في "صحيح البُخارِيِّ" (^٣): عن أبي هُرَيْرَةَ؛ قالَ: جاءَ الفقراءُ إلى رسولِ اللهِ - ﷺ -،
_________________
(١) في خ: "قالوا لي اصبر"، وما أثبتّه من ن وط أولى بالوزن.
(٢) يعني: هذا المجلس يقرأ وينتفع بما فيه بعد خروج الحاجّ.
(٣) رواه: البخاري (١٠ - الأذان، ١٥٥ - الذكر بعد الصلاة، ٢/ ٣٢٥/ ٨٤٣)، ومسلم (٥ - المساجد، ٢٦ - الذكر بعد الصلاة، ١/ ٤١٦/ ٥٩٥).
[ ٥٣٢ ]
فقالوا: ذَهَبَ أهلُ الدُّثورِ مِن الأموالِ بالدَّرجاتِ العلى والنَّعيمِ المقيمِ؛ يُصَلُّونَ كما نُصَلِّي، ويَصومونَ كما نَصومُ، ولهُم فضلُ أموالٍ يَحُجُّونَ بها ويَعْتَمِرونَ ويُجاهِدون ويَتَصَدَّقونَ. فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "ألا احَدّثُكُم بما إنْ أخَذْتُم بهِ لَحِقْتُم مَن سَبقَكُم ولم يُدْرِكْكُم أحدٌ بعدَكُم، وكُنْتُم خيرَ مَن أنتُم بينَ ظهرانَيْهِ؛ إلَّا مَن عَمِلَ مثلَهُ؟ تُسَبِّحونَ وتَحْمَدونَ وتُكَبِّرونَ خلفَ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثينَ".
وفي "المسند" و"سنن النَّسائِيِّ": عن أبي الدَّرْداءِ؛ قالَ: قُلْنا: يا رسولَ اللهِ! ذَهَبَ الأغنياءُ بالأجرِ؛ يَحُجُّونَ ولا نَحُجُّ، ويُجاهِدونَ ولا نُجاهِدُ، وبكذا وبكذا. فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "ألا أدُلُّكُم على شيءٍ إنْ أخَذْتُم بهِ جِئْتُم مِن أفضلِ ما يَجيءُ بهِ أحدٌ منهُم؟ أنْ تُكَبِّروا الله أربعًا وثلاثينَ وتُسَبِّحوهُ ثلاثًا وثلاثينَ وتَحْمَدوهُ ثلاثًا وثلاثينَ في دبرِ كل صلاة" (^١).
• المالُ لمَنِ اسْتَعانَ بهِ على طاعةِ اللهِ وأنْفَقَهُ في سبلِ الخيراتِ المقرِّبةِ إلى اللهِ
_________________
(١) (صحيح). رواه: عبد الرزّاق (٣١٨٧)، وابن أبي شيبة (٢٩٢٥٨ و٣٥٠٢٩)، وعليّ بن الجعد (١٦٠)، وأحمد (٥/ ١٩٦، ٦/ ٤٤٦)، والبخاري في "الكنى" (ص ٥٥ و٥٦)، والنسائي في "الكبرى، (٩٩٧٦ - ٩٩٧٩) و"اليوم والليلة" (١٤٨ - ١٥١)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٢١١٢)، والطبراني في "الدعاء" (٧٠٧ و٧٠٨ و٧١٠ - ٧١٣)، وابن عدي (٧/ ٢٦٣٠)، وابن عساكر (٤٧/ ٩٤ - ٩٥)، والمزّي في "التهذيب" (٣٤/ ١١٠)؛ من طرق، عن أبي عمر الصيني، عن أبي الدرداء … رفعه. وهاهنا علّتان: أولاهما: أنّ أبا عمر هذا مستور. والثانية: أن بعضهم زاد بينه وبين أبي الدرداء رجلًا وزاد بعضهم أُمّ الدرداء، وليس هذا بالقادح، فهذه الزيادات جاءت من أوجه واهية، والراجح أنّ الصينيّ تلقّاه عن أبي الدرداء نفسه. ورواه: ابن المبارك في "الزهد" (١١٥٩)، والبخاري في "الكنى" (ص ٥٦)، والطبراني في "الدعاء" (٧١٤)؛ من طريق ليث بن أبي سليم، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي الدرداء … رفعه. وهذا منكر: ليث مدلس ضعيف، وقد رواه جماعة الثقات عن الحكم على الوجه الأوّل. ولذلك قال البخاري: "والأوّل أصحّ". ورواه: الطيالسي (٩٨٢)، وابن أبي شيبة (٣٥٠٣٠)، والنسائي في "الكبرى" (٩٩٧٥) و"اليوم والليلة" (١٤٧)، وابن أبي حاتم (٢١١٢)، والطبراني في "الدعاء" (٧٠٩)؛ من طريق عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن أبي الدرداء … رفعه. وهذا سند قويّ، لولا أنّ الثوري رواه عن عبد العزيز على الوجه الأوّل ورجّحه أبو زرعة، لكن لا يبعد أن يكون عند عبد العزيز على الوجهين، فالذين رووه عنه على هذا الوجه جماعة ثقات. فإن لم يكن الحديث صحيحًا بهذا الوجه الثالث وحده، فهو صحيح بشاهده المتقدّم قبله من حديث أبي هريرة. وقد قوّاه الهيثمي وغيره.
[ ٥٣٣ ]
تَعالى سببٌ موصلٌ لهُ إلى اللهِ ﷿، وهوَ لمَن أنْفَقَهُ في معاصي اللهِ ﷿ واسْتَعانَ بهِ على نيلِ أغراضِهِ المحرَّمةِ أوِ اشْتَغَلَ بهِ عن طاعةِ اللهِ سببٌ قاطعٌ لهُ عن اللهِ. كما قال أبو سُلَيْمانَ الدَّارانِيُّ: الدُّنيا حجابٌ عن اللهِ لأعدائِهِ، ومطيَّهٌ موصلةٌ إليهِ لأوليائِهِ، فسبحانَ مَن جَعَلَ شيئًا واحدًا [سببًا] للاتِّصال بهِ والانقطاعِ عنهُ!
وقد مَدَحَ اللهُ في كتابِهِ القسمَ الأوَّلَ وذَمَّ القسمَ الثَّانيَ:
فقال في مدحِ الأوَّلينَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٢٩ - ٣٠].
والآياتُ في المعنى كثيرةٌ جدًّا.
وقالَ في ذمِّ الآخرينَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ٩ - ١٠]. وقد قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: ليسَ أحدٌ لا يُؤْتي زكاةَ مالِهِ إلَّا سألَ الرَّجعةَ عندَ الموتِ، ثمَّ تَلا هذهِ الآيةَ. وأخْبَرَ اللهُ عن أهلِ النَّارِ الَّذينَ يُؤْتى أحدُهُم كتابَهُ بشمالِهِ أنَّهُ يَقولُ: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨، ٢٩].
والأحاديثُ في مدحِ مَن أنْفَقَ مالَهُ في سبيلِ الطَّاعاتِ وفي ذمِّ مَن لم يُؤَدِّ حقَّ اللهِ منهُ كثيرة جدًّا:
وقد قال النَّبيُّ - ﷺ -: "نِعْمَ المالُ الصَّالحُ للرَّجلِ الصَّالحِ" (^١).
_________________
(١) (صحيح). رواه: أبو عبيد في "الغريب" (١/ ٩٣)، وابن أبي شيبة (٢٢١٨٢)، وأحمد في "المسند" (٤/ ١٩٧ و٢٠٢) و"الفضائل" (١٧٤٥)، وابن منغ في "المسند"، والبخاري في "الأدب" (٢٩٩)، وابن عبد الحكم في "فتوح مصر" (ص ٢٥٠)، وأبو يعلى (٧٣٣٦)، وأبو عوانة (٨/ ٧٥ - فتح)، وابن قانع (٢/ ٢١٣)، وابن حبّان (٣٢١٠ و٣٢١١)، والطبراني في "الأوسط" (٣٢١٣)، والحاكم (٢/ ٢ و٢٣٦)، والقضاعي (١٣١٥)، والبيهقي في "الشعب" (١٢٤٨)، وابن عساكر (٤٦/ ١٤٢ - ١٤٣)؛ من طرق، عن موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عمرو بن العاص … رفعه.
[ ٥٣٤ ]
وقالَ: "الأكثرونَ هُمُ الأقلُّونَ يومَ القيامةِ؛ إلَّا مَن قالَ بالمالِ هكذا وهكذا وهكذا (عن يمينِهِ وعن شمالِهِ ومِن خلفِهِ) وقليلٌ ما هُم" (^١).
وقالَ: "إنَّ هذا المالَ خضرةٌ حلوةٌ، فمَن أخَذَهُ بحقِّهِ ووَضَعَهُ في حقِّهِ؛ فنِعْمَ المعونةُ هوَ. وإنْ أخَذَهُ بغيرِ حقِّهِ؛ كانَ كالذي يَأْكُلُ ولا يَشْبَعُ" (^٢).
فالمؤمنُ الذي يَأْخُذُ المالَ مِن حقِّهِ ويَضَعُهُ في حقِّهِ؛ فلهُ أجرُ ذلكَ كلِّهِ، وكلُّ ما أنْفَقَ منهُ يَبْتَغي بهِ وجهَ اللهِ؛ فهوَ لهُ صدقةٌ يُؤْجَرُ عليها، حتَّى ما يُطْعِمُ نفسَهُ فهوَ لهُ صدقةٌ، وما يُطْعِمُ ولدَهُ فهوَ لهُ صدقةٌ، وما يُطْعِمُ أهلَهُ فهوَ لهُ صدقةٌ، وما يُطْعِمُ خادمَهُ فهوَ لهُ صدقةٌ.
• وكانَ عامَّةُ أهلِ الأموالِ مِن أصحابِ النَّبيِّ - ﷺ - مِن هذا القسمِ.
قالَ أبو سُلَيْمانَ: كانَ عُثْمانُ بنُ عَفَّانَ وعَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ عَوْفٍ خازنينِ مِن خزَّانِ اللهِ في أرضِهِ يُنْفِقانِ في طاعتِهِ، وكانَتْ معاملتُهُما للهِ بقلوبِهِما.
• ورأْسُ المنفقينَ أموالَهُم في سبيلِ اللهِ مِن هذهِ الأُمَّةِ أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وفيهِ نَزَلَتْ هذهِ الآيةُ: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ١٧ - ٢١].
وفي "صحيح الحاكم" (^٣): عن ابن الزُّبَيْرِ؛ قالَ: قالَ أبو قُحافَةَ لأبي بَكْرٍ: أراكَ تُعْتِقُ رقابًا ضعافًا! فلو أنَّكَ إذ فَعَلْتَ ما فَعَلْتَ أعْتَقْتَ رجالًا جلدًا يَمْنَعونَكَ ويَقومونَ
_________________
(١) = وهذا سند قويّ، رجاله رجال مسلم، وقد تكلّموا في موسى حتّى انتهى العسقلاني إلى أنّه صدوق ربّما أخطأ، لكن الناظر في ترجمته في "التهذيب" لن يتردّد في أنّه ثقة صحيح الحديث أو قويّه، وقد صحّح حديثه هذا أبو عوانة وابن حبّان والحاكم والذهبي والهيثمي والعسقلاني والألباني.
(٢) رواه البخاري (٤٣ - الاستقراض، ٣ - أداء الديون، ٥/ ٥٤/ ٢٣٨٨)، ورواه مسلم أيضًا (١ - الإيمان، ٤٠ - من مات لا يشرك، ١/ ٩٤/ ٩٤) مختصرًا؛ كلاهما من حديث أبي ذرّ.
(٣) رواه: البخاري (٢٤ - الزكاة، ٤٧ - الصدقة على اليتامى، ٣/ ٣٢٧/ ١٤٦٥)، ومسلم (١٢ - الزكاة، ٤١ - تخوّف زهرة الدنيا، ٢/ ٧١٧/ ١٠٥٢)؛ من حديث أبي سعيد. والبخاري (٢٤ - الزكاة، ٥٠ - الاستعفاف عن المسألة، ٣/ ٣٣٥/ ١٤٧٢)، ومسلم (١٢ - الزكاة، ٣٢ - اليد العليا خير، ٢/ ٧١٧/ ١٠٣٥)؛ من حديث حكيم بن حزام. كلاهما بنحوه.
(٤) تقدَّم (ص ١٥٩) ما في وصف "المستدرك" بـ "الصحيح" من التجوّز.
[ ٥٣٥ ]
دونَكَ. فقالَ أبو بَكْرٍ: يا أبتِ! إنِّي إنَّما أُريدُ ما أُريدُ. قالَ: وإنَّما نَزَلَتْ هذهِ الآياتُ فيهِ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى …﴾ [الليل: ٥] إلى آخرِ السُّورةِ.
ورُوِيَ مِن وجهٍ آخرَ عن ابن الزُّبَيْرِ، وخَرَّجَهُ الإسْماعِيلِيُّ، ولفظُهُ: إنَّ أبا بَكْرٍ كانَ يَبْتاعُ الضَّعفةَ فيُعْتِقُهُم. فقالَ لهُ أبو قُحافَةَ: يا بنيَّ! لوِ ابْتَعْتَ مَن يَمْنَعُ ظهرَكَ. فقالَ: يا أبتِ! منعَ (^١) ظهري أُريدُ. ونَزَلَتْ فيهِ (^٢) ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ إلى آخرِ السُّورةِ.
وخَرَّجَ أبو داوودَ والتِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ عُمَرَ؛ قالَ: أمَرَنا رسولُ اللهِ - ﷺ - أنْ نتَصَدَّقَ، ووافَقَ ذلكَ عندي مالًا، فقُلْتُ: اليومَ أسْبِقُ أبا بَكْرٍ إنْ سَبَقْتُهُ يومًا. قالَ: فجِئْتُ بنصفِ مالي. فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "ما أبْقَيْتَ لأهلِكَ؟ ". قُلْتُ: مثلَهُ. وإنَّ أبا بَكْرٍ أتى بكلِّ ما عندَهُ، فقالَ: "يا أبا بَكْرٍ! ما أبْقَيْتَ لأهلِكَ؟ ". قالَ: أبْقَيْتُ لهُمُ الله ورسولَهُ. فقُلْتُ: لا أسابِقُهُ إلى شيء أبدًا (^٣).
وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وابنُ ماجَهْ مِن حديثِ: أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -، قالَ: "ما نَفَعَني مالٌ قطُّ ما نَفَعَني مالُ أبي بكرِ". فبَكى أبو بكرٍ وقالَ: وهل أنا ومالي إلَّا لكَ يا رسولَ اللهِ؟ وخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ بدونِ هذهِ الزِّيادةِ في آخرِهِ (^٤).
_________________
(١) في خ: "فقال أما إنّه منع"، والأولى ما أثبته من م ون وط.
(٢) وفي غيره من المنفقين، على المعتمد من أنّ خصوص السبب لا ينفي عموم الحكم.
(٣) (حسن). رواه: عبد بن حميد (١٤)، والدارمي (١/ ٣٩١)، وأبو داوود (٣ - الزكاة، ٤٠ - الرخصة في ذلك، ١/ ١٦٧٨/٥٢٦)، والترمذي (٥٠ - المناقب، ١٦ - مناقب أبي بكر وعمر، ٥/ ٦١٤ / ٣٦٧٥)، وابن أبي عاصم في "السنّة" (١٢٤٠)، والبزّار (٢٧٠)، والحاكم (١/ ٤١٤)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٣٢)، والبيهقي (٤/ ١٨٠)، والضياء في "المختارة" (١/ ١٧٢/ ٨٠ و٨١)، والعسقلاني في "تغليق التعليق" (٣/ ١٠)؛ من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر … رفعه. قال العسقلاني في "التلخيص": "ضعّفه ابن حزم بهشام بن سعد وهو صدوق". وزاد في "الفتح": "هشام صدوق فيه مقال". قلت: حديثه حسن في الشواهد على الأقلّ. ورواه البزّار (١٥٩) من طريق إسحاق بن محمّد الفروي، ثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر … رفعه. والفروي وعبد الله بن عمر العمري لا يعدوان أن يكونا صالحين في الشواهد. والحديث حسن بطريقيه، وقد قوّاه الترمذي والحاكم والضياء المقدسي والذهبي والعسقلاني والألباني.
(٤) (صحيح). تقدَّمت تفاصيل الباب (ص ٢٥٢ - ٢٥٤)، وهذا اللفظ جاء أيضًا بإسناد صحيح.
[ ٥٣٦ ]
* وكانَ مِن المنفقينَ أموالَهُم في سبيلِ اللهِ عُثْمانُ بنُ عَفَّانَ:
ففي التِّرْمِذِيِّ عن عَبْدِ الرَّحمنِ بن خَبَّابٍ؛ قال: شَهِدْتُ النَّبي - ﷺ - وهوَ يَحُثُّ على جيشِ العسرةِ، فقامَ عُثْمانُ فقال: يا رسول اللهِ! عليَّ مئةُ بعيرٍ بأحلاسِها وأقتابِها في سبيلِ اللهِ. ثمَّ حَضَّ على الجيشِ، فقامَ عُثْمانُ فقال: يا رسول اللهِ! عليَّ مئتا بعيرٍ بأحلاسِها وأقتابِها في سبيلِ اللهِ. ثمَّ حَضَّ على الجيِشِ، فقامَ عُثْمانُ فقال: يا رسول اللهِ! عليَّ ثلاثُ مئةِ بعيرٍ بأحلاسِها وأقتابِها في سبيلِ اللهِ. قال: فرَأيْتُ رسول اللهِ - ﷺ - يَنْزِل على المنبرِ وهوَ تقول: "ما على عُثْمانَ ما فَعَلَ بعدَ هذهِ، [ما على عُثْمانَ ما فَعَلَ بعدَ هذهِ] " (^١).
وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بن سَمُرَةَ؛ أن عُثْمانَ جاءَ إلى النَّبيِّ - ﷺ - بألفِ دينارٍ حينَ جَهَّزَ جيشَ العسرةِ، فنَثَرَها في حجرِهِ. قال: فرَأيْتُ النَّبيَّ - ﷺ - يُقَلِّبُها في حجرِهِ ويَقول: "ما ضَرَّ عُثْمانَ ما عَمِلَ (^٢) بعدَ هذا اليومِ"؛ مرَّتينِ (^٣).
_________________
(١) (ضعيف بهذا التمام). رواه: الطيالسي (١١٨٩)، وابن سعد (٧/ ٧٨)، وأحمد في "الفضائل" (٨٢٢ و٨٢٣)، وعبد بن حميد (٣١١)، والبخاري في "التاريخ" (٥/ ٢٤٦)، والفسوي (١/ ٢٨٩)، والترمذي (٥٠ - المناقب، ١٩ - مناقب عثمان، ٥/ ٦٢٥/ ٣٧٠٠)، وابن أبي الدنيا في "المكارم" (٤١٨)، وابن أبي عاصم في "السنّة" (١٢٨٠) و"الآحاد" (١٤١٩ و١٤٢٠) و"الجهاد" (٧٧)، وابن أحمد في "المسند" (٤/ ٧٥)، والروياني (١٥٤١)، وابن قانع (٢/ ١٤٤/ ٦١٧)، والطبراني في "الأوسط" (٥٩١١)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٥٨)، والبيهقي في "الدلائل" (٥/ ٢١٤)، والخطيب في "الجمع والتفريق" (٢/ ٤٣٥)، وابن الأثير في "الغابة" (٣/ ١١٢)، والمزّي في "التهذيب" (١٧/ ٨٠)؛ من طريق السكن بن المغيرة، ثنا الوليد بن أبي هشام، عن فرقد أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن خبّاب … رفعه. قال الترمذي: "غريب من هذا الوجه". وقال الطبراني: "تفرّد به سكن". قلت: سكن وشيخه قويّان، والعلّة في فرقد؛ فإنّه مجهول. وله شاهد عند الطبراني (١٨/ ٢٣١/ ٥٧٧) بسند ساقط فيه متروكان. وفي الصحيح ما يشهد لتجهيز عثمان لجيش العسرة أو لعدد كبير منه بالمال والعتاد، لكن هذا التفصيل لم يأت إلّا من هذا الوجه، وقد علمت ما فيه، وقد ضعّفه الترمذي والألباني.
(٢) في خ: "ما فعل"، وما أثبتّه من م ون وط أولى بلفظ "المسند".
(٣) (حسن صحيح). رواه: أحمد في "الفضائل" (٧٣٨) و"المسند" (٥/ ٦٣)، والفسوي (١/ ٢٨٣)، والترمذي (الموضع السابق، ٥/ ٦٢٦/ ٣٧٠١)، وابن أبي الدنيا في "المكارم" (٤١٧)، وابن أبي عاصم في "السنة" (١٢٧٩) و"الجهاد" (٨٢)، وعبد الله بن أحمد (٥/ ٦٣)، والخلّال في "السنّة" (٤٠٢ و٤٠٣)، والطبراني في "الأوسط" (٦٢٧٧ و٩٢٢٢) و"الشاميّين" (١٢٧٤)، والحاكم (٣/ ١٠٢)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٥٩، ٦/ ١٣٣)، والبيهقي في "الدلائل" (٥/ ٢١٥)، والمزّي في "التهذيب" (١٥/ ٤٣٩)؛ من =
[ ٥٣٧ ]
• وكانَ منهُم أيضًا عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ عَوْفٍ:
وفي "مسند الإمام أحْمَدَ"؛ أنَّهُ قَدِمَ لهُ عِيرٌ إلى المدينةِ، فارْتَجَّتْ لها المدينةُ، فسَألَتْ عائِشَةُ عنها وحَدَّثَتْ حديثا عن النَّبيِّ - ﷺ -، فبَلَغَ عَبْدَ الرَّحمنِ، فجَعَلَها كلَّها في سبيلِ اللهِ بأقتابِها وأحلاسِها، وكانَتْ سبعَ مئةِ راحلةٍ (^١).
_________________
(١) = طريق قويّة، عن كثير بن أبي كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة، عن عبد الرحمن بن سمرة … رفعه. والناظر في ترجمة كثير هذا لن يتردّد في عدّه في زمرة الصدوقين، فالسند حسن، وقد قال الترمذي: "حسن غريب"، وأقرّه الألباني، وصحّحه الحاكم وأقرّه الذهبي والعسقلاني. وله شاهد قويّ عند: أحمد في "الفضائل" (٧٨٧)، والخلّال في "السنّة" (٤١٧)؛ عن الحسن مرسلًا. ويشهد له جملة حديث عثمان عند البخاري (٢٧٧٨) معلّقًا ووصله جماعة بسند قويّ.
(٢) (منكر باطل). رواه: أحمد (٦/ ١١٥)، وعبد بن حميد، والبزّار (٢٥٨٦ - كشف)، والطبراني (١/ ١٢٩/ ٢٦٤، ٦/ ٢٧/ ٥٤٠٧)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٩٨)، وابن عساكر (٣٥/ ٢٦٧)، وابن الجوزي في "الغابة" (٣/ ١٤٣)، والذهبي في "النبلاء" (١/ ٧٦)؛ من طريق عمارة بن زاذان الصيدلاني، عن ثابت، عن أنس؛ قال: بينما عائشة في بيتها إذ سمعت صوتًا بالمدينة فقالت: ما هذا؟ قالوا: عير لعبد الرحمن بن عوف … فقالت عائشة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "قد رأيت عبد الرحمن يدخل الجنّة حبوًا". فقال عبد الرحمن: إن استطعت لأدخلنّها قائمًا. ثمّ جعلها في سبيل الله. قال الإمام أحمد: "حديث كذب منكر، وعمارة يروي أحاديث مناكير". وأقرّه ابن الجوزي وابن تيميّة والذهبي وابن القيّم والهيثمي والعراقي والعسقلاني. قال العسقلاني: "الذي أراه عدم التوسّع في الكلام عليه؛ فإنّه يكفينا شهادة الإمام أحمد بأنه كذب". قلت: وأنا يكفيني ما كفى العسقلاني. ورواه البزّار (٢٥٨٧ - كشف) من طريق حبّان بن أغلب بن تميم، عن أبيه، عن ثابت … به فذكر بعضه. وحبّان ضعيف وأبوه منكر الحديث فالسند ساقط، وقد ضعّفه البزّار والهيثمي. وله شاهد عند: البزّار، وأبي نعيم في "الحلية" (١/ ٩٩)، وابن عساكر (٣٥/ ٢٦٦)؛ من حديث عبد الله بن أبي أوفى بسند فيه عمّار بن سيف ضعيف منكر الحديث. وشاهد آخر عند: ابن سعد (٣/ ١٣١)، والبزّار (٢٥٨٥ و٢٥٨٨ - كشف)، والحاكم (٣/ ٣١١)، وأبي نعيم في "الحلية" (١/ ٩٩، ٨/ ٣٣٤)، وابن عساكر (٣٥/ ٢٦٣ و٢٦٤)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ١٣)؛ من طرق أربع، عن عبد الرحمن بن عوف … بمعناه بألفاظ مختلفة. وفي إحداها الجرّاح بن منهال متّهم متروك، وفي الثانية عبد الله بن شبيب متّهم متروك، وفي الثالثة خالد بن يزيد بن أبي مالك ضعيف منكر الحديث، وفي الرابعة مجهولان على إرسالها. وشاهد آخر عند الطبراني في "الشاميّين" (٧٠٥) من حديث حفصة أُمّ المؤمنين، وفيه الجرّاح بن مليح كثير الوهم وحفص بن ثابت لا يعرف. وشاهد آخر عند: أحمد في "المسند" (٥/ ٢٥٩) وفي "الفضائل" (٢١١)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٨/ ٢١٤/ ٧٨٦٤) و"الأوسط" (٦١٤٦) و"الصغير" (٩٣٧)، وابن عدي (٧/ ٢٦٧٠)، والخطيب في "التاريخ" (١٤/ ٧٨)، وابن عساكر (٣٥/ ٢٦٥)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ١٤)، والذهبي في =
[ ٥٣٨ ]
وخَرَّجَهُ ابنُ سَعْدٍ مِن وجهٍ آخرَ فيهِ انقطاع وعندَهُ أنَّها كانَتْ خمسَ مئةِ راحلةٍ (^١).
وخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ: أبي سَلَمَةَ بن عَبْدِ الرَّحْمنِ بن عَوْفٍ، عن عائِشَةَ؛ أن رسول اللهِ - ﷺ - كانَ يَقولُ (تَعْني: لأزواجِهِ): "إنَّ أمْرَكُنَّ لَمِمَّا يُهِمُّني بعدي، ولن يَصبِرَ عليكُنَّ إلَّا الصَّابرونَ". قال: ثمَ تَقول عائِشَةُ لأبي سَلَمَةَ: سَقى اللهُ أباكَ مِن سلسبيلِ الجنَّةِ. وكانَ قد وَصَلَ أزواجَ النَّبيِّ - ﷺ - بحديقةٍ بيعَتْ (^٢) بأربعينَ ألفًا (^٣). وقال: حسنٌ غريبٌ. وخَرَّجَهُ الحاكِمُ وصحَّحَهُ. وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ أوَّلَهُ.
وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ أيضًا والحاكِمُ مِن حديثِ: أُمِّ بَكْرٍ بنتِ المِسْوَرِ بن مَخْرَمَةَ؛
_________________
(١) = "السير" (١/ ٧٦)، من طريقين، عن أبي أُمامة … رفعه بمعناه بلفظين مختلفين. وفي الأولى مطّرح بن يزيد عن عبيد الله بن زحر عن علي الألهاني عن القاسم أبي عبد الرحمن، وابن زحر والقاسم لهما مناكير، ومطّرح والألهاني متروكان. وفي الثانية أبو جناب الكلبي وأبو العالية مدلّسان عنعنا وفي أبي جناب ضعف. فهذه جملة ما وقفت عليه في الباب، ولا يخلو شيء منها من ضعف شديد بمتّهم أو متروك، مع اختلافات في السياقات تحول دون شهادة أحدها للآخر، فتارة هي على ما سيكون يوم القيامة وتارة رؤيا مناميّة وتارة يدخل حبوًا وتارة يتمايل على الصراط وتارة يتأخّر عن فقراء المهاجرين، مع مخالفتها للأحاديث الصحيحة الثابتة في أنّ ابن عوف من العشرة المبشّرين وأنّه من الصدّيقين وأنّه من أهل بدر وأنّ النبيّ - ﷺ - صلّى خلفه وأنّه - ﷺ - قال لخالد في شأنه: "هل أنتم تاركون لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه"؛ فلا جرم عدّ أئمّة الحديث ونقّاده هذا الحديث في جملة الموضوعات أو الواهيات فما رأيت فيهم من قوّاه أو اعتدّ به.
(٢) (منكر باطل). رواه: ابن سعد (٣/ ١٣٢)، وابن عساكر (٣٥/ ٢٦٨)؛ من طريق عبد الله بن جعفر الرقّي، قال أبو المليح، عن حبيب بن أبي مرزوق، قالت عائشة … فذكره وفيه المعنى المتقدّم آنفًا - والرقّي مجهول، وحبيب عن عائشة منقطع، وفي المتن النكارة التي تقدّمت الإشارة إليها في الحاشية السابقة، فحقّه أن يلحق بسابقه في الحكم.
(٣) في خ: "بمال بيعت"! وفي ن: "بأرض بيعت". والأولى ما أثبتّه من م وط.
(٤) (صحيح). رواه: ابن سعد (٨/ ٢١١)، وأحمد في "المسند" (٦/ ٧٧ و١٢٠) و"الفضائل" (١٢٥٨)، والترمذي (٥٠ - المناقب، ٢٦ - مناقب عبد الرحمن، ٥/ ٦٤٨/ ٣٧٤٩)، وابن حبّان (٦٩٩٥)، والحاكم (٣/ ٣١٠ و٤١٢)، والطبراني في "الأوسط" (٣٢٣٥)، والذهبي في "النبلاء" (١/ ٨٦) معلّقًا؛ من طرق أربع إحداها حسنة، عن أبي سلمة، عن عائشة … رفعته. قال الترمذي: "حسن صحيح". وقال الحاكم: "على شرط الشيخين". فتعقّبه الذهبي بقوله: "صخر [بن عبد الله بن حرملة] صدوق لم يخرّجا له". قلت: تابعه جماعة، ويشهد له أيضًا ما بعده.
[ ٥٣٩ ]
أنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بنَ عَوْفٍ باعَ أرضًا لهُ مِن عُثْمانَ بأربعينَ ألفَ دينارٍ، فقَسَمَها في فقراءِ بني زُهْرَةَ وفي المهاجرينَ وأُمَّهاتِ المؤمنينَ. قالَ المِسْوَرُ: فأُتِيَتْ عائِشَةُ بنصيبِها مِن ذلكَ المالِ، فقالَتْ لنا: إنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يَقولُ: "لا يَحْنو عليكُنَّ بعدي إلَّا الصَّابرونَ، سَقى اللهُ ابنَ عَوْفٍ مِن سلسبيلِ الجنَّةِ" (^١).
وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والحاكِمُ مِن حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - قالَ لأزواجِهِ: "إنَّ الذي يَحْنو عليكُنَّ بعدي هوَ الصَّادقُ البارُّ. اللهمَّ! آسْقِ عَبْدَ الرَّحْمنِ بنَ عَوْفٍ مِن سلسبيلِ الجنَّةِ" (^٢).
وخَرَّجَهُ ابنُ سَعْدٍ وزادَ: إنَّ إبْراهيمَ بنَ سَعْدٍ قالَ: حَدَّثَني بعضُ أهلي مِن ولدِ عَبْدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ؛ أن عَبْدَ الرَّحمنِ [بنَ عَوْفٍ] باعَ أموالَهُ مِن كيْدَمَةَ - وهوَ سهمُهُ مِن بني النَّضيرِ - بأربعينَ ألفَ دينارٍ، فقَسَمَها على أزواجِ النَّبي - ﷺ -.
وخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ: أبي سَلَمَةَ بن عَبْدِ الرَّحمنِ؛ أن أباهُ عَبْدَ الرَّحمنِ بنَ عَوْفٍ أوْصى بحديقةٍ لأمَّهاتِ المؤمنينَ بيعَتْ بأربعِ مئةِ ألفٍ.
وخَرَّجَهُ الحاكِمُ ولفظُهُ: بيعَتْ بأربعينَ ألفَ دينارٍ.
_________________
(١) (صحيح لشواهده). رواه: ابن سعد (٣/ ١٣٢ - ١٣٣، ٨/ ٢١١)، وإسحاق في "المسند" (٣/ ١٠١١/ ١٧٥٥)، وأحمد في "المسند" (٦/ ١٠٣ و١٣٥) و"الفضائل" (١٢٤٩ و١٢٥٠) و"الزهد" (١٠٩٧)، والطحاوي في "مشكل الآثار"، والطبراني في "الأوسط" (٩١١١)، والحاكم (٣/ ٣١٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٩٨)، والذهبي في "النبلاء" (١/ ٨٦) تعليقًا؛ من طرق، عن عبد الله بن جعفر من ولد المسور، عن عمّته أُمّ بكر بنت المسور … فذكرته. قال الحاكم: "صحيح الإسناد". وتعقّبه الذهبي بقوله: "ليس بمتّصل". قلت: يريد أنّ رواية أُمّ بكر عن ابن عوف مرسلة، لكن جاء في بعض طرق الحديث "عن أُمّ بكر عن أبيها المسور عن ابن عوف"، وسياق الحديث يدعم هذا الوصل جدَّا. وإنّما العلّة في أُمّ بكر نفسها؛ فإنّها مجهولة. لكنّ هذه الطريق تتقوّى وتصحّ بما قبلها وما بعدها، وقد قوّاها الألباني بشواهدها.
(٢) (صحيح لشواهده). رواه: ابن سعد (٣/ ١٣٢)، وأحمد (٦/ ٢٩٩ و٣٠٢)، والحارث بن أبي أُسامة (٩٨٧ - هيثمي)، وابن أبي عاصم في "السنّة" (١٤١٢ و١٤١٣)، والطبراني (٢٣/ ٢٨٨/ ٦٣٦ و٨٩٦)، والحاكم (٣/ ٣١١)؛ من طريق محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن عبد الرحمن بن حصين، (قال مرّة: عن عوف بن الحارث، ومرّة: عن عوف بن مالك)، عن أُمّ سلمة … رفعته. قال الحاكم: "صحّ الحديث عن عائشة وأُمّ سلمة"، ووافقه الذهبي. قلت: ابن إسحاق مدلّس عنعن، ومحمّد بن عبد الرحمن مجهول، وبقيّة السند ثقات. لكنّه صحيح بشواهده المتقدّمة.
[ ٥٤٠ ]
وأخبارُ الأجوادِ المنفقينَ أموالَهُم في سبيلِ اللهِ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - ﷺ - يَطولُ ذكرُها جدًّا.
• وكانَ الفقراءُ مِن الصَّحابةِ كلَّما رَأَوْا أصحابَ الأموالِ منهُم يُنْفِقونَ أموالَهُم فيما يُحِبُّهُ اللهُ مِن الحجِّ والاعتمارِ والجهادِ في سبيلِ اللهِ والعتقِ والصَّدقةِ والبرِّ والصِّلةِ وغيرِ ذلكَ مِن أنواعِ البرِّ والطَّاعاتِ والقرباتِ؛ حَزِنوا لِما فاتَهُم مِن مشاركتِهِم في هذهِ الفضائلِ.
وقد ذَكَرَهُمُ اللهُ في كتابِهِ بذلكَ، فقالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٠ - ٩١].
نَزَلَتْ هذهِ الآيةُ بسببِ قومٍ مِن فقراءِ المسلمينَ أتَوُا النَّبيَّ - ﷺ - وهوَ يَتَجَهَّزُ إلى غزوةِ تَبوكَ، فطَلَبوا منهُ أنْ يَحْمِلَهُم، فقالَ لهُم: "لا أجِدُ ما أحْمِلُكُمْ عليهِ". فرَجَعوا وهُم يَبْكونَ حزنًا على ما فاتَهُم مِن الجهادِ معَ رسولِ اللهِ - ﷺ - (^١).
قالَ بعضُ العلماءِ: هذا واللهِ بكاءُ الرِّجالِ، بَكَوْا على فقدِهِم رواحلَ يَتَحَمَّلونَ عليها إلى الموتِ في مواطنَ تُراقُ فيها الدِّماءُ في سبيلِ اللهِ وتُنْزعُ فيها رؤوسُ الرِّجالِ عن كواهلِها بالسُّيوفِ. فأمَّا مَن يَبْكي على فقدِ حظِّهِ مِن الدُّنيا وشهواتِهِ العاجلةِ؛ فذلكَ شبيهٌ بـ[ـــبكاءِ] الأطفالِ والنِّساءِ على فقدِ حظوظِهِمُ العاجلةِ:
سَهَرُ العيونِ لِغَيْرِ وَجْهِكَ باطِلٌ … وَبُكاؤُهُن لِغَيْرِ فَقْدِكَ ضائِعُ
_________________
(١) (صحيح). رواه: الطبري (١٧٠٩٤)، وابن مردويه (التوبة ٩٢ - الدرّ)؛ من طريق مسلسلة بالعوفيّين، عن ابن عبّاس … رفعه. وهذا ساقط لضعف العوفيين أبّا عن جدّ فما فيهيم صدوق. ورواه الطبري (١٧١٠٣) من طريق أبي معشر، عن محمّد بن كعب … مرسلًا. وأبو معشر ضعيف. لكنّ الواقعة حصلت، والآية نزلت فيها وفي أمثالها، دلّ عليه: حديث أبي موسى عند البخاري (٥٧ - الخمس، ١٥ - الخمس لنوائب المسلمين، ٦/ ٢٣٦/ ٣١٣٣ و٤٣٨٥). وجملة من المراسيل التي رواها أهل التفسير في قصّة أُولئك النفر وفي أسمائهم. وانظر تفاصيل ذلك في "الدرّ" (التوبة ٩٢).
[ ٥٤١ ]
إنَّما يَحْسُنُ البكاءُ والأسفُ على فواتِ الدَّرجاتِ العلى والنَّعيمِ المقيمِ.
قالَ بعضُهُم: يُرى رجلٌ في الجنَّةِ يَبْكي، فيُسْألُ عن حالِهِ، فيَقولُ: كانَت لي نفسٌ واحدةٌ فقُتِلَتْ في سبيلِ اللهِ، ووَدِدْتُ أنَّهُ كانَتْ لي نفوسٌ كثيرةٌ تُقْتَلُ كلُّها في سبيلِ اللهِ (^١)!
غزا قومٌ في سبيلِ اللهِ، فلمَّا صافُّوا عدوَّهُم واقْتَتَلوا؛ رأى كلُّ واحدٍ منهُم زوجتَهُ مِن الحورِ قد فتَحَتْ بابًا مِن السَّماءِ وهيَ تَسْتَدْعي صاحبَها إليها وتَحُثُّهُ على القتالِ، فقُتِلوا كلُّهُم إلَّا واحدًا، وكانَ كلَّما قُتِلَ منهُم واحدٌ، أُغْلِقَ بابٌ وغابَتْ منهُ المرأةُ، فأُفْلِتَ آخرُهُم، فأغْلَقَتْ تلكَ المرأةُ البابَ الباقيَ وقالَتْ: ما فاتَكَ يا شقيُّ! فكانَ يَبْكي على حالِهِ إلى أنْ ماتَ. ولكنَّهُ أوْرَثَهُ ذلكَ طولَ الاجتهادِ والحزنِ والأسف (^٢).
عَلى مِثْلِ لَيْلى يَقْتُلُ المَرْءُ نَفْسَهُ … وَإنْ كانَ مِنْ لَيْلى عَلى الهَجْرِ طاوِيا
• لمَّا سَمعَ الصَّحابةُ ﵃ قولَ اللهِ ﷿: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨، المائدة: ٤٨]، وقولَهُ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]؛ فَهِموا مِن ذلكَ أن المرادَ أنْ يَجْتَهِدَ كلُّ واحدٍ منهُم أنْ يَكونَ هوَ السَّابقَ لغيرِهِ إلى هذهِ الكرامةِ والمسارعَ إلى بلوغِ هذهِ الدَّرجةِ العاليةِ، فكانَ أحدُهُم إذا رَأى مَن يَعْمَلُ عملًا يَعْجِزُ عنهُ؛ خَشِيَ أنْ يَكونَ صاحبُ ذلكَ العملِ هوَ السَّابقَ لهُ، فيَحْزَنُ لفواتِ سبقِهِ، فكانَ تنافسُهُمِ في درجاتِ الآخرةِ واستباقُهُم إليها، كما قالَ تَعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]. ثمَّ جاءَ مَن بعدَهُم، فعَكَسَ الأمرَ، فصارَ تنافسُهُم في الدُّنيا الدَّنيَّةِ وحظوظِها الفانيةِ.
قالَ الحَسَنُ: إذا رَأيْتَ الرَّجلَ يُنافِسُكَ في الدُّنيا؛ فنافِسْهُ في الآخرةِ.
وقالَ وُهَيْبُ بنُ الوَرْدِ: إنِ اسْتَطَعْتَ ألَّا يَسْبِقَكَ أحدٌ إلى اللهِ فأفْعَلْ.
_________________
(١) هذا (البعضهم) من أين له هذا الكلام؟! هذا كلام لا ينبغي أن يقوله المرء اجتهادًا من كيسه! رحم الله من قال: لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.
(٢) ربّما كان هذا الذي أفلت خيرًا عند الله من صاحبيه، وقد تقدّم لك حديث سبق صاحب الفراش للشهيدين بأعمال البرّ التي عملها بعدهما (ص ٣٤٩) فراجعه فإنّه مهمّ.
[ ٥٤٢ ]
وقالَ بعضُ السَّلفِ: لو أنَّ رجلًا سَمعَ بأحدٍ أطوعَ للهِ منهُ؛ كانَ يَنْبَغي لهُ أنْ يَحْزُنَهُ ذلكَ.
وقالَ غيرُهُ: لو أن رجلًا سَمعَ برجلٍ أطوعَ للهِ منهُ فانْصَدَعَ قلبُهُ فماتَ؛ لم يَكُنْ ذلكَ بعجبٍ.
قالَ رجلٌ لمالِكِ بن دينارٍ: رَأيْتُ في النَّومِ مناديًا يُنادي: أيُّها النَّاسُ! الرَّحيلَ الرَّحيلَ، فما رَأيْتُ أحدًا يَرْتَحِلُ إلَّا مُحَمَّدَ بنَ واسِعٍ. فصاحَ مالِكٌ وغُشِيَ عليهِ.
﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١٢].
قالَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ في حجَّةٍ حَجَّها عندَ دفعِ النَّاسِ مِن عرفهَ: ليسَ السَّابقُ اليومَ مَن سَبَقَ بهِ بعيرُهُ، إنَّما السَّابقُ مَن غُفِرَ لهُ.
كانَ رأْسَ السَّابقينَ إلى الخيراتِ مِن هذهِ الأُمَّةِ أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁. قالَ عُمَرُ: ما اسْتبَقْنا إلى شيءٍ مِن الخيرِ إلَّا سَبَقَـ[ــنا] أبو بَكْرٍ، وكانَ سبَّاقًا بالخيراتِ.
ثمَّ كانَ السَّابقُ بعدَهُ إلى الخيراتِ عُمَرُ. وفي آخرِ حجَّةٍ حجَّها عُمَرُ جاءَ رجلٌ لا يُعْرَفُ، كانوا يَرَوْنَهُ مِن الجنِّ، فرَثاهُ بأبياتٍ منها:
فَمَنْ يَسْعَ أوْ يَرْكَبْ جَناحَيْ نَعامَةٍ … لِيُدْرِكَ ما قَدَّمْتَ بِالأمْسِ يُسْبَقِ (^١)
صاحبُ الهمَّةِ العاليةِ والنَّفسِ الشَّريفةِ التَّوَاقةِ لا يَرْضى بالأشياءِ الدَّنيَّةِ الفانيةِ، وإنَّما همَّتُهُ المسابقةُ إلى الدَّرجاتِ الباقيةِ الزَّاكيةِ التي لا تَفْنى، ولا يَرْجِعُ عن مطلوبِهِ ولو تَلِفَتْ نفسُهُ في طلبِهِ. ومَن كانَ في اللهِ تلفُه؛ كانَ على اللهِ خلفُه.
قيلَ لبعضِ المجتهدينَ في الطاعاتِ: لمَ تُعَذِّبُ هذا الجسدَ؟ قالَ: كرامتَهُ أُريدُ.
وَإذا كانَتِ النُّفوسُ كِبارًا … تَعِبَتْ في مُرادِها الأجْسامُ
قالَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ: إن لي نفسًا توَّاقةً، ما نالَتْ شيئًا إلَّا تاقَتْ إلى ما هوَ أفضلُ منهُ، وإنَّها لمَّا نالَتْ هذهِ المنزلةَ (يَعْني: الخلافةَ) وليسَ في الدُّنيا منزلةٌ أعلى
_________________
(١) اطّلع الغيب؟! أفكان عنده علم بموته حتّى يرثيه؟!
[ ٥٤٣ ]
منها؛ تاقَتْ إلى ما هوَ أعلى مِن الدُّنيا (يَعْني: الآخرةَ).
عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْمِ تَأْتي العَزائِمُ … وَتَأْتي عَلى قَدْرِ الكِرامِ المَكارِمُ
قيمةُ كلِّ إنسانٍ ما يَطْلُبُ، فمَن كانَ يَطْلُبُ الدُّنيا؛ فلا أدنى منهُ؛ فإنَّ الدُّنيا دنيَّةٌ، وأدنى منها مَن يَطْلُبُها، وهيَ خسيسةٌ، وأخسُّ منها مَن يَخْطُبُها.
قالَ بعضُهُم: القلوبُ جوَّالةٌ، فقلبٌ يَجولُ حولَ العرشِ، وقلبٌ يَجولُ حولَ الحُشِّ. الدُّنيا كلُّها حُشٌّ، وكلُّ ما فيها مِن مطعمٍ ومشربٍ يَؤُولُ إلى الحُشِّ، وما فيها مِن أجسامٍ ولباسٍ يَصيرُ ترابًا، كما قيلَ: وكلُّ الذي فوقَ التُّرابِ تُرابُ.
وقالَ بعضُهُم في يومِ عيدٍ لإخوانِهِ: هل تَنْظُرونَ إلَّا خرقًا تَبْلى أو لحمًا يَأْكُلُهُ الدُّودُ غدًا؟!
وأمَّا مَن كانَ يَطْلُبُ الآخرةَ؛ فقدرُهُ خطيرٌ؛ لأنَّ الآخرةَ خطيرةٌ شريفةٌ، ومَن يَطْلُبُها أشرفُ منها، كما قيلَ:
أُثامِنُ بِالنَّفسِ النَّفيسَةِ رَبَّها … وَلَيْسَ لَها في الخَلْقِ كُلِّهِمُ ثَمَنْ
بِها تُدْرَكُ الأُخْرى فَإنْ أنا بِعْتُها … بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا فذاكَ هُوَ الغَبَنْ
لَئِنْ ذَهَبَتْ نَفْسي بِدُنْيا أصَبْتُها … لَقَدْ ذَهَبَتْ نَفْسي وَقَدْ ذَهَبَ الثَّمَنْ
وأمَّا مَن كانَ يَطْلُبُ الله؛ فهوَ أكبرُ النَّاسِ عندَهُ، كما أن مطلوبَهُ أكبرُ مِن كلِّ شيءٍ، كما قيلَ:
لَهُ هِمَمٌ لا مُنْتَهى لِكِبارِها … وَهِمَّتُهُ الصُّغْرى أجَلُّ مِنَ الدَّهْرِ
قالَ الشِّبْلِيُّ: مَن رَكَنَ إلى الدُّنيا؛ أحْرَقَتْهُ بنارِها، فصارَ رمادًا تَذْروهُ الرِّياحُ، ومَن رَكَنَ إلى الآخرةِ أحْرَقَتْهُ بنورِها، فصارَ سبيكةَ ذهبٍ يُنْتَفَعُ بهِ، ومَن رَكَنَ إلى اللهِ؛ أحْرَقَهُ بنورِ التَّوحيدِ، فصارَ جوهرًا لا قيمةَ لهُ (^١).
العالي الهمَّةِ يَجْتَهِدُ في نيلِ مطلوبِه، ويَبْذُلُ وسعَهُ في الوصولِ إلى رضى
_________________
(١) يعني: لا قيمة تعادله أو تساويه.
[ ٥٤٤ ]
محبوبِه. فأمَّا خسيسُ الهمَّةِ؛ فاجتهادُهُ في متابعةِ هواهُ، ويَتَّكِّلُ على مجرَّدِ العفوِ، فيَفوتُهُ - إنْ حَصَلَ لهُ العفوُ - منازلُ السَّابقينَ المقرَّبينَ.
قالَ بعضُ السَّلفِ: هَبْ أن المسيءَ عُفِيَ عنهُ، أليسَ قد فاتَهُ ثوابُ المحسنين؟
فَيا مُذْنِبًا يَرْجو مِنَ اللهِ عَفْوَهُ … أتَرْضى بِسَبْقِ المُتَّقينَ إلى اللهِ
لمَّا تَنافَسَ المتنافسونَ في نيلِ الدَّرجات؛ غَبَطَ بعضُهُم بعضًا بالأعمالِ الصَّالحات.
قالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "لا حسدَ إلَّا في اثنتينِ: رجلٌ آتاهُ اللهُ مالًا فهوَ يُنْفِقُهُ في سبيلِ اللهِ آناءَ الليلِ وآناءَ النَّهارِ، ورجلٌ آتاهُ اللهُ القرآنَ فهوَ تقومُ بهِ آناءَ الليلِ وآناءَ النَّهارِ". وفي روايةٍ: "لا تحاسدَ إلَّا في اثنتينِ: رجلٌ آتاهُ اللهُ القرآنَ فهوَ يَتْلُوهُ آناءَ الليلِ والنَّهارِ، يَقولُ: لو أوتِيتُ مثلَ ما أُوتِيَ هذا لَفَعَلْتُ كما يَفْعَلُ، ورجل آتاهُ اللهُ مالًا فهوَ يُنْفِقُهُ في حقِّهِ، يَقولُ: لو أُوتِيتُ مثلَ ما أوتِيَ هذا لَفَعَلْتُ كما يَفْعَلُ". وهذا الحديثُ في الصَّحيحين (^١).
وفي التِّرْمِذِيِّ وغيرِهِ عن النَّبيِّ - ﷺ -، قالَ: "إنَّما مثلُ هذهِ الأُمَّةِ كأربعةِ نفرٍ: رجلٌ آتاهُ اللهُ مالًا وعلمًا، فهوَ يَعْمَلُ بعلمِهِ في مالِهِ يُنْفِقُهُ في حقِّهِ. ورجلٌ آتاهُ اللهُ علمًا ولم يُؤْتِهِ مالًا، وهوَ يَقولُ: لو كانَ لي مثلُ هذا؛ لعَمِلْتُ فيهِ مثلَ الذي يَعْمَلُ". قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "هما في الأجرِ سواءٌ. ورجلٌ آتاهُ اللهُ مالًا ولم يُؤْتِهِ علمًا، فهوَ يَخْبِطُ في مالِهِ يُنْفِقُهُ في غيرِ حقِّهِ. ورجلٌ لمْ يُؤْتِهِ اللهُ علمًا ولا مالًا، فهوَ يَقولُ: لو كانَ لي مالُ هذا؛ عَمِلْتُ فيهِ مثلَ الذي يَعْمَلُ". قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: " [فـ]ـــهُما في الوزرِ سواءٌ" (^٢).
_________________
(١) البخاري (٦ - فضائل القرآن، ٢٠ - اغتباط صاحب القرآن، ٩/ ٧٣/ ٥٠٢٥)، ومسلم (٦ - المسافرين، ٤٧ - فضل من يقوم بالقرآن، ١/ ٥٥٨/ ٨١٥)؛ من حديث ابن عمر. والرواية الثانية عند البخاري (٩٧ - التوحيد، ٤٥ - قوله - ﷺ - رجل آتاه الله القرآن، ١٣/ ٥٠٢/ ٧٥٢٨) من حديث أبي هريرة.
(٢) (صحيح). رواه: أحمد (٤/ ٢٣١)، والفسوي (٣/ ١٩١)، والترمذي (٣٧ - الزهد، ١٧ - مثل الدنيا، ٤/ ٥٦٢/ ٢٣٢٥)، والطبراني (٢٢/ ٣٤٥/ ٨٦٨)، والبغوي في "السنّة" (٤٠٩٧)، والمزّي في "التهذيب" (١٤/ ١٩٣)؛ من طريق قويّة، عن يونس بن خبّاب، عن سعيد أبي البختري، عن أبي كبشة … =
[ ٥٤٥ ]
ورَوى حُمَيْدُ بنُ زَنْجَوَيْهِ بإسنادِهِ: عن زَيْدِ بن أسْلَمَ؛ قالَ: يُؤْتى يومَ القيامةِ بفقيرٍ وغنيٍّ اصْطَحَبا في اللهِ، فيوجَدُ للغنيِّ فضلُ عملٍ فيما كانَ يَصْنَعُ في مالِهِ، فيُرْفَعُ على صاحبِهِ، فيَقول الفقيرُ: يا ربِّ! لمَ رَفَعْتَهُ؟ وإنَّما اصْطَحَبْنا فيكَ وعَمِلْنا لكَ. فيَقول تَعالى: لهُ فضلُ عملٍ بما صَنَعَ في مالِهِ. فيَقولُ: يا ربِّ! لقد عَلِمْتَ لو أعْطَيْتَني مالًا لَصَنَعْتُ مثلَ ما صَنَعَ. فيَقولُ: صَدَقَ، فارْفَعوهُ إلى منزلةِ صاحبِهِ. ويُؤْتى بمريضٍ وصحيحٍ اصْطَحَبا في اللهِ، فيُرْفَعُ الصَّحيحُ بفضلِ عملِهِ، فيَقول المريضُ: لمَ رَفَعْتَهُ عليَّ؟ فيَقول: بما كانَ يَعْمَلُ في صحَّتِهِ. فيَقولُ: يا ربِّ! لقد عَلِمْتَ لو أصْحَحْتَني لَعَمِلْتُ كما عَمِلَ، فيَقول اللهُ: صَدَقَ، فارْفَعوهُ إلى درجةِ صاحبِهِ. ويُؤْتى بحرٍّ ومملوكٍ
_________________
(١) = رفعه. وهذا ضعيف لأجل يونس؛ فإنّه ضعيف الحديث خبيث النحلة. ورواه الطبراني (٢٢/ ٣٤٦/ ٨٧٠) من طريق قويّة، عن أبي كنانة، عن أبي كبشة … رفعه. وأبو كنانة: إن كان القرشي الراوي عن أبي موسى؛ فمجهول، وإن لم يكنه؛ فما عرفته. ورواه: وكيع في "الزهد" (٢٤٠)، وأحمد (٤/ ٢٣٠ - ٢٣١)، وهنّاد في "الزهد" (٥٩٨)، وابن ماجه (٣٧ - الزهد، ٢٦ - النيّة، ٢/ ١٤١٣/ ٤٢٢٨)، والحسين المروزي في "زوائد الزهد" (٩٩٩)، والفريابي في "فضائل القرآن" (١٠٥ - ١٠٦)، وأبو عوانة في "الصحيح" (١٢١٤٦ - نكت ظراف)، والطحاوي في "المشكل" (٢٦٣٥)، وابن الأعرابي في "المعجم" (٦٦٢)، والطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٣٤٣/ ٨٦٠ - ٨٦٥ و٨٦٧ و٨٦٩) و"الأوسط" (٤٣٦٤)، والبيهقي في "المدخل" (٣٦٥) و"السنن" (٤/ ١٨٩)، والخطيب في "التاريخ" (٦/ ٨٠)؛ من طرق، عن سالم بن أبي الجعد، [عن ابن أبي كبشة]، عن أبيه … رفعه. وهاهنا علّة، وهي أنّهم اختلفوا: فرواه الجماعة عن سالم عن أبي كبشة، وقال منصور بن المعتمر مرّة: عن سالم حُدّثت عن أبي كبشة، وقال مرّة: عن سالم عن ابن أبي كبشة عن أبي كبشة. وهذه الأخيرة أولى الأوجه بالصواب؛ لأنّها زيادة ثقة أوّلًا، ولأن سالمًا كثير الإرسال والتدليس ولم يثبت له سماع من أبي كبشة فلا يؤمن أن تكون رواية الجماعة مدلّسة. وابن أبي كبشة: إن كان محمّدًا؛ فلا بأس بحديثه، وإن كان عبد الله ففيه جهالة. ورواه: ابن طهمان في "مشيخته" (٣)، والطبراني (٢٢/ ٣٤٤/ ٨٦٦)؛ من طريق قويّة، عن قتادة، عن سالم، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان أو أبي كبشة … رفعه. وهذا سند قويّ، لولا أنّ الجماعة رووه عن سالم على الوجه المتقدّم قبله. ورواه ابن قانع في "المعجم" (٢/ ٢٢٢/ ٧٢٩) من طريق قويّة، عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد، عن أبي كبشة … رفعه. وهذا قويّ جدًّا، لولا أنّ المشهور عن منصور عن سالم على الوجه المتقدّم قبل قليل. وبعد؛ فهذه طرق خمس، لا يخلو شيء منها من أخذ وردّ، لكنّها جميعًا في حدّ الاعتبار، بل بعضها حسن أو مقارب، فلا جرم أن يتقوّى الحديث ويصحّ باجتماعها، وإلى ذلك ذهب الترمذي وأبو عوانة والحاكم والبغوي والمنذري والنووي وابن القيّم والعراقي والألباني.
[ ٥٤٦ ]
اصْطَحَبا فيَقولُ مثلَ ذلكَ. ويُؤْتى بحَسَنِ الخلقِ وسيِّئ الخلقِ، فيَقولُ: يا ربِّ! لمَ رَفَعْتَهُ عليَّ، وإنَّما اصْطَحَبْنا فيكَ وعَمِلْنا؟ فيَقولُ: بحسنِ خلقِهِ. فلا يَجِدُ لهُ جوابًا.
العاقلُ يَغْبِطُ مَن أنْفَقَ أموالَهُ في سبيلِ الخيراتِ ونيلِ علوِّ الدَّرجاتِ، والجاهلُ يَغْبِطُ مَن أنْفَقَ مالَهُ في الشَّهواتِ وتَوَصَّلَ بهِ إلى اللذَّاتِ المحرَّماتِ.
قالَ تَعالى حاكيًا عن قارونَ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا …﴾ [القصص: ٧٩ - ٨٠] إلى قولِهِ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣].
• فلمَّا رَأى النَّبيُّ - ﷺ - تأسُّفَ أصحابِهِ الفقراءِ وحزنَهُم على ما فاتَهُم مِن إنفاقِ إخوانِهِمُ الأغنياءِ أموالَهُم في سبيلِ اللهِ تقرُّبًا إليهِ وابتغاءً لمرضاتِهِ؛ طيَّبَ قلوبَهُم ودَلَّهُم على عملٍ يسيرٍ يُدْرِكونَ بهِ مَن سَبَقَهُم ولا يَلْحَقُهُم معَهُ أحدٌ بعدَهُم ويَكونونَ بهِ خيرًا ممَّن هُم معَهُ؛ إلَّا مَن عَمِلَ مثلَ عملِهِم، وهوَ الذِّكرُ عقيبَ الصَّلواتِ المفروضاتِ.
وقدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في أنواعِهِ وعددِهِ، والأخذُ بكلِّ ما وَرَدَ مِن ذلكَ حسنٌ ولهُ فضلٌ عظيمٌ.
وفي حديثِ أبي هُرَيْرَةَ هذا أنَّهُم يُسَبِّحونَ ويَحْمَدونَ ويُكَبِّرونَ خلفَ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثينَ. وقد فَسَّرَهُ أبو صالِح راويهِ عنهُ بالجمع، وهوَ أنْ يَقولَ: سبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ واللهُ أكبرُ ثلاثًا وثلاثينَ مرَّة، فيَكونُ جملةُ ذَلكَ تسعًا وتسعينَ.
وقد يُشْكِلُ على هذا حديثُ أن رجلًا سَألَ النَّبيَّ - ﷺ - عمَّا يَعْدِلُ الجهادَ. فقالَ: "هل تَسْتَطيعُ إذا خَرَجَ المجاهدُ أنْ تَصومَ فلا تُفْطِرَ وتَقومَ ولا تَفْتُرَ" (^١). وهوَ حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ أيضًا. فلم يَجْعَلْ للجهادِ عدلًا سوى الصِّيامِ الدَّائمِ والقيامِ الدَّائمِ. وفي هذا الحديثِ قد جَعَلَ الذِّكرَ عقيبَ الصَّلواتِ عدلًا لهُ.
_________________
(١) رواه: البخاري (٥٦ - الجهاد، ١ - فضل الجهاد، ٦/ ٤/ ٢٧٨٥)، ومسلم (٣٣ - الإمارة، ٢٩ - فضل الشهادة، ٣/ ١٤٩٨/ ١٨٧٨)؛ من حديث أبي هريرة. وهذا لفظ البخاري.
[ ٥٤٧ ]
والجمعُ بينَ ذلكَ كلِّهِ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - لم يَجْعَلْ للجهادِ في زمانِهِ عملًا يَعْدِلُهُ بحيثُ إذا انْقَضى الجهادُ انْقضى ذلكَ العملُ واسْتَوى العاملُ معَ المجاهدِ في الأجرِ، وإنَّما جَعَلَ الذي يَعْدِلُ الجهادَ الذِّكرَ الكثيرَ المستدامَ في بقيَّةِ عمرِ المؤمنِ مِن غيرِ قطعٍ لهُ حتَّى يَأْتِيَ صاحبَهُ أجلُهُ، فإذا اسْتَمَرَّ على هذا الذِّكرِ في أوقاتِهِ إلى أنْ ماتَ عليهِ عَدَلَ ذكرُهُ هذا الجهادَ (^١).
وقد دَلَّ على ذلكَ أيضًا ما خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ: أبي الدَّرْداءِ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "ألا أُنَبِّئُكُمْ بخيرِ أعمالِكُم، وأزكاها عندَ مليكِكُم، وأرفعِها في درجاتِكُم، وخيرٍ لكُم مِن إنفاقِ الذَّهبِ والورقِ، وخيرٍ لكُم مِن أنْ تَلْقَوْا عدوَّكُم فتَضْرِبوا أعناقَهُم ويَضْرِبوا أعناقَكُم؟ ". قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ! قالَ: "ذكرُ اللهِ ﷿" (^٢). وخَرَّجَهُ مالِكٌ في "الموطَّأ" موقوفًا.
_________________
(١) وربّما زاد عليه. وهذا جمع حسن جدًّا بين النصوص.
(٢) (حسن صحيح). وقد جاء عن أبي الدرداء موقوفًا ومرفوعًا من وجوه: فرواه: ابن أبي شيبة (٣٤٥٧٩)، والطبري (٢٧٨٠١)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢١٩)، وابن حجر في "أمالي الأذكار" (١/ ٩٦ - ابن علّان)؛ من طريق صالحة، عن كثير بن مرّة، عن أبي الدرداء … موقوفًا. ورواه الحسين المروزي في "زوائد الزهد" (١١٢٩) من طريق ليث بن أبي سليم، قال أبو الدرداء … موقوفًا. وهذا منقطع على ضعف في ليث. ورواه زياد بن أبي زياد مولى ابن عيّاش، وقال العسقلاني: "مختلف في رفعه ووقفه وفي إرساله ووصله". قلت: على وجوه: روى أوّلها أحمد (٥/ ٢٣٩) من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة، عن زياد، أنّه بلغه عن معاذ … رفعه. وروى الثاني مالك في "الموطّأ" (١/ ٢١١)، عن زياد، قال أبو الدرداء … موقوفًا. وروى الثالث أحمد (٥/ ١٩٥، ٦/ ٤٤٧) عن موسى بن عقبة، عن زياد، عن أبي الدرداء … مرفوعًا. وروى الرابع: أحمد (٥/ ١٩٥)، وابن ماجه (٣٣ - الأدب، ٥٣ - فضل الذكر، ٢/ ١٢٤٥/ ٣٧٩٠)، والترمذي (٤٩ - الدعاء، ٦ - باب، ٥/ ٤٥٩/ ٣٣٧٧)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٢٠٣٩)، والطبراني في "الدعاء" (١٨٧٢)، والدارقطني في "العلل" (١٠٨٢)، والحاكم (١/ ٤٩٦)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ١٢)، والبيهقي في "الشعب" (٥١٩) و"الدعوات" (٢٠)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٦/ ٥٦ و٥٨)، والبغوي في "السنّة" (١٢٤٤)، والمزّي في "التهذيب" (٩/ ٤٦٩)؛ من طريق عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن زياد، عن أبي بحريّة، عن أبي الدرداء … رفعه. وعبد الله بن سعيد بن أبي هند صدوق، فزيادته مقبولة على قاعدة زيادة الثقة، وعندئذ فالحكم هاهنا للرفع والوصل، والسند حسن عن أبي الدرداء مرفوعًا. وذكر معاذ في هذا السند محتمل؛ ففي آخر حديث حديث أبي الدرداء زيادة من قول معاذ، وله طرق عن معاذ عند البزّار والطبراني، فلعلّ زيادًا حمله عن أبي الدرداء رواية وعن معاذ بلاغًا.
[ ٥٤٨ ]
وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ أيضًا مِن حديثِ: أبي سَعيدٍ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - سُئِلَ: أيُّ العبادِ أفضلُ درجةً عندَ اللهِ يومَ القيامةِ؟ قالَ: "الذَّاكرونَ الله تَعالى كثيرًا". قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ! ومِن الغازي في سبيلِ اللهِ؟ قالَ: "لو ضَرَبَ بسيفِهِ الكفَّارَ والمشركينَ حتَّى يَنْكَسِرَ ويَخْتَضِبَ دمًا؛ لكانَ الذَّاكرونَ الله ﷿ أفضلَ منهُ درجةً" (^١).
وقد رُوِيَ هذا المعنى عن مُعاذِ بن جَبَلٍ وطائفةٍ مِن الصَّحابةِ موقوفًا وأنَّ الذِّكرَ للهِ أفضلُ مِن الصَّدقةِ بعدَّتِهِ دراهمَ ودنانيرَ ومِن النَّفقةِ في سبيلِ اللهِ.
وقيلَ لأبي الدَّرداءِ: رجلٌ أعْتَقَ مئةَ نسمةٍ. قالَ: إنَّ مئةَ نسمةٍ مِن مالِ رجلٍ كثيرٌ، وأفضلُ مِن ذلكَ إيمانٌ ملزومٌ بالليلِ والنَّهارِ وأنْ لا يَزالَ لسانُ أحدِكُم رطبًا مِن ذكرِ اللهِ ﷿.
وعنهُ قالَ: لأنْ أقولَ لا إلهَ إلَّا اللهُ واللهُ أكبرُ مئةَ مرَّةٍ أحبّ إليَّ مِن أنْ أتَصَدَّقَ بمئةِ دينارٍ.
ويُرْوى مرفوعًا وموقوفًا مِن غيرِ وجهٍ: "مَن فاتَهُ الليلُ أنْ يُكابِدَهُ، وبَخِلَ بمالِهِ أنْ يُنْفِقَهُ، وجَبُنَ عن عدوِّهِ أنْ يُقاتِلَهُ؛ فلْيُكْثِرْ مِن سبحانَ اللهِ وبحمدِهِ؛ فإنَّها أحبُّ إلى اللهِ مِن جبلِ ذهبٍ أو فضَّةٍ يُنْفِقُهُ في سبيلِ اللهِ ﷿" (^٢).
_________________
(١) = ثمّ لهذا المتن شاهد من حديث معاذ بن أنس عند أحمد (٣/ ٤٣٨) بسند ضعيف، وآخر من حديث جابر عند الطبراني في "الصغير" (٢٠٩) بسند ضعيف. وقد قوّى هذا الحديث الحاكم والبغوي والمنذري والنووي والذهبي والهيثمي والعسقلاني والألباني.
(٢) (حسن لشواهده). رواه: أحمد (٣/ ٧٥)، والترمذي (٤٩ - الدعاء، ٥ - باب، ٥/ ٤٥٨/ ٣٣٧٦)، وأبو يعلى (١٤٠١)، وابن عدي (٣/ ٩٨١)، والبيهقي في "الشعب" (٥٨٩) مختصرًا، والبغوي في "السنّة" (١٢٤٦)؛ من طريق ابن لهيعة، عن درّاج أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد … رفعه. قال الترمذي: "غريب، إنّما نعرفه من حديث درّاج". قلت: روايته عن أبي الهيثم ضعيفة، وإعلاله بابن لهيعة ليس بالمتّجه؛ لأنّ الراوي عنه عند الترمذي قتيبة بن سعيد وروايته عنه جيّدة. وليس هذا من منكرات درّاج عن أبي الهيثم، فما قبله يشهد له بقوّة، ويشهد له إجمالًا حديث مسلم "سبق المفرّدون"، فهو حسن بهذه الشواهد، وقد ضعّفه الترمذي وأقرّه المنذري والألباني.
(٣) (صحيح). مداره على زبيد اليامي واختلف عليه فيه وقفًا ورفعًا: فرواه: ابن أبي شيبة (٢٩٧١٦ و٣٤٥٦٧)، والطبراني (٩/ ٢٠٣/ ٨٩٩٠)، والدارقطني في "العلل" (٨٧٢)؛ من طرق ثلاث منها الثوري، عنه، عن مرّة، عن ابن مسعود … موقوفًا. قال الهيثمي (١٠/ ٩٣): "رجال الصحيح". ورواه: الإسماعيلي=
[ ٥٤٩ ]
وذكرُ اللهِ مِن أفضلِ أنواعِ الصَّدقةِ.
وخَرَّجَ الطَّبَرانِيُّ عن ابن عَبَّاسٍ مرفوعًا: "ما صدقةٌ أفضلَ مِن ذكرِ اللهِ ﷿" (^١).
وقد قالَ طائفةٌ مِن السَّلفِ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [الحديد: ١٨]: إنَّ القرضَ الحَسَنَ قولُ سبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ ولا إلهَ إلَّا اللهُ واللهُ أكبرُ.
وفي مراسيلِ الحسنِ عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "ما أنْفَقَ عبدٌ نفقةً أفضلَ عندَ الله ﷿ مِن قولٍ ليسَ مِن القرآنِ وهوَ مِن القرآنِ؛ سبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ ولا إلهَ إلَّا اللهُ
_________________
(١) = في "الشيوخ" (٣/ ٧٢٦/ ٣٤٢)، والدارقطني في "العلل" (٨٧٢)؛ من طرق ثلاث منها الثوري، عنه، عن مرّة، عن ابن مسعود … مرفوعًا. وتوبع زبيد على رفعه، قال الدارقطني: "ورواه الصباح بن محمّد الهمداني، وهو كوفيّ أحمسيّ ليس بقويّ، عن مرّة عن عبد الله مرفوعًا أيضًا". فهذه خلاصة الخلاف هنا. فمال الدارقطني إلى ترجيح الوقف مع أنّ طرق الوقف والرفع متعادلة في القوّة تقريبًا، وأمّا على طريقة ابن الصلاح وغيره من المتأخّرين فالرفع زيادة ثقة يتعيّن المصير إليها، ولا سيّما أنّ زبيدًا توبع عليها وأنّ هذا المتن جاء أيضًا عن جماعة من الصحابة عن النبيّ - ﷺ - كما سيأتي. ورواه الطبراني في "الكبير" (٨/ ١٩٤/ ٧٧٩٥ و٧٨٠٠ و٧٨٧٧) و"الشاميّين" (١٧٤)؛ من طرق ثلاث، عن القاسم، عن أبي أُمامة … رفعه. قال الهيثمي (١٠/ ٩٧): "فيه سليمان بن أحمد الواسطي وثّقه عبدان وضعّفه الجمهور، والغالب على بقيّة رجاله التوثيق". قلت: الواسطي متروك. وفي الطريق الأخرى علي بن يزيد الألهاني واهٍ. وفي الطريق الثالثة العبّاس بن ميمون مجهول. والقاسم صدوق في حديثه بعض المناكير. فالحديث ضعيف عن أبي أُمامة ولو اجتمعت طرقه الثلاث. ورواه: عبد بن حميد (٦٤١)، والبزّار (٣٠٥٨ - كشف)، والطبراني (١١/ ٧٠/ ١١١٢١)، والبيهقي في "الشعب" (٥٠٨)؛ من طريق قويّة، عن أبي يحيى القتّات، عن مجاهد، عن ابن عبّاس … رفعه. قال المنذري والهيثمي (١٠/ ٧٧): "فيه أبو يحيى القتّات، وقد وثّق وضعّفه الجمهور، وبقيّة رجال البزّار رجال الصحيح". قلت: أبو يحيى ليّن، والسند كذلك. فهذان الشاهدان يصوّبان الرفع في حديث ابن مسعود، وإلى تقويته مال الهيثمي والألباني.
(٢) (ضعيف جدًّا). رواه الطبراني في "الأوسط" (٧٤١٠) من طريق محمّد بن الليث الهدادي، ثنا أبو همّام الدلّال، ثنا داوود بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس … رفعه. قال المنذري: "رواته حديثهم حسن". وقال الهيثمي (١٠/ ٧٧): "رجاله وثّقوا". قلت: أبو الصباح الهدادي ذكره ابن حبّان في "الثقات" وقال: "يخطيء ويخالف". وقال العسقلاني في "اللسان": "حدّث حديثًا موضوعًا رواه بسند الصحيح"! فهذه تهمة خطيرة لا يستقيم معها تحسين حديث صاحبها، ولا سيّما أنّ ابن حبّان لم يوثّقه مطلقًا بل قال: "يخطيء ويخالف"! ولذلك قال الألباني: "ضعيف جدًّا".
[ ٥٥٠ ]
واللهُ أكبرُ" (^١).
ورَوى عَبْدُ الرَّزَّاقِ في كتابِهِ عن: مَعْمَرٍ، عن قَتادَةَ؛ قالَ: قالَ ناسٌ مِن فقراءِ المؤمنينَ: يا رسولَ اللهِ! ذَهَبَ أصحابُ الدُّثورِ بالأُجورِ؛ يَتَصَدَّقونَ ولا نتصَدَّقُ، ويُنْفِقونَ ولا نُنْفِقُ، فقالَ: "أرَأيْتُمْ لو أن مالَ الدُّنيا وُضِعَ بعضُهُ على بعضٍ أكانَ بالغًا السَّماءَ؟ ". قالوا: لا يا رسولَ اللهِ! قالَ: "أفلا أُخْبِرُكُمْ بشيءٍ أصلُهُ في الأرضِ وفرعُهُ في السَّماءِ؟ أنْ تَقولوا في دبرِ كلِّ صلاةٍ: لا إلهَ إلَّا اللهُ واللهُ أكبرُ وسبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ عشرَ مرَّاتٍ؟ فإنَّ أصلَهُنَّ في الأرضِ وفرعَهُنَّ في السَّماءِ" (^٢).
وقد كانَ بعضُ الصَّحابةِ يَظُنُّ أنْ لا صدقةَ إلَّا بالمالِ، فأخْبَرَهُ النَّبيُّ - ﷺ - أن الصَّدقةَ لا تَخْتَصُّ بالمالِ، وأنَّ الذِّكرَ وسائرَ أعمالِ المعروفِ صدقةٌ، كما في "صحيح مسلم" (^٣): عن أبي ذَرٍّ ﵁؟ أن ناسًا مِن أصحابِ النَّبيِّ - ﷺ - قالوا: يا رسولَ اللهِ! ذَهَبَ أهلُ الدُّثورِ بالأُجورِ؛ يُصَلُّونَ كما نُصَلِّي، ويَصومونَ كما نَصومُ، ويَتَصَدَّقونَ بفضولِ أموالِهِم. فقالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "أوَلَيْسَ قد جَعَلَ اللهُ لكُم ما تَتَصَدَّقونَ بهِ؟ إنَّهُ بكلِّ تسبيحةٍ صدقةٌ، وكلِّ تكبيرة صدقةٌ، [وكلِّ تحميدةٍ صدقةٌ]، وكلِّ تهليلةٍ صدقةٌ، وأمرٌ بالمعروفِ صدقةٌ، ونهيٌ عن منكرٍ صدقةٌ، وفي بضعِ أحدِكُم صدقةٌ".
وفي "المسند" عنهُ؛ أنَّهُ قالَ: يا رسولَ اللهِ! الأغنياءُ يَتَصَدَّقونَ ولا نتصَدَّقُ. قالَ: "وأنتَ فيكَ صدقةٌ؛ رفعُكَ العظمَ عن الطَّريقِ صدقةٌ، وهدايتُكَ الطَّريقَ صدقةٌ، وعونُكَ الضَّعيفَ بفضلِ قوَّتِكَ صدقةٌ، وبيانُكَ عن الأرتمِ صدقةٌ، ومباضعتُكَ (^٤) امرأتَكَ صدقةٌ" (^٥).
_________________
(١) (ضعيف). رواه ابن المبارك في "الزهد" (١٤٣٢): أنا جعفر بن حيّان، عن الحسن، عن النبيّ - ﷺ - … مرسلًا بنحوه. وهذا مرسل قويّ، لكن لم أقف له على ما يشدّه بهذا التمام.
(٢) (ضعيف). رواه: عبد الرزّاق (٣١٨٨)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (إبراهيم ٢٥ - ابن كثير)؛ من طريقين، عن قتادة … مرسلًا. وهذا مرسل قويّ، لكن لم أقف على ما يشدّه بهذا التمام.
(٣) (١٢ - الزكاة، ١٦ - اسم الصدقة يقع على كلّ معروف، ٢/ ٦٩٧/ ١٠٠٦).
(٤) الأرقم: من كان كلامه غمعمة غير بيّن. المباضعة: الجماع.
(٥) (صحيح لشواهده). رواه: إسحاق (٤/ ٣٨٣ - حلية)، وأحمد (٥/ ١٥٤)، وهنّاد (١٠٩٧)، وأبو نعيم (٤/ ٣٨٣)، والبيهقي (٦/ ٨٢) وفي "الشعب" (٨٦١٩)؛ من طريق أبي البختري، عن أبي ذرّ … رفعه.
[ ٥٥١ ]
وفي المعنى أحاديثُ كثيرةٌ جدًّا يَطولُ ذكرُها.
• واعْلَمْ أنَّ مَن عَجَزَ عن عملِ خيرٍ وتَأسَّفَ عليهِ وتَمَنَّى حصولَهُ؛ كانَ شريكًا لفاعلِهِ في الأجرِ، كما تَقَدَّمَ في الذي قالَ لو كانَ لي مالٌ لَعَمِلْتُ فيهِ ما عَمِلَ فلانٌ أنَّهُما سواءٌ في الأجرِ والوزرِ. وقد قيلَ: إنَّهُما سواءٌ في أصلِ الأجرِ دونَ المضاعفةِ؛ فإنَّها تَخْتَصُّ بالعاملِ، فمِن ها هنا كانَ أربابُ الهممِ العاليةِ لا يَرْضَوْنَ بمجرَّدِ هذهِ المشاركةِ، ويَطْلُبونَ أنْ يَعْمَلوا أعمالًا تُقاوِمُ الأعمالَ التي عَجَزوا عنها؛ لِيَفوزوا بثوابٍ يُقاوِمُ ثوابَ تلكَ الأعمالِ ويُضاعَفُ لهُم كما يُضاعَفُ لأُولئِكَ فيَسْتَووا هُم وأُولئكَ العمَّالُ في الأجرِ كلِّهِ.
وقد كانَ بعضُ مَن يَقْعُدُ عن الجهادِ مِنِ امرأةٍ وضعيفٍ في عهدِ النَّبيِّ - ﷺ - يَسْألُهُ عن عملٍ يَعْدِلُ الجهادَ.
وفاتَ بعضَ النِّساءِ الحجُّ معَ رسولِ اللهِ - ﷺ -، فلمَّا قَدِمَ؟ سَألَتْهُ عمَّا يُجْزِئُ مِن تلكَ الحجَّةِ، قالَ: "اعْتَمِري في رمضانَ؛ فإن عمرةً في رمضانَ تَعْدِلُ حجَّةً (أو: حجَّةً معي) " (^١).
وقالَتْ عائِشَةُ: يا رسولَ اللهِ! نَرى الجهادَ أفضلَ العملِ، أفلا نُجاهِدُ؟ قالَ: "لكنْ جهادُكُنَّ الحجُّ والعمرةُ" (^٢).
وكانَ منهُم مَن إذا تَخَلَّفَ عن الغزوِ اجْتَهَدَ في مشاركةِ الغزاةِ في أجرِهِم: فإمَّا أنْ يُخْرِجَ مكانَهُ رجلًا بمالِهِ، وإمَّا أنْ يُعينَ غازيًا، وإمَّا أنْ يَخْلُفَهُ في أهلِهِ بخيرٍ. فإنَّ مَن فَعَلَ هذا كلَّهُ فقد غَزا.
تَصَدَّقَ بعضُ الأغنياءِ بمالٍ كثيرٍ، فبَلَغَ ذلكَ طائفةً مِن الصَّالحينَ، فاجْتَمَعوا في مكانٍ، وحَسَبوا ما تَصَدَّقَ بهِ مِن الدَّراهمِ، وصَلَّوْا بدلَ كل درهمٍ تَصَدَّقَ بهِ [للهِ تَعالى
_________________
(١) = وهذا منقطع، أبو البختري لم يسمع أبا ذرّ. لكن يشهد له أحاديث: البخاري (٦٠٢١ و٦٠٢٢)، ومسلم (١٠٠٥ - ١٠٠٦). فهو صحيح بها. ولا سيّما أنّه لا يعدو أن يكون تفصيلًا لرواية مسلم قبله.
(٢) متّفق عليه. تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٣٥٧).
(٣) متّفق عليه. تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٥٠٨).
[ ٥٥٢ ]
ركعةً].
هكذا يَكونُ استباقُ الخيراتِ والتَّنافسُ في علوِّ الدَّرجاتِ.
كَذاكَ الفَخْرُ يا هِمَمَ الرِّجالِ … تَعالَيْ فَانْظُري كَيْفَ التَّغالي
• فسبحانَ مَن فَضَّلَ هذهِ الأمَةَ وفَتَحَ لها على يدي نبيِّها نبيِّ الرَّحمةِ أبوابَ الفضائلِ الجمَّةِ، فما مِن عملٍ عظيمٍ تقومُ بهِ قومٌ ويَعْجِزُ عنهُ آخرونَ إلَّا وقد جَعَلَ اللهُ عملًا ويُقاوِمُهُ أو يَفْضُل عليهِ، فتَتَساوى الأُمَّةُ كلها في القدرةِ عليهِ.
• لمَا كانَ الجهادُ أفضلَ الأعمالِ ولا قدرةَ لكثيرٍ مِن النَّاسِ عليهِ؛ كانَ الذِّكرُ الكثيرُ الدَّائمُ يُساويهِ ويَفْضُلُ عليهِ، وكانَ العملُ في عشرِ ذي الحجَّةِ يَفْضُلُ عليهِ؛ إلَّا مَن خَرَجَ بنفسِهِ ومالِهِ ولم يَرْجِعْ منهُما بشيءٍ.
• لمَّا كانَ الحجُّ مِن أفضلِ الأعمالِ، والنُّفوسُ تَتوقُ إليهِ لِما وَضَعَ اللهُ في القلوبِ مِن الحنينِ إلى ذلكَ البيتِ العظيمِ، وكانَ كثيرٌ مِن النَّاسِ يَعْجِزُ عنهُ، ولا سيما كلَّ عامٍ؛ شَرَعَ اللهُ ﷿ لعبادِهِ أعمالًا يَبْلُغُ أجرُها أجرَ الحجِّ، فيَتَعَوَّضُ بذلكَ العاجزونَ عن التَّطوُّعِ بالحجِّ.
ففي التِّرْمِذِيِّ: عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "مَن صَلَّى الصُّبحَ [في جماعةٍ]، ثمَّ جَلَسَ في مصلَّاهُ يَذْكُرُ الله حتَّى تَطْلُعَ الشَمسُ، ثمَّ صَلَى ركعتينِ؛ كانَ لهُ مثلُ أجرِ حجَّةٍ وعمرةٍ تامَّةٍ". قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "تامَّةٍ تامَّةٍ تامَّةٍ" (^١).
_________________
(١) (صحيح لشواهده). رواه: الترمذي (٢ - الصلاة، ٤١٢ - الجلوس في المسجد بعد الصبح، ٢/ ٤٨١/ ٥٨٦)، والبغوي في "السنّة" (٧١٠)، والأصبهاني في "الترغيب" (١٩٣٠)؛ من طريق أبي ظلال، عن أنس … رفعه. قال الترمذي: "حسن غريب". وأقرّه البغوي والمنذري. قلت: أمّا أنّه غريب فمن أجل أبي ظلال فإنّه ضعيف صاحب مناكير. وأمّا أنّه حسن بل صحيح فلشواهده الكثيرة. وله شاهد عند: ابن عدي (١/ ٣٣١)، والعسقلاني في "اللسان" (١/ ٣٩٣)؛ من حديث عائشة بسند فيه أبو حذيفة إسحاق بن بشر متهم ساقط. وله شاهد عند: ابن قانع في "المعجم" (٢/ ٢٦٧/ ٧٨٧)، وابن حبّان في "المجروحين" (١/ ١٧٦)، والطبراني (٨/ ١٤٨/ ٧٦٤٩ و٧٦٦٣)، وابن عدي (١/ ٤٠٦)، وأبي موسى المديني في "الصحابة" (٣/ ٤٦٤ - إصابة)؛ من طرق، عن الأحوص بن حكيم، (قال مرّة: عن خالد بن معدان عن ابن عمر، ومرّة: عن عبد الله بن غابر الألهاني عن عتبة بن عبد، ومرّة: عن الألهاني عن أبي أُمامة، ومرّة: عن الألهاني عن عتبة وأبي =
[ ٥٥٣ ]
وشهودُ الجمعةِ يَعْدِلُ حجَّةَ تطوُّعٍ.
قالَ سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: هوَ أحَبُّ إليَّ مِن حجَّةٍ نافلةٍ.
وقد جَعَلَ النَّبيُّ - ﷺ - المبكِّرَ إليها (^١) كالمهدي هديًا إلى بيتِ اللهِ الحرامِ (^٢).
وفي حديثٍ ضعيفٍ: "الجمعةُ حجُّ المساكينِ" (^٣).
وفي "تاريخِ ابن عَساكِر": عن الأوزاعِيِّ؛ قالَ: مَرَّ يونُسُ بنُ مَيْسَرَةَ بن حَلْبَسَ بمقابرِ باب توما، فقالَ: السَّلامُ عليكُم يا أهلَ القبورِ! أنتُم لنا سلفٌ ونحنُ لكُم تبعٌ، فرَحِمَنا اللهُ وإيَّاكُم وغَفَرَ لنا ولكُم، فكأنْ قد صِرْنا إلى ما صِرْتُم إليهِ. فرَدَّ اللهُ الرُّوحَ إلى رجلٍ منهُم، فأجابَهُ، فقالَ: طوبى لكُم يا أهلَ الدُّنيا حينَ تَحُجُّونَ في الشَّهرِ أربعَ
_________________
(١) = أُمامة، ومرّة: عن الألهاني عن منيب بن عبيد السلمي وكان من الصحابة عن أبي أُمامة) … مرفوعًا. وهذا اضطراب بين جماعة من الثقات لا يضرّ، وإنّما العلّة في الأحوص نفسه فإنّه ضعيف الحفظ. وآخر عند الطبراني في "الأوسط" (٥٥٩٨) عن ابن عمر بسند فيه الفضل بن موفّق فيه ضعف. وله شاهد عند الطبراني في "الكبير" (٨/ ١٧٨/ ٧٧٤١) و"الشاميّين" (٨٨٥) من حديث أبي أُمامة بسند قوّاه المنذري والهيثمي وهو كما قالا. وإلى تقويته مال الترمذي والبغوي والمنذري والنووي والهيثمي والعسقلاني وشاكر والألباني.
(٢) في خ: "التبكير إليها"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٣) فيما رواه: البخاري (١١ - الجمعة، ٤ - فضل الجمعة، ٢/ ٣٦٦/ ٨٨١)، ومسلم (٧ - الجمعة، ٢ - الطيب والسواك يوم الجمعة، ٢/ ٥٨٢/ ٨٥٠)؛ من حديث أبي هريرة.
(٤) (موضوع). رواه: ابن زنجويه في "الترغيب" (٣/ ٣٥٩ - فيض)، والحارث (٣/ ٣٥٩ - فيض)، وأبو نعيم في "أصبهان" (٢/ ١٩٠)، وابن الأعرابي، والقضاعي (٧٨ و٧٩)، وابن عساكر؛ من طريق عيسى بن إبراهيم الهاشمي، عن مقاتل، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس … رفعه. وهذا ساقط فيه علل: أولاها: الهاشميّ هذا هالك صاحب نسخة موضوعة. والثانية: مقاتل هو ابن سليمان كذّبوه. والثالثة: أنّه رواه الفاكهي (٧٩٥) من طريقين إحداهما قويّة عن الضحّاك من قوله لم يجاوزاه. ورواه: ابن حبّان في "المجروحين" (٣/ ٩٠)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٨)، والرافعي في "قزوين" (٤/ ٢٠٤)؛ من حديث ابن عمر بسند فيه محمّد بن يزيد محمش كذّاب يضع. وقال الزبيدي في "الإتحاف" (٩/ ١٥٢): رواه "الحارث من حديث أبي موسى بسند ضعيف والطبراني بزيادة "وجهاد المرأة حسن التبعّل! بسند ضعيف". قلت: لم أقف عليها، لكن الزبيدي وكثير من أهل العلم لا يكادون يصرّحون بالوصع بل يستبدلونها بالضعف. وقد ضعّفه أيضًا ابن رجب والعراقي والسخاوي وابن عراق، وعدّه ابن حبّان والدارقطني وابن الجوزي والذهبي والعسقلاني والسيوطي والألباني في الموضوعات.
[ ٥٥٤ ]
مرَّاتٍ. قالَ: وإلى أينَ يَرْحَمُكَ اللهُ؟ قالَ: إلى الجمعةِ، أما تَعْلَمونَ أنَّها حجَّةٌ مبرورةٌ متقبَّلةٌ. قالَ: ما خيرُ ما قَدَّمْتُم؟ قالَ: الاستغفارُ يا أهلَ الدُّنيا! قالَ: فما يَمْنَعُكَ أنْ تَرُدَّ السَّلامَ؟ قالَ: يا أهلَ الدُّنيا! السَّلامُ والحسناتُ قد رُفِعَتْ عنَّا، فلا في حسنةٍ نَزيدُ، ولا في سيِّئةٍ نَنْقُصُ، غَلِقَتْ رهونُنا يا أهلَ الدُّنيا (^١)!
في "سننِ أبي داوودَ": عن النَّبيِّ - ﷺ - قالَ: "مَن تَطَهَّرَ في بيتِهِ، ثمَّ خَرَجَ إلى المسجدِ لأداءِ صلاةٍ مكتوبةٍ؛ فأجرُهُ مثلُ أجرِ الحاجِّ المحرمِ. ومَن خرَجَ لصلاةِ الضُّحى؟ كانَ لهُ مثلُ أجرِ المعتمرِ" (^٢).
وفي حديثِ أنَسٍ: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - وَصَّى رجلَّا بَبرِّ أُمِّهِ وقالَ لهُ: "أنتَ حاجٌّ ومعتمرٌ ومجاهدٌ" (^٣)؛ يَعْني: إذا بَرَّها.
وقال بعضُ الصَّحابةِ: الخروجُ إلى العيدِ يومَ الفطرِ يَعْدِلُ عمرة ويومَ الأضحى يَعْدِلُ حجَّةً.
_________________
(١) غلق الرهن: فات أوان استرجاعه واستحقّه المرتهِن. وهذا كناية عن إغلاق صحائف الموتى.
(٢) (حسن). رواه: عبد الرزّاق (١٥٢)، وأحمد (٥/ ٢٦٣ و٢٦٨)، وأبو داوود (٢ - صلاة، ٤٩ - فضل المشي إلى الصلاة، ١/ ٢٠٨/ ٥٥٨ و١٢٨٨)، والروياني في "المسند" (١٢٠٤)، والطبراني في "الكبير" (٨/ ١٢٧/ ٧٧٣٤ و٧٧٣٥ و٧٧٥٢ - ٧٧٥٥ و٧٨٨٧ و٧٩٠١ و٧٩٠٥ و٧٩٤٤ و٧٩٧٥) و"الأوسط" (٣٢٨٦) و"الشاميّين" (٨٧٨ و٨٧٩)، والبيهقي (٣/ ٤٩ و٦٣)، والبغوي في "السنّة" (٤٧٢)؛ من طرق، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أُمامة … رفعه مطوّلًا ومختصرًا. قال المنذري: "رواه أبو داوود من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أُمامة". قلت: يعني أنّ في القاسم كلامًا، وهو كذلك، لكنّ حديثه لا ينحطّ عن رتبة الحسن، وإنّما العلّة في الرواة عنه، وليس الأمر كذلك هنا. وقد توبع فرواه الطبراني في "الكبير" (٨/ ١٢٧/ ٧٥٧٨ و٧٥٨٢) من طريق قويّة، عن مكحول، عن أبي أُمامة … رفعه. ومكحول لم يلق أبا أُمامة. والحديث حسن بطريقيه، وقد حسّنه الألباني.
(٣) (ضعيف). رواه: أبو يعلى (٢٧٦٠)، والطبراني في "الأوسط" (٢٩٣٦ و٤٤٦٣) و"الصغير" (٢١٨)، وابن مردويه (الإسراء ٢٣ - الدرّ)، والبيهقي في "الشعب" (٧٨٣٥)، والضياء في "المختارة" (٥/ ٢٢٥/ ١٨٥٥ و١٨٥٧)؛ من طريق ميمون بن نجيح، ثنا الحسن، عن أنس … رفعه. قال المنذري: "إسناده جيّد، ميمون بن نجيح وثّقه ابن حبّان وبقيّة رواته ثقات". وذكر الهيثمي في "المجمع" (٨/ ١٤١) نحوه. وقال البوصيري: "إسناده جيّد". قلت: ميمون بن نجيح ذكره ابن حبّان في "الثقات"، لكنّه لم يوثّقه مطلقًا بل قال: "يخطئ"، فمثله لا يقوّى حديثه ولو روى عنه جماعة. والحسن عنعن على تدليسه. فالسند ضعيف. وقد ضعّفه الألباني.
[ ٥٥٥ ]
قالَ الحَسَنُ: مشيُكَ في حاجةِ أخيكَ المسلمِ خيرٌ لكَ مِن حجَّةٍ بعدَ حجَّةٍ.
وقالَ عُقْبَةُ بنُ عَبْدِ الغافِرِ: صلاةُ العشاءِ في جماعةٍ تَعْدِلُ حجَّةً، وصلاةُ الغداةِ في جماعةٍ تَعْدِلُ عمرةً.
وقالَ أبو هُرَيْرَةَ لرجلٍ: بكورُكَ إلى المسجدِ أحبُّ إليَّ مِن غزوتِنا معَ رسولِ اللهِ - ﷺ -. ذَكَرَهُ الإمامُ أحْمَدُ.
أداءُ الواجباتِ كلِّها أفضلُ مِن التَّنفُّلِ بالحجِّ والعمرةِ وغيرِهِما؛ فإنَّهُ ما تَقَرَّبَ العبادُ إلى اللهِ بأحبَّ إليهِ مِن أداءِ ما افْتَرَضَ عليهِم (^١). وكثيرٌ مِن النَّاسِ يَهونُ عليهِ التَّنفُّلُ بالحجِّ والصَّدقةِ ولا يَهونُ عليهِ أداءُ الواجباتِ مِن الدُّيونِ ورَدِّ المظالمِ، وكذلكَ يَثْقُلُ على كثيرٍ مِن النُّفوسِ التَّنرُّهُ عن كسبِ الحرامِ والشُّبهاتِ ويَسْهُلُ عليها إنفاقُ ذلكَ في الحجِّ والصَّدقةِ.
قالَ بعضُ السَّلفِ: تركُ دانقٍ ممَّا يَكْرَهُهُ اللهُ أحبُّ إليَّ مِن خمسِ مئةِ حجَّةٍ.
كفُّ الجوارحِ عن المحرَّماتِ أفضلُ مِن التَّطوُّعِ بالحجِّ وغيرِهِ، وهوَ أشقُّ على النُّفوسِ.
قالَ الفُضَيْلُ بنُ عِياضٍ: ما حجٌّ ولا رباطٌ ولا جهادٌ أشدَّ مِن حبسِ اللسانِ، ولو أصْبَحْتَ يَهُمُّكَ لسانُكَ؛ أصْبَحْتَ في همٍّ شديدٍ.
• ليسَ الاعتبارُ بأعمالِ البرِّ بالجوارحِ، إنَّما الاعتبارُ ببرِّ القلوبِ وتقواها وتطهيرِها عن الآثامِ (^٢).
سفرُ الدُّنيا يُقْطَعُ بسيرِ الأبدانِ، وسفرُ الآخرةِ يُقْطَعُ بسيرِ القلوبِ (^٣).
قالَ رجلٌ لبعضِ العارفينَ: قد قَطَعْتُ إليكَ مسافةً. قالَ: ليسَ هذا الأمرُ بقطعِ المسافاتِ، فارِقْ نفسَكَ بخطوةٍ وقد وَصَلْتَ إلى مقصودِكَ.
_________________
(١) في خ: "بأحبّ إليه بأداء ما افترض الله عليهم"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٢) مراده أنّ عمل الجوارح وحده لا يكفي، بل لا بدّ من حضور القلب ومتابعته للجوارح. وفي أهل الضلالة من لا يعبأ بعمل الجوارح ولا يلتفت له فيترك الجمع والجماعات عكوفًا على تطهير القلب في زعمه. والشيخ بريء من فكر هؤلاء عدوّ لضلالتهم. فاقتضى التنبيه.
(٣) يعني: مع عمل الأبدان كما تقدّم. وفي خ: "ينقطع بسير … ينقطع بسير القلوب".
[ ٥٥٦ ]
سيرُ القلوبِ أبلغُ مِن سيرِ الأبدانِ.
كم مِن واصلٍ ببدنِهِ إلى البيتِ وقلبُهُ منقطعٌ عن ربِّ البيتِ، وكم مِن قاعدٍ على فراشِهِ في بيتِهِ وقلبُهُ متَّصلٌ بالمحلِّ الأعلى.
جِسْمي مَعي غَيْرَ أنَّ الرُّوحَ عِنْدَكُمُ … فَالجِسْمُ في غُرْبَةٍ والرُّوحُ في وَطَنٍ
قالَ بعضُ العارفينَ: عجبًا لمَن يَقْطَعُ المفاوزَ والقفارَ لِيَصِلَ إلى البيتِ فيُشاهِدَ فيهِ آثارَ الأنبياءِ كيفَ لا يَقْطَعُ هواهُ لِيَصِلَ إلى قلبِهِ فيَرى فيهِ أثرَ "وَسِعَني قلبُ عبدي المؤمنِ" (^١).
أيُّها المؤمنُ! إنَّ للهِ بينَ جنبيكَ بيتًا لو طَهَّرْتَهُ لأشْرَقَ ذلكَ البيتُ بنورِ ربِّهِ وانْشَرَحَ وانْفَسَحَ.
أنْشَدَ الشِّبْلِيُّ:
إنَّ بَيْتًا أنْتَ ساكِنُهُ … غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى السُّرُجِ
وَمَريضًا أنْتَ عائِدُهُ … قَدْ أتاهُ اللهُ بالفَرَجِ
وَجْهُكَ المَأْمولُ حُجَّتُنا … يَوْمَ يَأْتي النَّاسُ بِالحُجَجِ
تطهيرُ القلبِ: تفريغُهُ مِن كلِّ ما يَكْرَهُهُ اللهُ مِن أصنامِ النَّفسِ والهوى، ومتى بَقِيَتْ فيهِ مِن ذلكَ بقيَّةٌ؛ فاللهُ أغنى الأغنياءِ عن الشِّركِ، وهوَ لا يَرْضى بمزاحمةِ الأصنامِ.
قالَ سَهْلُ بنُ عَبْدِ اللهِ: حرامٌ على قلبٍ أنْ يَدْخُلَهُ النُّورُ وفيهِ شيءٌ ممَّا يَكْرَهُهُ اللهُ.
أرَدْناكُمُ صِرْفًا فَلَمَّا مَزَجْتُمُ … بَعُدْتُمْ بِمِقْدارِ الْتِفاتِكُمُ عَنَّا
وَقُلْنا لَكُمْ لا تُسْكِنوا القَلْبَ غَيْرَنا … فَأسْكَنْتُمُ الأغْيارَ ما أنْتُمُ مِنَّا
إخواني! إنْ حُبِسْتُمُ العامَ عن الحجِّ؛ فارْجِعوا إلى جهادِ النُّفوسِ فهوَ الجهادُ
_________________
(١) (كذب لا أصل له). ذكره الغزالي في "الإحياء". قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: "هو مذكور في الإسرائيليّات، وليس له إسناد معروف عن النبي - ﷺ -". وقال العراقي في "تخريج الإحياء": "لم أر له أصلًا". وقال الزركشي: "سمعت بعض أهل العلم يقول هذا حديث باطل، وهو من وضع الملاحدة، وأكثر ما يرويه المتكلّم على رؤوس العوامّ علي بن وفا". قلت: يعني الشاذليّ. وقد دار هذا الحديث على ألسنة الصوفيّة وتلقّته عنهم العوامّ. وانظر للاستزادة: "المقاصد الحسنة" (٩٩٠)، و"كشف الخفا" (٢٢٥٤).
[ ٥٥٧ ]
الأكبر. أو أُحصِرْتُمْ عن أداءِ النُّسكِ؛ فأرِيقوا على تخلُّفِكُم مِن الدُّموع ما تَيَسَّرَ؛ فإنَّ إراقةَ الدِّماءِ لازمةٌ للمحصَر. ولا تَحْلِقوا رؤوسَ أديانِكُم بالذُّنوبِ؛ فإنَّ الذُّنوبَ حالقةُ الدِّينِ ليستْ حالقةَ الشَّعر. وقوموا للهِ باستشعارِ الرَّجاءِ والخوفِ مقامَ القيامِ بأرجاءِ الخيفِ والمشعر. ومَن كانَ قد بَعُدَ عن حرمِ اللهِ؛ فلا يُبْعِدُ نفسَهُ بالذُّنوبِ عن رحمةِ اللهِ؛ فإنَّ رحمةَ اللهِ قريبٌ ممَّن تابَ إليهِ واسْتَغْفَر. ومَن عَجَزَ عن حجِّ البيتِ لأنْ كانَ البيتُ منهُ بعيد؛ فلْتقْصِدْ ربَّ البيتِ؛ فإنَّهُ ممَّن دَعاهُ ورَجاهُ أقربُ مِن حبلِ الوريد.
إلَيْكَ قَصْدِيَ رَبَّ البَيْتِ والحَجَرِ … فَأنْتَ سُؤْلِيَ مِن حَجِّي ومِن عُمَري
وَفيكَ سَعْيي وَتَطْوافي ومُزْدَلِفي … وَالهَدْيُ جِسْمي الذي يُغْني عن الجُزُرِ
وَمَسْجِدُ الخَيْفِ خَوْفي مِن تَباعُدِكُمْ … وَمَشْعَري وَمَقامي دونكُم خَطَري
زادي رَجائي لَكُمْ وَالشَّوْقُ راحِلَتي … وَالماءُ مِنْ عَبَراتي وَالهَوى سَفَري
* * * * *
[ ٥٥٨ ]