في الصَّحيحين (^٢): عن ابن عَبَّاسٍ؛ قالَ: كانَ النَّبيُّ - ﷺ - أجوَدَ النَّاسِ، وكانَ أجودَ ما يَكونُ في رمضانَ حينَ يَلْقاهُ جِبْريلُ فيُدارِسُهُ القرآنَ، وكانَ جِبْريلُ يَلْقاهُ في كلِّ ليلةٍ
_________________
(١) كذا بالجزم في "يأذنوا" و"يطردوني"، وهي لغة ضعيفة.
(٢) البخاري (١ - بدء الوحي، ٥ - باب، ١/ ٣٠/ ٦)، ومسلم (٤٣ - الفضائل، ١٢ - كان - ﷺ - أجود بالخير، ٤/ ١٨٠٣/ ٢٣٠٨).
[ ٣٨٠ ]
فيُدارِسُهُ القرآنَ، فلَرسولُ اللهِ - ﷺ - حينَ يَلْقاهُ جِبْريلُ أجودُ بالخيرِ مِن الرِّيحِ المرسلةِ".
وخَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ بزيادة في آخرِهِ، وهيَ: "لا يُسْألُ عن شيءٍ إلَّا أعْطاهُ" (^١).
• الجودُ هوَ سعةُ العطاءِ وكثرتُهُ، واللهُ تَعالى يوصفُ بالجودِ.
وفي التِّرْمِذِيِّ مِن حديثِ: سَعْدِ بن أبي وَقَّاصٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -: "إنَّ الله جوادٌ يُحِبُّ الجودَ، كريم يُحِبُّ الكرمَ" (^٢).
_________________
(١) (صحيح بشاهده). رواه: ابن سعد (٢/ ١٩٥)، وابن أبي شيبة (٣١٨٠٢)، وأحمد (١/ ٢٣١ و٣٢٦)، وعبد بن حميد (٦٤٧)، وابن أبي الدنيا في "المكارم" (٣٩٥)، والبيهقي في "الشعب" (٢٢٤٧)؛ من طريق ابن إسحاق، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبّاس … رفعه. فقد تفرّد ابن إسحاق على تدليسه وعنعنته بهذه الزيادة دون سائر أصحاب الزهريّ، فهي ضعيفة. لكن قال العسقلاني في "الفتح" (١/ ٣١): "ثبتت هذه الزيادة في "الصحيح" البخاري ٦٠٣٤ ومسلم ٢٣١١، من حديث جابر". قلت: ومن حديث سهل عند البخاري (٦٠٣٦). فهي صحيحة بهذين الشاهدين.
(٢) (ضعيف جدًّا بهذا التمام). قطعة من حديث رواه: الفسوي (٨٥٥ - راوي وسامع)، والترمذي (٤٤ - الأدب، ٤١ - النظافة، ٥/ ١١١/ ٢٧٩٩)، وابن أبي الدنيا في "المكارم" (٨)، والبزار (١١١٤)، والدورقي في "مسند سعد" (٣١)، وأبو يعلى (٧٩٠ و٧٩١)، وابن حبّان في "المجروحين" (١/ ٢٧٩)، والطبراني في "الكبير" (٣/ ١٣١/ ٢٨٩٤)، وابن عدي (٣/ ٨٧٨)، والخطيب في "الراوي والسامع" (٨٥٥)، وابن الجوزي في "الواهيات" (١١٨٦)؛ من طريق خالد بن إياس (أو: إلياس)، (قال مرّة: عن صالح بن أبي حسّان عن سعيد بن المسيّب موقوفًا. ومرّة: عن مهاجر بن مسمار عن عامر بن سعد عن أبيه رفعه. ومرّة: عن عامر بن سعد عن أبيه رفعه. ومرّة: عن محمّد بن عبد الله بن عمرو عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها رفعه). قال الترمذي: "غريب، وخالد بن إلياس يضعّف". قلت: خالد متروك، والسند ساقط. ورواه الدولابي في "الكنى" (١٢٠٣) من طريق أبي الطيّب هارون بن محمّد، ثنا بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد، عن أبيه … رفعه. وهذا ساقط، هارون متروك متّهم. وللقطعة الأولى شاهد عند: هنّاد في "الزهد" (٨٣٩)، والشاشي في "المسند" (٢٠)، والخرائطي في "المكارم" (٣٢٧)، والبيهقي في "الشعب" (١٠٨٤٠)؛ من طريق حجّاج بن أرطاة، عن سليمان بن سحيم، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، عن النبيّ - ﷺ - … به. وهذا واهٍ: حجّاج ليّن كثير التدليس وقد عنعن، وابن كريز عن النبيّ - ﷺ - مرسل. ورواه نوح الجامع عن حجّاج موصولًا وخالف في إسناده كما في "الحلية" (٥/ ٢٩)، ونوح كذّاب لا يفرح بوصله ولا يعتبر بمخالفته. وروى القطعة الثانية أبو حازم سلمة بن دينار واختلف عليه فيها على وجهين: روى الأوّل: ابن أبي الدنيا في "المكارم" (٦)، والخرائطي في "المكارم" (٣)، وابن قانع (١/ ٢٦٩/ ٣١٣)، وابن حبّان في "روضة العقلاء" (ص ١٦)، والطبراني في "الكبير" (٦/ ١٨١/ ٥٩٢٨) و"الأوسط" (٢٩٦٤)، وأبو الشيخ في "حديثه" (١٣٧٨ - صحيحة)، والحاكم (١/ ٤٨)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢٥٥، ٨/ ١٣٣)، والبيهقي في "السنن" (١٠/ ١٩١) و"الشعب" (٨٠١١)، والسلفي في "معجم السفر" (١٣٧٨ - صحيحة)؛ من طريقين قويّتين، عن =
[ ٣٨١ ]
وفيهِ أيضًا مِن حديثِ: أبي ذَرٍّ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، عن ربِّهِ؛ قالَ: "يا عبادي! لو أن أوَّلَكُم وآخرَكُم وحيَّكُم وميِّتَكُم ورطبَكُم ويابسَكُمُ اجْتَمَعوا في صعيدٍ واحدٍ، فسَألَ كلُّ إنسانٍ منكُم ما بَلَغَتْ أُمنيتُهُ، فأعْطَيْتُ كلَّ سائلٍ منكُم؛ ما نَقَصَ ذلكَ مِن ملكي إلَّا كما لو أنَّ أحدَكُم مَرَّ بالبحرِ فغَمَسَ فيهِ إبرةً ثمَّ رَفَعَها إليهِ، ذلكَ بأنِّي جواد واجد ماجد أفْعَلُ ما أُريدُ، عَطائي كلامٌ وعذابي كلامٌ، إنَّما أمري لشيءٍ إذا أرَدْتُ أنْ أقولَ لهُ كُنْ فيَكونُ" (^١).
وفي الأثرِ المشهورِ عن فُضَيْلِ بن عِياضٍ: إنَّ الله تَعالى يَقولُ كلَّ ليلةٍ: أنا الجوادُ
_________________
(١) = أبي حازم، عن سهل بن سعد … رفعه. وروى الثاني: معمر في "الجامع" (٢٠١٥٠)، وابن أبي شيبة، والبخاري في "التاريخ" (٤/ ٣٤٧)، وابن أبي الدنيا في "المكارم" (٧)، والحاكم (١/ ٤٨)، والبيهقي (١/ ١٩١)، والبغوي في "السنّة" (٣٥٠٣)؛ من طرق ثلاث قويّة، عن أبي حازم، عن طلحة بن عبيد بن كريز … مرسلا. وجميع الطرق عن أبي حازم قويّة، والوجه الثاني أقوى لكثرة رواته وفيهم الثوري جبل الحفظ. وبهذا الثاني أعلّ الذهبي الوجه الأوّل. وأمّا الحاكم فقال: "هذا لا يوهّن حديث سهل بن سعد على ما قدّمته من قبول الزيادات من الثقات". وقول الحاكم أوجه وأقعد، ولا يبعد أن يكون الحديث عند أبي حازم على الوجهين، ولذلك قال العراقي "صحيح الإسناد" ولم يتوقّف عند العلّة المذكورة، وقال الهيثمي (٨/ ١٩١): "رجال" الكبير "ثقات". وعليه؛ فالسياق بطوله ضعيف جدًّا دون حدّ الاعتبار، والقطعة الأولى منه جاءت من أوجه ضعيفة، والثانية جاءت من أوجه صحيحة. وقد ضعّف السياق بطوله الترمذي وابن حبّان وابن الجوزي والألباني.
(٢) (ضعيف بهذا التمام). رواه: ابن فضيل في "الدعاء" (١٣٠)، وابن أبي شيبة (٢٩٥٤٨)، وأحمد (٥/ ١٥٤ و١٧٧)، وهنّاد (٩١٩)، وابن ماجه (٣٧ - الزهد، ٣٠ - ذكر التوبة، ٢/ ١٤٢٢/ ٤٢٥٧)، والترمذي (٣٨ - القيامة، ٤٨ - باب، ٤/ ٦٥٦/ ٢٤٩٥)، والبزّار (٩/ ٤٣٩/ ٤٠٥١ و٤٠٥٢)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٢/ ١٣٤)، والطبراني في "الشاميّين" (٢٨١١) و"الدعاء" (١٥)، والبيهقي في "الصفات" (١١٢ و٢٤٦ و٣٣٤) و"الشعب" (٧٠٨٩)، والخطيب في "التاريخ" (٧/ ٢٠٣)، وتمّام في "الفوائد" (١٦٩٩)؛ من طرق خمس، عن شهر، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي ذرّ … رفعه بهذا السياق. قال الترمذي: "حسن، وروى بعضهم هذا الحديث عن شهر بن حوشب عن معديكرب عن أبي ذرّ نحوه". قلت: لم أقف عليه، لكن لا يبعد أن يكون من اضطرابات شهر فإنّه ضعيف لا ينبغي أن يحسّن ما انفرد به، وقد انفرد بهذا السياق مخالفًا رواية الثقات لهذا الحديث عن أبي ذرّ كما أوردها مسلم في "صحيحه" (٢٥٧٧)، ولذلك ضعفه الألباني وقال: "وأكثره في مسلم". نعم؛ رواه البزّار (٩/ ٤٠٢/ ٣٩٩٥) من طريق المحاربي، عن موسى بن المسيّب، عن سالم بن أبي الجعد، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر … رفعه بهذا السياق. لكنّها رواية منكرة، ففي المحاربيّ ضعف وتدليس وقد عنعن وخالف سبعة من الثقات رووا الحديث عن موسى عن شهر على الوجه الأوَّل.
[ ٣٨٢ ]
ومنِّي الجودُ، أنا الكريمُ ومنِّي الكرمُ (^١).
فاللهُ سبحانَهُ أجودُ الأجودينَ، وجودُهُ يَتَضاعَفُ في أوقاتٍ خاصَّةٍ كشهرِ رمضانَ:
وفيهِ أُنْزِلَ قولُهُ [تَعالى]: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجيبُ دَعْوَةَ الدَّاعي إذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
وفي الحديثِ الذي خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وغيرُهُ: أنَّهُ يُنادي فيه منادٍ: "يا باغيَ الخيرِ! هَلُمَّ، ويا باغيَ الشَّرِّ! أقْصِرْ. وللهِ عتقاءُ مِن النَّارِ، وذَلكَ كلَّ ليلةٍ" (^٢).
• ولمَّا كانَ اللهُ ﷿ قد جَبَلَ نبيَّهُ ﵇ على أكملِ الأخلاقِ وأشرفِها كما في حديثِ: أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبي - ﷺ -؛ قالَ: "إنَّما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صالحَ الأخلاقِ" (^٣). وذَكَرَهُ مالكٌ في "الموطَّإ" بلاغًا. فكانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - أجودَ النَّاس كلَهِم.
وخَرَّجَ ابنُ عَدِيٍّ بإسنادٍ فيهِ ضعفٌ مِن حديثِ أنَسٍ مرفوعًا: "ألا أُخْبِرُكُم بالأجودِ
_________________
(١) إن لم يكن هذا من الإسرائيليات؛ فأحسن أحواله أن يكون له حكم الإعضال! وأيّ آفة؟!
(٢) (صحيح). قطعة من حديث سيأتي بطوله وتخريجه قريبا.
(٣) (حسن صحيح). رواه مالك في "الموطّأ" (٢/ ٩٠٤) بلاغًا. ووصله: ابن سعد (١/ ١٩٢)، وأحمد (٢/ ٣٨١)، والبخاري في "الأدب" (٢٧٣) و"التاريخ" (٧/ ١٨٨)، وابن أبي الدنيا في "المكارم" (١٣)، والبزّار (٢٧٤٠ - كشف)، والخرائطي في "المكارم" (١ و٢)، والبغوي في "حديث الزبيريّ" (١٠٦)، والحاكم (٢/ ٦١٣)، والقضاعي في "الشهاب" (١١٦٥)، والبيهقي في "السنن" (١/ ١٩١ و١٩٢) و"الشعب" (٧٩٧٧ و٧٩٧٨)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٤/ ٣٣٣)؛ من طريق ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة … رفعه. قال الحاكم: "على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي، وتعقّبهما الألباني بقوله: "ابن عجلان إنّما أخرج له مسلم مقرونًا". قلت: هو صدوق حسن الحديث، فالسند كذلك. وله شاهد عند: ابن وهب في "الجامع" (٤٨٣)، وابن أبي شيبة (٣١٧٦٤)؛ بسند صحيح، عن زيد بن أسلم، عن النبيّ - ﷺ - مرسلًا. وآخر عند ابن عبد البرّ (١٦/ ٢٥٤) بسند قويّ عن إبراهيم النخعي مرسلًا. وثالث من حديث جابر عند الطبراني في "الأوسط" (٦٨٩١) بسند ضعيف. ورابع من حديث معاذ عند: الحارث بن أبي أُسامة، وابن أبي الدنيا في "المكارم" (١٤)، والبزّار (١٩٧٣ - كشف)، والطبراني (٢٠/ ٦٥/ ١٢٠)، وابن عبد البر (٤/ ٣٣٤)؛ بسند ضعيف. والحديث صحيح بلا ريب بهذه الشواهد، وقد قوّاه الحاكم وابن عبد البرّ والذهبي والهيثمي والألباني.
[ ٣٨٣ ]
الأجودِ؟ اللهُ الأجودُ الأجودُ. وأنا أجودُ بني آدَمَ. وأجودُهُم مِن بعدي: رجلٌ عَلِمَ علمًا فنَشَرَ علمَهُ، يُبْعَثُ يومَ القيامةِ أُمَّةً وحدَهُ. ورجلٌ جادَ بنفسِهِ في سبيلِ اللهِ" (^١). فدَلَّ هذا على أنَّهُ ﵇ أجودُ بني آدَمَ على الإطلاقِ، كما أنَّهُ أفضلُهُم وأعلمُهُم وأشجعُهُم وأكملُهُم في جميعِ الأوصافِ الحميدةِ.
وكانَ جودُهُ بجميعِ أنواعِ الجودِ مِن: بذلِ العلمِ والمالِ، وبذلِ نفسِهِ للهِ في إظهارِ دينِهِ وهدايةِ عبادِهِ وإيصالِ النَّفعِ إليهِم بكلِّ طريقٍ مِن إطعامِ جائعِهِم ووعظِ جاهلِهِم وقضاءِ حوائجِهِم وتحمُّلِ أثقالِهِم.
ولمْ يَزَلْ - ﷺ - على هذهِ الخصالِ الحميدةِ منذُ نَشَأ، ولهذا قالَتْ لهُ خديجةُ في أوَّلِ مبعثِهِ: واللهِ؛ لا يُخْزيكَ اللهُ أبدًا، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحمَ وتَقْري الضَّيفَ وتَحْمِلُ الكَلَّ وتكْسِبُ المعدومَ وتُعينُ على نوائبِ الحق (^٢).
ثمَّ تَزايَدَتْ هذهِ الخصالُ فيهِ - ﷺ - بعدَ البعثةِ وتَضاعَفَتْ أضعافًا كثيرةً.
وفي الصَّحيحينِ (^٣): عن أنَسٍ؛ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - أحسنَ النَّاسِ وأشجعَ النَّاسِ وأجودَ النَّاسِ.
وفي "صحيح مسلم" (^٤) عنهُ؛ قالَ: ما سُئِلَ رسولُ اللهِ - ﷺ - على الإسلامِ شيئًا إلَّا أعْطاهُ، فجاءَهُ رجلٌ فأعطاهُ غنمًا بينَ جبلينِ، فرَجَعَ إلى قومِهِ فقالَ: يا قومِ! أسْلِموا؛
_________________
(١) (موضوع). رواه: أبو يعلى (٢٧٩٠)، وابن حبّان في "المجروحين" (١/ ١٦٨، ٢/ ٣٠١)، وابن عدي في "الكامل" (١/ ٣٥٠)، والبيهقي في "الشعب" (١٧٦٧)، وابن عبد البرّ في "جامع بيان العلم"، وابن الجوزي في "الموضوعات" (١/ ٢٣٠)؛ من طريق سويد بن عبد العزيز، عن نوح بن ذكوان، عن أخيه أيّوب بن ذكوان، عن الحسن البصري، عن أنس … رفعه. قال الهيثمي (١/ ١٧١، ٩/ ١٦): "فيه سويد بن عبد العزيز وهو متروك". قلت: ونوح متّهم، وأيّوب متروك منكر الحديث، والحسن عنعن على تدليسه. وقد ضعّفه المنذري والبوصيري والعسقلاني والألباني واستنكره ابن عدي، وقال ابن حبّان: "منكر باطل لا أصل له"، وعدّه ابن الجوزي في الموضوعات.
(٢) رواه: البخاري (١ - بدء الوحي، ٣ - باب، ١/ ٢٣/ ٣)، ومسلم (١ - الإيمان، ٧٣ - بدء الوحي، ١/ ١٣٩/ ١٦٠)؛ من حديث عائشة.
(٣) البخاري (٥٦ - الجهاد، ٨٢ - الحمائل وتعليق السيف، ٦/ ٩٥/ ٢٩٠٨)، ومسلم (٤٣ - الفضائل، ١١ - شجاعته - ﷺ -، ٤/ ١٨٠٢/ ٢٣٠٧)؛ من حديث أنس.
(٤) (٤٣ - الفضائل، ١٤ - ما سئل - ﷺ - شيئا فقال لا، ٤/ ١٨٠٦/ ٢٣١٢).
[ ٣٨٤ ]
فإنَّ مُحَمَّدًا يُعْطي عطاءَ مَن لا يَخْشى الفاقةَ.
وفي روايةٍ لهُ (^١): أن رجلًا سَألَ النَّبيَّ - ﷺ - غنمًا بينَ جبلينِ، فأعْطاهُ إيَّاهُ، فأتى قومَهُ فقالَ: يا قومِ! أسْلِموا؛ فإنَّ مُحَمَّدًا يُعْطي عطاءً ما يَخافُ (^٢) الفقرَ. قالَ أنَسٌ: إنْ كانَ الرَّجلُ لَيُسْلِمُ ما يُريدُ إلَّا الدُّنيا، فما يُمْسي حتَّى يَكونَ الإسلامُ أحبَّ إليهِ مِن الدُّنيا وما عليها.
وفيهِ أيضًا (^٣): عن صَفْوانَ بن أُمَيَّةَ؛ قالَ: لقد أعْطاني رسولُ اللهِ - ﷺ - ما أعْطاني وإنَّهُ لَمِن أبغضِ النَّاسِ إليَّ، فما بَرِحَ يُعْطيني حتَّى إنَّهُ لأَحبُّ النَّاسِ إليَّ. قالَ ابنُ شِهابٍ: أعْطاهُ يومَ حنينٍ مئةً مِن النَّعمِ ثمَّ مئةً ثمَّ مئةً.
وفي "مغازي الواقِدِيِّ": أن النَّبيَّ - ﷺ - أعْطى صَفْوانَ [بنَ أُمَيَّةَ] يومئذٍ واديًا مملوءًا إبلًا ونعمًا، فقالَ صَفْوانُ: أشْهَدُ ما طابَتْ بهذا إلَّا نفسُ نبيٍّ (^٤).
وفي الصَّحيحينِ (^٥): عن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ؛ أن الأعرابَ عَلِقوا بالنَّبيِّ - ﷺ - مرجعَهُ مِن حُنَيْنٍ يَسْألونَهُ أنْ يَقْسِمَ بينَهُم. فقالَ: "لو كانَ لي عددُ هذهِ العِضاهِ نَعَمًا؛ لَقَسَمْتُهُ بينكُم، ثمَّ لا تَجِدوني بخيلًا ولا كذوبًا ولا جبانًا".
وفيهِما (^٦): عن جابِرٍ؛ قالَ: ما سُئِلَ رسولُ اللهِ - ﷺ - شيئًا فقالَ: لا. وأنَّهُ قالَ لجابِرٍ: "لو جاءَنا مالُ البحرينِ؛ لقد أعْطَيْتُكَ هكذا وهكذا وهكذا (وقالَ بيديهِ جميعًا) ".
_________________
(١) (الموضع السابق، بعده).
(٢) في خ: "عطاء من لا يخاف"، وأثبتّ ما في م ون وط لموافقته لفظ مسلم.
(٣) (الموضع السابق، ٢٣١٣).
(٤) (ضعيف جدًّا). رواه الواقدي في "المغازي" (٢/ ٨٥٤، ٣/ ٩٤٦) في سياق مسند مطوّل، والواقدي متّهم لا يفرح بمسنداته. وذكر بعضه الزبير بن بكّار بغير إسناد، وعنه ابن عساكر (٢٤/ ١٠٥)، والغالب أنّ الزبير تلقّاه من الواقدي مباشرة أو بالواسطة أو من كتابه. وخير من هذا كلّه وأولى منه بالقبول عند أهل العلم مرسل الزهريّ المتقدّم.
(٥) بل تفرّد به البخاري (٥٦ - الجهاد، ٢٤ - الشجاعة في الحرب، ٦/ ٣٥/ ٢٨٢١).
(٦) البخاري (٧٨ - الأدب، ٣٩ - حسن الخلق، ١٠/ ٤٥٥/ ٦٠٣٤)، ومسلم (الموضع السابق، ٤/ ١٨٠٥/ ٢٣١١).
[ ٣٨٥ ]
وخَرَّجَ البُخارِيُّ (^١) مِن حديثِ سَهْلِ بن سَعْدٍ؛ أن شَمْلَةً أهْدِيَتْ للنَّبيِّ - ﷺ -، فلَبِسَها وهوَ محتاجٌ إليها، فسَألَهُ إيَّاها رجلٌ فأعْطاهُ، فلامَهُ النَّاسُ وقالوا: كانَ محتاجًا إليها، وقد عَلِمْتَ أنَّهُ لا يَرُدُّ سائلًا! فقالَ: إنَّما سَألْتُها لِتكونَ كفني. فكانَتْ كفنَهُ.
• وكانَ جودُهُ - ﷺ - كلُّه للهِ وفي ابتغاءِ مرضاتِهِ؛ فإنَّهُ كانَ يَبْذُلُ المالَ إمَّا لفقيرٍ أو محتاجٍ، أو يُنْفِقُهُ في سبيلِ اللهِ، أو يَتَألَّفُ بهِ على الإسلامِ مَن يَقْوى الإسلامُ بإسلامِهِ.
وكانَ يُؤْثِرُ على نفسِهِ وأهلِهِ وأولادِهِ، فيُعْطي عطاءً يَعْجِزُ عنهُ الملوكُ مثلُ كسرى وقيصرَ ويَعيشُ في نفسِهِ عيشَ الفقراءِ، فيَأْتي عليهِ الشَّهرُ والشَّهرانِ لا يُوقَدُ في بيتِهِ نارٌ، وربَّما رَبَطَ على بطنِهِ الحجرَ مِن الجوعِ.
وكانَ قد أتاهُ - ﷺ - سبيٌ مرَّةً، فشَكَتْ إليهِ فاطِمَةُ ما تَلْقى مِن خدمةِ البيتِ، وطَلَبَتْ منهُ خادمًا يَكْفِيها مؤونةَ بيتِهاِ، فأمَرَها أنْ تَسْتَعينَ بالتَّسبيحِ والتَّكبيرِ والتَّحميدِ عندَ نومِها، وقالَ: "لا أُعْطيكِ وأدَعُ أهلَ الصُّفَّةِ تُطْوى بطونُهُم مِن الجوعِ" (^٢).
وكانَ جودُهُ - ﷺ - يَتَضاعَفُ في شهرِ رمضانَ على غيرِهِ مِن الشُّهورِ كما أن جودَ ربِّهِ يَتَضاعَفُ فيهِ أيضًا؛ فإنَّ الله جَبَلَهُ على ما يُحِبُّهُ مِن الأخلاقِ الكريمةِ، وكانَ على ذلكَ مِن قبلِ البعثةِ.
ذَكَرَ ابنُ إسْحاقَ عن: وَهْبِ بن كَيْسانَ، عن عُبَيْدِ بن عُمَيْرٍ، قالَ: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يُجاوِرُ في حراءَ مِن كلِّ سنةٍ شهرًا يُطْعِمُ مَن جاءَهُ مِن المساكينِ، حتَّى إذا كانَ الشَّهرُ الذي أرادَ اللهُ [بهِ] ما أرادَ مِن كرامتِهِ مِن السَّنةِ التي بَعَثَهُ اللهُ فيها - وذلكَ الشَّهرُ شهرُ
_________________
(١) (٢٣ - الجنائز، ٢٨ - من استعدّ الكفن، ٣/ ١٤٣/ ١٢٧٧).
(٢) (صحيح). رواه: الحميدي (٤٤)، وابن أبي شيبة (٢٩٢٥٤)، وابن سعد (٨/ ٢٥)، وأحمد (١/ ٧٩ و١٠٦)، وابن ماجه (٣٧ - الزهد، ١١ - ضجاع آل محمّد، ٢/ ١٣٩٠/ ٤١٥٢)، والبزّار (٧٥٧)؛ من طريق عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عليّ … رفعه. وعطاء بن السائب اختلط، لكن في الرواة عنه هنا ابن عيينة، وهو ممّن روى عنه قبل اختلاطه، والسائب أبوه صحابي صغير، فالسند صحيح. وأصل الحديث عند: البخاري (٣١١٣)، ومسلم (٢٧٢٧)؛ من غير هذه الطريق ودون هذه الزيادة.
[ ٣٨٦ ]
رمضانَ -؛ خَرَجَ إلى حراءَ كما كانَ يَخْرُجُ لجوارِهِ معَهُ أهلُهُ، حتَّى إذا كانَتِ الليلةُ التي أكْرَمَهُ اللهُ برسالتِهِ ورَحِمَ العبادَ بها؛ جاءَهُ جبريلُ مِن اللهِ ﷿ (^١).
ثمَّ كانَ بعدَ الرِّسالةِ جودُهُ في رمضانَ أضعافُ ما كانَ قبلَ ذلكَ؛ فإنَّهُ كانَ يَلْتَقي هوَ وجبريلُ ﵇، وهوَ أفضلُ الملائكةِ وأكرمُهُم، ويُدارِسُهُ الكتابَ الذي جاءَ بهِ إليهِ، وهوَ أشرفُ الكتبِ وأفضلُها، وهوَ يَحُثُّ على الإحسانِ ومكارمِ الأخلاقِ.
وقد كانَ - ﷺ - هذا الكتابُ لهُ خلُقًا بحيثُ: يَرْضى لرضاهُ، ويَسْخَطُ لسخطِهِ، ويُسارِعُ إلى ما حَثَّ عليهِ، ويَمْتَنِعُ ممَّا زَجَرَ عنهُ. فلهذا كانَ يَتَضاعَفُ جودُهُ وإفضالُهُ في هذا الشَّهرِ؛ لقربِ عهدِهِ بمخالطةِ جِبْريلَ ﵇، وكثرةِ مدارستِهِ لهُ هذا الكتابَ الكريمَ الذي يَحُثُّ على المكارمِ والجودِ. ولا شكَّ أن المخالطةَ تُؤَثِّرُ وتُورِثُ أخلاقًا مِن المخالطِ.
كانَ بعضُ الشُّعراءِ قدِ امْتَدَحَ ملكًا جوادًا، فأعْطاهُ جائزةً سنيَّةً، فخَرَجَ بها مِن عندِهِ وفَرَّقَها كلَّها على النَّاسِ، وأنْشَدَ:
لَمَسْتُ بِكَفِّي كَفَّهُ أبْتَغي الغِنى … وَلَمْ أدْرِ أنَّ الجودَ مِن كَفِّهِ يُعْدي
فبَلَغَ ذلكَ الملكَ فأضْعَفَ لهُ الجائزةَ.
وقد قال بعضُ الشُّعراءِ يَمْدَحُ بعضَ الأجوادِ - ولا يَصْلُحُ أنْ يَكونَ ذلكَ إلَّا لرسول اللهِ - ﷺ - -:
تَعَوَّدَ بَسْطَ الكَفِّ حَتَّى لَوَ انَّهُ … ثَناها لِقَبْضٍ لَمْ تُطِعْهُ أنامِلُهْ
_________________
(١) (منكر بهذه السياق). رواه: ابن إسحاق (١٠/ ٤٢٥ - فتح)، وعنه ابن هشام في "السيرة" (١/ ٢٥٣)، والطبري في "التاريخ" (١/ ٥٣٢)، والعسقلاني في "تغليق التعليق" (٥/ ٨٩)؛ من طريق ابن إسحاق، ثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير، سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير: حدثنا كيف كان ما ابتدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي … فذكره في سياق مطوّل جدًّا. وهذا ضعيف لأمور: أوّلها: أنّه مرسل. الثاني: أنّه مطوّل جدًّا بصورة ترجّح أنّ راويه جمعه وصاغه ممّا سمع من عدد غير قليل من الصحابة وغيرهم، وهذا مألوف جدًّا من أمثال عبيد بن عمير؛ فإنّه كان يرحمه الله قاصًّا، بل كان سيّد القصّاص وأصدقهم، وكان الصحابة يستمعون إلى قصصه. الثالث: أنّه مخالف لما رواه البخاري ومسلم بأصح الأسانيد عن عائشة ﵂ من وجوه كثيرة: منها قوله هنا: "معه أهله"، وسياق الشيخين ظاهر في أنه - ﷺ - كان يخرج وحده من وجوه، ومنها أنّه جعل الوحي منامًا … وغير ذلك.
[ ٣٨٧ ]
تَراهُ إذا ما جِئْتَهُ مُتَهَلِّلًا … كَأنَّكَ تُعْطيهِ الذي أنْتَ سائِلُهْ
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ في كَفِّهِ غَيْرُ رُوحِهِ … لَجادَ بِها فَلْيَتَّقِ الله سائِلُهْ
هُوَ البَحْرُ مِن أيِّ النَّواحي أتَيْتَهُ … فَلُجَّتُهُ المَعْروفُ والجودُ ساحِلُهْ
سَمعَ الشِّبْلِيُّ قائلًا يَقولُ: يا اللهُ! يا جوادُ! فتَأوَّهَ وصاحَ وقالَ: كيفَ يُمْكِنُني أنْ أصِفَ الحقَّ بالجودِ ومخلوقٌ يَقولُ في شكلِهِ … فذَكَرَ هذهِ الأبياتَ ثمَّ بكى وقالَ: بلى يا جوادُ! فإنَّكَ أوْجَدْتَ تلكَ الجوارحَ، وبَسَطْتَ تلكَ الهممَ، فأنتَ الجوادُ كلُّ الجوادِ؛ فإنَّهُم يُعْطونَ عن محدودٍ وعطاؤُكَ لا حدَّ لهُ ولا صفةَ، فيا جوادًا يَعْلو كلَّ جوادٍ وبهِ جادَ كلُّ مَن جاد (^١)!
• وفي تضاعفِ جودِهِ - ﷺ - في شهرِ رمضانَ بخصوصِهِ فوائدُ كثيرةٌ:
* منها: شرفُ الزَّمانِ ومضاعفةُ أجرِ العملِ فيهِ. وفي التِّرْمِذِيِّ: عن أنَسٍ مرفوعًا: "أفضلُ الصَّدقةِ صدقةٌ في رمضانَ" (^٢).
* ومنها: إعانةُ الصَّائمينَ والقائمينَ والذَّاكرينَ على طاعاتِهِم، فيَسْتَوْجِبُ المعينُ لهُم مثلَ أجرِهِم، كما أن مَن جَهَّزَ غازيًا فقد غَزا ومَن خَلَفَهُ في أهلِهِ فقد غَزا.
وفي حديثِ: زَيْدِ بن خالِدٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قالَ: "مَن فَطَرَ صائمًا فلَهُ مثلُ أجرِهِ مِن غيرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أجرِ الصَّائمِ شيءٌ" (^٣). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائيُّ والتِّرْمِذِيُّ
_________________
(١) الذين أثبتوا اسم الجواد لله تعالى إنّما أثبتوه اعتمادًا على الحديث المشهور "إنّ الله جواد يحبّ الجود …، وقد تبيّن لك (ص ٣٨١ و٣٨٢) أنّ هذه القطعة من الحديث لا تصحّ فكذلك اسم الجواد، ولله جلّ وعلا من كلّ صفة أكمل معانيها وأكمل مفرداتها، ولا ريب أنّ صفة الكرم والعطاء أكمل وأعلى من صفة الجود، والله هو الكريم والأكرم والوهّاب والمنّان والمعطي والمنعم، وهذا أعظم من الجود؛ لأنّ الجود هو السخاء بالمال، ونعم الله تعالى ماديّة ومعنويّة، وهي أوسع من أن تحدّ بالمال أو بالمحسوسات.
(٢) (ضعيف). قطعة من حديث أنس في أنّه - ﷺ - سئل: أيّ الصيام أفضل بعد رمضان؟ فقال: "شعبان تعظيمًا لرمضان". وقد تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٣٠٧).
(٣) (صحيح). رواه: عبد الرزّاق (٧٩٠٥)، وسعيد بن منصور (٢٣٢٨)، وابن أبي شيبة (١٩٥٤٨)، وأحمد (٤/ ١١٤ و١١٦، ٥/ ١٩٢)، وعبد بن حميد (٢٧٦)، والدارمي (٢/ ٧)، وابن ماجه (٧ - الصيام، ٤٥ - ثواب من فطّر صائمًا، ١/ ٥٥٥/ ١٧٤٦)، والترمذي (٦ - الصوم، ٢ - فضل من فطّر صائمًا، ٣/ ١٧١/ ٨٠٧)، والبزّار (٣٧٧٥)، والنسائي في "السنن الكبرى" (٣٣٣٠ و٣٣٣١)، وابن خزيمة (٢٠٦٤)، وابن قانع في "المعجم" (١/ ٢٢٤/ ٢٤٩)، وابن حبّان (٣٤٢٩ و٤٦٣٣)، والطبراني في "الكبير" (٥/ ٢٥٥/ ٥٢٦٧ - ٥٢٧٧) =
[ ٣٨٨ ]
وابنُ ماجَهْ.
وخَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ مِن حديثِ عائِشَةَ وزادَ: "وما عَمِلَ الصَّائمُ مِن أعمالِ البرِّ إلَّا كانَ لصاحبِ الطَّعامِ ما دامَ قوَّةُ الطَّعامِ فيهِ" (^١).
وخَرَّجَ ابنُ خُزَيْمَةَ في "صحيحه" مِن حديثِ سَلْمانَ مرفوعًا حديثًا في فضلِ شهرِ رمضانَ، وفيهِ: "وهوَ شهرُ المواساةِ، وشهرٌ يُزادُ فيهِ في رزقِ المؤمنِ، مَن فَطَّرَ فيهِ صائمًا؛ كانَ مغفرةً لذنوبِهِ وعتقَ رقبتِهِ مِن النَّارِ وكانَ لهُ مثلُ أجرِهِ مِن غيرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أجرِهِ شيءٌ". قالوا: يا رسولَ اللهِ! ليسَ كلُّنا يَجِدُ ما يُفَطِّرُ الصَّائمَ. قالَ: "يُعْطي اللهُ هذا الثَّوابَ لمَن فَطَّرَ صائمًا على مَذْقَةِ لبنٍ أو تمرةٍ أو شربةِ ماءٍ. ومَن أشْبَعَ فيهِ صائمًا؛ سَقاهُ اللهُ مِن حوضي شربةً لا يَظْمَأُ بعدَها حتَّى يَدْخُلَ الجنَّةَ" (^٢).
* ومنها: أن شهرَ رمضانَ شهرٌ يَجودُ اللهُ فيهِ على عبادهِ بالرَّحمةِ والمغفرةِ والعتقِ مِن النَّارِ، لا سيَّما في ليلةِ القدرِ، واللهُ تَعالى يَرْحَمُ مِن عبادهِ الرُّحماءَ، كما قالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "إنَّما يَرْحَمُ اللهُ مِن عباده الرُّحماءَ" (^٣)، فمَن جادَ على عبادِ اللهِ؛ جادَ اللهُ عليهِ بالعطاءِ والفضلِ، والجزاءُ مِن جنسِ العملِ.
* ومنها: أنَّ الجمعَ بينَ الصِّيامِ والصَّدقةِ مِن موجِباتِ الجنَّةِ، كما في حديثِ
_________________
(١) =و"الأوسط" (١٠٥٢ و٧٦٩٦) و"الصغير" (٨٣٧)، وابن عدي (٦/ ٢٤٤٥)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٣٢٥، ٧/ ٩٨)، والقضاعي في "الشهاب" (٣٨٢)، والبيهقي في "السنن" (٤/ ٢٤٠) و"الشعب" (٣٩٥٢ و٣٩٥٣ و٤١٢١ و٤١٢٢)، والخطيب في "التاريخ" (١/ ٢٤٣)، والبغوي في "السنّة" (١٨١٨ و١٨١٩)، والأصبهاني في "الترغيب" (١٧٣٥)؛ من طرق كثيرة، عن عطاء، عن زيد بن خالد الجهني … رفعه. قال الترمذي: "حسن صحيح". وأقرّه البغوي والمنذري، وصحّحه ابن خزيمة وابن حبّان والألباني.
(٢) (موضوع). رواه الطبراني في "الأوسط" (٧١٣٢ و٨٤٣٣) من طريق عيسى بن إبراهيم، عن الحكم بن عبد الله الأيلي، عن الزهريّ، عن ابن المسب، عن عائشة … رفعته. قال الهيثمي (٣/ ١٦٠): "فيه الحكم بن عبد الله الأيلي وهو متروك". قلت: حسبك فيه قول الإمام أحمد مع اعتداله وورعه في الحكم على الرجال: "أحاديثه كلّها موضوعة"! وعيسى بن إبراهيم هذا هو ابن طهمان متروك هالك أيضًا! فهذه الزيادة ممّا صنعته أيديهما. والله أعلم.
(٣) (ضعيف جدًّا). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٣٥٥).
(٤) رواه: البخاري (٢٩ - الجنائز، ٣٢ - يعذب الميّت ببعض البكاء، ٣/ ١٥١/ ١٢٨٤)، ومسلم (١١ - الجنائز، ٦ - البكاء على الميّت، ٢/ ٦٣٥/ ٩٢٣)؛ من حديث أُسامة بن زيد.
[ ٣٨٩ ]
عَلِيٍّ عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إنَّ في الجنَّةِ غرفًا يُرى ظهورُها مِن بطونِها وبطونُها مِن ظهورِها". قالوا: لمَن هيَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: "لمَن طَيَّبَ الكلام، وأطْعَمَ الطعام، وأدامَ الصِّيام، وصَلَّى بالليلِ والنَّاسُ نيام" (^١).
وهذهِ الخصالُ كلُّها تَكونُ في رمضانَ، فيَجْتَمعُ فيهِ للمؤمنِ الصِّيامُ والقيامُ والصَّدقةُ وطيبُ الكلامِ؛ فإنَّهُ يُنْهى فيهِ الصَّائمُ عن اللغوِ والرَّفثِ، والصِّيامُ والصَّلاةُ والصَّدقةُ توصِلُ صاحبَها إلى اللهِ ﷿.
قالَ بعضُ السَّلفِ: الصَّلاةُ توصِلُ صاحبَها إلى نصفِ الطَّريقِ، والصِّيامُ يوصِلُهُ إلى بابِ الملكِ، والصَّدقةُ تَأْخُذُ بيدِهِ فتُدْخِلُهُ على الملكِ.
وفي "صحيح مسلم" (^٢): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ أنَّهُ قالَ: "مَن أصْبَحَ منكُمُ اليومَ صائمًا؟ ". قالَ أبو بَكْرٍ: أنا. قالَ: "مَن تَبعَ منكُمُ اليومَ جنازةً؟ ". قالَ أبو بَكْرٍ: أنا. قالَ: "فمَن أطْعَمَ اليومَ مسكينًا؟ ". قالَ أبو بكرٍ: أنا. قالَ: "مَن تَصَدَّقَ بصدقةٍ؟ ". قالَ أبو بكرٍ: أنا. قالَ: "فمَن عادَ منكُم مريضًا؟ ". قالَ أبو بكرٍ: أنا. قالَ: "ما اجْتَمَعْنَ في امرئ إلَّا دَخَلَ الجنَّةَ".
• ومنها: أن الجمعَ بينَ الصِّيامِ والصَّدقةِ أبلغُ في تكفيرِ الخطايا واتِّقاءِ جهنَّمَ والمباعدةِ عنها، وخصوصًا إنْ ضُمَّ إلى ذلكَ قيامُ الليلِ.
فقد ثَبَتَ عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّهُ قالَ: "الصِّيامُ جُنَّةٌ (وفي روايةٍ: جُنَّةُ أحدِكُم) مِن النَّارِ كجُنَّتِهِ مِن القتالِ" (^٣).
_________________
(١) (ضعيف جدا من حديث علي صحيح من حديث غيره). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ١٠٨).
(٢) (١٢ - الزكاة، ٢٧ - من جمع الصدقة وأعمال البرّ، ٢/ ٧١٣/ ١٠٢٨).
(٣) (صحيح). رواه: ابن أبي شيبة (٨٨٩١)، وأحمد (٤/ ٢١ و٢٢ و٢١٧)، وابن ماجه (٧ - الصيام، ١ - فضل الصيام، ١/ ٥٢٥/ ١٦٣٩)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (١٥٤٢ و١٥٤٣)، والبزّار (٦/ ٣٠٦/ ٢٣١٩)، والنسائي (٢٢ - الصيام، ٤٣ - الاختلاف على محمّد، ٤/ ١٦١/ ٢٢٣٠ - ٢٢٣٢) وفي "الكبرى" (٢٥٣٩ - ٢٥٤١)، وابن خزيمة (١٨٩١ و٢١٢٥)، والروياني (١٥٢٢)، وابن حبّان (٣٦٤٩)، والطبراني (٩/ ٥١/ ٨٣٦٠ - ٨٣٦٣)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٢٦٥)، والبيهقي في "الشعب" (٣٥٧٣)؛ من طريقين، عن مطرّف، عن عثمان بن أبي العاص … رفعه. وهذا سند صحّحه ابن خزيمة وابن حبّان والمنذري وحسّن الألباني إحدى طريقيه وصحّح الأُخرى.
[ ٣٩٠ ]
وفي حديثِ مُعاذٍ عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "الصَّدقةُ تُطْفِئ الخطيئةَ كما يُطْفِئ الماءُ النَّارَ، وقيامُ الرَّجلِ مِن جوفِ (^١) الليلِ" (^٢)؛ يَعْني أنَّهُ يُطْفِئ الخطيئةَ أيضًا.
وقد صَرَّحَ بذلكَ في روايةِ الإمامِ أحْمَدَ.
وفي الصَّحيحِ عنهُ - ﷺ -، أنَّهُ قالَ: "اتَّقوا النَّارَ ولو بشقِّ تمرةٍ" (^٣).
وكانَ أبو الدَّرداءِ يَقولُ: صَلُّوا في ظلمةِ الليلِ ركعتينِ لظلمةِ القبور، صوموا يومًا شديدًا حرُّهُ لحرِّ يومِ النُّشور، تَصَدَّقوا بصدقةٍ لشرِّ يومٍ عسير.
* ومنها: أن الصِّيامَ لا بدَّ أنْ يَقَعَ فيهِ خللٌ ونقصٌ، وتكفيرُ الصِّيامِ للذنوبِ مشروطٌ بالتَّحفُّظِ ممَّا يَنْبَغي التَّحفُّظُ منهُ، كما وَرَدَ ذلكَ في حديثٍ خَرَّجَهُ ابنُ حِبَّانَ في "صحيحه"، وعامَّةُ صيامِ النَّاسِ لا يَجْتَمعُ في صومِهِ التَّحفُّظُ كما يَنْبَغي، ولهذا نُهِيَ أنْ يَقولَ الرَّجلُ: صُمْتُ رمضانَ كلَّهُ أو قمتُهُ كلَّهُ. فالصَّدقةُ تَجْبُرُ ما فيهِ مِن النَّقصِ والخللِ، ولهذا وَجَبَ في آخرِ شهرِ رمضانَ زكاةُ الفطرِ طهرةً للصَّائمِ مِن اللغوِ والرَّفثِ.
والصِّيامُ والصَّدقةُ لهُما مدخلٌ في كفاراتِ الأيمانِ ومحظوراتِ الإحرامِ وكفَّارةِ الوطءِ في رمضانَ. ولهذا كانَ اللهُ تَعالى قد خَيَّرَ المسلمينَ في ابتداءِ الأمرِ بينَ الصِّيامِ وإطعامِ المسكينِ، ثمَّ نُسِخَ ذلكَ وبَقِيَ الإطعامُ لمَن يَعْجِزُ عن الصِّيامِ لكبرِهِ. ومَن أخَّرَ قضاءَ رمضانَ حتَّى أدْرَكَهُ رمضانٌ آخر (^٤)، فإنَّهُ يَقْضيهِ ويَضُمُّ إليهِ إطعامَ مسكينٍ لكلِّ يومٍ؛ تقويةً لهُ عندَ أكثرِ العلماءِ، كما أفْتى بهِ الصَّحابةُ. وكذلكَ مَن أفْطَرَ لأجلِ غيرِهِ - كالحاملِ والمرضعِ - على قولِ طائفةٍ مِن العلماءِ (^٥).
_________________
(١) = وله طريق أُخرى رواها: البزّار (٦/ ٣٠٩/ ٢٣٢١)، والطبراني (٩/ ٥٨/ ٨٣٨٦)، عن عنبسة بن رائطة، عن الحسن، عن عثمان … رفعه. وعنبسة صالح في الشواهد، والحسن عنعن على تدليسه، فهذه الطريق صالحة لتقوية الطريق الأولى.
(٢) في خ: "وقيام الرجل في جوف"، وما أثبتّه من م ون وط أولى بمصادر التخريج.
(٣) (صحيح). قطعة من حديث طويل لمعاذ تقدّم تفصيل القول فيه (ص ١٠٠).
(٤) رواه: البخاري (٢٤ - الزكاة، ٩ - الصدقة قبل الردّ، ٣/ ٢٨١/ ١٤١٣)، ومسلم (١٢ - الزكاة، ٢٠ - الحثّ على الصدقة، ٢/ ٧٠٣/ ١٠١٦)؛ من حديث عديّ بن حاتم.
(٥) في خ: "طهرة للصيام من اللغو … رمضان إلى رمضان آخر"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٦) تقدّم تفصيل القول في هذا وما فيه (ص ٣١٩).
[ ٣٩١ ]
* ومنها: أن الصَّائمَ يَدَعُ طعامَهُ وشرابَهُ للهِ، فإذا أعانَ الصَّائمينَ على التَّقوِّي على طعامِهِم وشرابِهِم؛ كانَ بمنزلةِ مَن تَرَكَ شهوةً للهِ تَعالى وآثَرَ بِها أو واسى فيها. ولهذا يُشْرَعُ لهُ تفطيرُ الصُّوَّامِ معَهُ إذا أفْطَرَ؛ لأنَّ الطعامَ يَكونُ محبوبًا لهُ حينئذٍ، فيواسي منهُ حتَّى يَكونَ ممَّن أطْعَمَ الطَّعامَ على حبِّهِ، ويَكونُ في ذلكَ شكرٌ للهِ على نعمةِ إباحةِ الطعامِ والشَّرابِ لهُ وردِّهِ عليهِ بعدَ منعِهِ إيَّاهُ؛ فإنَّ هذهِ النِّعمةَ إنَّما عُرِفَ قدرُها عندَ المنعِ منها. وسُئِلَ بعضُ السَّلفِ: لمَ شُرِعَ الصِّيامُ؟ قالَ: لِيَذوقَ الغنيُّ طعمَ الجوعِ فلا يَنْسى الجائعَ. وهذا مِن بعضِ حكمِ الصَّومِ وفوائدِهِ. وقد ذَكَرْنا فيما تَقَدَّمَ حديثَ سَلْمانَ، وفيهِ "وهوَ شهرُ المواساةِ" (^١)، فمَن لمْ يَقْدِرْ فيهِ على درجةِ الإيثارِ على نفسِهِ؛ فلا يَعْجِزْ عن درجةِ أهلِ المواساةِ.
كانَ كثيرٌ مِن السَّلفِ يواسونَ مِن إفطارِهِم أو يُؤْثِرونَ بهِ ويَطْوونَ، وكانَ ابنُ عُمَرَ يَصومُ ولا يُفْطِرُ إلَّا معَ المساكينِ، فإذا مَنَعَهُم أهلُهُ عنهُ؛ لم يَتَعَشَّ تلكَ الليلةَ. وكانَ إذا جاءَهُ سائلٌ وهوَ على طعامِهِ؛ أخَذَ نصيبَهُ مِن الطعامِ وقامَ فأعْطاهُ السَّائلَ، فيَرْجِعُ وقد أكَلَ أهلُهُ ما بَقِيَ في الجفنةِ، فيُصْبِحُ صائمًا ولم يَأْكُلْ شيئًا.
واشْتَهى بعضُ الصَّالحينَ مِن السَّلفِ طعامًا، وكانَ صائمًا، فوُضِعَ بينَ يديهِ عندَ فطرِهِ، فسَمعَ سائلًا يَقولُ: مَن يُقْرِضُ الملِيَّ الوفيَّ الغنيَّ؟ فقالَ: عبدُهُ المعدمُ مِن الحسناتِ. فقامَ فأخَذَ الصَّحفةَ وخَرَجَ بها إليهِ وباتَ طاويًا.
وجاءَ سائلٌ إلى الإمامِ أحْمَدَ، فدَفَعَ إليهِ رغيفينِ كانَ يُعِدُّهُما لفطرِهِ، ثمَّ طَوى وأصْبَحَ صائمًا.
وكانَ الحَسَنُ يُطْعِمُ إخوانَهُ وهوَ صائمٌ تطوُّعًا، ويَجْلِسُ يُرَوِّحُهُم وهُم يَأْكُلونَ.
وكانَ ابنُ المُبارَكِ يُطْعِمُ إخوانَهُ الألوانَ مِن الحلواءِ وغيرِها في السَّفرِ وهوَ صائمٌ.
سلامُ اللهِ على تلكَ الأرواح، رحمةُ اللهِ على تلكَ الأشباح، لم يَبْقَ منهُم إلَّا أخبارٌ وآثار، كم بينَ مَن يَمْنَعُ الحق الواجبَ عليهِ وبينَ أهلِ الإيثار.
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٣٥٥).
[ ٣٩٢ ]
لا تَعْرِضَنَّ لِذِكْرِنا في ذِكْرِهِمْ … لَيْسَ الصَّحيحُ إذا مَشى كَالمُقْعَدِ
ولهُ فوائدُ أُخرُ: قالَ الشَّافِعِيُّ: أُحِبُّ للرَّجلِ الزِّيادةَ بالجودِ في شهرِ رمضانَ اقتداءً برسولِ اللهِ - ﷺ -، ولحاجةِ النَّاسِ فيهِ إلى مصالحِهِم، ولتشاغلِ كثيرٍ منهُم بالصَّومِ والصَّلاةِ عن مكاسبِهِم. وكذا قالَ القاضي أبو يَعْلى وغيرُهُ مِن أصحابِنا أيضًا.
• ودَلَّ الحديثُ أيضًا على استحبابِ دراسةِ القرآنِ في رمضانَ والاجتماعِ على ذلكَ وعرضِ القرانِ على مَن هوَ أحفظُ لهُ منهُ.
وفيهِ دليلٌ على استحبابِ الإكثارِ مِن تلاوةِ القرآنِ في شهرِ رمضانَ.
وفي حديثِ فاطِمَةَ ﵍: عن أبيها - ﷺ -؛ أنَّهُ أخْبَرَها أن جِبْريلَ كانَ يَعارِضُهُ القرآنَ كلَّ عامٍ مرَّةً، وأنَّهُ عارَضَهُ في عامِ وفاتِهِ مرَّتينِ (^١).
وفي حديثِ ابن عَبَّاسٍ (^٢) أن المدارسةَ بينَهُ وبينَ جِبْريلَ كانَتْ ليلًا. فدَلَّ على استحبابِ الإكثارِ مِن التِّلاوةِ في رمضانَ ليلًا؛ فإنَّ الليلَ تَنْقَطعُ فيهِ الشَّواغلُ، وتَجْتَمعُ فيهِ الهممُ، ويَتَواطَأُ فيهِ القلبُ واللسانُ على التَّدبُّرِ، كما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ هِيَ أشَدُّ وَطْئًا وَأقْوَمُ قيلًا﴾ [المزَّمِّل: ٦]. وشهرُ رمضانَ لهُ خصوصيَّةٌ بالقرآنِ، كما قالَ تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذي أُنزِلَ فيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقد قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: إنَّهُ أُنْزِلَ جملةً واحدةً مِن اللوحِ المحفوظِ إلى بيتِ العزَّةِ في ليلةِ القدرِ. ويَشْهَدُ لذلكَ قولُهُ تَعالى: ﴿إنَّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وقولُهُ: ﴿إنَّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَة مُبارَكَةٍ﴾ [الدُّخان: ٣].
وقد سَبَقَ عن عُبَيْدِ بن عُمَيْرٍ أن النَّبيَّ - ﷺ - بُدِئَ بالوحيِ ونزولِ القرآنِ عليهِ في شهرِ رمضانَ (^٣).
وفي "المسند": عن واثِلَةَ بن الأسْقَعِ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ أنَّهُ قالَ: "نَزَلَتْ صحفُ
_________________
(١) رواه: البخاري (٦١ - المناقب، ٢٥ - علامات النبوّة، ٦/ ٦٢٨/ ٣٦٢٤)، ومسلم (٤٤ - الصحابة، ١٥ - فضائل فاطمة، ٤/ ١٩٠٤/ ٢٤٥٠)؛ من حديث عائشة عن فاطمة.
(٢) المتقدّم أوّل هذا الباب.
(٣) وهذا صحيح، لكن من غير طريق عبيد بن عمير، وقد تقدّم أنّ في مرسل عبيد نكارة.
[ ٣٩٣ ]
إبْراهيمَ في أوَّلِ ليلةٍ مِن شهرِ رمضانَ، وأُنْزِلَتِ التَّوراةُ لستٍّ مَضَيْنَ مِن رمضانَ، وأُنْزِلَ الإنجيلُ لثلاثَ عشرةَ مِن رمضانَ، وأنزِلَ القرآنُ لأربعٍ وعشرينَ خَلَتْ مِن رمضانَ" (^١).
وقد كانَ النَّبيُّ ﷺ يُطيلُ القراءةَ في قيامِ رمضانَ بالليلِ أكثرَ مِن غيرِهِ. وقد صَلَّى معَهُ حُذَيْفَةُ ليلةً في رمضانَ، فقَرَأ بالبقرةِ ثمَّ بالنِّساءِ ثمَّ بآلِ عِمْرانَ، لا يَمُرُّ بآيةِ تخويفٍ إلَّا وَقَفَ وسَألَ. قالَ: فما صَلَّى الرَّكعتينِ حتَّى جاءَهُ بلالٌ فآذَنَهُ بالصَّلاةِ (^٢). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ. وخَرَّجَهُ النَّسائيُّ، وعندَهُ [أنَّهُ] ما صَلَّى إلَّا أربعَ
_________________
(١) (حسن لشواهده). وقد جاء من أوجه عدّة مرفوعًا وموقوفا: * فرواه قتادة واختلف عليه فيه وخولف على أربعة وجوه: روى أوّلها: ابن جرير (٣١٠٢٦) من طريق ابن أبي عروبة، والبيهقي في "الصفات" (٤٩٤) معلّقًا من طريق إبراهيم بن طهمان؛ كلاهما عن قتادة … موقوفًا. وروى الثاني: عبد بن حميد (الدخان ٣ - الدرّ)، وابن جرير (٣٧٠٠٢)، وابن الضريس (البقرة ١٨٥ - الدرّ)؛ من الطريق السابقة نفسها، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي الجلد … موقوفًا. وتوبع قتادة على هذا عند ابن أبي شيبة (٣٠١٨٢) من طريق قويّة، عمّن سمع أبا العالية، عن أبي الجلد … موقوفًا. وروى الثالث: أحمد (٤/ ١٠٧)، وابن نصر في "قيام رمضان" (ص ٢٥٠)، وابن جرير (٢٨٢١)، وابن أبي حاتم (البقرة ١٨٥ - الدرّ)، والطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٧٥/ ١٨٥) و"الأوسط" (٣٧٥٢)، والبيهقي في "السنن" (٩/ ١٨٨) و"الشعب" (٢٢٤٨) و"الصفات" (٤٩٤)، والنعالي في "حديثه" (١٥٧٥ - صحيحة)، والأصبهاني في "الترغيب" (١٧٩١)، وابن عساكر (٦/ ٢٠٢)، والمقدسي في "فضائل رمضان" (١٥٧٥ - صحيحة)؛ من طريق عمران القطّان، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة … رفعه. قال الهيثمي (١/ ٢٠٢): "فيه عمران بن داور القطّان ضعّفه يحيى ووثّقه ابن حبّان وقال أحمد أرجو أن يكون صالح الحديث". وقال الألباني: "إسناد حسن، رجاله ثقات، وفي القطّان كلام يسير". وروى الرابع: أبو يعلى (٢١٩٠)، وابن مردويه (البقرة ١٨٥ - الدرّ)، والبيهقي في "الصفات" معلّقًا؛ من طريق أبي المليح، عن جابر … موقوفًا. قال الهيثمي: "فيه سفيان بن وكيع وهو ضعيف. قلت: أسقطوا حديثه، وطريق البيهقي فيها عبيد الله بن أبي حميد متروك. وعليه؛ فالوجه الرابع ساقط عند الترجيح. والقطان في الوجه الثالث، وإن كان صالح الحديث؛ فإنّه لا تحتمل مخالفته لابن أبي عروبة الراوي المعياري لقتادة قبل اختلاطه - وهذا منه -، فالوجه الثالث مرجوح أيضا. والصواب هاهنا الوقف على قتادة، وأقوى منه الوقف على أبي الجلد لأن فيه زيادة ثقة يتعيّن الأخذ بها. لكنّ هذا الموقوف الصحيح له حكم الإرسال؛ لأنَّه لا يقال اجتهادًا وما هو بالإسرائيلي. * قال ابن نصر (ص ٢٥٠): "وروي موقوفًا عن عائشة". قلت: لم أقف عليه، وله حكم الإرسال. * ورواه ابن أبي شيبة (٣٠١٧٩ و٣٠١٨٠) عن أبي قلابة موقوفًا مختصرًا وله أيضا حكم الإرسال. * ورواه: تمّام الرازي، وعنه ابن عساكر (٦/ ٢٠٢)؛ من طريق صالحة في الشواهد، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس … رفعه. قال الألباني: "منقطع؛ لأنّ عليًّا هذا لم ير ابن عبّاس". فهذه الأوجه الأربعة ترجّح أنّ لهذا الحديث أصلا عن النبيّ - ﷺ -، وإلى تقويته مال الألباني.
(٢) (صحيح إلا ذكر الركعتين فإنّه شاذّ). انظر ما بعده.
[ ٣٩٤ ]
ركعاتٍ (^١).
وكانَ عُمَرُ قد أمَرَ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ وتَميمًا الدَّارِيَّ أنْ يقوما بالنَّاسِ في شهرِ رمضانَ، فكانَ القارئ يقْرَأُ بالمئتينِ في ركعةٍ، حتى كانوا يَعْتَمِدونَ على العِصِيِّ مِن طول القيامِ، ما كانوا يَنْصَرِفونَ إلَّا عندَ الفجرِ. وفي رواية: أنَّهُم كانوا يَرْبِطونَ الحبال بينَ السَّواري، ثمَّ يَتَعَلَّقونَ بها.
ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ جمعَ ثلاثةَ قرَّاءٍ: فأمَرَ أسْرَعَهُم قراءةً أنْ يَقْرَأ بالنَّاسِ ثلاثينَ، وأوسطَهُم بخمسٍ وعشرينَ، وأبطأهُم بعشرينَ.
ثمَّ كانَ في زمانِ التَّابعينَ يَقْرَؤونَ بالبقرةِ في قيامِ رمضانَ في ثمانِ ركعاتٍ، فإنْ
_________________
(١) (صحيح). يرويه عمرو بن مرّة واختلف عليه فيه سندا ومتنا على ثلاثة وجوه: روى الأوَّل منها أحمد (٥/ ٤٠٠) من طريق قويّة، عن العلاء بن المسيب، عن عمرو، عن طلحة بن يزيد، عن حذيفة … رفعه بذكر الركعتين. ورواية طلحة عن حذيفة فيها انقطاع كما سيأتي. وروى الثاني: ابن نصر في "قيام رمضان" (ص ٢١٧)، والنسائي (٢٠ - قام الليل، ٢٥ - تسوية القيام بالركوع، ٣/ ٢٢٦/ ١٦٦٤)، والحاكم (١/ ٣٢١)؛ من طريقين قويّتين، عن العلاء، عن عمرو، عن طلحة بن يزيد، عن حذيفة … رفعه بذكر أربع. قال النسائيّ: "هذا الحديث عندي مرسل، وطلحة بن يزيد لا أعلم سمع من حذيفة شيئا، وغير العلاء قال في هذا الحديث عن طلحة عن رجل عن حذيفة". قلت: وهو الوجه الثالث الذي رواه: عليّ بن الجعد (٨٩)، وأحمد (٥/ ٣٩٨)، وأبو داوود (٢ - الصلاة، ١٥١ - ما يقول في الركوع والسجود، ١/ ٢٩٣/ ٨٧٤)، والترمذي في "الشمائل" (٢٦٢)، والبزّار (٢٩٣٤)، والنسائي في "الكبرى" (٦٥٦ و١٣٧٩) و"المجتبى" (١٢ - التطبيق، ٢٥ - ما يقول في قيامه، ٢/ ١٩٩/ ١٠٦٨ و١١٤٤)، والطحاوي في "المشكل" (١/ ٣٠٧)، والبيهقي (٢/ ١٢٢)، والبغوي في "السنّة" (٩١٠)، والمزّي في "التهذيب" (١٣/ ٤٤٨)؛ من طرق، عن شعبة، عن عمرو، عن أبي حمزة الأنصاري، عن رجل من بني عبس، عن حذيفة … رفعه بذكر أربع ركعات. قال النسائي: "أبو حمزة عندنا والله أعلم طلحة بن يزيد، وهذا الرجل يشبه أن يكون صلة". قلت: يعني: صلة بن زفر؛ فإنّه عبسيّ، يروي عن حذيفة، وقد روى عنه هذا الحديث بالتحديد بلفظ مقارب عند مسلم (٧٧٢). فأمّا بالنسبة للمتن؛ فرواية الثقتين بذكر الأربع أولى من رواية الثقة بذكر الاثنتين، أو يقال: رواية العلاء بذكر الأربع التي تابع فيها شعبة أولى من روايته التي تفرّد بها بذكر الثنتين. وعليه؛ فذكر الركعتين هاهنا شاذ والصواب ذكر الأربع. وأمّا بالنسبة للسند؛ ففي الوجه الثالث زيادة ثقة جبل يتعيّن الأخذ بها. فإن كان ما استظهره النسائيّ وأقرّه عليه المنذري والمزّي والعسقلاني في أبي حمزة والعبسيّ صحيحًا - وهو مذهب وجيه جدًّا -؛ فالسند صحيح لذاته. وإن لم يكن كذلك؛ فأكثر المتن صحيح برواية مسلم المذكورة آنفًا إلّا أشياء يسيرة لا تعدو أن تكون تفصيلًا لما أجمله مسلم. وقد مال إلى تصحيح الحديث الحاكم والمنذري والذهبي والألباني.
[ ٣٩٥ ]
قَرَأ [بها] في اثنتي عشرةَ ركعةً؛ رَأَوا أنَّهُ قد خَفَّفَ.
قالَ ابنُ مَنْصورِ: سُئِلَ إسْحاقُ (يَعْني: ابنَ راهَوَيْهِ): كم يُقْرَأُ في قيامِ شهرِ رمضانَ؟ فلم يُرَخِّصْ في دونِ عشرِ آياتٍ من البقرةِ. فقيلَ لهُ: إنَّهُم لا يَرْضَوْنَ. فقالَ: لا رَضُوا، فلا تَؤُمَّهُم إذا لم يَرْضَوْا بعشرِ آياتٍ مِن البقرةِ، ثمَّ إذا صِرْتَ إلى الآياتِ الخفافِ فبقدرِ عشرِ آياتِ مِن البقرةِ؛ يَعْني: في كلِّ ركعةٍ.
وكذلكَ كَرِهَ مالكٌ أنْ يُقْرَأ دونَ عشرِ آياتٍ.
وسُئِلَ الإمامُ أحْمَدُ عمَّا رُوِيَ عن عُمَرَ كما تَقَدَّمَ ذكرُهُ في السَّريعِ القراءةِ والبطيءِ.
فقالَ: في هذا مشقَّةٌ على النَّاسِ، ولا سيَّما في هذهِ الليالي القصارِ، وإنَّما الأمرُ على ما يَحْتَمِلُهُ النَّاسُ (^١).
وقالَ أحْمَدُ لبعضِ أصحابِهِ - وكانَ يُصَلِّي بهِم في رمضانَ -: هؤلاءِ قومٌ ضعفاءُ، اقْرَأْ بِهِم خمسًا ستًّا سبعًا. قالَ: فقَرَأْتُ فخَتَمْتُ ليلةَ سبعٍ وعشرينَ.
وقد رُوِيَ عن الحَسَنِ: أن الذي أمَرَهُ عُمَرُ أنْ يُصَلِّيَ بالنَّاسِ كانَ يَقْرَأ خمسَ آياتٍ ستَّ آياتٍ.
وكلامُ الإمامِ أحْمَدَ يَدُلُّ على أنَّهُ يُراعى في القراءةِ حالُ المأْمومينَ، فلا يُشَقُّ عليهِم. وقالَهُ أيضًا غيرُهُ مِن الفقهاءِ مِن أصحابِ أبي حَنِيفَةَ وغيرِهِم.
وقد رُوِيَ عن أبي ذَرٍّ: أن النَّبيَّ - ﷺ - قامَ بهِم ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ إلى ثلثِ الليلِ، وليلةَ خمسٍ وعشرينَ إلى نصفِ الليلِ. فقالوا لهُ: لو نَفَّلْتَنا بقيَّةَ ليلتِنا؟ فقالَ: "إنَّ الرَّجلَ إذا صَلَّى مَعَ الإمامِ حتَّى يَنْصرِفَ؛ كُتِبَ لهُ بقيَّةُ ليلتِهِ" (^٢). خَرَّجَهُ أهلُ السُّننِ،
_________________
(١) هذا والله قول فصل وحكم عدل لا ينبغي أن يمرّ أئمّة المساجد عليه مرور الكرام، فالله يرحم الإمام ما أفقهه وما أعدل آراءه! فالناس متفاوتون والأئمّة متفاوتون والأصوات متفاوتة والليالي متفاوتة.
(٢) (صحيح). رواه جبير بن نفير واختلف عليه في متنه على أربعة وجوه: روى أوَّلها: أحمد (٥/ ١٨٠)، والفريابي في "الصيام" (١٥١)، وابن خزيمة (٢٢٠٥)، وابن حبّان في "الصحيح" (٢٥٤٧)؛ من طريق معاوية بن صالح، ثني أبو الزاهريّة، عن جبير بن نفير، عن أبي ذرّ؛ قال: قام بنا - ﷺ - ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل، ثمّ ليلة خمس وعشرين إلى نصفه، ثمّ ليلة سبع وعشرين إلى الصبح. وهذا سند حسن رجاله بين ثقة وصدوق. وروى الثاني: عبد الرزّاق (٧٧٠٦)، وابن أبي شيبة (٧٦٩٤)، وأحمد (٥/ ١٦٣)، والدارمي (٢/ ٢٦ و٢٧)، وابن ماجه (٥ - إقامة الصلاة، ١٧٣ - قيام شهر رمضان، ١/ ٤٢٠/ ١٣٢٧)، وأبو داوود (٢ - =
[ ٣٩٦ ]
وحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وهذا يَدُلُّ على أن قيامَ ثلثِ الليلِ ونصفِ الليلِ يُكْتَبُ بهِ قيامُ ليلةٍ، لكنْ معَ
_________________
(١) = الصلاة، ٣١٨ - قيام شهر رمضان، ١/ ٤٣٧/ ١٣٧٥)، والترمذي (٦ - الصوم، ٨١ - قيام شهر رمضان، ٣/ ١٦٩/ ٨٠٦)، والبزّار (٩/ ٤٣٣/ ٤٠٤١ - ٤٠٤٣)، وابن نصر في "قيام رمضان" (ص ٢١٦)، والنسائي في "الكبرى (١٢٨٧ و١٢٩٨) و"المجتبى" (١٣ - السهو، ١٠٣ - ثواب من صلّى مع الإمام، ٣/ ٨٣/ ١٣٦٣ و١٦٠٤)، والفريابي في "الصيام" (١٥٢ - ١٥٤)، وابن الجارود في "المنتقى" (٤٠٣)، وابن خزيمة (٢٢٠٦)، والطحاوي (١/ ٣٤٩)، والبيهقي (٢/ ٤٩٤)، والبغوى في "السنّة" (١٩٩١)، من طرق سبعة منهم الثوري، عن داوود بن أبي هند، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، عن جبير بن نفير، عن أبي ذرّ؛ قال: قام - ﷺ - بنا حين بقي من الشهر سبع (وجاء مرّة: ليلة ثلاث وعشرين) إلى ثلث الليل، ثم قام بنا في الخامسة (وجاء مرّة: ليلة خمس وعشرين) … إلخ. قال الترمذي: "حسن صحيح"، وأقرّه البغوي والمنذري والألباني. وروى الثالث: الطيالسي (٤٦٦) عن وهيب، والبيهقي في "الصغرى" من طريق علي بن عاصم؛ كلاهما عن داوود بن أبي هند، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن جبير، عن أبي ذر … فذكره بنحوه لكن جعل القيام ليلة أربع وعشرين وستّ وعشرين وثمان وعشرين. وعلي بن عاصم ضعيف، لكن تابعه وهيب الثقة. وروى الرابع: الفريابي في "الصيام" (١٥٠)، والطبراني في "الشاميين" (٩٣٩)، من طريق قويّة، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن أبي ذرّ … رفعه مختصرًا بذكر قيامه - ﷺ - ليلة سبع وعشرين إلى ثلث الليل. وله شاهد عند: ابن أبي شيبة (٧٦٩٥)، وأحمد (٤/ ٢٧٢)، وابن نصر في "قيام رمضان" (ص ٢١٦)، والنسائي في "الكبرى" (١٢٩٩) و"المجتبى" (الموضع السابق، ٣/ ٢٠٣/ ١٦٠٥)، والفريابي في "الصوم" (١٥٥)، وابن خزيمة (٢٢٠٤)، والحاكم (١/ ٤٤٠)، والمزّي في "التهذيب" (٢٩/ ٤٨٦)؛ من وجه حسن، عن النعمان بن بشير: قمنا مع النبي - ﷺ - ليلة ثلاث وعشرين إلى نصف الليل، ثمّ قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثمّ قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتّى ظننّا أن لن ندرك الفلاح (يعني: السحور). فأمّا الوجه الثالث في حديث أبي ذرّ فتفرّد به وهيب بن خالد الثقة وعليّ بن عاصم الضعيف، فخالفا رواية جماعة الثقات عن داوود بن أبي هند ورواية الثقات عن جبير وحديث النعمان الحسن، وجعلا قيامه - ﷺ - ليالي الشفع! وعلى هذا تكون رواية وهيب شاذّة ورواية عليّ منكرة، وإنّما أُتيا - والله أعلم - من تصرُّفهما في متن الحديث وروايته بالمعنى على حساب آخر الشهر. وأمّا الوجه الرابع في حديث أبي ذرّ؛ فتفرّد به عبد الرحمن بن جبير الثقة وخالف الأوجه الثلاثة المتقدّمة وحديث النعمان فجعل القيام ليلة سبع وعشرين إلى ثلث الليل فقط، وهذا حدّ الشذوذ، وإنّما أُتي من اختصاره الشديد الذي أخل بالمتن. فلم يبق إلّا الوجهان الأوّل والثاني، وكلاهما قوي، فإمّا أنّ أحدهما رواية بالمعنى للآخر، وإما أنّ أبا ذرّ ﵁ كان يرويه على الوجهين، والحديث صحيح بمجموعهما، وقد صحّحه الترمذي وابن خزيمة وابن حبّان والبغوي والمنذري والألباني. فائدة: دلّ هذان الوجهان مع حديث النعمان على أنّ المراد بقولهم "ليلة سابعة تبقى" و"ليلة بقي من الشهر سبع" هو ليلة ثلاث وعشرين … وهكذا دواليك، وأنّهم كانوا يحتسبونها على نقصان الشهر - كما جاء عنه - ﷺ - لأنَّه متيقّن. فتمسّك بهذه الفائدة؛ فإنها عظيمة النفع في ضبط هذه المسألة وقطع الخلاف فيها.
[ ٣٩٧ ]
الإمامِ.
وكانَ الإمامُ أحْمَدُ يَأْخُذُ بهذا الحديثِ، ويُصَلِّي معَ الإمامِ حتَّى يَنْصَرِفَ، ولا يَنْصَرِفُ حتَّى يَنْصَرِفَ الإمامُ.
وقالَ بعضُ السَّلفِ: مَن قامَ نصفَ الليلِ فقد قامَ الليلَ.
وفي "سنن أبي داوود": عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو، عن النَّبي - ﷺ -؛ قالَ: "مَن قامَ بعَشْرِ آياتٍ؛ لمْ يُكْتَبْ مِن الغافلينَ، ومَن قامَ بمئةِ آيةٍ؛ كُتِبَ مِن القانتينَ، ومَن قامَ بألفِ آَيةٍ كُتِبَ مِن المقنطرينَ" (^١)؛ يَعْني: أنَّهُ يُكْتَبُ لهُ قنطارٌ مِن الأجرِ.
ويُرْوى مِن حديثِ تَميمٍ وأنَسٍ مرفوعًا: "مَن قَرَأ بمئةِ آيةٍ في ليلةٍ؛ كُتِبَ لهُ قيامُ ليلةٍ" (^٢). وفي إسنادِهِما ضعفٌ. ورُوِيَ حديثُ تَميمٍ موقوفًا عليهِ، وهوَ
_________________
(١) (صحيح). رواه: أبو داوود (٢ - الصلاة، ٣٢٦ - تحزيب القرآن، ١/ ٤٤٤/ ١٣٩٨)، وابن خزيمة (١١٤٤)، وابن حبّان (٢٥٧٢)، وابن السنّي (٧٠٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢١٩٤)، والمزّي في "التهذيب" (١٩/ ٢١٤)؛ من طريق صحيحة، عن أبي سويّة عبيد بن سويد (على خلاف لهم في اسمه وكنيته)، سمعت عبد الرحمن بن حجيرة، عن ابن عمرو … رفعه. قال ابن خزيمة: "إن صحّ الخبر؛ فإنّي لا أعرف أبا سويّة بعدالة ولا جرح". قلت: روى عنه جماعة، وقال ابن حبّان: "ثقة"، وقال ابن يونس وابن ماكولا وأبو عمير الكندي: "كان فاضلا"، وصحّح له الحاكم، ولم يجرّحه أحد، فمثله يحسّن له بل يصحّح. وابن حجيرة ثقة. فالسند صحيح. وقد قوّاه الألباني. وللقطعة الأولى شواهد عن فضالة بن عبيد وتميم الداري وعبادة بن الصامت وابن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد وغيرهم، وللثانية شواهد عن تميم وأنس وابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد وغيرهم، وللثالثة شواهد عن تميم وفضالة وعبادة وغيرهم. لكن لا حاجة لنا للتطويل فيها بعد أن صحّ الأصل المذكور، وإنّما ذكرتها ليطمئن من يتردّد في تصحيح حديث أبي سويّة.
(٢) (حسن صحيح). رواه: أحمد (٤/ ١٠٣)، والدارمي (٢/ ٤٦٤)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٢٥٤٧)، والنسائي في "السنن الكبرى" (١٠٥٥٣) و"اليوم والليلة" (٧٢٢)، والطبراني في "الكبير" (٢/ ٥٠ / ١٢٥٢) و"الأوسط" (٣١٦٧) و"الشاميّين" (١٢٠٨)، وابن السنّي (٦٧٣)؛ من طريق زيد بن واقد، عن سليمان بن موسى، عن كثير بن مرّة، عن تميم الداريّ … رفعه. وهذا سند يمكن أن يعلّ من أحد وجهين: أوَّلهما: أنّ في حديث سليمان بعض لين، قال الهيثمي (٢/ ٢٧٠): "فيه سليمان بن موسى الشامي، وثقه ابن معين وأبو حاتم وقال البخاري عنده مناكير، وهذا لا يقدح". والآخر: قول أبي مسهر في سليمان: "لم يدرك كثير بن مرّة". ولا يخلو هذا من نظر؛ فإنّ كثيرًا مات ولسليمان ثلاثون عامًّا وكلاهما شاميّ، ولذلك لم يعوّل الذهبيّ على هذا وقال: "لعلّه أدركه"، ولذلك أيضا قال ابن أبي عاصم: "هذا إسناد وثيق". وله شاهد عند سعيد بن منصور (٤٦) من طريق قويّة عن الحسن، بلغني أنّ النبيّ - ﷺ - قال … فذكره.
[ ٣٩٨ ]
أصحُّ (^١).
وعنِ ابن مَسْعودٍ؛ قالَ: مَن قَرَأ في ليلةٍ خمسينَ آية، لمْ يُكْتَبْ مِن الغافلينَ، ومَن قَرَأ مئةَ آيةٍ؛ كُتِبَ مِن القانتينَ، ومَن قَرَأ ثلاثَ مئةِ آيةٍ؛ كُتِبَ لهُ قنطارٌ (^٢).
أرادَ أنْ يُطيلَ في القراءةِ ويَزيدَ وكانَ يُصَلِّي لنفسِهِ، فلْيُطَوِّلْ ما شاءَ، كما قالَهُ النَّبيُّ - ﷺ - (^٣) وكذلكَ مَن صَلَّى بجماعةٍ يَرْضَوْنَ بصلاتِهِ.
وكان بعضُ السَّلفِ يَخْتِمُ في قيامِ رمضانَ في كلِّ ثلاثِ ليالي. وبعضُهُم في كلِّ سبعٍ، قَتادَةُ. وبعضُهُم في كلِّ عشرٍ. منهُم أبو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ.
وكان السَّلفُ يَتْلونَ القرآنَ في شهرِ رمضانَ في الصَّلاةِ وغيرِها:
كان الأسودُ يقْرَأُ القرآنَ في كلِّ ليلتينِ في رمضانَ.
وكان النَّخَعِيُّ يَفْعَلُ ذلكَ في العشرِ الأواخرِ منهُ خاصَّةً، وفي بقيَّةِ الشَّهرِ في كلِّ ثلاثٍ.
وكانَ قَتادَةُ يَخْتِمُ في كلِّ سبعٍ دائمًا، وفي رمضانَ في كلِّ ثلاثٍ، وفي العشرِ
_________________
(١) = ويشهد لمعناه الفقرة الأخيرة من حديث ابن عمرو المتقدّم وشواهدها؛ فإنّ القانتين هم طويلو القيام. وله شاهد من حديث عبادة بن الصامت عند: الطبراني (٢/ ٢٧١ - مجمع)، والضياء في "المختارة" (٨/ ٢٧٨/ ٣٤١)؛ بسند فيه يحيى بن عقبة بن أبي العيزار متّهم هالك. وآخر من حديث أبي أمامة عند الطبراني في "الكبير" (٨/ ١٨٠/ ٧٧٤٨) و"الشاميّين" (٨٩٢) بسند فيه ابن أبي العيزار الهالك المتقدّم. ولم أقف على هذا المتن من حديث أن فلعل المصنّف ﵀ أراد معناه. والله أعلم. وخلاصة القول أنّ الحديث حسن لذاته صحيح بمرسل الحسن والشواهد المعنويّة، وأمّا حديثا عبادة وأبي أُمامة فساقطان لا يصلحان لصالحة، وقد قوّى حديثنا هذا العسقلاني والألباني.
(٢) لم أقف عليه، فإن صحّ عنه فإنّه يزيد المرفوع قوّة؛ لأنّ له حكم الرفع.
(٣) (ضعيف بهذا التمام). رواه: ابن أبي شيبة (٣٠٠٧٧)، والدارمي (٢/ ٤٦٣ و٤٦٥ و٤٦٦)، والطبراني (٩/ ١٤٦/ ٨٧٢٧) - وعنده بخمس آيات -، وابن السنّي (٤٣٧ و٦٧١)؛ من طريق فطر بن خليفة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود … به موقوفًا وفيه زيادة. قال الهيثمي (٢/ ٢٧١): "رجاله ثقات". قلت: السبيعيّ عنعن على تدليسه، ورواية فطر عنه بعد اختلاطه، فلا يطمئنّ القلب إلى تقوية ما تفرّد به. نعم؛ لبعضه ما يشهد له، وأمّا المتن بطوله فلا.
(٤) فيما رواه: البخاري (١٠ - الأذان، ٦٢ - إذا صلّى لنفسه، ٢/ ١٩٩/ ٧٠٣)، ومسلم (٤ - الصلاة، ٣٧ - أمر الأئمّة بالتخفيف، ١/ ٣٤١/ ٤٦٧)؛ من حديث أبي هريرة.
[ ٣٩٩ ]
الأواخرِ كلَّ ليلةٍ.
وكانَ للشَّافِعِي في رمضانَ ستُّونَ ختمةً تقْرَؤُها في غيرِ الصَّلاةِ.
وعن أبي حَنيفَةَ نحوُهُ.
وكانَ قَتَادَةُ يَدْرُسُ القرآنَ في شهرِ رمضانَ (^١).
وكانَ الزُّهْرِيُّ إذا دَخَلَ رمضانُ قالَ: إنَّما هوَ تلاوةُ القرآنِ وإطعامُ الطَّعامِ.
قالَ ابنُ عَبْدِ الحَكَمِ: كانَ مالِكٌ إذا دَخَلَ رمضانُ؛ نَفَرَ (^٢) مِن قراءةِ الحديثِ ومجالسةِ أهلِ العلمِ، وأقْبَلَ على تلاوةِ القرآنِ مِن المصحفِ.
وقالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كانَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ إذا دَخَلَ رمضانُ؛ تَرَكَ جميعَ العبادةِ وأقْبَلَ على تلاوةِ القرآنِ.
وكانَتْ عائِشَةُ تَقْرَأُ في المصحفِ أوَّلَ النَّهارِ في شهرِ رمضانَ، فإذا طَلَعـ[ـتِ] الشَّمسُ؛ نامَتْ.
وقالَ سُفْيانُ: كانَ زُبَيْدٌ اليمامِيُّ إذا حَضَرَ رمضانُ؛ أحْضَرَ المصاحفَ وجَمَعَ إليهِ أصحابَهُ.
وإنَّما وَرَدَ النَّهيُ عن قراءةِ القرآنِ في أقلَّ مِن ثلاثٍ على المداومةِ على ذلكَ. فأمَّا في الأوقاتِ المفضَّلةِ - كشهرِ رمضانَ خصوصًا اللياليَ التي يُطْلَبُ فيها ليلةُ القدرِ - أو في الأماكنِ المفضَّلةِ (^٣) - كمكَّةَ لمَن دَخَلَها مِن غيرِ أهلِها -؛ فيُسْتَحَبُّ الإكثارُ فيها مِن تلاوةِ القرآنِ؛ اغتنامًا للزَّمانِ والمكانِ. وهذا قولُ أحْمَدَ وإسْحاقَ وغيرِهِما مِن الأئمَّةِ، وعليهِ يَدُلُّ عملُ غيرِهِم، كما سَبَقَ ذكرُهُ (^٤).
_________________
(١) في خ: "في كلّ شهر رمضان"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٢) كذا في م وط، وفي خ ون: "يفرّ"، والغالب أنّه تصحيف.
(٣) في خ: "فأمّا أوقات الفضيلة … الأماكن الفاضلة"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٤) فيه نظر من وجوه: أوّلها: أنّ النهي عن قراءة القرآن في أقلّ من ثلاث عامّ يتناول المداومة وغيرها والأماكن الفاضلة وغيرها والأوقات الفاضلة وغيرها، فمن رام قصره على حال دون حال أو مكان دون مكان أو زمان دون زمان فلا بدّ له من دليل، وهيهات! والثاني: أنّ عدم القراءة في أقل من ثلاث هو هدي النبيّ - ﷺ -، فقد صحّ عن عائشة ﵂ أنّه - ﷺ - كان لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث، وهذا عامّ أيضًا كالذي قبله، ومن رغب عن سنته - ﷺ - فليس منه. والثالث: أنّه - ﷺ - بيّن علّة النهي عن الختم في أقلّ من ثلاث بقوله:=
[ ٤٠٠ ]
• واعْلَمْ أن المؤمنَ يَجْتَمعُ لهُ في شهرِ رمضانَ جهادانِ لنفسِهِ: جهادٌ بالنَّهارِ على الصِّيامِ، وجهادٌ بالليلِ على القيامِ. فمَن جَمَعَ بينَ هذينِ الجهادينِ ووَفى بحقوقِهِما وصَبَرَ عليهِما؛ وُفِّيَ أجرَهُ بغيرِ حسابٍ.
قالَ كَعْبٌ: يُنادي يومَ القيامةِ منادٍ: إنَّ كلَّ حارثٍ يُعْطى بحرثِهِ ويُزادُ، غيرَ أهلِ القرآنِ والصُّوَّامِ، يُعْطَوْنَ أُجورَهُم بغيرِ حسابٍ.
ويَشْفَعانِ لهُ أيضًا عندَ اللهِ ﷿ كما في "المسند": عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو، عن النَّبيِّ - ﷺ - قالَ: "الصِّيامُ والقرآنُ (^١) يَشْفَعانِ للعبدِ يومَ القيامةِ، يَقولُ الصِّيامُ: أيْ ربِّ! مَنَعْتُهُ الطَّعامَ والشَّهواتِ بالنَّهارِ [فشَفِّعْني فيهِ] (^٢). ويَقولُ القرآنُ: مَنَعْتُهُ النَّومَ بالليلِ فشَفِّعْني فيهِ. فيُشَفَّعانِ" (^٣).
_________________
(١) = "لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث"، ومعلوم أنّ هذه العلّة قائمة في جميع الأحوال المستثناة بل هي أعظم وأشدّ ظهورًا فيها، فالصيام وزيارة مكّة والمدينة عبادات في حدّ ذاتها تشغل عن التركيز والتدبّر الطويلين. والرابع: أنّ التلاوة، وإن كانت مقصودة لذاتها من وجه، فإنّها مقصودة للفهم والتدبّر والعمل من وجه أعظم وأجلّ، وقد صحّ عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما أنّ سورة واحدة مع التدبّر خير من ختمة بغيره أو نحوه. والخامس: أنّ ما جاء من مخالفة بعض السلف لذلك: فإمّا أنّه لا يصحّ عنهم، وإما أنهم لم يبلغهم النهي فهم معذورون. والسادس: أنّه يقابل هؤلاء جماعة كبار من السلف نهوا عن ذلك وحذروا منه، وحسبك في هذا قول ابن مسعود لمن قرأ في ليلة فأكثر: "أهذا كهذّ الشعر؟! ".
(٢) في خ وم ون: "الصيام والقيام"! وأثبتّ ما في ط لموافقته لفظ "المسند".
(٣) في خ ون: "والشهوات المحرّمة بالنهار"، والأولى ما أثبتّه من م وط و"المسند"، والزيادة منه.
(٤) (حسن). رواه: ابن المبارك (٣٨٥)، وأحمد (٢/ ١٧٤)، وابن أبي الدنيا في "الجوع" (١٤٣٦ - ترغيب)، والطبراني (٣/ ١٨٤ - مجمع)، وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ١٦١)، والحاكم (١/ ٥٥٤)، والبيهقي في "الشعب" (١٩٩٤)، والذهبي في "النبلاء" (١٢/ ٢٢، ١٤/ ٤٣٥)؛ من طرق، عن حييّ بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن ابن عمرو … رفعه. قال الحاكم: "على شرط مسلم"، وأقرّه المنذري والذهبي. وقال المنذري والهيثمي (٣/ ١٨٤): "رجال الصحيح". وقال المنذري والهيثمي (١٠/ ٣٨٤): "إسناده حسن". زاد الهيثمي: "على ضعف في ابن لهيعة وقد وثّق". قلت: وليّنه الذهبيّ مرّة في "النبلاء" من أجل ابن لهيعة، وليس بالقادح فقد توبع عند ابن المبارك والحاكم من وجهين. نعم؛ في حييّ المعافري كلام، لكنّه لا ينحط بحديثه إلى الضعف، ولا سيّما في باب الرقائق، فالسند لا بأس به، وقد صححه الألباني، فكأنّه لشواهده. ويشهد لمعناه "الصيام جنّة (وفي رواية: وحصن حصين) من النار (وفي رواية: كجنّة أحدكم من القتال) و"القرآن شافع مشفّع وماحل مصدّق"، ويشهد له أيضًا حديثا بريدة وعبادة الآتيان قريبًا.
[ ٤٠١ ]
فالصِّيامُ يَشْفَعُ لمَن مَنَعَهُ الطَّعامَ والشَّهواتِ المحرَّمةَ كلَّها، سواءٌ كانَ تحريمُها يَخْتَصُّ بالصِّيامِ - كشهوةِ الطَّعامِ والشَّرابِ والنِّكاحِ ومقدِّماتِها - أو لا يَخْتَصُّ بهِ - كشهوةِ فضولِ الكلامِ المحرَّمِ والنَّظرِ المحرَّمِ والسَّماعِ المحرَّمِ والكسبِ المحرَّمِ -، فإذا مَنَعَهُ الصِّيامُ مِن هذهِ المحرَّماتِ كلِّها؛ فإنَّهُ يَشْفَعُ لهُ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ فيَقولُ: يا ربِّ! مَنَعْتُهُ شهواتِهِ فشَفِّعْني فيهِ.
فهذا لمَن حَفِظَ صيامَهُ ومَنَعَهُ مِن شهواتِهِ. فأمَّا مَن ضَيَّعَ صيامَهُ ولمْ يَمْنَعْهُ ممَّا حَرَّمَهُ اللهُ عليهِ؛ فإنَّهُ جديرٌ أنْ يُضرَبَ بهِ وجهُ صاحبِهِ ويَقولَ لهُ: ضَيَّعَكَ اللهُ كما ضَيَّعْتَني، كما وَرَدَ مثلُ ذلكَ في الصَّلاةِ.
قالَ بعضُ السَّلفِ: إذا احْتُضِرَ المؤمنُ؛ يُقالُ للمَلَكِ: شُمَّ رأْسَهُ. قالَ: أجِدُ في رأْسِهِ القرآنَ. فيُقالُ: شُمَّ قلبَهُ. فيَقولُ: أجِدُ في قلبِهِ الصِّيامَ. فيُقالُ (^١): شُمَّ قدميهِ. فيَقولُ: أجدُ في قدميهِ القيامَ. فيُقالُ: حَفِظَ نفسَهُ حَفِظَهُ اللهُ.
وكذَلكَ القرآنُ إنَّما يَشْفَعُ لمَن مَنَعَهُ مِن النَّومِ بالليلِ؛ فإنَّ مَن قَرَأ القرآنَ وقامَ بهِ؛ فقد قامَ بحقِّهِ، فيَشْفَعُ لهُ.
وقد ذَكَرَ النَّبيُّ - ﷺ - رجلًا، فقالَ: "ذاكَ لا يَتَوَسَّدُ القرآنَ" (^٢)؛ يَعْني: لا يَنامُ عليهِ فيَصيرُ لهُ كالوسادةِ (^٣).
_________________
(١) في خ: "فيقول"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٢) (صحيح). رواه: ابن المبارك (١٢١٠)، وابن سعد (٤/ ٣٦٣)، وأحمد (٣/ ٤٤٩)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٢٤٢٢) و٢٤٢٣)، والنسائي في "المجتبى" (٢٠ - قيام الليل، ٦٠ - وقت ركعتي الفجر، ٣/ ٢٥٧/ ١٧٨٢) و"الكبرى" (١٣٠٥)، والبغوي في "المعجم" (٢/ ١٤٧ - إصابة)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٨/ ٣٦٢)، وابن قانع في "المعجم" (١/ ٣٠٠/ ٣٦٥)، والطبراني (٧/ ١٤٨/ ٦٦٥٤ و٦٦٥٥)، وابن منده في "الصحابة" (٢/ ١٤٧ - إصابة)، والبيهقي في "الشعب" (٢٠٠٥ - ٢٠٠٧) و"الصفات" (٥٨٥)، وابن عبد البرّ في "الاستيعاب" (٢/ ١٤٥ و١٤٦)، وأبو الحسن الخلعي في "الفوائد الخلعيّات" (٢/ ١٤٧ - غابة)، وابن الأثير في "الغابة" (٤/ ٩٣) تعليقًا؛ من طرق، عن الزهريّ، عن السائب بن يزيد؛ أنّ شريحًا الحضرميّ ذكر عنده - ﷺ -، فقال … فذكره. والسائب صحابيّ، والسند صحيح غاية، غير أنّهم اختلفوا في المذكور عند النبيّ - ﷺ - هل هو شريح الحضرمي أو مخرمة بن شريح، وهذا لا يضرّ كما هو معلوم، وقد صحّح الحديث العسقلاني والألباني.
(٣) يعني: يسهر عليه تلاوة وحفظًا وفهمًا. فهذا أحسن ما قيل في معنى الحديث.
[ ٤٠٢ ]
وخَرَّجَ الإمامُ أحمدُ مِن حديثِ بُرَيْدَةَ مرفوعًا: "إنَّ القرآنَ يَلْقى صاحبَهُ يومَ القيامةِ حينَ يَنْشَقُّ عنهُ قبرُهُ كالرَّجلِ الشَّاحبِ، فيقولُ: هل تَعْرِفُني؟ أنا صاحبُكَ، الذي أظْمَأْتُكَ في الهواجرِ وأسْهَرْتُ ليلَكَ، وكلُّ تاجرٍ مِن وراءِ تجارتِهِ. فيُعْطى الملكَ بيمينِهِ، والخلدَ بشمالِهِ، ويوضَعُ على رأْسِهِ تاجُ الوقارِ، ثمَّ يُقالُ لهُ: اقْرَأْ واصْعَدْ في درجِ الجنَّةِ وغرفِها، فهوَ في صعودٍ ما دامَ يَقْرَأ؛ هذًّا كانَ أو ترتيلًا" (^١).
وفي حديثِ عُبادَةَ بن الصَّامِتِ الطَّويلِ: "إنَّ القرآنَ يَأْتي صاحبَهُ في القبرِ فيَقولُ لهُ: أنا الذي كُنْتُ أشْهِرُ ليلَكَ وأُظْمِئُ نهارَكَ وأمْنَعُكَ شهواتِكَ وسمعَكَ وبصرَكَ، فسَتَجِدُني مِن الأخلَّاءِ خليلَ صدقٍ. ثمَّ يَصْعَدُ فيَسْألُ لهُ (^٢) فراشًا ودثارًا، فيُؤْمَرُ لهُ بفراشٍ مِن الجنَّةِ وقنديلٍ مِن الجنَّةِ وياسَمين مِن الجنَّةِ، ثمَّ يَدْفَعُ القرآنُ في قبلةِ القبرِ فيُوَسِّعُ عليهِ ما شاءَ الله مِن ذلكَ" (^٣).
_________________
(١) (حسن شواهده). رواه: أبو عبيد في "الفضائل" (ص ٨٤)، وأحمد (٥/ ٣٤٨ و٣٥٢)، وابن أبي عمر في "المسند" (سورة البقرة - الدرّ)، والدارمي (٢/ ٤٥٠)، وابن ماجه (٣٣ - الأدب، ٥٢ - ثواب القرآن، ٢/ ١٢٤٢/ ٣٧٨١)، وابن نصر في "قيام الليل" (٢٠٢)، والعقيلي (١/ ١٤٣)، وابن عدي (٢/ ٤٥٤)، والحاكم (١/ ٥٥٦) مختصرًا، والبيهقي في "الشعب" (١٩٨٩ - ١٩٩٠)، والبغوي في "السنّة" (١١٩٠) و"التفسير" (١/ ١٩)؛ من طرق، عن بشير بن المهاجر، ثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه … رفعه. قال الحاكم: "على شرط مسلم". وردّه الألباني بقوله: "لا؛ فإنّ فيه بشير بن المهاجر، وهو صدوق ليّن الحديث كما قال الحافظ في "التقريب"، فمثله يحتمل حديثه التحسين، أمّا التصحيح فهو بعيد". قلت: له شاهد عند: عبد الرزّاق (٦٠١٤)، والطبراني في "الأوسط" (٥٧٦٠)؛ من حديث يحيى بن أبي كثير مرسلًا وموصولًا والإرسال أقوى. وآخر من حديث ابن عمرو سيأتي تفصيل القول فيه قريبًا. وثالث من حديث أبي أمامة عند: الطبراني (٨/ ٢٩١/ ٨١١٩)، وأبي نعيم (٥/ ١٠٧)؛ بسند ساقط. وللقسم الأخير منه شاهد عند البيهقي في "الشعب" (١٩٩١ و١٩٩٦ و١٩٩٧) من حديث أبي هريرة بسند فيه ضعف. وآخر عند: الطبراني (٢٠/ ٧٢/ ١٣٦)، والبيهقي في "الشعب" (١٩٩٢)؛ بسند ساقط. والحديث حسن بحديث ابن عمرو ومرسل ابن أبي كثير، والشواهد الأُخرى لن تضرّه إن لم تنفعه.
(٢) في خ: "فيسأل الله له"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٣) (موضوع). رواه: الحارث (٧٣٠ - هيثمي)، والعقيلي (٢/ ٣٩)؛ من طريق داورد الطفاوي أبي بحر، عن صهر له يقال له مسلم بن أبي مسلم، عن مورّق العجليّ، عن عبيد بن عمير، عن عبادة … وقفه. قال ابن معين: "داورد الطفاوي الذي يروي عنه المقرئ حديث القرآن ليس بشيء". وقال العقيلي: "حديثه باطل لا أصل له". وأقرّه العسقلاني. قلت: وصهره هذا الله أعلم من هو. وله شاهد ساقط ظاهر الوضع عند البزّار (٢٦٥٥).
[ ٤٠٣ ]
قالَ ابنُ مَسْعودٍ: يَنْبَغي لقارئ القرآنِ أنْ يُعْرَفَ: بليلِهِ إذا النَّاسُ يَنامونَ، وبنهارِهِ إذا النَّاسُ يُفْطِرونَ، وببكائِهِ إذا النَّاسُ يَضْحَكونَ، وبورعِهِ إذا النَّاسُ يُخَلِّطونَ، وبصمتِهِ إذا النَّاسُ يَخوضونَ، وبخشوعِهِ إذا النَّاسُ يَخْتالونَ، وبحزنِهِ إذا النَّاسُ يَفْرَحونَ.
قالَ مُحَمَّدُ بنُ كَعْبٍ: كنَّا نَعْرِفُ قارئَ القرآنِ بصفرةِ لونِهِ. يُشيرُ إلى سهرِهِ وطولِ تهجُّدِهِ.
قالَ وُهَيْبُ بنُ الوَرْدِ: قيلَ لرجلٍ: ألا تَنامُ؟ قالَ: إنَّ عجائبَ القرآنِ أطَرْنَ نومي.
وصَحِبَ رجلٌ رجلًا شهرينِ، فلم يَرَهُ نائمًا، فقالَ: ما لي لا أراكَ نائمًا؟! قالَ: إنَّ عجائبَ القرآنِ أطَرْنَ نومي، ما أخْرُجُ مِن أُعجوبةٍ إلَّا وَقَعْتُ في أُخرى.
قالَ أحْمَدُ بنُ أبي الحَوَاري: إنِّي لأَقْرَأُ القرآنَ وأنْظُرُ في آيةٍ آيةٍ، فيَحِيرُ عقلي بها، وأعْجَبُ مِن حفَّاظِ القرآنِ كيفَ يَهْنِيهِمُ النَّومُ ويَسَعُهُم أنْ يَشْتَغِلوا بشيءٍ منَ الدُّنيا وهُم يَتْلونَ كلامَ اللهِ؟! أما إنَّهُم لو فَهِموا ما يَتْلونَ وعَرَفوا حقَّهُ وتَلَذَّذوا بهِ واسْتَحْلَوُا المناجاةَ بهِ؛ لذَهَبَ عنهُمُ النَّومُ فرحًا بما قد رُزِقوا.
وأنْشَدَ ذو النُّونِ:
مَنَعَ القُرَانُ بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ … مُقَلَ العُيونِ بِلَيْلِها لا تَهْجَعُ
فَهِمُوا عَنِ المَلِكِ الجَليلِ كَلامَهُ … فَهْمًا تَذِلُّ لَهُ الرِّقابُ وَتَخْضَعُ
فأمَّا مَن كانَ معَهُ القرآنُ فنامَ عنهُ بالليلِ ولمْ يَعْمَلْ بهِ بالنَّهارِ؛ فإنَّهُ يَنْتَصِبُ القرآنُ (^١) خصمًا لهُ، يُطالِبُهُ بحقوقِهِ التي ضَيَّعَها.
وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حديثِ سَمُرَةَ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - رَأى في منامِهِ رجلًا مستلقيًا على قفاهُ ورجلٌ قائمٌ بيدِهِ فهرٌ أو صخرةٌ فيَشْدَخُ بهِ رأْسَهُ فيَتَدَهْدَهُ الحجرُ، فإذا ذَهَبَ لِيَأخُذَهُ؛ عادَ رأْسُهُ كما كانَ، فصَنَعَ بهِ مثلَ ذلكَ، فسَألَ عنهُ، فقيلَ لهُ: هذا رجلٌ آتاهُ اللهُ القرآنَ فنامَ عنهُ بالليلِ ولمْ يَعْمَلْ بهِ بالنَّهارِ، فهوَ يَفْعَلُ بهِ ذلكَ إلى يومِ القيامةِ (^٢). وقد
_________________
(١) في خ: "القرآن فينام عنه … ينتصب له القرآن"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٢) رواه: أحمد (٥/ ١٤)، والبخاري (٢٣ - الجنائز، ٩٣ - باب، ٣/ ٢٥١/ ١٣٨٦)؛ كلاهما من=
[ ٤٠٤ ]
خَرَّجَهُ البُخارِيُّ بغيرِ هذا اللفظِ.
وفي حديثِ: عَمْرِو بن شُعَيْب، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، عن النَّبيِّ - ﷺ -: "يُمَثَّلُ القرآنُ يومَ القيامةِ رجلًا، فيُؤْتى بالرَّجلِ قد حَمَلَهُ فخالَفَ أمرَهُ، فيَتَمَثَّلُ لهُ خصمًا، فيَقولُ: يا ربِّ! حَمَّلْتَهُ إيَّايَ فبئسَ الحاملُ؛ تَعَدَّى حدودي، وضَيَّعَ فرائضي، ورَكِبَ معصيتي، وتَرَكَ طاعتي، فما يَزالُ يَقْذِفُ عليهِ بالحججِ حتَّى يُقالَ: شأْنَكَ بهِ! فيَأْخُذُ بيدِهِ، فما يُرسِلُهُ حتَّى يَكُبَّهُ على مَنْخِرِهِ في النَّارِ. ويُؤْتى بالرَّجلِ الصَّالحِ كانَ قد حَمَلَهُ وحَفِظَ أمرَهُ، فيَمْثُلُ خصمًا دونَهُ، فيَقولُ: يا ربِّ! حَمَّلْتَهُ إيَّايَ فخيرُ حامل؛ حَفِظَ حدودي، وعَمِلَ بفرائضي، واجْتَنَبَ معصيتي، واتَّبَعَ طاعتي، فلا يَزالُ يَقْذِفُ لهُ بالحججِ حتَّى يُقالَ: شأْنَكَ بهِ، فيَأْخُذُ بيدِهِ، فما يُرْسِلُهُ حتَّى يلبِسَهُ حُلَّةَ الإستبرقِ ويَعْقِدَ عليهِ تاجَ الملكِ ويَسْقِيَهُ كأسَ الخمرِ" (^١).
يا مَن ضَيَّعَ عمرَهُ في غيرِ الطَّاعة! يا مَن فَرَّطَ في شهرِهِ بل في دهرِهِ وأضاعَه! يا مَن بضاعتُهُ التَّسويفُ والتَّفريطُ وبئستِ البضاعة! يا مَن جَعَلَ خصمَهُ القرآنَ وشهرَ رمضانَ كيفَ تَرْجو ممَّن جَعَلْتَهُ خصمَكَ الشَّفاعة؟!
وَيْلٌ لِمَنْ شُفَعاؤُهُ خُصَماؤُهُ … وَالصُّوْرُ في يَوْمِ القِيامَةِ يُنْفَخُ
ربَّ صائمٍ حظُّهُ مِن صيامِهِ الجوعُ والعطشُ وقائمٍ حظُّهُ مِن قيامِهِ السَّهرُ.
كلُّ قيامٍ لا يَنْهى عن الفحشاءِ والمنكرِ لا يَزيدُ صاحبَهُ إلَّا بعدًا، وكلُّ صيامٍ لا يُصانُ عن قولِ الزُّورِ والعملِ بهِ لا يُورِثُ صاحبَهُ إلَّا مقتًا وردًّا.
يا قومِ! أينَ آثارُ الصِّيامِ؟! أينَ أنوارُ القيامِ؟!
_________________
(١) = طريق جرير بن حازم، ثنا أبو رجاء العطاردي، عن سمرة، عن النبيّ - ﷺ -. ولفظ البخاري في هذا الموضع يكاد يطابق لفظ أحمد واللفظ المذكور هنا، فكأنّ المصنّف نظر في لفظ آخر للبخاري.
(٢) (حسن). رواه: ابن أبي شيبة (٣٠٠٣٥)، والبخاري في "خلق الأفعال" (ص ٧٤)، وابن قتيبة في "مختلف الحديث" (ص ٢٥٨)، والبزّار (٢٣٣٧ - كشف)، والديلمي في "الفردوس" (٩٠٣٧)؛ من طرق، عن محمّد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه … رفعه. قال الهيثمي (٧/ ١٦٤): "فيه ابن إسحاق وهو ثقة ولكنّه مدلّس، وبقيّة رجاله ثقات". قلت: صرّح ابن إسحاق بالتحديث عند البخاري فأمنّا شبهة التدليس، ولعلّه لذلك حسنه العسقلاني.
[ ٤٠٥ ]
إنْ كُنْتَ تَنوحُ يا حَمامَ البانِ … لِلْبَيْنِ فَأيْنَ شاهِدُ الأحْزانِ
أجْفانُكَ لِلدُّموعِ أمْ أجْفاني … لا يُقْبَلُ مُدَّعٍ بِلا بُرْهانِ
هذا عبادَ اللهِ شهرُ رمضانَ الذي أُنزِلَ فيهِ القرآنُ وفي بقيَّتِهِ للعابدينَ مستمتع، وهذا كتابُ اللهِ يُتْلى فيهِ بينَ أظهرِكُم (^١) ويُسْمَع، وهوَ القرآنُ الذي لو أُنْزِلَ على جبلٍ لرَأيْتَهُ خاشعًا يَتَصَدَّع، ومعَ هذا فلا قلبٌ يَخْشَعُ ولا عين تَدمَعُ ولا صيامٌ يُصانُ عن الحرامِ فيَنْفَعُ ولا قيامٌ اسْتَقامَ فيُرْجى في صاحبِهِ أنْ يَشْفَع! قلوبٌ خَلَتْ مِن التَّقوى فهيَ خرابٌ بَلْقَع، وتَراكَمَتْ عليها ظلمةُ الذُّنوبِ فهيَ لا تُبْصِرُ ولا تَسْمَع.
كم تُتْلى علينا آياتُ القرآنِ وقلوبُنا كالحجارةِ أو أشدُّ قسوة! وكم يَتَوالى علينا شهرُ رمضانَ وحالُنا فيهِ كحالِ أهلِ الشِّقوة؛ لا الشَّابُّ منَّا يَنْتَهي عن الصَّبوةِ ولا الشَّيخُ يَنْزَجِرُ عن القبيحِ فيَلْتَحِقُ بالصَّفوة! أينَ نحنُ مِن قومٍ إذا سَمِعوا داعيَ اللهِ أجابوا الدَّعوة، وإذا تُلِيَتْ عليهِم آياتُ اللهِ جَلَتْ قلوبَهُم جَلْوَة، وإذا صاموا صامَتْ منهُمُ الألسنةُ والأسماعُ والأبصارُ؟ أفما لنا فيهِم أُسوة؟ كم بينَنا وبينَ حالِ أهلِ الصَّفا! أبعدُ ممَّا بينَنا وبينَ (^٢) الصَّفا والمروة.
كلَّما حَسُنَتْ منَّا الأقوالُ ساءَتِ الأعمالُ! فلا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ العليِّ العظيمِ.
يا نَفْسُ فازَ الصَّالِحونَ بِالتُّقى … وَأبْصَروا الحَقَّ وَقَلْبي قَدْ عَمِي
يا حُسْنَهُمْ وَاللَيْلُ قَدْ جَنَّهُمُ … وَنورُهُمْ يَفوقُ نورَ الأنْجُمِ
تَرَنَّموا بِالذِّكْرِ في لَيْلِهِمُ … فَعَيْشُهُمْ قَدْ طابَ بِالتَّرَنُّمِ
قُلوبُهُمْ لِلذِّكْرِ قَدْ تَفَرَّغَتْ … دُموعُهُمْ كَلُؤْلُؤٍ مُنْتَظِم
أسْحارُهُمْ بِهِمْ لَهُمْ قدْ أشْرَقَتْ … وَخِلَعُ الغُفْرانِ خَيْرُ القِسَم
وَيْحَكِ يا نَفْسُ ألا تَيَقُّظٌ … يَنْفَعُ قَبْلَ أنْ تَزِلَّ قَدَمي
مَضى الزَّمانُ في تَوانٍ وَهَوًى … فَاسْتَدْرِكي ما قدْ بَقِي وَاغْتَنِمي
_________________
(١) في خ: "كتاب الله فيه يتلى بين أظهركم"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٢) في خ وم: "ممّا هنا وبين"، والأولى ما أثبتّه من ط.
[ ٤٠٦ ]