمت الطريق إلى يزيد، وما أظنّها إلّا سليمة؛ فالسند صحيح رجاله ثقات محتجّ بهم في "الصحيح". فإن لم تصحّ زيادة "البعال" من الوجه الأخير وحده؛ فهي صحيحة بمجموع الطرق الأربعة الأخيرة الموصولة والمرسلة، ولذلك قال العسقلاني في "الفتح" (٢/ ٤٦٠): "ثبت أنّها أيّام أكل وشرب وبعال". وأمّا الألباني؛ فضعّفه بالنظر إلى طريق الطبراني لحديث ابن عبّاس وحده، ولو قيّض له يرحمه الله الاطّلاع على سائر طرقه لكان له فيما أظنّ موقف آخر. والله أعلم.
(٣) (صحيح لشواهده). رواه: أحمد (٥/ ٢٢٤)، والبغوي في "الصحابة" (٢/ ١٤٩ - إصابة)؛ من طريق معمر، عن الزهري، عن مسعود بن الحكم، عن رجل من الصحابة … رفعه بهذا اللفظ. وهذا سند قويّ، لكن وقع فيه خلاف تقدّم بسطه قبل قيل.
[ ٦٣٥ ]
وفي روايةٍ: "إنَّها لَيْسَتْ أيَّامُ صيامٍ" (^١).
• أيَّامُ منًى هيَ الأيَّامُ المعدوداتُ التي قالَ اللهُ تَعالى فيها: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ في أيَّامٍ مَعْدوداتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. وهيَ ثلاثةُ أيَّامٍ بعدَ يومِ النَّحرِ. وهيَ أيَّامُ التَّشريقِ. هذا قولُ ابنِ عُمَرَ وأكثرِ العلماءِ. ورُوِيَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ وعَطاءٍ أنَّها أربعةُ أيَّامٍ: يومُ النَّحرِ، وثلاثةُ أيَّامٍ بعدَهُ، وسَمَّاها عَطاءٌ أيَّامَ التَّشريقِ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
وقد قالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "أيَّامُ منى ثلاثةٌ، فمَن تَعَجَّلَ في يومينِ فلا إثمَ عليهِ ومَن تَأخَّرَ فلا إثمَ عليهِ" (^٢). خَرَّجَهُ أهلُ السُّننِ الأربعةِ مِن حديثِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ يَعْمَرَ عنِ النَّبيِّ - ﷺ -. وهذا صريحٌ في أنَّها أيَّامُ التَّشريقِ.
وأفضلُها أوَّلُها، وهوَ يومُ القَرِّ؛ لأنَّ أهلَ منى يَسْتَقِرُّونَ فيهِ ولا يَجوزُ فيهِ النَّفرُ. وفي حديثِ: عَبْدِ اللهِ بنِ قُرْطٍ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -: "أعظمُ الأيَّامِ عندَ اللهِ يومُ النَّحرِ ويومُ القرِّ" (^٣).
وقد رُوِيَ عن سَعيدِ بنِ المُسَيَّبِ أنَّ يومَ الحجِّ الأكبرِ هوَ يومُ القرِّ. وهوَ غريبٌ. ثمَّ يومُ النَّفرِ الأوَّلِ وهوَ أوسطُها.
_________________
(١) = وله شاهد عند: الطبراني في "الأوسط" (٣٥٥٠)، والحاكم (٢/ ٢٥٠)، والعسقلاني في "الإصابة" (٤/ ٢٧١)؛ من طريق قويّة، عن عيسى بن مسعود بن الحكم، عن جدّته حبيبة بنت شريق … رفعته بهذا اللفظ. وعيسى بن مسعود حسن في الشواهد على الأقلّ. وهذا اللفظ لا ينزل عن الحسن بمجموع طريقيه، وهو صحيح بشواهده المتقدّمة والتالية.
(٢) (حسن صحيح). رواه: ابن سعد (٢/ ١٨٧)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٣٤٤٦)، والنسائي في "الكبرى" (٢٨٨٦ - ٢٨٨٨)، وأبو يعلى (٤٦١)، والحاكم (١/ ٤٣٤)، وابن الأثير في "الغابة" (٥/ ٤٩٤)؛ من طرق، عن ابن إسحاق، (قال مرّة: عن حكيم بن حكيم بن عبّاد، وقال مرّة: حدّثني من سمع عبد الله بن أبي سلمة ولا أراني إلَّا سمعته منه، وقال مرّة: حدّثني عبد الله بن أبي سلمة)، عن مسعود بن الحكم الزرقي، ثتني أُمّي … رفعته بهذا اللفظ. قال الحاكم: "على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي. قلت: مسعود ثقة وله رؤية. وعبد الله بن أبي سلمة ثقة، وحكيم صدوق. وابن إسحاق صدوق جزم بالتحديث مرّة وشكّ مرّة، فالعمل على اليقين، وروايته للحديث عن شيخين لا تضرّه، فالراجح أنّه حمله عنهما، والّا فهو تردّد بين ثقتين. وهذا اللفظ حسن لذاته صحيح لشواهده المتقدّمة.
(٣) (صحيح). قطعة من حديث أوّله "الحجّ عرفة" وقد تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٦٠٩).
(٤) (صحيح). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٥٩١).
[ ٦٣٦ ]
ثمَّ يومُ النَّفرِ الثَّاني وهوَ آخرُها.
قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. قالَ كثيرٌ مِن السَّلفِ: يُريدُ أنَّ المتعجِّلَ والمتأخِّرَ يُغْفَرُ لهُ ويَذْهَبُ عنهُ الإثمُ الذي كانَ عليهِ قبلَ حجِّهِ إذا حَجَّ فلم يَرْفُثْ ولمْ يَفْسُقْ ويَرْجِعُ مِن ذنوبِهِ كيومَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. ولهذا قالَ تَعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ [البقرة: ٢٠٣]، فتكونُ التَّقوى شرطًا لذهابِ الإثمِ على هذا التَّقديرِ، وتَصيرُ الآيةُ دالَّةً على ما صَرَّحَ بهِ قولُ النبيِّ - ﷺ -: "مَن حَجَّ فلمْ يَرْفُثْ ولمْ يَفْسُقْ؛ رَجَعَ مِن ذنوبِهِ كيومَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" (^١).
• وقد أمَرَ اللهُ تَعالى بذكرِهِ في هذهِ الأيَّامِ المعدوداتِ، كما قالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "إنَّها أيَّامُ أكلٍ وشربٍ وذكرِ اللهِ تَعالى" (^٢).
فذكرُ اللهِ المأْمورُ بهِ في أيَّامِ التَّشريقِ أنواعٌ متعدِّدةٌ:
* منها: ذكرُ اللهِ تَعالى عقيبَ الصَّلواتِ المكتوباتِ بالتَّكبيرِ في أدبارِها. وهوَ مشروعٌ إلى آخرِ أيَّامِ التَّشريقِ عندَ جمهورِ العلماءِ، وقد رُوِيَ عن عُمَرَ وعَلِيٍّ وابنِ عَبَّاسٍ، وفيهِ حديثٌ مرفوعٌ في إسنادِهِ ضعفٌ (^٣).
* ومنها: ذكرُهُ بالتَّسميةِ والتَّكبيرِ عندَ ذبحِ النُّسكِ؛ فإنَّ وقتَ ذبحِ الهدايا والأضاحي يَمْتَدُّ إلى آخرِ أيَّامِ التَّشريقِ عندَ جماعةٍ مِن العلماءِ، وهوَ قولُ الشَّافِعِيِّ
_________________
(١) متّفق عليه. تقدّم تفصيل القول في تخريجه (ص ١٥٠).
(٢) رواه مسلم. تقدّم تفصيل القول في تخريجه (ص ٦٣٤).
(٣) كأنّه يريد ما رواه: الدارقطني (٢/ ٤٩ - ٥٠)، والبيهقي (٣/ ٣١٥)؛ من حديث عمرو بن شمّر، عن جابر الجعفي، (قال مرّة: عن أبي الطفيل عن علي وعمّار، ومرّة: عن أبي جعفر عن عليّ بن الحسين عن جابر، ومرّة: عن محمّد بن علي عن جابر، ومرّة: عن أبي جعفر وعبد الرحمن بن سابط عن جابر)؛ أنّه - ﷺ - كان يكبّر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيّام التشريق حين يسلّم من المكتوبات. وعمرو بن شمّر كذّاب خبيث، وجابر الجعفيّ متّهم متروك. والحديث ساقط موضوع. قال العسقلاني في "الفتح" (٢/ ٤٦٢):"ولم يثبت في شيء من ذلك عن النبيّ - ﷺ - حديث، وأصحّ ما ورد فيه عن الصحابة قول عليّ وابن مسعود: إنّه من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر أيّام منى". قلت: وهذا النصّ كما ترى لا يدلّ على اختصاص استحباب التكبير أيّام التشريق بوقت دون وقت، بل هو مستحبّ كلّ وقت في تلك الأيّام، عقيب الفرائض والسنن وعند النوم واليقظة وكلّ حين
[ ٦٣٧ ]
وروايةٌ عنِ [الإمامِ] أحْمَدَ، وفيهِ حديثٌ مرفوعٌ: "كلُّ أيَّامِ منى ذبحٌ" (^١)، وفي إسنادِهِ مقالٌ، وأكثرُ الصَّحابةِ على أنَّ الذَّبحَ يَخْتَصُّ بيومينِ مِن أيَّامِ التَّشريقِ معَ يومِ النَّحرِ، وهوَ المشهورُ عن أحْمَدَ، وهوَ قولُ مالِكٍ وأبي حَنِيفَةَ والأكثرينَ (^٢).
_________________
(١) (ضعيف). يرويه سليمان بن موسى واختلف عليه فيه على وجوه: روى أوّلها: أحمد (٤/ ٨٢)، والبزّار (٨/ ٣٦٣/ ٣٤٤٣ و٣٤٤٤)، وابن حبّان (٣٨٥٤)، والطبراني (٢/ ١٣٨/ ١٥٨٣)، وابن عدي (٣/ ١١١٨)، والدارقطني (٤/ ٢٨٤)، وابن حزم في "المحلّى" (٧/ ١٨٨)، والبيهقي (٥/ ٢٣٩، ٩/ ٢٩٥ - ٢٩٦)؛ من طرق ثلاث قويّة، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان، [قال مرّة: عن عبد الرحمن بن أبي حسين، وقال مرّة: عن نافع بن جبير، وأسقطه مرّة]، عن جبير بن مطعم … رفعه. وأقوى الروايات هنا رواية من أسقط الواسطة بين سليمان وجبير وهي منقطعة. وزيادة ابن أبي حسين بينهما زيادة ثقة، ولكنّ ابن أبي حسين مجهول لم يلق جبيرًا، فعاد الأمر إلى الضعف والانقطاع. وزيادة نافع بينهما زيادة منكرة تفرّد بها سويد بن سعيد وهو واه شبه المتروك. وروى الوجه الثاني: الطبراني في "الشاميّين" (١٥٥٦)، والدارقطني (٤/ ٢٨٤)، والبيهقي (٩/ ٢٩٦)؛ من طريق أبي معيد حفص بن غيلان، عنه، (قال مرّة: عن محمّد بن المنكدر، ومرّة: عن عمرو بن دينار)، عن جبير … رفعه. وحفص صدوق مقبول الزيادة، لكنّه تردّد بين ثقتين، كلاهما لم يدرك جبيرًا، فعاد الأمر إلى الانقطاع. وذكر الوجه الثالث ابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٣/ ١٩٧) معلّقًا من طريق إسماعيل بن عيّاش، عن سليمان، عن نافع بن جبير، عن أبيه … رفعه. وهذا قويّ إن صحّت الطريق إلى إسماعيل؛ لأنّ روايته عن الشاميّين جيّدة وهذا منها. وخلاصة القول هنا: أنّنا إن قلنا بالترجيح، فسعيد بن عبد العزيز مقدّم على حفص وإسماعيل لأنّه ثقة وحفص وإسماعيل صدوقان في أحسن الأحوال، فالوجه الأوّل هو الراجح، والحديث منقطع. وإن قبلنا رواية الثلاثة لأنّهم بين ثقة وصدوق، فالحديث مضطرب. نعم؛ رواه: ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢٣٩٦)، والبيهقي (٩/ ٢٩٦) في "السنن"؛ من طريق معاوية بن يحيى الصدفي، عن الزهريّ، [عن ابن المسيّب، عن أبي سعيد] عن النبيّ - ﷺ - … به. لكنّ معاوية هالك، وروايته عن الزهري شبه الموضوعة. وإلى تضعيف هذا الحديث مال أكثر أهل العلم: فقال البزّار: "حديث ابن أبي حسين هو الصواب، وابن أبي حسين لم يلق جبيرًا". وقال البيهقي: "الصحيح المرسل". وقال ابن القيّم: "منقطع لا يثبت وصله". وقال ابن رجب: "في إسناده مقال". وقال الهيثمي: "رجاله موثّقون". وقال العسقلاني: "في سنده انقطاع، ووصله الدارقطني ورجاله ثقات"، كذا في "الفتح" (١٠/ ٨)، ولكنّه عاد في "التلخيص" (٤/ ١٥٧) فقال: "ليس بمحفوظ"، وهو الأولى بقواعد علم الحديث. والله أعلم.
(٢) فيه نظر! فقد خصّ بعض الصحابة - ولا أقول أكثرهم - الذبح بالنحر ويومين بعده، وعمّه آخرون على النحر وأيّام التشريق الثلاثة. والذين عمّموا الذبح: معهم عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، والنحر من جملة أعمال هذه الأيّام، فمن تأخّر فيه إلى الثالث فلا إثم عليه. ومعهم أيضًا عموم قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، وآخر أيّام التشريق داخل في =
[ ٦٣٨ ]
* ومنها: ذكرُ اللهِ على الأكلِ والشُّربِ؛ فإنَّ المشروعَ في الأكلِ والشُّربِ أنْ يُسَمِّيَ اللهَ في أوَّلِهِ ويَحْمَدَهُ في آخرِهِ. وفي الحديثِ عنِ النَّبيِّ - ﷺ -: "إنَّ اللهَ ﷿ يَرْضى عنِ العبدِ أنْ يَأْكُلَ الأكلةَ فيَحْمَدَهُ عليها ويَشْرَبَ الشَّربةَ فيَحْمَدَهُ عليها" (^١). وقد رُوِيَ أنَّ مَن سَمَّى على أوَّلِ طعامِهِ وحَمِدَ اللهَ على آخرِهِ؛ فقد أدَّى ثمنَهُ ولمْ يُسْألْ بعدُ عن شكرِهِ (^٢).
* ومنها: ذكرُهُ بالتَّكبيرِ عندَ رميِ الجمارِ في أيَّامِ التَّشريقِ. وهذا يَخْتَصُّ بهِ أهلُ الموسمِ.
* ومنها: ذكرُ اللهِ تَعالى المطلقُ؛ فإنَّهُ يُسْتَحَبُّ الإكثارُ منهُ في أيَّامِ التَّشريقِ، وقد كانَ عُمَرُ يُكَبِّرُ بمنى في قبَّتِهِ فيَسْمَعُهُ النَّاسُ فيُكَبِّرونَ فتَرْتَجُّ منى تكبيرًا. وقد قالَ ﷿: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُروا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أوْ أشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ
_________________
(١) = هذه الأيّام المعلومات التي يذكر فيها اسم الله بلا ريب، فذكره على بهيمة الأنعام عند ذبحها كذلك. ومعهم أيضًا أنّ "الثلاثة تختصّ بكونها أيّام منى وأيّام الرمي وأيّام التشريق ويحرم صيامها، فهي إخوة في هذه الأحكام، فكيف تفترق في جواز الذبح بغير نصّ ولا إجماع". قاله ابن القيّم في "الهدي" (٢/ ٣١٩). والذي خصّصوا الذبح إنّما استندوا إلى قول بعض الصحابة، وقد تقدّم لك أنّ بعض الصحابة عمّموه أيضًا، وليس اتّباع أحدهم بأولى من اتّباع الآخر! ولذلك قال ابن القيّم في "الهدي" (٢/ ٣١٩) بعد أن أبطل استدلال المخصّصين بنهيه - ﷺ - عن ادّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث: "وقد قال عليّ بن أبي طالب ﵁: أيّام النحر يوم الأضحى وثلاثة أيّام بعده. وهو مذهب إمام أهل البصرة الحسن وإمام أهل مكّة عطاء بن أبي رباح وإمام أهل الشام الأوزاعي وإمام فقهاء أهل الحديث الشافعي ﵀ واختاره ابن المنذر". قلت: وإليه مال ابن حزم وابن تيميّة وابن القيّم وابن حجر والشوكاني والصنعاني وصديق حسن وسيّد سابق.
(٢) رواه مسلم (٤٨ - الذكر والدعاء، ٢٤ - حمده تعالى بعد الأكل، ٤/ ٢٠٩/ ٢٧٣٤) عن أنس.
(٣) (ضعيف). روى عبد الله بن أحمد (١/ ١٥٣) من طريق الجريريّ، عن أبي الورد، عن ابن أعبد، قال لي عليّ بن أبي طالب: يا ابن أعبد! هل تدري ما حقّ الطعام؟ تقول: بسم الله، اللهمّ بارك لنا فيما رزقتنا. قال: وتدري ما شكره؟ تقول الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا. قال الهيثمي (٥/ ٢٥): "ابن أعبد قال ابن المديني ليس بمعروف، وبقيّة رجاله ثقات". قلت: الجريريّ خلّط بأخرة. وروى ابن السنّي (٤٦٩) من طريق صحيحة، عن سعيد بن أبي هلال، عمّن حدّثه؛ أنّ رسول الله - ﷺ - قال: "من قال حين يفرغ من طعامه: الحمد لله الذي أطعمني فأشبعني وسقاني فأرواني بلا حول منّي ولا قوّة؛ فقد أدّى شكر ذلك الطعام". وشيخ سعيد هذا تابعيّ مبهم، والحديث مرسل على ضعفه. فإن أراد الأوّل؛ فضعيف موقوف. وإن أراد الثاني؛ فضعيف. وإن أراد غيرهما؛ فما عرفته.
[ ٦٣٩ ]
يَقولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا وَما لَهُ في الآخِرَة مِنْ خَلاقٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وَفي الآخِرَةِ حَسَنهً وَقِنا عَذابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠١]. وقدِ اسْتَحَبَّ كثيرٌ مِن السَّلفِ الدُّعاءَ بهذا في أيَّامِ التَّشريقِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: كانَ يُسْتَحَبُّ أنْ يُقالَ في أيَّامِ التَّشريقِ: رَبَّنا آتِنا في الدُّنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقِنا عذابَ النَّارِ.
وعن عطاءٍ؛ قالَ: يَنْبَغي لكلِّ مَن نَفَرَ أنْ يَقولَ حينَ يَنْفِرُ متوجِّهًا إلى أهلِهِ: رَبَّنا آتِنا في الدُّنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقِنا عذابَ النَّارِ.
خَرَّجَهُما عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ في "تفسيره".
وهذا الدُّعاءُ مِن أجمعِ الأدعيةِ للخيرِ، وكانَ النَّبيُّ - ﷺ - يُكْثِرُ منهُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ أكثرَ دعائِهِ، وكانَ - ﷺ - إذا دَعا بدعاءٍ جَعَلَهُ معَهُ؛ فإنَّهُ يَجْمَعُ خيريِ الدُّنيا والآخرةِ (^١).
قالَ الحَسَنُ: الحسنةُ في الدُّنيا العلمُ والعبادةُ وفي الآخرةِ الجنَّةُ.
وقالَ سُفْيانُ: الحسنةُ في الدُّنيا العلمُ والرِّزقُ الطَّيِّبُ.
والدُّعاءُ مِن أفضلِ أنواعِ ذكرِ اللهِ ﷿. وقد رَوى: زيادٌ الجَصَّاصُ، عن أبي كِنانَةَ القُرَشِيِّ؛ أنَّهُ سَمِعَ أبا موسى الأشْعَرِيَّ يَقولُ في خطبتِهِ يومَ النَّحرِ: بعدَ يومِ النَّحرِ ثلاثةُ أيَّامٍ التي ذَكَرَ اللهُ الأيَّامُ المعدوداتُ لا يُرَدُّ فيهنَّ الدُّعاءُ، فارْفَعوا رغبتكُم إلى اللهِ ﷿.
• وفي الأمرِ بالذِّكرِ عندَ انقضاءِ النُّسكِ معنًى، وهوَ أنَّ سائرَ العباداتِ تَنْقَضي ويُفْرَغُ منها وذكرُ اللهِ باقٍ لا يَنْقَضي ولا يُفْرَغُ منه بل هوَ مستمرٌّ للمؤمنينَ في الدُّنيا وفي الآخرةِ.
وقد أمَرَ اللهُ تَعالى بذكرِهِ عندَ انقضاءِ الصَّلاةِ: قالَ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُروا اللهَ قِيامًا وَقُعودًا وَعَلى جُنوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]. وقالَ في صلاةِ الجمعةِ: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِروا في الأرْضِ وَابْتَغوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَأذْكُروا اللهَ كَثيرًا﴾
_________________
(١) رواه: البخاري (٦٥ - التفسير، ٢ - البقرة، ٣٦ - ومنهم من يقول ربّنا آتنا، ٨/ ١٨٧/ ٤٥٢٢)، ومسلم (٤٨ - الذكر، ٩ - الدعاء باللهم آتنا، ٤/ ٢٠٧٠/ ٢٦٩٠)؛ من حديث أنس.
[ ٦٤٠ ]
[الجمعة:١٠]. وقالَ: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ. وَإلى رَبّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨]، رُوِيَ عن ابن مَسْعودٍ؛ [قالَ]: فإذا فَرَغْتَ مِن الفرائضِ فَانْصَبْ. وعنهُ في قولِهِ [تَعالى]: ﴿وَإلى رَبِّكَ فَأرْغَبْ﴾؛ قالَ: في المسألةِ وأنتَ جالسٌ. وقالَ الحَسَنُ: أمَرَهُ إذا فَرَغَ مِن غزوِهِ أنْ يَجْتَهِدَ في الدُّعاءِ والعبادةِ.
والأعمالُ كلُّها يُفْرَغُ منها، والذِّكرُ لا فراغَ لهُ ولا انقضاءَ، والأعمالُ تَنْقَطِعُ بانقطاعِ الدُّنيا ولا يَبْقى منها شيءٌ في الآخرةِ، والذِّكرُ لا يَنْقَطِعُ. المؤمنُ يَعيشُ على الذِّكرِ، ويَموتُ عليهِ، وعليهِ يُبْعَثُ.
أحَسِبْتُمُ أن اللَيالِيَ غَيَّرَتْ … عَهْدَ الهَوى لا كانَ مَنْ يَتَغَيَّرُ
يَفْنى الزَّمانُ وَلَيْسَ يَفْنى ذِكْرُكُمْ … وَعَلى مَحَبَّتِكُمْ أموتُ وَأُحْشَرُ
قالَ ذو النُّونِ: ما طابَتِ الدُّنيا إلَّا بذكرِهِ، ولا الآخرةُ إلَّا بعفوِهِ، ولا الجنَّةُ إلَّا برؤيتِهِ.
بِذِكْرِ اللهِ تَرْتاحُ القُلوبُ … وَدُنْيانا بذِكْراهُ تَطيبُ
إذا ذُكِرَ المَحْبوبُ عِنْدَ حَبيبِهِ … تَرَنَّحَ نَشْوانٌ وَحَنَّ طَروبُ (^١)
فأيَّامُ التَّشريقِ يَجْتَمعُ فيها للمؤمنينَ نعيمُ أبدانِهِم بالأكلِ والشُّربِ ونعيمُ قلوبِهِم بالذِّكرِ والشُّكرِ، وبذلكَ تَتِمُّ النِّعمةُ، وكلَّما أحْدَثوا شكرًا على النِّعمةِ؛ كانَ شكرُهُم نعمةً أُخرى، فيَحْتاجُ إلى شكرٍ آخرَ، ولا يَنْتَهي الشُّكرُ أبدًا.
إذا كانَ شُكْري نِعمَةَ اللهِ نِعْمَةً … عَلَيَّ لَهُ في مِثْلِها يَجِبُ الشُّكْرُ
فَكَيْفَ بُلوغُ الشُّكْرِ إلَّا بِفَضْلِهِ … وَإنْ طالَتِ الأيَّامُ وَاتَّصَلَ العُمْرُ
• وفي قولِ النَّبيِّ - ﷺ - "إنَّها أيَّامُ أكلٍ وشربٍ وذكرِ اللهِ ﷿" إشارةٌ إلى أن الأكلَ في أيَّامِ الأعيادِ والشُّربَ إنَّما يُسْتَعانُ بهِ على ذكرِ اللهِ وطاعتِهِ، وذلكَ مِن تمامِ شكرِ النِّعمةِ أنْ يُسْتَعانَ بها على الطَّاعاتِ.
وقد أمَرَ اللهُ في كتابِهِ بالأكلِ مِن الطَّيِّباتِ والشُّكرِ لهُ، فمَنِ اسْتَعانَ بنعمِ اللهِ على
_________________
(١) هذا بيت مفرد، لا يتبع ما قبله، فالأوّل من البحر الوافر وهذا من الطويل.
[ ٦٤١ ]
معاصيهِ؛ فقد كَفَرَ نعمةَ اللهِ وبَدَّلَها كفرًا، وهوَ جديرٌ أنْ يُسْلَبَها، كما قيلَ:
إذا كُنْتَ في نِعْمَةٍ فَارْعَها … فَإنَّ المَعاصي تُزيلُ النِّعَمْ
وَداوِمْ عَلَيْها بِشُكْرِ الإلهِ … فَشُكْرُ الإلهِ يُزيلُ النِّقَمْ
وخصوصًا نعمةَ الأكلِ مِن لحومِ بهيمةِ الأنعامِ، كما في أيَّامِ التَّشريقِ؛ فإنَّ هذهِ البهائمَ مطيعةٌ للهِ لا تَعْصيهِ، وهيَ مسبِّحةٌ لهُ قانتةٌ، كما قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ مِنْ شَيْءٍ إلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وإنَّها تَسْجُدُ لهُ، كما أخْبَرَ اللهُ بذلكَ في سورةِ النَّحلِ [٤٩] وسورةِ الحجِّ [١٨]. وربَّما كانَتْ أكثرَ ذكرًا للهِ مِن بعضِ بني آدَمَ. وفي "المسند" مرفوعًا: "ربَّ بهيمةٍ خيرٌ مِن راكبِها وأكثرُ للهِ منهُ ذكرًا" (^١). وقد أخْبَرَ اللهُ في كتابِهِ أن كثيرًا مِن الجنِّ والإنسِ كالأنعامِ بل هم أضلُّ سبيلًا.
فأباحَ اللهُ تَعالى [ذبحَ] هذهِ البهائمِ المطيعةِ الذَّاكرةِ لهُ لعبادِهِ المؤمنينَ حتَّى تَتَقَوَّى بها أبدانُهُم وتَكْمُلَ لذَّاتُهُم في أكلِهِمُ اللحومَ؛ فإنَّهـ[ــــا]، مِن أجلِّ الأغذيةِ وألذِّها، معَ أن الأبدانَ تَقومُ بغيرِ اللحمِ مِن النَّباتاتِ وغيرِها، لكنْ لا تَكْمُلُ القوَّةُ والعقلُ واللذَّةُ إلَّا باللحمِ، فأباحَ للمؤمنينَ قتلَ هذهِ البهائمِ والأكلَ مِن لحومِها، لِيُكْمِلَ بذلكَ قوَّةَ عبادِهِ وعقولَهُم، فيَكونَ ذلكَ عونًا لهُم على علومٍ نافعةٍ وأعمالٍ صالحةٍ يَمْتازُ بها بنو آدَمَ على البهائمِ وعلى ذكرِ اللهِ ﷿ وهوَ أكبرُ مِن ذكرِ البهائمِ، فلا يَليقُ بالمؤمنِ معَ هذا إلَّا مقابلةُ هذهِ النِّعمِ بالشُّكرِ عليها والاستعانةِ بها على طاعةِ اللهِ تَعالى وذكرِهِ حيثُ فَضَّلَ ابنَ آدَمَ على كثيرٍ مِن المخلوقاتِ وسَخَّرَ لهُ هذهِ الحيواناتِ. قالَ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦].
_________________
(١) (ضعيف). رواه: أحمد (٣/ ٤٣٩ و٤٤٠ و٤٤١) من طريق حسن عن ابن لهيعة، والطبراني (٢٠/ ١٩٣/ ٤٣١) من طريق رشدين؛ كلاهما عن زبّان بن فائد (وقال ابن لهيعة مرّة: يزيد بن أبي حبيب)، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه … رفعه. قال الهيثمي (١٠/ ١٤٣): "إسناده حسن". وقال مرّة (٨/ ١١٠): "رجال الصحيح غير سهل بن معاذ بن أنس وثّقه ابن حبّان وفيه ضعف". قلت: سهل لا بأس بحديثه، وإنّما العلّة في رواية زبّان عنه، وهذا منها، وزبّان ضعيف صاحب منكرات، وذكر يزيد بن أبي حبيب في هذا السند ليس بالمتابعة وإنّما هو من تخليط ابن لهيعة. ثمّ الطريقان إلى زبّان ضعيفتان؛ ابن لهيعة ورشدين! فأنّى يقال في مثل هذا: إسناد حسن؟!
[ ٦٤٢ ]
فأمَّا مَن قَتَلَ هذهِ البهائمَ المطيعةَ الذَّاكرةَ للهِ تَعالى، ثمَّ اسْتَعانَ بأكلِ لحومِها على معاصي اللهِ تَعالى ونَسِيَ ذكرَ اللهِ؛ فقد قَلَبَ الأمرَ وكَفَرَ النِّعمةَ، فلا كانَ مَن كانَتِ البهائمُ خيرًا منهُ وأطوعَ.
نَهارُكَ يا مَغْرورُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ … وَلَيْلُكَ نَوْمٌ وَالرَّدى لَكَ لازِمُ
وَتَتْعَبُ فيما سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ … كَذلِكَ في الدُّنْيا تَعيشُ البَهائِمُ
• وإنَّما نُهِيَ عن صيامِ أيَّامِ التَّشريقِ؛ لأنَّها أعيادٌ للمسلمينَ معَ يومِ النَّحرِ، فلا تُصامُ بمنى ولا غيرِها عندَ جمهورِ العلماءِ، خلافًا لعطاء في قولِهِ: إنَّ النَّهيَ مختصٌّ بأهلِ منى.
وإنَّما نُهِيَ عن التَّطوُّعِ بصيامِها سواءٌ وافَقَ عادةً أو لمْ يوافِقْ. فأمَّا صيامُها عن قضاءِ فرضٍ أو نَذْرٍ أو صيامُها بمنى للمتمتِّعِ إذا لم يَجِدِ الهديَ؛ ففيهِ اختلافٌ مشهورٌ بينَ العلماءَ، ولا فرَقَ بينَ يومٍ منها ويومٍ عندَ الأكثرينَ؛ إلَّا عندَ مالكٍ؛ فإنَّهُ قالَ في اليومِ الثَّالثِ منها: يَجوزُ صيامُهُ عن نذرٍ خاصَّةً (^١).
وفي النَّهيِ عن صيامِ هذهِ الأيَّامِ والأمرِ بالأكلِ فيها والشُربِ سرٌّ حسنٌ، وهوَ أن الله تَعالى لمَّا عَلِمَ ما يُلاقي الوافدونَ إلى بيتِهِ مِن مشاقِّ السَّفرِ وتعبِ الإحرامِ وجهادِ النُّفوسِ على قضاءِ المناسكِ؛ شَرَعَ لهُمُ الاستراحةَ عقيبَ ذلكَ بالإقامةِ بمنى يومَ النَّحرِ وثلاثةَ أيَّامِ التَّشريقِ بعدَهُ، وأمَرَهُم بالأكلِ فيها مِن لحومِ نسكِهِم، فهُم في ضيافةِ اللهِ ﷿ فيها؛ لطفًا مِن اللهِ بهِم ورأْفةً ورحمةً. وشارَكَهُم أيضًا أهلُ الأمصارِ في ذلكَ؛ لأنَّ أهلَ الأمصارِ شارَكوهُم في النَّصبِ للهِ (^٢) والاجتهادِ في عشرِ ذي الحجَّةِ بالصَّومِ والذِّكرِ والاجتهادِ في العباداتِ، وشارَكوهُم في حصولِ المغفرةِ وفي التَّقرُّبِ إلى اللهِ تَعالى بإراقةِ دماءِ الأضاحي، فشارَكوهُم في أعيادِهِم، واشْتَرَكَ الجميعُ في الرَّاحةِ في أيَّامِ الأعيادِ بالأكلِ والشُّربِ كما اشْتَرَكوا جميعًا في أيَّامِ العشرِ في الاجتهادِ في الطَّاعةِ والنَّصبِ، وصارَ المسلمونَ كلُّهُم في ضيافةِ اللهِ تَعالى في هذهِ الأيَّامِ، يَأْكُلونَ مِن رزقِهِ
_________________
(١) وقد تقدّم ما فيه (ص ٦٣٨).
(٢) في خ: "شاركوهم في التعب لله"، وفي م ون: "شاركوهم في حصول المغفرة والنصب لله".
[ ٦٤٣ ]
ويَشْكُرونَهُ على فضلِهِ. ونُهُوا عن صيامِها؛ لأنَّ الكريمَ لا يَليقُ بهِ أنْ يُجيعَ أضيافَهُ، فكأنَّهُ قيلَ للمؤمنينَ في هذهِ الأيَّامِ: قد فَرَغَ عملُكُمُ الذي عَمِلْتُموهُ، فما بَقِيَ لكُم إلَّا الرَّاحةُ، فهذهِ الرَّاحةُ بذلكَ التَّعبِ، كما أُريحَ الصَّائمونَ للهِ شهرَ رمضانَ بأمرِهِم بإفطارِ يومِ عيدِ الفطرِ.
• ويُؤْخَذُ مِن هذا إشارةٌ إلى حالِ المؤمنِ في الدُّنيا؛ فإن الدُّنيا كلَّها أيَّامُ سفرٍ كأيامِ الحجِّ، وهيَ زمانُ إحرامِ المؤمنينَ عمَّا حَرَّمَ اللهُ عليهِم مِن الشَّهواتِ، فمَن صَبَرَ في مدَّةِ سفرِهِ على إحرامِهِ وكَفَّ عن الهوى، فإذا انْتَهى سفرُ عمرِهِ ووَصَلَ إلى منى المُنى فقد قَضى تفثَهُ ووَفَّى نذرَهُ، فصارَتْ أيَّامُهُ كلُّها كأيَّامِ منى أيَّامَ أكلٍ وشربٍ وذكرِ اللهِ ﷿، وصارَ في ضيافةِ اللهِ في جوارِهِ أبدَ الأبدِ. ولهذا يُقالُ لأهلِ الجنَّةِ: ﴿كُلوا وَاشْرَبوا هَنيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلونَ﴾ [الطور: ١٩]، ﴿كُلوا وَاشْرَبوا هَنيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيَّامِ الخالِيةِ﴾ [الحاقَّة: ٢٤]. وقد قيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في الصُّوَّامِ في الدُّنيا.
وَقَدْ صُمْتُ عَنْ لَذَّاتِ دَهْرِيَ كُلِّها … وَيَوْمَ لِقاكُمْ ذاكَ فِطْرُ صِيامي
قالَ بعضُ السَّلفِ: صُمِ الدُّنيا ولْيَكُنْ فطرُكَ الموتَ.
فَصُمْ يَوْمَكَ الأدْنى لَعَلَّكَ في غَدٍ … تَفوزُ بِعيدِ الفِطْرِ وَالنَّاسُ صُوَّمُ
مَن صامَ اليومَ عن شهواتِه؛ أفْطَرَ عليها غدًا بعدَ وفاتِه، ومَن تَعَجَّلَ ما حُرِّمَ عليهِ مِن لذَّاتِه؛ عوقِبَ بحرمانِ نصيبِهِ مِن الجنَّةِ وفواتِه. شاهدُ ذلكَ: "مَن شَرِبَ الخمرَ في الدُّنيا لمْ يَشْرَبْها في الآخرةِ" (^١)، و"مَن لَبِسَ الحريرَ في الدُّنيا لمْ يَلْبَسْهُ في الآخرةِ" (^٢).
أنْتَ في دارِ شَتاتٍ … فَتَأهَّبْ لِشَتاتِكْ
وَاجْعَلِ الدُّنْيا كَيَوْمٍ … صُمْتَهُ عَنْ شَهَواتِكْ
وَلْيَكُنْ فِطْرُكَ عِنْدَ الـ … ـــــلهِ فسي يَوْمِ وَفاتِكْ
_________________
(١) رواه: البخاري (٧٤ - الأشربة، ١ - قوله تعالى إنّما الخمر والميسر، ١٠/ ٣٠/ ٥٥٧٥)، ومسلم (٣٦ - الأشربة، ٧ - كل مسكر خمر، ٣/ ١٥٨٧/ ٢٠٠٣) من حديث ابن عمر.
(٢) رواه: البخاري (٧٧ - اللباس، ٢٥ - لبس الحرير، ١٠/ ٢٨٤/ ٥٨٣٠)، ومسلم (٣٧ - اللباس، ٢ - تحريم استعمال إناء الذهب، ٣/ ٢٠٦٩/١٦٤١)؛ من حديث عمر.
[ ٦٤٤ ]
قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَاللهُ يَدْعو إلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدي مَنْ يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقيمٍ﴾ [يونس: ٢٥].
الجنَّةُ ضيافةُ اللهِ أعَدَّها لعباده المؤمنينَ نزلًا، فيها ما لا عينٌ رَأتْ ولا أذنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ على قلبِ بشرٍ. وبُعِثَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يَدْعو إليها بالإيمانِ والإسلامِ والإحسانِ، فمَن أجابَهُ؛ دَخَلَ الجنَّةَ وأكَلَ مِن تلكَ الضِّيافةِ، ومَن لمْ يُجِبْ؛ حُرِمَ.
خَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ عن جابِرٍ؛ قالَ: خَرَجَ علينا رسولُ اللهِ - ﷺ - يومًا، فقالَ: "رَأيْتُ في المنامِ كأنَّ جِبْريلَ عندَ رأْسي وميكائيلَ عندَ رجليَّ. فقالَ أحدُهُما لصاحبِهِ: اضْرِبْ لهُ مثلًا. فقالَ: اسْمَعْ سَمِعَتْ أُذُنُكَ واعْقِلْ عَقَلَ قلبُكَ. إنَّما مثلُكَ ومثلُ أُمَّتِكَ كمثلِ ملكٍ اتَّخَذَ دارًا، ثمَّ بَنى فيها بناءً، وجَعَلَ فيها مائدةً، ثمَّ بَعَثَ رسولًا يَدْعو النَّاسَ إلى طعامِهِ، فمنهُم مَن أجابَ الرَّسولَ، ومنهُم مَن تَرَكَهُ. فاللهُ هوَ الملكُ، والدَّارُ هيَ الإسلامُ، والبيتُ الجنَّةُ، وأنتَ يا مُحَمَّدُ رسولٌ، مَن أجابَكَ دَخَلَ الإسلامَ، ومَن دَخَلَ الإسلامَ دَخَلَ الجنَّةَ، ومَن دَخَلَ الجنَّةَ أكَلَ ممَّا فيها" (^١).
_________________
(١) (حسن). رواه: ابن سعد في "الطبقات" (١/ ٨٢)، والترمذي (٤٥ - الأمثال، ١ - مثل الله لعباده، ٥/ ١٤٥/ ٢٨٦٠)، والطبري (١٧٦٢٤)، والحاكم (٢/ ٣٣٨ و٣٩٣)، وابن مردويه (٣/ ٥٤٦ - درّ)، والبيهقي في "الدلائل" (١/ ٣٧٠)، والعسقلاني في "التغليق" (٥/ ٣٢٠)؛ من طرق ثلاث، عن الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، [قال مرّة: عن محمّد بن عليّ بن الحسين، ومرّة: عن عطاء، وأسقطه مرّة]، عن جابر … رفعه في سياق طويل. قال الحاكم: "صحيح"، ووافقه الذهبي. قلت: هو كذلك لولا اختلافهم على الليث فيه، فرواه ثبتان عنه فقالا: عن سعيد عن جابر، ورواه عبد الله بن صالح كاتبه فزاد بين سعد وجابر مرّة محمّد بن عليّ ومرّة عطاء، وعبد الله بن صالح صالح في الشواهد، وقد خالف الثبتين، فزيادته بين الشذوذ والنكارة، ولذلك قال الترمذي: "مرسل، سعيد بن أبي هلال لم يدرك جابرًا". ورواه: الدارمي (١/ ٧)، والطبري (١٧٦٢١)، والطبراني (٥/ ٦٥/ ٤٥٩٧)، وأبو نعيم في "الجنّة" (١)؛ من طريقين، عن أيّوب، عن أبي قلابة. ولكنّهم اختلفوا: فقال معمر عند الطبري: عن أيّوب عن أبي قلابة عن النبي - ﷺ - مرسلًا. وقال عبّاد بن منصور عند البقيّة: عن أيّوب عن أبي قلابة عن عطيّة عن ربيعة الجرشيّ عن النبيّ - ﷺ -. وعبّاد ليّن خالف معمرًا الثبت، فوصله بين الشذوذ والنكارة، والمحفوظ الإرسال. فهاهنا طريق منقطعة وأُخرى مرسلة، واجتماعهما يرجّح أنّ لهذا التفصيل أصلا عن النبيّ - ﷺ -، ولا سيّما أنّ أصل الحديث عند البخاري كما سيأتيك بعده، وقد قوّاه الحاكم والذهبي والهيثمي والعسقلاني، واكتفى الألباني في "ضعيف الترمذي" بقوله: "ضعيف الإسناد" على طريقته فيما لم يتفرّغ لدراسته من الأحاديث، ولعلّه لو تفرّغ لدراسته كان له موقف آخر. والله أعلم.
[ ٦٤٥ ]
وخَرَّجَهُ البُخارِيُّ (^١) بمعناهُ، ولفظُهُ: "مثلُهُ كمثلِ رجلٍ بنى دارًا، وجَعَلَ فيها مأْدبةً، وبَعَثَ داعيًا، فمَن أجابَ الدَّاعيَ دَخَلَ الدَّارَ وأكَلَ مِن المأْدبةِ، ومَن لمْ يُجِبِ الدَّاعيَ لمْ يَدْخُلِ الدَّارَ ولمْ يَأْكُلْ مِن المأْدبةِ؛ فالدَّارُ الجنَّةُ، والدَّاعي مُحَمَّدٌ".
في بعضِ الآثارِ الإسرائيليّةِ: يَقولُ اللهُ: ابنَ ادَمَ! ما أنْصَفْتَني، أذْكُرُكَ وتَنْساني، وأدْعوكَ إليَّ فتَفِرُّ منِّي إلى غيري، وأُذْهِبُ عنكَ البلايا وأنتَ معتكفٌ على الخطايا. ابنَ آدَمَ! ما يَكونُ اعتذارُكَ غدًا إذا جِئْتَني؟!
طوبى لمَن أجابَ دعوةَ مولاه، ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١].
يا نَفْسُ وَيْحَكِ قَدْ أتاكِ هُداكِ … أجيبي فَداعي الحَقِّ قَدْ ناداكِ
كَمْ قَدْ دُعِيتِ إلى الرَّشادِ فتُعْرِضي … وَأجَبْتِ داعي الغَيِّ حينَ دَعاكِ
كلُّ ما في الدُّنيا يُذَكِّرُ بالآخرةِ، فمواسمُها وأعيادُها وأفراحُها تُذَكِّرُ بمواسمِ الآخرةِ وأعيادِها وأفراحِها.
صَنَعَ عَبْدُ الواحِدِ بنُ زَيْدٍ طعامًا لإخوانِهِ، فقامَ عُتْبَةُ الغلامُ على رؤوسِ الجماعةِ يَخْدُمُهُم وهوَ صائمٌ، فجَعَلَ عَبْدُ الواحِدِ يَنْظُرُ إليهِ ويُسارِقُهُ النَّظرَ ودموعُ عُتْبَةَ تَجْري، فسَألَهُ بعدَ ذلكَ عن بكائِهِ، فقالَ: ذَكَرْتُ موائدَ الجنَّةِ والولدانُ قائمونَ على رؤوسِهِم، فصُعِقَ عَبْدُ الواحِدِ (^٢)!
أبدانُ العارفينَ في الدُّنيا وقلوبُهُم في الآخرةِ.
جِسْمي مَعي غَيْرَ أن الرُّوحَ عِنْدَكُمُ … فَالجِسْمُ في غُرْبَةٍ وَالرُّوحُ في وَطَنِ
أعيادُ النَّاسِ تَنْقَضي، فأمَّا أعيادُ العارفينَ فدائمةٌ.
قالَ الحَسَنُ: كلُّ يومٍ لا تَعْصي الله فيهِ فهوَ لكَ عيدٌ.
جاءَ بعضُهُم إلى بعضِ العارفينَ فسَلَّمَ عليهِ وقالَ لهُ: أريدُ أنْ أكَلِّمَكَ. قالَ: اليومَ
_________________
(١) (٩٦ - الاعتصام، ٢ - الاقتداء بالسنن، ١٣/ ٢٤٩/ ٧٢٨١).
(٢) الناظر في تراجم هذه الشخصيّات وأخبارهم سيجدهم أقرب إلى الخيال والنسيج القصصي منهم إلى الواقع والحقيقة! لا تراهم إلَّا باكين أو مصعوقين أو ميّتين صعقًا أو مع جماعة من هذا الصنف! هذه أخبار لا ترى لها في سيرة الصحابة وتابعيهم بإحسان ووارثيهم من أهل العلم كالأوزاعيّ والزهري وشعبة والسفيانين والأئمّة الأربعة وأئمّة الحديث الستّة … لا ترى لها عينًا ولا أثرًا! والله المستعان على أهل البهتان.
[ ٦٤٦ ]
لنا عيدٌ. فتَرَكَهُ، ثمَّ جاءَهُ يومًا آخرَ، فقالَ لهُ مثلَ ذلكَ. ثمَّ يومًا آخرَ، فقال لهُ مثلَ ذلكَ. فقالَ لهُ: ما أكثرَ أعيادَكَ! قالَ: يا بطَّالُ! أما عَلِمْتَ أن كلَّ يومٍ لا نَعْصي الله فيهِ فهوَ لنا عيدٌ (^١).
أوقاتُ العارفينَ كلُّها فرحٌ وسرورٌ بمناجاةِ مولاهُم وذكرِهِ، فهيَ أعيادٌ.
وكانَ الشِّبْلِيُّ يُنْشِدُ:
إذا ما كُنْتَ لي عيدًا … فَما أصْنَعُ بِالعيدِ
جَرى حُبُّكَ في قَلْبي … كَجَرْيِ الماءِ في العودِ
وأنْشَدَ أيضًا:
عيدي مُقيمٌ وَعيدُ النَّاسِ مُنْصَرِفُ … وَالقَلْبُ مِنِّي عن اللَذَّاتِ مُنْحَرِفُ
وَلي قَرينانِ ما لي مِنْهُما خَلَفٌ … طولُ الحَنينِ وَعَيْنٌ دَمْعُها يَكِفُ