في الصَّحيحينِ (^٤) عن عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - قالَ لرجل: "هل صُمْتَ
_________________
(١) في خ ون: "بحملك"! والصواب ما أثبتّه من م وط.
(٢) في خ: "من نزولك"، والأولى ما أثبته من م ون وط.
(٣) كذا في خ، وفي م: "أخي إني"، وفي ن: "أخيّ لقد".
(٤) البخاري (٣٠ - الصوم، ٦٢ - الصوم من آخر الشهر، ٤/ ٢٣٠/ ١٩٨٣)، ومسلم (١٣ - الصيام، ٣٧ - صوم سرر شعبان، ٢/ ٨٢٠/ ١١٦١).
[ ٣٣٣ ]
مِن سَرَرِ هذا الشَّهرِ شيئًا؟ ". قالَ: لا. قالَ: "فإذا أفْطَرْتَ فصُمْ يومينِ". وفي روايةٍ للبُخارِيِّ: أظُنُّهُ يَعْني رمضانَ (^١). وفي رواية لمسلمٍ وعَلَّقَها البُخارِيُّ: "هل صُمْتَ مِن سَرَرِ شعبانَ شيئًا؟ ". وفي روايةٍ: "فإذا أفْطَرْتَ مِن رمضانَ؛ فصُمْ يومينِ مكانَهُ". وفي روايةٍ: يومًا أو يومينِ. شَكَّ شُعْبَةُ (^٢). ورُوِيَ: "مِن سِرارِ [هذا] الشَّهرِ" (^٣).
• وقدِ اخْتُلِفَ في تفسيرِ السِّرارِ:
* والمشهورُ أنَّهُ آخرُ الشَّهرِ، يُقالُ: سِرارُ الشَّهرِ وسَرارُهُ؛ بكسرِ السِّينِ وفتحِها، ذَكَرَهُ ابنُ السِّكِّيتِ وغيرُهُ. وقيلَ: إنَّ الفتحَ أفصحُ. قالَهُ الفَرَّاءُ. وسُمِّيَ آخرُ الشَّهرِ سِرارًا لاستسرارِ القمرِ فيهِ. وممَّن فَسَّرَ السِّرارَ بآخرِ الشَّهرِ أبو عُبَيْدٍ وغيرُهُ مِن الأئمَّةِ. وكذلكَ بَوَّبَ عليهِ البُخارِيُّ صيامَ آخرِ الشَّهرِ.
وأشْكَلَ هذا على كثيرٍ مِن العلماءِ؛ فإنَّ في الصَّحيحينِ أيضًا (^٤): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ [قالَ]: "لا تَقَدموا رَمضانَ بيومٍ أو يومينِ؛ إلَّا مَن كانَ يَصومُ صومًا فلْيَصُمْهُ".
فقالَ كثيرٌ مِن العلماءِ - كأبي عُبَيْدٍ ومَن تابَعَهُ كالخَطَّابِيِّ وأكثرِ شرَّاحِ الحديثِ -: إنَّ هذا الرَّجلَ الذي سَألَهُ النَّبيُّ - ﷺ - كانَ يَعْلَمُ أن لهُ عادةً بصيامِهِ أو كانَ قد نَذَرَهُ، فلذلكَ أمَرَهُ بقضائِهِ (^٥).
وقالَتْ طائفةٌ: حديثُ عِمْرانَ يَدُلُّ على أنَّهُ يَجوزُ صيامُ يومِ الشَّكِّ وآخرِ شعبانَ مطلقًا، سواءٌ وافَقَ عادةً أو لم يُوافِقْ، وإنَّما يُنْهى عنهُ إذا صامَهُ بنيَّةِ الرَّمضانيَّةِ احتياطًا.
_________________
(١) جاء هذا الظنّ من بعض الرواة عند البخاري لا من البخاري نفسه: فإن أراد بظنّه "أصمت من سرر رمضان شيئًا؟؛ فشذوذ يخالف جمهور رواة هذا الحديث وخطأ ظاهر لأنّ صيام رمضان جميعه متعيّن. وإن أراد بظنّه "فإذا أفطرت من رمضان فصم"؛ فصحيح يلتئم مع سائر روايات الحديث.
(٢) وهذه الروايات كلّها عندهما في الموضع السابق نفسه.
(٣) هذه الرواية عند أحمد في "المسند" (٤/ ٤٣٢ و٤٣٤ و٤٤٢) بأسانيد صحيحة عن عمران.
(٤) البخاري (٤/ ١٢٨/ ١٨١٥ - فتح)، ومسلم (١٠٨٢)؛ من حديث أبي هريرة.
(٥) يعني: فلمّا سمع هذا الصحابيّ نهي النبيّ - ﷺ - عن تقدّم رمضان بصوم يوم أو يومين؛ ترك ما اعتاده من صيام يوم أو يومين أو ثلاثة آخر كلّ شهر حتّى لا يقع في تقدّم رمضان المحظور، فأمره النبيّ - ﷺ - أن يقضي هذه الأيّام إذا أفطر من رمضان ليكون عمله ديمة.
[ ٣٣٤ ]
وهذا مذهبُ مالِكٍ، وذَكَرَ أنَّهُ القولُ الذي أدْرَكَ عليهِ أهلَ العلمِ، حتَّى قالَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ مِن أصحابِهِ: يُكْرَهُ الأمرُ بفطرِهِ؛ لئلَّا يُعْتَقَدَ وجوبُ الفطرِ قبلَ الشَّهرِ كما وَجَبَ بعدَهُ، وحَكى ابنُ عَبْدِ البَرِّ هذا القولَ عن أكثرِ علماءِ الأمصارِ. وذَكَرَ مُحَمَّدُ بنُ ناصِرٍ الحافظُ أن هذا هوَ مذهبُ أحْمَدَ أيضًا، وغُلِّطَ في نقلِهِ هذا عن أحْمَدَ.
ولكنْ يُشْكِلُ على هذا حديثُ أبي هُرَيْرَةَ وقولُهُ: "إلَّا مَن كانَ يَصومُ صومًا فَلْيَصُمْهُ" (^١).
وقد ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ في كتابِهِ "مختلف الحديث" احتمالًا في معنى قولِهِ "إلَّا مَن كانَ يَصومُ صومًا فَلْيَصُمْهُ" وفي روايةٍ "إلَّا أنْ يُوافِقَ ذلكَ صومًا كانَ يَصومُهُ أحدُكُم": أن المرادَ بموافقةِ العادةِ صيامُهُ على عادةِ النَّاسِ في التَّطوُّعِ بالصِّيامِ دونَ صيامِهِ بنيَّةِ الرَّمضانيَّةِ للاحتياطِ (^٢).
* وقالَتْ طائفةٌ: سرُّ الشَّهرِ؛ أوَّلُهُ.
وخَرَّجَ أبو داوودَ في بابِ تقدُّمِ رمضانَ (^٣) مِن حديثِ مُعاوِيَةَ، أنَّهُ قالَ: إنِّي متقدِّمٌ الشَّهرَ، فمَن شاءَ فَلْيَتَقَدَّمْ. فسُئِلَ عن ذلكَ، فقالَ: سَمِعْتُ النَّبي - ﷺ - يَقولُ: "صوموا الشَّهرَ وسرَّهُ" (^٤). ثمَّ حَكى أبو داوودَ عن الأوْزاعِيِّ وسَعيدِ بن عَبْدِ العَزيزِ أن سرَّ الشَّهرِ أوَّلُهُ. قالَ أبو داوودَ: وقالَ بعضُهُم: سرُّهُ وسطُهُ.
_________________
(١) وجه الإشكال أنّه - ﷺ - استثنى فقط من وافق هذان اليومان صيامًا معتادًا له، فألحق أصحاب هذا القول به من لم يوافق هذان اليومان صيامًا معتادًا له، وصرفوا النصّ عن ظاهره في العادة إلى النيّة!
(٢) ولكنّه استضعفه ورجّح غيره كما سيأتيك قريبًا.
(٣) في خ: "تقديم رمضان"! وهذا تحريف صوابه ما أثبتّه من م ون وط.
(٤) (ضعيف). رواه: أبو داوود (٨ - الصيام، ٨ - التقدّم، ١/ ٧١١/ ٢٣٢٩)، والطبراني في "الكبير " (١٩/ ٣٨٤/ ٩٠١) و"الشاميّين" (٧٩٥)، والبيهقي في "السنن" (٤/ ٢١٠)، وابن عساكر في "التاريخ" (٦٠/ ٨١)؛ من طريق الوليد بن مسلم، (عن عبد الله بن العلاء بن زبر؛ إلّا ابن عساكر فعن سعيد بن عبد العزيز)، سمعت أبا الأزهر المغيرة بن فروة، سمع معاوية يخطب … فذكره. وهذا سند ضعيف من أجل الوليد؛ فقد عنعنه عندهم جميعًا، نعم صرّح بالتحديث في "الشاميّين"، لكن من وجه ضعيف عنه، فلا يليق أن يعتمد. وأبو الأزهر تابعيّ، روى عنه جماعة من الثقات، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، فحريّ ألّا يعلّ الحديث به. وقد سكت عنه المنذري وضعّفه الألباني.
[ ٣٣٥ ]
* وفَرَّقَ الأزْهَرِيُّ بينَ سِرارِ الشَّهرِ وسِرِّهِ، فقالَ: سَرارُهُ وسَرَرُهُ آخرُهُ، وسِرُّهُ وسطُهُ، وهيَ أيَّامُ البيضِ، وسرُّ كلِّ شيءٍ جوفُهُ. وفي روايةٍ لمسلمٍ في حديثِ عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ المذكورِ: "هل صُمْتَ مِن سُرَّةِ (^١) هذا الشَّهرِ"، وفُسِّرَ ذلكَ بالأيَّامِ البيضِ.
قُلْتُ: لا يَصِحُّ أنْ يُفَسَّرَ سِررُ الشَّهرِ وسَرارُهُ بأوَّلِهِ؛ لأنَّ أوَّلَ الشَّهرِ يَشْتَهِرُ فيهِ الهلالُ ويُرَى مِن أوَّلِ الليلِ، ولذلكَ سُمِّيَ الشَّهرُ شهرًا؛ لاشتهارِهِ وظهورِهِ. فتسميةُ ليالي الاشتهارِ لياليَ السِّرارِ قلبٌ للُّغةِ والعرفِ.
وقد أنْكَرَ العلماءُ ما حَكاهُ أبو داوودَ عن الأوْزاعِيِّ، منهُمُ الخَطَّابِيُّ، ورَوى بإسنادِهِ عن الوَليدِ عن الأوْزاعِيِّ؛ قالَ: سِرُّ الشَّهرِ آخرُهُ. وقالَ الهَرَوِيُّ: المعروفُ أن سِرَّ الشَّهرِ آخرُهُ. وفَسَّرَ الخَطَّابِيُّ حديثَ مُعاوِيَةَ "صوموا الشَّهرَ وسِرَّهُ" بأنَّ المرادَ بالشَّهرِ الهلالُ، فيَكونُ المعنى: صوموا أوَّلَ الشَّهرِ وآخرَهُ، فلذلكَ أمَرَ مُعاوِيَةَ بصومِ آخرِ الشَّهرِ.
قُلْتُ: لمَّا رَوى مُعاوِيَةُ "صوموا الشَّهرَ وسِرَّهُ" وصامَ آخرَ الشَّهرِ؛ عُلِمَ أنَّهُ فَسَّرَ السرَّ بالآخرِ. والأظهرُ أن المرادَ بالشَّهرِ شهرُ رمضانَ كلِّهِ، والمرادُ بسِرِّهِ آخرُ شعبانَ، كما في روايةِ البُخارِيِّ في حديثِ عِمْرانَ: "أظُنُّهُ يَعْني رمضانَ". وأضافَ السِّرَّ إلى رمضانَ وإنْ لمْ يَكُنْ منهُ، كما سُمِّيَ رمضانُ شهرَ عيدٍ وإنْ كانَ العيدُ ليسَ منهُ لكنَّهُ يَعْقُبُهُ.
فدَلَّ حديثُ عِمْرانَ وحديثُ مُعاوِيَةَ على استحبابِ صيامِ آخرِ شعبانَ (^٢).
• وإنَّما أمَرَ بقضائِهِ في أوَّل شوَّالٍ؛ لأنَّ كلًّا مِن الوقتينِ صيامٌ يَلي شهرَ رمضانَ،
_________________
(١) قال النووي تبعًا لابن قرقول: "كذا هو في جميع النسخ"؛ يعني: نسخ "الصحيح". نقله العسقلاني في "الفتح" (٣/ ٢٣٠) ثمّ قال: "والذي رأيته في رواية أبي بكر بن ياسر الجيّاني ومن خطه نقلت "سرر هذا الشهر" كباقي الروايات". ثمّ قال: "لم أره في جميع طرق الحديث باللفظ الذي ذكره - وهو "سرّة" - بل هو عند أحمد من وجهين بلفظ "سرار"، وأخرجه من طرق عن سليمان التيمي في بعضها "سرر" وفي بعضها "سرار"" اهـ. فالظاهر أنّ الصواب رواية الجيّاني.
(٢) فيه نظر! فأمّا حديث معاوية! فضعيف. وأمّا حديث عمران؛ فقصاراه أن يدلّ على استحباب صوم سرار الأشهر أو ما يسمّيه بعضهم بالأيّام السود، فمن اعتاد صومها؛ فلا بأس عليه إن تقدّم رمضان بيوم أو يومين، فإن أحبّ أن يفطر قبل رمضان؛ فيستحبّ له أن يقضي ما فاته من سرار شعبان في شوّال.
[ ٣٣٦ ]
فهوَ ملتحِقٌ برمضانَ في الفضلِ، فمَن فاتَهُ ما قبلَهُ، صامَهُ فيما بعدَهُ (^١)، كما كانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَصومُ شعبانَ ونَدَبَ إلى صيامِ شوَّالٍ.
• وإنَّما يُشْكِلُ على هذا حديثُ أبي هُرَيْرَةَ في نهي النَّبيِّ - ﷺ - عن تقدُّمِ رمضانَ بيومٍ أو يومينِ إلَّا مَن لهُ عادةٌ أو مَن كانَ يَصومُ صومًا. وأَكثرُ العلماءِ على أنَّهُ نَهى عن التَّقدُّمِ إلَّا مَن كانَتْ لهُ عادة بالتَّطوُّعِ فيهِ، وهوَ ظاهرُ الحديثِ. ولم يَذْكُرْ أكثرُ العلماءِ في تفسيرِهِ بذلكَ اختلافًا، وهوَ الذي اخْتارَهُ الشَّافِعِيُّ في تفسيرِهِ، ولم يُرَجِّحْ ذلكَ الاحتمالَ المتقدِّمَ.
وعلى هذا؛ فيُرَجَّحُ حديثُ أبي هُرَيْرَةَ على حديثِ عِمْرانَ؛ فإنَّ حديثَ أبي هُرَيْرَةَ فيهِ نهيٌ عامٌّ للأمَّةِ عمومًا، فهوَ تشريعٌ عامٌّ للأُمَّةِ، فيُعْمَلُ بهِ. وأمَّا حديثُ عِمْرانَ، فهيَ قضيَّةُ عينٍ في حقِّ رجلٍ معيَّنٍ، فيَتَعَيَّنُ حملُهُ على صورةِ صيامٍ لا يُنْهى عن التَّقدُّمِ بهِ جمعًا بينَ الحديثينِ.
وأحسنُ ما حُمِلَ عليهِ أن هذا الرَّجلَ الذي سَألَهُ النَّبيُّ - ﷺ - كانَ قد عَلِمَ منهُ - ﷺ - أنَّهُ كانَ يَصومُ شعبانَ أو أكثرَهُ موافقةً لصيامِ النَّبيِّ - ﷺ -، وكانَ قد أفْطَرَ فيهِ بعضَهُ (^٢)، فسَألَهُ عن صيامِ آخرِهِ، فلمَّا أخْبَرَهُ أنَّهُ لمْ يَصُمْ آخرَهُ؛ أمَرَهُ بأنْ يَصومَ بدلَهُ بعدَ يومِ الفطرِ، لأنَّ صيامَ أوَّلِ سوَّالٍ كصيامِ آخرِ شعبانَ، وكلاهُما حريمٌ لرمضانَ.
• وفيهِ دليلٌ على استحبابِ قضاءِ ما فاتَ مِن التَّطوُّعِ بالصِّيامِ، وأنْ يَكونَ في أيَّامٍ مشابهةٍ للأيَّامِ التي فاتَ فيها الصِّيامُ في الفضلِ (^٣).
• وفيهِ دليلٌ على أنَّهُ يَجوزُ لمَن صامَ شعبانَ أو أكثرَهُ أنْ يَصِلَهُ برمضانَ مِن غيرِ فصلٍ بينَهُما.
فصيامُ آخرِ شعبانَ لهُ ثلاثةُ أحوالٍ:
_________________
(١) والأظهر - والله أعلم - أنه أمره بقضائه في شوّال حثًّا على المسارعة في الخيرات وعدم تأجيلها.
(٢) أو علم منه أنّه اعتاد صيام أيّام السرار من كلّ شهر.
(٣) أمّا استحباب قضاء ما فات من التطوّع؛ فنعم. وأمّا أن يكون في أيّام مشابهة لأيّام المقضيّ! فلا يستقيم إلّا إذا ثبت مشابهة شوّال لشعبان في الفضل!
[ ٣٣٧ ]
• أحدُها: أنْ يَصومَهُ بنيَّةِ الرَّمضانيَّةِ احتياطًا لرمضانَ. فهذا منهيٌّ عنهُ. وقد فَعَلَهُ بعضُ الصَّحابةِ، وكأنَّهُم لمْ يَبْلُغْهُمُ النَّهيُ عنهُ. وفَرَّقَ ابنُ عُمَرَ بينَ يومِ الغيمِ والصَّحوِ في يومِ الثَّلاثينَ مِن شعبانَ، وتَبِعَهُ الإمامُ أحْمَدُ (^١).
• والثَّاني: أن يُصامَ بنيَّةِ النَّذرِ أو قضاءً عن رمضانَ أو عن كفارةٍ ونحوِ ذلكَ: فجَوَّزَهُ الجمهورُ (^٢). ونَهى عنهُ مَن أمَرَ بالفصلِ بينَ شعبانَ ورمضانَ بفطرِ يومٍ مطلقًا، وهم طائفةٌ مِن السَّلفِ. وحُكِيَ كراهتُهُ أيضًا عن أبي حَنيفَةَ والشَّافِعِيِّ، وفيهِ نظرٌ.
• والثَّالثُ: أنْ يُصامَ بنيَّةِ التَّطوُّعِ المطلقِ. فكَرِهَهُ مَن أمَرَ بالفصلِ بينَ شعبانَ ورمضانَ بالفطرِ - ومنهُمُ الحَسَنُ - وإنْ وافَقَ صومًا كانَ يَصومُهُ، ورَخَّصَ فيهِ مالكٌ ومَن وافَقَهُ، وفَرَّقَ الشَّافِعِيُّ والأوزاعِيُّ وأحْمَدُ وغيرُهُم بينَ أنْ يُوافِقَ عادةً أو لا (^٣).
وكذلكَ يُفَرَّقُ [بينَ هذا و] (^٤) بينَ مَن تَقَدَّمَ صيامَهُ بأكثرَ مِن يومينِ ووَصَلَهُ برمضانَ، فلا يُكْرَهُ أيضًا (^٥)؛ إلَّا عندَ مَن كَرِهَ الابتداءَ بالتَّطوُّعِ بالصِّيامِ بعدَ نصفِ شعبانَ؛ فإنَّهُ يَنْهى عنهُ؛ إلَّا أنْ يَبْتَدِئَ الصِّيامَ قبلَ النِّصفِ ثمَّ يَصِلَهُ برمضانَ (^٦).
وفي الجملةِ؛ فحديثُ أبي هُرَيْرَةَ هوَ المعمولُ بهِ في هذا البابِ عندَ كثيرٍ مِن العلماءِ، وأنَّهُ يُكْرَهُ التَّقدُّمُ قبلَ رمضانَ بالتَّطوُّعِ بالصِّيامِ بيومٍ أو يومينِ لمَن ليسَ لهُ بهِ
_________________
(١) في أحد أقواله الثلاثة في المسألة، وسوف يأتي تفصيل هذا قريبًا.
(٢) وهو أولى الأقوال بالصواب. والله أعلم.
(٣) وهو أولى الأقوال بالصواب. والله أعلم.
(٤) زيادة يقتضيها السياق.
(٥) فيه نظر من وجوه: أوّلها: أنّه يبسٌ شديد على ظاهر النصّ - والثانى: أنّ من تقدّم بثلاثة فهو داخل في عموم من تقدّم بيومين. والثالث: أنّه لا فرق عمليًّا بين من تقدّم بيومين فخالف ظاهر أمره - ﷺ - وبين من تقدّم بثلاثة فاحتال بيوم لمخالفة ظاهر أمره - ﷺ -، فالأعمال بالنيّات، والله عليم بالسرائر. والرابع: أنّك إن سألت من تقدّم رمضان بثلاثة: ما هذا الصوم؟ فإن كان عادة له أو داخلًا في صوم له؛ خرج من الإثم باستثناء النبيّ - ﷺ - بنصّ الحديث، وإن كان صومًا مطلقًا عرض له قبل رمضان بثلاثة أيّام؛ فهذا هو التقدّم بعينه، وهذا هو الذي نهى النبيّ - ﷺ - عنه، وإنّما اقتصر على ذكر اليوم واليومين لأنّه الغالب. وبهذا قطع جماعة من أهل العلم.
(٦) وهذا كالذي قبله تمامًا ولا فرق، ويرد عليه ما ورد على الذي قبله، ولا يخرج المرء من إثم المخالفة إلّا بأن يكون صيام شعبان أو أكثره أو بعضه أو الأيّام البيض أو السود أو الاثنين والخميس أو ثلاثة أيّام من كلّ أسبوع أو صوم يوم وإفطار يوم … إلخ أن يكون هذا له عادة.
[ ٣٣٨ ]
عادةٌ ولا سَبَقَ منهُ صيام قبلَ ذلكَ في شعبانَ متَّصلًا بآخرِهِ.
• ولكراهةِ التَّقدُّمِ ثلاثةُ معانٍ:
* أحدُها: أنَّهُ على وجهِ الاحتياطِ لرمضانَ، فيُنْهى عن التَّقدُّمِ قبلَهُ؛ لئلَّا يُزادَ في صيامِ رمضانَ ما ليسَ منهُ كما نُهِيَ عن صيامِ يومِ العيدِ لهذا المعنى (^١)، حذرًا ممَّا وَقَعَ فيهِ أهلُ الكتابِ في صيامِهِم، فزادوا فيهِ بآرائِهِم وأهوائِهِم.
وخَرَّجَ الطَّبَرانِيُّ وغيرُهُ عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: إن ناسًا كانوا يَتَقَدَّمونَ الشَّهرَ فيَصومونَ قبلَ النَّبيِّ - ﷺ -، فأنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]. قالَتْ عائِشَةُ: إنَّما الصَّومُ صومُ النَّاسِ والفطرُ فطرُ النَّاسِ (^٢).
ومعَ هذا؛ فكانَ مِن السَّلفِ مَن يَتَقَدَّمُ للاحتياطِ، والحديثُ حجَّة عليهِ.
ولهذا نُهِيَ عن صيامِ يومِ الشَّكِّ. قالَ عَمَّارٌ: مَن صامَهُ فقد عَصى أبا القاسِمِ - ﷺ - (^٣).
_________________
(١) ولمعان أُخرى كثيرة سيأتي بعضها، فهذه واحدة من حكم النهي عن صيام يوم الفطر.
(٢) (ضعيف). رواه: ابن سعد في "الطبقات" (٦/ ٧٩)، والطبراني في "الأوسط" (٢٧٣٤)، وأبو الشيخ في "الطبقات" (٢/ ٢٢٨)، وابن مردويه في "التفسير" (الحجرات ١ - الدرّ)، وابن النجّار في "ذيل بغداد" (الحجرات ١ - الدرّ)؛ من طريق يحيى بن عبد الله الجابر (وجاء عند أبي الشيخ من وجه ضعيف: يحيى بن سعيد التيمي)، عن حبال بن رفيدة، عن مسروق، عن عائشة … به. قال الهيثمي (٣/ ١٥١): "فيه حبال بن رفيدة وهو مجهول". قلت: ويحيى الجابر ليّن. وله شاهد من حديث جابر عند ابن مردويه لم أقف على سنده، لكن الغالب في نحوه الضعف إن لم يكن دون ذلك. ومع ذلك؛ فالمعنى الذي أفاده النصّ صحيح جدًّا، لأنّ التقدّم بين يدي صيام الأُمّة بأسرها هو تقدّم بين يدي الله ورسوله ومفارقة لجماعة المسلمين وتفريق لوحدة كلمتهم ورغبة بالتميّز عهم والاستعلاء عليهم … إلى غير ذلك من الآفات التي يبغضها الله تعالى ويبغض أصحابها. والله أعلم.
(٣) (حسن صحيح موقوف لفظًا مرفوع حكمًا). علّقه البخاري (٣٠ - الصوم، ١١ - قوله - ﷺ - إذا رأيتم الهلال، ٤/ ١١٩): قال صلة، عن عمّار .. . به. قال العسقلاني في "الفتح" (٤/ ١٢٠): "وقد وصله: [الدارمي ٢/ ٢، وابن ماجه ١٦٤٥، و] أبو داوود [٢٣٣٤]، والترمذي [٦٨٦]، والنسائي [٤/ ١٥٣، وأبو يعلى ١٦٤٤]، وابن خزيمة [١٩١٤]، وابن حبّان [٣٥٨٥ و٣٥٩٥ و٣٥٩٦، والدارقطني ٢/ ١٥٧]، والحاكم ١١/ ٤٢٣، والبيهقي ٤/ ٢٠٨]؛ من طريق عمرو بن قيس، عن أبي إسحاق، عنه [يعني: عن صلة]. ولفظه عندهم: "كنّا عند عمّار بن ياسر، فأتي بشاة مصليّة،=
[ ٣٣٩ ]
ويومُ الشَّكِّ هوَ اليومُ الذي يُشَكُّ فيهِ هل هوَ مِن رمضانَ أو غيرِهِ، فكانَ مِن المتقدِّمينَ مَن يَصومُهُ احتياطًا، ورَخَّصَ فيهِ بعضُ الحنفيَّةِ للعلماءِ في أنفسِهِم خاصةً دونَ العامَّةِ (^١) لئلَّا يَعْتَقِدوا وجوبَهُ بناءً على أصلِهِم في أن صومَ رمضانَ يُجْزِئُ بنيَّةِ الصِّيامِ المطلقِ والنَّفلِ، ويومُ الشَّكِّ هوَ الذي تَحَدَّثَ برؤيتِهِ مَن لمْ يُقْبَلْ قولُهُ.
فأمَّا يومُ الغيمِ: فمِنَ العلماءِ مَن جَعَلَهُ يومَ شكٍّ ونَهى عن صيامِهِ، وهوَ قولُ الأكثرينَ. ومنهُم مَن صامَهُ احتياطًا، وهوَ قولُ ابن عُمَرَ، وكانَ الإمامُ أحْمَدُ يُتابِعُهُ على ذلكَ. وعنهُ في صيامِهِ ثلاثُ رواياتٍ مشهوراتٍ: ثالثُها: لا يُصامُ إلَّا معَ الإمامِ وجماعةِ المسلمينَ لئلَّا تقَعَ الافتئاتُ عليهِم والانفرادُ عنهُم. وقالَ إسْحاقُ: لا يُصامُ يومُ الغيمِ، ولكنْ يُتَصَبَّرُ بالأكلِ فيهِ إلى ضحوةِ النَّهارِ خشيةَ أنْ يُشْهَدَ برؤيتِهِ بخلافِ حالِ الصَّحوِ؛ فإنَّهُ يَأْكُلُ فيهِ مِن غدوةٍ (^٢).
_________________
(١) = فقال: كلوا. فتنحَّى بعض القوم فقال: إنّي صائم. فقال عمّار … [فذكره] ". قال العسقلاني: "وله متابع بإسناد حسن أخرجه ابن أبي شيبة [٩٥٠٢]، من طريق منصور عن ربعيّ؛ أنّ عمّارًا وناسًا معه أتوهم بمسلوخة في اليوم الذي يشكّ فيه، فاعتزلهم رجل، فقال له عمّار: تعال فكل. فقال: إنّي صائم. فقال له عمّار: إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فتعال وكل. ورواه عبد الرزّاق [٧٣١٨]، من وجه آخر عن منصور عن ربعي عن رجل عن عمّار". قال العسقلاني: (وله شاهد من وجه آخر أخرجه عبد الرزاق [٧٣١٨ وابن أبي شيبة ٩٥٠٣] وإسحاق بن راهويه من رواية سماك عن عكرمة. ومنهم [كالخطيب ٢/ ٣٩٧] من وصله بذكر ابن عبّاس فيه" اهـ. فإن كان في الطريق الأولى كلام لحال أبي إسحاق السبيعي؛ فإنّها تتقوّى بالطريق الأُخرى وشاهد عكرمة المرسل القويّ باللفظ نفسه. وقد قوّى حديث عمّار الترمذي وابن خزيمة وابن حبّان والدارقطني والحاكم والمنذري والذهبي والعسقلاني والألباني. وقال العسقلاني: "موقوف لفظًا مرفوع حكمًا". وإنّما أطلت في تخريجه على غير منهجي في الموقوفات لهذا الملحظ.
(٢) وحديث عمّار المتقدّم حجّة عليهم. وكذلك قوله - ﷺ - في حديث ابن عمر المتقدّم عليه: "لا تصوموا حتى تروا الهلال"؛ لأن الرؤية المعتمدة شرعًا لا تتحقّق إلا بشهادة الثقات من أهل المعرفة، وأمّا الفسقة والجهلة وغيرهم من ساقطي الشهادة؛ فرؤيتهم وعدمها واحد.
(٣) وأشبه هذه الروايات الثلاث عن الإمام أحمد قدّس الله روحه في عليّين بالصواب وأولاها بالنصوص الصحيحة الواردة في الباب وأكثرها انسجامًا مع الفروع الفقهيّة والقواعد والأصوليّة هي الرواية التي وافق فيها جمهور أهل العلم، وهو ما اختاره كثير من المحققين من أصحابه. قال ابن عبد الهادي في "تنقيحه": "الذي دلّت عليه الأحاديث وهو مقتضى القواعد أنّه أيّ شهر غمّ أكمل ثلاثين، سواء في ذلك شعبان ورمضان وغيرهما، فعلى هذا فقوله - ﷺ - "فأكملوا العدّة" يرجع إلى الجملتين، وهو قوله - ﷺ - "صوموا لرؤيته وأفطروا =
[ ٣٤٠ ]
* والمعنى الثَّاني: الفصلُ بينَ صيامِ الفرضِ والنَّفلِ؛ فإن جنسَ الفصلِ بينَ الفرائضِ والنَّوافلِ مشروعٌ:
ولهذا حَرُمَ صيامُ يومِ العيدِ.
ونهى النَّبيُّ - ﷺ - أنْ توصَلَ صلاةٌ مفروضةٌ بصلاة حتَّى يُفْصَلَ بينَهُما بسلامٍ أو كلامٍ (^١)، وخصوصًا سنَّةَ الفجرِ قبلَها؛ فإنَّهُ يُشْرَعُ الفصلُ بينَها وبينَ الفريضةِ، ولهذا يُشْرَعُ صلاتُها في البيتِ والاضطجاعُ بعدَها.
ولمَّا رَأى النَّبيُّ - ﷺ - رجلًا يُصَلِّي وقد أُقيمَتْ صلاةُ الفجرِ؛ قالَ لهُ: "الصُّبحَ أربعًا" (^٢).
وفي "المسند"؛ أنَّهُ - ﷺ - قالَ: "افْصِلوا بينَها وبينَ المكتوبةِ ولا تَجْعَلوها كصلاةِ الظُّهرِ" (^٣).
وفي "سنن أبي داوود"؛ أن رجلًا صَلَّى معَ النَّبيِّ - ﷺ -، فلمَّا سَلَّمَ قامَ يَشْفَعُ، فوَثَبَ إليهِ عُمَرُ، فأخَذَ بمنكبيهِ فهَزَّهُ ثمَّ قالَ: اجْلِسْ؛ فإنَّهُ لمْ يَهْلِكْ أهلُ الكتاب إلَّا أنَّهُ لم يَكُنْ لصلاتِهِم فصلٌ. فَرَفَعَ النَّبيُّ - ﷺ - بصرَهُ فقالَ: "أصابَ اللهُ بكَ يا ابنَ الخَطَّابِ" (^٤).
_________________
(١) = لرؤيته فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة"؛ أي: غمّ عليكم في صومكم أو فطركم، وبقيّة الأحاديث تدلّ عليه، فاللام في قوله - ﷺ - "فأكملوا العدّة" للشهر؛ أي: عدّة الشهر، ولم يخصّ - ﷺ - شهرًا دون شهر بالإكمال إذا غمّ، فلا فرق بين شعبان وغيره في ذلك … ويؤيّد ذلك قوله في الرواية الأخرى "فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا العدّة ثلاثين ولا تستقبلوا الشهر استقبالًا" أخرجه أحمد وأصحاب السنن وابن خزيمة وأبو يعلى … " إلخ. نقله العسقلاني في "الفتح" (٤/ ١٢٢) منتصرًا به منتصرًا له. والله أعلم.
(٢) رواه مسلم (٧ - الجمعة، ١٨ - الصلاة بعد الجمعة، ٢/ ٦٠١/ ٨٨٣) من حديث معاوية.
(٣) رواه: البخاري (١٠ - الأذان، ٣٨ - إذا أُقيمت الصلاة، ٢/ ١٤٨/ ٦٦٣)، ومسلم (٦ - المسافرين، ٩ - كراهة الشروع في نافلة بعد المؤذّن، ١/ ٤٩٣/ ٧١١)؛ من حديث ابن بحينة.
(٤) (صحيح). رواه: أحمد (٥/ ٣٤٥)، والبخاري في "التاريخ" (١/ ٤٥)، والطحاوي في "شرح المعاني" (١/ ٣٧٣)، وخيثمة في "حديثه" (ص ٢٠١)، وابن منده في "الصحابة" (١/ ١٩٥ - غابة)، والحاكم (٣/ ٤٣٠)، والخطيب في "الكفاية" (ص ٢٥١)، وأبو موسى المديني في "الصحابة" (١/ ١٩٥ - غابة)؛ من طريقين، عن محمّد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن عبد الله بن مالك بن بحينة … رفعه. وإحدى الطريقين إلى ابن ثوبان قويّة، وابن ثوبان ثقة من رجال الستّة، وأصل الحديث عند البخاري ومسلم باللفظ المتقدّم، وسند هذا اللفظ صحيح أيضًا.
(٥) (صحيح بلفظ أصاب ابن الخطاب أو أحسن ابن الخطّاب). يرويه الأزرق بن قيس واختلف عليه =
[ ٣٤١ ]
ومَن عَلَّلَ بهذا؛ فمنهُم مَن كَرِهَ وصلَ صومِ شعبانَ برمضانَ مطلقًا. ورُوِيَ عن ابن عُمَرَ؛ قالَ: لو صُمْتُ الدَّهرَ كلَّهُ؛ لأفْطَرْتُ الذي بينَهُما. ورُوِيَ فيهِ حديثٌ مرفوعٌ لا يَصِحُّ. والجمهورُ على جوازِ صيامِ ما وافَقَ عادةً؛ لأنَّ الزِّيادةَ إنَّما تُخْشى إذا لمْ يُعْرَفْ سببُ الصِّيامِ.
• والمعنى الثَّالثُ: أنَّهُ أمَرَ بذلكَ؛ للتَّقوِّي على صيامِ رمضانَ؛ فإنَّ مواصلةَ الصِّيامِ [قد] تُضْعِفُ عن صيامٍ الفرضِ، فإذا حَصَلَ الفطرُ قبلَهُ بيومٍ أو يومينِ؛ كانَ أقربَ إلى التَّقوِّي على صيامِ رمضان.
وفي هذا التَّعليلِ نظرٌ؛ فإنَّهُ لا يُكْرَهُ التَّقدُّمُ بأكثرَ مِن ذلكَ (^١)، ولا لمَن صامَ الشَّهرَ كلَّهُ، وهوَ أبلغُ في معنى الضَّعفِ، لكنَّ الفطرَ بنيَّةِ التَّقوِّي لصيامِ رمضانَ حسنٌ لمَن أضْعَفَهُ مواصلةُ الصِّيامِ، كما كانَ عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرِو بن العاصِ يَسْرُدُ الفطرَ أحيانًا ثمَّ يَسْرُدُ الصَّومَ لِيَتَقَوَّى بفطرِهِ على صومِهِ.
_________________
(١) = فيه على وجهين: روى الأوّل: أبو داوود (٢ - الصلاة، ١٩٤ - الرجل يتطوّع في مكانه، ١/ ٣٢٩/ ١٠٠٧)، والطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٢٨٤/ ٧٢٧) و"الأوسط" (٢١٠٩)، والحاكم (١/ ٢٧٠)، وابن منده في "الصحابة" (٤/ ٧٣ - إصابة)، وأبو نعيم في "الصحابة" (٤/ ٧٣ - إصابة)، والبيهقي (٢/ ١٩٠)؛ من طريقين، عن المنهال بن خليفة، عن الأزرق، عن أبي رمثه … رفعه في قصّة. قال الطبراني: "تفرّد به المنهال". وقال الحاكم: "على شرط مسلم". وردّه المنذري بقوله: "في إسناده أشعث بن شعبة والمنهال وفيهما مقال". وقال الذهبيّ والألباني نحوه وزاد الذهبي: "والحديث منكر". قلت: أشعث ليّن، لكن تابعه عبد الصمد بن النعمان عند الطبراني في "الأوسط" وهو مثله، فخرج الحديث بهذه المتابعة من عهدته. والمنهال ضعيف. وروى الثاني: عبد الرزّاق (٣٩٧٣) من طريق عبد الله بن سعيد، وأحمد (٥/ ٣٦٨) وأبو يعلى (٧١٦٦) وابن منده في "الصحابة" (٤/ ٤٥١ - غابة) وأبو نعيم في "الصحابة" (٤/ ٤٥١ - غابة) من طريق شعبة؛ كلاهما عن الأزرق، سمعت عبد الله بن رباح، عن رجل من الصحابة … رفعه بلفظ: "أصاب ابن الخطّاب". قال الهيثمي (٢/ ٢٣٧): "رجال أحمد رجال الصحيح". فالعمدة هاهنا الوجه الثاني لاتّفاق شعبة الجبل الإمام مع عبد الله بن سعيد بن أبي هند الصدوق عليه، وخالفهم المنهال على ضعفه في السند وتسمية الصحابي وزيادة القصّة في السياق وهذا حدّ النكارة، والقطعة المذكورة هنا من الحديث صحيحة بهذا الوجه الثاني، وقد أعلّ الألباني الحديث في "المشكاة" (٩٧٢) بأشعث والمنهال وضعّفه جملة، فكأنّه لم يقف على الطريق الأُخرى النظيفة أو رأى أنّها قاصرة عن تقوية سياق أبي داوود بطوله. والله أعلم.
(٢) تقدّم أنّ هذا المذهب لا يخلو من نظر.
[ ٣٤٢ ]
ومنهُ قولُ بعضِ الصَّحابةِ: إنِّي أحْتَسِبُ نومَتي كما أحْتَسِبُ قومَتي.
وفي الحديثِ المرفوعِ: "الطَّاعمُ الشَّاكرُ كالصَّائمِ (^١) الصَّابرِ" (^٢). خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ
_________________
(١) في خ: "ليقوى بفطره … مثل الصائم"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٢) (صحيح). علّقه البخاري في "الصحيح" (٩/ ٥٨٢) فقال: "باب الطاعم الشاكر مثل الصائم الصابر. فيه عن أبي هريرة عن النبيّ - ﷺ - ". وقد جاء موصولًا عن أبي هريرة من وجوه: فرواه معن بن محمّد واختلف عليه فيه على وجهين: روى الأوّل: عبد الرزّاق (١٩٥٧٣)، ومسدّد (٩/ ٥٨٢ - فتح)، وأحمد (٢/ ٢٨٣)، والترمذي (٣٨ - القيامة، ٤٣ - باب، ٤/ ٦٥٣/ ٢٤٨٦)، وأبو يعلى (٦٥٨٢)، وابن خزيمة (١٨٩٨)، وابن أبي حاتم في "العلل" (١٥١٢)، وابن حبّان (٣١٥)، والحاكم (١/ ٤٢٢، ٤/ ١٣٦)، والبيهقي (٤/ ٣٠٦)، والخطيب في "الجمع والتفريق" (٢/ ٤٠٤)، والبغوي في "السنّة" (٢٨٣٢)، والعسقلاني في "التغليق" (٤/ ٤٩١)؛ من ثلاث طرق قويّة، عن معن (وجاء في بعضها: عن رجل من بني غفار)، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة … رفعه. والرجل المبهم في بعض الطرق بيّنت الطرق الأُخرى القويّة أنّه معن نفسه. وقد سقط معن من سند ابن حبّان فاستدركه عليه العسقلاني من "مسند مسدّد". ووقع عند ابن أبي حاتم "سعيد بن المسيّب" وهو تحريف ظاهر أو وهم. وروى الثاني: ابن ماجه (٧ - الصيام، ٥٥ - الطاعم الشاكر، ١/ ٥٦١/ ١٧٦٤)، وابن خزيمة (١٨٩٩)، وأبو عوانة، وابن أبي حاتم (١٥١٢)، والطبراني في "الأوسط" (٧٣٧٧)، والبيهقي (٤/ ٣٠٦)، والعسقلاني في "التغليق" (٤/ ٤٩٢)؛ من طرق أربع، عن محمّد بن معن، عن حنظلة بن عليّ، عن أبي هريرة … رفعه. ومعن ذكره ابن حبّان في "الثقات" وروى عنه جماعة من الأثبات وخرّج له البخاري فلا أقلّ من أن يحسّن حديثه، وبقيّة السندين ثقات، فكلاهما قويّ رأجح، ولذلك قال ابن خزيمة: "الإسنادان صحيحان عن سعيد المقبريّ وعن حنظلة بن عليّ جميعًا عن أبي هريرة، ألا تسمع المقبريّ يقول: كنت أنا وحنظلة بن علي بالبقيع مع أبي هريرة"؛ يعني: أنّ في المتن ما يدلّ على سماعهما هذا الحديث معًا من أبي هريرة. وقال العسقلاني في "التغليق": "إن كان محفوظًا [يعني: الوجه الثاني، وهو محفوظ كما تقدّم]؛ فمعن سمعه من سعيد المقبريّ وحنظلة بن عليّ جميعًا، ويدلّ عليه رواية ابن خزيمة … فلا مانع أن يكون معن سمعه من حنظلة بعد أن سمعه من سعيد". وقال في "الفتح": "هذا محمول على أنّ معن بن محمّد حمله عن سعيد ثمّ حمله عن حنظلة". ورواه حكيم بن أبي حرّة واختلف عليه فيه أيضًا على وجوه: روى الأوّل منها: البخارى في "التاريخ" (١/ ١٤٣)، وابن أبي حاتم في "العلل" (١٥١٣) تعليقًا، والعسقلاني في "التغليق" (٤/ ٤٩١)؛ من طريق سليمان بن بلال، عن محمّد بن عبد الله بن أبي حرّة، عن عمّه حكيم بن أبي حرّة، عن سلمان الأغرّ، عن أبي هريرة … فعه. ورورى الثاني: أحمد (٤/ ٣٤٣)، والدارمي (٢/ ٩٥)، والبخاري في "التاريخ" (١/ ١٤٣)، وابن ماجه (الموضع السابق، ١٧٦٥)، وعبد الله بن أحمد (٤/ ٣٤٣)، والطبراني (٧/ ١٠٠/ ٦٤٩٢)، والقضاعي في "الشهاب" (٢٦٤)، وابن الأثير في "الغابة" (٢/ ٣٨١)، والمزّي في "التهذيب" (١٢/ ١٥٣، ٢٥/ ٤٦٤)، والعسقلاني في "الفتح" (٩/ ٥٨٢) معلّقًا؛ من طرق سبع، عن الدراوردي، عن محمّد بن عبد الله بن أبي حرّة، عن عمّه (ووقع في إحدى طرق البخاري "عن أبيه" وهو تحريف أو وهم)، عن سنان بن سنّة (ووقع عند العسقلاني: "رجل من أسلم"، وهو هو. وزاد الدارمي: "عن أبيه"؛ يعني: سنّة، وهو وهم من =
[ ٣٤٣ ]
وغيرُهُ.
• ولربَّما ظَنَّ بعضُ الجهَّالِ أن الفطرَ قبلَ رمضانَ يُرادُ بهِ اغتنامُ الأكلِ؛ لِتَأْخُذَ النُّفوسُ حظَّها مِن الشَّهواتِ قبلَ أنْ تُمْنَعَ مِن ذلكَ بالصِّيامِ، ولهذا يَقولونَ: هيَ أيَّامُ توديعٍ [لـ]ـلأكل، وتُسَمَّى تنحيسًا، واشتقاقُهُ مِن الأيَّامِ النَّحِساتِ. ومَن قالَ هوَ تنهيسٌ بالهاءِ فهوَ خطأٌ منهُ. ذَكَرَهُ ابنُ دُرُسْتَوَيْهِ النَّحويُّ، وذَكَرَ أن أصلَ ذلكَ متلقًّى مِن النَّصارى؛ فإنَّهُم يَفْعَلونَهُ عندَ قربِ صيامِهِم. وهذا كلُّهُ خطأٌ وجهلٌ ممَّن ظَنَّهُ. وربَّما لمْ يَقْتَصِرْ كثيرٌ منهُم على اغتنامِ الشَّهواتِ المباحةِ بل يَتَعَدَّى إلى المحرَّماتِ، وهذا هوَ الخسرانُ المبينُ.
وأنْشَدَ بعضُهُم في المعنى:
إذا العِشْرونَ مِنْ شَعْبانَ وَلَّتْ … فَواصِلْ شُرْبَ لَيْلِكَ بِالنَّهارِ
وَلا تَشْرَبْ بِأقْداحٍ صِغارٍ … فَإنَّ الوَقْتَ ضاقَ عَلى الصِّغارِ
وقال آخرُ (^١):
_________________
(١) = نعيم بن حمّاد شيخه لم يتابعه عليه أحد) … رفعه. وزاد العسقلاني في الطريق المعلّقة الي ذكرها بين الدراوردي وبين محمّد موسى بن عقبة ثمّ قال: "لكن صرّح الدراوردي في رواية أحمد بأنّ محمّد بن أبي حرّة أخبره، فلعلّه كان حمله عن موسى بن عقبة عنه ثمّ سمعه منه". قلت: الأرجح أنّه وهم بدلالة الوجه الثالث: الذي رواه البخاري في "التاريخ" (١/ ١٤٣) من طريق مسلسلة بالأثبات، عن موسى بن عقبة، عن حكيم بن أبي حرّة، عن بعض الصحابة … رفعه. والدراوردي صدوق لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن، وكذلك حكيم بن أبي حرّة، وسائر الأسانيد الثلاثة ثقات، وهذا يعني أن الأسانيد الثلاثة حسنة كلّ على حدة. ورجّح الألباني الوجه الأوّل بالنظر إلى أنّ سليمان أثبت عن الدراورديّ. وقال أبو زرعة الرازي: "حديث الدراوردي أشبه"، والوجه الثالث يقوّي قول أبي زرعة؛ لأن "بعض الصحابة" فيه لا يمكن أن يكون أبا هريرة؛ لأنّ حكيمًا لم يرو عنه مباشرة، فلا بدّ أنّه سنان. والأولى أنّ حكيمًا حمله عن سنان مباشرة وعن أبي هريرة بالواسطة. وللحديث طريق ثالثة عن أبي هريرة عند أبي نعيم في "الحلية" (٧/ ١٤٢)، لكن فيها إسحاق بن العنبري متهم لا تساوي متابعته فلسًا. فإن لم يكن حديث أبي هريرة صحيحًا من طريق معن الغفاريّ؛ فإنّه صحيح بطريقيه، وقد قوّاه أبو زرعة الرازي والترمذي وابن خزيمة وابن أبي حاتم وابن حبّان والحاكم والذهبي والعسقلاني والألباني. وحديث سنان حسن لذاته صحيح بحديث أبي هريرة، وقد قوّاه أبو زرعة والبوصيري والعسقلاني والألباني.
(٢) في خ: "غيره"؛ بدل "وقال آخر".
[ ٣٤٤ ]
جاءَ شَعْبانُ مُنْذِرًا بِالصِّيامِ … فاسْقِياني خمرًا بِماءِ الغَمامِ
ومَن كانَتْ هذهِ حالُهُ؛ فالبهائمُ أعقلُ منهُ، ولهُ نصيبٌ مِن قولِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ الآيةَ [الأعراف: ١٧٩].
وربَّما تَكَرَّهَ كثيرٌ منهُم بصيامِ شهرِ رمضانَ، حتَّى إن بعضَ السُّفهاءِ مِن الشُّعراءِ كانَ يَسُبُّهُ. وكانَ للرَّشيدِ ابنٌ سفيهٌ، فقالَ مرَّةً:
دَعانِيَ شَهْرُ الصَّوْمِ لا كانَ مِنْ شَهْرِ … وَلا صُمْتُ شَهْرًا بَعْدَهُ آخِرَ الدَّهْرِ
فَلَوْ كانَ يُعْديني الأنامُ بِقُدْرَةٍ (^١) … عَلى الشَّهْرِ لاسْتَعْدَيْتُ جَهْدي عَلى الشَّهْرِ
فأخَذَهُ داءُ الصَّرْعِ، فكانَ يُصْرَعُ في كلِّ يومٍ مرَّاتٍ متعدِّدةً، وماتَ قبلَ أنْ يُدْرِكَهُ رمضانُ آخرُ.
وهؤلاءِ السُّفهاءُ يَسْتَثْقِلونَ رمضانَ لاستثقالِهِمُ العباداتِ فيهِ مِن الصَّلاةِ والصِّيامِ. فكثيرٌ مِن هؤلاءِ الجهَّالِ لا يُصَلِّي إلَّا في رمضانَ إذا صامَ، وكثيرٌ منهُم لا يَجْتَنِبُ كبائرَ الذُّنوبِ إلَّا في رمضانَ، فيَطولُ عليهِ، ويَشُقُّ على نفسِهِ مفارقتُها لمألوفِها، فهوَ يَعُدُّ الأيَّامَ واللياليَ لِيَعودَ إلى المعصيةِ، وهؤلاءِ مصرُّونَ على ما فَعَلوا وهُم يَعْلَمونَ، فهُم هلكى، ومنهُم مَن لا يَصْبِرُ على المعاصي، فهوَ يواقِعُها في رمضانَ.
وحكايةُ مُحَمَّدِ بن هارونَ البَلْخِيِّ مشهورةٌ قد رُوِيَتْ مِن وجوهٍ، وهوَ أنَّهُ كانَ مصرًّا على شربِ الخمرِ، فجاءَ في آخرِ يومٍ مِن شعبانَ وهوَ سكرانُ، فعاتَبَتْهُ أُمُّهُ وهيَ تَسْجُرُ تنُّورًا، فحَمَلَها فألْقاها في التَّنُّورِ فاحْتَرَقَتْ، وكانَ بعدَ ذلكَ قد تابَ وتَعَبَّدَ، فرُئِيَ لهُ في النَّومِ أن الله تَعالى قد غَفَرَ للحاجِّ كلِّهِم سواهُ.
فمَن أرادَ اللهُ بهِ خيرًا حَبَّبَ إليهِ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قلبِهِ وكَرَّهَ إليهِ الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ فصارَ مِن الرَّاشدينَ، ومَن أرادَ بهِ شرًّا خَلَّى بينَهُ وبينَ نفسِهِ فأتْبَعَهُ الشَّيطانُ (^٢) فحَبَّبَ إليهِ الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ فكانَ مِن الغاوينَ.
الحذرَ الحذرَ مِن المعاصي! فكم سَلَبَتْ مِن نعم! وكم جَلَبَتْ مِن نقم! وكم
_________________
(١) في خ: "يعديني الإمام بقدرة"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٢) بقطع الهمزة وإسكان التاء، على لفظ آية الأعراف ١٧٥، ومعاه: جعله الشيطان تابعًا له.
[ ٣٤٥ ]
خَرَبَتْ مِن ديار! وكم أخْلَتْ ديارًا مِن أهلِها فما بَقِيَ منهُم ديَّار! كم أخَذَتْ مِن العصاةِ بالثَّار! كم مَحَتْ لهُم مِن آثار!
يا صاحِبَ الذَّنْبِ لا تَأْمَنْ عَواقِبَهُ … عَواقِبُ الذَّنْبِ تُخْشى وَهْيَ تُنْتَظَرُ
فَكُلُّ نَفْسٍ سَتُجْزى بِالَّذي كَسَبَتْ … وَلَيْسَ لِلْخَلْقِ مِن دَيَّانِهِمْ وَزَرُ (^١)
أينَ حالُ هؤلاءِ الحمقى مِن قومٍ كانَ دهرُهُم كلُّهُ رمضانَ؛ ليلُهُم قيامٌ ونهارُهُم صيامٌ؟!
باعَ قومٌ مِن السَّلفِ جاريةً، فلمَّا قَرُبَ شهرُ رمضانَ؛ رَأتْهُمْ يَتَأهَّبونَ لهُ ويَسْتَعِدُّونَ بالأطعمةِ (^٢) وغيرِها، فسَألَتْهُم، فقالوا: نَتَهَيأُ لصيامِ رمضانَ، فقا لَتْ: وأنتُم لا تَصومونَ إلَّا رمضانَ؟! لقد كُنْتُ عندَ قومٍ كلُّ زمانِهِم رمضانُ، رُدُّوني عليهِم.
وباعَ الحَسَنُ بنُ صالِحٍ جاريةً لهُ، فلمَّا انْتَصَفَ الليلُ؛ قامَتْ فنادَتْهُم: يا أهلَ الدَّارِ! الصَّلاةَ الصَّلاةَ! قالوا: أطَلَعَ الفجرُ؟ قالَتْ: وأنتُم لا تُصَلُّونَ إلَّا المكتوبةَ؟! ثمَّ جاءَتْ إلى الحَسَنِ فقالَتْ: بِعْتَني على قومِ سوءٍ لا يُصَلُّونَ إلَّا الفرائضَ، رُدَّني رُدَّني.
قال بعضُ السَّلفِ: صُمِ الدُّنيا واجْعَلْ فطرَكَ الموتَ.
الدُّنيا كلُّها شهرُ صيامِ المتَّقينَ، يَصومونَ فيهِ عن الشَّهواتِ [المحرَّماتِ]، فإذا جاءَهُمُ الموتُ؛ فقدِ انْقَضى شهرُ صيامِهِم واسْتَهَلُّوا عيدَ فطرِهِم.
وَقَدْ صُمْتُ عَنْ لَذَّاتِ دَهْرِيَ كُلِّها … وَيَوْمَ لِقاكُمْ ذاكَ فِطْرُ صِيامي
مَن صامَ اليومَ عن شهواتِه؛ أفْطَرَ عليها بعدَ مماتِه، ومَن تَعَجَّلَ ما حُرمَ عليهِ قبلَ وفاتِه؛ عوقِبَ بحرمانِهِ في الآخرةِ وفواتِه.
وشاهدُ ذلكَ: قولُهُ تَعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ الآيةَ [الأحقاف: ٢٥]. وقولُ النَّبيِّ ﷺ: "مَن شَرِبَ الخمرَ في الدُّنيا؛ لمْ يَشْرَبْها في الآخرةِ" (^٣)، و"مَن لَبِسَ الحريرَ في الدُّنيا؛ لمْ يَلْبَسْهُ في
_________________
(١) في خ: "الحذار الحذار … دنياهم وزر"! والصواب ما أثبتّه من م ون وط. والوزر: المفرّ.
(٢) في خ ون: "في الأطعمة"، والأولى ما أثبتّه من م وط.
(٣) رواه: البخاري (٧٤ - الأشربة، ١ - إنّما الخمر والميسر، ١٠/ ٣٠/ ٥٥٧٥)، ومسلم (٣٦ - =
[ ٣٤٦ ]
الآخرةِ" (^١).
أنْتَ في دارِ شَتاتٍ … فَتَأهَّبْ لِشَتاتِكْ
وَاجْعَلِ الدُّنْيا كَيَوْمٍ … صُمْتَهُ عَنْ شَهَواتِك
وَلْيَكُنْ فِطْرُكَ عِنْدَ الـ … ـلهِ في يَوْمِ وَفاتِكْ
في حديثٍ مرفوعٍ خَرَّجَهُ ابنُ أبي الدُّنيا: "لو يَعْلَمُ العبادُ ما في رمضانَ؛ لَتَمَنَّتْ أُمَّتي أنْ تَكونَ السَّنةُ كلُّها رمضانَ" (^٢).
• وكانَ النَّبيُّ - ﷺ - يُبَشِّرُ أصحابَهُ بقدومِ رمضانَ، كما خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ عن أبي هُرَيْرَةَ؛ قالَ: كانَ النَّبيُّ - ﷺ - يُبَشِّرُ أصحابَهُ يَقولُ: "قد جاءَكُمْ شهرُ رمضانَ، شهرٌ مباركٌ، كَتَبَ اللهُ عليكُم صيامَهُ، تفْتَحُ فيهِ أبوابُ السَّماءِ، وتُغْلَقُ فيهِ
_________________
(١) = الأشربة، ٧ - كلّ مسكر خمر، ٣/ ١٥٨٧/ ٢٠٠٣)؛ من حديث ابن عمر.
(٢) رواه: البخاري (٧٧ - اللباس، ٢٥ - لبس الحرير للرجال، ١٠/ ٢٨٣/ ٥٨٣٢ - ٥٨٣٤) من حديث أنس وابن الزبير وعمر، ومسلم (٣٧ - اللباس، ٢ - تحريم إناء الذهب والفضّة، ٣/ ١٦٤٢/ ٢٠٦٩ و٢٠٧٣ و٢٠٧٤)؛ من حديث عمر وابن الزبير وأنس وأبي أُمامة.
(٣) (موضوع). رواه: ابن أبي الدنيا، وأبو يعلى (٥٢٧٣)، وابن خزيمة (١٨٨٦)، والشاشي (٨٥٢)، والبيهقي في "الشعب" (٣٦٣٤)، والأصبهاني (١٧٣٨)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ١٨٩)؛ من طريق جرير بن أيّوب البجلي، (ح) ورواه: الطبراني (٢٢/ ٣٨٨/ ٩٦٧)، والدارقطني (٢/ ١٠٠ - لآلئ)، وابن النجّار (٢/ ١٠٠ - لآلئ)؛ من طريق الهيّاج بن بسطام، ثنا عبّاد (وقيل: عبّاس). كلاهما عن نافع بن بردة، عن ابن مسعود (وقيل: أبي مسعود، وقيل: أبي شريك) الغفاري … رفعه. وهاهنا علل: أولاها: أنّ جريرًا هذا متّهم متروك. وبه أعلّه ابن خزيمة والبيهقي وابن الجوزي والهيثمي (٣/ ١٤٤) والعسقلاني في "المطالب". والثانية: أنّ متابعَهُ الهيّاج ضعيف منكر الحديث، وبه أعلّه الهيثمي في "المجمع". وشيخ الهيّاج عبّاد أو عبّاس لا يُدرى من هو، ولا يبعد أبدًا أن يكون أحد المتّهمين أو المتروكين، وهم كثر في هذه الطبقة، وهذا الإبهام للراوي كثيرًا ما يكون لإخفاء حاله. والثالثة: أنّ نافع بن بردة هذا لا يُدرى من هو ولم أقف له على ذكر. والرابعة: أنّ هذا الاضطراب في اسم الصحابيّ يدلّ على حقيقة حال الرواة. والخامسة: أنّ سياق الحديث بطوله يشهد بأنّه موضوع. وقد قال ابن خزيمة في الحديث: "إن صحّ الخبر؛ فإنّ في القلب من جرير بن أيّوب البجلي". فقال العسقلاني في "المطالب" بعد أن ضعّفه جدًّا: "كأنّه تساهل فيه لكونه من الرغائب". وقال ابن الجوزي: "موضوع على رسول الله - ﷺ -"، فاستدركه عليه السيوطي، فردّ عليه الشوكاني في "الفوائد" بقوله: "سياقه ممّا يشهد العقل أنّه موضوع، فلا معنى لاستدراك السيوطي على ابن الجوزي بأنّه رواه غير من روى عنه ابن الجوزي؛ فإنّ الموضوع لا يخرج عن كونه موضوعًا برواية الرواة له". وقال الألباني: "موضوع".
[ ٣٤٧ ]
أبوابُ الجحيمِ، وتُغَلُّ فيهِ الشَّياطينُ، فيهِ ليلةٌ خيرٌ مِن ألفِ شهرٍ، مَن حُرِمَ خيرَها فقدْ حُرِمَ" (^١).
قالَ بعضُ العلماءِ: هذا الحديثُ أصلٌ في تهنئةِ النَّاسِ بعضِهِم بعضًا بشهرِ رمضانَ.
كيفَ لا يُبَشَّرُ المؤمنُ بفتح أبوابِ الجنان؟! كيفَ لا يُبَشَّرُ المذنبُ بغلقِ أبوابِ النِّيران؟! كيفَ لا يُبَشَّرُ الغافلُ (^٢) بوقتٍ يُغَلُّ فيهِ الشَّيطان؟! مِن أينَ يُشْبِهُ هذا الزَّمانَ زمان.
وفي حديثٍ آخرَ: "أتاكُم رمضانُ سيِّدُ الشُهورِ؛ فمرحبًا بهِ وأهلًا" (^٣).
جاءَ شَهْرُ الصِّيامِ بِالبَرَكاتِ … فَأكْرِمْ بِهِ مِنْ زائِرٍ هُوَ آتِ
[و] رُوِيَ أن النَّبيَّ - ﷺ - كانَ يَدْعو ببلوغِ رمضانَ، فكانَ إذا دَخَلَ شهرُ رجبٍ تقولُ: "اللهمَّ! بارِكْ لنا في رجبٍ وشعبانَ وبَلِّغْنا رمضانَ" (^٤). خَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ وغيرُهُ مِن حديثِ أنسٍ.
وقالَ مُعَلَّى بنُ الفَضْلِ: كانوا يَدْعونَ الله ستَّةَ أشهرٍ أنْ يُبَلِّغَهُمْ رمضانَ، ثمَّ
_________________
(١) (حسن بشواهده). رواه: عبد الرزّاق (٧٣٨٣)، وابن أبي شيبة (٨٨٦٧)، وإسحاق في "المسند" (١/ ٧٣/ ١ و٢)، وأحمد (٢/ ٢٣٠ و٣٨٥ و٤٢٥)، وعبد بن حميد (١٤٢٩)، والنسائي في "الكبرى" (٢٤١٦) و"المجتبى" (٢٢ - الصيام، ٥ - ذكر الاختلاف على معمر، ٤/ ١٢٩/ ٢١٠٥)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣٦٠٠)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (١٦/ ١٥٤)، والرافعي في "التدوين" (٢/ ٢٥٢)؛ من طريق أيّوب، عن أبي قلابة، عن أبي هريرة … رفعه. وهذا سند رجاله ثقات، لكن قال المنذري: "أبو قلابة عن أبي هريرة ولم يسمع منه فيما أعلم". وقال الذهبي: "أبو قلابة ثقة في نفسه؛ إلّا أنّه يدلّس عمّن لحقهم وعمّن لم يلحقهم، وكانت له صحف يحدّث منها ويدلّس". قلت: فعلى هذا؛ فلا يؤمن أن يكون في السند انقطاع. ولقوله - ﷺ - "تفتح فيه … الشياطين" طريق أُخرى عند: البخاري (١٨٩٨) ومسلم (١٠٧٩). وله بطوله شاهد ضعيف عن أنس عند: ابن ماجه (١٦٤٤)، والطبراني في "الأوسط" (٧٦٢٣). وللقطعة الأولى والأخيرة منه شاهد ضعيف عن عبادة بن الصامت عند الطبراني (٣/ ١٤٥ - مجمع). فهذه الشواهد تنهض لشدّ الانقطاع المحتمل فيه إن شاء الله، وقد مال إلى تحسينه الألباني.
(٢) في خ: "العابد"، وفي ن وط: "العاقل"، والأولى ما أثبتّه من م.
(٣) (لم أقف عليه بهذا التمام). لكن الغالب في مثل هذا التضعيف وربّما كان دون ذلك.
(٤) (ضعيف جدًّا). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٢٩١).
[ ٣٤٨ ]
يَدْعونَهُ ستَّةَ أشهرٍ أنْ يُتَقَبَّلَ منهُم.
وقالَ يَحْيى بنُ أبي كَثيرٍ: كانَ مِن دعائِهِمُ: اللهمَّ! سَلِّمْني إلى رمضانَ، وسَلِّمْ لي رمضانَ، وتَسَلَّمْهُ منِّي متقبَّلًا.
بلوغُ شهرِ رمضانَ وصيامُهُ نعمةٌ عظيمةٌ على مَن أقْدَرَهُ اللهُ عليهِ، ويَدُلُّ عليهِ حديثُ الثَّلاثةِ الذينَ اسْتُشْهِدَ اثنانِ منهُم ثمَّ ماتَ الثَّالثُ على فراشِهِ بعدَهُما، فرُئِيَ في المنامِ سابقًا لهُما، فقالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "أليسَ صَلَّى بعدَهُما كذا وكذا صلاةً وَأدْرَكَ رمضانَ فصامَهُ؟ فوالذي نفسي بيدِهِ؛ إنَّ بينَهُما لأبعدَ ممَّا بينَ السَّماءِ والأرضِ" (^١).
_________________
(١) (صحيح، والمحفوظ أنّهما رجلان لا ثلاثة). وقد جاء بلفظه وبمعناه عن جماعة من الصحابة: * فرواه: مسدّد في "مسنده" (٣/ ٢١٨ - مصباح الزجاجة)، وأحمد (١/ ١٦٣)، وعبد بن حميد (١٠٤)، والبزّار (٩٥٤ - بحر)، والنسائي في "اليوم والليلة" (٨٤٤ و٨٤٥) مختصرًا، وأبو يعلى (٦٣٤)، والشاشي (٢٦)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٤/ ٢٢٤)؛ من طريق قويّة، عن طلحة بن يحيى بن طلحة، عن إبراهيم بن محمّد بن طلحة، عن عبد الله بن شدّاد، [عن طلحة بن عبيد الله] … فذكره بنحوه. قال الهيثمي (١٠/ ٢٠٧): "رواه أحمد فوصل بعضه وأرسل أوّله، ورواه أبو يعلى والبزّار فقالا عن عبد الله بن شدّاد عن طلحة فوصلاه بنحوه، ورجالهم رجال الصحيح". قلت: الوصل زيادة ثقة، ووصل أحمد للحديث في سياقه يقوّي هذه الزيادة ويؤكّد أنّها محفوظة. لكن المشكل أنّ طلحة هذا يخطئ، فالسند مقارب. ورواه: سعيد بن منصور، وعنه ابن عبد البرّ (٢٤/ ٢٢٣)؛ من طريق صالح بن موسى بن إسحاق بن طلحة، عن أبيه، عن إبراهيم بن محمّد بن طلحة، عن جدّه طلحة … فذكره بنحوه. قال ابن عبد البرّ: "لم يسمعه إبراهيم من جدّه"، قلت: صالح متروك، والسند ساقط. ورواه: أحمد (١/ ١٦٢ و١٦٣)، وابن أبي عمر في "المسند" (٣/ ٢١٨ - مصباح الزجاجة)، وابن ماجه (٣٥ - التعبير، ١٠ - تعبير الرؤيا، ٢/ ١٢٩٣/ ٣٩٢٥)، والشاشي في "المسند" (٢٨)، وابن حبّان (٢٩٨٢)، والبيهقي (٣/ ٣٧١)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" ٢٤/ ٢٢١ - ٢٢٣)؛ من طريق محمّد بن إبراهيم التيمي. (ح) ورواه: أحمد (٢/ ٣٣٣)، وأبو يعلى (٦٤٨)، والشاشي (٢٧)، والبيهقي في "الزهد" (٦٢٥)، والضياء في "المختارة" (٣/ ٢٦/ ٨٢٦)؛ من طريق محمّد بن عمرو بن علقمة. كلاهما عن أبي سلمة، عن طلحة … رفعه بنحوه، لكن جعلهما رجلين لا ثلاثة. وهذا سند يمكن أن يعلّ من أحد وجهين: أوّلهما: أنّهم اختلفوا على محمّد بن إبراهيم: فرواه بعضهم عنه مرسلًا، وبعضهم عنه عن أبي سلمة مرسلًا، وبعضهم عنه عن أبي سلمة عن طلحة. ولا يضرّ؛ لأنّ الطريق الموصولة صحيحة أوّلًا، ولأنّه توبع ثانيًا. والوجه الآخر: قول ابن المديني وابن معين وغيرهما: "أبو سلمة لم يسمع من طلحة شيئًا". وبه أعلّه ابن أبي خيثمة والشاشي وابن عبد البرّ والبوصيري. وهذه أيضًا غير قادحة، قال ابن عبد البرّ: "هو عند أبي سلمة عن أبي هريرة عن طلحة". قلت: يشير إلى ما رواه: ابن أبي شيبة، وأحمد (٢/ ٣٣٣)، والبزّار (٩٢٩)، وابن عبد البرّ (٢٤/ ٢٢٥)؛ من طريق قوية، عن محمّد بن عمرو، عن أبي =
[ ٣٤٩ ]
خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وغيرُهُ.
مَن رُحِمَ في شهرِ رمضانَ فهوَ المرحوم، ومَن حُرِمَ خيرَهُ فهوَ المحروم، ومَن لمْ يَتَزَوَّدْ فيهِ لِمَعادِ [هِ] فهوَ ملوم.
أتى رَمضانُ مَزْرَعَةُ العِبادِ … لِتَطْهيرِ القُلوبِ مِنَ الفَسادِ
فَأدِّ حُقوقَهُ قَوْلًا وَفِعْلًا … وَزادَكَ فَاتَّخِذْهُ إلى المعادِ (^١)
فَمَنْ زَرَعَ الحُبوبَ وَما سَقاها … تَأوَّهَ نادِمًا يَوْمَ الحَصادِ
يا مَن طالَتْ غيبتُهُ عنَّا! قد قَرُبَتْ أيَّامُ المصالحة. يا مَن دامَتْ خسارتُهُ! قد أقْبَلَتْ أيامُ التِّجارةِ الرَّابحة.
مَن لمْ يَرْبَحْ في هذا الشَّهرِ ففي أيِّ وقتٍ يَرْبَح؟! مَن لمْ يقْرُبْ فيهِ مِن مولاهُ فهوَ على بعدِهِ لا يَبْرَح.
أُناسٌ أعْرَضوا عَنَّا … بِلا جُرْمٍ وَلا مَعْنى
أساؤوا ظَنَّهُمْ فينا … فَهَلَّا أحْسَنوا الظَّنَّا
فَإنْ عادوا لَنا عُدْنا … وَإنْ خانوا فَما خُنَّا
_________________
(١) = سلمة، عن أبي هريرة … فذكره وأسند بعضه إلى طلحة. وهذا سند حسن، ومحمّد بن عمرو صدوق مقبول الزيادة. فبان أنّ العلّتين غير قادحتين، والسند صحيح. • ورواه: الطيالسي (١١٩٠)، وأبو داوود (٩ - الجهاد، ٢٩ - النور عند قبر الشهيد، ٢/ ٢٠/ ٢٥٢٤)، والنسائي (٢١ - الجنائز، ٧٧ - الدعاء، ٤/ ٧٤/ ١٩٨٤)، والبيهقي في "السنن" (٣/ ٣٧١) و"الزهد" (٦٢٦)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٤/ ٢٢٥ و٢٢٦)؛ من طريق مسلسلة بالأثبات، عن عبد الله بن ربيّعة، عن عبيد بن خالد … رفعه لكن جعلهما رجلين لا ثلاثة. وعبد الله هذا ذكره ابن حبّان في "الثقات" وروى عنه جماعة واختلف في صحبته فلا أقلّ من أن يحسّن حديثه. * وذكره مالك في "الموطّأ" (١/ ١٧٤) بلاغًا، ووصله ابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٤/ ٢٢١) من طريق قويّة عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن عامر بن سعد، عن سعد ﵁ … رفعه بنحوه وجعلهما رجلين لا ثلاثة. وهذا سند قويّ. * ورواه ابن أبي شيبة (٣٥٦٩٩) من طريق قويّة عن الحسن مرسلًا بذكر رجلين لا ثلاثة. فحديث طلحة صحيح بطرقه، وحديث عبيد حسن أو صحيح، وحديث سعد صحيح أيضًا، ومرسل الحسن يزيدها قوّة على قوّتها، وقد صحّح هذا المتن ابن حبّان وابن عبد البرّ والضياء والمنذري والهيثمي والبوصيري وشاكر والألباني.
(٢) في خ ون: "للمعاد"، ولا يستوي الوزن إلّا بما أثبتّه من م وط.
[ ٣٥٠ ]
وَإنْ كانوا قَدِ اسْتَغْنَوْا … فَإنَّا عَنْهُمُ أغْنى
كم يُنادى حَيَّ على الفلاحِ وأنْتَ خاسر! كم تُدْعى إلى الصَّلاحِ وأنتَ على الفسادِ مثابر!
إذا رَمَضانُ أتى مُقْبِلًا … فَأقْبِلْ فَبِالخَيْرِ يُسْتَقْبَلُ
لَعَلَّكَ تُخْطِئُهُ قابِلًا … وَتَأْتي بِعُذْرٍ فَلا يُقْبَلُ
كم ممَّن أمَّلَ أنْ يَصومَ هذا الشَّهر فخانَهُ أملُهُ فصارَ قبلَهُ إلى ظلمةِ القبر!
كم مِن مستقبلٍ يومًا لا يَسْتكْمِلُه ومؤمِّلٍ غدًا لا يُدْرِكُه!
إنَّكم لو أبْصَرْتُمُ الأجلَ ومسيرَه؛ لأبْغَضْتُمُ الأملَ وغرورَه.
خَطَبَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ آخرَ خطبةٍ خَطَبَها فقالَ فيها: إنَّكم لم تُخْلَقوا عبثًا، ولنْ تُتْرَكوا سدًى، وإنَّ لكُم معادًا يَنْزِلُ اللهُ فيهِ للفصلِ بينَ عبادِهِ، فقد خابَ وخَسِرَ مَن خَرَجَ مِن رحمةِ اللهِ التي وَسِعَتْ كلَّ شيءٍ وحُرِمَ جنَّةً عرضها السَّماواتُ والأرضُ. ألا تَرَوْن أنَّكم في أسلابِ الهالكينَ، وسَيَرِثُها بعدَكُمُ الباقونَ كذلكَ [حتَّى] تُرَدَّ إلى خيرِ الوارثينَ؟! وفي كلِّ يومٍ تُشَيِّعونَ غاديًا ورائحًا إلى اللهِ قد قَضى نحبَهُ وانْقَضى أجلُهُ، فتُوَدِّعونَهُ وتَدَعونَهُ في صدعٍ مِن الأرضِ غيرِ موسَّدٍ ولا ممهَّدٍ، قد خَلَعَ الأسبابَ وفارَق الأحبابَ وسَكَنَ التُّرابَ وواجَهَ الحسابَ، غنيًّا عمَّا خَلَّفَ فقيرًا إلى ما أسْلَفَ، فاتَّقوا الله عبادَ اللهِ قبلَ نزولِ الموتِ وانقضاءِ مواقيتِهِ، وإنِّي لأقولُ لكُم هذهِ المقالةَ وما أعْلَمُ عندَ أحدٍ مِن الذُّنوبِ أكثرَ ممَّا أعْلَمُ عندي، ولكنِّـ[ـي] أسْتَغْفِرُ الله وأتوبُ إليهِ. ثمَّ رَفَعَ طرفَ ردائِهِ وبَكى حتَّى شَهَقَ، ثمَّ نَزَلَ عن المنبرِ فما عادَ إلى المنبرِ بعدَها حتَّى ماتَ رحمةُ اللهِ عليهِ (^١).
يا ذا الذي ما كَفاهُ الذَّنْبُ في رَجَبٍ … حَتَّى عَصى رَبَّهُ في شَهْرِ شَعْبانِ
لَقَدْ أظَلَّكَ شَهْرُ الصوْمِ بَعْدَهُما … فَلا تُصيِّرْهُ أيْضًا شَهْرَ عِصيانِ
وَاتْلُ القُرَانَ وَسَبِّحْ فيهِ مُجْتَهِدًا … فَإنَّهُ شَهْرُ تَسْبيحٍ وَقُرْآنِ
_________________
(١) وهي والله من عيون الخطب. رحمة الله عليهم، ما كان أجزل كلامهم وأقلّه وأدلّه!
[ ٣٥١ ]
وَاحْمِلْ عَلى جَسَدٍ تَرْجو النَّجاةَ لَهُ … فَسَوْفَ تُضْرَمُ أجْسامٌ بِنيرانِ
كَمْ كُنْتَ تَعْرِفُ ممَّنْ صامَ في سَلَفٍ (^١) … مِنْ بَيْنِ أهلٍ وجيرانٍ وَإخوانِ
أفْناهُمُ المَوْتُ وَاسْتَبْقاكَ بَعْدَهُمُ … حَيًّا فَما أقْرَبَ القاصي مِنَ الدَّاني
وَمُعْجَبٍ بثيابِ العيدِ يقْطَعُها … فَأصْبَحَتْ في غدٍ أثْوابَ أكْفانِ
حَتَّى مَتى يَعْمُرُ الإنْسانُ مَسْكَنَهُ … مَصيرُ مَسْكَنِهِ قَبْرٌ لإنْسانِ
* * *
_________________
(١) يعني: صام في رمضان الماضي ثمّ لم يدرك رمضان الحاضر.
[ ٣٥٢ ]