خَرَّجَ مُسْلِمٌ (^١) مِن حديثِ أبي قَتادَةَ الأنصارِيِّ، أن النَّبي - ﷺ - سُئِلَ عن صيامِ يومِ الاثنينِ، فقال: "ذلكَ يومٌ وُلِدْتُ فيهِ، وأنزِلَتْ عليَّ فيهِ النُّبوَّةُ".
• أمَّا ولادةُ النَّبيِّ - ﷺ - يومَ الاثنينِ، فكالمُجمعِ عليهِ بينَ العلماءِ، وقد قالَهُ ابنُ عَبَّاسٍ وغيرُهُ. وقد حُكِيَ عن بعضِهِم أنَّهُ وُلِدَ يومَ الجمعةِ، وهوَ قول ساقطٌ مردودٌ. ورُوِيَ عن أبي جَعْفَرٍ الباقِرِ أنَّهُ تَوَقَّفَ في ذلكَ وقال: لا يَعْلَمُ ذلكَ إلَّا اللهُ. وإنَّما قالَ هذا لأنَّهُ لمْ يَبْلُغْهُ في ذلكَ ما يُعْتَمَدُ عليهِ فتَوَقَّفَ في ذلكَ تورُّعًا، وأمَّا الجمهورُ؛ فبَلَغَهُم في ذلكَ ما قالوا بحسبِهِ. وقد رُوِيَ عن أبي جَعْفَرٍ أيضًا موافقتُهُم، وأنَّ النَّبي - ﷺ - وُلِدَ يومَ الاثنينِ، موافقةً لِما قالَهُ سائرُ العلماءِ.
وحديثُ أبي قَتادَةَ يَدُلُّ على أنَّهُ - ﷺ - وُلِدَ نهارًا في يومِ الاثنينِ.
وقد رُوِيَ أنَّهُ وُلِدَ عندَ طلوعِ الفجرِ منهُ.
ورَوى أبو جَعْفَرِ بنُ أبي شَيْبَةَ في "تاريخِهِ" وخَرَّجَهُ مِن طريقِهِ أبو نُعَيْمٍ في "الدَّلائل" بإسنادٍ فيهِ ضعفٌ: عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرِو بن العاصِ، قال: كانَ بمَرِّ الظَّهرانِ راهبٌ يُسَمَّى عِيصًا مِن أهلِ الشَّامِ، وكانَ يَقول: يُوشِكُ أنْ يُولَدَ فيكُم (^٢) يا أهلَ مَكَّةَ
_________________
(١) (١٣ - الصيام، ٣٦ - استحباب صيام ثلاثة أيّام، ٢/ ٨١٩/ ١١٦٢).
(٢) في خ: "أن يولد منكم"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
[ ٢٢٧ ]
مولودٌ تَدينُ لهُ العربُ ويَمْلِكُ العجمَ، هذا زمانُهُ. فكانَ لا يُولَدُ بمكَّةَ مولودٌ إلَّا سَألَ عنهُ. فلمَّا كانَ صبيحةُ اليومِ الذي وُلِدَ فيهِ رسولُ اللهِ - ﷺ -؛ خَرَجَ عَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ حتَّى أتى عِيصًا، فناداهُ، فأشْرَفَ عليهِ، فقالَ لهُ عِيصٌ: كُنْ أباه، فقدْ وُلِدَ ذلكَ المولودُ الذي كُنْتُ أُحَدِّثُكُم عنهُ يومَ الاثنينِ، ويُبْعَثُ يومَ الاثنينِ، ويَموتُ يومَ الاثنينِ. قالَ: إنَّهُ وُلِدَ لي معَ الصُّبحِ مولودٌ. قالَ: فما سَمَّيْتَهُ؟ قالَ: مُحَمَّدًا. قالَ: واللهِ؛ لقدْ كُنْتُ أشْتَهي أنْ يَكونَ هذا المولودُ فيكُم أهلَ البيتِ لثلاثِ خصالٍ بها نَعْرِفُهُ، فقدْ أتى عليهِنَّ: منها؛ أنَّهُ طَلَعَ نجمُهُ البارحةَ، وأنَّهُ وُلِدَ اليومَ، وأن اسمَهُ مُحَمَّدٌ. انْطَلِقْ إليه؛ فإنَّهُ الذي كُنْتُ أُحَدِّثُكُم عنهُ (^١).
وقد رُوِيَ ما يَدُلُّ على أنَّهُ وُلِدَ ليلًا، وقدْ سَبَقَ في المجلس الذي قبلَهُ مِن الآثارِ ما يُسْتَدَلُّ بهِ لذلكَ (^٢).
وفي "صحيح الحاكم": عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: كانَ بمكَّةَ يهوديٌّ يَتَّجِرُ فيها، فلمَّا كانَتِ الليلةُ التي وُلِدَ فيها رسولُ اللهِ - ﷺ -؛ قالَ: يا معشرَ قريشٍ! هل وُلِدَ فيكُمُ الليلةَ مولودٌ؟ قالوا: لا نَعْلَمُهُ. قالَ: وُلِدَ الليلةَ نبيُّ هذهِ الأُمَّةِ الأخيرةِ، بينَ كتفيهِ علامةٌ فيها شعراتٌ متواتراتٌ كأنَّهُنَّ عرفُ فرسٍ. فخَرَجوا باليهوديِّ حتَّى أدْخَلوهُ على أُمِّهِ، فقالوا: أخْرِجي إلينا ابنَكِ. فأخْرَجَتْهُ، وكَشَفوا عن ظهرِهِ، فرَأى تلكَ الشَّامةَ، فوَقَعَ اليهوديُّ مغشيًّا عليهِ، فلمَّا أفاقَ؛ قالوا لهُ: ويلَكَ! ما لكَ؟ قالَ: ذَهَبَتْ واللهِ النُّبوَّةُ مِن بني إسرائيلَ (^٣).
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). لم أقف عليه في المطبوع من "دلائل أبي نعيم"، فلعلّه في الأصل الكبير لـ "الدلائل" فإنّ المطبوع مختصر! وعلى كلّ؛ فقد وقفت على طريق ابن أبي شيبة عند ابن كثير في "البداية والنهاية" (٢/ ٢٥٨)؛ فقد أورده من طريق المسيّب بن شريك، ثنا محمّد بن شريك، عن شعيب بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه … فذكره مطوّلًا. وهذا سند ساقط: المسيّب متروك، وشعيب وأبوه وجدّه لا يعرفون؛ إلّا أن يكون ما في مطبوع "البداية والنهاية" تحريفًا صوابه شعيب بن محمّد؛ يعني: ابن عبد الله بن عمرو بن العاص، كما جاء في "الفتح" (٦/ ٥٨٣)، وعندئذ فالمسيّب وحده علّة السند، مع ما في متنه من النكارة والمخالفة للمتون الصحيحة.
(٢) كأنّه يريد حديث أمّ عثمان بن أبي العاص الذي تقدّم آنفًا، وقد تبيّن لك أنّه موضوع.
(٣) (ضعيف). رواه: الفسوي، والحاكم (٢/ ٦٠١)، والبيهقي في "الدلائل" (١/ ١٠٨)؛ من طريق =
[ ٢٢٨ ]
* وهذا الحديثُ يَدُلُّ على أنَّهُ وُلِدَ بخاتَمِ النُّبوَّةِ بينَ كتفيهِ. وخاتَمُ النُّبوَّةِ مِن علاماتِ نبوَّتِهِ التي كانَ يَعْرِفُهُ بها أهلُ الكتابِ ويَسْألونَ عنها ويَطْلُبونَ الوقوفَ عليها. وقد رُوِيَ أن هِرَقْلَ بَعَثَ إلى النَّبيِّ - ﷺ - مَن يَنْظُرُ لهُ خاتَمَ النُّبوَّةِ ثمَّ يُخْبِرُهُ عنهُ (^١).
وقد رُوِيَ مِن حديثِ أبي ذَرٍّ وعُتْبَةَ بن عبدٍ عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ أن الملَكينِ اللذينِ شَقَّا صدرَهُ ومَلآهُ حكمةً هُما اللذانِ خَتَماهُ بخاتمِ النُّبوَّةِ (^٢). وهذا يُخالِفُ حديثَ عائِشَةَ هذا.
_________________
(١) = يحيى بن علي بن عبد الحميد الكناني، عن ابن إسحاق، كان هشام بن عروة، يحدّث عن أبيه، عن عائشة … فذكرته. قال الحاكم: "صحيح". وردّه الذهبي بقوله: "لا". قلت: يحيى ما وقفت له على ترجمة، وابن إسحاق عنعن علي تدليسه وسياقه للسند بصورة ظاهرة الانقطاع. ورواه ابن سعد (١/ ١٦٢) عن أبي عبيدة بن عبد الله بن أبي عبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسر وغيره، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة … فذكره. وهذا سند ضعيف، أبو عبيدة لم أقف له على ذكر إلا هنا. ومثل هذين السندين لا يقوّي أحدهما الآخر لاتّحادهما في العلّة - وهي جهالة الذي حمل هذا الخبر عن هشام -، والغالب أنّ ابن إسحاق قد تلقّى هذا عن أبي عبيدة أو عمّن تلقّى منه.
(٢) (منكر). رواه: أبو عبيد في "الأموال" (٦٢٥)، وأحمد (٣/ ٤٤١)، وابن زنجويه في "الأموال" (١٠٤ و٩٦١)، وعبد الله بن أحمد (٤/ ٧٤ و٧٥)، وأبو يعلى (١٥٩٧)، وابن جرير (٧٨٣٠)، وابن أبي حاتم (القصص ٥٧ - ابن كثير)، والبيهقي في "الدلائل" (١/ ٢٦٦)؛ من طريق قويّة، عن سعيد بن أبي راشد، عن التنوخيّ رسول قيصر … فذكره. قال ابن كثير مرّة: "غريب وإسناده لا بأس به". ومرّة: "غريب وإسناده حسن". وقال الهيثمي (٨/ ٢٣٩): "رجال أبي يعلى ثقات ورجال عبد الله بن أحمد كذلك". قلت: سعيد بن أبي راشد مجهول. والتنوخي شيخ عجوز فنّده الهرم والمرض وهو نصرانيّ، فلو سلّمنا أنّ روايته هذه مقبولة على مبدأ "الفضل ما شهدت به الأعداء"، وأنّ هذا ينوب مناب العدالة؛ فإنّ شرط الضبط منه غير متحقّق وروايته لا يؤمن فيها التخليط، وهذا ما وقع هنا، فقد جاء الرجل بمتن فيه نكارة في غير ما موضع ومخالفة لرواية الصحيحين في كتاب النبيّ - ﷺ - إلى هرقل. فالسند واه والمتن منكر.
(٣) (صحيح). أمّا حديث أبي ذرّ في هذا؛ فرواه: الدارمي (١/ ٩)، والبزّار (٩/ ٤٣٧/ ٤٠٤٨)، والطبري في "التاريخ" (١/ ٥٣٤)، والعقيلي (١/ ١٨٣)، واللالكائي في "أصول الاعتقاد" (١٤٠٥)، وأبو نعيم في "الدلائل" (١٦٧)، وابن عساكر (٣/ ٤٦٠)؛ من طريق جعفر بن عبد الله بن عثمان القرشي، ثني عمر بن عروة بن الزبير، سمعت عروة يحدّث، عن أبي ذرّ … رفعه. قال العقيلي: "لا يتابع عليه". ووافقه الذهبي والعسقلاني. وقال الهيمي (٨/ ٢٥٩): "فيه جعفر بن عبد الله بن عثمان وثّقه أبو حاتم الرازي وابن حبّان وتكلّم فيه العقيلي". قلت: جعفر صدوق حسن الحديث، وإنّما العلّة في رواية عروة عن أبي ذرّ؛ فإنّ ظاهرها الإرسال. لكن يشهد له حديث عتبة بن عبد السلمي الآتي بعده وحديث شدّاد بن أوس عند ابن عساكر (٣/ ٤٦٦) بسند ضعيف. وأمّا حديث عتبة بن عبد السلميّ؛ فتقدّم آنفًا أنّه حسن.
[ ٢٢٩ ]
وقد رُوِيَ أن هذا الخاتَمَ رُفِعَ بعدَ موتِهِ مِن بين كتفيهِ (^١)، ولكنَّ إسنادَ هذا الحديثِ ضعيفٌ.
• وقد رُوِيَ في صفةِ ولادتِهِ آياتٌ تُسْتَغْرَبُ:
فمِنها ما رُوِيَ عن آمِنَةَ بنتِ وَهْبٍ أنَّها قالَتْ: وَضَعْتُهُ فما وَقَعَ كما يَقَعُ الصِّبيانُ، وَقَعَ واضعًا يدَهُ على الأرضِ، رافعًا رأْسَهُ إلى السَّماءِ (^٢).
ورُوِيَ أيضًا أنَّهُ قَبَضَ قبضةً مِن التُّرابِ بيدِهِ لمَّا وَقَعَ بالأرضِ. فقالَ بعضُ القافةِ: إنْ صَدَقَ الفأْلُ لَيَغْلِبَن أهلَ الأرضِ (^٣).
ورُوِيَ أنَّهُ وُضِعَ تحتَ جَفْنَةٍ، فانْفَلَقَتْ عنهُ، ووَجَدوهُ يَنْظُرُ إلى السَّماءِ (^٤).
واخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ؛ هلْ وُلِدَ مختونًا؟ فرُوِيَ أنَّهُ وُلِدَ مختونًا مسرورًا (يَعْني: مقطوعَ السُّرَّةِ) (^٥)، حتَّى قالَ الحاكِمُ: تواتَرَتِ الرِّواياتُ
_________________
(١) (موضوع). رواه ابن سعد (٢/ ٢٧١): أنا محمّد بن عمر، ثني القاسم بن إسحاق، عن أُمّه، عن أبيها القاسم بن محمّد بن أبي بكر أو عن أُمّ معاوية … فذكرت رفع الخاتم في قصّة. ومحمّد بن عمر متهم، والقاسم وأُمّه وأُمّ معاوية مجاهيل. والقصّة موضوعة.
(٢) (ضعيف). وقد جاء من أوجه: * منها حديث حليمة الذي تقدّم آنفا بيان ضعفه. * ومنها ما رواه: ابن سعد في "الطبقات" (١/ ١٠١ و١٥٠ و١٥١)، وأبو نعيم في "الدلائل" (٩٦)، وابن عساكر (٣/ ٧٩ و٨٦)؛ من طريق الواقدي بأسانيد له خمسة مرسلة. وأسانيد الواقدي لا يفرح بكثرتها. * ومنها: مرسل الزهري عند: عبد الرزّاق (٩٧١٨)، وأبي نجم في "الدلائل" (٩٦). ومرسل عكرمة عند ابن سعد (١/ ١٠٢). ومرسل حسّان بن عطيّة عند ابن سعد (١/ ١٠٣). ومرسل داوود بن أبي هند عند أبي نجم (٨). ومرسل إسحاق بن أبي فروة عند ابن سعد (١/ ٢١). وحديث حليمة ضعيف، وأسانيد الواقدي لا تفيده قوّة، والمراسيل الأخيرة - وربّما كانت معاضيل - الغالب أنّها مستمدّة من حديث حليمة أو من مراسيل الواقدي ولذلك لا أراها تنتشله من ضعفه. والله أعلم.
(٣) (موضوع). رواه: ابن سعد (١/ ١٠١ و١٥٠) بأسانيد له خمسة عن الواقدي، وأسانيد الواقديّ لا يفرح بها ولو تكاثرت.
(٤) (ضعيف). رواه ابن سعد (١/ ١٠٢) بسند قويّ عن عكرمة مرسلا. ورواه أبو نعيم في "الدلائل" (٨٠) بسند قويّ عن داوود بن أبي هند مرسلًا، ورواه: البيهقي في "الدلائل" (١/ ١١٣)، وابن عساكر (٣/ ٨)؛ بسند صالح عن أبي الحكم التنوخي مرسلا. وهذه في الحقيقة معاضيل لا يطمئنّ القلب لتقوية الخبر بها وإن اجتمعت.
(٥) (موضوع). وقد جاء من أوجه: =
[ ٢٣٠ ]
بذلكَ (^١)! ورُوِيَ أن جدَّهُ خَتَنَهُ (^٢). وتَوَقَّفَ الإمامُ أحْمَدُ في ذلكَ. قالَ المَرُّوذِيُّ: سُئِلَ أبو عَبْدِ اللهِ: هلْ وُلِدَ النَّبيُّ - ﷺ - مختونًا؟ قالَ: اللهُ أعلمُ، ثمَّ قالَ: لا أدْري. قالَ أبو بَكْرٍ عَبْدُ العَزيزِ بنُ جَعْفَرٍ مِن أصحابِنا: قد رُوِيَ أنَّهُ - ﷺ - وُلِدَ مختونًا مسرورًا، ولمْ يَجْتَرِئْ أبو عَبْدِ اللهِ على تصحيحِ هذا الحديثِ.
• وأمَّا شهرُ ولادتِهِ؛ فقدِ اخْتُلِفَ فيهِ:
فقيلَ: في شهرِ رمضانَ. رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو بإسنادٍ لا يَصِحُّ (^٣).
وقيلَ: في رجبٍ. ولا يَصِحُّ.
_________________
(١) =* فرواه: ابن جميع (ص ٣٣٦/ ت ٣١٤)، وابن عدي (٢/ ٥٧٧)، والذهبي في "الميزان" (١/ ٤١٢)؛ من طريق جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، قال لنا صفوان بن هبيرة ومحمّد بن بكر البرسالي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس … فذكره. وجعفر هذا كذّاب يضع. * ورواه: ابن سعد (١/ ١٠٣)، وأبو نعيم في "الدلائل" (٩٢)، والبيهقي في "الدلائل" (١/ ١١٤)، وابن عساكر (٣/ ٨٠)؛ من طريق يونس بن عطاء، عن الحكم بن أبان، ثنا عكرمة، عن ابن عبّاس، عن العبّاس … فذكره. ويونس بن عطاء الصدائي متّهم. * ورواه: الطبراني في "الصغير" (٩٣٦) و"الأوسط" (٦١٤٤) من طريق سفيان بن محمّد الفزاري، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢٤) و"الدلائل" (٩١) والضياء في "المختارة" (٥/ ٢٣٢/ ١٨٦٤) من طريق نوح بن محمّد الأيلي عن الحسن بن عرفة؛ كلاهما عن هشيم بن بشير، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أنس، عن النبيّ - ﷺ -: "من كرامتي على ربّي أن ولدت مختونًا ولم ير أحد سوأتي". قال الهيثمي (٨/ ٢٢٧): "فيه سفيان بن محمّد الفزاري وهو متّهم به". قلت: ونوح الأيلي هو المتّهم بالطريق الأُخرى. وهشيم كثير التدليس والحسن يدلّ وقد عنعنا. والحديث عدّه ابن عدي وابن العديم والذهبي وابن القيّم وابن كثير والعراقي والعسقلاني في الأباطيل، وحريّ به أن يكون كذلك.
(٢) وردّه الذهبي بقوله: "ما أعلم صحّة ذلك فكيف متواترًا؟! ". انظر "المستدرك" (٢/ ٦٠٢).
(٣) (ضعيف). رواه ابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٣/ ١٤٠) و"الاستيعاب" (١/ ٣٨) من طريق محمّد بن أبي السريّ العسقلاني، عن الوليد بن مسلم، عن شعيب، عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: أنّ عبد المطّلب ختن النبيّ - ﷺ - يوم سابعه. والعسقلاني كثير الوهم، والوليد يدلّ ويسوّي وقد عنعن، والخراساني كثير التدلي وقد عنعن، والخبر على ضعفه أصحّ من خبر ولادته - ﷺ - مختونًا مسرورًا.
(٤) (ضعيف جدًّا). رواه ابن عساكر (٣/ ٦٦) من طريق المسيّب بن شريك، عن شعيب بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه … فذكره. وهذا سند ساقط: المسيّب متروك، وشعيب وأبوه وجدّه لا يعرفون، إلّا أن يكون تحريفًا صوابه شعيب بن محمّد؛ يعني: ابن عبد الله بن عمرو بن العاص، كما يدلّ عليه كلام ابن رجب يرحمه الله، وعندئذ فالمسيّب هو علّة هذا السند.
[ ٢٣١ ]
وقيلَ: في ربيعٍ الأوَّلِ. وهوَ المشهورُ بينَ الناسِ، حتَّى نَقَلَ ابنُ الجَوْزِيِّ وغيرُهُ عليهِ الاتِّفاقَ، ولكنهُ قولُ جمهورِ العلماءِ.
ثمَّ اخْتَلَفوا في أيِّ يومٍ كانَ مِن الشَّهرِ: فمنهُم مَن قالَ: هوَ غيرُ معيَّنٍ، وإنَّما وُلِدَ في يومِ الاثنينِ مِن ربيعٍ [الأوَّلِ] مِن غيرِ تعيينٍ لعددِ ذلكَ اليومِ مِن الشَّهرِ. والجمهورُ على أنَّهُ يومٌ معيَّنٌ منهُ. ثمَّ اخْتَلَفوا: فقيلَ: لليلتينِ خَلَتا منهُ، وقيلَ: لثمانٍ خَلَتْ منهُ، وقيلَ: لعشرٍ، وقيلَ: لاثنتي عشرةَ، وقيلَ: لسبعَ عشرةَ، وقيلَ: لثماني عشرةَ، وقيلَ: لثمانٍ بقينَ منهُ، وقيلَ: إنَّ هذينِ القولينِ غيرُ صحيحينِ عمَّن حُكِيا عنهُ بالكلِّيَّةِ. والمشهورُ الذي عليهِ الجمهورُ أنَّهُ وُلِدَ يومَ الاثنينِ ثاني عشرَ ربيع الأوَّلِ، وهوَ قولُ ابن إسْحاقَ وغيرِهِ.
• وأمَّا عامُ ولادتِهِ - ﷺ -؛ فالأكثرونَ على أنَّهُ عامُ الفيلِ (^١). وممَّن قالَ ذلكَ: قَيْسُ
_________________
(١) (صحيح). وقد جاء عن جماعة من الصحابة والتابعين: * فأمّا حديث قيس بن مخرمة؛ فرواه: ابن إسحاق في "السيرة" (ص ٢٥/ نص ٢٩)، وأحمد (٤/ ٢١٥)، والبخاري في "التاريخ" (٧/ ١٤٥)، والفسوي (١/ ٢٩٦)، والترمذي (٥٠ - المناقب، ٢ - ميلاده - ﷺ -، ٥/ ٥٨٩/ ٣٦١٩)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٤٧٨)، والطبري في "التاريخ" (١/ ٤٥٣)، وابن قانع في "المعجم" (٢/ ٣٤٩/ ٨٨٧)، والطبراني في "الكبير" (١٨/ ٣٤٢/ ٨٧٢ و٨٧٣)، والحاكم (٢/ ٦٠٣)، وأبو نعيم في "الدلائل" (٨٥)، والبيهقي في "الدلائل" (١/ ٧٦)، وابن عساكر (٣/ ٧١ - ٧٣)؛ من طريق ابن إسحاق، ثني المطّلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة، عن أبيه، عن جدّه؛ قال: "ولد - ﷺ - عام الفيل". قال الترمذي: "حسن غريب لا نعرفه إلّا من حديث ابن إسحاق". وقال الحاكم: "على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي. قلت: المطّلب مجهول وما هو من رجال مسلم، والسند ليس حسنًا ولا على شرط مسلم. * وأمّا حديث قباث بن أشيم؛ فرواه: ابن أبي عاصم في "الآحاد" (٩٢٧)، والبغوي في "الصحابة" (٢/ ٢٢١ - إصابة)، والطبراني (١٩/ ٣٧/ ٧٥)، والحاكم (٣/ ٦٢٥)، وأبو نعيم في "الدلائل" (٨٤)، والبيهقي في "الدلائل" (١/ ٧٧)؛ من طريق الزبير بن موسى، عن أبي الحويرث، سمع قباث بن أشيم يقول: ولد - ﷺ - عام الفيل. سكت عنه الحاكم والذهبي، وأبو الحويرث فيه ضعف وحديثه حسن في الشواهد. وروى: الترمذي (الموضع السابق)، والطبري (١/ ٤٥٣)، والبيهقي في "الدلائل" (١/ ٧٧)؛ أنّ عثمان بن عفّان سأل قباث بن أشيم … فذكره. فقيل: صاحب هذا الكلام هو قيس بن مخرمة، ولذلك ألحقه الترمذي بحديثه. فإن صحّ هذا فهذه طريق أُخرى لحديث قباث. * وأمَّا حديث ابن عبّاس؛ فرواه: ابن سعد (١/ ١٠١)، وابن معين في "التاريخ" (٣/ ٤١/ ١٦٨ و٢٩٦٣)، والطبري في "التاريخ" (١/ ٤٥٣)، وابن حبّان في "الثقات" (١/ ١٤)، والطبراني (١٢/ ٣٧ / ١٢٤٣٢)، والحاكم (٢/ ٦٠٣)، والبيهقي في "الدلائل" (١/ ٧٥)، وابن عساكر (١/ ٧٠ - ٧١)، والضياء في =
[ ٢٣٢ ]
بنُ مَخْرَمَةَ، وقُبَاثُ بنُ أشْيَمَ، وابنُ عَبَّاسٍ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ وُلِدَ يومَ الفيلِ (^١)، وقيلَ: إنَّ هذهِ الروايةَ وهمٌ، إنَّما الصَّحيحُ عنهُ أنَّهُ قالَ (^٢): عامَ الفيل. ومِن العلماءِ مَن حَكى الاتِّفاقَ على ذلكَ وقالَ: كل قولٍ يُخالِفُهُ فهوَ وهمٌ.
والمشهورُ أنَّهُ - ﷺ - وُلِدَ بعدَ الفيلِ بخمسينَ يومًا. وقيلَ: بعدَهُ بخمسٍ وخمسينَ يومًا. وقيلَ: بشهرٍ. وقيلَ: بأربعينَ يومًا.
و[قد] قيلَ: إنَّهُ وُلِدَ بعدَ الفيلِ بعشرِ سنينَ. وقيلَ: بثلاثٍ وعشرينَ سنةً. وقيلَ: بأربعينَ سنة. وقيلَ: قبلَ الفيلِ بخمسَ عشرةَ سنة. وهذهِ الأقوالُ وهم عندَ جمهورِ العلماءِ، ومنها ما لا يَصِحُّ عمَّن حُكِيَ عنهُ.
قالَ إبْراهيمُ بنُ المُنْذِرِ الحِزامِيُّ (^٣): الذي لا يَشُكُّ فيهِ أحدٌ مِن علمائِنا أنَّهُ ﵇ وُلِدَ عامَ الفيلِ.
وقالَ خَليفَةُ بنُ خَياطٍ: هذا هوَ المجمَعُ عليهِ.
وكانَتْ قصَّةُ الفيلِ توطئةً لنبوَّتِهِ وتقدمةً لظهورِهِ وبعثتِهِ - ﷺ -. وقد قَصَّ اللهُ تَعالى [ذلكَ] في كتابِهِ [فقالَ]: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ
_________________
(١) = "المختارة" (١٠/ ٣٢٤/ ٣٤٨ - ٣٥١)؛ من طريق يونس بن أبي إسحاق، [عن أبي إسحاق السبيعي]، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس؛ أنّ النبيَّ - ﷺ - ولد عام (وجاء أحيانًا: يوم) الفيل. قال الحاكم: "على شرط الشيخين"، وقال الذهبي: "على شرط مسلم". وقوّاه الهيثمي. قلت: لكنّ ذكر اليوم فيه غريب؛ إلّا أن يراد به الوقت؛ يعني: وقت الفيل. * ورواه: الفسوي، والبيهقي في "الدلائل" (١/ ٧٩)؛ من حديث سويد بن غفلة بسند فيه رجل مبهم. * ورواه: ابن سعد (١/ ١٠١، ٣/ ٧)، والفسوي، والبيهقي في "الدلائل" (١/ ٧٨)؛ من أوجه عدّة مرسلة، لكن بأسانيد ساقطة لا يفرح بها فلا نطيل بتفصيلها. والحديث صحيح غاية باجتماع الأوجه الأربعة الموصولة، ولا سيّما حديث ابن عبّاس؛ فإنّه حسن لذاته، وقد صحّحه جماعة من أهل العلم منهم الترمذي وابن حبّان والحاكم والضياء والذهبي وابن كثير، واعتمده جمهور أهل العلم.
(٢) تقدّم أن بعض ألفاظ حديثه "يوم الفيل" وبعضها "عام الفيل" ووجه الجمع بينها.
(٣) في خ: "وهم وأنَّه ولد"، وفي ن: "وهم والصحيح عنه أنّه قال"، والأولى ما أثبتّه من م وط.
(٤) في خ: "الخزاعيّ"! وهذا تحريف صوابه ما أثبتّه من م ون وط.
[ ٢٣٣ ]
مَأْكولٍ﴾ [القيل: ١ - ٥]: فقولُهُ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفيلِ﴾ استفهامُ تقريرٍ لمَن سَمعَ هذا الخطابَ، وهذا يَدُلُّ على اشتهارِ ذلكَ بينَهُم ومعرفتِهِم بهِ وأنَّهُ ممَّا لا يَخْفى علمُهُ عن العربِ خصوصًا قُرَيْش وأهلُ مَكَّةَ. وهذا أمرٌ اشْتَهَرَ بينَهُم وتَعارَفوهُ وقالوا فيهِ الأشعارَ السَّائرةَ. وقدْ قالَتْ عائِشَةُ: رَأيْتُ قائدَ اللَّيلِ وسائسَهُ بمَكَّةَ أعْمَيَيْنِ يَسْتَطْعِمانِ.
وفي هذهِ القصَّةِ ما يَدُلُّ على تعظيمِ مَكَّةَ واحترامِها واحترامِ بيتِ اللهِ الذي فيها.
وولادةُ النَّبيِّ - ﷺ - عَقيبَ ذلكَ تَدُلُّ على نبوَّتِهِ ورسالتِهِ؛ فإنَّهُ - ﷺ - بُعِثَ بتعظيمِ هذا البيتِ وحجِّهِ والصلاةِ إليهِ، وكانَ هذا البلدُ هوَ موطنَهُ ومولدَهُ فاضْطَرَّهُ قومُهُ عندَ دعوتِهِم إلى اللهِ إلى الخروجِ منهُ كرهًا بما نالوهُ منهُ مِن الأذى، ثمَّ إنَّ الله تَعالى ظَفَّرَهُ بهِم وأدْخَلَهُ عليهِم قهرًا، فمَلَكَ البلدَ عنوةً ومَلَكَ رقابَ أهلِهِ، ثمَّ مَنَّ عليهِم وأطْلَقَهُم وعَفا عنهُم، فكانَ في تسليطِ نبيِّهِ - ﷺ - على هذا البلدِ وتمليكِهِ إيَّاهُ ولأُمَّتِهِ مِن بعدهِ ما دَلَّ على صحَّةِ نبوَّتِهِ؛ فإنَّ الله حَبَسَ عنهُ مَن يُريدُهُ بالأذى وأهْلَكَهُ، ثمَّ سَلَّطَ عليهِ رسولَهُ وأُمَّتَهُ، كما قالَ - ﷺ -: "إنَّ الله حَبَسَ عن مَكَّةَ الفيلَ وسَلَّطَ عليها رسولَهُ والمؤمنينَ" (^١). فإنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - وأُمَّتَهُ إنَّما قصدُهُم تعظيمُ البيتِ وتكريمُهُ واحترامُهُ. ولهذا أنْكَرَ النَّبيُّ - ﷺ - يومَ الفَتْحِ على مَن قالَ: اليومَ تُسْتَحَلُّ الكعبةُ، وقالَ: "اليومَ تُعَظَّمُ الكعبةُ" (^٢).
وقدْ كانَ أهلُ الجاهليَّةِ غَيَّروا دينَ إبْراهيمَ وإسْماعيلَ بما ابْتَدَعوهُ مِن الشِّركِ وتغييرِ بعضِ مناسكِ الحجِّ، فسَلَّطَ اللهُ رسولَهُ وأُمَّتَهُ على مَكَّةَ فطَهَّروها مِن ذلكَ كلِّهِ ورَدُّوا الأمرَ إلى دينِ إبْراهيمَ الحنيفِ، وهوَ الذي دَعا لهُم معَ ابنِهِ إسْماعيلَ عندَ بناءِ البيتِ أنْ يَبْعَثَ [اللهُ] فيهِم رسولًا منهُم يَتْلو عليهِم آياتِهِ ويُزَكِّيهِم ويُعَلِّمُهُمُ الكتابَ
_________________
(١) رواه: البخاري (٢ - العلم، ٣٩ - كتابة العلم، ١/ ٢٠٥/ ١١٢)، ومسلم (١٥ - الحجّ، ٨٢ - تحريم مكة، ٢/ ٩٨٨/ ١٣٥٥)؛ من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه البخاري (٦٤ - المغازي، ٤٨ - أين ركز - ﷺ - الراية، ٨/ ٥/ ٤٢٨٠)؛ من حديث عروة بن الزبير مرسلًا. قال العسقلاني: "وهو ظاهر الإرسال في الجميع إلّا في القدر الذي صرّح عروة بسماعه له من نافع بن جبير، وأمّا باقيه؛ فيحتمل أن يكون عروة تلقّاه من أبيه أو عن العبّاس فإنه أدركه وهو صغير، أو جمعه من نقل جماعة له بأسانيد مختلفة، وهو الراجح".
[ ٢٣٤ ]
والحكمةَ، فبَعَثَ اللهُ فيهِم مُحَمَّدا - ﷺ - مِن ولدِ إسْماعيلَ بهذهِ الصِّفةِ، فطَهَّرَ البيتَ وما حولَهُ مِن الشِّركِ، ورَدَّ الأمرَ إلى دينِ إبْراهيمَ الحنيفِ والتَّوحيدِ الذي لأجلِهِ بُنِيَ البيتُ، كما قالَ تَعالى: ﴿وَإذْ بَوَّأْنا لإبْراهيمَ مَكانَ البَيْتِ أنْ لا تُشْرِكَ بي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفينَ وَالقائِمينَ وَالرُّكَعِ السُّجودِ﴾ [الحجّ: ٢٦].
وأمَّا تسليطُ القَرامِطَةِ على البيتِ بعدَ ذلكَ، فإنَّما كانَ عقوبةً بسببِ ذنوبِ النَّاسِ، ولمْ يَصِلوا إلى هدمِهِ ونقضِهِ ومنعِ النَّاسِ مِن حجِّهِ وزيارتِهِ كما كانَ يَفْعَلُ أصحابُ الفيلِ لوْ قَدَروا على هدمِهِ وصرفِ النَّاسِ عن حجِّهِ. والقَرامِطَةُ أخَذوا الحجرَ والبابَ وقَتَلوا الحاجَّ وسَلَبوهُم أموالَهُم، ولمْ يَتَمَكَّنوا مِن منعِ النَّاس مِن حجِّهِ بالكلِّيَّةِ ولا قَدَروا على هدمِهِ بالكلِّيَّةِ كما كانَ أصحابُ الفيلِ يَقْصِدونَهُ، ثمَّ أذَلَّهُمُ اللهُ بعدَ ذلكَ وخَذَلَهُم وهَتَكَ أستارَهُم وكَشَفَ أسرارَهُم، والبيتُ المعظَّمُ باقٍ على حالِهِ مِن التَّعظيمِ والزِّيارةِ والحجِّ والاعتمارِ والصَّلاةِ إليهِ، لمْ يَبْطُلْ شيءٌ مِن ذلكَ عنهُ بحمدِ اللهِ ومنِّهِ، وغايةُ أمرِهِم أنَّهُم أخافوا حاجَّ العراقِ حتَّى انْقَطَعوا بعضَ السِّنينَ ثمَّ عادوا.
ولمْ يَزَلِ اللهُ تَعالى يَمْتَحِنُ عبادَهُ المؤمنينَ بما يَشاءُ مِن المحنِ، ولكنَّ دينَهُ قائمٌ محفوظٌ لا يَزالُ تَقومُ بهِ أُمَّةٌ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لا يَضُرُّهُم مَن خَذَلَهُم حتَّى يَأْتِيَ أمرُ اللهِ وهُم على ذلكَ، كما قالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٢، ٣٣].
وقدْ أخْبَرَ النَّبيُّ - ﷺ - أن هذا البيتَ يُحَجُّ ويُعْتَمَرُ بعدَ خروجِ يَأْجوجَ ومأْجوجَ ولا يَزالُ كذلكَ حتَّى تُخَرِّبَهُ الحبشةُ ويُلْقوا حجارتَهُ في البحرِ، وذلكَ بعدَ أنْ يَبْعَثَ اللهُ ريحًا طيّبةً تَقْبِضُ أرواحَ المؤمنينَ كلِّهِم فلا يَبْقى في الأرضِ مؤمنٌ، ويُسْرى بالقرآنِ مِن الصُّدورِ والمصاحفِ فلا يَبْقى في الأرضِ قرآنٌ ولا إيمانٌ ولا شيءٌ مِن الخيرِ، فبعدَ ذلكَ تَقومُ السَّاعةُ، ولا تَقومُ إلَّا على شرارِ النَّاسِ (^١).
_________________
(١) وهذه فقرات مجموعة من أحاديث جماعة من الصحابة أكثرها من مخرّجات الصحيحين.
[ ٢٣٥ ]
• وقولُهُ - ﷺ -: "ويومٌ أُنزِلَتْ عليَّ فيهِ النُّبوَّةُ"؛ يَعْني: أنَّهُ - ﷺ - نُبِّئَ يومَ الاثنينِ.
وفي "المسند": عن ابن عَبَّاسٍ؛ قالَ: وُلِدَ النَّبيُّ - ﷺ - يومَ الاثنينِ، واسْتُنْبِئَ يومَ الاثنينِ، وخَرَجَ مهاجرًا مِن مَكَّةَ إلى المدينةِ يومَ الاثنينِ، ودَخَلَ المدينةَ يومَ الاثنينِ، وتُوُفِّيَ يومَ الاثنينِ، ورَفَعَ الحجرَ الأسودَ يومَ الاثنينِ (^١).
وذَكَرَ ابنُ إسْحاقَ أن النُّبوَّةَ نَزَلَتْ يومَ الجمعةِ. وحديثُ أبي قَتادَةَ يَرُدُّ هذا.
واخْتَلَفوا في أيِّ شهرٍ كانَ ابتداءُ النبوَّةِ: فقيلَ: في رمضانَ. وقيلَ: في رجبٍ.
ولا يَصِحُّ. وقيلَ: في ربيعٍ الأوَّلِ. وقيلَ: إنَّهُ نُبِّئَ يومَ الاثنينِ لثمان مِن ربيعٍ الأوَّلِ.
وأمَّا الإسراءُ؛ فقيلَ: كانَ في رجبٍ. وضَعَّفَهُ غيرُ واحدٍ (^٢). وقيلَ: كانَ في ربيعٍ الأوَّلِ. وهوَ قولُ إبْراهيمَ الحَرْبِيِّ وغيرِهِ.
وأمَّا دخولُهُ المدينةَ ووفاتُهُ - ﷺ -؛ فكانا في ربيعٍ الأوَّلِ بغيرِ خلافٍ، معَ الاختلافِ في تعيينِ ذلكَ اليومِ مِن أيَّامِ الشَّهرِ.
• وفي قولِ النَّبيِّ - ﷺ - لمَّا سُئِلَ عن صيامِ يومِ الاثنينِ "ذاكَ يومٌ وُلِدْتُ فيهِ وأنزِلَتْ عليَّ فيهِ النُّبوَّةُ" إشارةٌ إلى استحبابِ صيامِ الأيَّامِ التي [تَـ]ـتَجَدَّدُ فيها نعمُ اللهِ [تَعالى] على عبادهِ. فإنَّ أعظمَ نعمِ اللهِ على هذهِ الأُمَّةِ إظهارُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لهُم وبعثتُهُ وإرسالُهُ إليهِم، كما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾
_________________
(١) (ضعيف). رواه: أحمد (١/ ٢٧٧)، والطبري في "التاريخ" (١/ ٥٢٨، ٢/ ٥ و٢٤١)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٢٠٧٧ و٥٢٨٦)، والطبراني (١٢/ ١٨٣/ ١٢٩٨٤)، وابن مردويه (المائدة ٣ - ابن كثير)، والبيهقي في "الدلائل" (٧/ ٢٣٣ و٢٣٤)؛ من طريق ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش الصنعاني، عن ابن عبّاس … فذكره. قال ابن كثير: "أثر غريب، وإسناده ضعيف". وقال الهيثمي (١/ ٢٠١): "فيه ابن لهيعة وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات من أهل الصحيح". ورواه الفاكهي في "تاريخ مكَّة" (٢٢٩٨ و٢٢٩٩) من طريق معلّى بن عبد الرحمن، عن عبد الحميد بن جعفر، [عن ابن شهاب الزهريّ]، عن عبد الله بن أبي جعفر (وقال مرّة: عبيد الله بن عبد الله)، عن عبد الله بن عبّاس … به مطوّلًا. ومعلّى متّهم. ورواه الطبراني (١١/ ٧٠/ ١١١٢٤) من طريق مسلم الأعور، عن مجاهد، عن ابن عبّاس؛ قال: ولد - ﷺ - يوم الاثنين وأنزل عليه يوم الاثنين ومات يوم الاثنين. والأعور متروك أو يكاد. فالطريق الأولى ضعيفة، والطريقين الأُخريين ساقطتين، والحديث ضعيف.
(٢) فليت أصحاب الاحتفالات والإحياءات والحضرات والإنشادات والموالد يعتبرون!
[ ٢٣٦ ]
[آل عمران: ١٦٤]؛ فإن النِّعمةَ على الأُمَّةِ بإرسالِهِ أعظمُ مِن النِّعمةِ عليهِم بإيجادِ السَّماءِ والأرضِ والشَّمسِ والقمرِ والليلِ والنهارِ والرِّياحِ وإنزالِ المطرِ وإخراجِ النَّباتِ وغيرِ ذلكَ؛ فإنَّ هذهِ النِّعمةَ كلَّها قد عَمَّتْ خلقًا مِن بني آدَمَ كَفَروا باللهِ وبرسلِهِ وبلقائِهِ فبَدَّلوا نعمةَ اللهِ كفرًا، وأمَّا النِّعمةُ بإرسالِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -؛ فإنَّـ[ـهُ] (^١) بها تَمَّتْ مصالحُ الدُّنيا والآخرةِ، وكَمَلَ بسببِها دينُ اللهِ الذي رَضِيَهُ لعبادِهِ، وكانَ قبولُهُ سببَ سعادتِهِم في دنياهُم وآخرتهِم. فصيامُ يومٍ تَجَدَّدَتْ فيهِ هذهِ النِّعمُ مِن اللهِ على عباده المؤمنينَ حسنٌ جميلٌ، وهوَ مِن بابِ مقابلةِ النِّعمِ في أوقاتِ تجدُّدِها بالشُّكر (^٢).
ونظيرُ هذا صيامُ يومِ عاشوراءَ حيثُ أنْجى اللهُ فيهِ نوحًا مِن الغرقِ ونَجَّى فيهِ مواسى وقومَهُ مِن فِرْعَوْنَ وجنودِهِ وأغْرَقَهُم في اليمِّ، فصامَهُ نوحٌ وموسى ﵉ شكرًا، وصامَهُ رسولُ اللهِ - ﷺ - متابعةً لأنبياءِ اللهِ، وقالَ لليهودِ: "نحنُ أحقُّ بموسى منكُم"، فصامَهُ وأمَرَ بصيامِهِ (^٣).
وقد رُوِيَ أن النبي - ﷺ - كانَ يَتَحَرَّى صيامَ يومِ الاثنينِ ويومِ الخميسِ؛ رُوِيَ ذلكَ عنه مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ وعائِشَة (^٤) وأُسامةَ بن زَيْدٍ:
_________________
(١) لا بدّ من إضافة الهاء هنا؛ لأنّ اسم إنّ لا يكون جملة ولا شبه جملة.
(٢) لا يشرع للمسلم أن يختصّ يومًا بعينه - مهما كان هذا اليوم - بعبادة بعينها بمجرّد الرأي والاستحسان! هذا باب لا بدّ فيه من سنة صحيحة! ومن تنكّب هذا القيد وأعرض عنه؛ فقد فتح واحدًا من أخطر أبواب الضلالة وأحبّها إلى الصوفية وأهل البدع. وأهل الاتباع هم أسعد الناس بسنّة نبيّهم - ﷺ - فعلا وتركًا، فما شرعه - ﷺ - من العبادات في أيّام تجدّد النعم - كصيام الاثنين وعاشوراء - استحبّوه وفعلوه، وما تركه وأعرض عنه - كصيام يوم الهجرة وقيام ليلة الإسراء - لم يستحسنوه ولم يفعلوه.
(٣) متّفق عليه. تقدّم تفصيل القول في لفظه وتخريجه (ص ١٢٣).
(٤) (صحيح). رواه: إسحاق (٣/ ٩٥٥/ ١٦٦٤ و١٦٦٥)، وأحمد (٦/ ٨٠ و٨٩ و١٠٦)، وابن ماجه (٧ - الصيام، ٤١ - عاشوراء، ١/ ٥٥٣/ ١٧٣٩)، والترمذي (٦ - الصوم، ٤٤ - الاثنين والخميس، ٣/ ١٢١/ ٧٤٥)، والنسائي في "المجتبى" (٢٢ - الصيام، ٣٦ - الاختلاف على ابن معدان، ٤/ ١٥٣/ ٢١٨٥ و٢١٨٦ و٢٣٥٩ - ٢٣٦٣) و"الكبرى" (٢٤٩٦ و٢٤٩٧ و٢٦٦٧ و٢٦٧٠ - ٢٦٧٣ و٢٧٨٦)، وأبو يعلى في "المسند" (٤٧٥١) و"المعجم" (٣١)، وابن خزيمة (٢١١٦)، والمحاملي (١١٢)، وابن حبّان (٣٦٤٣)، والطبراني في "الأوسط" (٣١٧٨) و"الشاميّين" (٤٣٩ و١١٥٦)، وأبو نعيم في "الحلية" (٧/ ١٢٣)، والذهبي في "النبلاء" (١٣/ ٥٦٣) و"التذكرة" (٢/ ٦٥٦)؛ من طرق ثلاث، عن عائشة … رفعته. وإحدى هذه الطرق صحيحة لذاتها، والثانية حسنة لذاتها، والثالثة فيها خلاف وصلًا وإرسالًا وتردّد =
[ ٢٣٧ ]
وفي حديثِ أُسامَةَ؛ أنَّهُ سَألَهُ عن ذلكَ، فقالَ - ﷺ -: "إنَّهُما يومانِ تُعْرَضُ فيهِما الأعمالُ على ربِّ العالمينَ، فأُحِبُّ أنْ يُعْرَضَ عملي وأنا صائم" (^١).
وفي حديثِ أبي هُرَيْرَةَ؛ أنَّهُ سُئِلَ عن ذلكَ، فقالَ: "إنَّهُ يُغْفَرُ فيهِما لكل مسلمٍ؛ إلَّا مهتجرَيْنِ، يَقولُ: دَعْهُما حتَّى يَصْطَلِحا" (^٢).
وفي "صحيح مسلم" (^٣) عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: "تُفْتَحُ أبوابُ الجنَّةِ يومَ الاثنينِ والخميسِ، فيُغْفَرُ لكل عبدٍ لا يُشْرِكُ باللهِ شيئًا؛ إلَّا رجلًا كانَتْ بينَهُ وبينَ أخيهِ شحناءُ، فيُقالُ: أنْظِروا هذينِ حتَّى يَصْطَلِحا".
ويُرْوى مِن حديثِ أبي أُمامَةَ مرفوعًا: "تُرْفَعُ الأعمالُ يومَ الاثنينِ والخميسِ، فيُغْفَرُ للمستغفرينَ، ويُتْرَكُ أهلُ الحقدِ بحقدِهِم" (^٤).
وفي "المسند": عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -: "إنَّ أعمالَ بني آدَمَ تُعْرَضُ [على اللهِ ﵎ عشيَّةَ] (^٥) كلِّ خميسٍ ليلةَ الجمعةِ، فلا يُقْبَلُ عملُ قاطعِ
_________________
(١) = بين ثقتين، وقد فصّل النَّسَائِي في هذا الخلاف فأطال، ولا يضرّ صحّة هذه الطريق شيئًا فضلًا عن الطريقين الأُخريين، والحديث صحيح غاية بمجموع طرقه، وقد قوّاه الترمذي وابن خزيمة وابن حبّان والمنذري والذهبي والعسقلاني والألباني.
(٢) (صحيح). سيأتي تفصيل القول فيه في المجلس الأوَّل من وظائف شعبان.
(٣) (صحيح بشواهده). رواه: أحمد (٢/ ٣٢٩)، والدارمي (٢/ ٢٠)، وابن ماجه (٧ - الصيام، ٤٢ - الاثنين والخميس، ١/ ٥٥٣/ ١٧٤٠)، والترمذي (الموضع السابق، ٣/ ١٢٢/ ٧٤٧)، والمزّي في "التهذيب" (٢٥/ ٢٠١)؛ من طريق محمّد بن رفاعة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة … رفعه. قال الترمذي: "حسن غريب". وقال البوصيري: "إسناده صحيح غريب، ومحمّد بن رفاعة ذكره ابن حبّان في "الثقات" تفرّد بالرواية عنه الضحّاك بن مخلد، وباقي رجال إسناده على شرط الشيخين". وقال المنذري: "رواته ثقات". قلت: ابن رفاعة مجهول. وقد أعلّه ابن رجب فيما يأتي بالوقف أيضًا. فالسند ضعيف. لكن يشهد له حديثا عائشة وأُسامة المتقدّمان ورواية مسلم الآتية بعده، فهو صحيح بهذه الشواهد.
(٤) (٤٥ - البرّ والصلة، ١١ - النهي عن الشحناء والتهاجر، ٤/ ١٩٨٧/ ٢٥٦٥).
(٥) (ضعيف جدًّا). رواه: البزّار (٤/ ٢٨٨/ ١٤٦٠)، والطبراني (١٠/ ١٠/ ٩٧٧٦)؛ من طريق عبيد الله بن زحر، عن عليّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة، عن ابن مسعود … رفعه. قال البزّار: "لا نعلمه عن عبد الله مرفوعا إلّا بهذا الإسناد". وقال الهيثمي: "فيه علي بن يزيد الألهاني، وهو متروك". قلت: وعبيد الله بن زحر صالح في المتابعات، والقاسم صاحب مناكير، والسند واه.
(٦) ليست في خ وم ون، وأثبتّها من مصادر التخريج حتّى لا يظنّ ظانّ أنّ أعمال المسلمين في الدنيا تعرض على النبيّ - ﷺ - كما يدعي بعض أهل الأهواء الذين تسلّطوا على عقائد العامة بمثل هذا.
[ ٢٣٨ ]
رحمٍ" (^١).
كانَ بعضُ السَّلفِ (^٢) يَبْكي إلى امرأتِهِ يومَ الخميسِ وتَبْكي إليهِ ويَقولُ: اليومَ تُعْرَضُ أعمالُنا على اللهِ ﷿.
يا مَن يُبَهْرِجُ بعملِه! على مَن تُبَهْرِجُ والنَّاقدُ بَصير؟! يا مَن يُسَوِّفُ بطولِ أملِه! إلى كم تُسَوِّفُ والعمرُ قصير؟!
صُروفُ الحَتْفِ مُتْرَعَةُ الكؤوسِ … تُدارُ عَلى الرَّعايا وَالرُّؤوسِ
فَلا تَتْبَعْ هَواكَ فَكُلُّ شَخْصٍ … يَصيرُ إلى بِلًى وَإلى دُروسِ
وَخَفْ مِنْ هَوْلِ يَوْمٍ قَمْطَريرٍ … مَخوفٍ شَرُّهُ ضَنْكٍ عَبوسِ
فَما لَكَ غَيْرُ تَقْوى اللهِ زادًا … وَفِعْلِكَ حينَ تُقْبَرُ مِن أنيسِ
فَحَسِّنْهُ لِيُعْرَضَ مُسْتَقيمًا … فَفي الاثْنَيْنِ يُعْرَضُ وَالخَميسِ