خَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حديثِ: أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "الشِّتاءُ ربيعُ المؤمنِ" (^٢).
_________________
(١) من القيلولة.
(٢) (ضعيف). رواه أحمد (٣/ ٧٥)، وأبو يعلى (١٠٦١ و١٣٨٦)، وابن عدي (٣/ ٩٨١)، والعسكري (١٥٣٣ - كشف الخفاء)، والدارقطني في "الأفراد" (٥٠١ - واهيات)، وأبو نعيم في "الحلية" =
[ ٧٠٣ ]
وخَرَّجَهُ البَيْهَقِيُّ وغيرُهُ وزادَ فيهِ: "طالَ ليلُهُ فقامَه، وقَصُرَ نهارُهُ فصامَه" (^١).
• إنَّما كانَ الشِّتاءُ ربيعَ المؤمنِ لأنَّهُ يَرْتَعُ فيهِ في بساتينِ الطَّاعاتِ ويَسْرَحُ في ميادينِ العباداتِ ويُنَزِّهُ قلبَهُ في رياضِ الأعمالِ الميسَّرةِ فيهِ كما تَرْتَعُ البهائمُ في مرعى الرَّبيعِ فتَسْمَنُ وتَصْلُحُ أجسادُها، فكذلكَ يَصْلُحُ دينُ المؤمنِ في الشِّتاءِ بما يَسَّرَ اللهُ تَعالى فيهِ مِن الطَّاعاتِ:
• فإنَّ المؤمنَ يَقْدِرُ في الشِّتاءِ على صيامِ نهارِهِ مِن غيرِ مشقَّةٍ ولا كلفةٍ تَحْصُلُ لهُ مِن جوعٍ ولا عطشٍ؛ فإنَّ نهارَهُ قصيرٌ باردٌ، فلا يُحِسُّ فيهِ بمشقَّةِ الصِّيامِ.
وفي "المسند" و"التِّرْمِذِيِّ": عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "الصِّيامُ في الشِّتاءِ الغنيمةُ الباردةُ" (^٢).
_________________
(١) = (٨/ ٣٢٥)، والقضاعي في "المسند" (١٤١ و١٤٢)، والبيهقي في "السنن" (٤/ ٢٩٧) و"الشعب" (٣٩٤٠)، وابن الجوزي في "الواهيات" (٥٠١)، والذهبي في "الميزان" (٢/ ٢٥) تعليقًا، والعسقلاني في "اللسان" (٣/ ٥١٧) تعليقًا؛ من طريق درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد … رفعه. حسّنه الهيثمي والسيوطي والمناوي، وعدّه ابن عدي وأبو نعيم وابن الجوزي والمزّي والذهبي والعسقلاني والألباني فيما يستنكر من أحاديث درّاج، ودرّاج ضعيف ولا سيّما روايته عن أبي الهيثم.
(٢) (ضعيف). جاءت هذه الزيادة عند البيهقي وغيره بالسند السابق نفسه، فلها حكم أصلها.
(٣) (ضعيف). رواه: ابن أبي شيبة (٩٧٤١)، وأحمد (٤/ ٣٣٥)، والفسوي (٣/ ١٢٧)، والترمذي (٦ - الصوم، ٧٤ - الصوم في الشتاء، ٣/ ١٦٢/ ٧٩٧)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٢٨٧٥)، وأبو يعلى (٢٤٤ - مختارة)، وابن خزيمة، وابن قانع (٢/ ٢٤٢/ ٧٥٢)، والطبراني (٢٤٦ و٢٤٧ - مختارة)، والصيداوي في "الشيوخ" (١/ ٣٥٧/ ٣٤٢)، والقضاعي في "المسند" (٢٣١)، والبيهقي في "السنن" (٤/ ٢٩٦) و"الشعب" (٣٩٤١)، والضياء في "المختارة" (٨/ ٢٠٨/ ٢٤٤ - ٢٤٧)، والرافعي في "التدوين" (٢/ ٧٨)، والمزّي في "التهذيب" (١٤/ ٧٦)؛ من طريق أبي إسحاق، عن نمير بن عريب، عن عامر بن مسعود … رفعه. وهذا سند ضعيف: نمير مجهول، وعامر بن مسعود لا تثبت له صحبة بل هو تابعي فيه جهالة، ولذلك قال البخاري والفسوي والترمذي والبغوي وابن حبّان وابن عدي والبيهقي والضياء: "مرسل". ورواه قتادة واختلف عليه فيه على وجهين: روى أوّلهما: عبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" (٩٨٦) من طريق هدبة بن خالد، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٣٨١) والبيهقي (٤/ ٢٩٧) من طريق همّام؛ كلاهما عن قتادة، عن أنس، عن أبي هريرة … موقوفًا. وروى الثاني: الطبراني في "الصغير" (٧١٧)، وابن عدي (٣/ ١٢١٠)، والبيهقي في "الشعب" (٣٩٤٢)؛ من طريق الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس … رفعه. وهمّام وهدبة ثبتان بخلاف ابن بشير الضعيف في قتادة خصوصًا مع ضعف الطريق إليه لعنعنة الوليد على تدليسه، فالمعروف هنا الوجه الأوّل الموقوف، والرفع منكر.
[ ٧٠٤ ]
وكانَ أبو هُرَيْرَةَ يَقولُ: ألا أدُلُّكُمْ على الغنيمةِ الباردةِ؟ قالوا: بلى. فيَقولُ: الصِّيامُ في الشِّتاءِ (^١).
ومعنى كونِها غنيمةً باردةً أنَّها غنيمةٌ حَصَلَتْ بغيرِ قتالٍ ولا تعبٍ ولا مشقَّةٍ، فصاحبُها يَحوزُ هذهِ الغنيمةَ عفوًا صفوًا بغيرِ كلفةٍ.
• وأمَّا قيامُ ليلِ الشِّتاءِ؛ فلطولِهِ يُمْكِنُ أنْ تَأْخُذَ النَّفسُ حظَّها مِن النَّومِ ثمَّ تَقومَ بعدَ ذلكَ إلى الصَّلاةِ، فيَقْرَأُ المصلِّي وردَهُ كلَّهُ مِن القرآنِ وقد أخَذَتْ نفسُهُ حظَّها مِن النَّومِ، فيَجْتَمعُ لهُ فيهِ نومُهُ المحتاجُ إليهِ معَ إدراكِ وردِهِ مِن القرآنِ، فيَكْمُلُ لهُ مصلحةُ دينِهِ وراحةُ بدنِهِ. ومِن كلامِ يَحْيى بن مُعاذٍ: الليلُ طويلٌ؛ فلا تُقَصِّرْهُ بمنامِك، والإسلامُ نقيٌّ فلا تُدَنِّسْهُ بآثامِك. بخلافِ ليلِ الصَّيفِ؛ فإنَّهُ لقصرِهِ وحرِّهِ يَغْلِبُ النَّومُ فيهِ فلا تكادُ تَأْخُذُ النَّفسُ حظَّها بدونِ نومِهِ كلِّهِ، فيَحْتاجُ القيامُ فيهِ إلى مجاهدةٍ، وقد لا يَتَمَكَّنُ فيهِ لقصرِهِ مِن الفراغِ مِن وردِهِ مِن القرآنِ.
ورُوِيَ عن ابن مَسْعودٍ؛ قالَ: مرحبًا بالشِّتاءِ؛ تَنْزِلُ فيهِ البركةُ، ويَطولُ فيهِ الليلُ للقيامِ، ويَقْصُرُ فيهِ النَّهارُ للصِّيامِ. ورُوِيَ عنهُ مرفوعًا ولا يَصِحُّ رفعُهُ (^٢).
_________________
(١) = ورواه: ابن عدي (٣/ ١٠٧٥)، والبيهقي في "الشعب" (٣٩٤٢)؛ من طريق عبد الوهّاب بن الضحّاك، عن الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمّد، عن ابن المنكدر، عن جابر … رفعه. وعبد الوهّاب بن الضحّاك متّهم، والوليد بن مسلم عنعن علي تدليسه. وأخلص ممّا تقدّم إلى أنّ حديث عامر بن مسعود مرسل ضعيف، وحديث أنس المعروف فيه الوقف على أبي هريرة ورفعه منكر، وحديث جابر ساقط. واجتماع مثل هذه الواهيات لا يكسب الحديث قوّة. وقد مال إلى تضعيف مفرداته أكثر أهل العلم، وضعّفه الألباني.
(٢) وهذا موقوف صحيح كما تقدّم آنفًا، ولعلّه أصل هذه العبارة، ثمّ رفعها الضعفاء والمتروكون.
(٣) (ضعيف جدًّا). رواه: الساجي (٣/ ١٢٩٧، ٧/ ٢٤٨١ - ابن عدي)، وابن عدي في "الكامل" (٣/ ١٢٩٧، ٧/ ٢٤٨١)، والمزّي في "التهذيب" (١٠/ ٢٣٠) تعليقًا، والذهبي في "الميزان" (٤/ ٢٧٠) تعليقًا، والعسقلاني في "اللسان" (٦/ ٢٠٣) تعليقًا؛ من طريق نعيم بن عبد الحميد الواسطي، عن السريّ بن إسماعيل، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن ابن مسعود … رفعه. قال ابن عديّ في ترجمة نعيم: "ليس بذاك في الحديث، ولم يروه عن السريّ غيره". وتعقّبه الذهبي بقوله: "الآفة من السريّ". قلت: وهذا أقرب، وقد أورده ابن عديّ في ترجمته وقال: "لا يتابعه عليه أحد، أحاديثه عن الشعبيّ منكرات لا يرويها غيره". وبالجملة؛ فنعيم ضعيف، والسري متروك متّهم، والسند ساقط، وقد عدّه الساجي وابن عدي والذهبي والعسقلاني في المنكرات.
[ ٧٠٥ ]
وعنِ الحَسَنِ قالَ: نِعْمَ زمانُ المؤمنِ الشِّتاءُ؛ ليلُهُ طويلٌ يَقومُه، ونهارُهُ قصيرٌ يَصومُه.
وعن عُبَيْدِ بن عُمَيْرٍ؛ أنَّهُ كانَ إذا جاءَ الشِّتاءُ قالَ: يا أهلَ القرآنِ! طالَ ليلُكُم لقراءتِكُم، وقَصُرَ النَّهارُ لصيامِكُم، فصوموا وقوموا.
لمَّا طالَ ليلُ الشِّتاءِ؛ كانَ قيامُهُ يَعْدِلُ صيامَ نهارِ الصَّيفِ. ولهذا بَكى مُعاذٌ ﵁ عندَ موتِهِ وقالَ: إنَّما أبْكي على ظمإ الهواجرِ، وقيامِ ليلِ الشِّتاءِ، ومزاحمةِ العلماءِ بالرُّكبِ عندَ حلقِ الذِّكرِ. وقالَ مِعْضَدٌ: لولا ثلاثٌ؛ ظمأُ الهواجرِ، وقيامُ ليلِ الشِّتاءِ، ولذاذةُ التَّهجُّدِ بكتابِ اللهِ؛ ما بالَيْتُ أنْ أكونَ يعسوبًا.
• القيامُ في ليلِ الشِّتاءِ يَشُقُّ على النُّفوسِ مِن وجهينِ:
• أحدُهُما: مِن جهةِ تألُّمِ النَّفسِ بالقيامِ مِن الفراشِ في شدَّةِ البردِ. قالَ داوودُ بنُ رُشَيْدٍ: قامَ بعضُ إخواني إلى وردِهِ بالليلِ في ليلةٍ شديدةِ البردِ، وكانَ عليهِ خُلْقانٌ، فضَرَبَهُ البردُ، فبَكى، فهَتَفَ بهِ هاتفٌ: أقَمْناكَ وأنَمْناهُم ثمَّ تَبْكي علينا! خَرَّجَهُ أبو نُعَيْمٍ.
• والثَّاني: بما يَحْصُلُ بإسباغِ الوضوءِ في شدَّةِ البردِ مِن التَّألُّمِ.
وإسباغُ الوضوءِ في شدَّةِ البردِ مِن أفضلِ الأعمالِ (^١).
وفي "صحيح مُسْلِم" (^٢): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "ألا أدُلُّكُم على ما يَمْحو اللهُ بهِ الخطايا ويَرْفَعُ بهِ الدَّرجاتِ؟ ". قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ! قالّ: "إسباغُ الوضوءِ على المكارهِ، وكثرةُ الخطا إلى المساجدِ، وانتظارُ الصَّلاةِ بعدَ الصَّلاةِ. فذلكُمُ الرِّباطُ، فذلكُمُ الرِّباطُ".
وفي حديثِ مُعاذِ بن جَبَلٍ عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ أنَّهُ رَأى ربَّهُ ﷿ (يَعْني: في المنامِ)، فقالَ لهُ: يا مُحَمَّدُ! فيمَ يَخْتَصِمُ الملأُ الأعلى؟ قالَ: "في الدَّرجاتِ والكفَّاراتِ". قالَ: "والكفَّاراتُ: إسباغُ الوضوءِ في الكريهاتِ (^٣)، ونقلُ الأقدامِ إلى
_________________
(١) في خ: "من التألّم وذلك من أفضل الأعمال"، وما أثبتّه من ن وط أوضح.
(٢) (٢ - الطهارة، ١٤ - إسباغ الوضوء على المكاره، ١/ ٢١٩/ ٢٥١).
(٣) في خ: "في المكروهات"، وما أثبتّه من م ون وط أولى بلفظ الحديث.
[ ٧٠٦ ]
الجمعاتِ (وفي روايةٍ: الجماعاتِ)، وانتظارُ الصَّلاةِ بعدَ الصَّلاةِ. مَن فَعَلَ ذلكَ عاشَ بخيرٍ وماتَ بخيرٍ وكانَ مِن خطيئتِهِ كيومَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. والدَّرجاتُ: إطعامُ الطَّعامِ، وإفشاءُ السَّلامِ، والصَّلاةُ بالليلِ والنَّاسُ نيامٌ … " [وذَكَرَ] الحديثَ (^١). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ. وفي بعضِ الرِّواياتِ: "إسباغُ الوضوءِ في السَّبراتِ". والسَّبرةُ: شدَّةُ البردِ.
فإسباغُ الوضوءِ في شدَّةِ البردِ مِن أعلى خصالِ الإيمانِ.
رَوى ابنُ سَعْدٍ بإسنادِهِ؛ أن عُمَرَ ﵁ وَصَّى ابنَهُ عَبْدَ اللهِ عندَ موتِهِ فقالَ لهُ: يا بنيَّ! عليكَ بخصالِ الإيمانِ. قالَ: وما هيَ؟ قالَ: الصَّومُ في شدَّةِ الحرِّ أيَّامَ الصَّيفِ، وقتلُ الأعداءِ بالسَّيفِ، والصَّبرُ على المصيبةِ، وإسباغُ الوضوءِ في اليومِ الشَّاتي، وتعجيل الصَّلاةِ في يومِ الغيمِ، وتركُ ردغةِ الخبالِ. قالَ: فقالَ: وما ردغةُ الخبالِ؟ قالَ: شربُ الخمرِ (^٢).
ورَوى الأوْزاعِيُّ عن يَحْيى بن أبي كَثيرٍ؛ قالَ: ستٌّ مَن كُنَّ فيهِ فقدِ اسْتكْمَلَ الإيمانَ: قتالُ أعداءِ اللهِ بالسَّيفِ، والصِّيامُ في الصَّيفِ، وإسباغُ الوضوءِ في اليومِ الشَّاتي، والتَّبكيرُ بالصَّلاةِ في اليومِ الغيمِ، وتركُ الجدالِ والمراءِ وأنتَ تَعْلَمُ أنَّكَ صادقٌ، والصَّبرُ على المصيبةِ.
و[قد] رُوِيَ هذا مرفوعًا، خَرَّجَهُ مُحَمَّدُ بنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كتابِ "الصَّلاة" لهُ بإسنادٍ فيهِ ضعفٌ عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ مرفوعًا: "ستٌّ مَن كنَّ فيهِ بَلَغَ حقيقةَ الإيمانِ: ضربُ أعداءِ اللهِ بالسَّيفِ، وابتدارُ الصَّلاةِ في اليومِ الدَّجنِ، وإسباغُ الوضوءِ عندَ المكارِهِ، والصِّيامُ في الحرِّ، وصبرٌ عندَ المصائبِ، وتركُ المراءِ وأنتَ صادقٌ" (^٣).
_________________
(١) (صحيح لشواهده). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ١٠٤ - ١٠٨).
(٢) (موقوف ضعيف). رواه ابن سعد (٣/ ٣٥٩) من طريق ليث، عن رجل من أهل المدينة؛ قال: أوصى عمر … فذكره. وهذا واه: ليث مخلّط، وشيخه مبهم، وظاهره أنّ رواية هذا المبهم عن عمر منقطعة.
(٣) (ضعيف جدًّا). رواه ابن نصر في "الصلاة" (٤٤٣) من طريق منصور بن بشير، ثنا أبو معشر المدني، عن يعقوب بن أبي زينب، عن عمر بن شبّه، دخلوا على أبي سعيد … فذكره. وهذه ظلمات بعضها فوق بعض: أبو معشر ضعيف. ويعقوب مجهول. وعمر بن شبّه صوابه عمر بن شيبة، وهو مجهول أو شبه مجهول يروي المقاطيع والمناكير وروايته عن أبي سعيد منقطعة. والمتن شبه الموضوع. وقال الألباني: "ضعيف جدًّا". ووقع في بعض الأصول الخطّيّة: "ترك المراء وأنت محقّ".
[ ٧٠٧ ]
وفي كتابِ "الزُّهد" للإمام أحْمَدَ: عن عَطاءِ بن يَسارٍ؛ قالَ: قالَ موسى ﵇: يا ربِّ! مَن هُم أهلُكَ الذينَ هُم أهلُكَ، تُظِلُّهُم في ظلِّ عرشِكَ؟ قالَ: همُ البريَّةُ أيديهِم، الطَّاهرةُ قلوبُهُمُ، الذينَ يَتَحابُّونَ بجلالي، الذين إذا ذُكِرْتُ ذُكِروا بي وإذا ذُكِروا ذُكِرْتُ بذكرِهِم، الذينَ يُسْبِغونَ الوضوءَ في المكارهِ، ويُنيبونَ إلى ذكري كما تُنيبُ النُّسورُ إلى أوكارِها، ويَكْلَفونَ بحبِّي كما يَكْلَفُ الصَّبيُّ بحبِّ النَّاسِ، ويَغْضَبونَ لمحارمي إذا استُحِلَّتْ كما يَغْضَبُ النَّمرُ إذا حَرِبَ.
و[قد] رُوِيَ عن داوودَ بن رُشَيْدٍ؟ قالَ: قامَ رجلٌ ليلةً باردةً لِيَتَوَضَّأ للصَّلاةِ، فأصابَ الماءَ باردًا، فبَكى، فنودِيَ: أما تَرْضى أنَّا أنَمْناهُم وأقَمْناكَ حتَّى تَبْكِيَ علينا؟ خَرَّجَهُ ابنُ السَّمْعانِيِّ.
• معالجةُ الوضوءِ في جوفِ الليلِ للتهجُّدِ موجبٌ لرضى الرَّبِّ ومباهاةِ الملائكةِ، ففي شدَّةِ البردِ يَتَأكَّدُ ذلكَ.
ففي "المسند" و"صحيح ابن حِبَّان": عن عُقْبَةَ بن عامِرٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "رجلانِ مِن أُمَّتي، يَقومُ أحدُهُما مِن الليلِ [فـ]ــيعالجُ نفسَهُ إلى الطَّهورِ وعليهِ عقدٌ، فيَتَوَضَّأُ، فإذا وَضَّأ يديهِ انْحَلَّتْ عقدةٌ، وإذا وَضَّأ وجهَهُ انْحَلَّتْ عقدةٌ، وإذا مَسَحَ رأْسَهُ انْحَلَّتْ عقدةٌ، وإذا وَضَّأ رجليهِ انْحَلَّتْ عقدةٌ، فيَقولُ الرَّبُّ ﷿ للذيـ[ــن] وراءَ الحجابِ: انْظُروا إلى عبدي هذا يُعالجُ نفسَهُ، ما سَألَني عبدي هذا فهوَ لهُ" (^١).
وفي حديثِ: عَطِيَّةَ، عن أبي سَعيدٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إنَّ الله لَيَضْحَكُ إلى ثلاثةِ نفرٍ: رجلٌ قامَ مِن جوفِ الليلِ فأحْسَنَ الطُّهورَ ثمَّ صَلَّى … " (^٢).
قالَ أبو سُلَيْمانَ الدَّارانِيُّ: كنتُ ليلةً باردةً في المحرابِ، فأقْلَقَنِيَ البردُ، فخَبَّأْتُ إحدى يديَّ مِن البردِ وبَقِيَتِ الأُخرى ممدودةً، فغَلَبَتْني عيني، فهَتَفَ بي هاتفٌ (^٣): يا أبا
_________________
(١) (صحيح). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ١١٣).
(٢) (حسن لشواهده). تقدّمت نكارة الحديث (ص ١١٠ - ١١٢) لكن هذه القطعة حسنة بشواهدها.
(٣) ما أكثر هواتفهم! لعلّك لا ترى رجلًا من القوم إلّا وقد رأى الله في يقظته أو في منامه أو سمع نداءه أو هتفت به ملائكته … يسمّون كلّ خاطر يرد في بالهم وفكرة تلتمع في ذهنهم هاتفًا!
[ ٧٠٨ ]
سُلَيْمانَ! قد وَضَعْنا في هذهِ ما أصابَها، ولو كانَتِ الأُخرى؛ لَوَضَعْنا فيها. [قالَ]: فآلَيْتُ على نفسي ألَّا أدْعُوَ إلَّا ويدايَ خارجتانِ حرًّا كانَ أو بردًا.
وقالَ مالِكٌ: كانَ صَفْوانُ بنُ سُلَيْمٍ يُصَلِّي (يَعْني: بالليلِ) في الشِّتاءِ في السَّطحِ وفي الصَّيفِ في بطنِ البيتِ؛ يَتيَقَّظُ بالحرِّ والبردِ حتَّى يُصْبِحَ، ثمَّ يَقولُ: هذا الجهدُ مِن صفوانَ، وأنتَ أعلمُ بهِ! وإنَّهُ لَتَرِمُ رجلاهُ حتَّى يَعودَ مثلَ السِّقطِ مِن قيامِ الليلِ ويَظْهَرُ فيهِما عروقٌ خضرٌ.
وكانَ صفوانُ وغيرُهُ مِن العبَّادِ يُصَلُّونَ في الشِّتاءِ بالليلِ في ثوبٍ واحدٍ لِيَمْنَعَهُمُ البردُ مِن النَّومِ.
ومنهُم مَن كانَ إذا نَعَسَ ألْقى نفسَهُ في الماءِ ويَقولُ: هذا أهونُ مِن صديدِ جهنَّمَ (^١).
كانَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ يُنادي أصحابَهُ بالليلِ: يا فلانُ! يا فلانُ! يا فلانُ! قوموا تَوَضَّؤوا وصَلُّوا، فقيامُ هذا الليلِ وصيامُ هذا النَّهارِ أهونُ مِن شربِ الصَّديدِ ومقطَّعاتِ الحديدِ غدًا في النَّارِ. الوَحا الوَحا (^٢)! النَّجاءَ النَّجاءَ!
وكانَ قومٌ مِن العبَّادِ يَبيتونَ في مسجدٍ، [وكانوا] يَتَهَجَّدونَ بالليلِ، فاسْتَيْقَظَ واحدٌ منهُم ليلةً، فوَجَدَ إخوانَهُ نيامًا، فسَمعَ هاتفًا يَهْتِفُ مِن جانبِ المسجدِ:
أيا عَجَبًا لِلنَّاسِ قَرَّتْ عُيونَهُمْ … مَطاعِمُ غَمْضٍ بَعْدَها المَوْتُ مُنْتَصِبْ
وطولُ قيامِ الليلِ أيْسَرُ مُؤْنَةً … وَأهْوَنُ مِن نارٍ تَفورُ وتَلْتَهِبْ
وفي الحديثِ الصَّحيحِ: أن ابنَ عُمَرَ رَأى في منامِهِ كأنَّ آتيًا أتاهُ فانْطَلَقَ بهِ إلى النَّارِ حتَّى رَآها، ورَأى فيها رجالًا يَعْرِفُهُم معلَّقينَ بالسَّلاسلِ، فأتاهُ ملكٌ فقالَ لهُ: لمْ تُرَعْ، لستَ مِن أهلِها. فقَصَّ ذلكَ على أُختِهِ حَفْصَةَ. فقَصَّتْهُ حَفْصَةُ على رسولِ اللهِ
_________________
(١) دخل - ﷺ -، فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: "ما هذا الحبل؟ ". قالوا: لزينب، فإذا فترت (يعني: عن صلاة الليل) تعلّقت به. فقال - ﷺ - "حلّوه، ليصلّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد". رواه: البخاري (١١٥٠)، ومسلم (٧٨٤). وقال في حديث عائشة عند مسلم (٧٨٦): "إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد". والأحاديث نحوه كثيرة، وسنّته - ﷺ - أولى بالاتّباع من تعمّق المتعمّقين وتنطّع المتنطّعين.
(٢) الوحا الوحا: أسرعوا أسرعوا.
[ ٧٠٩ ]
- ﷺ -، فقالَ: "نِعْمَ الرَّجلُ عَبْدُ اللهِ لو كانَ يُصَلِّي مِن الليلِ". فكانَ ابنُ عُمَرَ بعدَ ذلكَ لا يَنامُ مِن الليلِ إلَّا قليلًا (^١).
قالَ الحَسَنُ: أفضلُ العبادةِ الصَّلاةُ في جوفِ الليلِ.
وقالَ: هوَ أقربُ ما يُتَقَرَّبُ بهِ إلى اللهِ تَعالى، وما وَجَدْتُ في العبادةِ أشدَّ منها.
ورُئِيَ سَلَمَةُ بنُ كُهَيْلٍ في النَّومِ فقالَ: وَجَدْتُ أفضلَ الأعمالِ قيامَ الليلِ، ما عندَهُم أشرفُ منهُ.
ورَأى بعضُ السَّلفِ خيامًا ضُرِبَتْ، فسَألَ: لمَن هيَ؟ فقيلَ: للمتهجِّدينَ بالقرآنِ، فكانَ بعدَ ذلكَ لا يَنامُ.
فَما لي بَعيدَ الدَّارِ لا أقْرَبُ الحِمى … وَقَدْ نُصِبَتْ لِلسَّائِرينَ خِيامُ
عَلامَةُ طَرْدي طولُ لَيْلِيَ نائِمٌ … وَغَيْري يَرى أن المَنامَ حَرامُ
• ومِن الصَّالحينَ مَن كانَ يُلْطَفُ بهِ في الحرِّ والبردِ.
كما دَعا النَّبيُّ - ﷺ - لعَلِيٍّ ﵁ أنْ يُذْهِبَ [الله] عنهُ الحرَّ والبردَ، فكانَ يَلْبَسُ في الشِّتاءِ ثيابَ الصَّيفِ وفي الصَّيفِ ثيابَ الشِّتاءِ ولا يَجِدُ حرًّا ولا بردًا (^٢).
_________________
(١) رواه: البخاري (١٩ - التهجّد، ٢ - فضل قيام الليل، ٣/ ٦/ ١١٢١ و١١٢٢)، ومسلم (٤٤ - الصحابة، ٣١ - فضائل ابن عمر، ٤/ ١٩٢٧/ ٢٤٧٩). ووقع في حاشية خ: "لن تراع".
(٢) (حسن). رواه: ابن أبي شيبة (٣٦٨٧٢)، وأحمد في "المسند" (١/ ٩٩ و١٣٣) و"فضائل الصحابة" (٩٥٠)، وابن ماجه (المقدّمة، ١١ - فضائل أصحابه - ﷺ -، ١/ ٤٣/ ١١٧)، والبزّار (٤٩٦ - كشف)، والنسائي في "الخصائص" (١٤)، والدارقطني في "العلل" (٤٠٤)، والضياء في "المختارة" (٢/ ٢٧٤/ ٦٥٥)؛ من طريق ابن أبي ليلى، عن الحكم والمنهال وعيسى بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عليّ … رفعه. قال البوصيري: "ابن أبي ليلى هو محمّد، وهو ضعيف الحفظ لا يحتجّ بما ينفرد به". قلت: لم ينفرد بهذا كما سيأتي. فرواه: النسائي في "الكبرى" (٨٥٣٦) و"الخصائص" (١٥)، والطبراني في "الأوسط" (٢٣٠٧)؛ من طريق قويّة، عن أيّوب بن إبراهيم الثقفي، عن إبراهيم الصائغ، عن أبي إسحاق الهمداني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عليّ … رفعه. قال الهيثمي (٩/ ١٢٥): "إسناده حسن". قلت: أيّوب لم يرو عنه إلّا رجل واحد فحقّه التجهيل ولو ذكره ابن حبّان في "الثقات" وقال العسقلاني: "صدوق". ورواه الطبراني في "الأوسط" (٣٨٠٨): ثنا علي بن سعيد بن بشير الرازي، ثني الحسن بن عبد الواحد =
[ ٧١٠ ]
وكانَ بعضُ التَّابعينَ يَشْتَدُّ عليهِ الطُّهورُ في الشِّتاءِ، فدَعا الله ﷿، فكانَ يُؤْتى بالماءِ في الشِّتاءِ ولهُ بخارٌ مِن حرِّهِ.
رَأى أبو سُلَيْمانَ في طريقِ الحجِّ في شدَّةِ البردِ شيخًا عليهِ أخلاقٌ وهوَ يَرْشَحُ عرقًا، فعَجِبَ منهُ وسَألَهُ عن حالِهِ، فقالَ: إنَّما الحرُّ والبردُ خلقانِ للهِ؛ فإنْ أمَرَهُما أنْ يَغْشَياني أصاباني، وإنْ أمَرَهُما أنْ يَتْرُكاني تَرَكاني. وقالَ: أنا في هذهِ [البرِّيَّةِ] مِن ثلاثينَ سنةً؛ يُلْبِسُني في البردِ فيحًا مِن محبَّتِهِ، ويُلْبِسُني في الصَّيفِ بردًا مِن محبَّتِهِ.
وقيلَ لآخرَ وعليهِ خرقتانِ في يومِ بردٍ شديدٍ: لوِ اسْتَتَرْتَ في موضعٍ يُكِنُّكَ مِن البردِ. فأنْشَدَ:
وَيَحْسُنُ ظَنِّي أنَّني في فِنائِهِ … وَهَلْ أحَدٌ كِنِّهِ يَجِدُ البَرْدا (^١)
• وأمَّا مَن يَجِدُ البردَ - وهُم عامَّةُ الخلقِ -؛ فإنَّهُ يُشْرَعُ لهُم دفعُ أذاهُ بما يَدْفَعُهُ مِن لباسٍ وغيرِهِ.
وقدِ امْتَنَّ اللهُ على عبادِهِ بأنْ خَلَقَ لهُم مِن أصوافِ بهيمةِ الأنعامِ وأوبارِها وأشعارِها ما فيهِ دفءٌ لا لهُم:
قالَ تَعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥].
وقال تَعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠].
رَوى: ابنُ المُبارَكِ، عن صَفْوانَ بن عَمْرٍو، عن سُلَيْمِ بن عامِرٍ (^٢)؛ قالَ: كانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ إذا حَضَرَ الشِّتاءُ تَعاهَدَهُم وكتَبَ إليهِم بالوصيَّةِ: إنَّ الشِّتاءَ قد حَضَرَ، وهوَ عدوٌّ، فتَأَهَّبوا لهُ أُهْبَتَهُ مِن الصُّوفِ والخفافِ والجواربِ، واتَّخِذوا الصُّوفَ شعارًا
_________________
(١) = الخزّاز، ثني سعّاد بن سليمان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن الجعد مولى سويد بن غفلة، عن سويد … رفعه. وعليّ فيه ضعف، والحسن وسعّاد والجعد مجاهيل. فاجتماع الطريقين الأوليين يقوّي هذا الأصل، وإلى تقويته مال الهيثمي والألباني.
(٢) قد وجده النبيّ - ﷺ - وأصحابه وتوقّوا منه ومن المطر ومن الحرّ واستظلّوا وهم أولى بحسن الظنّ بربّهم! وانظر ما يأتي بعد سطور من تحذير عمر ﵁ الصحابة من البرد وحياطته لهم منه.
(٣) في خ وم: "عن سليمان بن عامر"! وهذا تحريف صوابه ما أثبتّه من ن وط.
[ ٧١١ ]
ودثارًا؛ فإنَّ البردَ عدوٌّ، سريعٌ دخولُهُ، بعيدٌ خروجُهُ.
وإنَّما كانَ يَكْتُبُ بذلكَ عُمَرُ إلى أهلِ الشَّامِ لمَّا فُتِحَتْ في زمنِهِ، فكانَ يَخْشى على مَن بها مِن الصَّحابةِ وغيرِهِم ممَّن لمْ يَكُنْ لهُ عهدٌ بالبردِ أنْ يَتَأذَّى ببردِ الشَّامِ، وذلكَ مِن تمامِ نصيحتِهِ وحسنِ نظرِهِ وشفقتِهِ وحياطتِهِ لرعيَّتِهِ ﵁.
ورُوِيَ عن كَعْبٍ؛ قالَ: أوْحى اللهُ إلى داوودَ ﵇: أنْ تأهَّبْ لعدوٍّ قد أظَلَّكَ. قالَ: يا ربِّ! مَن عدوِّي، وليسَ بحضرتي عدوٌّ؟ قالَ: بلى؛ الشِّتاءُ.
وليس المشروعُ أنْ (^١) يَتَّقِيَ البردَ حتَّى لا يُصيبَهُ [منهُ] (^٢) شيءٌ بالكلِّيَّةِ؛ فإنَّ ذلكَ يَضرُّ أيضًا. وقد كانَ بعضُ الأُمراءِ يَصونُ نفسَهُ من البردِ والحرِّ بالكلِّيَّةِ حتَّى لا يُحِسَّ بهِما بدنُهُ، فتَلِفَ باطنُهُ وتُعُجِّلَ موتُهُ. فإنَّ الله بحكمتِهِ جَعَلَ الحرَّ والبردَ في الدُّنيا لمصالحِ عبادِهِ، فالحرُّ لتحلُّلِ الأخلاطِ والبردُ لجمودِها، فمتى لم يُصِبِ الأبدانَ شيءٌ مِن الحرِّ والبردِ؛ تَعَجَّلَ فسادُها، ولكنِ المأْمورُ بهِ اتِّقاءُ ما يُؤْذي البدنَ مِن ذلكَ؛ فإنَّ الحرَّ المؤذيَ والبردَ المؤذيَ معدودانِ مِن جملةِ أعداءِ بني آدَمَ.
قيلَ لأبي حازِمٍ الزَّاهدِ: إنَّكَ لَتُشَدِّدُ (يَعْني: في العبادةِ)! فقالَ: وكيفَ لا أُشَدِّدُ وقد تَرَصَّدَ لي أربعةَ عشرَ عدوًّا؟! قيلَ: لكَ خاصَّةً؟ قالَ: بل لجميعِ مَن يَعْقِلُ. قيلَ لهُ: وما هذهِ الأعداءُ؟ قالَ: أمَّا أربعةٌ؛ فمؤمنٌ يَحْسُدُني ومنافقٌ يُبْغِضُني وكافرٌ يُقاتِلُني وشيطانٌ يُغْويني ويُضِلُّني، وأمَّا العشرةُ؛ فالجوعُ والعطشُ والحرُّ والبردُ والعريُ والمرضُ والفاقةُ والهرمُ والموتُ والنَّارُ، ولا أُطيقُهُنَّ إلَّا بسلاحٍ تامٍّ، ولا أجِدُ لهنَّ سلاحًا أفضلَ مِن التَّقوى. فعَدَّ الحرَّ والبردَ مِن جملةِ أعدائِهِ.
وقالَ الأصْمَعِيُّ: كانتِ العربُ تُسَمِّي الشِّتاءَ الفاضحَ. فقيلَ لامرأةٍ منهُم: أيُّما أشدُّ عليكُـ[ــمُ]؛ القيظُ أمِ القرُّ؟ قالَـ[ــتْ]: سبحانَ اللهِ! مَن جَعَلَ البأْسَ كالأذى؟! فجَعَلْتِ الشِّتاءَ بأْسًا والقيظ أذًى (^٣).
_________________
(١) في ن وط: "وليس المأمور أن".
(٢) ليست في خ وم ون، استفدتها من ط ليستقيم بها السياق.
(٣) البأس: العذاب والشدّة والضرّ.
[ ٧١٢ ]
قالَ بعضُ السَّلفِ: إنَّ الله وَصَفَ الجنَّةَ بصفةِ الصَّيفِ لا بصفةِ الشِّتاءِ، ققالَ تَعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ. وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ. وَظِلٍّ مَمْدُودٍ. وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ. وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٢٨ - ٣٢].
وقالَ اللهُ تَعالى في صفةِ أهلِ الجنَّةِ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٣]؛ فنَفى عنهُم شدَّةَ الحرِّ والبردِ. قالَ قَتادَةُ: عَلِمَ اللهُ أن شدَّةَ الحرِّ تُؤْذي وشدَّةَ البردِ تُؤْذي، فوَقاهُم أذاهُما جميعًا.
وقالَ أبو عَمْرِو بنُ العَلاءِ: إنِّي لأُبْغِضُ الشِّتاءَ لنقصِ الفروضِ وذهابِ الحقوقِ وزيادةِ الكلفةِ على الفقراءِ.
وقد رُوِيَ في حديثٍ مرفوعٍ: "إنَّ الملائكةَ تَفْرَحُ بذهابِ الشِّتاءِ لِما يَدْخُلُ فيهِ على فقراءِ المؤمنينَ مِن الشِّدَّةِ" (^١). ولكنْ لا يَصِحُّ إسنادُهُ.
ورُوِيَ أيضًا مرفوعًا: "خيرُ صيفِكُم أشدُّهُ حرًّا، وخيرُ شتائِكُم أشدُّهُ بردًا، وإنَّ الملائكةَ لَتَبْكي في الشِّتاءِ رحمةً لبني آدمَ" (^٢). وإسنادُهُ أيضًا باطلٌ.
وقالَ بعضُ السَّلفِ: البردُ عدوُّ الدِّينِ. يُشيرُ إلى أنَّهُ يُفَتِّرُ عن كثيرٍ مِن الأعمالِ ويُثَبِّطُ عنها، فتَكْسَلُ النُّفوسُ بذلكَ.
وقالَ بعضُهُم: خُلِقَتِ القلوبُ مِن طينٍ، فهيَ تَلينُ في الشِّتاءِ كما يَلينُ الطِّينُ فيهِ.
_________________
(١) (منكر). رواه: العقيلي (٤/ ٢١٦)، والطبراني (١١/ ٨٢/ ١١١٧١)، وابن عدي (٦/ ٢٣٦٨)، والذهبي في "الميزان" (٤/ ١٥٢) تعليقًا، والعسقلاني في "اللسان" (٦/ ٧٧) تعليقًا؛ من طريق معلّى بن ميمون، ثنا مطر الورّاق، عن مجاهد، عن ابن عبّاس … رفعه. ومعلّى ضحيف جدَّا منكر الحديث، ومطر لا يعدو أن يكون صالحًا في الشواهد. وقد عدّ العقيلي وابن عدي والذهبي وابن رجب والهيثمي والعسقلاني والمناوي والألباني هذا الحديث في المنكرات. ورواه: العقيلي (٢/ ١٠٤)، والذهبي في "الميزان" (٢/ ١٣٤) تعليقًا، والعسقلاني في "اللسان" (٣/ ٣٣) تعليقًا؛ من طريق نعيم بن حمّاد، عن سعيد بن دهثم، عن عبد الله بن نمير الرحبي، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس … رفعه مختصرًا. ونعيم يخطى كثيرًا، وسعيد والرحبيّ مجهولان لا يعرفان بنقل وأتيا بهذا الخبر المنكر. ولذلك قال العقيلي: "غير محفوظ".
(٢) (باطل). رواه المقريزي (٢/ ٣٩٤ - فيض القدير) من حديث ابن عمر مرفوعًا. ولم أقف على سنده، فحسبي فيه شهادة ابن رجب الذي وقف على سنده.
[ ٧١٣ ]
قالَ الحَسَنُ: الشِّتاءُ ذكرٌ فيهِ اللقاحُ، والصَّيفُ أُنثى فيهِ النَّتاجُ. يُشيرُ إلى أن الصَّيفَ تُنْتَجُ فيهِ المواشي والشَّجرُ.
والصَّيفُ عندَ العرب هوَ الرَّبيعُ، وأمَّا الذي تُسَمِّيهِ النَّاسُ الصَّيفَ؛ فالعربُ تُسَمِّيهِ القيظَ. ففي الشِّتاءِ تَغورُ (^١) الحرارةُ إلى باطنِ الشَّجرِ فتَنْعَقِدُ موادُّ الثَّمرِ فتَظْهَرُ في الرَّبيعِ مباديها فتُزْهِرُ الشَّجرُ ثمَّ تورِقُ، ثمَّ إذا ظَهَرَتِ الثِّمارُ قَوِيَ حرُّ الشَّمسِ لإنضاجِها.
• الإيثارُ في الشِّتاءِ للفقراءِ (^٢) بما يَدْفَعُ عنهُمُ البردَ لهُ فضلٌ عظيمٌ.
خَرَجَ صَفْوانُ بنُ سُلَيْمٍ في ليلةٍ باردةٍ بالمدينةِ مِن المسجدِ، فرَأي رجلًا عاريًا، فنَزَعَ ثوبَهُ وكَساهُ إيَّاهُ، فرَأى بعضُ أهلِ الشَّامِ في منامِهِ أن صَفْوانَ بنَ سُلَيْمٍ دَخَلَ الجنَّةَ بقميصٍ كَساهُ، فقَدِمَ المدينةَ فقالَ: دُلُّوني على صَفْوانَ، فأتاهُ فقَصَّ عليهِ ما رَأى.
رأى مِسْعَرٌ أعرابيًّا يَتَشَرَّقُ (^٣) في الشَّمسِ وهوَ يَقولُ:
جاءَ الشِّتاءُ وَلَيْسَ عِنْدِيَ دِرْهَمٌ … وَلَقَدْ يُخَصُّ بِمِثْلِ ذاكَ المُسْلِمُ
قَدْ قَطَّعَ النَّاسُ الجِبابَ وَغَيْرَها … وَكَأنَّني بِفِناءِ مَكَّةَ مُحْرِمُ
فنَزَعَ مِسْعَرٌ جبَّتَهُ فألْبَسَهُ إيَّاها.
رُفعَ إلى بعضِ الوزراءِ الصَّالحينَ أن امرأةً معَها أربعةُ أطفالٍ أيتامٍ وهُم عراةٌ جياعٌ، فأمَرَ رجلًا أنْ يَمْضِيَ إليهِم ويَحْمِلَ معَهُ ما يُصْلِحُهُم مِن كسوةٍ وطعامٍ، ثمَّ نَزَعَ ثيابَهُ وحَلَفَ: لا لَبِسْتُها ولا دَفِيتُ حتَّى تَعودَ وتُخْبِرَني أنَّكَ كَسَوْتَهُم وأشْبَعْتَهُم. فمَضى وعادَ وأخْبَرَهُ أنَّهُمُ اكْتَسَوْا وشَبِعوا وهوَ يَرْعُدُ مِن البردِ، فلَبِسَ حينئذٍ ثيابَهُ.
خَرَّجَ التَرْمِذِيُّ مِن حديثِ أبي سَعيدٍ مرفوعًا: "مَن أطْعَمَ مؤمنًا على جوعٍ؛ أطْعَمَهُ اللهُ يومَ القيامةِ مِن ثمارِ الجنَّةِ، ومَن سَقاهُ على ظمإ؛ سَقاهُ اللهُ يومَ القيامةِ مِن الرَّحيقِ
_________________
(١) في خ وم: "الصيف تسمّيه العرب القيظ ففي الشتاء تعود"، وفي ن: " … تعود"، وفي ط: " … يسمّونه اليقظ ففي الشتاء تغور"، وأرجو أنّني أثبتّ أولاها بالصواب.
(٢) في خ وم: "فإذا ظهرت الثمار … الإيثار للفقراء في الشتاء"، والأولى ما أثبتّه من ن وط.
(٣) في خ وم: "يشّرق". والمعنى: يتدفّأ بحرارة الشمس.
[ ٧١٤ ]
المختومِ، ومَن كَساهُ على عريٍ؛ كَساهُ اللهُ مِن خضرِ الجنَّةِ" (^١).
ورَوى ابنُ أبي الدُّنيا بإسنادِهِ عن ابن مَسْعودٍ؛ قالَ: يُحْشَرُ النَّاسُ يومَ القيامةِ أعرى ما كانوا قطُّ وأجوعَ ما كانوا قطُّ وأظمأ ما كانوا قطُّ: فمَن كَسا للهِ ﷿ كَساهُ اللهُ، ومَن أطْعَمَ للهِ أطْعَمَهُ اللهُ، ومَن سَقى للهِ سَقاهُ اللهُ، ومَن عَفا للهِ عفا اللهُ عنهُ" (^٢).
_________________
(١) (حسن لشواهده). يرويه عطيّة العوفي واختلف عليه فيه على وجهين: روى أوّلهما: الترمذي (٣٨ - القيامة، ١٨ - باب، ٤/ ٦٣٣/ ٢٤٤٩)، وابن أبي الدنيا في "الحوائج" (٣١)، وأبو يعلى (١١١١)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٢٠٠٧)؛ من طريق أبي الجارود زياد بن المنذر، عن عطيّة، عن أبي سعيد … رفعه. وأبو الجارود متّهم متروك. وروى الثاني: ابن أبي شيبة (٣٤٣٤٤)، وأحمد (٣/ ١٣)، وهنّاد (٦٧٠)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٢٠٠٧)، والبيهقي في "الشعب" (٣٣٧٠ و٣٣٧١)؛ من طريق سعد بن مجاهد الطائي، [عن عطيّة، عن أبي سعيد] … مرفوعًا وموقوفًا ومرسلًا. فكأنّ عطيّة هو الذي اضطرب فيه رفعًا ووقفا فإنّه ضعيف سمى التدليس جدّا. لكنّه جاء عند ابن أبي شيبة وهنّاد من وجه قويّ عن سعد الطائي مرسلًا ممّا يرجّح جانب الرفع. لكن يبقى السند ضعيفًا من أجل عطيّة. ورواه: أبو داوود (٣ - الزكاة، ٤١ - فضل سقي الماء، ١/ ٥٢٦/ ١٦٨٢)، والبيهقي (٤/ ١٨٥)؛ من طريق قويّة، عن أبي خالد الدالاني، عن نبيح العنزي، عن أبي سعيد … رفعه. قال المنذري: "في إسناده الدالاني". قلت: هو غير مدفوع عن صدق، لكنّه يخطئ ويأتي بمناكير ويدلّس، فلا يطمئنّ القلب لتقوية حديثه. ونبيح صدوق حسن الحديث قصّر العسقلاني وعدّه من المقبولين فقط! ورواه أبو نعيم في "الحلية" (٨/ ١٣٤) من طريق أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد … رفعه مختصرًا. وأبو هارون متّهم متروك. ورواه البيهقي في "الشعب" (٣٣٧٠) من طريق قويّة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبيّ، عن النبيّ - ﷺ -. وهذا مرسل قويّ. ورواه تمّام في "الفوائد" (١٢٩٥) من طريق مسلسلة بالمجاهيل، عن رجاء بن حيوة، عن معاذ … رفعه مختصرًا. ورواية رجاء عن معاذ مرسلة. فخير هذه الطرق طريق نبيح العنزي فإنّها يسيرة الضعف، يليها مرسل الشعبيّ القويّ، فطريق عطيّة الضعيفة. فاجتماع هذه الثلاث يفيد أنّ للحديث أصلًا، وحديث معاذ على شدّة ضعفه يزيدنا ثقة بذلك، ثمّ يضاف إليه حديث ابن مسعود الآتي بعده؛ فإنّ له حكم الرفع. وضعّفه أبو حاتم والترمذي والألباني.
(٢) (حسن لشواهده). رواه: ابن أبي الدنيا في "قضاء الحوائج" (٣٠) و"المعروف"، وابن حبّان في "الثقات" (٨/ ١٨)؛ من طريق قويّة، عن شريك، عن هلال، عن ابن عكيم، عن ابن مسعود … موقوفًا. وشريك سيّئ الحفظ، وهلال هو ابن أبي حميد ثقة، وابن عكيم هو عبد الله ثقة، فالسند صالح في الشواهد، وله حكم الرفع لأنّه لا يقال اجتهادًا، بل قال المنذري (١٣٩٢): "وروي مرفوعًا بهذا اللفظ"، ولم أقف عليه، ويشهد له ما قبله فهو به حسن. والله أعلم.
[ ٧١٥ ]
• ومِن فضائلِ الشِّتاءِ أنَّهُ يُذَكِّرُ بزمهريرِ جهنَّمَ ويوجِبُ الاستعاذةَ منها.
وفي حديثِ أبي هُرَيْرَةَ وأبي سَعيدٍ: عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إذا [كانَ] يومٌ شديدُ البردِ، فإذا قالَ العبدُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، ما أشدَّ بردَ هذا اليومِ! اللهمَّ أجِرْني مِن زمهريرِ جهنَّمَ. قالَ اللهُ تَعالى لجهنَّمَ: إنَّ عبدًا مِن عبادي اسْتَجارَ بي مِن زمهريرِكِ، وإنِّي أُشْهِدُكِ أنِّي قد أجَرْتُهُ". قالوا: وما زمهريرُ جهنَّمَ؟ قالَ: "بيتٌ يُلْقى فيهِ الكافرُ فيَتَمَيَّزُ مِن شدَّةِ بردِهِ" (^١).
قامَ زُبَيْدٌ اليامِيُّ ذاتَ ليلةٍ للتَّهجُّدِ، فعَمَدَ إلى مطهرةٍ لهُ كانَ يَتَوَضَّأُ منها، فغَمَسَ يدَهُ في المطهرةِ، فوَجَدَ الماءَ باردًا شديدًا كادَ أنْ يَجْمُدَ مِن شدَّةِ البردِ، فذَكَرَ الزَّمهريرَ ويدُهُ في المطهرةِ، فلمْ يُخْرِجْها حتَّى أصبحَ. فجاءَتْ جاريتُهُ وهوَ على تلكَ الحالِ، فقالَتْ: ما شأْنُك يا سيِّدي لم تُصَلِّ الليلةَ كما كُنْتَ تُصَلِّي وأنتَ قاعدٌ هنا على هذهِ الحالةِ؟ قالَ: ويحكِ! إنِّي أدْخَلْتُ يدي في هذهِ المطهرةِ، فاشْتَدَّ عليَّ بردُ الماءِ، فذَكَرْتُ بهِ الزَّمهريرَ، فواللهِ؟ ما شَعَرْتُ بشدَّةِ بردِهِ حتَّى وَقَفْتِ عليَّ، فانْظُري لا تُحَدِّثي بهذا أحدًا ما دمتُ حيًّا. فما عَلِمَ بذلكَ أحدٌ حتَّى ماتَ.
وفي الحديثِ الصَّحيحِ: عن النَّبيِّ - ﷺ -: "إن لجهنَّمَ نفسينِ؛ نفسًا في الشِّتاءِ ونفسًا في الصَّيفِ. فأشدُّ ما تَجِدونَ مِن البردِ مِن زمهريرِها، وأشدُّ ما تَجِدونَ مِن الحرِّ مِن سمومِها" (^٢).
[و] رُوِيَ عن أبنِ عَبَّاسٍ؛ قالَ: يَسْتَغيثُ أهلُ النَّارِ مِن الحرِّ، فيُغاثونَ بريحٍ باردةٍ يُصَدِّعُ العظامَ بردُها، فيَسْألونَ الحرَّ.
وعن مُجاهِدٍ؛ قالَ: يَهْرُبونَ إلى الزَّمهريرِ، فإذا وَقَعوا فيهِ؛ حَطَمَ عظامَهُم حتَّى يُسْمَعَ لها نقيصٌ.
وعن كَعْبٍ قالَ: إنَّ في جهنَّمَ بردًا هوَ الزَّمهريرُ، يُسْقِط اللحمَ، حتَّى يَسْتَغيثوا بحرِّ جهنَّمَ.
_________________
(١) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٦٩١ - ٦٩٢).
(٢) متّفق عليه. تقدم تفصيل القول فيه (ص ٦٨٨).
[ ٧١٦ ]
وعن عَبْدِ المَلِكِ بن عُمَيْرٍ؛ قالَ: بَلَغَني أن أهلَ النَّارِ سَألوا خازِنَها أنْ يُخْرِجَهُم إلى جنباتِها، فأُخرِجوا، فقَتَلَهُمُ البردُ والزَّمهريرُ، حتَّى رَجَعوا إليها فدَخَلوها ممَّا وَجَدوا مِن البردِ.
وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا. إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٤ - ٢٥]. وقالَ تَعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ [ص: ٥٧]. قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: الغَسَّاقُ: الزَّمهريرُ الباردُ الذي يُحْرِقُ مِن بردِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هوَ الذي لا يَسْتَطيعونَ أنْ يَذوقوهُ مِن بردِهِ. وقيلَ: إنَّ الغسَّاقَ الباردُ المنتنُ.
أجارَنا اللهُ تَعالى مِنها.
يا مَن تُتْلى عليهِ أوصافُ جهنَّم، ويُشاهِدُ نفسَها كلَّ عامٍ حتَّى يُحِسَّ بهِ ويَتَألَّم، وهوَ مصرٌّ على ما يُقْتَضي دخولَها معَ أنَّهُ يَعْلَم، سَتَعْلَمُ إذا جِيءَ بها تُقادُ بسبعينَ ألفِ زمامٍ مَن يَنْدَم، ألكَ صبرٌ على سعيرِها وزمهريرِها؟ قُلْ وتَكَلَّمْ، ما كانَ صلاحُكَ يُرْجى واللهُ أعلم.
كَمْ يَكونُ الشِّتاءُ ثُمَّ المَصيفُ … وَرَبيعُ يَمْضي وَيَأْتي الخَريفُ
وَارْتِحالٌ مِنَ الحَرورِ إلى البَرْ … دِ وَسَيْفُ الرَّدى عَلَيْكَ مُنِيفُ
يا قَليلَ المُقامِ في هذهِ الدُّنْـ … ـــيا إلى كَمْ يَغُرُّكَ التَّسْويفُ (^١)
عَجَبًا لامْرِئ يَذِلُّ لِذي الدُّنْـ … ــــيا وَيَكْفيهِ كُلَّ يَوْمٍ رَغيفُ
* * * * *
_________________
(١) زاد في ن وط وحاشية خ هنا: "يا طالب الزائل حتّى متى، قلبك بالزائل مشغوف"، وهذه زيادة ناسخ وجدت طريقها إلى المتن، ولا يستقيم مع سائر الأبيات وزنًا؛ فإنّه من الرجز والأبيات من الخفيف.
[ ٧١٧ ]