في الصَّحيحين (^١): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قالَ: "مَن حَجَّ هذا البيتَ فلمْ يَرْفُثْ ولمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ مِن ذنوبِهِ كيومَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ".
• مباني الإسلامِ الخمسُ؛ كلُّ واحدٍ منها يُكَفِّرُ الدُّنوبَ والخطايا ويَهْدِمُها: فلا إلهَ إلَّا اللهُ لا تُبْقي ذنبًا ولا يَسْبِقُها عملٌ. والصَّلواتُ الخمسُ والجمعةُ إلى الجمعةِ ورمضانُ إلى رمضانَ مكفِّراتٌ لِما بينَهُنَّ ما اجْتُنِبَتِ الكبائرُ. والصَّدقةُ تُطْفِئ الخطيئةَ كما يُطْفِى الماءُ النَّارَ. والحجُّ الذي لا رفثَ فيهِ ولا فسوقَ يَرْجِعُ صاحبُهُ مِن ذنوبِهِ كيومَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.
• وقدِ اسْتَنْبَطَ معنى هذا الحديثِ مِن القرآنِ طائفةٌ مِن العلماءِ، وتأوَّلوا قولَ اللهِ ﷿ ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣] بأن مَن قَضى نسكَهُ ورَجَعَ منهُ فإنَّ آثامَهُ تَسْقُطُ عنهُ إذا اتَّقى الله في أداءِ نسكِهِ، وسواءٌ نَفَرَ في اليومِ الأوَّلِ من يوميِ النَّفرِ متعجِّلًا أو تَأخَّرَ إلى اليومِ الثَّاني.
وفي "مسند أبي يَعْلى المَوْصِلِي": عن النبي - ﷺ -؛ قالَ: "مَن قَضى نسكَهُ، وسَلِمَ المسلمونَ مِن لسانِهِ ويدهِ، غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذنبِهِ وما تَأخَّرَ" (^٢).
_________________
(١) البخاري (٢٥ - الحجّ ٤ - الحجّ المبرور، ٣/ ٣٨٢/ ١٥٢١)، ومسلم (١٥ - الحجّ، ٧٩ - فضل الحجّ والعمرة، ٢/ ٩٨٣/ ١٣٥٠).
(٢) (ضعيف). رواه: عبد بن حميد (١١٥٠)، والفاكهي في "مكّة" (٩٣٠)، وأبو يعلى (٢٩/ ٣٦٢ - ابن عساكر، ولم أجده في المطبوع، فلعلّ المصنّف أراد المسند الكبير)، والعقيلي (٢/ ٢٧٤)، وابن عدي (٢/ ٤٧٦، ٤/ ١٤٥٠، ٦/ ٢٣٣٤)، وابن عساكر (٢٩/ ٣٦٢)، والذهبي في "الميزان" (٢/ ٤٥٩) تعليقًا؛ من طريق موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة، عن جابر … رفعه بطوله دون قوله "وما تأخّر" عند جميعهم إلّا أبا يعلى ومن طريقه ابن عساكر. قال الألباني: "هذا سند ضعيف، موسى بن عبيدة ضعيف، وأمّا أخوه عبد الله بن عبيدة فمختلف فيه". قلت: ترجمة عبد الله في "التهذيب" ترجح أنّ من ضعّفه إنّما ضعّفه بالنظر إلى رواية أخيه عنه وأمّا هو في نفسه فالظاهر أنّه صدوق. لكن قال ابن معين: "موسى عن عبد الله عن جابر مرسل". فهذه علّة أُخرى. وله شاهد آخر عند عبد الرزّاق (٨٨١٧): ثني الأسلميّ، ثني صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار … مرسلًا. والأسلميّ هذا هو إبراهيم بن محمّد بن أبي يحيى، متروك، لا تسوى متابعته فلسًا.
[ ١٥٠ ]
وفي الصَّحيحينِ (^١): عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "الحجُّ المبرورُ ليسَ لهُ جزاءً إلَّا الجنَّةُ".
وفي "صحيح مسلم" (^٢): عنهُ - ﷺ -؛ قالَ: "الحجُّ يَهْدِمُ ما قبلَهُ".
فالحجُّ المبرورُ يُكَفِّرُ السِّيِّئاتِ ويوجِبُ دخولَ الجنَّاتِ. وقد رُوِيَ أنَّهُ - ﷺ - سُئِلَ عن برِّ الحجِّ، فقالَ: "إطعامُ الطَّعامِ وطيبُ الكلامِ" (^٣). فالحجُّ المبرورُ ما اجْتَمَعَ فيهِ فعلُ أعمالِ البرِّ معَ اجتنابِ أعمالِ الإثمِ.
فما دَعا الحاجُّ لنفسِهِ ولا دَعا لهُ غيرُهُ بأحسنَ مِن الدُّعاءِ بأنْ يَكونَ حجُّهُ مبرورًا.
ولهذا يُشْرَعُ للحاجِّ إذا فَرَغَ مِن أعمالِ حجِّهِ وشَرَعَ في التَّحلُّلِ مِن إحرامِهِ برميِ جمرةِ العقبةِ يومَ النَّحرِ أنْ يَقولَ: اللهمَّ! اجْعَلْهُ حجًّا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا. رُوِيَ ذلكَ عن ابن مَسْعودٍ وابنِ عُمَرَ مِن قولِهِما، ورُوِيَ عنهُما مرفوعًا (^٤).
_________________
(١) البخاري (٢٦ - العمرة، ١ - العمرة، ٣/ ٥٩٧/ ١٧٧٣)، ومسلم (١٥ - الحجّ، ٧٩ - فضل الحجّ، ٢/ ٩٨٣/ ١٣٤٩)؛ من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) (١ - الإيمان، ٥٤ - الإسلام يهدم ما قبله، ١/ ١١٢/ ١٢١) من حديث عمرو بن العاص.
(٣) (صحيح). رواه: الطيالسي (١٧١٨)، وأحمد (٣/ ٣٢٥ و٣٣٤)، وعبد بن حميد (١٠٩١ - منتخب)، والفاكهي في "مكّة" (٨٧٩)، وابن خزيمة، والعقيلي (٤/ ٤٠)، والطبراني في "الأوسط" (٦٦١٤)، وابن عدي (١/ ٣٥٦، ٦/ ٢١٤٦)، والحاكم (١/ ٤٨٣)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ١٥٦، ٦/ ١٤٦)، والبيهقي في "الشعب" (٤١١٩ و٤١٢٠) و"السنن" (٥/ ٢٦٢)، والأصبهاني في "الترغيب" (١٠٤٧)، والرافعي في "التدوين" (٢/ ٢٨٨)؛ من طرق، عن محمّد بن المنكدر، عن جابر … رفعه. قال العقيلي: "إسناد ليّن". وقال العسقلاني: "في إسناده ضعف". قلت: له طريقان ساقطتان عن ابن المنكدر وطريقان ضعيفتان وطريقان صالحتان في الشواهد، ومجموعها لا ينزل بهذا الوجه عن رتبة الحسن أبدًا. ورواه: العقيلي (١/ ١٤١)، والطبراني في "الأوسط" (٨٤٠٠)؛ من طريق بشر بن المنذر، ثنا محمّد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن جابر … رفعه. قال المنذري والهيثمي (٣/ ٢١٠): "إسناده حسن". قلت: بشر سيّئ الحفظ، ومحمّد بن مسلم يخطئ، وقال العقيلي: "لا يتابع عليه من حديث عمرو بن دينار، وهذا يروى عن جابر من حديث محمّد بن المنكدر بإسناد ليّن". قلت: سواء أأخطأ بذكر عمرو بن دينار أم أصاب، فطريقه هذه تزيد الحديث قوّة على قوّته. وقد قوّاه الحاكم والمنذري والذهبي والهيثمي والألباني.
(٤) (ضعيف موقوفًا ولا أصل له في المرفوع). قال العسقلاني في "التلخيص" (٢/ ٢٦٨): "لم أجده. وذكره البيهقي من كلام الشافعيّ. وروى سعيد بن منصور في "السنن" عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال: كانوا يحبّون للرجل إذا رمى الجمار أن يقول: اللهمّ اجعله حجًّا مبرورًا وذنبًا مغفورًا، وأسنده من وجهين =
[ ١٥١ ]
وكذلكَ يُدْعى للقادِمِ مِن الحجِّ بأنْ يَجْعَلَ اللهُ حجَّهُ مبرورًا.
وفي الأثرِ أن آدَمَ ﵇ لمَّا حَجَّ البيتَ وقَضى نسكَهُ؛ أتَتْهُ الملائكةُ فقالوا لهُ: يا آدَمُ! بَرَّ حجُّكَ! لقد حَجَجْنا هذا البيتَ قبلَكَ بألفي عامٍ (^١).
وكذلكَ [كانَ] السَّلفُ يَدْعونَ لمَن رَجَعَ مِن حجِّهِ. لمَّا حَجَّ خالِدٌ الحَذَّاءُ ورَجَعَ؛ قالَ لهُ أبو قِلابَةَ: بَرَّ العملُ! معناهُ: جَعَلَ اللهُ عملَكَ مبرورًا.
• وللحجِّ المبرورِ علاماتٌ لا تَخْفى:
قيلَ للحَسَنِ: الحجُّ المبرورُ جزاؤُهُ الجنَّةُ. قالَ: آيةُ ذلكَ أنْ يَرْجِعَ زاهدًا في الدُّنيا راغبًا في الآخرةِ.
وقيلَ لهُ: جزاءُ الحجِّ المبرورِ المغفرةُ. قالَ: آيةُ ذلكَ أنْ يَدَعَ سيِّئَ ما كانَ عليهِ مِن العملِ.
الحجُّ المبرورُ مثلُ حجِّ إبراهيمَ بن أدْهَمَ معَ رفيقِهِ الرَّجلِ الصَّالحِ الذي صَحِبَهُ مِن بَلْخَ: فرَجَعَ مِن حجِّهِ زاهدًا في الدُّنيا راغبًا في الآخرةِ، وخَرَجَ عن ملكِهِ ومالِهِ وآلِهِ وعشيرتِهِ وبلادِهِ واختارَ بلادَ الغربةِ، وقَنَعَ بالأكلِ مِن عملِ يدِهِ إمَّا مِن الحصادِ أو مِن نظارةِ البساتينِ (^٢).
_________________
(١) = ضعيفين عن ابن مسعود وابن عمر من قولهما عند رمي الجمرة".
(٢) (منكر مرفوعًا). رواه: البيهقي (٥/ ١٧٦) من طريق سعيد بن ميسرة البكري، والأصبهاني في "الترغيب" (١٠٢١) من طريق أبي هرمز نافع بن هرمز؛ كلاهما عن أنس … رفعه. والبكري وأبو هرمز متروكان متّهمان، والسند ساقط. ورواه: الشافعي في "المسند" (ص ١١٦)، وأبو الشيخ في "العظمة" (١٠٤٨)، والبيهقي (٥/ ١٧٧)، والأصبهاني (١٠٤٨)؛ عن محمّد بن كعب موقوفًا. ورواه: الأزرقيّ في "مكّة" (١/ ٣٩، ٢/ ١٣)، وأبو الشيخ (١٠٥١)، وابن الجوزي في "الواهيات" (٩٣٧)؛ عن ابن عبّاس موقوفًا. وابن أبي شيبة (٣٥٩٤٧) عن أنس موقوفًا. والطبري في "التاريخ" (١/ ٨١) عن ابن عمر موقوفًا. والمروزي في "الصلاة" (٨٥٣)، والأزرقي (١/ ٤٥)؛ عن ابن المنكدر موقوفًا. والفاكهي (٥٧٥) عن أبي يزيد بن العجلان موقوفًا. والبيهقي في "الشعب" (٣٩٨٩) عن وهب موقوفًا. وأبو الشيخ (١٠٦٦) عن أبي سلمة موقوفًا. والأزرقي (١/ ٤٥) عن سعيد موقوفًا. فأصل هذا خبر إسرائيليّ تناقله الصحابة فمن بعدهم موقوفًا والرفع فيه منكر من فعل المتروكين.
(٣) أيّ برّ في أن يخرج المرء عن ماله وملكه وأهله وعشيرته وبلده؟! قد حجّ النبيّ - ﷺ - وأصحابه ثمّ عادوا إلى أموالهم وأهليهم وأعمالهم، وهم والله أحقّ بالبرّ وأهله، ومن جاء بعدهم فقصاراه أن ينال وشلًا من =
[ ١٥٢ ]
حجَّ مرَّةً مع جماعةٍ مِن أصحابِهِ، فشَرَطَ عليهِم في ابتداءِ السَّفرِ ألَّا يَتَكَلَّمَ أحدُهُم إلَّا للهِ ولا يَنْظُرَ إلَّا لهُ، فلمَّا وَصَلوا وطافوا بالبيتِ؛ رَأوا جماعةً مِن أهلِ خُراسانَ في الطَّوافِ معَهُم غلامٌ جميلٌ قد فُتِنَ النَّاسُ بالنَّظرِ إليهِ، فجَعَلَ إبْراهيمُ يُسارِقُهُ النَّظرَ ويَبْكي، فقالَ لهُ بعضُ أصحابِهِ: يا أبا إسْحاقَ! ألمْ تَقُلْ لنا لا تَنْظُروا إلَّا للهِ؟ فقالَ: ويحكَ! هذا ولدي، وهؤلاءِ خدمي وحشمي، [ثمَّ أنْشَدَ]:
هَجَرْتُ الخَلْقَ طُرًّا في هَواكا … وأيْتَمْتُ العِيالَ لِكَيْ أراكا
فَلَوْ قَطَّعْتَني في الحُبِّ إرْبًا … لَما حَنَّ الفُؤادُ إلى سِواكا (^١)
قالَ بعضُ السَّلفِ: استلامُ الحجرِ الأسودِ هوَ ألَّا تَعودَ إلى معصيةٍ. يُشيرُ إلى ما قالَهُ ابنُ عَبَّاسٍ: إنَّ الحجرَ الأسودَ يَمينُ اللهِ في الأرضِ، فمَنِ اسْتَلَمَهُ وصافَحَهُ؛ فكأنَّما صافَحَ الله وقَبَّلَ يمينَهُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: الحجرُ الأسودُ يَمينُ اللهِ في الأرضِ، فمَن لمْ يُدْرِكْ بيعةَ رسولِ اللهِ - ﷺ -، فمَسَحَ الرُّكنَ؛ فقد بايَعَ الله ورسولَهُ (^٢).
_________________
(١) = بحرهم وغيضًا من فيضهم! فإن صحّت نسبة هذه الحكاية إلى إبراهيم؛ فأحسن ما يقال فيها: رجل أراد الخير فلم يصبه! وكم من مريد للخير لن يصيبه!
(٢) وهذه كالتي قبلها جملة وتفصيلًا: فأمّا شرط عدم النظر والنطق إلّا لله؟ فتحريم لما أحلّه الله بقوله ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]! وأمّا الغلام الجميل الذي فتن الناس بالنظر إليه؛ فلا يحلّ لأبيه والله أن يخلّيه يتيمًا دون رعاية ولا تعهّد لأنّ أبواب الضلالة مشرعة لأمثاله في كلّ عصر ومصر! وإذا كان النظر إلى ولدك من النظر لله تعالى؛ أفليس الأولى أن تكون رعايته وتنشئته نشأة صالحة من عبادة الله تعالى؟! وإذا كان فؤادك لا يحنّ إلّا لله تعالى؛ فما هذا البكاء؟! والله المستعان على هذه الأوابد التي ما أنزل بها من سلطان!
(٣) (ضعيف مرفوعًا، حسن موقوفًا، وليس له حكم الرفع). رواه: ابن عديّ (١/ ٣٣٦)، وأبو الشيخ في "الطبقات" (٢/ ٣٦٥)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٦/ ٣٢٨)، وابن الجوزي في "الواهيات" (٩٤٤)، وابن عساكر (٤٢/ ٢١٧)؛ من طريقين، عن أبي معشر المدائني، عن ابن المنكدر، عن جابر … رفعه. وفي الطريق الأولى إسحاق بن بشر الكاهلي كذّاب، وفي الثانية أبو عليّ الأهوازي متّهم. ورواه: الفاكهي (١٤)، وابن خزيمة (٢٧٣٧)، والطبراني في "الأوسط" (٥٦٧)، والحاكم (١/ ٤٥٧)، والبيهقي في "الصفات" (٧٢٩)، وابن الجوزي في "الواهيات" (٩٤٥)؛ من طريق عبد الله بن المؤمّل، سمعت عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمرو … رفعه. صحّحه الحاكم، وردّه الذهبي بقوله: "عبد الله بن المؤمّل واه". وقال ابن الجوزي: "لا يصحّ". وقال الهيثمي (٣/ ٢٤٥): "فيه عبد الله بن المؤمّل، وثّقه ابن حبّان وقال يخطئ، وفيه كلام، وبقيّة رجاله رجال الصحيح". ورواه الفاكهي (١٥) من طريق إسماعيل بن عيّاش، ثني حميد بن أبي سويد، سمعت عطاء، عن أبي =
[ ١٥٣ ]
ووَرَدَ في حديثٍ أن الله لمَّا اسْتَخْرَجَ مِن ظهرِ آدَمَ ذرِّيَّتَهُ وأخَذَ عليهِمُ الميثاقَ؛ كَتَبَ ذلكَ العهدَ في رَقٍّ، ثمَّ اسْتَوْدَعَهُ هذا الحجرَ (^١). فمِن ثَمَّ يَقولُ مَنِ اسْتَلَمَهُ: وفاءً بعهدِكَ (^٢).
فمستلِمُ الحجرِ يُبايِعُ الله على اجتنابِ معاصيهِ والقيامِ بحقوقِهِ، ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠].
يا معاهدينا على التَّوبةِ! بينَنا وبينَكُم عهودٌ أكيدةٌ:
أوَّلُها: يومُ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، والمقصودُ الأعظمُ مِن هذا العهدِ ألَّا تَعْبُدوا إلَّا إيَّاهُ، وتمامُ العملِ بمقتضاهُ أنِ اتَّقوا الله حقَّ تقواهُ.
وثانيها: يومَ أرْسَلَ إليكُم رسولَهُ وأنْزَلَ عليهِ في كتابِهِ ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠].
قالَ سَهْلٌ التُّسْتَرِيُّ: مَن قالَ لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ فقد بايَعَ الله، فحرامٌ عليهِ إذا بايَعَهُ أنْ
_________________
(١) = هريرة … رفعه. وإسماعيل مخلّط عن غير الشاميّين وهذا منه، وحميد مجهول منكر الحديث. ورواه: عبد الرزّاق (٨٩١٩ و٨٩٢٠)، وابن قتيبة في "الغريب"، والفاكهي في "مكّة" (١٦ - ٢٠ و٢٨ و٢٩)، والأزرقي في "مكّة" (١/ ٣٢٤ - ٣٢٦)؛ من طرق كثيرة، عن ابن عبّاس موقوفًا. ولا يخلو شيء من طرقه ضعف، لكن اجتماعها يفيد أنّ لهذا المتن أصلًا صالحًا عن ابن عبّاس. ورواه عبد الرزّاق (٨٩٢٠) موقوفًا على وهب بن منبّه بسند لا بأس به. ورواه الفاكهي (٣٣) موقوفًا على عليّ بن الحسين بسند ضعيف. وليس لهذه الموقوفات حكم الرفع، لأنّها قد تقال اجتهادًا على سبيل الكناية أو المجاز.
(٢) (موضوع). رواه: الجندي في "فضائل مكّة" (الأعراف ١٧٢ - درّ)، وأبو الحسن القطّان في "الطوالات" (الأعراف ١٧٢ - درّ)، والحاكم (١/ ٤٥٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٤٠٤٠)، والرافعي في "التدوين" (٣/ ١٥١)؛ من طريق أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد، عن عليّ … فذكره موقوفًا عليه لكنّ السياق يقتضي أنّه من المرفوع. قال الحاكم: "ليس من شرط الشيخين؛ فإنّهما لم يحتجّا بأبي هارون عمارة بن جوين العبدي". وقال الذهبي: "أبو هارون ساقط". وقال العسقلاني في "الفتح" (٣/ ٤٦٢): "في إسناده أبو هارون العبدي وهو ضعيف جدًّا". قلت: متّهم كذّاب مفتر، تفرّد بهذه الزيادة على أصل هذا الحديث المخرّج في الصحيحين وغيرهما فبان أنّه ممّا صنعته يداه. وقد ضعّف حديثه هذا البيهقي والزيلعي والسيوطي والشوكاني.
(٣) لا يعرف هذا عن النبيّ - ﷺ - ولا يصحّ عن أصحابه ﵃ كما بيّنه العسقلاني في "أمالي الأذكار" (٢/ ٣٧٤ - فتوحات ابن علّان)!
[ ١٥٤ ]
يَعْصِيَهُ في شيءٍ مِن أمرِهِ في السِّرِّ والعلانيةِ أو يُوالِيَ عدوَّهُ أو يُعادِيَ وليَّهُ.
يا بَني الإسْلامِ مَنْ عَلَّمَكُمْ … بَعْدَ إذْ عاهَدْتُمُ نَقْضَ العُهودِ
كُلُّ شَيْءٍ في الهَوى مُسْتَحْسَنٌ … ما خَلا الغَدْرَ وَإخْلافَ الوُعودِ
وثالثها: لمَن حَجَّ إذا اسْتَلَمَ الحجرَ؛ فإنَّهُ يُجَدِّدُ البيعةَ ويَلْتَزِمُ الوفاءَ بالعهدِ المتقدِّمِ. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣].
الحرُّ الكريم لا يَنْقُضُ العَهْدَ القديم.
أحَسِبْتُمُ أن اللَيالِيَ غَيَّرَتْ … عَقْدَ الهَوى لا كانَ مَنْ يَتَغَيَّرُ
يَفْنى الزَّمانُ وَلَيْسَ يُنْسى عَهْدُكُمْ … وعَلى مَحَبَّتِكُمْ أموتُ وأُحْشَرُ
إذا دَعَتْكَ نفسُكَ إلى نقضِ عهدِ مولاكَ؛ فقُلْ لها: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٣].
اجْتازَ بعضُهُم على منظورٍ مُشْتهى، فهَمَّتْ عينُهُ أنْ تَمْتَدَّ، فصاحَ:
حَلَفْتُ بِدينِ الحُبِّ (^١) لا خُنْتُ عَهْدَكُمْ … وَذلِكَ عَهْدٌ لو عَرَفْتَ وَثيقُ
تابَ بعضُ مَن تَقَدَّمَ ثمَّ نَقَضَ، فهَتَفَ بهِ هاتفٌ بالليلِ يَقولُ:
سَأتْرُكُ ما بَيْني وَبَيْنَكَ عامرًا (^٢) … فَإنْ عُدْتَ عُدْنا وَالوِدادُ مُقيمُ
تُواصِلُ قَوْمًا لا وَفاءَ لِعَهْدِهِمْ … وَتَتْرُكُ مِثْلي والحِفاظُ قَديمُ
مَن تَكَرَّرَ منهُ نقضُ العهدِ لمْ يُوثَقْ بمعاهدتِهِ.
دَخَلَ بعضُ السَّلفِ على مريضٍ مكروبٍ فقالَ لهُ: عاهِدِ الله على التَّوبةِ لَعَلَّهُ أنْ يَقِيلَكَ صرعتَكَ. فقالَ: كُنْتُ كلَّما مَرِضْتُ عاهَدْتُ الله على التَّوبةِ فيَقِيلُني، فلمَّا كانَ هذهِ المرَّةُ؛ ذَهَبْتُ أُعاهِدُ كما كُنْتُ أُعاهِدُ، فهَتَفَ بي هاتفٌ مِن ناحيةِ البيتِ: قد أقَلْناكَ مرارًا فوَجَدْناكَ كذَّابًا (^٣). ثمَّ ماتَ عن قريبٍ.
_________________
(١) دين الحبّ ليس اسمًا من أسماء الله ولا صفة من صفاته فلا يجوز الحلف به.
(٢) في خ: "واقفًا"، لكن أشار في حاشيتها أنّها "عامرًا" في نسخة، وهو أجود، وفي م: "واقعًا"!
(٣) فكان ماذا؟! هذا هاتف الشيطان لا هاتف الرحمن، يدعوه لليأس من روح الله والقنوط من رحمته. والله المستعان على هذه الأوابد التي ما أنزل الله بها من سلطان.
[ ١٥٥ ]
لا كانَ مَنْ يَنْقُضُ العَهْدَ لا كانْ … لا يَنْقُضُ العَهْدَ إلَّا كُلُّ خَوَّانْ
تَرى الحَيَّ الأُلى بانوا … عَلى العَهْدِ كَما كانوا
أمِ الدَّهْرُ بِهِمْ خانا … وَدَهْرُ المَرْءِ خَوَّانُ
إذا اغْتَرَّ بِغَيْرِ اللـ … ـهِ يَوْمًا مَعْشَرٌ هانوا
مَن رَجَعَ مِن الحجِّ؛ فلْيُحافِظْ على ما عاهَدَ عليهِ الله عندَ استلامِ الحجرِ.
حَجَّ بعضُ مَن تَقَدَّمَ فباتَ بمكَّةَ معَ قومٍ، فدَعَتْهُ نفسُهُ إلى معصيةٍ، فسَمعَ هاتفًا يَقولُ: ويلكَ! ألمْ تَحُجَّ؟ فعَصَمَهُ اللهُ مِن ذلكَ.
قبيحٌ بمَن كَمَّلَ القيامَ بمباني الإسلامِ الخمسِ أنْ يَشْرَعَ في نقضِ ما بَنى بالمعاصي.
في حديثٍ مرسلٍ خَرَّجَهُ ابنُ أبي الدُّنيا أن النَّبيَّ - ﷺ - قالَ لرجلٍ: "يا فلانُ! إنَّكَ تَبْني وتَهْدِمُ"؛ يَعْني: تَعْمَلُ الحسناتِ والسَّيِّئاتِ. فقالَ: يا رسولَ اللهِ! سوفَ أبْني ولا أهْدِمُ (^١).
خُذْ في جِدٍّ فَقَدْ تَوَلَّى العُمْرُ … كَمْ ذا التَّفْريطُ قَدْ تَدانى الأمْرُ
أقْبِلْ فَعَسى يُقْبَلُ مِنْكَ العُذْرُ … كَمْ تَبْني كَمْ تَنْقُضُ ما ذا الغَدْرُ
علامةُ قبولِ الطَّاعةِ أنْ توصَلَ بطاعةٍ بعدَها، وعلامةُ ردِّها أنْ توصَلَ بمعصيةٍ.
ما أحسنَ الحسنةَ بعدَ الحسنةِ وأقبحَ السَّيِّئةَ بعدَ الحسنةِ (^٢)!
ذنبٌ بعدَ التَّوبةِ أقبحُ مِن سبعينَ قبلَها (^٣).
النَّكسةُ أصعبُ مِن المرضِ الأوَّلِ.
ما أوْحَشَ ذلَّ المعصيةِ بعدَ عزِّ الطَّاعةِ!
_________________
(١) (ضعيف). رواه الديلمي (٨٤٩٤) وأسنده صاحب "الزهر" (٤/ ٣٥٨) من طريق ضعيفة عن حمّاد الحميري، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة … رفعه. وحمّاد ما عرفته. وطريق ابن أبي الدنيا التي ذكرها المصنّف مرسلة إن سلمت عن العلل الأخرى ولم تكن آيلة لهذه الطريق نفسها. والله أعلم.
(٢) في خ: "السيّئة بعد السيّئة"، ولها وجه حسن، والأولى ما أثبتّه من م وط وحاشية خ.
(٣) وأقبح منه إتباع الذنب بالذنب وتأجيل التوبة خشية نقضها بالذنوب.
[ ١٥٦ ]
ارْحَموا عزيزَ قومٍ بالمعاصي ذَلَّ (^١) وغنيَّ قومٍ بالذُّنوبِ افْتَقَرَ.
سَلوا الله الثَّباتَ إلى المماتِ، وتَعَوَّذوا مِن الحَوْرِ بعدَ الكَوْرِ.
كانَ الإمامُ أحْمَدُ يَدْعو ويَقولُ: اللهمَّ! أعِزَّني بطاعتِكَ ولا تُذِلَّني بمعصيتِكَ.
وكانَ عامَّةُ دعاءِ إبْراهيمَ بن أدْهَمَ: اللهمَّ! انْقُلْني مِن ذلِّ المعصيةِ إلى عزِّ الطَّاعةِ.
وفي بعضِ الآثارِ الإلهيَّةِ (^٢): يَقولُ اللهُ تَعالى: أنا العزيزُ، فمَن أرادَ العزَّ؛ فلْيُطعِ العزيزَ.
ألا إنَّما التَّقوى هِيَ العِزُّ وَالكَرَمْ … وَحُبُّكَ لِلدُّنْيا هُوَ الذُلُّ وَالسَّقَمْ
وَلَيْسَ عَلى عَبْدٍ تَقِيٍّ نَقيصَةٌ … إذا حَقَّقَ التَّقْوى وَإنْ حاكَ أوْ حَجَمْ
• الحاجُّ إذا كانَ حجُّهُ مبرورًا؛ غُفِرَ لهُ ولمَنِ اسْتَغْفَرَ لهُ وشُفِّعَ فيمَن شُفِّعَ فيهِ.
وقد رُوِىَ أن الله تَعالى يَقولُ لهُم يومَ عرفةَ: "أفيضوا مغفورًا لكُم ولمَن شَفَعْتُمْ فيهِ" (^٣).
_________________
(١) في خ: "ذلّ بالمعاصي"، وما أثبتّه من م وط أولى بالسياف.
(٢) الإسرائيليّة، التي لا أصل لها في المرفوع الصحيح، وإن صحّ معناها.
(٣) (ضعيف). قطعة من حديث طويل في فضائل الركوع والسجود والحجّ جاء من وجوه: فرواه: البزّار (١٠٨٣ - كشف) والسهمي في "جرجان" (ص ٤٨٤) والبيهقي في "الدلائل" (٦/ ٢٩٤) وابن عبد البرّ في "التمهيد" (١/ ١٢٧) من طريق إسماعيل بن رافع، وأبو يعلى (٤١٠٦) من طريق صالح المرّيّ عن يزيد الرقاشي، والأصبهاني في "الترغيب" (١٠٠٩) من طريق سلام بن سليمان المدائني ثني سلام بن مسلم الطويل عن زياد؛ ثلاثتهم عن أنى … رفعه. وأعلّ الهيثمي (٣/ ٢٧٨) الطريق الأولى بإسماعيل؛ فإنّه ضعيف منكر الحديث وروايته عن أنس منقطعة. وأعلّ الثانية بالمرّيّ، وهو ضعيف في حدّ الترك، والرقاشيّ أيضًا ضعيف. وأمّا الثالثة؛ ففيها المدائني ضعيف، والطويل متروك، وزياد جماعة منهم الكذّاب والمتروك والضعيف. فالطرق الثلاثة لهذا الحديث عن أنس ساقطة منفردة ومجتمعة. ورواه: عبد الرزّاق (٨٨٣٠)، والطبراني (١٢/ ٣٢٥/ ١٣٥٦٦)، والبيهقي في "الدلائل" (٦/ ٢٩٣)؛ من طريق عبد الوهّاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عمر … رفعه. وعبد الوهّاب متّهم متروك. ورواه: البزّار (١٠٨٢ - كشف)، وابن حبّان (١٨٨٧)، والبيهقي في "الدلائل" (٦/ ٢٩٤)؛ من طريق يحيى بن عبد الرحمن الأرحبي، ثنا عبيدة بن الأسود، [عن القاسم بن الوليد الجندعي]، عن سنان بن الحارث، عن طلحة بن مصرّف، عن مجاهد، عن ابن عمر … رفعه. قال البزّار: "لا نعلم له أحسن من هذا الطريق". وقال البيهقي: "إسناده حسن". وقال الهيثمي (٣/ ٢٧٨): "رجال البزّار موثّقون". قلت: في رواية الأرحبي عن عبيدة غرائب، وعبيدة يعتبر من حديثه ما بيّن فيه السماع وكان من فوقه ودونه ثقات خلافًا للحال هنا، والقاسم يخطئ ويخالف، وسنان مجهول، فأين الحسن في هذا السند!
[ ١٥٧ ]
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ بإسنادِهِ عن أبي موسى الأشْعَرِيِّ؛ قالَ: إنَّ الحاجَّ لَيَشْفَعُ في أربعِ مئةِ بيتٍ مِن قومِهِ، ويُبارَكُ في أربعينَ مِن أُمَّهاتِ البعيرِ الذي يَحْمِلُهُ، ويَخْرُجُ مِن خطاياهُ كيومَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ (^١).
فإذا رَجَعَ مِن الحجِّ المبرورِ؛ رَجَعَ وذنبُهُ مغفورٌ ودعاؤُهُ مستجابٌ. فلذلكَ يُسْتَحَبُّ تلقِّيهِ والسَّلامُ عليهِ وطلبُ الاستغفارِ منهُ.
وتلقِّي الحاجِّ مسنونٌ.
وفي "صحيح مسلم" (^٢): عن عَبْدِ اللهِ بن جَعْفَرٍ؛ قالَ: كانَ النَّبيُّ - ﷺ - إذا قَدِمَ مِن سَفَرٍ، تُلُقِّيَ بصبيانِ أهلِ بيتِهِ، وإنَّهُ - ﷺ - قَدِمَ مِن سفرٍ، فسُبِقَ بي إليهِ، فحَمَلَني بينَ يديهِ ثمَّ جيءَ بأحدِ ابْنَي فاطِمَةَ، فأرْدَفَهُ خلفَهُ، فأُدْخِلْنا المدينةَ ثلاثةً على دابَّةٍ.
وقد وَرَدَ النَّهيُ عن ركوبِ ثلاثةٍ على دابّةٍ في حديثٍ مرسلٍ (^٣)، فإنْ صَحَّ؛ حُمِلَ
_________________
(١) = ورواه الطبراني في "الأوسط" (٢٣٤١) من طريق محمّد بن عبد الرحيم بن شروس، ثنا يحيى بن أبي الحجّاج، ثنا أبو سنان عيسى بن سنان، ثنا يعلى بن شدّاد بن أوس، عن عبادة بن الصامت … رفعه بسياق مختلف دون ذكر هذه القطعة. قال الهيثمي (٣/ ٢٨٠): "فيه محمّد بن عبد الرحيم، ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ومن فوقه موثّقون". قلت: ويحيي وأبو سنان ليّنان.
(٢) (ضعيف موقوفًا ومرفوعًا). رواه: عبد الرزّاق (٨٨٠٧)، والفاكهي في "مكة" (٩٢١ و٩٢٢)، والبزّار (٣١٩٦)؛ من طريق رجل من الأشعريّين، عن أبي موسى … موقوفًا ومرفوعًا. قال المنذري والهيثمي (٣/ ٢١٤): "فيه من لم يسمّ". قلت: واختلفوا عليه رفعًا ووقفًا!
(٣) (٤٤ - الصحابة، ١١ - فضائل عبد الله بن جعفر، ٤/ ٢٤٢٨/١٨٨٥).
(٤) (ضعيف). وقد جاء عن جماعة من الصحابة موصولًا ومرسلًا: * فرواه الطبراني في "الأوسط" (٧٥٠٨) من طريق سليمان بن داوود الشاذكوني، ثنا أبو أُميّة بن يعلى، ثنا محمّد بن المنكدر، عن جابر … رفعه. قال الطبراني: "تفرّد به الشاذكوني". وقال الهيثمي (٨/ ١١٢): "وهو متروك". قلت: ومتّهم، وقصّر العسقلاني فقال: "سنده ضعيف". * ورواه: الطبري (١٠/ ٣٩٦ - فتح)، والطبراني في "الأوسط" (٤٨٤٩)؛ من طريق محمّد بن جامع العطّار، ثنا محمّد بن عثمان القرشي، ثنا سليمان بن أبي داوود، عن عطاء، عن أبي سعيد … رفعه. قال الطبراني: "تفرّد به محمّد بن جامع". قال الهيثمي (٨/ ١٠٨): "وهو ضعيف". قلت: والقرشيّ وابن داوود أيضًا ضعيفان، وقصّر العسقلاني فقال: "في سنده لين". * ورواه: ابن أبي شيبة (٢٦٣٧٠)، والطبراني (٢٠/ ٣٣٠/ ٧٨٢)، وابن قانع (٣/ ٦٠/ ١٠٠٨)؛ من طريق إسماعيل بن مسلم المكّي، عن الحسن (ووقع في المصنّف: عن الحصين)، عن مهاجر بن قنفذ … رفعه. قال الهيثمي (١/ ١١٨): "رجاله ثقات"! قلت: إسماعيل واه منكر الحديث، والحسن عنعن علي =
[ ١٥٨ ]
على ركوبِ ثلاثةِ رجالٍ؛ فإنَّ الدَّابَّةَ يَشُقُّ عليها حملُهُم بخلافِ رجلٍ وصغيرينِ (^١).
وفي "المسند" و"صحيح الحاكم" (^٢): عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: أقْبَلْنا مِن مَكَّةَ في حجٍّ أو عمرةٍ، فتَلَقَّانا غلمانٌ مِن الأنصارِ كانوا يَتَلَقَّوْنَ أهاليَهُم إذا قَدِموا (^٣).
_________________
(١) = تدليسه، ولذلك قال العسقلاني: "سنده ضعيف". • ورواه ابن أبي شيبة (٢٦٣٧١): ثنا زاذان، عن أبي العنبس، عن زاذان … أنّه - ﷺ - لعن الثالث وقال: "لينزل أحدكم". وزاذان أبو يحيى القتّات وأبو العنبس ليّنان. فهذا ضعيف على إرساله. * ورواه البزّار (٩٠ - كشف): ثنا السكن بن سعيد، ثنا عبد الصمد، ثنا أبي، ثنا حمّاد بن سلمة، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة؛ أنّ النبيّ - ﷺ - كان جالسًا، فمرّ رجل على بعير وبين يديه قائد وخلفه سائق، فقال: "لعن الله القائد والسائق والراكب". قال الهيثمي (١/ ١١٨): "رجاله ثقات". قلت: السكن ما وقفت له على ترجمة وحدّه الستر في أحسن الأحوال. فالأوجه الأربعة الأولى واهية لا تكاد تبلغ حدّ الاعتبار، وحديث سفينة قاصر عن الشهادة لهذا المعنى؛ لأنّ ظاهره أنّ الراكب واحد لا ثلاثة، وعلى التسليم بأنّ الثلاثة كانوا راكبين؛ فهي واقعة عين قاصرة عن الشهادة لعموم النهي.
(٢) فيه نظر! وقد روى ابن أبي شيبة (٢٦٣٦١) بسند قويّ عن ابن عمر موقوفًا: "ما كنت أُبالي لو كنت عاشر عشرة على دابّة بعد أن تطيقنا". فقيّد الحكم بطاقة الدابّة، وهو الأولى، فمن الدوابّ ما يعجز عن حمل رجل جسيم أو رجلين فيحرم تحميلها فوق طاقتها، ومنها ما يطيق الثلاثة بغير بأس فيجوز، وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم، والله أعلى وأعلم.
(٣) يعني: "المستدرك"! وفي وصف "المستدرك" بالصحيح تساهل وتجوّز عظيمان! وقد قال ابن القيّم في "الفروسيّة" (ص ٢٤٥): "ولا يعبأ الحفّاظ أطبّاء علل الحديث بتصحيح الحاكم شيئًا ولا يرفعون به رأسًا البتّة، بل لا يدلّ تصحيحه على حسن الحديث، بل يصحّح أشياء موضوعة بلا شكّ عند أهل الحديث". وأبعد من هذا تدقيقًا وتحريرًا قول الذهبيّ في "النبلاء" (١٧/ ١٧٥): "في"المستدرك" شيء كثير على شرطهما، وشيء كثير على شرط أحدهما، ولعلّ مجموع ذلك ثلث الكتاب بل أقلّ؛ فإنّ في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما وفي الباطن لها علل خفيّة مؤثّرة. وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيّد، وذلك نحو ربعه. وباقي الكتاب مناكير وعجائب، وفي غضون ذلك أحاديث نحو المئة يشهد القلب ببطلانها كنت قد أفردت منها جزءًا، وحديث الطير بالنسبة إليها سماء". قلت: يعني حديث الطير الذي اتّفق أهل العلم على أنّه موضوع مكذوب واستدركه الحاكم على الصحيحين هو أقلّها نكارة وهجنة.
(٤) (حسن). قطعة من حديث اهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ الذي رواه: ابن أبي شيبة (٣٦٧٩٢)، وابن سعد (٣/ ٤٣٤)، وإسحاق (٣/ ٩٩٥/ ١٧٢٣)، وأحمد (٤/ ٣٥٢)، وسمّويه في "الفوائد" (٢/ ١٢٥ - إصابة)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (١٩٢٦ و١٩٢٧)، والشاشي (٢/ ١٢٥ - إصابة)، وابن الأعرابي في "المعجم" (٢/ ١٢٥ - إصابة)، وابن حبّان (٧٠٣٠) مختصرًا، والطبراني (١/ ٢٠٤/ ٥٥٣، ٦/ ١٠/ ٥٣٣٢)، والحاكم (١/ ٤٨٨، ٣/ ٢٠٧ و٢٨٩)، وأبو نعيم في "المعرفة" (٨٧٨ و٨٧٩)، والبيهقي =
[ ١٥٩ ]
وكذلكَ السَّلامُ على الحاجِّ إذا قَدِمَ ومصافحتُهُ وطلبُ الدُّعاءِ منهُ.
وفي "المسند" بإسنادٍ فيهِ ضعفٌ: عن ابن عُمَرَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إذا لَقِيتَ الحاجَّ؛ فسَلِّمْ عليهِ وصافِحْهُ ومُرْهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لكَ قبلَ أنْ يَدْخُلَ بيتَهُ؛ فإنَّهُ مغفورٌ لهُ" (^١).
وفيهِ أيضًا: عن حَبيبِ بن أبي ثابِتٍ، قالَ: خَرَجْتُ معَ أبي نَتَلَقَّى الحاجَّ ونُسَلِّمُ عليهِم قبلَ أنْ يَتَدَنَّسوا.
ورَوى مُعاذُ بنُ الحَكَمِ؛ قالَ: حَدَّثَنا موسى بنُ أعْيَنَ، عن الحَسَنِ؛ قالَ: إذا خَرَجَ الحاجُّ، فشَيِّعوهُمْ وزَوِّدوهُمُ الدُّعاءَ، وإذا قَفَلوا؛ فالْتَقوهُمْ وصافِحوهُمْ قبلَ أنْ يُخالِطوا الذُّنوبَ؛ فإنَّ البركةَ في أيديهِم.
ورَوى أبو الشَّيخِ الأصْبَهانِيُّ وغيرُهُ مِن روايةِ: ليثٍ، عن مُجاهِدٍ؛ قالَ: قالَ عُمَرُ: يُغْفَرُ للحاجِّ ولمَنِ اسْتَغْفَرَ لهُ الحاجُّ بقيَّةَ ذي الحِجَّةِ ومحرَّمٍ وصَفَرَ وعشرٍ مِن ربيعٍ الأوَّلِ (^٢).
وفي "مسند البزَّار" و"صحيح الحاكم" مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: "اللهمَّ! اغْفِرْ للحاجِّ، ولمَنِ اسْتَغْفَرَ لهُ الحاجُّ" (^٣).
_________________
(١) = (٥/ ٢٦٠)؛ من طرق، عن محمّد بن عمرو بن علقمة بن وقّاص، عن أبيه، عن جدّه … رفعه. صحّحه الحاكم على شرط مسلم مرتين ووافقه الذهبي، ولم يخرّج مسلم لعمرو بن علقمة وهو صالح لا بأس بحديثه، ولا لابنه إلّا متابعة وهو صدوق، فالسند حسن فحسب. نعم؛ للمتن شواهد يصحّ بها عند الشيخين وغيرهما، لكنْ ليس فيها ذكر للحجّ والعمرة التي هي موضع البحث هنا.
(٢) (موضوع). رواه: أحمد (٢/ ٦٩ و١٢٨)، والفاكهي (٩٢٥)، وابن حبّان في "المجروحين" (٢/ ٢٦٥)، وأبو الشيخ في "الطبقات" (٣/ ١٧٧)؛ من طريق محمّد بن الحارث الحارثي، ثنا محمّد بن عبد الرحمن بن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر (وقال أبو الشيخ: عن جابر) … رفعه. قال الهيثمي (٤/ ١٩): "فيه محمّد بن البيلماني وهو ضعيف". قلت: قصّر يرحمه الله: محمّد متروك متّهم وليس ضعيفًا فحسب، وأبوه والحارثي ضعيفان، فالسند ساقط، وقال الألباني: "موضوع".
(٣) (ضعيف). رواه: مسدّد في "المسند" (٣٢٢٥ - كشف الخفاء)، وابن أبي شيبة (١٢٦٥٥)، وأبو الشيخ في "الثواب" (٣٢٢٥ - كشف الخفاء)؛ من طريق ليث، عن مجاهد، عن عمر … به موقوفًا. وهذا ضعيف: ليث مخلّط مضطرب الحديث، ومجاهد عن عمر منقطع. ولو صحّ لكان له حكم الرفع.
(٤) (ضعيف). رواه: البزّار (١١١٥ - كشف)، وابن خزيمة (٢٥١٦)، والطبراني في "الأوسط" (٨٥٨٩) و"الصغير" (١٠٩١)، والحاكم (١/ ٤٤١)، والبيهقي (٥/ ٢٦١) وفي "الشعب" (٤١١٢)، والخطيب في "التاريخ" (١٣/ ٢٦٩)؛ من طريق شريك، عن منصور، عن أبي حازم، عن أبي هريرة … رفعه.
[ ١٦٠ ]
ورَوى: أبو مُعاوِيَةَ الضَّريرُ، عن حَجَّاجٍ، عن الحَكَمِ؛ قالَ: قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لوْ يَعْلَمُ المقيمونَ ما للحاجِّ عليهِم مِن الحقِّ؛ لأتَوْهُمْ حينَ يَقْدَمونَ حتَّى يُقَبِّلوا رواحلَهُم؛ لأنَّهُم وفدُ اللهِ في جميعِ النَّاسِ.
ما للمنقطعِ حيلةٌ سوى التَّعلُّقِ بأذيالِ الواصلينَ.
هَلِ الدَّهْرُ يَوْمًا بِوَصْلٍ يَجودُ … وَأيَّامُنا بِاللِوى هَلْ تَعودُ
زَمانٌ تَقَضَّى وَعَيْشٌ مَضى … بِنَفْسِيَ وَاللهِ تِلْكَ العُهودُ
ألا قُلْ لِزُوَّارِ دارِ الحَبيبِ … هَنيئًا لَكُمْ في الجِنانِ الخُلودُ
أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ فَيْضًا … فَنَحْنُ عِطاشٌ وَأنْتُمْ وُرودُ
أحبُّ ما إلى المحبِّ سؤالُ مَن قَدِمَ مِن ديارِ الحبيبِ.
عارِضا بي رَكْبَ الحِجازِ أُسائِلْـ … ـهُ مَتى عَهْدُهُ بِأيَّامِ سَلْعِ
وَاسْتَمِلَّا حَديثَ مَنْ سَكَنَ الخَيْـ … ـفَ وَلا تَكْتُباهُ إلَّا بِدَمْعي
فاتَني أنْ أرى الدِّيارَ بِطَرْفي … فَلَعَلِّي أرى الدِّيارَ بِسَمْعي (^١)
مَنْ يُعيدُ أيَّامَ جَمْعٍ عَلى ما … كانَ مِنْها وَأيْنَ أيَّامُ جَمْعي
لقاءُ الأحبابِ لقاحُ الألبابِ، وأخيارُ تلكَ الدِّيارِ أحلى عندَ المحبِّينَ مِن الأسمارِ
إذا قَدِمَ الرَّكْبُ يَمَّمْتُهُمْ … أُحَيِّي الوُجوهَ قُدومًا ووِرْدًا
وأسْألُهُمْ عَنْ عَقيقِ الحِمى … وَعَنْ أرْضِ نَجْدٍ وَمَنْ حَلَّ نَجْدا
حَدِّثوني عَنِ العَقيقِ حَديثًا … أنْتُمُ بِالعَقيقِ أقْرَبُ عَهْدا (^٢)
_________________
(١) = وهذا سند ضعيف فيه علّتان: أولاهما: أنّ شريكًا سيّئ الحفظ جدًّا. والثانية: أنّه اضطرب فيه: فرواه: الثعلبي في "التفسير" (٣/ ٨٤ - نصب الراية)، وابن أبي شيبة (١٢٦٥٦)؛ عنه، عن جابر، عن مجاهد … مرسلًا. وتابعه شيبان بن فرّوخ عند الأصبهاني في "الترغيب" (١٠٣٨) عن جابر .. به مرسلًا. فبان أنّ الراجح هنا الإرسال، وأنّ الوصل من سوء حفظ شريك، وقد أعلّ المنذري والهيثمي والألباني الموصول، وقوّاه الحاكم والذهبي والعسقلاني.
(٢) في خ: "فلعلّي أعي الحديث بسمعي"، والأولى ما أثبتّه من م وط.
(٣) كذا! والبيت من البحر الخفيف، وسائر الأبيات من المتقارب! فكأنّها اختلطت مقطوعة بأُخرى على المصنّف يرحمه الله. ووقع في خ: "أنتم بالحديث"، والأولى ما أثبتّه من م وط.
[ ١٦١ ]
ألا هَلْ سَمِعْتُمْ ضَجيجِ الحجيجِ … عَلى ساحَةِ الخَيْفِ وَالعِيسُ تُحْدى
فَذِكْرُ المَشْاعِرِ وَالمَرْوَتَيْنِ … وَذِكْرُ الصَّفا يَطْرُدُ الهَمَّ طَرْدا
أرواحُ القبولِ تَفوحُ مِن المقبولينَ، وأنوارُ الوصولِ تَلوحُ على الواصلينَ.
تَفوحُ أرواحُ نَجْدٍ مِنْ ثِيابِهِمُ … عِنْدَ القُدومِ لِقُرْبِ العَهْدِ بِالدَّارِ
أهْفو إلى الرَّكْبِ تَعْلو لي ركائِبُهُمْ … مِنَ الحِمى في أُسَيْحاقٍ وَأطْمارِ (^١)
يا راكِبْانِ قِفا لي وَاقْضِيا وَطَري … وَحَدِّثانيَ عَنْ نَجْدٍ بِأخْبارِ
ما يُؤَهَّلُ للإكثارِ مِن التَّردُّدِ إلى تلكَ الآثار إلَّا محبوبٌ مختار.
• حَجَّ [عَلِيُّ] بنُ المُوَفَّقِ ستِّينَ حَجَّةً. قالَ: فلمَّا كانَ بعدَ ذلكَ؛ جَلَسْتُ في الحجرِ أُفَكِّرُ في حالي وكثرةِ تَردادي إلى ذلكَ المكانِ ولا أدْري هلْ قُبِلَ منِّي حجِّي أم رُدَّ، ثمَّ نِمْتُ فرَأيْتُ في منامي قائلًا يَقولُ لي: هلْ تَدْعو إلى بيتِكَ إلَّا مَن تُحِبُّ؟ قالَ: فاسْتَيْقَظْتُ وقدْ سُرِّيَ عنِّي.
ما كلُّ مَن حَجَّ قُبِل، ولا كلُ مَن صَلَّى وُصِل.
قيلَ لابنِ عُمَرَ: ما أكثرَ الحاجَّ! قالَ: ما أقلَّهُم!
وقالَ: الرَّكبُ كثيرٌ، والحاجُّ قليلٌ.
حجَّ بعضُ المتقدِّمينَ، فتُوُفِّيَ في الطَّريقِ في رجوعِهِ، فدَفَنَهُ أصحابُهُ ونَسُوا الفأْسَ في قبرِهِ، فُنَبشوهُ لِيَأْخُذوا الفأْسَ، فإذا عنقُهُ ويداهُ قد جُمِعَتْ في حَلْقَةِ الفأْسِ، فرَدُّوا عليهِ التُّرابَ، ثمَّ رَجَعوا إلى أهلِهِ، فسَألوهُم عن حالِهِ، فقالوا: صَحِبَ رجلًا، فأخَذَ مالَهُ، فكانَ يَحُجُّ منهُ.
إذا حَجَجْتَ بِمالٍ أصْلُهُ سُحْتٌ … فَما حَجَجْتَ وَلكِنْ حَجَّتِ العيرُ
لا يَقْبَلُ اللهُ إلَّا كُلَّ صالِحَةٍ … ما كُلُّ مَنْ حَجَّ بَيْتَ اللهِ مَبْرورُ
مَن حجُّهُ مبرورٌ قليلٌ، ولكنْ قدْ يوهَبُ المسيءُ للمحسنِ.
وقد رُوِيَ أن الله تَعالى يَقولُ عشيَّةَ عَرَفَةَ: قد وَهَبْتُ مسيئَكُمْ لمحسنِكُمْ (^٢).
_________________
(١) الأسيحاق والأطمار: الثياب البالية. وفي خ: "أسيجاف وأطمار"! وفي م: "أخلاق وأطمار".
(٢) (موضوع). قطعة من حديث طويل جاء عن جماعة من الصحابة: =
[ ١٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = * فرواه: ابن حبّان في "المجروحين" (٣/ ١٢٤)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ٢١٤)؛ من طريق يحيى بن عنبسة، ثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر. . رفعه. ويحيى بن عنيسة كذّاب يضع. * ورواه: ابن منيع في "المسند" (١١٧٩ - مطالب)، وأبو يعلى (٤١٠٦)؛ من طريق صالح المرّي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس … رفعه. قال الهيثمي (٣/ ٢٦٠): "فيه صالح المرّي وهو ضعيف". قلت: المرّي واهٍ في حدّ الترك، والرقاشي ضعيف، والسند ساقط. * ورواه: البغوي، وابن منده (١/ ٥٧٣ - إصابة)؛ والخطيب في "تلخيص المتشابه" (٢/ ١٤٢ - لآلئ)؛ من طريق صالح بن عبد الله بن صالح، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن زيد، عن أبيه، عن جدّه … رفعه. قال الخطيب: "صالح وعبد الرحمن مجهولان". وقال العسقلاني في "القول المسدّد" (ح ٧): "قال البخاري: صالح بن عبد الله منكر الحديث". وقال في "الإصابة": "لا أعرف عبد الله بن زيد هذا ولا ولده". قلت: فهؤلاء ثلاثة لا يعرفون إلّا بهذا، فالسند مظلم. * وروى المعنى دون العبارة: البخاري في "التاريخ" (٧/ ٢ - ٣)، وابن ماجه (٢٥ المناسك، ٥٦ - الدعاء بعرفة، ٢/ ١٠٠٢/ ٣٠١٣)، وأبو داوود (٣٥ - الأدب، ١٦٨ - أضحك الله سنّك، ٢/ ٧٨١/ ٥٢٣٤)، والفسوي (١/ ٢٩٥)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (١٣٩٠ و١٣٩١)، وابن أحمد في "المسند" (٤/ ١٤ - ١٥)، وأبو يعلى (١٥٧٨)، والطبري (٣٨٤٦)، والعقيلي (٤/ ١٠)، وابن عدي (٦/ ٢٠٩٤)، والبيهقي (٥/ ١١٨) وفي "الشعب" (٣٤٦)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ٢١٤)، والضياء في "المختارة" (٨/ ٣٩٨/ ٤٩١ و٤٩٢)، والمزّي في "التهذيب" (١٤/ ٢٥١)، من طريق عبد القاهر بن السريّ، عن ابن لكنانة بن العبّاس بن مرداس، عن كنانة، عن العبّاس. . . رفعه. . قال البوصيري: "في إسناده عبد الله بن كنانة، قال البخاري: لم يصحّ حديثه، ولم أر من تكلّم فيه بجرح ولا توثيق". قلت: لم يرو عنه سوى عبد القاهر فهو مجهول، وأبوه كنانة مجهول مثله، وعبد القاهر لا يعدو أن يكون صالحًا في المتابعات. * ورواه: عبد الرزّاق (٨٨٣١)، والطبراني (٣/ ٢٥٩ - ٢٦٠ - مجمع، ح ٧ قول مسدّد)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٢١٥)؛ عمّن سمع قتادة يحدّث، عن خلاس بن عمرو، عن عبادة بن الصامت. . . رفعه. قال الهيثمي: "فيه راو لم يسمّ". قلت: وخلاس يرسل، وفي روايته عن عبادة نظر. * ورواه عبد العزيز بن أبي روّاد واختلف عليه فيه على وجهين: روى الأوّل: الطبري (٣٨٤٧) وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ١٩٩) وابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ٢١٣) من طريق بشّار بن بكر الحنفي، ورواه الحسن بن سفيان في "المسند" (ح ٧ - قول مسدّد)، وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ١٩٩) من طريق أبي هشام عبد الرحيم بن هارون الغسّاني؛ كلاهما عن عبد العزيز، عن نافع، عن ابن عمر … رفعه في سياق خطبته - ﷺ - عشيّة عرفة. وروى الثاني: ابن ماجه (٢٥ - المناسك، ٦١ الوقوف بجمع، ٢/ ١٠٠٦/ ٣٠٢٤) من طريق وكيع، والفاكهي في "مكّة" (٢٦٩٤) من طريق ابن أبي عديّ؛ كلاهما عن عبد العزيز، عن أبي سلمة الحمصيّ، عن بلال … رفعه في سياق خطبته - ﷺ - غداة جمع. وعليه؛ فقد خالف ابن بكير المجهول والغسّانيّ المتّهم الثقتين وكيعًا وابن أبي عدي فروياه على الوجه الأوّل من حديث ابن عمر، فروايتهما منكرة والمعروف حديث بلال وحديث بلال قال البوصيري: "إسناد ضعيف، أبو سلمة هذا لا يعرف اسمه وهو مجهول". قلت: وفي القلب أنّ روايته عن بلال منقطعة.
[ ١٦٣ ]
حَجَّ بعضُ المتقدِّمينَ، فنامَ ليلةً، فرَأى ملَكينِ نَزَلا مِن السَّماءِ، فقالَ أحدُهُما للآخرِ: كم حَجَّ العامَ؟ قالَ: ستُّ مئةِ ألفٍ. قالَ لهُ: كم قُبِلَ منهُم؟ قالَ: ستَّةٌ. قالَ: فاسْتَيْقَظَ الرَّجلُ وهوَ قلقٌ ممَّا رَأى. فرَأى في الليلةِ الثَّانيةِ كأنَّهُما نَزَلا وأعادا القولَ، وقالَ أحدُهُما: إنَّ الله وَهَبَ لكلِّ واحدٍ مِن السِّتَّةِ مئةَ ألفٍ.
كانَ يعضُ السَّلفِ يَقولُ في دعائِهِ: اللهمَّ! إنْ لمْ تَقْبَلْني؛ فهَبْني لمَن شِئْتَ مِن خلقِكَ.
مَن رُدَّ عليهِ عملُهُ ولمْ يُقْبَلْ منهُ؛ فقد يُعَوَّضُ ما يُعَوَّضُ المصابُ فيُرْحَمُ بذلكَ.
قالَ بعضُ السَّلفِ في دعائِهِ بعَرَفَةَ: اللهمَّ! إنْ كُنْتَ لمْ تَقْبَلْ حجِّي وتعبي ونصبي؛
_________________
(١) = * وقال المنذري في "الترغيب" (١٧٣٧): "وروى ابن المبارك عن سفيان الثوري عن الزبير بن عدي عن أنس … (فذكره من خطبته - ﷺ - عشيّة عرفة) ". قال الألباني في "الصحيحة" (١٦٢٤): "إسناد صحيح لا علّة فيه". قلت: رحم الله المنذري؛ اختصر ما لا ينبغي اختصاره فأوهم صحّة السند، ورحم الله الألباني؛ لو وقف على من وصل هذا التعليق؛ لما صحّحه. وقد وصله: العقيلي (٢/ ١٩٦)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (١/ ١٢٨)، والسمعاني في "الإملاء والاستملاء" (١/ ٩٧)؛ من طريق محمّد بن خالد البردعي، ثنا عليّ بن موفّق البغدادي، ثنا شبّويه (ووقع في التمهيد: أحمد بن شبّويه) المروزيّ، ثنا ابن المبارك … به. والبردعي - على أنّه ثقة - ذكره العسقلاني في "اللسان" بحديث منكر تفرّد به هو هذا الحديث. وعليّ بن الموفّق صوفيّ عابد زاهد وما هو من أهل الحديث كما تدلّ عليه ترجمته في "تاريخ بغداد" (١٢/ ١١٢) و"صفوة الصفوة" (٢/ ٣٨٦). وشبّويه مجهول تفرّد عن ابن المبارك بهذا الحديث دون ثقات أصحابه؛ فأنّى يقال "لا علّة فيه"؟! هذا؛ وقد ساق العسقلاني هذا الحديث في "القول المسدّد" (ح ٧)، واعترض على ابن الجوزي في حكمه عليه بالوضع وقوله "قال البخاري: لم يصحّ"، قال: "ولا يلزم من كونه لم يصحّ أن يكون موضوعًا". ثمّ ساق بعض الطرق المتقدّمة وقال: "كثرة الطرق إذا اختلفت المخارج تزيد المتن قوّة". وفي كلامه نظر من وجوه: أوّلها: أنّ الطرق المتقدّمة شديدة الوهاء، فالثلاث الأولى ساقطة، والأربع التالية شديدة الضعف، واجتماع هذه الواهيات لا يكسب الحديث قوّة. والآخر: أنّه لا يخلو شيء من المتون المتقدّمة من التصريح بمغفرة الله لأهل عرفة وجمع جميع الذنوب وحقوق العباد ومظالمهم وضمانة التبعات، وهذه نكارة ما بعدها نكارة ومخالفة للأصول الشرعيّة الراسخة والنصوص الصحيحة الصريحة لا تقوم بها أسانيد كالشمس صحّة؛ فكيف بهذه الأسانيد المتداعية؟! والثالث: أنّ أكثر هذه النصوص صرّحت بأنّ هذا جاء عنه - ﷺ - في خطبة عرفة أو جمع! ومن العجيب حقًّا أن يسمع آلاف الصحابة هذه الخطبة ثمّ يتفرد بنقلها إلينا الضعفاء والمتروكون دون الثقات الذين نقلوا خطبه - ﷺ - دون هذه الزيادة المنكرة. فحريّ أن يعدّ هذا في الموضوعات تبعًا لابن الجوزي، أو في الواهيات تبعًا للبخاري والعقيلي وابن حبّان وابن عديّ وأبو نعيم والذهبي والبوصيري والهيثمي والزيلعي والعسقلاني مرّة. والله أعلم.
[ ١٦٤ ]
فلا تَحْرِمْني أجرَ المصيبةِ على تركِكَ القبولَ منِّي.
وقالَ آخرُ منهُم: اللهمَّ! ارْحَمْني؛ فإنَّ رحمتَكَ قريبٌ مِن المحسنينَ، فإنْ لمْ أكُنْ محسنًا؛ فقدْ قُلْتَ: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، فإنْ لمْ أكُنْ كذلكَ؛ فأنا شيءٌ، وقد قُلْتَ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، فإنْ لمْ أكُنْ شيئًا؛ فأنا مصابٌ بردِّ عملي وتعبي ونصبي؛ فلا تَحْرِمْني ما وَعَدْتَ المصابَ مِن الرَّحمةِ (^١).
قالَ هِلالُ بنُ يِسافٍ: بَلَغَني أن المسلمَ إذا دَعا الله فلمْ يُسْتَجِبْ لهُ؛ كُتِبَ لهُ حسنةٌ. خَرَّجَهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ؛ يَعْني: جزاءً لمصيبةِ ردِّهِ (^٢).
وَمَنْ كانَ في سُخْطِهِ مُحْسِنًا … فَكَيْفَ يَكونُ إذا ما رَضِي
• قدومُ الحاجِّ يُذَكِّرُ بالقدومِ على اللهِ ﷿:
قَدِمَ مسافرٌ فيما مَضى على أهلِهِ، فسُرُّوا بهِ، وهناكَ امرأةٌ مِن الصَّالحاتِ، فبَكَتْ وقالَتْ: أذْكَرَني هذا بقدومِهِ القدومَ على اللهِ ﷿، فمِن مسرورٍ ومبثورٍ.
قالَ بعضُ الملوكِ لأبي حازِمٍ: كيفَ القدومُ على اللهِ؟ فقالَ أبو حازِمٍ: أمَّا قدومُ الطَّائعِ على اللهِ تَعالى؛ فكقدومِ الغائبِ على أهلِهِ المشتاقينَ إليهِ، وأمَّا قدومُ العاصي؛ فكقدومِ الآبقِ على سيِّدِهِ الغضبانِ.
لَعَلَّكَ غَضْبانٌ وَقَلْبِيَ غافِلٌ … سَلامٌ عَلى الدَّارَيْنِ إنْ كنْتَ راضِيا
في بعضِ الآثارِ الإسرائيليَّةِ: يَقولُ اللهُ ﷿: ألا طالَ شوقُ الأبرارِ إليَّ، وأنا إلى لقائِهِم أشدُّ شوقًا.
كم بينَ الذينَ ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] وبينَ الذينَ ﴿يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣].
_________________
(١) هذه دعوات المتفيهقين، الذين يشقّقون القول ويتقعّرون فيه، ولا يأمن أصحاب هذا وأمثاله أن يدخلوا في زمرة المعتدين في الدعاء، والذي علّمنا إيّاه النبيّ - ﷺ - في حديث أبي هريرة المتّفق عليه "لا يقولنّ أحدكم: اللهمّ! اغفر لي إن شئت، اللهمّ! ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة؛ فإنّه لا مكره له".
(٢) بل جزاء لدعائه؛ فإنّ الدعاء أحبّ أعمال العبد إلى الله وأكرمها عليه، والله سبحانه لا يردّ عبده إذا رفع إليه يديه صفرًا، إمّا أن يعطيه سؤله، وإمّا أن يدّخر له ثواب ذلك عنده.
[ ١٦٥ ]
قالَ عَلِيٌّ ﵁: تَتَلَقَّاهُمُ الملائكةُ على أبوابِ الجنَّةِ ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، ويَلْقى كلُّ غلمانٍ صاحبَهُم يُطيفونَ بهِ فعلَ الولدانِ بالِحميمِ جاءَ مِن الغَيْبَةِ: أبْشِرْ؛ قدْ أعَدَّ اللهُ لكَ مِن الكرامةِ كذا وكذا، ويَنْطَلِقُ غلامٌ مِن غلمانِهِ إلى أزواجِهِ مِن الحورِ العينِ، فيَقولُ: هذا فلانٌ (باسمِهِ في الدُّنيا)، فيَقُلْنَ: أنتَ رَأيْتَهُ؟ فيَقولُ: نعم. فيَسْتَخِفُّهُنَّ الفرحُ حتَّى يَخْرُجْنَ إلى أُسكفَّةِ البابِ (^١).
قالَ أبو سُلَيْمانَ الدَّارانِيُّ: تَبْعَثُ الحَوْراءُ مِن الحورِ الوصيفَ مِن وصائفِها، فتَقولُ: وَيْحَكَ! انْظُرْ ما فُعِلَ بوليِّ اللهِ، فتَسْتَبْطِئُهُ، فتَبْعَثُ وصيفًا آخرَ، فيَأْتي الأوَّلُ فيَقولُ: تَرَكْتُهُ عندَ الميزانِ، فيَأْتي الثَّاني فيَقولُ: تَرَكْتُهُ عندَ الصِّراطِ، ويَأْتي الثَّالثُ فيَقولُ: قدْ دَخَلَ بابَ الجنَّةِ، فيَسْتَخِفُّها الفرحُ، فتَقِفُ على بابِ الجنَّةِ، فإذا أتاها اعْتَنَقَتْهُ، فيَدْخُلُ خياشيمَهُ مِن ريحِها ما لا يَخْرُجُ أبدًا.
قَدْ أُزْلِفَتْ جَنَّةُ النَّعيمِ فَيا … طوبى لِقَوْمٍ بِرَبْعِها نَزَلوا
أكْوابُهُمْ عَسْجَدٌ يُطافُ بِها … وَالخَمْرُ والسَّلْسَبيلُ وَالعَسَلُ
وَالحُورُ تَلْقاهُمْ وَقَدْ كُشِفَتْ … عَنِ الوُجوهِ بِها الأسْتارُ وَالكِلَلُ
* * *
_________________
(١) أسكفّة الباب: عتبة الباب عند المدخل.
[ ١٦٦ ]