في فضل يوم عرفة مع عيد النحر
في الصَّحيحينِ (^١): عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁؛ أنَّ رجلًا مِن اليهودِ قالَ لهُ: يا أميرَ المؤمنينَ! آيةٌ في كتابِكُم، لو علينا معشرَ اليهودِ نَزَلَتْ؛ لاتَّخَذْنا ذلكَ اليومَ عيدًا. فقالَ: أيُّ آيةٍ؟ قالَ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [لمائدة: ٣]. فقالَ عُمَرُ: إنِّي لأعلمُ اليومَ الذي نَزَلَتْ فيهِ والمكانَ الذي نَزَلَتْ فيهِ، نَزَلَتْ ورسولُ اللهِ - ﷺ - قائمٌ بعرفةَ يومَ جمعةٍ (^٢).
وخَرَّجَ التَّرْمِذِيُّ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ نحوَهُ، وقالَ فيهِ: نَزَلَتْ في يومِ عيدٍ مِن يومِ جمعةٍ
_________________
(١) البخاري (٢ - الإيمان، ٣٣ - زيادة الإيمان ونقصانه، ١/ ١٠٥/ ٤٥)، ومسلم (٥٤ - التفسير، ٤/ ٢٣١٢ / ٣٠١٧).
(٢) زاد في حاشية خ في هذا الموضع:"قال البغوي ﵀ في قوله ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾: نزلت هذه الآية يوم الجمعة يوم عرفة بعد العصر في حجّة الوداع والنبيّ - ﷺ - واقف بعرفات على ناقته العضباء، فكادت عضد الناقة تندقّ من ثقلها وبركت. قال ابن عبّاس: كان ذلك اليوم خمسة أعياد جمعة وعرفة وعيد اليهود والنصارى والمجوس، ولم يجتمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده. وروي أنّه لمّا نزلت هذه الآية بكى عمر، قال له النبيّ - ﷺ -: "ما يبكيك يا عمر؟ ". فقال: أبكاني أنّنا كنّا في زيادة من ديننا، فأمّا إذ كمل فإنّه لم يكمل شيء إلَّا نقص. قال: صدقت. فكانت هذه الآية نعي رسول الله - ﷺ -، وعاش بعدها أحدًا وثمانين يومًا. انتهى كلامه". اهـ.
[ ٦٠٤ ]
ويومِ عرفةَ (^١).
• العيدُ هوَ موسمُ الفرحِ والسُّرورِ، وأفراحُ المؤمنينَ وسرورُهُم في الدُّنيا إنَّما هوَ بمولاهُم إذا فازوا بإكمالِ طاعتِهِ وحازوا ثوابَ أعمالِهِم بوثوقِهِم بوعدِهِ لهُم عليها بفضلِهِ ومغفرتِهِ، كما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعونَ﴾ [يونس: ٥٨].
قالَ بعضُ العارفينَ: ما فَرِحَ أحدٌ بغيرِ اللهِ إلَّا بغفلتِـ[ـهِ] عنِ اللهِ.
فالغافلُ يَفْرَحُ بلهوِهِ وهواهُ، والعاقلُ يَفْرَحُ بمولاهُ.
وأنْشَدَ سَمْنونُ في هذا المعنى:
وكانَ فُؤادي خالِيًا قَبْلَ حُبِّكُمْ … وَكانَ بِذِكْرِ الخَلْقِ يَلْهو وَيَمْرَحُ
فَلَمَّا دَعا قَلْبي هَواكَ أجابَهُ … فَلَسْتُ أراهُ عَنْ فِنائِكَ يَبْرَحُ
رُمِيتُ بِبُعْدٍ مِنْكَ إنْ كُنْتُ كاذِبًا … وَإنْ كُنْتُ في الدُّنيا بِغَيْرِكَ أفْرَحُ
وَإنْ كانَ شيءٌ في البِلادِ بِأسْرِها … إذا غِبْتَ عَنْ عَيْنِي لِعَيْنِيَ يَمْلُحُ
فَإنْ شِئْتَ واصِلْني وَإنْ شِئْتَ لا تَصِلْ … فَلَسْتُ أرى قَلْبي لِغَيْرِكَ يَصْلُحُ
لمَّا قَدِمَ النَبيُّ - ﷺ - المدينةَ؛ كانَ لهُم يومانِ يَلْعَبونَ فيهِما، فقالَ: "إنَّ اللهَ قد أبْدَلَكُم يومينِ خيرًا منهُما؛ يومَ الفطرِ والأضحى" (^٢). فأبْدَلَ اللهُ هذهِ الأُمَّةَ بيومي اللعبِ
_________________
(١) (حسن صحيح). رواه: الطيالسي (٢٧٠٩)، وعبد بن حميد (المائدة ٣ - الدرّ)، والترمذي (٤٨ - التفسير، ٦ - سورة المائدة، ٥/ ٢٥٠/ ٣٠٤٤)، وابن نصر في "تعظيم الصلاة" (٣٥٤)، والطبري في "التفسير" (١١١٠١ - ١١١٠٣)، والطبراني (١٢/ ١٤٣/ ١٢٨٣٥)، والبيهقي في "الدلائل" (٥/ ٤٦٤)؛ من طريق حمّاد بن سلمة، عن عمّار بن أبي عمّار، عن ابن عبّاس … رفعه. قال الترمذي:"حسن غريب من حديث ابن عبّاس وهو صحيح". وأقرّه السيوطي والألباني. قلت: أمّا أنّه حسن؛ فمن أجل حمّاد وعمّار صدوقان، وأمّا أنّه صحيح؛ فمن أجل شاهده المتقدّم قبله.
(٢) (صحيح). رواه: أحمد (٣/ ١٠٣ و١٧٨ و٢٣٥ و٢٥٠)، وعبد بن حميد (١٣٩٢)، وأبو داوود (٢ - الصلاة، ٢٤٥ - العيدين، ١/ ٣٦٤/ ١١٣٤)، والنسائي في "الكبرى" (١٧٥٥) و"المجتبى" (٥ - العيدين، ١ - باب، ٣/ ١٧٩/ ١٥٥٥)، وأبو يعلى (٣٨٢٠ و٣٨٤١)، والفريابي في "العيدين" (١)، والطحاوي في "المعاني" (٢/ ٢١١)، والحاكم (١/ ٢٩٤)، والبيهقي في "السنن" (٣/ ٢٧٧) و"الشعب" (٣٧٠٩ و٣٧١٠)، والبغوي في "السنّة" (١٠٩٨)، والضياء في "المختارة" (٥/ ٢٧٤/ ١٩٠٨ - ١٩١٢)، والرافعي في "التدوين" (٣/ ١٣٧)؛ من طرق، عن حميد، عن أنس … رفعه.
[ ٦٠٥ ]
واللهوِ يومي الذِّكرِ والشُّكرِ والمغفرةِ والعفوِ.
• ففي الدُّنيا للمؤمنينَ ثلاثةُ أعيادٍ: عيدٌ يَتكَرَّرُ كلَّ أُسبوعٍ، وعيدانِ يَأْتِيانِ في كلِّ عامٍ مّرَةً مرَّةً مِن غيرِ تكرُّرٍ في السَّنهِ.
* فأمَّا العيدُ المتكرِّرُ؛ فهوَ يومُ الجمعةِ، وهوَ عيدُ الأُسبوعِ، وهوَ مترتِّبٌ على إكمالِ الصَّلواتِ المكتوباتِ؛ فإنَّ اللهَ تَعالى فَرَضَ على المؤمنينَ في كلِّ يومٍ وليلةٍ خمسَ صلواتٍ، وأيَّامُ الدُّنيا تَدورُ على سبعةِ أيَّامٍ، فكلَّما كَمَلَ دورُ أُسبوعٍ مِن أيَّامِ الدُّنيا واسْتكْمَلَ المسلمونَ صلواتِهِم فيهِ؛ شُرِعَ لهُم في يومِ استكمالِهِم - وهوَ اليومُ الذي كَمَلَ فيهِ الخلقُ، وفيهِ خُلِقَ آدَمُ وأُدْخِلَ الجنَّةَ وأُخْرِجَ منها (^١)، وفيهِ يَنْتَهي أمدُ الدُّنيا فتَزولُ وتَقومُ السَّاعةُ، وسُمِّيَ يومَ الجمعةِ للاجتماعِ على سماعِ الذِّكرِ والموعظةِ وصلاةِ الجمعةِ، وجُعِلَ ذلكَ لهُم عيدًا، ولهذا نُهِيَ عن إفرادِهِ بالصِّيامِ (^٢).
وفي شهودِ الجمعةِ شبهٌ مِن الحجِّ، ورُوِيَ أنَّها حجُّ المساكينِ (^٣).
وقالَ سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: شهودُ الجمعةِ أحبُّ إليَّ مِن حجَّةٍ نافلةٍ.
والتَّبكيرُ إليها يَقومُ مقامَ الهديِ على قدرِ السَّبقِ، فأوَّلُهُم كالمُهدي بدنةً ثمَّ بقرةً ثمَّ
_________________
(١) = وهاهنا أكثر من طريق قويّة إلى حميد، وصرّح حميد بسماعه من أنس في بعض الطرق القويّة، فالسند صحيح، وقد صحّحه الحاكم وعبد الحقّ والبغوي والمنذري والذهبي والعسقلاني والألباني.
(٢) في حاشية خ: "في مسلم: عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله - ﷺ - بيدي فقال: "خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثّ فيها الدوابّ يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر في يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل". قال البغوي: قال قوم في قوله تعالى ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾: معناه: خلق آدم من تعجّل في خلق الله إيّاه؛ لأنّه خلقه بعد كلّ شيء في آخر النهار يوم الجمعة، فأسرع في خلقه قبل مغيب الشمس. قال مجاهد: فلمّا أحيا الروح رأسه؛ قال: يا ربّ! استعجل بخلقي قبل غروب الشمس. وقيل: بسرعة وتعجيل على غير ترتيب خلق الآدميّين من النطفة والعلقة. وقال خلق: معناه أنّ بنيته وخلقه من عجلة وعليها طبع لقوله ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾. قال سعيد بن جبير والسدّيّ: لمّا خلق الروح في رأس آدم وعينيه؛ نظر إلى ثمار الجنّة، فلمّا دخلت في جوفه؛ اشتهى الطعام، فوثب قبل أن يبلغ الروح إلى رجليه عجلان إلى ثمار الجنّة، فوقع، فقيل: خلق الإنسان من عجل" اهـ.
(٣) وفيه عدّة أحاديث، بعضها من مخرّجات الصحيحين.
(٤) (موضوع). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٥٥٤).
[ ٦٠٦ ]
كبشًا ثمَّ دجاجةً ثمَّ بيضةً.
وشهودُ الجمعةِ يوجبُ تكفيرَ الذُّنوبِ إلى الجمعةِ الأُخرى إذا سَلِمَ ما بينَ الجمعتينِ مِن الكبائرِ كما أنَّ الحجَّ المبرورَ يُكَفِّرُ ذنوبَ تلكَ السَّنةِ إلى الحجَّةِ الأُخرى. وقد رُوِيَ: "إذا سَلِمَتِ الجمعةُ؛ سَلِمَتِ الأيَّامُ" (^١).
ورُوِيَ: "إنَّ اللهَ تَعالى يَغْفِرُ يومَ الجمعةِ لكلِّ مسلمٍ" (^٢).
وفي الحديثِ الصَّحيحِ: عنِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ أنَّهُ قالَ: "ما طَلَعَتِ الشَّمسُ ولا غَرَبَتْ على يومٍ أفضلَ مِن يومِ الجمعةِ" (^٣).
_________________
(١) (موضوع). رواه: ابن حبّان في "المجروحين" (٢/ ١٤٠)، وابن عدي (٥/ ١٩٢٦)، والدارقطني في "الأفراد" (١/ ٣٧٧ - فيض)، وأبو نعيم في "الحلية" (٧/ ١٤٠)، والبيهقي في "الشعب" (٣٧٠٨ و٣٧٠٨ م)، والخطيب في "الجمع والتفريق" (٢/ ٢٣٥)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ١٩٤)؛ من طرق ثلاث، عن الثوري، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة … رفعته. وفي إحدى طرقه إلى الثوري عبد العزيز بن أبان متّهم متروك، وفي الطريق الثانية الحكم بن عبد الله البلخي متّهم متروك، وفي الثالثة أحمد بن جمهور القرقساني شيخ متّهم بالكذب. ولذلك قال ابن عدي: "الحديث عن الثوريّ باطل ليس له أصل"، ونقله البيهقي وأقرّه، وعدّه الذهبي والعسقلاني في المنكرات، وعدّه ابن الجوزي والفتّني والألباني في الموضوعات. وأمّا السيوطي؛ فتعقّب ابن الجوزي على إيراده في "الموضوعات" بوروده من طرق، قال المناوي: "لا تخلو كلّها عن كذّاب أو متّهم بالوضع".
(٢) (موضوع). وقد جاء من حديث أبي هريرة وأنس: فأمّا حديث أبي هريرة؛ فرواه: الخطيب في "التاريخ" (٥/ ١٨٠)، والذهبي في "الميزان" (١/ ١٦١) تعليقًا، والعسقلاني في "اللسان" (١/ ٣٤٨) تعليقًا؛ من طريق أحمد بن نصر بن حمّاد، ثنا أبي، عن شعبة، عن محمّد بن زياد، عن أبي هريرة … رفعه. وهذا سند واهٍ: أحمد هذا مجهول، وأبوه متروك كذّبه ابن معين وغيره، ولذلك قال الذهبي والعسقلاني والمناوي: "خبر منكر جدًّا". وأمّا حديث أنس؛ فرواه: الطبراني في "الأوسط" (٤٨١٤)، وابن الأعرابي في "المعجم" (١٤٧)، والحاكم في "تاريخه" (٦/ ٤٤٤ - فيض)، والواحدي في "تفسيره" (٢٩٧ - السلسلة الضعيفة)، وابن عساكر؛ من طرق، عن أبي عمّار، عن أنس … رفعه. قال الطبراني: "أبو عمّار زياد النميري". وتعقبه الألباني بأنّ روايتي ابن الأعرابي والواحدي صرّحتا بأنّه زياد بن ميمون وليس زياد بن عبد الله النميري، وزياد بن ميمون هذا وضّاع مشهور، فسقط السند، وبان وهاء قول المنذري: "إسناد حسن"، ومثله قول الهيثمي (٢/ ١٦٧): "رجال الصحيح خلا شيخ الطبراني وهو ثقة".
(٣) (صحيح). رواه: عبد الرزّاق (٥٥٦٣)، وابن الجعد (٢٩٥٤)، وأحمد (٢/ ٤٥٧ و٥١٨)، والبخاري في "التاريخ" (٥/ ٤٢٣)، والنسائي في "الكبرى" (٩٩٢٠) و"اليوم والليلة" (٩٢)، وأبو يعلى (٦٤٦٨)، وابن خزيمة (١٧٢٦)، وابن أبي حاتم (البروج ٣ - ابن كثير)، وابن حبّان (٢٧٧٠)، والطبراني في =
[ ٦٠٧ ]
وفي "المسند" عنهُ - ﷺ -؛ أنَّهُ قالَ في يومِ الجمعةِ: "هوَ أفضلُ عندَ اللهِ مِن يومِ الفطرِ ويومِ الأضحى" (^١).
فهذا عيدُ الأُسبوعِ، وهوَ متعلِّقٌ بإكمالِ الصَّلاةِ المكتوبةِ، وهيَ أعظمُ أركانِ الإسلامِ ومبانيهِ بعدَ الشَّهادتينِ.
* وأمَّا العيدانِ اللذانِ لا يَتكَرَّرانِ في كلِّ عامٍ، وإنَّما يَأْتِي كلُّ واحدٍ منهُما في العامِ مرَّةً واحدةً:
فأحدُهُما: عيدُ الفطرِ مِن صومِ رمضانَ، وهوَ مرتَّبٌ على إكمالِ صيامِ رمضانَ،
_________________
(١) = "الأوسط" (١٠٩١)، وابن عدي (٢/ ٤٧٦، ٦/ ٢٣٣٦)، والبغوي في "السنّة" (١٠٦٢)، والذهبي في "التذكرة" (٢/ ٤٤٩)؛ من طرق أربع، عن أبي هريرة … رفعه. وبعض طرقه ثقات رجال الشيخين، وبعضها ثقات رجال مسلم، والحديث صحيح غاية بمجموع طرقه، وقد صحّحه ابن خزيمة وابن حبّان وقال البغوي: "حديث صحيح".
(٢) (ضعيف). قطعة من حديث رواه: ابن أبي شيبة (٥٥١٥)، وابن سعد في "الطبقات" (١/ ٣٠)، وأحمد (٣/ ٤٣٠)، وابن ماجه (٥ - الإقامة، ٧٩ - فضل الجمعة، ١/ ٣٤٤/ ١٠٨٤)، والبزّار (٦١٥ - كشف)، والطبري في "التاريخ" (١/ ٧٥)، وابن أبي داوود (١/ ٤٠٠ - إصابة)، والطبراني (٥/ ٣٣/ ٤٥١١ و٤٥١٢)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٣٦٦)، والبيهقي في "الشعب" (٢٩٧٣)؛ من طريق عبد الله بن محمّد بن عقيل، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جارية، عن أبي لبابة … رفعه. وهذا سند ضعيف فيه علّتان: أشار إلى أولاهما المنذري بقوله: "في إسناده عبد الله بن محمّد بن عقيل وهو ممّن احتجّ به أحمد وغيره وبقيّة رواته ثقات مشهورون". قلت: إن أراد باحتجاج الإمام أحمد به روايته له في "المسند"؛ فنعم، وأن أراد أنّه حجّة عنده؛ فلا؛ فقد قال فيه: "منكر الحديث"، والناظر في ترجمته في "التهذيب" لن يتردّد في أنّه كما وصفه ابن حبّان وغيره: "كان رديء الحفظ يحدّث على التوهّم فيجيء بالخبر على غير سننه". والعلّة الثانية: أنّه اضطرب فيه سندًا ومتنًا فرواه: الشافعي في "الأم" (١/ ٢٠٩)، وأحمد (٥/ ٢٨٤)، والبخاري في "التاريخ" (٤/ ٤٤)، والبزّار (٩/ ١٩١/ ٣٧٣٨)، والطبري في "التاريخ" (١/ ٧٥)، والطبراني (٦/ ١٩/ ٥٣٧٦)، والبيهقي في "الشعب" (٢٩٧٤)؛ من طريقه نفسه، عن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه، عن جدّه، عن سعد بن عبادة … رفعه بنحوه دون هذه القطعة. وهذا سند ليّن من أجل شرحبيل ففيه نوع جهالة، وهذا التردّد بين الوجهين يدلّ على سوء حفظه ابن عقيل وصدق كلام ابن حبّان فيه، ولا يقال: لعلّه تلقّاه من شيخين؛ لأنّ تفرّد سيّئ الحفظ برواية هذا المتن عن صحابيّين دون متابع له إنّما يدل على نكارة حديثه. نعم؛ لأكثر مفردات الحديث شاهد من حديث أبي هريرة عند مسلم (٨٥٤) تتقوّى به، لكنّه قاصر عن الشهادة لهذه القطعة، فحكمها الضعف وأنّها ممّا رواه ابن عقيل على التخمين فجاء على غير الجادّة وقد مال إلى تقوية هذا الحديث المنذري والهيثمي والبوصيري والألباني، وقد تبيّن لك ما في ذلك.
[ ٦٠٨ ]
وهوَ الرُّكنُ الثَّالثُ مِن أركانِ الإسلامِ ومبانيهِ، فإذا اسْتكْمَلَ المسلمونَ صيامَ شهرِهِم المفروضَ عليهِم وأسْتَوْجَبوا مِن اللهِ المغفرةَ والعتقَ مِن النَّارِ - فإنَّ صيامَهُ يوجِبُ مغفرةَ ما تَقَدَّمَ مِن الذُّنوبِ، وآخرُهُ عتقٌ مِن النَّارِ يُعْتَقُ فيهِ مِن النَّارِ مَنِ اسْتَحَقَّها بذنوبِهِ - فشَرَعَ اللهُ تَعالى لهُم عقيبَ إكمالِهِم لصيامِهِم عيدًا يَجْتَمِعونَ فيهِ على شكرِ اللهِ وذكرِهِ وتكبيرِهِ على ما هَداهُم لهُ، وشَرَعَ لهُم في ذلكَ العيدِ الصَّلاةَ والصَّدقةَ، وهوَ يومُ. الجوائزِ يَسْتَوْفي الصَّائمونَ فيهِ أجرَ صيامِهِم ويَرْجِعونَ مِن عيدِهِم بالمغفرةِ.
والعيد الثاني: عيدُ النَّحرِ، وهوَ أكبرُ العيدينِ وأفضلُهُما، وهوَ مترتِّبٌ على إكمالِ الحجِّ، وهوَ الرُّكنُ الرَّابعُ مِن أركانِ الإسلامِ ومبانيهِ. فإذا أكْمَلَ المسلمونَ حجَّهُم؛ غُفِرَ لهُم. وإنَّما يَكْمُلُ الحجُّ بيومِ عرفةَ والوقوفِ فيهِ بعرفةَ؛ فإنَّهُ ركنُ الحجِّ الأعظمُ، كما قالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "الحجُّ عرفةُ" (^١). ويومُ عرفةَ هوَ يومُ العتقِ مِن النَّارِ، فيُعْتِقُ اللهُ فيهِ مِن النَّارِ مَن وَقَفَ بعرفةَ ومَن لمْ يَقِفْ بها مِن أهلِ الأمصارِ مِن المسلمينَ، فلذلكَ صارَ اليومُ الذي يَليهِ عيدًا لجميعِ المسلمينَ في جميعِ أمصارِهِم، مَن شَهِدَ الموسمَ منهُم ومَن لم يَشْهَدْهُ؛ لاشتراكِهِم في العتقِ والمغفرةِ يومَ عرفةَ. وإنَّما لم يَشْتَرِكِ المسلمونَ كلُّهُم
_________________
(١) (صحيح). رواه: الطيالسي (١٣٠٩ و١٣١٠)، والحميدي (٨٩٩)، وابن أبي شيبة (١٣٦٨١)، وابن سعد (٢/ ١٧٩، ٧/ ٣٦٧)، وأحمد (٤/ ٣٠٩ و٣١٠ و٣٣٥)، وعبد بن حميد (٣١٠)، والدارمي (٢/ ٥٩)، والبخاري في "التاريخ" (٢/ ١١١، ٥/ ٢٤٣)، وابن ماجه (٢٥ - المناسك، ٥٧ - من أتى عرفة قبل الفجر، ٢/ ١٠٠٣/ ٣٠١٥)، وأبو داوود (٥ - المناسك، ٦٩ - من لم يدرك عرفة، ١/ ٥٩٩/ ١٩٤٩)، والترمذي (٧ - الحجّ، ٥٧ - من أدرك الإمام بجمع، ٣/ ٢٣٧/ ٨٨٩ و٢٩٧٥)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٩٥٧)، والنسائي في "الكبرى" (٤٠١١ و٤٠٥٠ و٤١٨٠) و"المجتبى" (٢٤ - المناسك، ٢٠٣ - فرض الوقوف بعرفة، ٥/ ٢٥٦/ ٣٠١٦ و٣٠٤٤)، وابن الجارود (٤٦٨)، وابن خزيمة (٢٨٢٢)، والطحاوي (٢/ ٢٠٨ - ٢١٠)، وابن قانع (٢/ ١٦٥/ ٦٤٢)، وابن حبّان (٣٨٩٢)، والدارقطني (٢/ ٢٤٠ و٢٤١) وابن منده في "الأرداف" (ص ٧٣)، والحاكم (١/ ٤٦٣، ٢/ ٢٧٨)، وأبو نعيم في "الحلية" (٧/ ١١٩)، وابن حزم في "المحلّى" (٧/ ١٢١) و، "حجّة الوداع" (١٠٧ و١١٩ و١٨٢ و١٨٣ و٥٤١)، والبيهقي في "السنن" (٥/ ١١٦ و١٥٢ و١٧٣) و"الشعب" (٤٠٦٦)، والخطيب في "الراوي والسامع" (٤٢٧)، والبغوي (٢٠٠١)، والمزّي (١٨/ ٢١)؛ من طريق شعبة تارة والثوري تارة، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر … رفعه. قال ابن عيينة: "هذا أجود حديث رواه الثوري". وقال محمّد بن يحيى: "ما أرى للثوري أشرف منه". وصحّحه الترمذي وابن خزيمة وابن حبّان والحاكم والبغوي والمنذري والذهبي والعسقلاني والألباني.
[ ٦٠٩ ]
في الحجِّ كل عامٍ رحمةً مِن اللهِ وتخفيفًا على عبادِهِ، فإنَّهُ جَعَلَ الحجَّ فريضةَ العمرِ لا فريضةَ كلِّ عامٍ، وإنَّما هوَ في كلِّ عامٍ فرضُ كفايةٍ، بخلافِ الصِّيامِ؛ فإنَّهُ فريضةُ كلِّ عامٍ على كلِّ مسلمٍ. فإذا كَمَلَ يومُ عرفةَ، وأعْتَقَ اللهُ عبادَهُ المؤمنينَ مِن النَّارِ، اشْتَرَكَ المسلمونَ كلُّهُم في العيدِ عقيبَ ذلكَ، وشُرِعَ للجميعِ التَّقرُّبُ إليهِ بالنُّسكِ، وهوَ إراقةُ دماءِ القرابينِ. فأهلُ الموسمِ يَرْمونَ الجمرةَ، فيَشْرَعونَ في التَّحلُّلِ مِن إحرامِهِم بالحجِّ ويَقْضونَ تفثَهُم ويوفونَ نذورَهُم ويُقَرِّبونَ قرابينَهُم مِن الهدايا ثمَّ يَطوفونَ بالبيتِ العتيقِ، وأهلُ الأمصارِ يَجْتَمِعونَ على ذكرِ اللهِ وتكبيرِهِ والصَّلاةِ لهُ. قالَ مِخْنَفُ بنُ سُلَيْمٍ - وهوَ معدودٌ مِن الصَّحابةِ -: الخروجُ يومَ الفطرِ يَعْدِلُ عمرةً، والخروجُ يومَ الأضحى يَعْدِلُ حجَّهً (^١). ثمَّ يَنْسِكونَ عقيبَ ذلكَ نسكَهُم ويُقَرِّبونَ قرابينَهُم بإراقةِ دماءِ ضحاياهُم، فيَكونُ ذلكَ شكرًا منهُم لهذهِ النِّعمِ. والصَّلاةُ والنَّحرُ الذي يَجْتَمعُ في عيدِ النَّحرِ أفضلُ مِن الصَّلاةِ والصَّدقةِ الذي في عيدِ الفطرِ، ولهذا أُمِرَ الرَّسولُ - ﷺ - أنْ يَجْعَلَ شكرَهُ لربِّهِ على إعطائِهِ الكوثرَ أنْ يُصَلِّيَ لربِّهِ ويَنْحَرَ، وقيلَ لهُ: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتي وَنُسُكي وَمَحْيايَ وَمَماتي للهِ رَبِّ العالَمينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]. ولهذا وَرَدَ الأمرُ بتلاوةِ هذهِ الآيةِ عندَ ذبحِ الأضاحي (^٢)، والأضاحي سنَّةُ إبْراهيمَ ومُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليهِما وسَلَّمَ، فإنَّ اللهَ شَرَعَها لإبْراهيمَ حينَ فَدى ولدَهُ الذي أمَرَهُ بذبحِهِ بذِبْحٍ عظيمٍ.
وفي حديثِ زَيْدِ بنِ أرْقَمَ: قيلَ: يا رسولَ اللهِ! ما هذهِ الأضاحي؟ قالَ: "سنَّةُ إبْراهيمَ". قيلَ لهُ: فما لَنا بها؟ قالَ: "بكلِّ شعرةٍ حسنةٌ". قيلَ: فالصُّوفُ؟ قالَ: "بكلِّ شعرةٍ مِن الصُّوفِ حسنةٌ" (^٣). خَرَّجَهُ ابنُ ماجَهْ وغيرُهُ.
_________________
(١) لم أقف عليه، وما أراه تصحّ نسبته إلى مخنف، فإن صحّت فليس له حكم الرفع.
(٢) رواه الحاكم (٤/ ٢٢٢) من حديث عمران بن حصين وأبي سعيد الخدري بإسنادين ساقطين، فما هو بالمعتمد، والمشروع في الذبائح التسمية والتكبير لا غير.
(٣) (ضعيف جدًّا). رواه: أحمد (٤/ ٣٦٨)، وابن منيع في "المسند" (٣/ ٢٢٣ - مصباح)، وعبد بن حميد (٢٥٩)، وابن ماجه (٢١ - الأضاحي، ٣ - ثواب الأضحية، ٢/ ١٠٤٥/ ٣١٢٧)، وأبو يعلى، والعقيلي (٣/ ٤١٩، ٤/ ٣٠٧)، وابن قانع في "المعجم" (١/ ٢٢٨/ ٢٥٤)، وابن حبّان في "المجروحين" (٣/ ٥٥)، والطبراني (٥/ ١٩٧/ ٥٠٧٥)، وابن عدي (٥/ ١٩٩٣)، والحاكم (٢/ ٣٨٩)، والبيهقي في "السنن" (٩/ ٢٦١) و"الشعب" (٧٣٣٧)، والمزّي في "التهذيب" (١٤/ ٩٤)؛ من طريق سلاّم بن مسكين، عن عائذ الله بن =
[ ٦١٠ ]
فهذهِ أعيادُ المسلمينَ في الدُّنيا، وكلُّها عندَ إكمالِ طاعةِ مولاهُمُ الملكِ الوهَّاب، وحيازتِهِم لِما وَعَدَهُم مِن الأجرِ والثَّواب.
مَرَّ قومٌ براهبٍ في ديرٍ، فقالوا لهُ: متى عيدُ أهلِ هذا الدَّيرِ؟ قالَ: يومَ يَغْفِرُ اللهُ لأهلِهِ (^١).
لسَ العيدُ لمَن لَبِسَ الجديد، إنَّما العيدُ لمَن طاعتُهُ تَزيد.
ليسَ العيدُ لمَن تَجَمَّلَ باللباسِ والمركوب، إنَّما العيدُ لمَن غُفِرَتْ لهُ الذُّنوب.
في ليلةِ العيدِ تُفَرَّقُ خلعُ العتقِ والمغفرةِ على العبيد، فمَن نالَهُ منها شيءٌ فلهُ عيد، وإلَّا فهوَ مطرودٌ بعيد.
كانَ بعضُ العارفينَ يَنوحُ على نفسِهِ ليلةَ العيدِ بهذهِ الأبياتِ:
بِحُرْمَةِ غُرْبَتي كَمْ ذا الصُّدودُ … ألا تَعْطِفْ عَلَيَّ ألا تَجودُ
سُرورُ العيدِ قَدْ عَمَّ النَّواحي … وَحُزْني في ازْدِيادٍ لا يَبِيدُ
فَإنْ كُنْتُ اقْتَرَفْتُ خِلالَ سَوْءٍ … فَعُذْري في الهَوى أنْ لا أعودُ
وأنْشَدَ غيرُهُ:
لِلنَّاسِ عَشْرٌ وَعيدُ … وَأنا فَقيرٌ وَحيدُ
يا غايَتي وَمُنايَ … قَدْ لَذَّ لي ما تُريدُ (^٢)
وأنْشَدَ الشِّبْلِيُّ:
لَيْسَ عيدُ المُحِبِّ قَصْدَ المُصَلَّى … وَانْتِظارَ الأميرِ وَالسُّلْطانِ
إنَّما العيدُ أنْ تَكونَ لَدى الحِـ … ــبِ كَريمًا مُقَرَّبًا في أمانِ
_________________
(١) = عبد الله المجاشعي، عن أبي داوود السبيعي، عن زيد بن أرقم … رفعه. قال الحاكم: "صحيح الإسناد". وتعقّبه الذهبي بقوله: "عائذ الله قال أبو حاتم: منكر الحديث". وقال البوصيري: "فيه أبو داوود واسمه نفيع بن الحارث وهو متروك". وقال المنذرى: "واهي الإسناد، عائذ الله هو المجاشعي وأبو داوود نفيع بن الحارث الأعمى وكلاهما ساقط". وقال الألباني: "ضعيف جدًّا".
(٢) يغفر لهم عبادتهم للصليب! أم تسميتهم لله صاحبة وولدا؟! عاملة ناصبة تصلى نارًا حامية.
(٣) نهى النبيَّ - ﷺ - عن مثل هذه العبارات الطويلة العريضة الرنّانة التي لا يثبت لها مدّعوها عند الجدّ وأمر بسؤال العافية. ووقع في خ: "وأنا فريد وحيد"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
[ ٦١١ ]
وأنْشَدَ:
إذا ما كُنْتَ لي عيدًا … فَما أصْنَعُ بِالعيدِ
جَرى حُبُّكَ في قَلْبي … كَجَرْيِ الماءِ في العودِ
وأنْشَدَ:
قالوا غَدَا العيدُ ماذا أنْتَ لابِسُهُ … فَقُلْتُ خِلْعَةَ ساقٍ حُبَّهُ جُرَعا
صَبْرٌ وَفَقْرٌ هُما ثَوْبانِ تَحْتَهُما … قَلْبٌ يَرى إلْفَهُ الأعيادَ وَالجُمُعا
أحْرى المَلابِسِ أنْ تَلْقى الحَبيبَ بهِ … يَوْمَ التَّزاوُرِ في الثَّوْبِ الَّذي خَلَعا
الدَّهْرُ لي مَأْتَمٌ إنْ غِبْتَ يا أمَلي … والعيدُ ما كُنْتَ لي مَرْأًى ومُسْتَمَعا
• وأمَّا أعيادُ المؤمنينَ في الجنَّةِ؛ فهيَ أيَّامُ زيارتِهِم لربِّهِم ﷿، فيَزورونَهُ ويُكْرِمُهُم غايةَ الكرامةِ ويَتَجَلَّى لهُم فيَنْظُرونَ إليهِ، فما أعْطاهُم شيئًا هوَ أحبَّ إليهِم مِن ذلكَ، وهوَ الزِّيادةُ التي قالَ اللهُ فيها: ﴿لِلَّذينَ أحْسَنوا الحُسْنى وَزِيادَهٌ﴾ [يونس: ٢٦].
ليسَ للمحبِّ عيدٌ سوى قربِ محبوبِهِ.
إنَّ يَوْمًا جامِعًا شَمْلي بِهِمْ … ذاكَ عيدٌ لَيْسَ لي عيدٌ سِواهُ
كلُّ يومٍ كانَ للمسلمينَ عيدًا في الدُّنيا؛ فإنَّهُ عيدٌ لهُم في الجنَّةِ؛ يَجْتَمِعونَ فيهِ على زيارةِ ربِّهِم، ويَتَجَلَّى لهُم فيهِ. ويومُ الجمعةِ يُدْعى في الجنَّةِ يومَ المزيدِ؛ ويومُ الفطرِ والأضحى يَجْتَمعُ أهلُ الجنَّةِ فيهِما للزِّيارةِ، ورُوِيَ أنَّهُ يُشارِكُ النِّساءُ الرِّجالَ فيهِما كما كُنَّ يَشْهَدْنَ العيدينِ معَ الرِّجالِ دونَ الجمعةِ. فهذا لعمومِ أهلِ الجنَّةِ. فأمَّا خواصُّهُم؛ فكلُّ يومٍ لهُم عيدٌ يَزورونَ ربَّهُم كلَّ يومٍ مرَّتينِ؛ بكرةً وعشيًّا (^١).
الخواصُّ كانَتْ أيَّامُ الدُّنيا كلُّها لهُم أعيادًا فصارَتْ أيَّامُهُم في الآخرةِ [كلُّها]، أعيادًا.
قالَ الحَسَنُ: كلُّ يومٍ لا يُعْصى اللهُ فيهِ فهوَ عيدٌ، كلُّ يومٍ يَقْطَعُهُ المؤمنُ في طاعةِ مولاهُ وذكرِهِ وشكرِهِ فهوَ لهُ عيدٌ.
• أركانُ الإسلامِ التي بُنِيَ الإسلامُ عليها خمسةٌ: الشَّهادتانِ، والصَّلاةُ،
_________________
(١) أمّا أنّ يوم الجمعة يوم المزيد؛ فنعم. وأمّا ما سوى ذلك؛ فالآثار فيه لا تصحّ.
[ ٦١٢ ]
والزَّكاةُ، وصيامُ رمضانَ، والحجُّ. فأعيادُ عمومِ المسلمينَ في الدُّنيا عندَ إكمالِ دورِ الصَّلاةِ وإكمالِ الصِّيامِ والحجِّ، يَجْتَمِعونَ عندَ ذلكَ اجتماعًا عامًّا. فأمَّا الزَّكاةُ؛ فليسَ لها وقتٌ معيَّنٌ لِيُتَّخَذَ عيدًا، بل كلُّ مَن مَلَكَ نصابًا فحولُهُ بحسبِ ملكِهِ. وأمَّا الشَّهادتانِ؛ فإكمالُهُما يَحْصُلُ بتحقيقِهِما والقيامِ بحقوقِهِما، وخواصُّ المؤمنينَ يَجْتَهِدونَ على ذلكَ في كلِّ وقتٍ، فلذلكَ كانَتْ أوقاتُهُم كلُّها أعيادًا لهُم في الدُّنيا والآخرةِ، كما أنْشَدَ الشِّبْلِي:
عيدي مُقيمٌ وَعيدُ النَّاسِ مُنْصَرِفُ … وَالقَلْبُ مِنِّي عَنِ اللَذَّاتِ مُنْحَرِفُ
وَلي قَرينانِ ما لي مِنْهُما خَلَفٌ … طولُ الحَنينِ وَعَيْنٌ دَمْعُها يَكِفُ
• ولمَّا كانَ عيدُ النَّحرِ أكبرَ العيدينِ وأفضلَهُما، ويَجْتَمعُ فيهِ شرفُ المكانِ والزَّمانِ لأهلِ الموسمِ؛ كانَتْ لهُم فيهِ معَهُ أعيادٌ قبلَهُ وبعدَهُ، فقبلَهُ يومُ عرفةَ وبعدَهُ أيَّامُ التَّشريقِ، وكلُّ هذِهِ الأيَّامِ أعيادٌ لأهلِ الموسمِ، كما في حديثِ عقبةَ بنِ عامرٍ عنِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "يومُ عرفةَ ويومُ النَّحرِ وأيَّامُ التَّشريقِ عيدُنا أهلَ الإسلامِ، وهيَ أيَّامُ أكلٍ وشربٍ" (^١). خَرَّجَهُ أهلُ "السُّننِ" وصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
ولهذا لا يُشْرَعُ لأهلِ الموسمِ صومُ يومِ عرفةَ؛ لأنَّهُ أوَّلُ أعيادِهِم وأكبرُ مجامعِهِم، وقد أفْطَرَهُ النَّبيُّ - ﷺ - بعرفةَ والنَّاسُ يَنْطرونَ إليهِ. ورُوِيَ عنة أنَّهُ نَهى عن صومِ يومِ عرفةَ بعرفةَ (^٢). ورُوِيَ عن سُفيان بنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ سُئِل عنِ النَّهيِ عن صيامِ يومِ عرفةَ
_________________
(١) (صحيح). رواه: ابن أبي شيبة (١٣٣٨٥ و١٥٢٦٥)، وأحمد (٤/ ١٥٢)، والدارمي (٢/ ٢٣)، وأبو داوود (٨ - الصيام، ٤٩ - صيام أيّام التشريق، ١/ ٧٣٥/ ٢٤١٩)، والترمذي (٦ - الصوم، ٥٩ - صوم أيّام التشريق، ٣/ ١٤٣/ ٧٧٣)، والنسائي في "الكبرى" (٢٨٢٩ و٣٩٩٥ و٤١٨١) و"المجتبى" (٢٤ - المناسك، ١٩٥ - النهي عن صوم عرفة، ٥/ ٢٥٢/ ٣٠٠٤)، والروياني (٢٠٠ و٢٠٣)، وابن خزيمة (٢١٠٠)، والطحاوي (٢/ ٧١)، وابن حبّان (٣٦٠٣)، والطبراني في "الكبير" (١٧/ ٢٩١/ ٨٠٣) و"الأوسط" (٣٢٠٩)، والحاكم (١/ ٤٣٤)، والبيهقي (٤/ ٢٩٨)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢١/ ١٦٣، ٢٣/ ٦٩)، والبغوي في "السنّة" (١٧٩٦)؛ من طرق، عن موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر … رفعه. وهذا سند رجاله ثقات رجال مسلم. وقد قال الترمذي: "حسن صحيح"، وأقرّه البغوي وابن رجب. وقال الحاكم: "على شرط مسلم"، وأقرّه الذهبي. وصحّحه ابن خزيمة وابن حبّان والعسقلاني والألباني.
(٢) (ضعيف). رواه: أحمد (٢/ ٣٠٤ و٤٤٦)، والبخاري في "التاريخ" (٧/ ٤٢٤)، وابن ماجه (٧ - =
[ ٦١٣ ]
بعرفةَ، فقالَ: لأنَّهُم زوَّارُ اللهِ وأضيافُهُ، ولا يَنْبَغي للكريمِ أنْ يُجَوِّعَ أضيافَهُ. وهذا المعنى يوجَدُ في العيدينِ وأيَّامِ التَّشريقِ أيضًا؛ فإنَّ النَّاسَ كلَّهُم فيها في ضيافةِ اللهِ ﷿، لا سيَّما عيدَ النَّحرِ؛ فإنَّ النَّاسَ يَأْكُلونَ مِن لحومِ نسكِهِم؛ أهلَ الموقفِ وغيرَهُم. وأيَّامُ التَّشريقِ الثَّلاثةُ هيَ أيَّامُ عيدٍ أيضًا، ولهذا بَعَثَ النَّبيُّ - ﷺ - مَن يُنادي بمكَّةَ أنَّها أيَّامُ أكلٍ وشربٍ وذكرِ اللهِ ﷿، فلا يَصومَنَّ أحدٌ (^١).
• وقد يَجْتَمعُ في يومٍ واحدٍ عيدانِ، كما إذا اجْتَمَعَ يومُ الجمعةِ معَ يومِ عرفةَ أو يومِ النَّحرِ، فيَزْدادُ ذلكَ اليومُ حرمةً وفضلًا لاجتماعِ عيدينِ فيهِ.
وقد كانَ ذلكَ؛ اجْتَمَعَ للنَّبيِّ - ﷺ - في حجَّتِهِ يومُ عرفةَ فكانَ يومَ جمعةٍ، وفيهِ نَزَلَتْ هذهِ الآيةُ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دينكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دينًا﴾ [المائدة: ٣].
وإكمالُ الدِّينِ في ذلكَ اليومِ حَصَلَ مِن وجوهٍ:
* منها: أنَّ المسلمينَ لم يَكونوا حَجُّوا حجَّةَ الإسلامِ بعدَ فرضِ الحجِّ قبلَ ذلكَ ولا أحدٌ منهُم، هذا قولُ أكثرِ العلماءِ أو كثيرٍ منهُم، فكَمَلَ بذلكَ دينُهُم لاستكمالِهِم عملَ أركانِ الإسلامِ كلِّها (^٢).
_________________
(١) = الصيام، ٤٠ - صيام يوم عرفة، ١/ ٥٥١/ ١٧٣٢)، وأبو داوود (٨ - الصيام، ٦٣ - صوم عرفة بعرفة، ١/ ٧٤١/ ٢٤٤٠)، والنسائي في "الكبرى" (٢٨٣٠ و٢٨٣١)، وابن خزيمة (٢١٠١)، والعقيلي (١/ ٢٩٨)، والطحاوي (٢/ ٧١)، والطبراني في "الأوسط" (٢٥٧٧)، وابن عدي (٢/ ٨٥٤)، والحاكم (١/ ٤٣٤)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٣٤٧، ٩/ ٢١)، والبيهقي (٤/ ٢٨٤، ٥/ ١١٧)، والخطيب في "التاريخ" (٩/ ٣٤)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢١/ ١٦٠ و١٦١)، والمزّي في "التهذيب" (٢٨/ ٥٨٦)؛ من طرق، عن حوشب بن عقيل، عن مهديّ الهجري، عن عكرمة، عن أبي هريرة (ومرّة: عن ابن عبّاس) … رفعه. قال الطبراني: "لم يروه عن عكرمة إلَّا مهديّ". وقال العقيلي: "لا يتابع عليه". قلت: ذكره ابن حبّان في "الثقات" وروى عنه ثقتان فقط، وقال الذهبي في "الميزان": "مجهول"، وقال العسقلاني: "مقبول". فمثله لا يطمأنّ لتقوية ما انفرد به، وإن صحّحه ابن خزيمة والحاكم والمنذري والذهبي والعسقلاني. وقد مال إلى تضعيفه العقيلي وابن عدي والألباني. وله شاهد عند الطبراني في "الأوسط" (٢٣٤٨) بسند فيه متّهم.
(٢) (صحيح). سيأتي تفصيل القول فيه (ص ٦٣٤).
(٣) فيه نظر، فحجّة أبي بكر بالناس في السنة التاسعة هي حجّة إسلام على قول من ذهب إلى تأخّر =
[ ٦١٤ ]
* ومنها: أنَّ اللهَ تَعالى أعادَ الحجَّ على قواعدِ إبْراهيمَ ﵇ ونَفى الشِّركَ وأهلَهُ فلم يَخْتَلِطْ بالمسلمينَ في ذلكَ الموقفِ منهُم أحدٌ. قالَ الشَّعْبِيُّ: نَزَلَتْ هذهِ الآيةُ على النَّبيِّ - ﷺ - وهوَ واقفٌ بعرفةَ حينَ وَقَفَ موقفَ إبْراهيمَ واضْمَحَلَّ الشِّركُ وهُدِّمَتْ منارُ الجاهليَّةِ ولم يَطُفْ بالبيتِ عُريانٌ. وكذا قالَ قَتادَةُ وغيرُهُ. وقد قيلَ: إنَّهُ لم يَنْزِلْ بعدَها تحليلٌ ولا تحريمٌ. قالَهُ أبو بَكْرِ بنُ عَيَّاشٍ.
وأمَّا إتمامُ النِّعمةِ؛ فإنَّما حَصَلَ بالمغفرةِ، فلا تَتِمُّ النِّعمةُ بدونِها، كما قالَ اللهُ لنبيِّهِ - ﷺ -: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَما تَأخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقيمًا﴾ [الفتح: ٢]، وقالَ في آيةِ الوضوءِ: ﴿وَلكِنْ يُريدُ لِيُطَهَرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. ومِن هُنا اسْتَنْبَطَ مُحَمَّدُ بنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ أنَّ الوضوءَ يُكَفِّرُ الذُّنوبَ، كما وَرَدَتِ السُّنَّةُ بذلكَ صريحًا. ويَشْهَدُ لهُ أيضًا أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - سَمعَ رجلًا يَدْعو وَيَقولُ: اللهمَّ! إنِّي أسْألُكَ تمامَ النِّعمةِ. فقالَ لهُ: "تمامُ النِّعمةِ النَّجاةُ مِن النَّارِ ودخولُ الجنَّةِ" (١). فهذهِ الآيةُ تَشْهَدُ لِما رُوِيَ في يومِ عرفةَ أنَّهُ يومُ المغفرةِ والعتقِ مِن النَّارِ (^٢).
• فيومُ عرفةَ لهُ فضائلُ متعدِّدةٌ:
* منها: أنَّهُ يومُ إكمالِ الدِّينِ وإتمامِ النِّعمةِ.
_________________
(١) = فرض الحجّ إلى التاسعة ومن باب أولى على قول من ذهب إلى تقدّم فرض الحجّ قبل ذلك. (١) (حسن). رواه: ابن أبي شيبة (٢٩٣٤٧)، وأحمد (٥/ ٢٣١ و٢٣٥)، وابن منيع في "مسنده"، وعبد بن حميد (١٠٧ - منتخب)، والبخاري في "الأدب" (٧٢٥)، والترمذي (٤٩ - الدعوات، ٩٤ - باب، ٥/ ٥٤١/ ٣٥٢٧)، والبزّار (٢٦٣٤ و٢٦٣٥)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٢٠٦٣)، والشاشي (١٣٧٥ - ١٣٧٧)، والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ٥٥/ ٩٧ - ١٠٠) و"الدعاء" (٢٠٢٠ و٢٠٢١)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٢٠٤)، والبيهقي في "الصفات" (١٥٨ و٢٧٠)، والخطيب في "التاريخ" (٣/ ١٢٦)؛ من طرق، عن الجريري، عن أبي الورد، عن اللجلاج، عن معاذ … رفعه. قال الترمذي: "حديث حسن". وقال أبو نعيم: "حدّث به الأكابر عن الجريري". قلت: منهم الثوري وابن عليّة، فأمنّا بذلك اختلاط الجريري. وأبو الورد: تابعي، روى عنه ثلاثة، وقال ابن سعد: "كان معروفًا قليل الحديث"، وقال أبو حاتم في "علل ابنه" (٩٨١): "روى عنه الجريري أحاديث حسان"، ولم يذكره ابن حبّان في "ثقاته"، مع أنّه على شرطه، لكنّ شهادتي ابن سعد وأبي حاتم أقوى من ذكر ابن حبّان، ولذلك قال الذهبي: "شيخ". فالسند حسن. وإلى تقويته مال أبو حاتم والترمذي وأبو نعيم، وضعّفه الألباني.
(٢) سيأتي بعض هذه النصوص قريبًا.
[ ٦١٥ ]
* ومنها: أنَّهُ عيدٌ لأهلِ الإسلامِ، كما قالَهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وابنُ عَبَّاسٍ؛ فإنَّ ابنَ عَبَّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ في يومِ عيدينِ؛ يومِ جمعةٍ ويومِ عرفةَ. ورُوِيَ عن عُمَرَ أنَّهُ قالَ: وكلاهُما بحمدِ اللهِ لنا عيدٌ. خَرَّجَهُ ابنُ جَريرٍ في "تفسيره". ويَشْهَدُ لهُ حديثُ عُقْبَة بنِ عامِرٍ المتقدِّمِ. لكنَّهُ عيدٌ لأهلِ الموقفِ خاصَّةً. ويُشْرَعُ صيامُهُ لأهلِ الأمصارِ عندَ جمهورِ العلماءِ، وإنْ خالَفَ فيهِ بعضُ السَّلفِ.
* ومنها: أنَّهُ قد قيلَ: إنَّهُ الشَفعُ الذي أقْسَمَ اللهُ بهِ في كتابِهِ وإنَّ الوترَ يومُ النَّحرِ. وقد رُوِيَ هذا عنِ النَّبيِّ - ﷺ - مِن حديثِ جابرٍ (^١). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائيُّ في "تفسيره".
وقيلَ: إنَّهُ الشَّاهدُ الذي أقْسَمَ اللهُ بهِ في كتابِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهودٍ﴾ [البروج: ٣] وفي "المسند": عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا وموقوفًا: "الشَّاهدُ يومُ عرفةَ، والمشهودُ يومُ الجمعةِ" (^٢). وخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مرفوعًا. ورُوِيَ ذلكَ عن عَلِيٍّ مِن قولِهِ. وخَرَجَ الطَّبَرانِيُّ مِن حديثِ أبي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ مرفوعًا: "الشَّاهدُ يومُ الجمعةِ،
_________________
(١) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٥٩٥).
(٢) (حسن موقوفًا ورفعه منكر). اختلف فيه على أبي هريرة على وجوه: روى أوّلها: الترمذي (٤٨ - التفسير، ٧٥ - البروج، ٥/ ٤٣٦/ ٣٣٣٩)، وابن خزيمة (البروج ٣ - ابن كثير)، وابن جرير (٣٦٨٣٢ و٣٦٨٣٣ و٣٦٨٣٩ و٣٦٨٤٨ و٣٦٨٤٩ و٣٦٨٥١)، وابن أبي حاتم، والبيهقي (٣/ ١٧٠)؛ من طريق موسى بن عبيدة، أني أيّوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة … رفعه. قال الترمذي: "حسن غريب" لا نعرفه إلَّا من حديث موسى بن عبيدة، وموسى بن عبيدة يضعّف في الحديث". قلت: موسى ضعيف، وأيّوب ليّن. وروى الثاني: أحمد (٢/ ٢٩٨)، والحاكم (٢/ ٥١٩)، والبيهقي (٣/ ١٧٠)؛ من طريق عليّ بن زيد بن جدعان، عن عمّار مولى بني هاشم، عن أبي هريرة … رفعه. سكت عنه الحاكم والذهبي، وابن جدعان ضعيف. وروى الثالث: أحمد (٢/ ٢٩٨)، وابن جرير (٣٦٨٣٤ و٣٦٨٣٨ و٣٦٨٤١)، والحاكم (٢/ ٥١٩)، والبيهقي في "السنن" (٣/ ١٧٠) و"الشعب" (٢٩٦٥)؛ من طريق يونس بن عبيد، عن عمّار، عن أبي هريرة … موقوفًا. قال الحاكم: "على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي، وعمّار صدوق من رجال مسلم وحده، فالسند حسن. وهذا الوجه الثالث هنا هو أرجح الوجوه لقوّة مخرجه، ورفع عليّ بن زيد في الوجه الثاني منكر لضعف عليّ ومخالفته يونس الثقة، ورفع موسى بن عبيدة في الوجه الأوّل منكر لمخالفته رواية الثقات عن أبي هريرة مع ضعفه. فرفع هذا المتن عن أبي هريرة ليس من زيادات الثقات التي يتعيّن المصير إليها، بل من منكرات الضعفاء، والمعروف هاهنا الوقف. ولذلك قال ابن كثير: "وقد روي موقوفًا على أبي هريرة وهو أشبه". ومال الألباني إلى تقوية الرفع هنا بحديث أبي مالك الآتي بعده، وسوف يأتيك ما فيه.
[ ٦١٦ ]
والمشهودُ يومُ عَرَفَةَ" (^١). وعلى هذا؛ فإذا وَقَعَ يومُ عرفةَ في يومِ الجمعةِ؛ فقدِ اجْتَمَعَ في ذلكَ اليومِ شاهدٌ ومشهودٌ.
* ومنها: أنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ أفضلُ الأيَّامِ. خَرَّجَهُ ابنُ حِبَّانَ في "صحيحه" مِن حديثِ: جابرٍ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ - قالَ: "أفضلُ الأيَّامِ يومُ عرفةَ" (^٢). وذَهَبَ إلى ذلكَ طائفةٌ مِن العلماءِ. ومنهُم مَن قالَ: يومُ النَّحرِ أفضلُ الأيَّامِ لحديثِ: عَبْدِ اللهِ بنِ قُرْطٍ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "أعظمُ الأيَّامِ عندَ اللهِ يومُ النَّحرِ ثمَّ يومُ القرِّ" (^٣). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وأبو داوودَ والنَّسائِيُّ وابنُ حِبَّانَ في "صحيحه"، ولفظُهُ: "أفضلُ الأيَّامِ".
* ومنها: أنَّهُ رُوِيَ عن أنَسِ بنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: كانَ يُقالُ: يومُ عرفةَ بعشرةِ آلافِ يومٍ؛ يَعْني: في الفضلِ (^٤). وقد ذَكَرْناهُ في فضلِ العشرِ. ورُوِيَ عن عَطاءٍ قالَ: مَن صامَ يومَ عرفةَ؛ كانَ لهُ كأجرِ ألفي يومٍ (^٥).
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). رواه: ابن جرير في "التفسير" (٣٦٨٤٠ و٣٦٨٥٢)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٣/ ٢٩٨/ ٣٤٥٨) و"الشاميّين" (١٦٨٠)؛ من طريق محمد بن إسماعيل بن عيّاش، ثني أبي، ثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري … رفعه. قال الهيثمي (٧/ ١٣٨): "فيه محمّد بن إسماعيل بن عيّاش وهو ضعيف". قلت: ولم يسمع من أبيه. وشريح عن أبي مالك مرسل. ففي السند ضعف وانقطاعان، فهو شديد الضعف. وهاهنا شاهد عند: ابن عدي (٥/ ١٧٢٨)، وتمّام في "الفوائد" (١٣٦٩)، وابن عساكر؛ من حديث جبير بن مطعم. لكن فيه عمّار بن مطر هالك. وشاهد عند: الشافعي في "الأُمّ" (١/ ١٨٨)، وابن جرير (٣٦٨٥٠ و٣٦٨٥٣)؛ عن عبد الرحمن بن حرملة، عن ابن المسيّب موقوفًا ومرسلًا. لكنّ المعروف فيه الوقف لأنّه من رواية الثوري، بخلاف الإرسال الذي جاء عن إبراهيم بن محمّد بن أبي يحيى المتّهم وسهل بن موسى الذي لا يعرف. وشاهد عند الشافعي في "الأُمّ" (١/ ١٨٨) من حديث نافع بن جبير وعطاء … به مرسلًا. وفي إسناده ابن أبي يحيى المتّهم المتقدّم فيما قبله. فحديث أبي مالك واه، وحديث جبير ساقط، وحديث ابن المسيّب المعروف فيه الوقف وإرساله منكر، ومرسل عطاء ونافع بن جبير ساقط. فأنّى لهذه الأسانيد أن تكتسب باجتماعها قوّة؟! وأنّى لها أن تنفع حديث أبي هريرة الذي تقدّم لك أنّ الرفع فيه منكر والمعروف الوقف؟!
(٢) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٥٨٨ - ٥٨٩).
(٣) (صحيح). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٥٩١).
(٤) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٥٨٢).
(٥) لم أقف عليه، ولا إخاله يصحّ إلى عطاء، وقد روي عن عطاء غير هذا.
[ ٦١٧ ]
* ومنها: أنَّهُ يومُ الحجَّ الأكبرِ عندَ جماعةٍ مِن السَّلفِ، منهُم عُمَرُ وغيرُهُ. وخالَفَهُـ[ـم]، آخرونَ وقالوا: يومُ الحجِّ الأكبرِ يومُ النَّحرِ. ورُوِيَ ذلكَ عنِ النَّبيِّ - ﷺ - (^١).
* ومنها: أنَّ صيامَهُ كفَّارةُ سنتينِ، وسَنَذْكُرُ الحديثَ في ذلكَ فيما بعدُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى (^٢).
* ومنها: أنَّهُ يومُ مغفرةِ الذُّنوبِ والتَّجاوزِ عنها والعتقِ مِن النَّارِ والمباهاةِ بأهلِ الموقفِ كما في "صحيح مسلم" (^٣): عن عائشةَ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ - قال: "ما مِن يومٍ أكثرَ مِن أنْ يُعْتِقَ اللهُ فيهِ عبيدًا مِن النَّارِ مِن يومِ عرفةَ، وإنَّهُ لَيَدْنو، ثمَّ يُباهي بهِمُ الملائكةَ، فيَقولُ: ما أرادَ هؤلاءِ؟ ".
وفي "المسند" عن: عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ قال: "إنَّ اللهَ يُباهي ملائكتَهُ عشيَّةَ عرفةَ بأهلِ عرفةَ، فيَقول: انْظُروا إلى عبادي، أتَوْني شعثًا غبرًا" (^٤).
_________________
(١) (صحيح). علّقه البخاري (٢٥ - الحجّ، ١٣٢ - الخطبة أيّام منى، ٣/ ٥٧٤/ ١٧٤٢) بصيغة الجزم. ووصله: ابن سعد (٢/ ١٨٤)، والفاكهي في "مكّة" (٢٦٤٠)، وابن ماجه (٢٥ - المناسك، ٧٦ - الخطبة يوم النحر، ٢/ ١٠١٦/ ٣٠٥٨)، وأبو داوود (٥ - المناسك، ٦٧ - يوم الحجّ الأكبر، ١/ ٥٩٨/ ١٩٤٥)، وابن جرير (١٦٤٦١)، وأبو عوانة في "صحيحه" (٣/ ١٠٥ - تغليق)، وابن أبي حاتم (التوبة ٣ - ابن كثير)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (٩٢٠٤) و"الصغير" (١١٠٤) و"الشاميّين" (٢٦٥ و١٥٣٣)، وابن عدي (٧/ ٢٦٠٢)، والحاكم (٢/ ٣٣١)، وابن مردويه (التوبة ٣ - ابن كثير)، وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٢٧٤) و"المستخرج" (٣/ ١٠٥ - تغليق)، وابن حزم في "حجّة الوداع" (٥٤٢)، والبيهقي في "السنن" (٥/ ٣٩) و"الشعب" (٤٠٨٦)، والعسقلاني في "التغليق" (٣/ ١٠٤ - ١٠٥)؛ من طرق ثلاث، عن نافع، عن ابن عمر … رفعه. وإحدى طرقه إلى نافع صحيحة، والأُخرى قويّة، والحديث صحيح غاية بمجموع طرقه. وقد صحّحه الحاكم والذهبي والعسقلاني والألباني. ورواه ابن جرير (١٦٤٦٢ و١٦٤٦٣) من طرق، عن شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن مرّة الهمداني، عن رجل من الصحابة … رفعه. قال ابن كثير: "إسناده صحيح". قلت: وجهالة الصحابي لا تضرّ. وفي الباب عن عليّ وابن أبي أوفى وأبي بكرة وغيرهم.
(٢) فانظره (ص ٦٢٣).
(٣) (١٥ - الحجّ، ٧٩ - فضل الحجّ والعمرة، ٢/ ٩٨٢/ ١٣٤٨).
(٤) (حسن صحيح). رواه: إسحاق (٨٢١٤ - أوسط)، وأحمد (٢/ ٢٢٤)، والطبراني في "الكبير" (٣/ ٢٥٤ - مجمع) و"الأوسط" (٨٢١٤) و"الصغير" (٥٧٦)؛ من طريق أزهر بن القاسم، ثنا المثنّى بن سعيد، عن قتادة، عن عبد الله بن باباه، عن ابن عمرو … رفعه. قال المنذري: "إسناد أحمد لا بأس به". وقال الهيثمي: "رجال أحمد موثّقون". قلت: هم ثقات عن آخرهم إلّا أزهر فصدوق، فالسند حسن من أجله.
[ ٦١٨ ]
وفيهِ: عن أبي هُرَيْرَةَ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إنَّ اللهَ يُباهي بأهلِ عرفاتٍ، يَقولُ: انْظُروا إلى عبادي شعثًا غبرًا" (^١). وخَرَّجَهُ ابنُ حِبَّانَ في "صحيحهِ".
وخَرَّجَ فيهِ أيضًا مِن حديثِ: جابرٍ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "ما مِن يوم أفضلَ عندَ اللهِ مِن يومِ عرفةَ، يَنْزِلُ اللهُ ﵎ إلى سماءِ الدُّنيا فيُباهي بأهلِ الأرضِ أهلَ السَّماءِ فيَقولُ: انْظُروا إلى عبادي شعثًا غبرًا ضاحينَ، جاؤوا مِن كلِّ فجٍّ عميقٍ، يَرْجونَ رحمتي ولم يَرَوا عذابي. فلم يُرَ أكثرَ عتيقًا مِن النَّارِ مِن يومِ عرفةَ" (^٢).
وخَرَّجَهُ ابنُ مَنْدَه في "كتاب التوحيد" ولفظُهُ: "إذا كانَ يومُ عرفةَ، يَنْزِلُ اللهُ إلى سماءِ الدُّنيا، فيُباهي بهمُ الملائكةَ، فيَقولُ: انْظُروا إلى عبادي، أتَوْني شعثًا غبرًا مِن كلِّ
_________________
(١) = ويشهد له حديث عائشة عند مسلم (١٣٤٨) وحديثا أبي هريرة وجابر الآتيان بعده، فهو صحيح بهما، وقد قوّاه المنذري والهيثمي والألباني.
(٢) (حسن صحيح). رواه: أحمد (٢/ ٣٠٥)، وابن خزيمة (٢٨٣٩)، وابن حبّان (٣٨٥٢)، والطبراني في "الأوسط" (٨٩٨٨)، والحاكم (١/ ٤٦٥)، وأبو نعيم (٣/ ٣٠٥)، والبيهقي (٥/ ٥٨)، وابن عبد البرّ (١/ ١٢١)؛ من طرق، عن يونس بن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن أبي هريرة … رفعه. قال الطبراني وأبو نعيم واللفظ الأوّل: "لم يروه عن مجاهد إلّا يونس بن أبي إسحاق". وقال الحاكم: "على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي، مع أنّ البخاري لم يخرّج ليونس. وقال الهيثمي (٣/ ٢٥٥): "رجاله رجال الصحيح". قلت: يونس من رجال مسلم، وفيه كلام لا ينحطّ بحديثه عن رتبة الحسن، فالسند كذلك، ثمّ هو صحيح بما قبله وبعده. وقد صحّحه الألباني.
(٣) (ضعيف بهذا التمام). رواه: البزّار (١١٢٨ - كشف)، وأبو يعلى (٢٠٩٠)، وابن خزيمة (٢٨٤٠)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (٤/ ١١٤)، وابن حبّان (٣٨٥٣)، وابن عدي (٧/ ٢٧٠٨)، والإسماعيلي في (شيوخه) (١/ ٣٢٧)، وابن منده في "التوحيد" (٨٨٥)، واللالكائي في "الاعتقاد" (٧٥١)، والبيهقي في "السنن" و"الشعب" (٤٠٦٨)، وابن عبد البرّ (١/ ١٢٠)، والبغوي (٩٣١)، والأصبهاني في "الترغيب" (١٠٤٢)؛ من طرق، عن أبي الزبير، عن جابر … رفعه. قال ابن خزيمة: "أنا أبرأ من عهدة مرزوق" قلت: الراوي عن أبي الزبير عنده، وهو مرزوق الباهلي مولى طلحة بن عبد الرحمن صدوق وقد توبع. وقال الهيثمي (٣/ ٢٥٦): "فيه محمّد بن مروان العقيلي، وثّقه ابن معين وابن حبّان وفيه بعض كلام، وبقيّة رجاله رجال الصحيح". قلت: العقيلي صدوق له أوهام وقد توبع. وقال ابن منده: "متصل حسن من رسم النسائي". وردّه الألباني بقوله: "علّة الحديث أبو الزبير؛ فإنّه مدلّس، وقد عنعنه في جميع الطرق عنه". قلت: لكنّ أكثر الحديث يصحّ بشواهده المتقدّمة والآتية؛ إلَّا قوله "ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة"؛ فإنّ الشواهد قاصرة عن تقويته، ثمّ هو مخالف لقوله - ﷺ - في حديث عبد الله بن قرط المتقدّم (ص ٥٩١): "أعظم الأيّام عند الله يوم النحر ثمّ يوم القرّ".
[ ٦١٩ ]
فجٍّ عميقٍ، أُشْهِدُكُم أنِّي قد غَفَرْتُ لهُم. فتَقولُ الملائكةُ: يا ربِّ! فلان مرهَّقٌ. فيقولُ: قد غَفَرْتُ لهُم. فما مِن يومٍ أكثرَ عتيقًا مِن النَّارِ مِن يومِ عرفةَ" (^١). وقالَ: إسنادٌ حسنٌ متَّصلٌ. انتهى.
ورُوِّيْناهُ مِن وجهٍ آخرَ بزيادةٍ فيهِ، وهيَ: "أُشْهِدُكُم يا عبادي أنِّي قد غَفَرْتُ لمحسنِهِم وتَجاوَزْتُ عن مسيئِهِم" (^٢).
ورُوِّيْناهُ مِن روايةِ: إسْماعيلَ بنِ رافِعٍ - وفيهِ مقالٌ -، عن أنَسٍ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "يَهْبِطُ اللهُ إلى سماءِ الدُّنيا عشيَّةَ عرفةَ، ثمَّ يُباهي بهمُ الملائكةَ، فيَقولُ: هؤلاءِ عبادي جاؤوني شعثًا مِن كلِّ فجٍّ عميقٍ، يَرْجونَ رحمتي ومغفرتي، فلو كانَتْ ذنوبُهُم بعددِ الرَّملِ لَغَفَرْتُها، أفيضوا عبادي مغفورًا لكُم ولمَن شَفَعْتُم فيهِ" (^٣).
وخَرَّجَهُ البَزَّارُ في "مسنده" بمعناهُ مِن حديثِ: مجاهدٍ، عن ابنِ عُمَرَ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ - (^٤). وقالَ: لا نَعْلَمُ لهُ طريقًا أحسنَ مِن هذا الطَّريقِ (^٥).
وخَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ وغيرُهُ مِن حديثِ: عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ مختصرًا (^٦).
ورُوِّيْنا [هُ]، مِن طريقِ: الوَليدِ بنِ مُسْلِمٍ؛ قالَ: أخْبَرَني أبو بَكْرِ بنُ أبي مَرْيَمَ، عنِ الأشياخِ؛ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قالَ: "إنَّ اللهَ ﷿ يَدْنو إلى السَّماءِ الدُّنيا عشيَّةَ عرفةَ، فيُقْبِلُ
_________________
(١) (ضعيف بهذا التمام). هذا أحد ألفاظ الحديث المتقدّم قبله، وقد عنعنه أبو الزبير كما رأيت، وتفرّد هنا بذكر العبد المرهّق، ولم أجد له متابعًا ولا شاهدًا.
(٢) (حسن لشواهده). جاءت هذه الزيادة في بعض ألفاظ الحديث المتقدّم قبله، وقد عنعنه أبو الزبير كما رأيت. لكن يشهد له حديث أبي هريرة المتقدّم آنفًا، فقد جاءت فيه زيادة الإشهاد من وجه حسن عند أبي نعيم في "الحلية" (٣/ ٣٠٥)، وجاءت أيضًا من حديث ابن عمر عند ابن عدي (٥/ ١٩٢١) بسند ساقط، وجاءت أيضًا في أحاديث مغفرته تعالى التبعات لأهل عرفة، وقد تقدّم (ص ١٦٢ - ١٦٤) أنّها موضوعة. فالعمدة في تقوية هذه الزيادة على حديث أبي هريرة وحده.
(٣) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول في هذه الطريق وبيان نكارتها وضعف راويها وسقوط شواهدها (ص ١٥٧). وفي م ون وط: "كعدد الرمل … ".
(٤) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ١٥٧).
(٥) وفيها علل أربع بيّنتها (ص ١٥٧)! فإذا كانت هذه أحسن الطرق؛ فكيف بما دونها؟!
(٦) (حسن صحيح). تقدّم نصّه وتفصيل القول فيه (ص ٦١٨).
[ ٦٢٠ ]
على ملائكتِهِ، فيَقولُ: ألا وإنَّ لكلِّ وفدٍ جائزةً، وهؤلاءِ وفدي شعثًا غبرًا، أعْطُوهُم ما سَألوا وأخْلِفوا لهُم ما أنْفَقوا. حتَّى إذا كانَ عندَ غروبِ الشَّمسِ؛ أقْبَلَ عليهِم فقالَ: ألا إنِّي قال وَهَبْتُ مسيئَكُم لمحسنِكُم، وأعْطَيْتُ محسنكُم ما سَألَ، أفيضوا باسمِ اللهِ" (^١).
ورَوى: إبْراهيمُ بنُ الحَكَمِ بنِ أبانَ، حَدَّثَنا أبي، حَدَّثَنا فَرْقَدٌ؛ قالَ: إنَّ أبوابَ السَّماءِ تُفْتَحُ كلَّ ليلةٍ ثلاثَ مرَّاتٍ، وفي ليلةِ الجمعةِ سبعَ مرَّاتٍ، وفي ليلةِ عرفةَ تسعَ مرَّاتٍ (^٢).
ورُوِّيْنا مِن طريقِ (^٣): نُفَيعٍ أبي داوودَ، عنِ ابنِ عُمَرَ مرفوعًا وموقوفًا: "إذا كانَ عشيَّةُ يومِ عرفةَ؛ لمْ يَبْقَ أحدٌ في قلبِهِ مثقالُ ذرَّةٍ مِن إيمانٍ إلَّا غُفِرَ لهُ". قيلَ لهُ: للمُعَرَّفِ خاصَّةً أم للنَّاسِ عامَةً؟ قالَ: "بل للنَّاسِ عامَّةً" (^٤).
وخَرَّجَ مالِكٌ في "الموطَّأ" مِن مراسيلِ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ بنِ كُرَيْزٍ؛ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قالَ: "ما رُئِيَ الشَّيطانُ يومًا هوَ فيهِ أصغرُ ولا أدْحَرُ ولا أحْقَرُ ولا أغيظُ منهُ [في]، يومِ عرفةَ، وما ذاكَ إلَّا لِما يَرى مِن تنزُّلِ الرَّحمةِ (^٥) وتجاوزِ اللهِ عنِ الذُّنوبِ العظامِ؛ إلاَّ ما رَأى يومَ بدرٍ. قيلَ: وما رَأى يومَ بدرٍ؟ قالَ: إنَّهُ قد رَأى جِبْريلَ ﵇ وهوَ يَزَعُ الملائكةَ" (^٦).
_________________
(١) (موضوع). فيه علل ثلاث: أولاها: أنّ أبا بكر بن أبي مريم واهٍ منكر الحديث. والثانية: أنّ شيخه رجل مبهم. والثالثة: أنّ أبا بكر لم يلق أحدًا من الصحابة فإن كان شيخه تابعيًّا فالسند مرسل وإن كان من أتباع التابعين فهو معضل. وقد تقدّم تفصيل تخريج هذا المعنى وبيان أنّه موضوع (ص ١٦٢ - ١٦٤).
(٢) إبراهيم ضعيف، وأبوه له أوهام، وفرقد ضعيف صاحب مناكير عابد يروي المنامات ومقالات الصوفيّة، وهذا لاحق بها في أحسن أحواله.
(٣) في خ: "وروّيناه من طريق"، والأولى حذف الخاء كما في م ون وط لأنّه حديث آخر.
(٤) (موضوع). رواه: عبد بن حميد (٨٤٢ - منتخب)، والطبراني في "الكبير" (٣/ ٢٥٥ - مجمع)؛ من طريق أبي داوود السبيعي، عن ابن عمر … رفعه. قال الهيثمي: "فيه أبو داوود الأعمى وهو ضعيف جدًّا". قلت: هو نفيع بن الحارث، متّهم متروك، وهذا ممّا صنعته يداه.
(٥) في خ: "أغيظ منه يوم عرفة … نزول الرحمة" وفي م ون: "أغيظ منه من يوم عرفة … "! والأولى ما أثبتّه من "الموطّأ"!.
(٦) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤١٨).
[ ٦٢١ ]
ورَوى أبو عُثْمانَ الصَّابونِيُّ بإسنادٍ لهُ عن رجلٍ كانَ أسيرًا ببلادِ الرُّومِ فهَرَبَ مِن بعضِ الحصونِ؛ قالَ: فكُنْتُ أسيرُ بالليلِ وأكْمُنُ بالنَّهارِ، فبينا أنا ذاتَ ليلةٍ أمْشي بينَ جبالٍ وأشجارٍ إذا أنا بحسٍّ، فراعَني ذلكَ، فنَظَرْتُ، فإذا راكبُ بعيرٍ، فازْدَدْتُ رعبًا، وذلكَ أنَّهُ لا يَكونُ ببلادِ الرُّومِ بعيرٌ. فقُلْتُ: سُبْحانَ اللهِ! في بلادِ الرُّومِ راكبُ بعيرٍ، إنَّ هذا لعجبٌ! فلمَّا انْتَهى إليَّ؛ قُلْتُ: يا عبدَ اللهِ! مَن أنتَ؟ قالَ: لا تَسْألْ. قُلْتُ: إنِّي أرى عجبًا، فأخْبِرْني. فقالَ: لا تَسْألْ. فأبَيْتُ عليهِ. فقالَ: أنا إبْليسُ، وهذا وجهي مِن عرفاتٍ، وافَقْتُهُم عشيَّةَ اليومِ اطُّلِعَ عليهِم (^١) فنَزَلَتْ عليهِمُ المغفرةُ والرَّحمةُ ووُهِبَ بعضُهُم لبعضٍ، فداخَلَني الهمُّ والحزنُ والكآبةُ، وهذا وجهي إلى قُسْطَنْطينِيَّةَ أفْرَحُ بما أسْمَعُ مِن الشِّركِ باللهِ وادِّعاءِ أنَّ لهُ ولدًا. فقُلْتُ: أعوذُ باللهِ منكَ. فلمَّا قُلْتُ هذهِ الكلماتِ؛ لم أرَ أحدًا (^٢).
ويَشْهَدُ لهذهِ الحكايةِ حديثُ عَبَّاسِ بنِ مِرْداسٍ الذي خَرَّجَهُ أحْمَدُ وابنُ ماجَهْ في دعاءِ النَّبيِّ - ﷺ - لأُمَّتِهِ عشيَّةَ عرفةَ ثمَّ بالمزدلفةِ، فأُجيبَ، فضَحِكَ - ﷺ - وقالَ: "إنَّ إبْليسَ حينَ عَلِمَ أنَّ اللهَ قد غَفَرَ لأُمَّتي واسْتَجابَ دعائي أهْوى يَحْثي التُّرابَ على رأْسِهِ ويَدْعو بالويلِ والثُّبورِ؛ فضَحِكْتُ مِن الخبيثِ مِن جزعِهِ" (^٣).
ويُرْوى عن عَلِيِّ بنِ المُوَفَّقِ أنَّهُ وَقَفَ بعرفةَ في بعضِ حجَّاتِهِ، فرَأى كثرةَ النَّاسِ، فقالَ: اللهمَّ! إنْ كُنْتَ لم تَقْبَلْ منهُم أحدًا؛ فقد وَهَبْتُهُ حَجَّتي. فرَأى ربَّ العزَّةِ في منامِهِ، وقالَ لهُ: يا ابنَ المُوَفَّقِ! أتَتَسَخَّى عليَّ؟ قد غَفَرْتُ لأهلِ الموقفِ ولأمثالِهِم، وشَفَّعْتُ كلَّ واحدٍ منهُم في أهلِ بيتِهِ وذرِّيَّتِهِ وعشيرتِهِ، وأنا أهلُ التَّقوى وأهلُ المغفرةِ (^٤)
_________________
(١) في خ: "سبحان الله ببلاد الروم … اطّلع الله عليهم"
(٢) بإسناد له عن رجل! فتأمّل هذا التوثيق! وأعجب من ذلك أن يستشهد له بشاهد موضوع!
(٣) (موضوع). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ١٦٢ - ١٦٤).
(٤) أورد أبو نعيم الأصبهاني هذا الخبر في "حلية الأولياء" (١٠/ ٣١٢) مفصّلًا، وخلاصته أنّ ابن الموفّق هذا حجّ بضعًا وخمسين حجّة فوهب ثوابها كلّها للنبيّ - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وأبويه، ثمّ بقيت حجّة فوهبها لمن لم يقبل الله حجّه، فرأى ربّ العزّة في نومه … إلى آخر المذكور. لا أريد هنا أن أُشير إلى تنكّب السنّة ومخالفة هدي السلف فهذه شنشنة أعرفها من أخزم! ولا إلى ربّ العزّة الذي لا تجد واحدًا من القوم إلّا ورآه في نومه مع أنّ هذا لم يقع للصحابة ولا لتابعيهم ولا لكبار الأئمّة! =
[ ٦٢٢ ]
ويُرْوى نحوُهُ عن غيرِهِ أيضًا مِن الشُّيوخِ!!
• فمَن طَمعَ في العتقِ مِن النَّارِ ومغفرةِ ذنوبِهِ في يومِ عرفةَ، فلْيُحافِظْ على الأسبابِ التي يُرْجى بها العتقُ والمغفرةُ.
* فمنها: صيامُ ذلكَ اليومِ. ففي "صحيح مسلم" (^١): عن أبي قَتادَةَ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "صيامُ يومِ عرفةَ؛ أحْتَسِبُ على اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السَّنةَ التي قبلَهُ والتي بعدَهُ".
* ومنها: حفظُ جوارحِهِ عنِ المحرَّماتِ في ذلكَ اليومِ. ففي "مسند الإمام أحْمَد": عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -، أنَّهُ قالَ يومَ عرفةَ: "هذا يومٌ مَن مَلَكَ فيهِ سمعَهُ وبصرَهُ ولسانَهُ؛ غُفِرَ لهُ" (^٢).
* ومنها: الإكثارُ مِن شهادةِ التَّوحيدِ بإخلاصٍ وصدقٍ؛ فإنَّها أصلُ دينِ الإسلامِ الذي أكْمَلَهُ اللهُ في ذلكَ اليومِ وأساسُهُ.
وفي "المسند": عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو؛ قالَ: كانَ أكثرُ دعاءِ النَّبيِّ - ﷺ - يومَ عرفةَ: "لا إلهَ إلأَ اللهُ وحدَهُ، لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ، ولهُ الحمدُ، بيدِهِ الخيرُ، وهوَ على كلِّ
_________________
(١) = وإنّما أُريد أن أسأل: من أين لابن الموفّق هذه الثقة التامّة بأنّ حجّته الأخيرة - بل حجّاته كلّها - قد قبلت حتّى يوزّعها يمينًا وشمالًا؟! ومن أين له هذه الضمانة بدخول الجنّة حتّى يستهين بهذه الحسنات العظام ويستغني عنها؟! وما الذي جعله يظنّ أنّ النبيّ - ﷺ - وأبا بكر وعمر وعثمان وعليّ أحوج إلى الحسنات منه حتّى يتصدّق عليهم بها؟! قصص تساق للموعظة والاعتبار، فإذا أنعمت النظر فيها لم تر إلّا جهلًا أو غرورًا.
(٢) (١٣ - الصيام، ٣٦ - صيام ثلاثة أيّام، ٢/ ٨١٨/ ١١٦٢).
(٣) (ضعيف). رواه: الطيالسي (٢٧٣٤)، وابن سعد في "الطبقات" (٤/ ٥٤)، وأحمد (١/ ٣٢٩ و٣٥٦)، والفاكهي في "مكّة" (٢٧٤٨)، وابن أبي الدنيا في "الصمت" (٦٦٤)، وأبو يعلى (٢٤٤١)، وابن خزيمة (٢٨٣٣)، والطبراني في "الكبير" (١٢/ ١٧٩/ ١٢٩٧٤، ١٨/ ٢٨٨/ ٧٤١)، والخطيب في "التاريخ" (١/ ٢٤٢)؛ من طريق سكين بن عبد العزيز، عن أبيه، عن ابن عبّاس … رفعه. قال ابن خزيمة: "أنا بريء من عهدة سكين وعهدة أبيه". وقال الهيثمي (٣/ ٢٥٤): "رجاله ثقات". قلت: سكين صدوق، ولكنّه يكثر الرواية عن الضعفاء، فلحق حديثه بعض النكارة لأجل ذلك. وأبوه عبد العزيز: تفرّد ابن حبّان بذكره في "الثقات"، وروى عنه ابنه وآخران ضعيفان، فمثل هذا لا يرفع جهالته، وإنّما ترفع الجهالةَ روايةُ الثقات، ولا سيّما أنّ أبا حاتم قال مجهول وأنّ ابن خزيمة تبّرأ من عهدته. فمثل هذا قصاراه أن يكون صالحًا في المتابعات، ولا متابع، فالسند ضعيف، وقال الألباني: "منكر".
[ ٦٢٣ ]
شيءٍ قديرٌ" (^١).
وخَرَّجَة التِّرْمِذِيُّ، ولفظُهُ: "خيرُ الدُّعاءِ دعاءُ يومِ عرفةَ، وخيرُ ما قُلْتُ أنا والنَبيُّونَ مِن قبلي: لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ، لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قدير" (^٢).
وخَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ مِن حديثِ عَلِيٍّ (^٣) وابنِ عُمَرَ (^٤) مرفوعًا أيضًا.
_________________
(١) (حسن لشواهده إلّا قوله: بيده الخير). رواه: أحمد (٢/ ٢١٠)، والفاكهي في "مكّة" (٢٧٥٩)، والترمذي (٤٩ - الدعوات، ١٢٣ - دعاء يوم عرفة، ٥/ ٥٧٢/ ٣٥٨٥)، وأبو نعيم في "الحلية" (٧/ ١٠٣)، والبيهقي في "الشعب" (٣٧٦٧)، والرافعي في "التدوين" (٢/ ١٦٨)؛ من طريق محمّد (أو: حمّاد) بن أبي حميد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه … رفعه. قال الترمذي: "غريب من هذا الوجه، وحمّاد بن أبي حميد ليس بالقويّ". ومال المنذري إلى تقويته. وقال الهيثمي (٣/ ٢٥٥): "رجاله موثّقون". قلت: حمّاد واهٍ. لكن يشهد له ما بعده إلّا قوله: "بيده الخير".
(٢) (حسن لشواهده). تقدّم تفصيل القول فيه في الحاشية السابقة.
(٣) (حسن صحيح). وقد جاء عنه من ثلاثة أوجه: روى أوّلها: البيهقي (٥/ ١١٧)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٦/ ٣٨)؛ من طريق موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة، عن عليّ … رفعه بزيادة. قال البيهقي: "تفرّد به موسى بن عبيدة، وهو ضعيف، ولم يدرك أخوه عليًّا". وروى الثاني: الطبراني في "الدعاء" (٨٧٤) و"فضل العشر" (١٥٠٣ - صحيحة) من طريق قيس بن الربيع، عن الأغرّ بن الصبّاح، عن خليفة بن حصين، عن عليّ … رفعه. وهذا ضعيف، قيس تغيّر وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه. وأشار إلى الثالث ابن عبد البرّ في "التمهيد" (٦/ ٣٩) بقوله: "حديث عليّ يدور على دينار أبي عمرو عن ابن الحنفيّة، وليس دينار ممّن يحتجّ به". فهذا يفيد أنّ هاهنا طريقًا أُخرى غير المذكورتين. ودينار إن لم يكن بالحجّة فلا أقلّ من أن يعتبر به. والحديث حسن بمجموع هذه الأوجه، صحيح بشواهده المتقدّمة والآتية، وقد قوّاه الألباني.
(٤) (حسن لشواهده). رواه: العقيلي (٣/ ٤٦٢) والطبراني في "الدعاء" (٨٧٥) من طريق فرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد، وابن عدي (٣/ ٩١١) من طريق خالد بن الحسين أبي الجنيد الضرير عن عثمان بن مقسم؛ كلاهما عن نافع، عن ابن عمر … رفعه. وفرج ضعيف ولا سيّما فيما رواه عن يحيى بن سعيد، وأبو الجنيد وابن مقسم منكرا الحديث واهيان، فاجتماع الطريقين لا يزحزح السند عن الضعف. وله شاهد عند ابن عبد البرّ (٦/ ٣٨) من طريق قويّة عن ابن أبي حسين مرسلًا. وآخر عند: مالك (١/ ٢١٤ و٤٢٢)، وعبد الرزّاق (٨١٢٥)، والفاكهي في "مكّة" (٢٧٦٠)، والبيهقي (٤/ ٢٨٤، ٥/ ١١٧)، بسند قويّ عن طلحة بن عبيد الله بن كريز مرسلًا. قال البيهقي: "وقد روي عن مالك بإسناد آخر موصولًا، ووصله ضعيف". قلت: وصله: ابن عديّ (٤/ ١٦٠٠)، والبيهقي في "الشعب" =
[ ٦٢٤ ]
وخَرَّجَ (^١) الإمامُ أحْمَدُ مِن حديثِ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ، قالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ - ﷺ - وهوَ بعرفةَ يَقْرَأُ هذهِ الآيةَ: ﴿شَهِدَ اللهُ أنَّهُ لا إلهَ إلَّا هوَ وَالمَلائِكَةُ وَأُولو العِلْمِ﴾ هو الآيةَ [آل عمران: ١٨]، ويَقولُ: "وأنا على ذلكَ مِن الشَّاهدينَ يا ربِّ! " (^٢).
ويُرْوى مِن حديثِ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ؛ قالَ: شَهِدْتُ النَّبيَّ - ﷺ - يومَ عرفةَ، فكانَ أكثرَ قولهِ ﴿شَهِدَ اللهُ أنَّهُ لا إلهَ إلَّا هُوَ وَالمَلائِكَةُ وأُولو العِلْمِ﴾ الآيةَ. ثُمَّ قالَ: "أي ربِّ! وأنا أشهَدُ" (^٣).
_________________
(١) = (٤٠٧٢)؛ من طريق عبد الرحمن بن يحيى المدني، ثنا مالك، عن سميّ مولى أبي بكر، عن أبي هريرة … رفعه. قال البيهقي: "هكذا رواه أبو عبد الرحمن بن يحيى وغلط فيه، إنّما رواه مالك في "الموطّأ" مرسلًا". قلت: ابن يحيى واه منكر الحديث، والمعروف في هذا الإرسال والوصل منكر. فهذه الشواهد المرسلة مع حديثي عليّ وابن عمرو المتقدّمين تشدّ حديث ابن عمر وتقوّيه.
(٢) في حاشية خ هنا: "قال في "التبصرة" في مجلس الأمر بالمعروف: عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إنّ الله يستخلص رجلًا من أُمّتي على رؤوس الملأ يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعون سجلًّا، كلّ سجلّ مدّ البصر، ثمّ يقول الله: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا ربّ! فيقول: ألك عذر أو حسنة؟ فيبهت الرجل فيقول: لا يا ربّ! فيقول: بلى؛ إنّ لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم اليوم عليك! فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلَّا الله وأنّ محمّدا عبده ورسوله. فيقول: أحضروه. فيقول: يا ربّ! ما هذه البطاقة مع هذه السجلّات؟ فيقال: إنّك لا تظلم. فتوضع السجلاّت في كفّة والبطاقة في كفّة، فطاشت السجلاّت وثقلت البطاقة". وذكر هذا الحديث أيضًا في مجلس ذكر الموت، ورواه بسنده من طريق "المسند"، وهو فيه وفي غيره. والله تعالى أعلم. وروى النسائي وابن حبّان والبزّار أنّ النبيّ - ﷺ - قال: "لو أنّ أهل السماوات السبع والأرضين السبع في كفّة ولا إله إلّا الله في كفّة مالت بهم"" اهـ.
(٣) (ضعيف). رواه أحمد (١/ ١٦٦) من طريق جبير بن عمرو، عن أبي سعد الأنصاري، عن أبي يحيى مولى آل الزبير، عن الزبير … رفعه. قال الهيثمي (٦/ ٣٢٨): "في إسناده مجاهيل". قلت: جبير وأبو سعد مجهولان. وأبو يحيى الظاهر أنه عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير شيخ واه في حدّ الترك. والسند ساقط. ورواه: ابن أبي حاتم في "تفسيره" (آل عمران ٢٠ - ابن كثير)، والطبراني (١/ ١٢٤/ ٢٥٠)، وابن السنّي (٤٣٥)؛ من طريق محمّد بن أبي السري العسقلاني، ثنا عمر بن حفص بن ثابت بن أسعد بن زرارة، عن عبد الملك بن يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جدّه، عن الزبير … رفعه. قال الهيثمي (٦/ ٣٢٨): "في إسناده مجاهيل". قلت: عمر بن حفص لم أقف له على ترجمة. وعبدالملك ذكره ابن حبّان في "الثقات" برواية ثقتين وترجمه الخطيب بما يدلّ على فضله فمثله يكون حسنًا في الشواهد على الأقلّ. والعسقلاني كثير الوهم. والسند واهٍ. قال المناوي: "ورواه الدارقطني عن عائشة، وفيه أحمد بن عبيد بن ناصح له مناكير وزمعة ضعفوه". واجتماع مثل هذه الأسانيد لا يقوّي الحديث، وقد ضعّفه ابن أبي حاتم والعراقي والهيثمي والمناوي.
(٤) (لم أقف عليه). ولا ذكره السيوطي في "الدرّ" مع أنّه جمع فيه فأوعى. والمعتاد في مثل هذه =
[ ٦٢٥ ]
فتحقيقُ كلمةِ التَّوحيدِ يوجِبُ العتقَ مِن النَّارِ؛ فإنَّها تَعْدِلُ عتقَ الرِّقابِ، وعتقُ الرِّقابِ يوجِبُ العتقَ مِن النَّارِ:
كما ثَبَتَ في الصَّحيحِ أنَّ مَن قالَها مئةَ مرَّةٍ؛ كانَتْ لهُ عدلَ عشرِ رقابٍ (^١).
وثَبَتَ أيضًا أنَّ مَن قالَها عشرَ مرَّاتٍ؛ كانَ كمَن أعْتَقَ أربعةً مِن ولدِ إسْماعيلَ (^٢).
وفي "سنن أبي داوود" وغيرِهِ: عن أنَسٍ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "مَن قالَ حينَ يُصْبِحُ أو يُمْسي: اللهمَّ! إنِّي أصْبَحْتُ أُشْهِدُكَ وأُشْهِدُ حملةَ عرشِكَ وملائكتَكَ وجميعَ خلقِكَ أنَّكَ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلاَّ أنتَ وحدَكَ لا شريكَ لكَ وأنَّ مُحَمَّدًا عبدُكَ ورسولُكَ؛ أعْتَقَ اللهُ ربعَهُ مِن النَّارِ، ومَن قالَها مرَّتينِ؛ أعْتَقَ اللهُ نصفَهُ مِن النَّارِ، ومَن قالَها ثلاثَ مرَّاتٍ؛ أعْتَقَ اللهُ ثلاثةَ أرباعِهِ مِن النَّارِ، ومَن قالَها أربعَ مرارٍ؛ أعْتَقَهُ اللهُ مِن النَّارِ" (^٣).
_________________
(١) = الغرائب الضعف إن لم تكن دون ذلك. والله أعلم.
(٢) رواه: البخاري (٨٠ - الدعوات، ٦٤ - فضل التهليل، ١١/ ٢٠١/ ٦٤٠٣)، ومسلم (٤٨ - الذكر والدعاء،١٠ - فضل التهليل، ٤/ ٢٠٧١/ ٢٦٩١)؛ من حديث أبي هريرة.
(٣) رواه: البخاري (الموضع السابق، ٦٤٠٤)، ومسلم (الموضع السابق، ٢٦٩٢)؛ عن أبي أيّوب.
(٤) (حسن صحيح). يرويه بقيّة بن الوليد واختلفوا عليه فيه على لفظين: روى الأوّل منهما: البخاري في "الأدب المفرد" (١٢٠١)، والنسائي في "الكبرى" (٩٨٣٧) و"اليوم والليلة" (٩)، والطبراني في "الشاميّين" (١٥٤٢) و"الدعاء" (٢٩٧)، وابن السنّي (٧٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (٥/ ١٨٥)، والضياء في "المختارة" (٧/ ٢١٠/ ٢٦٤٩ و٢٦٥٠)؛ من طريق إسحاق بن راهويه تارة ولوين تارة، عن بقيّة، ثني مسلم بن زياد، سمعت أنسًا … رفعه بلفظ المصنّف. وهذا سند لا بأس به: بقيّة صرّح بالتحديث، ومسلم روى عنه ثلاثة من الثقات وذكره ابن حبّان في "الثقات" ولم يجرّحه أحد فهو صالح الحديث. وروى الثاني: أبو داوود (٣٥ - الأدب، ١١ - ما يقول إذا أصبح، ١/ ٧٤١/ ٥٠٧٨)، والترمذي (٤٩ - الدعوات، ٧٩ - باب، ٥/ ٥٢٧/ ٣٥٠١)، والنسائي في "الكبرى" (٩٨٣٨) و"اليوم والليلة" (١٠)، والطبراني في "الأوسط" (٧٢٠١)؛ من طرق أربع صحيحة، عن بقيّة، عن مسلم بن زياد، عن أنس، عن النبيّ - ﷺ -: "من قال حين يصبح: اللهمّ أصبحت أشهدك … غفر له ما أصاب في يومه ذلك، وإن قالها حين يمسي؛ غفر له ما أصاب في تلك الليلة". وقد عنعن بقيّة على تدليسه، فالسند ضعيف. وليست رواية الثقات الأربع لهذا اللفظ أولى بالترجيح من رواية الثقتين على الوجه الأولّ؛ لأنّ أحد الثقتين إسحاق بن راهويه وهو ثقة ثبت إمام. لكن رواه: أبو داوود (الموضع السابق، ٢/ ٧٣٨/ ٥٠٦٩)، والطبراني في "الشاميّين" (١٥٤٢) و"الدعاء" (٢٩٧)، وأبو نعيم في "الحلية" (٥/ ١٨٥)، والضياء في "المختارة" (٧/ ٢٢٥/ ٢٦٦٤ و٢٦٦٥)؛ من طريق ابن أبي فديك، عن عبد الرحمن بن عبد المجيد، عن هشام بن الغاز، عن مكحول، عن أنس … رفعه باللفظ الأوّل الذي ذكره المصنّف. وعبد الرحمن بن عبد المجيد إن كان هو عبد الرحمن بن عبد الحميد =
[ ٦٢٦ ]
ويُروى مِن مراسيلِ الزُّهْرِيَّ: "مَن قالَ في يومٍ عشرةَ آلافِ مرَّةٍ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ؛ أعْتَقَهُ اللهُ مِن النَّارِ" (^١). كما أنَّهُ لو جاءَ بديةِ مَن قتَلَهُ عشرةِ آلافٍ؛ قُبِلَتْ [منهُ].
* ومنها: أنْ يُعْتِقَ رقبةً إنْ أمْكَنَهُ؛ فإنَّ مَن أعْتَقَ رقبةً مؤمنةً؛ أعْتَقَ اللهُ بكلِّ عضوٍ منها عضوًا منهُ مِن النَّارِ.
كانَ حَكيمُ بنُ حِزامٍ ﵁ يَقِفُ بعرفةَ ومعَهُ مئةُ بدنةٍ مقلَّدةٍ ومئةُ رقيقٍ، فيُعْتِقُ رقيقَهُ، فيَضِجُّ النَّاسُ بالبكاءِ والدُّعاءِ ويَقولونَ: ربَّنا! هذا عبدُكَ قد أعْتَقَ عبيدَهُ، ونحنُ عبيدُكَ فأعْتِقْنا.
وجَرى للنَّاسِ مرَّةً معَ الرَّشيدِ نحوُ هذا.
وكانَ أبو قِلابَةَ يُعْتِقُ جاريةً في عيدِ الفطرِ يَرْجو أنْ يُعْتَقَ بذلكَ مِن النَّارِ.
* ومنها: كثرةُ الدُّعاءِ بالمغفرةِ والعتقِ؛ فإنَّهُ يُرْجى إجابةُ الدُّعاءِ فيهِ.
_________________
(١) = نفسه كما مال إليه المزّي والعسقلاني فصدوق، وإن كان غيره فمجهول. ورواية مكحول عن أنس مرسلة. لكنّ هذه الطريق على ضعفها ترجّح لنا الوجه الأوّل عن بقيّة وتقوّيه. وهاهنا شاهد عند الطبراني في "الدعاء" (٢٩٨) من حديث أبي سعيد مرفوعًا بلفظ المصنّف، لكنّه واه في سنده ضعيفان. وشاهد آخر عند: البزّار (٦/ ٤٩٥/ ٢٥٣١)، والطبراني في "الكبير" (٦/ ٢٢٠/ ٦٠٦١ و٦٠٦٢) و"الدعاء" (٢٩٩ و٣٠٠)، وابن عدي (٢/ ٦٨٩)، والحاكم (١/ ٥٢٣)، والرافعي في "التدوين" (٢/ ٢٣٨)؛ من طريقين، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن سلمان … رفعه بلفظ المصنّف لكن قال "ثلثه" بدل "ربعه" ولم يقيّده بصباح ولا مساء. صحّحه الحاكم والذهبي، وليس كذلك: في الطريق الأولى حميد المكّي مجهول، وفي الثانية إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصيصي كذّاب. وبهذه الطرق والشواهد أستطيع أن أقول: تصريح بقيّة بالتحديث في الوجه الأوّل صحيح جاء عن إسحاق بن راهويه من أوجه وتابعه عليه لوين فأمنّا شبهة التدليس. ثمّ الوجه الأوّل عن بقيّة هو المحفوظ، دلّت على ذلك طريق مكحول ثمّ حديثا أبي سعيد وسلمان. وهذا الوجه الأوّل عن بقيّة حسن لذاته أو يكاد صحيح ببقيّة الطرق والشواهد، وقد مال إلى تقويته المنذري والنووي والعسقلاني. تنبيه: كنت قد خرّجت هذا الحديث في "الأذكار" (٢٣١) وضعّفته هناك متأثّرًا بالألباني رحمة الله عليه، ثمّ تبيّن لي بمزيد من الطرق والبحث أنّ الأمر ليس كما قاله الشيخ وأنّ الحديث حسن على الأقلّ، فحرّرت هذا التخريج مبديًا عذري للقارئ الكريم، فليعدّل من أقتنى طبعة ابن خزيمة من "الأذكار" الضعف فيها إلى الصحّة إن شاء. والله يغفر لي خطئي وعمدي وكلّ ذلك عندي.
(٢) (ضعيف). لم أقف عليه بعد طول بحث، لكنّه مرسل، والمرسل من فروع الضعيف.
[ ٦٢٧ ]
رَوى ابنُ أبي الدُّنْيا بإسنادِهِ في عَلِيٍّ؛ قالَ: ليسَ في الأرضِ يومٌ إلَّا للهِ فيهِ عتقاءُ مِن النَّارِ، وليسَ يومٌ أكثرَ فيهِ عتقًا للرِّقابِ مِن يومِ عرفةَ، فأكْثِرْ فيهِ أنْ تَقولَ: اللهمَّ! أعْتِقْ رقبتي مِن النَّارِ، وأوْسِعْ لي مِن الرِّزقِ الحلالِ، واصْرِفْ عنِّي فسقةَ الجنِّ والإنسِ؛ فإنَّهُ عامَّةُ دعائي اليومَ.
• ولْيَحْذَرْ مِن الذُّنوبِ التي تَمْنَعُ المغفرةَ [فيهِ]، والعتقَ.
* فمنها: الاختيالُ: رُوِّينا مِن حديثِ: جابِرٍ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "ما يُرى يومٌ أكثرَ عتيقًا ولا عتيقةً مِن يومِ عرفةَ، لا يَغْفِرُ اللهُ فيهِ لمختالٍ" (^١). خَرَّجَهُ البَزَّارُ والطَّبَرانِيُّ وغيرُهُما. والمختالُ: هوَ المتعاظمُ في نفسِهِ المتكبِّرُ. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخورٍ﴾ [الحديد: ٢٣]. وقالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "إنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إلى مَن جَرَّ ثوبَهُ خُيَلاءَ" (^٢).
* ومنها: الإصرارُ على الكبائرِ: رَوى جَعْفَرٌ السَّرَّاجُ بإسنادِهِ: عن يونُسَ بنِ عَبْدِ الأعلى؛ أنَّهُ حَجَّ سنةً، فرَأى أميرُ الحاجِّ في منامِهِ أنَّ اللهَ قد غَفَرَ لأهلِ الموسمِ كلِّهِم سوى رجلٍ فَسَقَ بغلامٍ، فأمَرَ بالنِّداءِ بذلكَ في الموسمِ.
ورَوى ابنُ أبي الدُّنيا وغيرُهُ؛ أنَّ رجلًا رَأى في منامِهِ أنَّ اللهَ قد غَفَرَ لأهلِ الموسمِ كلِّهِم إلاَّ رجلًا مِن أهلِ بَلْخَ، فسَألَ عنهُ حتَّى وَقَعَ عليهِ، فسَألَهُ عن حالِهِ، فذَكَرَ أنَّهُ كانَ مدمنًا لشربِ الخمرِ، فجاءَ ليلةً وهوَ سكرانُ، فعاتَبَتْهُ أُمُّهُ وهىَ تَسْجُرُ تنُّورًا، فاحْتَمَلَها فألْقاها فيهِ حتَّى احْتَرَقَتْ.
يا مَن يَطْمَعُ في العتقِ مِن النَّار ثمَّ يَمْنَعُ نفسَهُ الرَّحمةَ بالإصرارِ على كبائرِ الإثمِ والأوزار! تاللهِ؛ ما نَصَحْتَ نفسَك، ولا وَقَفَ في طريقِكَ غيرُك. توبِقُ نفسَكَ
_________________
(١) (حسن لشواهده). قطعة من حديث جابر الذي تقدّمت الإشارة إلى ضعفه (ص ٥٨٩). لكن جاءت هذه القطعة أيضًا عند عبد الرزّاق (٨٨١٣) من طريق صحيحة عن القاسم بن أبي بزّة … فذكره لا أدري رفعه أم لا. وله حكم الإرسال على كلّ حال. ويشهد له أيضًا عموم ما بعده. فمثل هذا يزحزح هذه القطعة عن ضعفها. والله أعلى وأعلم.
(٢) رواه: البخاري (٧٧ - اللباس، ٥ - من جرّ ثوبه، ١٠/ ٢٥٧/ ٥٧٨٨ و٥٧٩١)، ومسلم (٣٧ - اللباس، ٩ - تحريم جرّ الثوب، ٣/ ١٦٥٣/ ٢٠٨٧ و٢٠٨٥)؛ من حديث أبي هريرة وابن عمر على الترتيب.
[ ٦٢٨ ]
بالمعاصي، فإذا حُرِمْتَ المغفرةَ؛ قُلْتَ أنَّى هذا؟ قُلْ هوَ مِن عندِ أنفسِكُم.
فَنَفْسَكَ لُمْ وَلا تَلُمِ المَطايا … وَمُتْ كَمَدًا فَلَيْسَ لَكَ اعْتِذارُ
إنْ كُنْتَ تَطْمَعُ في العتقِ؛ فاشْتَرِ نفسَكَ مِن اللهِ؛ فـ ﴿إنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنينَ أنْفُسَهُمْ وَأمْوالَهُمْ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التَّوبة: ١١١].
مَن كَرُمَتْ عليهِ نفسُهُ؛ هانَ عليهِ كلُّ ما يَبْذُلُ في افتكاكِها مِن النَّارِ.
اشْتَرى بعضُ السَّلفِ نفسَهُ مِن اللهِ ثلاثَ مرارٍ أو أربعًا؛ يَتَصَدَّقُ كلَّ مرَّةٍ بوزنِ نفسِهِ فضَّةً.
واشْتَرى عامِرُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ نفسَهُ مِن اللهِ بديتِهِ ستَّ مرَّاتٍ يَتَصَدَّقُ بها.
واشْتَرَى حبيبٌ العَجَمِيُّ نفسَهُ مِن اللهِ بأربعينَ ألفَ درهمٍ تَصَدَّقَ بها.
وكانَ أبو هُرَيْرَةَ يُسَبِّحُ كلَّ يومٍ اثنتي عشرَ ألفَ تسبيحةٍ بقدرِ ديتِهِ يَفْتَكُّ بذلكَ نفسَهُ.
بِدَمِ المُحِبِّ يُباعُ وَصْلُهُمُ … فَمَنِ الذي يَبْتاعُ بالثَّمَنِ (^١)
مَن عَرَفَ ما يَطلُبُ؛ هانَ عليهِ كلُّ ما يَبْذُلُ.
ويحكَ! قد رَضِينا منكَ في فكاكِ نفسِكَ بالنَّدمِ، وقَنِعْنا منكَ في ثمنِها بالتَّوبةِ والحزنِ، وفي هذا الموسمِ قد رَخُصَ السِّعرُ، مَن مَلَكَ سمعَهُ وبصرَهُ ولسانَهُ؛ غُفِرَ لهُ.
مُدَّ إليهِ يدَ الاعتذار، وقُمْ على بابِهِ بالذُّلِّ والانكسار، وارْفَعْ قَصَّةَ ندمِكَ مرقومةً (^٢) على صحيفةِ خدِّكَ بمدادِ الدُّموعِ الغزار، وقُلْ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وَإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنكونَنَّ مِنَ الخاسِرينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
قالَ يَحْيى بنُ مُعاذٍ: العبدُ يُوحِشُ ما بينَهُ وبينَ سيِّدِهِ بالمخالفاتِ ولا يُفارِقُ بابَهُ بحالٍ لعلمِهِ بأنَّ عزَّ العبيدِ في ظلِّ مواليهِم. وأنْشَأ يَقولُ:
_________________
(١) في حاشية خ: "ذكر الحافظ عبد الغني في ترجمة أبي الدرداء عويمر ﵁ أنّه كان يسبّح في اليوم مئة ألف تسبيحة. وذكر أيضًا عن سلمة بن شبيب قال: كان خالد بن معدان يسبّح كلّ يوم أربعين ألف تسبيحة، فلمّا وضع ليغسل؛ جعل بإصبعه يحرّكها كذا؛ يعني: بالتسبيح" اهـ.
(٢) القصّة: ما يرفع إلى المسؤولين من الحاجات، الاستدعاء أو الطلب اليوم. مرقوقة: مكتوبة.
[ ٦٢٩ ]
قُرَّةَ عَيْني لا بُدَّ لي مِنْكَ وَإنْ … أوْحَشَ بَيْني وَبَيْنَكَ الزَّلَلُ
قُرَّةَ عَيْني أنا الغَريقُ فَخُذْ … كَفَّ غَريقٍ عَلَيْكَ يَتَّكِلُ
• كانَتْ أحوالُ الصَّادقينَ في الموقفِ بعرفةَ تَتَنَوَّعُ:
* فمنهُم مَن كانَ يَغْلِبُ عليهِ الخوفُ [أ] وِ الحياءُ:
وَقَفَ مُطَرِّفُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ الشِّخِّيرِ وبَكْرٌ المُزَنيُّ بعرفةَ، فقالَ أحدُهُما: اللهمَّ! لا تَرُدَّ أهلَ الموقفِ مِن أجلي. وقالَ الآخرُ: ما أشْرَفَهُ مِن موقفٍ وأرجاهُ لأهلِهِ لولا أنِّي فيهِم (^١)!
وَقَفَ الفُضَيْلُ بعرفةَ والنَّاسُ يَدْعونَ وهوَ يَبْكي بكاءَ الثَّكلى المحترقةِ قد حالَ البكاءُ بينَهُ وبينَ الدُّعاءِ، فلمَّا كادَتِ الشَّمسُ أنْ تَغْرُبَ؛ رَفَعَ رأْسَهُ إلى السَّماءِ وقالَ: وا سوأتاهُ منكَ وإنْ عَفَوْتَ (^٢)!
وقالَ الفُضَيْلُ أيضًا لشُعَيْبِ بنِ حَرْبٍ وهوَ بالموسمِ: إنْ كُنْتَ تَظُنُّ أنَّهُ شَهِدَ الموسمَ أحدٌ شرًّا منِّي ومنكَ؛ فبِئْسَ ما ظَنَنْتَ.
دَعا بعضُ العارفينَ بعرفةَ فقالَ: اللهمَّ! إنْ كُنْتَ لمْ تَقْبَلْ حجِّي وتعبي ونصبي؛ فلا تَحْرِمْني أجرَ المصيبةِ على تركِكَ القبولَ منِّي (^٣).
وَقَفَ بعضُ الخائفينَ بعرفةَ إلى [أنْ] قَرُبَ غروبُ الشَّمسِ، فنادى: الأمانَ الأمانَ! قد دَنا الانصرافُ، فلَيْتَ شعري ما صَنَعْتَ في حاجةِ المساكين!
وَإنِّيَ مِنْ خَوْفِكُمْ وَالرَّجا … أرى المَوْتَ وَالعَيْشَ فيكُمْ عِيانا
فَمُنُّوا على تائِبٍ خائِفٍ … أتاكُمْ يُنادي الأمانَ الأمانا
إذا طَلَبَ الأسيرُ الأمانَ مِن الملكِ الكريمِ؛ أمَّنَهُ.
الأمانَ الأمانَ وِزْري ثَقيلُ … وَذُنوبي إذا عُدِدْنَ تَطولُ
أوْبَقَتْني وَأوْثَقَتْني ذُنوبي … فَتَرى لي إلى الخَلاصِ سَبيلُ؟
_________________
(١) وهذا الموقف الأخير أشرف وأحبّ إلى الله من الموقف الأوّل.
(٢) وهذا أيضًا والذي بعده من أشرف المواقف.
(٣) غير هذا خير منه، والأصل أن يعزم العبد في المسالة ويحسن الظنّ بربّه ويوقن بالإجابة.
[ ٦٣٠ ]
وَقَفَ بعضُ العارفينَ [الخائفينَ]، بعرفةَ، فمَنَعَهُ الحياءُ مِن الدُّعاءِ، فقيلَ لهُ: لمَ لا تَدْعو؟ فقالَ: ثَمَّ وحشةٌ. فقيلَ لهُ: هذا يومُ العفوِ عنِ الذُّنوبِ. فبَسَطَ يديهِ ووَقَعَ ميتًا.
حَدا بِها الحادي إلى نُعْمانِ … فَاسْتَذْكَرَتْ عَهْدًا لَها بِالبانِ
فَسالَتِ الرُّوحُ مِنَ الأجفانِ … تَشَوُّقًا إلى الزَّمانِ الفاني
[غيرُهُ]:
قَدْ لَجَّ بِيَ الغَرامُ حَتَّى قالوا … قَدْ جُنَّ بِهِـ[ـمْ]، وهكَذا البَلْبالُ (^١)
المَوْتُ إذْ أرْضَيْتُهُ سَلْسالُ … في مِثْلِ هَواكَ تَرْخُصُ الآجالُ
وَقَفَ بعضُ الخائفينَ بعرفاتٍ وقالَ: إلهي! النَّاسُ يَتَقَرَّبونَ إليكَ بالبُدْنِ وأنا أتَقَرَّبُ إليكَ بنفسي، ثمَّ خَرَّ ميتًا (^٢).
لِلنَّاسِ حَجٌّ وَلي حَجٌّ إلى سَكَني … تُهْدَى الأضاحي وَأُهْدي مُهْجَتي وَدَمي
ما يَرْضى المحبُّونَ لمحبوبِهِم بإراقةِ دماءِ الهدايا، وإنَّما يُهْدونَ لهُ الأرواحَ.
أرى مَوْسِمَ الأعْيادِ أُنْسَ الأجانِبِ … وَما العيدُ عِنْدي غَيْرَ قُرْبِ الحَبائِبِ
إذا قَرَّبوا بُدْنًا فَقُرْبانِيَ الهَوى … فَإنْ قَبِلوا قَلْبي وَإلاَّ فَقالَبي
وَما بِدَمِ الأنْعامِ أقْضي حُقوقَهُمْ … وَلكِنْ بِما بَيْنَ الحَشا وَالتَّرائِبِ
كانَ أبو عُبَيْدَةَ الخَوَّاصُ قد غَلَبَ عليهِ الشَّوقُ والقلقُ حتَّى يَضْرِبَ على صدرِهِ في الطُّرقِ ويَقولَ: واشوقاه إلى مَن يَراني ولا أراه. وكانَ بعدَما كَبُرَ يَأْخُذُ بلحيتِهِ ويَقولُ: يا ربِّ! قد كَبُرْتُ فأعْتِقْني. ورُئِيَ بعرفةَ وقد وَلِعَ بهِ الولهُ وهوَ يَقولُ:
سُبْحانَ مَنْ لَوْ سَجَدْنا بِالعُيونِ لَهُ … عَلى حُمَى الشَّوْكِ (^٣) وَالمُحْمَى مِنَ الإبَرِ
لَمْ نَبْلُغِ العُشْرَ مِنْ مِعْشارِ نِعْمَتِهِ … وَلا العُشَيْرَ وَلا عُشْرًا مِن العُشَرِ
هُوَ الرَّفيعُ فَلا الأبْصارُ تُدْرِكُهُ … سُبْحانَهُ مِنْ مَليكٍ نافِذِ القَدَرِ
_________________
(١) البلبال: شدّة الهمّ وكثرة الوساوس.
(٢) من مات في غير ساحات الجهاد فما تقرّب بنفسه بل انقضى أجله! إنّما يتقرّب العبد بنفسه عندما ينحر شهواتها وأغراضها ويقول: لبّيك لبّيك، سمعت وأطعت، في منشطي ومكرهي وأثرة علي.
(٣) حُمَى الشوك: إبره الحادّة. ووقع في م: "جنى الشوك". وفي ط: "شبا الشوك".
[ ٦٣١ ]
سُبْحانَ مَنْ هُوَ أُنْسي إذْ خَلَوْتُ بهِ … في جَوْفِ لَيْلي وَفي الظَّلْماءِ وَالسَّحَرِ
أنْتَ الحَبيبُ وَأنْتَ الحِبُّ يا أمَلي … مَنْ لي سِواكَ ومَن أرْجوهُ يا ذُخُري
* ومِن العارفينَ مَن كانَ في الموقفِ يَتَعَلَّقُ بأذيالِ الرَّجاءِ:
قالَ ابنُ المُبارَكِ: جِئْتُ إلى سُفْيانَ الثَّوْرِيّ عشيَّةَ عرفةَ، وهوَ جاثٍ على ركبتيهِ، وعيناهُ تَهْمُلانِ، فالْتَفَتَ إليَّ، فقُلْتُ لهُ: مَن أسْوأُ هذا الجمعِ حالًا؟ قالَ: الذي يَظُنُّ أنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ لهُم (^١).
ورُوِيَ عنِ الفُضَيْلِ أنَّهُ نَظَرَ إلى نشيجِ النَّاسِ وبكائِهِم عشيَّةَ عرفةَ، فقالَ: أرَأيْتُمْ لو أنَّ هؤلاءِ صاروا إلى رجلٍ فسَألوهُ دانقًا (يَعْني: سدسَ درهمٍ)، أكانَ يَرُدُّهُم؟ قالوا: لا. قالَ: واللهِ؛ للمغفرةُ عندَ اللهِ أهونُ مِن إجابةِ رجلٍ لهُم بدانقٍ.
وَإنِّي لأدْعو اللهَ أسْألُ عَفْوَهُ … وأعْلَمُ أنَّ اللهَ يَعْفو وَيَغْفِرُ
لَئِنْ أعْظَمَ النَّاسُ الذُّنوبَ فَإنَّها … وَإنْ عَظُمَتْ في رَحْمَةِ اللهِ تَصْغُرُ
• وعمَّا قليلٍ يَقِفُ إخوانُكُم بعرفةَ في ذلكَ الموقفِ، فهنيئًا لمَن رُزِقَهُ، يَجْأرونَ إلى اللهِ بقلوبٍ محترقةٍ ودموعٍ مستبقةٍ، فكم فيهِم مِن خائفٍ أزْعَجَهُ الخوفُ وأقْلَقَه، ومحبٍّ ألْهَبَهُ الشَّوقُ وأحْرَقَه، وراجٍ أحْسَنَ الظَّنَّ بوعدِ اللهِ الكريمِ وصَدَّقَه، وتائبٍ نَصَحَ للهِ في التَّوبةِ وصَدَقَه، وهاربٍ لَجَأ إلى بابِ اللهِ وطَرَقَه، فكم هنالِكَ مِن مستوجبٍ للنَّارِ أنْقَذَهُ اللهُ وأعْتَقَه، ومِن أسيرٍ للأوزارِ فَكَّهُ وأطْلَقَه. وحينئذٍ يَطَّلِعُ عليهِم أرْحَمُ الرُّحماء، ويُباهي بجمعِهِم أهلَ السَّماء، ويَدْنو ثمَّ يَقولُ: ما أرادَ هؤلاء؟ لقد قَطَعْنا عندَ وصولِهِمُ الحرمان (^٢)، وأعطاهُم نهايةَ سؤلهِمُ الرَّحمان، هوَ الذي أعْطى ومَنَع ووَصَلَ وقَطَع.
ما أصْنَعُ هكَذا جَرى المَقْدورُ … الجَبْرُ لِغَيْري وَأنا المَكْسورُ
_________________
(١) قارن بين هذا الكلام وبين ما تقدّم قبله يتبيّن لك فضل العلم وأهله، ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾.
(٢) في خ: "أهل السماء ويبدو ويقول ماذا أراد هؤلاء لقد قطعنا عند وصولهم الحرمان ومنعنا"! وأثبتّ ما في م ون وط.
[ ٦٣٢ ]
أسيرُ ذَنْب مُقَيَّدٌ مَأْسورُ … هَلْ يُمْكِنُ أنْ يُبَدَّلَ المَسْطورُ
مَن فاتَهُ في [هذا] العامِ القيامُ بعرفة؛ فلْيَقُمْ للهِ بحقِّهِ الذي عَرَفَه. مَن عَجَزَ عنِ المبيتِ بمزدلفة؛ فَلْيَبُتَّ عزمَهُ على طاعةِ اللهِ وقد قَرَّبَهُ اللهُ وأزْلَفَه. مَن لم يُمْكِنْهُ القيامُ بأرجاءِ الخَيْفِ؛ فلْيَقُمْ للهِ بحقِّ الرَّجاءِ والخوف. مَن لم يَقْدِرْ على نحرِ هديِهِ بمنى؛ فلْيَذْبَحْ هواهُ هنا وقد بَلَغَ المنى. مَن لمْ يَصِلْ إلى البيتِ لأنَّهُ منهُ بعيد؛ فلْيَقْصِدْ ربَّ البيتِ؛ فإنَّهُ أقربُ إلى مَن دَعاهُ ورَجاهُ مِن حبلِ الوريد.
نَفَحَتْ في هذهِ الأيَّامِ نفحةٌ مِن نفحاتِ الأُنسِ مِن رياضِ القدسِ على كلِّ قلبٍ أجابَ إلى ما دُعِي. يا هممَ العارفينَ! بغيرِ اللهِ لا تَقْنَعي. يا عزائمَ النَّاسكينَ! لجميعِ أنْساكِ السَّالكينَ اجْمَعي، لحبِّ مولاكِ أفْرِدي وبينَ خوفِهِ ورجائِهِ اقْرُني وبذكرِهِ تَمَتَّعي. يا أسرارَ المحبِّينَ! بكعبةِ الحبِّ طوفي وارْكَعي، وبينَ صفاءِ الصَّفا ومروةِ المروةِ اسْعَيْ وأسْرِعي، وفي عرفاتِ العرفانِ قِفي وتَضَرَّعي، ثمَّ إلى مزدلفةِ الزُّلفى فادْفَعي، ثمَّ إلى منى نيلِ المنى (^١) فارْجِعي. فإذا قَرَّبوا القرابينَ فقَرِّبي الأرواحَ ولا تَمْنَعي. لقد وَضَحَ اليومَ الطريقُ ولكنْ قَلَّ السَّالكُ على التَّحقيقِ وكَثُرَ المدَّعي.
لَئِنْ لَمْ أحُجَّ البَيْتَ إذْ شَطَّ رَبْعُهُ … حَجَجْتُ إلى مَنْ لا يَغيبُ عَنِ الذِّكْرِ
فَأحْرَمْتُ مِنْ وَقْتي بِخَلْعِ شَمائِلي … أطوفُ وَأسْعى في اللَطائِفِ وَالبِرِّ
صَفايَ صَفائي عَنْ صِفاتي ومَرْوَتي … مُروءَةُ قَلْبٍ عَنْ سِوى حُبِّهِ قَفْرِ
وَفي عَرَفاتِ الأُنْسِ بِاللهِ مَوْقِفي … وَمُزْدَلِفي الزُّلْفى لَدَيْهِ إلى الحَشْرِ
وَبَتُّ المُنى مِنِّي مَبيتِيَ في مِنى … وَرَمْيُ جِماري جَمْرُ شَوْقِيَ في صَدْري
وَإشْعارُ هَدْيي ذَبْحُ نَفْسي بِقَهْرِها … وَحَلْقي بِمَحْقِ الكائِناتِ عنِ السِّرِّ (^٢)
وَمَنْ رامَ نَفْرًا بَعْدَ نُسْكٍ فَإنَّني … مُقيمٌ عَلى نُسْكِي حَياتي بلا نَفْرِ
_________________
(١) في خ: "منى بنيل المنى"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٢) محق الكائنات عن السرّ: استصغارها حتّى تصبح كلا شيء وعدم التطلّع إليها بعين الرغبة والرجاء وعدم الانشغال بها. وله معان أُخرى غير طيّبة انظر لمزيد من التفصيل فيها مقدّمتي لـ"مدارج السالكين" (١/ ٥٩ وما بعدها).
[ ٦٣٣ ]