في الصَّحيحينِ (^٢): عن ابن عَبَّاسٍ، أنَّهُ سُئِلَ عن صومِ يومِ عاشوراءَ، فقالَ: ما رَأيْتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - صامَ يومًا يَتَحَرَّى فضلَهُ على الأيامِ إلَّا هذا اليومَ (يَعْني: يومَ عاشوراءَ) وهذا الشَّهرَ (يَعْني: رمضانَ).
• يومُ عاشوراءَ لهُ فضيلةٌ عظيمةٌ وحرمةٌ قديمةٌ، وصومُهُ لفضلِهِ كانَ معروفًا بينَ الأنبياءِ ﵈، وقد صامَهُ نوح وموسى ﵉، كما سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى (^٣).
ورَوى: إبْراهيمُ الهَجَرِيُّ، عن أبي عِياضٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "يومُ عاشوراءَ، كانَتْ تَصومُهُ الأنبياءُ، فصوموهُ أنتُم" (^٤). خَرَّجَهُ بقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ في
_________________
(١) ليست في خ وم ون، استفدتها من ط.
(٢) البخاري (٣٠ - الصوم، ٦٩ - صيام عاشوراء، ٤/ ٢٤٥/ ٢٠٠٦)، ومسلم (١٣ - الصيام، ١٩ - صوم عاشوراء، ٢/ ٧٩٧/ ١١٣٢).
(٣) أمّا موسى - ﷺ -، فنعم، وأمّا نوح - ﷺ -؛ فلم يصحّ. وسيأتيك تفصيله قريبًا.
(٤) (حسن بشواهده). رواه: بقيّ بن مخلد (ص ١٢٢ - لطائف المعارف)، والبزّار (١٠٤٦ - كشف)؛ من طريق إبراهيم الهجريّ، عن أبي عياض، عن أبي هريرة … رفعه. قال الهيثمي (٣/ ١٨٨): "فيه إبراهيم الهجريّ، وثّقه ابن عديّ وضعّفه الأئمّة". وقال العسقلاني: "إبراهيم الهجريّ ضعيف". قلت: خلاصة أمره أنّه ليّن الحديث، وقد اضطرب فيه فقال مرّة "عيد نبيّ كان قبلكم" ومرّة" كانت تصومه الأنبياء"، لكن حريّ بمثل هذا السند أن يتقوّى بالشواهد الآتية.
[ ١٢٢ ]
"مسندِهِ".
وَقد كانَ أهلُ الكتابِ يَصومونَهُ.
وكذلكَ قريشٌ في الجاهليةِ كانَتْ تَصومُهُ. قالَ دَلْهَمُ بنُ صالحٍ: قُلْتُ لعِكْرِمَةَ: عاشوراءُ؛ ما أمرُهُ؟ قالَ: أذْنَبَتْ قريشٌ في الجاهليَّةِ ذنبًا، فتَعاظَمَ في صدورِهِم، فسَألُوا: ما توبتُهُم؟ قيلَ: صومُ يومِ عاشوراءَ؛ يومِ العاشرِ مِن المُحَرَّمِ.
• وكانَ للنَّبيِّ - ﷺ - في صيامِهِ أربعةُ أحوالٍ:
* الحالةُ الأُولى: أنَّهُ كانَ يَصومُهُ بمَكَّةَ ولا يَأْمُرُ النَّاسَ بالصَّومِ.
ففي الصَّحيحينِ (^١): عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: كانَ عاشوراءُ يومًا تَصومُهُ قريش في الجاهليَّةِ، وكانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَصومُهُ، فلمَّا قَدِمَ المدينةَ؛ صامَهُ وأمَرَ بصيامِهِ، فلمَّا نَزَلَـ[ــــتْ] فريضةُ شهرِ رَمَضانَ؛ كانَ رَمَضانُ هوَ الذي يَصومُهُ، فتَرَكَ يومَ عاشوراءَ؛ فمَن شاء صامَهُ، ومَن شاءَ أفْطَرَهُ.
وفي روايةٍ للبُخارِيِّ (^٢): قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "مَن شاءَ فلْيَصُمـ[ــــهُ]، ومَن شاءَ أفْطَرَ [هـ] ".
* الحالةُ الثَّانيةُ: أن النَّبي - ﷺ - لمَّا قَدِمَ المدينةَ ورَأى صيامَ أهلِ الكتابِ لهُ وتعظيمَهُم لهُ - وكانَ يُحِبُّ موافقتَهُم فيما لم يُؤْمَرْ بهِ -؛ صامَهُ، وأمَرَ النَّاسَ بصيامِهِ، وأكَّدَ الأمرَ بصيامِهِ والحثَّ عليهِ حتَّى كانوا يُصَوِّمونَهُ أطفالَهُم.
ففي الصَّحيحينِ (^٣): عن ابن عَبَّاسٍ؛ قالَ: قَدِمَ رسولُ اللهِ - ﷺ - المدينةَ، فوَجَدَ اليهودَ صيَّامًا يومَ عاشوراءَ، فقالَ لهُم رسولُ اللهِ - ﷺ -: "ما هذا اليومُ الذي تَصومونَهُ؟ ". قالوا: هذا يومٌ عظيمٌ، [أ] نْجى اللهُ فيهِ موسى وقومَهُ، وأغْرَقَ فِرْعَوْنَ وقومَهُ، فصامَهُ موسى شكرًا، فنحنُ نَصومُهُ. فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "فنحنُ أحقُّ وأولى بموسى منكُم".
_________________
(١) البخاري (٣٠ - الصوم، ٦٩ - صيام عاشوراء، ٤/ ٢٤٤/ ٢٠٠٢)، ومسلم (١٣ - الصيام، ١٩ - صوم عاشوراء، ٢/ ٧٩٢/ ١١٢٥).
(٢) (٣٠ - الصوم، ١ - صوم رمضان، ٤/ ١٠٢/ ١٨٩٣)، ومسلم أيضًا (الموضع السابق).
(٣) البخاري (٣٠ - الصوم، ٦٩ - صيام عاشوراء، ٤/ ٢٤٤/ ٢٠٠٤)، ومسلم (١٣ - الصيام، ١٩ - صوم عاشوراء، ٢/ ٧٩٧/ ١١٣٢).
[ ١٢٣ ]
فصامَهُ رسولُ اللهِ - ﷺ - وأمَرَ بصيامِهِ.
وفي "مسند الإمام أحْمَدَ": عن أبي هُرَيْرَةَ؛ قالَ: مَرَّ النَّبيُّ - ﷺ - بأُناسٍ مِن اليهودِ وقد صاموا [يومَ] عاشوراءَ، فقالَ: "ما هذا مِن الصَّومِ؟ ". قالوا: هذا اليومُ الذي نَجَّى اللهُ ﷿ فيهِ موسى ﵇ وبني إسرائيلَ مِن الغرقِ و[أ] غْرَقَ فيهِ فِرْعَوْنَ، وهذا يومَ اسْتَوَت فيهِ السَّفينةُ على الجُودِيِّ، فصامَ نوحٌ وموسى ﵉ شكرًا للهِ ﷿. فقالَ النّبيُّ - ﷺ -: "أنا أحقُّ بموسى منكُم وأحق بصومِ هذا اليومِ". فأمَرَ أصحابَهُ بالصَّومِ (^١).
وفي الصَّحيحينِ (^٢): عن سَلَمَةَ بن الأكْوَعِ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - أمَرَ رجلًا مِن أسْلَمَ أنْ أذِّن في النَّاسِ: "مَن أكَلَ فَلْيَصُمْ بقيَّةَ يومِهِ، ومَن لمْ يكُنْ أكَلَ فَلْيَصُمْ؛ فإنَّ اليومَ يومُ عاشوراءَ".
وفيهِما أيضًا (^٣): عن الرُّبيِّع بنتِ مُعَوِّذٍ؛ قالَتْ: أرْسَلَ رسولُ اللهِ - ﷺ - غداةَ عاشوراءَ إلى قرى الأنصارِ التي حولَ المدينةِ: "مَن كانَ أصْبَحَ صائمًا؛ فَلْيُتِمَّ صومَهُ، ومَن كانَ أصْبَحَ مفطرًا؛ فَلْيُتِمَّ بقيَّةَ يومِهِ". فكُنَّا بعدَ ذلكَ نَصومُهُ، ونُصَوّمُ صبيانَنا الصّغارَ منهُم، ونَذْهَبُ إلى المسجدِ فنَجْعَلُ لهُمُ اللعبةَ مِن العهنِ، فإذا بكى أحدُهُم على الطَّعامِ؛ أعْطَيْناهُ إيَّاها حتَّى يَكونَ عندَ الإفطارِ. وفي روايةٍ: فإذا سَألوا الطَّعامَ؛ أعْطَيْناهُمُ اللعبةَ تُلْهيهِم حتَّى يُتِمُّوا صومَهُم.
_________________
(١) (ضعيف بهذا التمام). رواه: أحمد (٢/ ٣٥٩)، وأبو الشيخ، وابن مردويه (هود ٤٤ - درّ)؛ من طريق أبي جعفر، ثنا عبد الصمد بن حبيب الأزدي، عن أبيه، عن شبيل، عن أبي هريرة … رفعه. قال ابن كثير: "غريب من هذا الوجه، ولبعضه شاهد في الصحيح". وقال الهيثمي (٣/ ١٨٧): "فيه حبيب بن عبد الله الأزدي لم يرو عنه غير ابنه". قلت: فهو مجهول. وابنه ليّن. وأبو جعفر هو محمّد بن جعفر المدائني فيه لين أيضًا. نعم؛ يشهد لبعضه ما تقدّم. ولذكر السفينة شواهد لكنّها ساقطة كما بيّنته في "قصص الأنبياء" (ص ١٦٥ - ط. ابن خزيمة).
(٢) البخاري (٣٠ - الصوم، - ٢١ - إذا نوى بالنهار صومًا، ٤/ ١٤٠/ ١٩٢٤)، ومسلم (١٣ - الصيام، ٢١ - من أكل في عاشوراء، ٧٩٨/ ٢/ ١١٣٥).
(٣) البخاري (٣٠ - الصوم، ٤٧ - صوم الصبيان، ٤/ ٢٠٠/ ١٩٦٠)، ومسلم (قبله، ١١٣٦).
[ ١٢٤ ]
وفي البابِ أحاديثُ كثيرةٌ جدًّا.
وخَرَّجَ الطَّبَرانِيُّ بإسنادٍ فيهِ جهالةٌ: أن النَّبيَّ - ﷺ - كانَ يَدْعو يومَ عاشوراءَ برُضَعائِهِ ورُضَعاءِ ابنتِهِ فاطِمَةَ، فيَتْفُلُ في أفواهِهِم، وتقولُ لأُمَّهاتِهِم: "لا تُرْضِعوهُم إلى الليلِ"، وكانَ ريقُهُ - ﷺ - يُجْزِئُهُمْ (^١).
وقدِ اخْتَلَفَ العلماءُ: هل كانَ صومُ يومِ عاشوراءَ قبلَ فرضِ شهرِ رمضانَ واجبًا أم كانَ سنَّةً مؤكَّدةً؟ على قولينِ مشهورينِ. ومذهبُ أبي حَنيفَةَ أنهُ كانَ واجبًا حينئذٍ، وهوَ ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحْمَدَ وأبي بَكْرٍ الأثْرَمِ. وقالَ الشَّافِعِيُّ: بل كانَ متأكِّدَ الاستحبابِ فقطْ، وهوَ قولُ كثيرٍ مِن أصحابِنا وغيرِهِم (^٢).
* الحالةُ الثالثةُ: أنَّهُ لمَّا فُرِضَ صيامُ شهرِ رَمَضانَ؛ تَرَكَ النَّبيُّ - ﷺ - أمْرَ أصحابِهِ بصيامِ يومِ عاشوراءَ وتأْكيدَهُ فيهِ.
وقد سَبَقَ حديثُ عائِشَةَ في ذلكَ.
وفي الصَّحيحينِ (^٣): عن ابن عُمَرَ؟ قالَ: صامَ النَّبيُّ - ﷺ - عاشوراءَ وأمَرَ بصيامِهِ، فلمَّا كانَ فرضُ رَمَضانَ؛ تَرَكَ ذلكَ. وكانَ عَبْدُ اللهِ لا يَصومُهُ إلَّا أنْ يُوافِقَ صومَهُ.
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). رواه: ابن سعد (٨/ ٣١١)، والحارث (٣٣٧ - هيثمي)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٣٤٣٧)، وأبو مسلم الكجّيّ (٤/ ٣٠٢ - إصابة)، وأبو يعلى (٧١٦٢)، والطبراني في "الكبير" (٢٤/ ٢٧٧/ ٧٠٤) و"الأوسط" (٢٥٨٩)، وابن منده (٤/ ٣٠٢ - إصابة)، وأبو نعيم (٤/ ٣٠٢ - إصابة)، والبيهقي في "الدلائل" (٦/ ٢٢٦)، والأصبهاني في "الترغيب" (١٨٤٣)؛ من طرق، عن عليلة بنت الكميت العتكيَّة، عن أمّها أمينة، عن أمة الله بنت رزينة، عن رزينة خادمة النبي - ﷺ - … رفعته مطوّلًا ومختصرًا. قال الهيثمي (٣/ ١٨٩): "عليلة ومن فوقها لم أجد من ترجمهنّ". وقال ابن رجب: "فيه جهالة".
(٢) قال العسقلاني في "الفتح" (٤/ ٢٤٧): "ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنّه كان واجبًا لثبوت الأمر بصومه، ثمّ تأكد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العامّ، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك، ثمّ زيادته بأمر الأُمّهات أن لا يرضعن فيه الأطفال [قلت: لا يصحّ]، وبقول ابن مسعود الثابت في مسلم "لمّا فرض رمضان ترك عاشوراء"، مع العلم بأنه ما ترك استحبابه بل هو باق، فدلّ على أنّ المتروك وجوبه. وأمّا قول بعضهم "المتروك تأكّد استحبابه والباقي مطلق استحبابه؛ فلا يخفى ضعفه، بل تأكّد استحبابه باقٍ، ولا سيّما مع استمرار الاهتمام به حتّى عام وفاته - ﷺ - … وأنه يكفر سنة، وأيّ تأكيد أبلغ من هذا؟! " اهـ.
(٣) البخاري (٣٠ - الصوم، ١ - وجوب صوم رمضان، ٤/ ١٠٢/ ١٨٩٢)، ومسلم (١٣ - الصيام، ١٩ - صوم عاشوراء، ٢/ ٧٩٢/ ١١٢٦).
[ ١٢٥ ]
وفي روايةٍ لمُسْلِمٍ: أن أهلَ الجاهليَّةِ كانوا يَصومونَ يومَ عاشوراءَ، وأنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - صامَهُ والمسلمونَ قبلَ أنْ يُفْرَضَ رَمَضانُ، فلمَّا افْتُرِضَ رَمَضانُ؛ قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "إنَّ عاشوراء (^١) يومٌ مِن أيَّامِ اللهِ؛ فمَن شاءَ صامَهُ، ومَن شاءَ تَرَكَهُ".
وفي رواية لهُ أيضًا: "فمَن أحَبَّ منكُم أنْ يَصومَهُ؛ فلْيَصُمْهُ، ومَن كَرِهَ؛ فلْيَدَعْهُ".
وفي الصَّحيحينِ أيضًا (^٢): عن مُعاوِيةَ؛ قالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يَقولُ: "هذا يومُ عاشوراءَ، ولمْ يَكْتُبِ اللهُ عليكُم صيامَهُ، وأنا صائمٌ؛ فمَن شاءَ فلْيَصُمْ، ومَن شاءَ فلْيُفْطِرْ". وفي روايةٍ لمُسْلِمٍ التَّصريحُ برفعِ آخرِهِ. وفي روايةٍ للنَّسائِيِّ أن آخرَهُ مُدْرَجٌ مِن قولِ مُعاوِيَةَ وليسَ بمرفوعٍ (^٣).
وفي "صحيح مسلم" (^٤): عن ابن مَسْعودٍ؛ أنَّهُ قالَ في يومٍ عاشوراءَ: هوَ يومٌ كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يَصومُهُ قبلَ أنْ يَنْزِلَ رمضانُ، فلمَّا نَزلَ شهرُ رمضانَ؛ تُرِكَ. وفي روايةٍ لهُ: تَرَكَهُ (^٥).
وفيهِ أيضًا (^٦): عن جابِرِ بن سَمُرَةَ؛ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يَأْمُرُنا بصيامِ يومِ عاشوراءَ ويَحُثُّنا عليهِ ويَتَعاهَدُنا عندَهُ، فلمَّا فُرِضَ رمضانُ؛ لمْ يَأْمُرْنا ولمْ يَنْهَنا عنهُ ولمْ
_________________
(١) في خ: "إنّ يوم عاشوراء"، وما أثبتّه من م ون وط أولى بنصّ مسلم.
(٢) البخاري (٣٠ - الصوم، ٦٩ - صيام عاشوراء، ٤/ ٢٤٤/ ٢٠٠٣)، ومسلم (١٣ - الصيام، ١٩ - صوم عاشوراء، ٢/ ٧٩٥/ ١١٢٩).
(٣) جاء عند النسائي في "الكبرى" (٢٨٥٧) أنّ معاوية خطب الناس بالمدينة فقال: يا أهل المدينة! أين علماؤكم؟ إنّي سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إنّ هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه وإنّي صائم - معاوية يقول ذلك - فمن أحبّ أن يصوم فليصم ومن أحبّ أن يفطر فليفطر". قال النسائيّ: هذا هو الصواب. قلت: هذه واحدة من روايات الحديث عند النسائيّ، ورواه مرّة (٢٨٥٤) عن معاوية يقول: أين علماؤكم يا أهل المدينة؟ سمعت رسول الله - ﷺ - يقول في هذا اليوم: "إنّي صائم، فمن شاء منكم أن يصوم فليصم". قال النسائي أيضًا: هذا أولى بالصواب. قلت: هذه الرواية الأخيرة لا تحتمل الإدراج، وسندها صحيح غاية، بل هو أصحّ من سند الأولى. وكذلك رواية "الكبرى" (٢٨٥٣) لا تحتمل الإدراج. ولذلك جزم العسقلاني في "الفتح" (٤/ ٢٤٧) بعدم الإدراج وقال: "هو كلّه من كلام النبي - ﷺ - كما بيّنه النسائيّ في روايته".
(٤) (الموضع السابق، ٢/ ٧٩٤/ ١١٢٧).
(٥) يعني النبيّ - ﷺ -.
(٦) (الموضع السابق، ١١٢٨).
[ ١٢٦ ]
يَتَعاهَدْنا عندَهُ.
وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائيُّ وابنُ ماجَهْ مِن حديثِ قَيْسِ بن سَعْدٍ؛ قالَ: أمَرَنا رسولُ اللهِ - ﷺ - بصيامِ عاشوراءَ قبلَ أنْ يَنْزِلَ رمضانُ، فلمَّا نَزَلَ رمضانُ؛ لمْ يَأْمُرْنا ولمْ يَنْهَنا (^١). وفي روايةٍ: ونحنُ نَفْعَلُهُ.
فهذهِ الأحاديثُ كلُّها تَدُلُّ على أن النَّبي - ﷺ - لمْ يُجَدِّدْ أمرَ النَّاسِ بصيامِهِ بعدَ فرضِ صيامِ شهرِ رمضانَ، بل تَرَكَهُم على ما كانوا عليهِ مِن غيرِ نهيٍ عن صيامِهِ: فإن كانَ أمرُهُ - ﷺ - بصيامِهِ قبلَ فرضِ صيامِ شهرِ رمضانَ للوجوبِ؛ فإنَّهُ يَنْبَني على أن الوجوبَ إذا نُسِخَ فهلْ يَبْقى الاستحبابُ أم لا، وفيهِ اختلافٌ مشهورٌ بينَ العلماءِ (^٢). وإنْ كانَ أمرُهُ للاستحبابِ المؤكَّدِ؛ فقد قيلَ: إنَّهُ زالَ التَّأْكيدُ وبقيَ أصلُ الاستحبابِ (^٣)، ولهذا قالَ قَيْسُ بنُ سَعْدٍ: ونحنُ نَفْعَلُهُ.
وقد رُوِيَ عن ابن مَسْعودٍ وابنِ عُمَرَ ما يَدُلُّ على أن أصلَ استحباب صيامِهِ زالَ (^٤).
وقالَ سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: لمْ يَصُمْ رسولُ اللهِ - ﷺ - عاشوراء (^٥). ورُوِيَ عنهُ عن
_________________
(١) (صحيح). يرويه القاسم بن مخيمرة واختلف عليه فيه على وجهين: روى أوّلهما: الطيالسي (١٢١١)، والنسائيّ في "المجتبى" (٢٣ - الزكاة، ٣٥ - فرض صدقة الفطر، ٥/ ٤٩/ ٢٥٠٥) و"الكبرى" (٢٨٤٢)، والطبراني (١٨/ ٣٤٩/ ٨٨٨)؛ من طريق الحكم بن عتيبة، عنه، عن عمرو بن شرحبيل، عن قيس بن سعد … رفعه. وهذا سند صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ إلّا القاسم فمن رجال مسلم وحده. وروى الثاني: ابن أبي شيبة (٩٣٦٦)، وأحمد (٣/ ٤٢١)، والنسائي في "الكبرى" (٢٨٤١)، والطحاوي في "المعاني" (٢/ ٧٤) و"المشكل" (٣/ ٨٥)، والطبراني (١٨/ ٣٤٩/ ٨٨٧)؛ من طريق سلمة بن كهيل، عنه، عن أبي عمّار الدهني، عن قيس بن سعد … رفعه. وهذا أيضًا سند صحيح رجاله ثقات عن آخرهم. وليس من المستبعد أن يكون للقاسم في هذا الحديث شيخان، بل هو الأصل، والتردّد بين الوجهين لا يضرّ الحديث شيئا لأنّهما صحيحان كليهما، وقد صحّحه الألباني.
(٢) وخلافهم هذا لا يضرّ مسألتنا هنا شيئًا؛ لأنّ استحباب صيام عاشوراء ثابت بأدلّة أُخرى غير الوجوب المنسوخ كما تقدّم آنفًا من كلام العسقلاني.
(٣) انظر ما تقدم آنفًا (ص ١٢٥) من كلام العسقلاني.
(٤) أمّا ابن مسعود؛ فكلاهه يحتمل ذلك كما تقدّم آنفًا، وإن كان غير صريح فيه. وأمّا ابن عمر؛ فصحّ عنه عن عبد الرزّاق (٧٨٤٧) أنّه كان يصومه في الحضر، وهذا فرع استحبابه له.
(٥) (ضعيف). لم أقف عليه. والعهدة فيه على الطريق إلى ابن المسيّب. فإن صحّت الطريق إليه؛ =
[ ١٢٧ ]
سَعْدِ بن أبي وَقَّاصٍ. والمرسلُ أصحُّ، قالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وأكثرُ العلماءِ على استحبابِ صيامِهِ مِن غيرِ تأْكيدٍ.
وممَّن رُوِيَ عنهُ صيامُهُ مِن الصَّحابةِ عُمَرُ وعَلِيٌّ وعَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ عَوْفٍ وأبو موسى وقَيْسُ بنُ سَعْدِ وابنُ عَبَّاسٍ وغيرُهم.
ويَدُلُّ على بقاءِ استحبابِهِ قول ابن عَبَّاسٍ (^١): لمْ أرَ رسول اللهِ - ﷺ - يَصومُ يومًا يَتَحَرَّى فضلَهُ على الأيَّامِ إلَّا يومَ عاشوراءَ وشهرَ رمضانَ (^٢). وابنُ عَبَّاسٍ إنَّما صَحِبَ النَّبيَّ - ﷺ - بأخَرَةٍ، وإنَّما عَقَلَ منهُ - ﷺ - ما كانَ مِن آخرِ أمرِهِ.
وفي "صحيح مسلم" (^٣): عن أبي قَتادَةَ؛ أن رجلًا سَأل النَّبي - ﷺ - عن صيامِ عاشوراءَ. فقال: "أحْتَسِب على اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السَّنةَ التي قبلَهُ". وإنَّما سَألَهُ عن التَّطوُّعِ بصيامِهِ؛ فإنَّهُ سَألَهُ أيضًا عن صيامِ يومِ عَرَفَةَ وصيامِ الدَّهرِ وصيامِ يومٍ وفطرِ يومٍ وصيامِ يومٍ وفطرِ يومينِ، فعُلِمَ أنَّهُ [إنَّما] سَألَهُ عن صيامِ التَّطوُّعِ.
وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ مِن حديثِ حَفْصَةَ بنتِ عُمَرَ أمِّ المؤمنينَ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - لم يَكُنْ يَدَعُ صيامَ يومِ عاشوراءَ والعشرِ وثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهر (^٤). وخرَّجَهُ أبو
_________________
(١) = فالعهدة على السياق والسباق ومراد القائل، فإن صحّ مطلقًا بهذا اللفظ عن ابن المسيّب؛ فوهم منه يرحمه الله، وأحاديث الصحيحين الموصولة أولى من مرسل ابن المسيّب. والله أعلم.
(٢) في خ: "ابن عبّاس وغيره"! والصواب ما أثبتّه من م.
(٣) متّفق عليه كما تقدّم أوّل المجلس.
(٤) (١٣ - الصيام، ٣٦ - صيام ثلاثة أيّام، ٢/ ٨١٨/ ١١٦٢).
(٥) (ضعيف). وقد جاء عن حفصة وغيرها من أُمّهات المؤمنين من وجهين: * فرواه هنيدة بن خالد الخزاعي واختلف عليه فيه سندًا ومتنًا على وجوه: روى الأوَّل منها: النسائي في "الكبرى" (٢٧٢٢) و"المجتبى" (٢٢ - الصيام، ٨٢ - صيام ثلاثة أيّام، ٤/ ٢١٩/ ٢٤١٢ و٢٤١٣)، والبيهقي في "الشعب" (٣٨٤٩ و٣٨٥١) و"السنن" (٤/ ٢٨٤)؛ من طريق شريك، عن الحرّ بن صيّاح، عن ابن عمر: كان يصوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر الاثنين والخميس الذي يليه ثمّ الخميس الذي يليه. فأسقط هنيدة. وهذا مرجوح لأنّ شريكًا كثير الخطأ، قاله أبو حاتم في "العلل" (٦٧١). وروى الثاني: النسائي في "الكبرى" (٢٧٢٣) و"المجتبى" (الموضع السابق، ٢٤١٤) من طريق زهير، عن الحرّ، عن هنيدة، سمعت أُمّ المؤمنين تقول: كان - ﷺ - يصوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر أوّل اثنين من الشهر ثمّ الخميس ثمّ الخميس الذي يليه. وهذا مرجوح لضعف رواية الشاميّين عن زهير بن محمّد، وهذا منها. وروى الثالث: أحمد (٦/ ٢٨٧)، والنسائي في "الكبرى" (٢٧٢٤) و"المجتبى" (الموضع السابق،=
[ ١٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٢٤١٥)، وأبو يعلى (٧٠٤١ و٧٠٤٨ و٧٠٤٩)، وابن حبّان (٦٤٢٢)، والطبراني في "الكبير" (٢٣/ ٢٠٥/ ١٣٥٤ و٣٩٦) و"الأوسط" (٧٨٢٧)، والبيهقي في "الشعب" (٣٧٥٤)، والخطيب في "التاريخ" (٩/ ١٠٥ و٢٤٦، ١٢/ ٣٦٤)، والمزّي (٢٨/ ٣٣)؛ من طريق أبي إسحاق الأشجعيّ، عن عمرو بن قيس الملائيّ، عن الحرّ، عن هنيدة، عن حفصة؛ قالت: "أربع لم يكن - ﷺ - يدعهنّ: صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيّام من كل شهر، وركعتين قبل الغداة". وهذا مرجوح لجهالة الأشجعيّ على ما ذكر الخطيب. وروى الرابع: أحمد (٥/ ٢٧١، ٦/ ٢٨٨ و٤٢٣)، وأبو داوود (٨ - الصيام، ٦١ - صوم العشر، ١/ ٧٤١/ ٢٤٣٧)، والنسائي في "الكبرى" (٢٦٨١ و٢٧٢٥ و٢٧٢٦) و"المجتبى" (الموضع السابق، ٢٤١٦ و٢٤١٧ و٢٣٧١)، وأبو يعلى (٦٨٩٨)، والطبراني (٢٣/ ٢١٦/ ٣٩٧ و١٠١٧)، والبيهقي (٤/ ٢٨٤)؛ من طرق أربع قويّة، عن الحرّ بن صيّاح، عن هنيدة، عن امرأته، عن بعض أزواجه - ﷺ - (وقالت مرّة: أُمّ سلمة): كان يصوم تسع ذي الحجّة (ومرّة: العشر) وعاشوراء وثلاثة أيّام من كل شهر؛ أوّل اثنين من الشهر وخميسين (ومرّة: والخميس). ومرّة جاء: قال لنا - ﷺ -: "صمن من كل شهر ثلاثة أيام من أوّله الاثنين والخميس والخميس الذي يليه". وهذا أرجح الأوجه لتتابع الثقات عليه، ولكنّه ضعيف سندًا من أجل امرأة هنيدة؛ فإنّها مجهولة، وقد ذكر أنّها صحابيّة، وهو رجم بالغيب لا يثبت. وروى الخامس: أحمد (٦/ ٢٨٩ و٣١٠)، وأبو داوود (٨ - الصيام، ٦٩ - من قال الاثنين والخميس، ١/ ٧٤٤/ ٢٤٥٢)، والنسائي في "الكبرى" (٢٧٢٧) و"المجتبى" (الموضع السابق، ٢٤١٨)، وأبو يعلى (٦٩٨٢ و٦٨٨٩)، والبيهقي في "السنن" (٤/ ٢٩٥) و"الشعب" (٣٨٥٤)؛ من طريق الحسن بن عبيد الله، عن هنيدة، عن أُمّه، عن أمّ سلمة: كان - ﷺ - يأمرني أن أصوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر؛ أوّلها الاثنين والخميس. وجاء مرّة: أوّل خميس والاثنين والاثنين. ومرّة: الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأُخرى. ومرّة: أوّلها الاثنين والجمعة والخميس! والحسن صدوق، ولكنّه لا يقاس بالثقات الذين رووا الوجه الرابع، بل قال فيه البخاري: "عامّة حديثه مضطرب". فهذا مرجوح بالوجه السابق. ثمّ هو ضعيف أيضًا من أجل أمّ هنيدة؛ فإنّها مجهولة، ولا يقال: كانت تحت عمر بن الخطاب؛ لأنّ البحث ليس في العدالة فحسب، بل فيها وفي الضبط معًا. ولا يقال: هي من الصحابة؛ لأنّ الصحبة لا تثبت بالظنون والاحتمالات، ولذلك قال الهيثمي (٣/ ١٩٦): "وأُمّ هنيدة لم أعرفها". * ورواه أيضًا: أحمد (٦/ ٢٨٧ و٢٨٨)، وعبد بن حميد (١٥٤٤)، والبخاري في "التاريخ" (٤/ ٢٠٢)، وأبو داوود (الموضع السابق، ٢٤٥١)، والنسائي في "الكبرى" (٢٦٧٤ و٢٣٧٥) و"المجتبى" (٢٢ - الصيام، ٧٠ - صومه - ﷺ -، ٤/ ٢٠٤/ ٢٣٦٤ - ٢٣٦٥)، وأبو يعلى (٧٠٤٧ و٧٠٥٩)، والطبراني (٢٣/ ٢٠٤ / ٣٥٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٧٨٦ و٣٨٥٠) و"السنن" (٤/ ٢٩٤)، والأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (١٨٥٦)؛ من طرق قوية، عن حمّاد بن سلمة، عن عاصم، عن سواء، عن حفصة (وجاء مرّة أُمّ سلمة): كان - ﷺ - يصوم من كل شهر ثلاثة أيّام الاثنين والخميس من هذه الجمعة والاثنين من المقبلة. وهذا سند فيه ضعف من وجهين: أحدهما: أنّهم اختلفوا فيه على سواء: فزاد الطبراني (٢٣/ ٢٠٤/ ٣٥٣) المسيّب بن رافع بين عاصم وسواء، لكن من وجه ساقط. وزاده النسائي في "المجتبى" (٢٣٦٣) أيضًا وقال: عن عائشة، لكن من وجه ضعيف. فالوجهان مرجوحان. وزاد الطبراني مرّة (٢٣/ ٢١٧/ ٣٩٨) من وجه قويّ معبد =
[ ١٢٩ ]
داوودَ إلَّا أن عندَهُ: عن بعضِ أزواجِ النَّبيِّ - ﷺ - غيرِ مسمَّاةٍ (^١).
* الحالةُ الرَّابعةُ: أن النَّبيَّ - ﷺ - عَزَمَ في آخرِ عمرِهِ على ألَّا يَصومَهُ مفردًا، بل يَضُمُّ إليهِ يومًا آخرَ مخالفةً لأهلِ الكتابِ في صيامِهِ.
ففي "صحيح مسلم" (^٢): عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّهُ قالَ: حينَ صامَ رسولُ اللهِ - ﷺ - عاشوراءَ وأمَرَ بصيامِهِ؛ قالوا: يا رسولَ اللهِ! إنَّهُ يومٌ تُعَظِّمُهُ اليهودُ والنَّصارى. فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "فإذا كانَ العامُ المقبلُ إنْ شاءَ اللهُ صُمْنا اليومَ التَّاسعَ". قالَ: فلمْ يَأْتِ العامُ المقبلُ حتَّى تُوُفِّيَ رسولُ اللهِ - ﷺ -.
وفي روايةٍ لهُ (^٣) [أيضًا] عن ابنِ عَبَّاسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "لئن بقِيتُ إلى قابلٍ؛ لأصومَنَّ التَّاسعَ (يَعني: عاشوراءَ) ".
وخَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ، ولفظُهُ: "إنْ عِشْتُ إنْ شاءَ اللهُ إلى قابلٍ؛ صُمْتُ التَّاسعَ، مخافةَ أنْ يَفوتَني عاشوراءُ" (^٤).
_________________
(١) = بن خالد بين عاصم وسواء. فإن كان محفوظًا فلا يضرّ فمعبد صدوق والعلّة غير قادحة. والثاني: أنّ سواء هذا ذكره ابن حبّان في "الثقات" ولم يوثقه غيره ولم يرو عنه إلّا واحد على وجه اليقين ورواية الآخرين من أوجه الاختلاف المرجوحة، ثمّ هو تردّد في الحديث بين عائشة وحفصة وأُمّ سلمة، فلا يطمأنّ إلى تحسين حديثه، بل العدل فيه قول العسقلاني: "مقبول"؛ يعني: عند المتابعة، وإلّا فليّن. وجملة القول أنّه لا يخلو شيء من ألفاظ هذا المتن من ضعف، والاختلاف في أسانيده يزيده ضعفًا، والاختلاف في متنه يحول دون تقوية إحدى الطرق بالأُخرى، ولذلك ضعّفه الهيثمي والزيلعي والعسقلاني والمناوي، وأعلّه قوم بالاضطراب فما أبعدوا. والله أعلم.
(٢) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه في الحاشية السابقة.
(٣) (١٣ - الصيام، ٢٠ - أيّ يوم يصوم، ٢/ ٧٩٧/ ١١٣٤).
(٤) (الموضع السابق، ٢/ ٧٩٨/ ١١٣٤).
(٥) (منكر بهذا التمام). رواه الطبراني في "الكبير" (١٠/ ٧٠/ ١٠٨١٣٣): ثنا الحسين بن جعفر القتات ومحمّد بن العبّاس المؤدّب، ثنا أحمد بن يونس، ثنا ابن أبي ذئب، عن القاسم بن عبّاس، عن عبد الله بن عمير، عن ابن عبّاس … رفعه. وهاهنا علل: أولاها: جهالة القتّات مع خشية أن تكون هذه الزيادة من مفاريده عن المؤدّب فإنّهم يتساهلون بمثل هذا أحيانًا. والثانية المخالفة: فهاهنا زيادة تخالف أصل المتن؛ لأنّ حديث ابن عبّاس عند مسلم وغيره ظاهر في أنّ المقصود من صيام التاسع مخالفة اليهود لا مخافة فوات عاشوراء. والثالثة الإدراج: قال البيهقي (٤/ ٢٨٧): "رواه أحمد بن يونس عن ابن أبي ذئب وقال في متنه: إن عشت إن شاء الله صمت اليوم التاسع مخافة أن يفوته عاشوراء". ولم أقف على هذه الرواية، لكن إن صحّت فهي دليل على أنّ هذه=
[ ١٣٠ ]
وفي "مسند الإمام أحمد": عن ابن عَبَّاسٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "صوموا يومَ عاشوراءَ، وخالِفوا اليهودَ، صوموا قبلَهُ يومًا وبعدَهُ يومًا" (^١). وجاءَ في روايةٍ: " [أو] بعدَهُ". فإمَّا أنْ يَكونَ للتَّخييرِ، أو يَكونَ شكًّا مِن الرَّاوي، هل قالَ قبلَهُ أو بعدَهُ.
ورُوِيَ هذا الحديثُ بلفظٍ آخرَ وهوَ: "لئن بقِيتُ؛ [لآمُرَنَّ بصيامِ يومٍ قبلَهُ ويومٍ بعدَهُ (يَعْني: عاشوراءَ) " (^٢). وفي روايةٍ أُخرى: "لئن بقِيتُ] إلى قابل، لأصومَنَّ (أو: لآمُرَنَّ بصيامِ) يومٍ قبلَهُ ويومٍ بعدَهُ (يَعْني. عاشوراءَ) " (^٣). أخْرَجَهُما الحافظُ أبو موسى المَدِينيُّ.
وقد صَحَّ هذا عن ابن عَبَّاسٍ مِن قولِهِ مِن روايةِ ابن جُرَيْجٍ؛ قالَ: أخْبَرَني عَطاءٌ؛
_________________
(١) = الزيادة مدرجة من اجتهاد بعض الرواة. والرابعة الوقف: روى ابن أبي شيبة (٩٣٨٨) عن يزيد بن هارون، وابن عبد البرّ (٧/ ٢١٣) عن يحيى القطّان؛ كلاهما عن ابن أبي ذئب، عن شعبة مولى ابن عبّاس؛ قال: كان ابن عبّاس يصوم عاشوراء في السفر ويوالي بين اليومين مخافة أن يفوته". فلا يبعد أن يكون المرفوع قد اختلط بالموقوف على أحمد بن يونس فمن دونه. والله أعلم.
(٢) (منكر). رواه: أحمد في "المسند" (١/ ٢٤١) و"فضائل الصحابة" (١٩٥١)، والبزّار (١٠٥٢ - كشف)، وابن خزيمة (٢٠٩٥)، والطحاوي (٢/ ٧٨)، وابن عدي (٣/ ٩٥٦)، والبيهقي في "السنن" (٤/ ٢٨٧) و"الشعب" (٣٧٩٠) و"فضائل الأوقات" (٢٩٠)؛ من طرق قويّة، عن ابن أبي ليلى، عن داوود بن عليّ، عن أبيه، عن جدّه … رفعه. وهاهنا علل: أشار إلى الأولى الهيثمي (٣/ ١٩١) بقوله: "فيه محمّد بن أبي ليلى وفيه كلام". والثانية: أنّ داوود بن عليّ لا يعدو أن يكون صالحًا في المتابعات. والثالثة: أنّه رواه: عبد الرزّاق (٧٨٣٩)، وابن الجعد (٢٥٠٢)، والطحاوي (٢/ ٧٨)، والبيهقي (٤/ ٢٨٧)؛ من طريق ابن أبي ليلى وابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس … موقوفًا. وسنده صحيح. فقد جمع رفع هذا الحديث الضعف والمخالفة، وهذا حدّ النكارة، وقد استنكره الذهبي والهيثمي والشوكاني والألباني.
(٣) (منكر أو شاذّ). رواه: الحميدي (٤٨٥)، وابن عديّ (٣/ ٩٥٦)، والبيهقي في "السنن" (٤/ ٢٨٧) و"الشعب" (٣٧٨٩)، وأبو موسى المديني؛ من طريق قويّة، عن ابن أبي ليلى، عن داوود بن عليّ، عن أبيه، عن جدّه … رفعه. وهذا منكر له علل السند السابق نفسها. وقد جاء من طريق أُخرى قويّة في "تالي تلخيص المتشابه" (٢٩٦) عن ابن أبي ذئب، عن القاسم بن عبّاس، عن عبد الله بن عمير، عن عبد الله بن عبّاس ﵄ … رفعه. وهذه طريق قويّة السند، ولكنّها شاذّة المتن لمخالفتها رواية الجماعة عن ابن أبي ذئب بلفظ: "لئن بقيت إلى قابل لأصومنّ التاسع"، كما تقدّم آنفا عند مسلم وغيره.
(٤) (منكر). لم أقف على إسنادها، لكنّ فعل ابن رجب يدلّ على أنّها من الطريق المتقدّمة نفسها، وقد علمت ما فيها. والله أعلم.
[ ١٣١ ]
أنَّهُ سَمعَ ابنَ عَبَّاسٍ يَقولُ في يومِ عاشوراءَ: خالِفوا اليهودَ، وصوموا التّاسعَ والعاشرَ.
قالَ الإمامُ أحْمَدُ: أنا أذْهَبُ إليهِ.
ورُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ أنَّهُ صامَ التَّاسعَ والعاشرَ وعُلِّلَ بخشيةِ فواتِ عاشوراءَ.
ورَوَى: ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن شُعْبَةَ مولى ابن عَبَّاسٍ، عن ابن عَبَّاسٍ؛ أنَّهُ كانَ يَصومُ عاشوراءَ في السَّفرِ، ويُوالي بينَ اليومينِ؛ خشيةَ فواتِهِ.
وكذلكَ رُوِيَ عن أبي إسْحاقَ أنَّهُ صامَ يومَ عاشوراءَ ويومًا قبلَهُ ويومًا بعدَهُ، وقالَ: إنَّما فَعَلْتُ ذلكَ خشيةَ أنْ يَفوتَني.
ورُوِيَ عن ابن سِيرينَ؛ أنَّهُ كانَ يَصومُ ثلاثةَ أيَّامٍ عندَ الاختلافِ في هلالِ الشَّهرِ احتياطًا.
ورُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ والضَّحَّاكِ؛ أن يومَ عاشوراءَ هوَ تاسعُ المُحَرَّمِ.
قالَ ابنُ سِيرينَ: كانوا لا يَخْتَلِفونَ أنّهُ [اليومُ] العاشرُ؛ إلَّا ابنَ عَبَّاسٍ؛ فإنَّهُ قالَ: إنَّهُ التَّاسعُ. وقالَ الإمامُ أحْمَدُ في روايةِ المَيْمونِيِّ: لا أدري هوَ التَّاسعُ أوِ العاشرُ، ولكنْ نَصومُهُما، فإنِ اخْتُلِفَ في الهلالِ صامَ ثلاثةَ أيَّامٍ احتياطًا. وابنُ سِيرينَ يَقولُ ذلكَ.
وممَّن رَأى صيامَ التَّاسعِ والعاشرِ الشَافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ.
وكَرِهَ أبو حَنِيفَةَ إفرادَ العاشرِ وحدَهُ بالصَّومِ.
ورَوى الطَّبَرانيُّ مِن حديثِ: ابن أبي الزِّنادِ، عن أبيهِ، عن خارِجَةَ بن زَيْدٍ، عن أبيهِ؛ قالَ: ليسَ يومُ عاشوراءَ باليومِ الذي يقولُ النَّاسُ، إنَّما كانَ يومًا تُسْتَرُ فيهِ الكعبةُ وتَقْلِسُ (^١) فيهِ الحبشةُ عندَ النَّبيِّ - ﷺ -، وكانَ يَدورُ في السَّنةِ، فكانَ النَّاسُ يَأْتونَ فلانًا اليهوديَّ يَسْألونَهُ، فلمَّا ماتَ اليهوديُّ؛ أتَوْا زَيْدَ بنَ ثابِتٍ فسَألوه (^٢).
_________________
(١) تقلس: ترقص وتغنّي وتضرب بالدفّ.
(٢) (ضعيف). رواه الطبراني في "الكبير" (٥/ ١٣٨/ ٤٨٧٦): ثنا أحمد بن محمّد الجواربي الواسطي، ثنا زيد بن أخزم، ثنا أبو عامر العقدي، عن ابن أبي الزناد … به فذكره. قال ابن رجب: "ابن أبي الزناد لا يعتمد على ما ينفرد به، وقد جعل الحديث كلّه عن زيد بن ثابت، وآخره لا يصلح أن يكون من قول زيد". وقال الهيثمي (٣/ ١٩٠): "لا أدري ما معناه، وفيه عبد الرحمن بن أبي=
[ ١٣٢ ]
وهذا فيهِ إشارةٌ إلى أن (^١) عاشوراءَ ليسَ هوَ في المحرَّمِ، بل يُحْسَبُ بحسابِ السَّنةِ الشّمسيّةِ كحسابِ أهلِ الكتاب، وهذا خلافُ ما عليهِ عملُ المسلمينَ قديمًا وحديثًا! وفي "صحيح مسلم" (^٢) عن ابن عَبَّاسٍ؛ أن النَّبي - ﷺ - كانَ يَعُدُّ مِن هلالِ المحرَّمِ ثمَّ يُصْبِحُ يومَ التَّاسعِ صائمًا (^٣). وابنُ أبي الزِّنادِ لا يُعْتَمَدُ على ما يَنْفَرِدُ بهِ، وقد جَعَلَ الحديثَ كلَّهُ عن زَيْدِ بن ثابِتٍ، وآخرُهُ لا يَصْلُحُ أنْ يَكونَ مِن قولِ زَيْدٍ، فلعلَّهُ مِن قولِ مَن دونَهُ. واللهُ أعلم.
وكانَ طائفةٌ مِن السَّلفِ يَصومونَ عاشوراءَ في السَّفرِ؛ منهُمُ: ابنُ عَبَّاس، وأبو إسْحاقَ السَّبِيعِيُّ، والزُّهْرِيُّ وقالَ: رمضانُ لهُ عدَّةٌ مِن أيَّامٍ أُخرَ وعاشوراءُ يَفوتُ. ونَصَّ أحْمَدُ على أنّهُ يُصامُ عاشوراءُ في السَّفرِ.
ورَوَى عَبْدُ الرَّزّاقِ في كتابِهِ: عن إسْرائيلَ، عن سماكِ بن حَرْبٍ، عن مَعْبَدٍ القُرَشِيِّ؛ قالَ: كانَ النَّبيُّ - ﷺ - بقُدَيْدٍ، فأتاهُ رجلٌ، فقالَ لهُ النَّبيُّ - ﷺ -: "أطَعِمْتَ اليومَ شيئًا (ليومِ عاشوراءَ)؟ ". قالَ: لا؛ إلَّا أنِّي شَرِبْتُ ماءً. فقالَ: "فلا تَطْعَمْ شيئًا حتَّى تَغْرُبَ الشَمسُ، واؤْمُرْ مَن وَراءَكَ أنْ يَصوموا هذا اليومَ" (^٤). ولَعَلَّ المأْمورَ كانَ مِن أهلِ قُدَيْدٍ.
_________________
(١) = الزناد، وفيه كلام كثير، وقد وثّق". قلت: خلاصة أمره أنّ حديث أهل المدينة عنه حسن وحديث أهل العراق ليّن، وهذا من حديث العراقيّين، وفيه غرابة وإشكال، فلا يحتمل منه. على أنّ في السند علّة إخرى، وهي الجواربيّ هذا؛ فإني لم أقف فيه على جرح ولا تعديل، وقد روى عنه جماعة، فحدّه الستر. ومن هنا تعلم أنّ تحسين العسقلاني لهذا السند مرّة وتجويده أُخرى في "الفتح" لا يخلو من تساهل. والله أعلم.
(٢) في خ: "إشارة على أنّ"، والصواب ما أثبتّه من م ون وط.
(٣) (١٣ - الصيام، ٢٠ - أيّ يوم يصام، ٢/ ٧٩٧/ ١٣٣).
(٤) كذا ذكره يرحمه الله بالمعنى، ولا يخلو من نظر. والذي في "الصحيح" أنّ الحكم بن الأعرج قال لابن عبَّاس: أخبرني عن صوم عاشوراء. فقال: إذا رأيت هلال المحرّم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائمًا. قال الحكم: هكذا كان النبيّ - ﷺ - يصومه؟ قال ابن عبّاس: نعم. وإنّما قال ابن عبّاس نعم باعتبار ما سيكون لو عاش النبي - ﷺ - إلى قابل، وإلّا؛ فقد كان - ﷺ - يصبح يوم العاشر صائمًا.
(٥) (حسن). رواه: عبد الرزّاق (٧٨٣٥)، والطبراني (٢٠/ ٣٤٢/ ٨٠٣)، وأبو نعيم في "الصحابة" (٤/ ١٦٣ - غابة)، وأبو موسى في "الصحابة" (٤/ ١٦٣ - غابة)؛ من هذه الطريق. قال الهيثمي (٣/ ١٩٠): "رجاله ثقات". قلت: في سماك كلام لا ينزل بحديثه هذا عن رتبة الحسن ولا سيّما أنّ الشواهد لا تعوزه.
[ ١٣٣ ]
ورَوى بإسنادِهِ عن طاووسٍ؛ أنَّهُ كانَ يَصومُ عاشوراءَ في الحضرِ ولا يَصومُهُ في السَّفرِ.
• ومِن أعجبِ ما وَرَدَ في عاشوراءَ أنهُ كانَ يَصومُهُ الوحشُ والهوامُّ:
وقد رُوِيَ مرفوعًا أن الصُّرَدَ أوَّلُ طيرٍ صامَ عاشوراء (^١). خَرَّجَهُ الخطيبُ في "تاريخه"، وإسنادُهُ غريبٌ. وقد رُوِيَ ذلكَ عن أبي هُرَيْرَة (^٢).
ورُوِيَ عن فَتْح بن شَخْرَفَ؛ قالَ: كُنْتُ أفُتُّ للنَّملِ الخبزَ كلَّ يومٍ، فلمَّا كانَ يومُ عاشوراءَ؛ لمْ يَأْكُلوه (^٣)!
ورُوِيَ عن القادِرِ باللهِ الخليفةِ العَبَّاسِي أنّهُ جَرى لهُ مثلُ ذلكَ وأنَّهُ عَجِبَ منهُ، فسَألَ أبا الحَسَنِ القَزْوينِيَّ الزَّاهدَ، فذَكَرَ لهُ أن يومَ عاشوراءَ تَصومُهُ النَّملُ.
ورَوى أبو موسى المَدِينِيُّ بإسنادِهِ عن قَيْسِ بن عُبادٍ؛ قالَ: بَلَغَني أن الوحشَ كانَتْ تَصومُ عاشوراءَ.
_________________
(١) (موضوع). رواه: ابن نجيح في "الفوائد" (٤/ ١٥٣ - إصابة)، وابن قانع (١/ ٢٧٦/ ٣٢٣)، وأبو نعيم في "الصحابة" (٦/ ٢٩٦ - بغداد)، والخطيب في "التاريخ" (٦/ ٢٩٥ و٢٩٦)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ٢٠٤)، وابن الأثير في "الغابة" (٥/ ٦١)، والذهبي في "الميزان" (٤/ ١٣٧)، والعسقلاني في "اللسان" (٦/ ٦٩)؛ من طريق إسماعيل بن إسحاق بن الحصين الرقي، ثنا عبد الله بن معاوية بن موسى الجمحي، سمعت أبي، عن أبيه، عن جدّه أبي غليظ بن أُميّة بن خلف الجمحي … رفعه. وهذا سند ساقط على متن منكر: إسماعيل؛ ذكره الخطيب وغيره برواية جماعة ولم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا، فحدّه الستر. ومعاوية بن موسى الجمحي أبو عبد الله مجهول. وموسى بن أبي غليظ مجهول كولده، وقد اضطرب في الحديث على ما سيأتيك في الحاشية التالية. وأبو غليظ: لا تعرف له صحبة إلّا بهذا السند الساقط والمتن العجيب. ولذلك عدّه ابن الجوزي والقاري والعجلوني في الموضوعات، وقال ابن الأثير: "والحديث مثل اسمه غليظ"، واستغربه ابن رجب، واستنكره الذهبي والعسقلاني.
(٢) (موضوع). رواه الحكيم الترمذي في "المناهي" (٢/ ١١٠ - اللآلى): ثنا سفيان بن وكيع، ثنا ابن مهدي، عن قرّة بن خالد، عن موسى بن أبي غليظ، عن أبي هريرة … رفعه. وهذا سند ساقط أيضًا: سفيان كان صدوقًا؛ إلّا أنه ابتلي بورّاقه الذي أدخل عليه ما ليس من حديثه فنصح فلم يقبل فسقط حديثه. وموسى مجهول كما تقدّم. وليس هذا بالحديث المستقلّ كما يوحيه كلام ابن رجب يرحمه الله، وإنّما هو طرف من الاضطراب في السند السابق نفسه وله حكمه.
(٣) لا يأكل النمل الفتات عادة وإنّما يحمله إلى قريته لتخزينه! هبه صائمًا يا سيّدي! فهل يحرم عليه يوم عاشوراء أن يحمل الطعام إلى قريته ليأكله عند الغروب! أم أنّك راقبت النملات داخل قريتهن فرأيتهنّ ممسكات طوال النهار فلمّا غابت الشمس اجتمعن علي موائد الطعام والشراب!
[ ١٣٤ ]
وبإسنادٍ لهُ عن رجلٍ أتى الباديةَ يومَ عاشوراءَ، فرَأى قومًا يَذْبَحونَ ذبائحَ، فسَألَهُم عن ذلكَ، فأخْبَروهُ أن الوحوشَ (^١) صائمةٌ، وقالوا: اذْهَبْ بنا نُرِكَ. فذَهَبوا بهِ إلى روضةٍ فأوْقَفوهُ. قالَ: فلمَّا كانَ بعدَ العصرِ؛ جاءَتِ الوحوشُ مِن كلِّ وجهٍ، فأحاطَت بالرَّوضةِ رافعةً رؤوسَها إلى السَّماءِ ليسَ شيءٌ منها يَأْكُلُ، حتَّى إذا غابَت الشَّمسُ؛ أسْرَعَتْ جميعًا فأكَلَتْ.
وبإسنادِهِ عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو؛ قالَ: بينَ الهندِ والصِّينِ (^٢) أرضٌ كانَ بها بطَّةٌ مِن نحاسٍ على عمودٍ مِن نحاسٍ، فإذا كانَ يومُ عاشوراءَ؛ مَدَّتْ منقارَها، فيَفِيضُ مِن منقارِها ماءٌ يَكْفيهِم لزروعِهِم ومواشيهِم إلى العامِ المقبلِ (^٣).
ورُئِيَ بعضُ العلماءِ المتقدِّمينَ في المنامِ، فسُئِلَ عن حالِهِ، فقالَ: غُفِرَ لي بصيامِ عاشوراءَ ستِّينَ سنةً. وفي روايةٍ: ويومٍ قبلَهُ ويومٍ بعدَهُ.
وذَكَرَ عَبْدُ الوَهَّابِ الخَفَّافُ في كتابِ الصِّيامِ: قالَ سَعيدٌ: قالَ قَتادَةُ: كانَ يُقالُ: صومُ عاشوراءَ كفارةٌ لِما ضَيَّعَ الرَّجلُ مِن زكاةِ مالِهِ!
وقد رُوِيَ أن يومَ عاشوراءَ كانَ يومَ الزِّينةِ الذي كانَ فيهِ ميعادُ موسى لفِرْعَوْنَ، وأنَّهُ كانَ عيدًا لهُم. ويُرْوى أن موسى ﵇ كانَ يَلْبَسُ فيهِ الكَتَّانَ ويَكْتَحِلُ فيهِ بالإثمدِ (^٤). وكانَتِ اليهودُ مِن أهلِ المَدينَةِ وخَيْبَرَ في عهدِ النَّبيِّ - ﷺ - يَتَّخِذونَهُ عيدًا، وكانَ أهلُ الجاهليَّةِ يقْتَدونَ بهِم في ذلكَ، وكانوا يَسْتُرونَ فيهِ الكعبةَ.
ولكنَّ شرعَنا وَرَدَ بخلافِ ذلكَ. ففي الصَّحيحينِ (^٥): عن أبي موسى؛ قالَ: كانَ
_________________
(١) في خ: "قيس بن عبادة … أنّ الوحش"، والصواب ما أثبتّه من م ون وط.
(٢) فتأمّل يرحمك الله هذه الدقّة العظيمة! بين الهند والصين! عشرات آلاف الأميال شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا! ثمّ متى ذهب ابن عمرو إلى الهند والصين ورأى هذه البطّة العجيبة؛ والهند ما فتحت إلّا بعده بعشرات السنين؟! قاتل الله من وضع هذه القصّة على لسان ابن عمرو ﵄.
(٣) غرائب وعجائب الله أعلم بأسانيدها وصحّة نسبتها إلى المذكورين، لكنّها لا تأتي غالبًا إلّا ممّن قلّ حظّه من ميراث النبوّة، وأمّا الأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد وأمثالهم؛ فقد أكرمهم الله وأجلّهم عن أن يأتوا بمثل هذه الترّهات وشغلهم بالعلم النافع والعمل الصالح.
(٤) مثل هذا لا بدّ فيه من أسانيد ثابتة إلى من يتعيّن المصير إلى قوله! وهيهات!
(٥) البخاري (٣٠ - الصوم، ٦٩ - صيام عاشوراء، ٤/ ٢٤٤/ ٢٠٠٥)، ومسلم (١٣ - الصيام، ١٩ - =
[ ١٣٥ ]
يومُ عاشوراءَ يومًا تُعَظِّمُهُ اليهودُ وتتَّخِذُهُ عيدًا، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "صوموهُ أنتُم".
وفي روايةٍ لمسلمٍ: كانَ أهلُ خَيْبَرَ يَصومونَ يومَ عاشوراءَ يَتَّخِذونَهُ عيدًا ويُلْبِسونَ نساءَهُم فيهِ حُلِيَّهُم وشارتَهُم، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "فصوموهُ أنتُم". وخَرَّجَهُ النَّسائيُّ وابنُ حِبَّانَ، وعندَهُما: فقالَ النَّبي - ﷺ -: "خالِفوهُمْ فصوموهُ". وهذا يَدُلُّ على النَّهيِ عن اتِّخاذِهِ عيدًا وعلى استحبابِ صيامِ أعيادِ الكفَّارِ (^١)؛ فإنَّ الصَّومَ يُنافي اتِّخاذَهُ عيدًا، فيُوافَقونَ في صيامِهِ معَ صيامِ يومٍ آخرَ معَهُ كما تَقَدَّمَ؛ فإن في ذلكَ مخالفةً لهُم في كيفيَّةِ صيامِهِ أيضًا، فلا يَبْقى فيهِ موافقةٌ لهُم في شيءٍ بالكلِّيَّةِ.
وعلى مثلِ هذا يُحْمَلُ ما خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِي وابنُ حِبَّانَ مِن حديثِ أمِّ سَلَمَةَ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - كانَ يَصومُ يومَ السَّبتِ ويومَ الأحدِ أكثرَ ما يَصومُ مِن الأيامِ، ويقولُ: "إنَّهُما يوما عيدٍ للمشركينَ، فأنا أُحِبُّ أنْ أُخالِفَهُمْ" (^٢). فإنَّهُ إذا صامَ اليومينِ معًا؛ خَرَجَ بذلكَ عن مشابهةِ اليهودِ والنَّصارى في تعظيمِ كلِّ طائفةٍ ليومِها منفردًا، وصيامُهُ فيهِ مخالفةٌ لهُم في اتِّخاذِهِ عيدًا، ويُجْمَعُ بذلكَ بينَ هذا الحديثِ وبينَ حديثِ النَّهيِ عن صيامِ يومِ السَّبتِ (^٣).
• وكلُّ ما رُوِيَ في فضلِ الاكتحالِ في يومِ عاشوراءَ والاختضابِ والاغتسالِ فيهِ فموضوعٌ لا يَصِحُّ.
_________________
(١) = صوم عاشوراء، ٢/ ٧٩٦/ ١١٣١). وانظر: "الكبرى للنسائي" (٢٨٤٩)،"صحيح ابن حبّان" (٣٦٢٧).
(٢) أمّا النهي عن اتخاذه عيدًا؛ فنعم. وأمّا تعميم استحباب صيام أعياد الكفرة والمشركين؛ ففيه نظر، وإنّما يستند في الاستحباب وعدمه إلى ما ثبت في السنّة، ولو كان صوم يوم ميلاد المسيح المزعوم والفصح والعنصرة والشعانين مستحبًّا؛ لسبقنا إليه الأوّلون السابقون إلى كلّ خير.
(٣) (حسن). رواه: أحمد (٦/ ٣٢٤)، والنسائي في "الكبرى" (٢٧٧٥ و٢٧٧٦)، وابن خزيمة (٢١٦٧)، وابن حبّان (٣٦١٦ و٣٦٤٦)، والطبراني في "الأوسط" (٣٨٦٩) و"الكبير" (٢٣/ ٢٨٣/ ٦١٦ و٩٦٤)، وابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ" (٣٨٩)، والحاكم (١/ ٤٣٦)، والبيهقي (٤/ ٣٠٣)؛ من طريق، ابن المبارك، أنا عبد الله بن محمد بن عمر بن عليّ، ثني أبي، عن كريب عن أمّ سلمة … رفعته. وهذا سند حسن، رجاله بين ثقة وصدوق، وكريب هو مولى ابن عبّاس، وقد قوّاه ابن خزيمة وابن حبّان والحاكم والمنذري والذهبي والهيثمي والعسقلاني والألباني.
(٤) وهو جمع حسن، وليس هذا أولى المواضع للتفصيل فيه؛ فقد ذكره المصنف هنا عرضًا.
[ ١٣٦ ]
* وأمَّا الصَّدقةُ فيهِ؛ فقد رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرِو بن العاصِ؛ قالَ: مَن صامَ عاشوراءَ؛ فكأنَّما صامَ السَّنةَ، ومَن تَصَدَّقَ فيهِ؛ كانَ كصدقةِ السَّنةِ (^١). خَرَّجَهُ أبو موسى المَدِينِيُّ.
* وأمَّا التَّوسعةُ فيهِ على العيالِ:
فقالَ حَرْبٌ: سَألْتُ أحْمَدَ عن الحديثِ الذي جاءَ: "مَن وَسَّعَ على أهلِهِ يومَ عاشوراءَ"، فلمْ يَرَهُ شيئًا.
وقالَ ابنُ مَنْصورٍ: قُلْتُ لأحْمَدَ: هل سَمِعْتَ في الحديثِ "مَن وَسَّعَ على أهلِهِ يومَ عاشوراءَ وَسَّعَ اللهُ عليهِ سائرَ السَّنةِ" (^٢)؟ فقالَ: نعم. رواهُ سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن
_________________
(١) لم أقف عليه، وما إخاله يصحّ من كلام ابن عمرو، ولو صحّ فما له حكم الرفع لكثرة ما أخذ ابن عمرو عن أهل الكتاب.
(٢) (ضعيف جدًّا). وقد جاء عن جماعة من الصحابة: * فرواه: العقيلي (٣/ ٢٥٢)، وابن حبّان في "المجروحين" (٣/ ٩٧)، والطبراني (١٠/ ٧٧ / ١٠٠٠٧)، وابن عدي (٥/ ١٨٥٤)، والبيهقي في "الشعب" (٣٧٩٢) و"فضائل الأوقات" (٢٩١)، والخطيب في "الجمع والتفريق" (٢/ ٢٧٧)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ٢٠٣)؛ من طريق عليّ بن أبي طالب، ثنا هيصم بن شدّاخ، ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود … رفعه. وعليّ منكر الحديث، والهيصم متّهم. والحديث عدّه العقيلي وابن عديّ والبيهقي وابن الجوزي في المنكرات. * ورواه البيهقي في "الشعب" (٣٧٩١) من طريق محمّد بن يونس الكديمي، ثنا عبد الله بن إبراهيم الغفاري، ثنا عبد الله بن أبي بكر ابن أخي محمّد بن المنكدر، عن جابر … رفعه. وهذا سند ساقط: الكديمي والغفاري متّهمان، وقد ضعّفه البيهقي. * ورواه البيهقي في "الشعب" (٣٧٩٣ و٣٧٩٤) و"الفضائل" (٢٩٢) من طريق عبد الله بن نافع الصائغ، ثنا أيّوب بن سليمان بن مينا، عن رجل، عن أبي سعيد … رفعه. وهذا سند واهٍ: الصائغ ليّن في غير مالك وهذا منه، وابن مينا مجهول بيّض له ابن أبي حاتم، وهناك الرجل المبهم. وقد ضعّفه البيهقي. ورواه: الطبراني في "الأوسط" (٩٢٩٨): ثنا هاشم بن مرثد، ثنا محمّد بن إسماعيل الجعفري، ثنا عبد الله بن سلمة الربعي، عن محمّد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد … رفعه. قال الهيثمي (٣/ ١٩٢): "فيه محمّد بن إسماعيل الجعفري، قال أبو حاتم: منكر الحديث". قلت: وابن مرثد ليس بشيء، والربعي منكر الحديث. * ورواه: الدارقطني في "الأفراد" (٦/ ٣٧٥ - لسان)، وابن الجوزي في "الواهيات" (٩٠٩)؛ من طريق يعقوب بن خرّة الدبّاغ، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر … رفعه. قال الذهبي والعسقلاني: "خبر باطل". قلت: الدبّاغ شيخ ضعيف تفرّد بخبر منكر عن الزهريّ دون ثقات أصحابه. وعلّقه الذهبي في "الميزان" (٤/ ٣١٢) والعسقلاني في "اللسان" (٦/ ٢٤٢) من طريق هلال بن خالد،=
[ ١٣٧ ]
جَعْفَرٍ الأحْمَرِ، عن إبْراهيمَ بن مُحَمَّدِ بن المُنْتَشِرِ، وكانَ مِن أفضلِ أهلِ زمانِهِ؛ أنَّهُ بَلَغَهُ؛ أنّهُ مَن وَسَّعَ على عيالِهِ يومَ عاشوراءَ؛ وَسَّعَ اللهُ عليهِ سائرَ سنتِهِ. فقالَ ابنُ عُيَيْنَةَ: جَرَّبْناهُ منذُ خمسمينَ سنةً أو ستِّينَ سنةً فما رَأيْنا إلّا خيرًا.
وقولُ حَرْبٍ "إنَّ أحْمَدَ لمْ يَرَهُ شيئًا" إنَّما أرادَ بهِ الحديثَ الذي يُرْوى مرفوعًا إلى النَّبي - ﷺ -!؟ فإنَّهُ لا يَصِحُّ إسنادُهُ، وقد رُوِيَ مِن وجوهٍ متعدِّدةٍ لا يَصِحُّ مِنها شيء. وممَّن قالَ ذلكَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بن عَبْدِ الحَكَمِ. وقال العُقَيْلِيُّ: هوَ غيرُ محفوظٍ. وقد رُوِيَ عن عُمَرَ مِن قولِهِ، وفي إسنادِهِ مجهولٌ لا يُعْرَفُ.
* وأمّا اتِّخاذُهُ مأْتمًا كما تَفْعَلُهُ الرّافضةُ لأجلِ قتلِ الحُسَيْنِ بن عَلِيٍّ ﵄ فيهِ؛ فهوَ مِن عملِ مَن ضَلَّ سعيُهُ في الحياةِ الدُّنيا وهوَ يَحْسَبُ أنَّهُ يُحْسِنُ صنعًا، ولمْ يَأْمُرِ اللهُ ولا رسولُهُ باتِّخاذِ أيَّامِ مصائبِ الأنبياءِ وموتِهِم مأْتمًا، فكيفَ بمَن دونَهُم (^١)؟!
• ومِن فضائلِ يومِ عاشوراءَ أنَّهُ يومٌ تابَ اللهُ فيهِ على قومٍ.
وقد سَبَقَ حديثُ عَلِيٍّ الذي خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ؟ أن النَّبيَّ - ﷺ - قالَ لرجلٍ: "إنْ كُنْتَ
_________________
(١) = عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر … رفعه. قال الخطيب: "لا يثبت عن مالك، في رواته غير واحد من المجهولين". وقال الذهبي والعسقلاني: "هذا باطل". * ورواه: العقيلي (٤/ ٦٥)، والبيهقي في "الشعب" (٣٧٩٥)، وابن الجوزي في "الواهيات" (٩١٠) و"الموضوعات" (٢/ ٢٠٣)؛ من طريق حجّاج بن نصير، ثنا محمّد بن ذكوان مولى الجهاضم، عن يعلى بن حكيم، عن سليمان بن أبي عبد الله، عن أبي هريرة … رفعه. وهذا واهٍ: حجّاج ضعيف يقبل التلقين، وابن ذكوان ضعيف منكر الحديث، وسليمان فيه جهالة. ورواه ابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ٢٠٠) من طريق أحمد بن سلمان النجّاد، عن إبراهيم الحربي، عن سريج بن النعمان، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة … رفعه في سياق طويل. ثمّ قال: "هذا حديث لا يشكّ عاقل في وضعه". قلت: علّته النجاد هذا، فقيه عابد صدوق، لكنّه حدّث من كتاب غيره بما لم يكن في أُصوله ثمّ عمي في آخره فربّما قرأ عليه بعض الطلبة ما ليس في أُصوله. * قال البيهقي: "هذه الأسانيد وإن كانت ضعيفة فإنّها إذا ضمّ بعضها إلى بعض أخذت قوّة". قلت: هي دون حدّ الاعتبار، وكثرتها لا تزيد الحديث إلّا نكارة، ولذلك لم يعبأ بها المحقّقون المدقّقون - ومنهم الإمام أحمد والعقيلي وابن عدي وابن عبد الحكم وابن الجوزي والذهبي وابن القيّم وابن رجب والعسقلاني - وجزموا بضعف الحديث. ولعلّ أصوله من كلام إبراهيم بن المنتشر بلاغًا كما سيأتي.
(٢) فلله درّ ابن رجب على هذه الفائدة العظيمة والحجّة القويمة.
[ ١٣٨ ]
صائمًا شهرًا بعدَ رمضانَ؛ فصُمِ المُحَرَّمَ؛ فإنَّ فيهِ يومًا تابَ الله فيهِ على قومٍ ويَتوبُ فيهِ على آخرينَ" (^١).
وقد صَحَّ مِن حديثِ: أبي إسْحاقَ، عن الأسْوَدِ بن يَزيدَ (^٢)؛ قالَ: سَأْلْتُ عُبَيْدَ بنَ عُمَيْرٍ عن صيامِ يومِ عاشوراءَ، فقالَ: المحرَّمُ شهرُ اللهِ الأصمُّ، فيهِ يومٌ تِيبَ فيهِ على آدَمَ، فإنِ اسْتَطَعْتَ ألَّا يَمُرَّ بكَ إلَّا صُمْتَهُ؛ فافْعَلْ. كذا رُوِيَ عن شُعْبَةَ عن أبي إسْحاقَ. ورَواهُ إسْرائيلُ عن أبي إسْحاقَ، ولفظُهُ: قالَ: إنَّ قومًا أذْنَبوا فتابوا فيه فتِيبَ عليهِم، فإنِ اسْتَطَعْت ألَّا يَمُرَّ بكَ إلَّا وأنتَ صائمٌ؛ فافْعَلْ. ورَواهُ يونُسُ عن أبى إسْحاقَ ولفظُهُ: إنَّ (^٣) المحرَّمَ شهرُ اللهِ، وهوَ رأْسُ السَّنةِ، تُكْتَبُ فيهِ الكتبُ، ويُؤَرَّخُ فيهِ التَّاريخُ، وفيهِ تُضْرَبُ الوَرِقُ، وفيهِ يومٌ تابَ فيهِ قومٌ فتابَ اللهُ عليهِم، فلا يَمُرَّ بكَ إلَّا صُمْتَهُ (يَعْني: يومَ عاشوراءَ) (^٤).
ورَوى أبو موسى المَدِينِيُّ مِن حديثِ أبي موسى [مرفوعًا]: "هذا يومٌ تابَ اللهُ فيهِ على قومٍ فاجْعَلوهُ صلاةً وصومًا (يَعْني: يومَ عاشوراءَ) " (^٥). وقال: حسنٌ غريبٌ. وليسَ كما قالَ.
ورَوى بإسنادِهِ عن عَلِيٍّ؛ قالَ: يومُ عاشوراءَ هوَ اليومُ الذي تِيبَ فيهِ على قومِ يونُسَ.
وعنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ قالَ: هوَ اليومُ الذي تِيبَ فيهِ على آدَمَ.
وعن وَهْبٍ: أن الله تَعالى أوْحى إلى موسى ﵇ أنْ مُرْ قومَكَ يَتَقَرّبوا إليَّ في أوَّلِ عشرِ المحرَّمِ، فإذا كانَ يومُ العاشر؛ فلْيَخْرُجوا إليَّ حتَّى أغْفِرَ لهُم.
ورَوى عَبْدُ الرَّزَّاقِ: عن ابن جُرَيْجٍ، عن رجلٍ، عن عِكرِمَةَ؛ قالَ: هوَ يومٌ تابَ
_________________
(١) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٨٦).
(٢) في خ: "الأسود بن زيد"! والصواب ما أثبتّه من م ون وط.
(٣) في خ: "فإنّ"! والصواب ما أثبتّه من م وط.
(٤) وتبقى هذه كلّها أخبار مجردة تفتقر إلى المصداقيّة طالما أن المرفوع في الباب ضعيف.
(٥) (ضعيف). لم أقف عليه، فحسبي فيه شهادة من وقف عليه وردّ قول من حسّنه، ولا سيّما زيادة "الصلاة" فيه؛ فإنّها منكرة، لم ترد في شيء من أحاديث الباب على كثرتها.
[ ١٣٩ ]
اللهُ فيهِ على آدَمَ؛ يومُ عاشوراءَ.
ورَوى عَبْدُ الوَهَّابِ الخَفَّافُ: عن سَعيدٍ، عن قَتادَةَ؛ قالَ: كنَّا نتحَدَّثُ أن اليومَ الذي تِيبَ فيهِ على آدَمَ يومُ عاشوراءَ، وهَبَطَ فيهِ آدَمُ إلى الأرضِ يومُ عاشوراء (^١).
• وقولُهُ - ﷺ - في حديثِ عَلِيٍّ "ويَتوبُ فيهِ على آخرينَ": حثٌّ للنَّاسِ على تجديدِ التَّوبةِ النَّصوحِ في يومِ عاشوراءَ، وترجيةٌ لقبولِ التَّوبةِ ممَّن تابَ فيهِ إلى اللهِ ﷿ مِن ذنوبِهِ كما تابَ فيهِ على مَن قبلَهُم.
وقد قالَ تَعالى عن آدَمَ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] (^٢). وأخْبَرَ عنهُ وعن زوجِهِ أنَّهُما قالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
وكَتَبَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ لعَزيزِ إلى الأمصارِ كتابًا وقالَ فيهِ: قولوا كما قالَ أبوكُم آدَمَ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. وقولوا كما قالَ نوحٌ: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧]. وقولوا كما قالَ موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]. وقولوا كما قالَ ذو النُّونِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
اعترافُ المذنبِ بذنبهِ معَ النَّدمِ عليهِ توبةٌ مقبولةٌ.
قالَ اللهُ ﷿: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢].
وقالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "إنَّ العبدَ إذا اعْتَرَفَ بذنبِهِ ثمَّ تابَ؛ تابَ اللهُ عليهِ" (^٣).
وفي دعاءِ الاستفتاحِ الذي كانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَسْتَفْتحُ بهِ: "اللهمَّ! أنتَ ربِّي، لا إلهَ إلَّا أنتَ، ظَلَمْتُ نفسي وأعْتَرَفْتُ بذنبي فاغْفِرْ لي؛ إنَّهُ لا يَغْفِرُ الدُّنوبَ إلَّا
_________________
(١) وهذه أيضًا أخبار مجرّدة لا بدِّ لها من سند ثابت إلى من يتعيّن المصير إلى قوله! وهيهات!
(٢) زاد في حاشية في هنا: "الكلمات: سبحانك اللهمّ وبحمدك، لا إله إلّا أنت، عملت سوءًا وظلمت نفسي، فتب علي، إنك أنت التوّاب الرحيم.
(٣) قطعة من حديث عائشة الطويل في قصّة الإفك الذي رواه: البخاري (٦٥ - التفسير، ٢٤ - النور، ٦ - باب، ٨/ ٤٥٢/ ٤٧٥٠)، ومسلم (٤٩ - التوبة، ١٠ - حديث الإفك، ٤/ ٢١٢٩/ ٢٧٧٠).
[ ١٤٠ ]
أنتَ" (^١).
وفي الدُّعاءِ الذي عَلَّمَهُ - ﷺ -[لـ]ــــلصِّدِّيقِ أنْ يَقولَهُ في صلاتِهِ: "اللهمَّ! إنِّي ظَلَمْتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يَغْفِرُ الذُنوبَ إلَّا أنتَ، فاغْفِرْ لي مغفرة مِن عندِكَ وارْحَمْني؛ إنَّكَ أنتَ الغفورُ الرحيمُ" (^٢).
وفي حديثِ شَدَّادِ بن أوس عن النّبي - ﷺ -: "سيِّدُ الاستغفارِ أنْ تقولَ العبدُ اللهمَّ! أنتَ ربي، لا إلهَ إلَّا أنتَ، خَلَقْتَني، وأنا عبدُكَ، وأنا على عهدِكَ ووعدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أعوذُ بكَ مِن شرِّ ما صَنَعْتُ، أبوءُ بنعمتِكَ عليَّ وأبوءُ بذنبي، فاغْفِرْ لي؛ إنهُ لا يَغْفِرُ الذُنوبَ إلَّا أنتَ" (^٣).
الاعترافُ يَمْحو الاقترافَ، كما قيلَ:
وإنَّ اعْتِرافَ المَرْءِ يَمْحو اقْتِرافَهُ … كَما أنَّ إنْكارَ الذُنوبِ ذُنوبُ
لمَّا أُهْبِطَ آدَمُ ﵇ مِن الجنّةِ بكى على تلكَ المعاهدِ - فيما يُرْوَى - ثلاثَ مئةِ عامٍ، وحُقَّ لهُ ذلكَ؛ كانَ في دارٍ لا يَجوعُ فيها ولا يَعْرى ولا يَظْمَأُ فيها ولا يَضْحى، فلمَّا نَزلَ إلى الأرضِ؛ أصابَهُ ذلكَ كلُّهُ، فكانَ إذا رَأى جبريلَ يَتَذَكَّرُ برؤيتِهِ تلكَ المعاهدَ، فيَشْتَدُّ بكاؤُهُ حتَّى يَبْكيَ جبريلُ لبكائِهِ وتقولَ لهُ: ما هذا البكاءُ يا آدَمُ؟ فيَقولُ: وكيفَ لا أبْكي وقد أُخْرِجْتُ مِن دارِ النعمةِ إلى دارِ البؤسِ؟! فقالَ لهُ بعضُ ولدِهِ: لقد آذَيْتَ أهلَ الأرضِ ببكائِكَ. فقالَ: إنّما أبكي على أصواتِ الملائكةِ حولَ العرشِ. وفي روايةٍ: قالَ: إنَّما أبكي على جوارِ ربِّي في دارٍ تربتُها طيِّبةٌ أسْمَعُ فيها أصواتَ الملائكةِ. وفي روايةٍ: قالَ: إنَّما أبْكي على دارٍ لو رَأيْتَها لَزَهَقَتْ نفسُكَ شوقًا إليها.
ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لولدِهِ: كنَّا نسلًا مِن نسلِ السَّماءِ، خُلِقْنا كخلقِهِم، وغُذِّينا بغذائِهِم، فسَبانا عدوُّنا إبْليسُ، فليسَ لنا فرحٌ ولا راحةٌ إلَّا الهمَّ والعناءَ حتَّى نُرَدَّ إلى
_________________
(١) رواه مسلم (٦ - المسافرين، ٢٦ - الدعاء في صلاة الليل، ١/ ٥٣٤/ ٧٧١) من حديث عليّ.
(٢) رواه: البخاري (١٠ - الأذان، ١٤٩ - الدعاء قبل السلام، ٢/ ٣١٧/ ٨٣٤)، ومسلم (٤٨ - الذكر، ١٣ - خفض الصوت بالذكر، ٤/ ٢٠٧٨/ ٢٧٠٥)؛ من حديث أبي بكر ﵁.
(٣) رواه البخاري (٨٠ - الدعوات، ٢ - أفضل الاستغفار، ١١/ ٩٧/ ٦٣٠٦).
[ ١٤١ ]
الدَّارِ التي أُخْرِجْنا منها.
فَحَيَّ عَلى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإنَّها … مَنازِلُكَ الأُولى وَفيها المُخَيَّمُ
وَلكِنَّنا سَبْيُ العَدُوِّ فَهَلْ تُرى … نَعودُ إلى أوْطانِنا وَنُسَلَّمُ
لمَا الْتَقى آدَمُ وموسى ﵉؛ عاتَبَهُ موسى على إخراجِهِ نفسَهُ وذرِّيَّتَهُ مِن الجنَّةِ، فاحْتَجَّ آدَمُ بالقدرِ السَّابقِ، والاحتجاجُ بالقدرِ على المصائبِ حسن، كما قالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "إنْ أصابَكَ شيءٌ، فلا تَقُلْ: لو أنِّي فَعَلْتُ [كانَ كذا و] كذا، ولكنْ قُلْ: قَدَّرَ اللهُ وما شاءَ فَعَلَ" (^١)، كما قيلَ:
واللهِ لَوْلا سابِقُ الأقْدارِ … لَمْ تَبْعُدْ قَطُّ دارُكُمْ عَنْ داري
مِنْ قَبْلِ النّأْيِ جِرْيَةُ المِقْدارِ … هَلْ يَمْحو [الـ]ـــــعبْدُ ما قَضاهُ الباري (^٢)
لمَّا ظَهَرَتْ فضائلُ آدَمَ على الخلائقِ بسجودِ الملائكةِ لهُ وبتعليمِهِ أسماءَ كلِّ شيءٍ وإخبارِهِ الملائكةَ بها وهُم يَسْتَمِعونَ لهُ كاستماعِ المتعلِّمِ مِن معلِّمِهِ حتَّى أقَرُّوا بالعجزِ عن علمِهِ وأقَرُّوا لهُ بالفضلِ وأُسْكِنَ هوَ وزوجتُهُ الجنّةَ؛ ظَهَرَ الحسدُ مِن إبْليسَ وسَعى في الأذى، وما زالتِ الفضائلُ إذا ظَهَرَتْ تُحْسَدُ، كما قيلَ:
لا ماتَ حُسَّادُكَ بَلْ خُلِّدوا … حَتَّى يَرَوْا مِنْكَ الذي يُكْمِدُ
لا زِلْتَ مَحْسودًا عَلى نِعْمَةٍ … فَإنَّما الكامِلُ مَنْ يُحْسَدُ
فما زالَ يَحْتالُ على آدَمَ ﵇ حتَّى تَسَبَّبَ في إخراجِهِ مِن الجنّةِ، وما فَهِمَ الأبلَهُ أن آدَمَ إذا خَرَجَ مِنها كَملَتْ فضائلُهُ ثمَّ عادَ إلى الجنَّةِ على أكملَ مِن حالتِهِ الأولى.
إنّما أهْلَكَ إبْليسَ العُجْبُ بنفسِهِ، ولذلكَ قالَ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢]. وإنَّما كَمَلَتْ فضائلُ آدَمَ باعترافِهِ على نفسِهِ: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣].
كانَ إبْليسُ كلَّما أوْقَدَ نارَ الحسدِ لآدَمَ؛ فاحَ بها ريحُ طيبِ آدَمَ واحْتَرَقَ إبْليسُ.
وَإذا أرادَ اللهُ نَشْرَ فَضيلَةٍ … طُوِيَتْ أتاحَ لَها لِسانَ حَسودِ
_________________
(١) رواه مسلم (٤٦ - القدر، ٨ - الأمر بالقوّة وترك العجز، ٤/ ٢٠٥٢/ ٢٦٦٤) من حديث أبي هريرة ﵁، ومن نصّ مسلم استفدت الزيادة.
(٢) في وزن البيتين العروضيّ اضطراب شديد، وهما أولى بالكلام المسجوع منهما بالشعر.
[ ١٤٢ ]
لَوْلا اشْتِعالُ النَّارِ فيما جاوَرَتْ (^١) … ما كانَ يُعْرَفُ طيبُ عَرْفِ العودِ
قالَ بعضُ السَّلفِ: آدَمُ أُخْرِجَ مِن الجنّةِ بذنبٍ واحدٍ، وأنتُم تَعْمَلونَ الذنوبَ وتكْثِرونَ مِنها وتُريدونَ أنْ تَدْخُلوا بها الجنّةَ!
تَصِلُ الذُّنوبَ إلى الذُّنوبِ وَتَرْتَجي … دَرَجَ الجِنانِ بِها وَفَوْزَ العابِدِ
وَنَسِيتَ أن الله أخْرَجَ آدَمًا … مِنْها إلى الدُّنْيا بِذَنْبٍ واحِدِ (^٢)
احْذَروا هذا العدوَّ الذي أخْرَجَ أباكُمْ مِن الجنَّةِ؛ فإنّهُ ساعٍ في منعِكُم مِن العودِ إليها بكلِّ سبيلٍ، والعداوةُ بينكُمْ وبينَهُ قديمةٌ؛ فإنَّهُ ما أخرِجَ مِن الجنَّةِ وطُرِدَ عن الخدمةِ إلَّا بسببِ تكبُّرِهِ على أبيكُم وامتناعِهِ مِن السُّجودِ لهُ لمَّا أمِرَ بهِ. وقد أبْلَسَ مِن الرَّحمةِ وأيِسَ مِن العودِ إلى الجنَّةِ وتَحَقَّقَ خلودَهُ في النَّارِ، فهوَ يَجْتهِدُ على أنْ يُخَلِّدَ معَهُ في النَّارِ بني آدَمَ؛ بتحسينِ الشِّركِ، فإنْ عَجَزَ؛ قَنعَ بما دونَهُ مِن الفسوقِ والعصيانِ. وقد حَذَّرَكُمْ مولاكُم منهُ، وقد أعْذَرَ مَن أنْذَرَ، فخُذوا حذرَكُم، ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧].
العَجَبُ ممَّن عَرَفَ ربَّهُ ثمَّ عَصاهُ، وعَرَفَ الشَّيطانَ ثمَّ أطاعَهُ! ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ [بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا]﴾ [الأعراف: ٢٧].
رَعى اللهُ مَنْ نَهْوى وَإنْ كانَ ما رَعى … حَفِظْنا لَهُ العَهْدَ القَديمَ فَضيَّعا
وَصاحَبْتَ قَوْمًا كُنْتُ أنْهاكَ عَنْهُمُ … وَحَقِّكَ ما أبْقَيْتَ للصُّلْحِ مَوْضِعا
لمَّا أُهبِطَ [آدَمُ] إلى الأرضِ؛ وُعِدَ العودَ إلى الجنَّةِ هوَ ومَن آمَنَ مِن ذرِّيَّتِهِ واتَّبَعَ الرُّسلَ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٣٥]. فَلْيُبَشَّرِ المؤمنونَ بالجنَّةِ، هيَ إقطاعُهُم، وقد وَصَلَ منشورُ الإقطاعِ (^٣) معَ جبريلَ إلى مُحَمَّدٍ عليهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ
_________________
(١) في خ: "فيما حاولت"، والصواب ما أثبتّه من م وط.
(٢) زاد في ط هنا نقلًا عن إحدى أصوله الخطّيّة: "وقال: بفرد خطيئة وبفرد ذنب، من الجنّات أخرجت البرايا، فقل لي كيف ترجو في دخول، إليها بالألوف من الخطايا". وهذه إضافة ناسخ وجدت طريقها إلى المتن، وليست من شرطي هنا، وإنّما ذكرتها للطفها.
(٣) منشور الإقطاع: يقابل في أيّامنا هذه الإرادة الملكيّة السامية بإعطاء فلان من الناس قطعة من =
[ ١٤٣ ]
: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥]. إنّما خَرَجَ الإقطاعُ عمَّن خَرَجَ عن الطَّاعةِ، فأمَّا مَن تابَ وآمَنَ؛ فالإقطاعُ مردودٌ عليهِ.
المؤمنونَ في دارِ الدُّنيا في سفرِ جهادٍ؛ يُجاهِدونَ فيهِ النُّفوسَ والهوى، فإذا انْقَضى سفرُ الجهادِ؛ عادوا إلى وطنِهِمُ الأوَّلِ الذي كانوا فيهِ في صلبِ أبيهِم. تكَفَّلَ اللهُ للمجاهدِ في سبيلِهِ أنْ يَرُدَّهُ إلى وطنِهِ بما نالَ مِن أجرٍ أو غنيمةٍ.
وَصَلَتْ إليكُم معشرَ الأُمَّةِ رسالةٌ مِن أبيكُم إبْراهيمَ معَ نبيِّكُم مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليهما وسَلَّمَ، قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "رَأيْتُ ليلةَ أُسْرِيَ بي إبْراهيمَ، فقالَ: يا مُحَمَّدُ! أقْرِئْ أُمَّتَكَ منِّيَ السّلامَ، وأخْبِرْهُم أن الجنّة عذبةُ الماءِ طيِّبةُ التُّربةِ، وأنَّها قيعانٌ، وأنَّ غراسَها: سُبْحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ" (^١).
وخَرَّجَ النَّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ: عن جابرٍ، عن النّبيِّ - ﷺ -: "مَن قالَ: سبحانَ اللهِ العظيمِ وبحمدِهِ؛ غُرِسَتْ لهُ نخلة في الجنّةِ" (^٢).
_________________
(١) = أرض أو مسكنًا أو نحوه.
(٢) (حسن بشواهده). رواه: الترمذي (٤٩ - الدعوات، ٥٩ - باب، ٥/ ٥١٠/ ٣٤٦٢)، والطبراني في "الكبير" (١٠/ ١٧٣/ ١٠٣٦٣) و"الأوسط" (٤١٨٢) و"الصغير" (٥٤٠)، والخطيب في "التاريخ" (٢/ ٢٩٢)، وابن عساكر (٦/ ٢٥٠ و٢٥١)؛ من طريق سيّار بن حاتم، عن عبد الواحد بن زياد، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن ابن مسعود … رفعه. وهذا سند ضعيف فيه علل: أولاها: أن في سيّار لينا ما. والثانية: أشار إليها الهيثمي (١٠/ ٩٤) بقوله:، فيه عبد الرحمن بن إسحاق أبو شيبة الكوفي وهو ضعيف". قلت: كثير المنكرات ولا يبلغ حدّ الترك. والثالثة: كلامهم في سماع عبد الرحمن من أبيه، والراجح أنّه سمع منه، فليست هذه بالقادحة. لكن له شاهد عند: أحمد (٥/ ٤١٨)، والبخاري في "التاريخ" (٥/ ١٣٦)، وابن أبي الدنيا (٦/ ٢٥٠ - ابن عساكر)، والحارث (١٠٤٧ - زوائد الهيثمي)، وابن حبّان (٨٢١)، والمحاملي (٢٦٣)، والطبراني في "الكبير" (٤/ ١٣٢/ ٣٨٩٨) و"الدعاء" (١٦٥٧)، وأبي نعيم في "الحلية" (٢/ ١٩٧)، والبيهقي في "الشعب" (٦٥٧)، وابن عساكر في "التاريخ" (٦/ ٢٤٨ - ٢٥٠)؛ من حديث أبي أيّوب بسند فيه مجهول. وله شاهد آخر من حديث أبي هريرة يأتي قريبًا. فالحديث حسن بهذه الشواهد، ولعلّه لذلك حسّنه الترمذي والنووي والألباني.
(٣) (صحيح بشواهده). رواه: ابن أبي شيبة (٢٩٤٠٧)، والترمذي (٤٩ - الدعوات، ٦٠ - باب، ٥/ ٥١١/ ٣٤٦٤ و٣٤٦٥)، والنسائي في "الكبرى" (١٠٦٦٣) و"اليوم والليلة" (٨٣٣)، وأبو يعلى (٢٢٣٣)،=
[ ١٤٤ ]
وخَرَّجَ ابنُ ماجَهْ عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: " [قُلْ] (^١) سبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ ولا إلهَ إلَّا اللهُ واللهُ أكبرُ؛ يُغْرَسْ لكَ بكلِّ واحدةٍ شجرةٌ في الجنَّةِ" (^٢).
وخَرَّجَهُ الطبَرانِيُّ مِن حديثِ ابن عَبَّاسٍ مرفوعًا (^٣).
وخَرَّجَهُ ابنُ أبي الدُّنيا مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: "مَن قال سُبْحانَ اللهِ
_________________
(١) = وابن حبّان (٨٢٦ و٨٢٧)، والطبراني في "الصغير" (٢٨٨) و"الدعاء" (١٦٧٥)، والحاكم (١/ ٥٠١ و٥١٢)، والبغوي (١٢٦٥)؛ من طريق حجّاج بن أبي عثمان الصوّاف، عن أبي الزبير، عن جابر … رفعه. قال الترمذي: "حسن صحيح لا نعرفه إلّا من حديث أبي الزبير عن جابر"، ووافقه المنذري. وقال الحاكم: "على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي. قلت: لكن فيه عنعنة أبي الزبير على كثرة تدليسه عن جابر. لكنْ له شاهدًا عند: ابن أبي شيبة (٢٩٤٢٩)، والبزّار (٢٤٦٨)؛ من حديث ابن عمرو بسند فيه ضعف وإن جوّده المنذري. وآخر من حديث معاذ بن أنس عند أحمد (٣/ ٤٤٠) بسند ضعيف. وثالث من حديث ابن عبّاس سيأتي قريبًا. فالحديث صحيح بشواهده، وقد صحّحه الترمذي والحاكم والنووي والذهبي والمنذري والألباني.
(٢) زيادة مستفادة من ابن ماجه للإيضاح.
(٣) (حسن صحيح). رواه: ابن ماجه (٣٣ - الأدب، ٥٦ - فضل التسبيح، ٢/ ١٢٥١/ ٣٨٠٧)، والحاكم (١/ ٥١٢)؛ من طريق أبي سنان عيسى بن سنان، عن عثمان بن أبي سودة، عن أبي هريرة … رفعه. صحّحه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال البوصيري: "إسناده حسن، وأبو سنان مختلف فيه". قلت: خلاصة حاله أنّه ليّن الحديث فالسند كذلك. وله طريق أخرى عند الطبراني في "الأوسط" (٣١٩٥): ثنا بكر بن سهل، ثنا عمرو بن هاشم البيروتي، ثنا سليمان بن أبي كريمة، عن ابن جريج، عن أبي صالح، عن أبي هريرة … موقوفًا بنحوه. قال الهيثمي (١٠/ ٩٢): "فيه سليمان بن أبي كريمة، وهو ضعيف". قلت: وكذلك بكر بن سهل والبيروتي. ورواه بنحوه البزّار (٣٠٧٨ - كشف) من طريق حميد مولى علقمة، ثنا عطاء، عن أبي هريرة … رفعه". قال الهيثمي (١٠/ ٩٤): "فيه حميد المكّيّ، وليس هو حميد بن قيس، هذا مولى ابن علقمة، لم يرو عنه غير زيد بن الحباب، وبقيّة رجاله رجال الصحيح!. قلت: فعلى هذا هو مجهول، والسند ضعيف. فالحديث حسن على الأقلّ بهذه الطرق صحيح بشواهده المتقدّمة والتالية، وقد قوّاه الحاكم والذهبي والبوصيري والألباني.
(٤) (صحيح بشواهده). رواه: البخاري في "التاريخ" (٦/ ٤٢٧) تعليقًا، والطبراني في "الأوسط" (٨٤٧١) و"الدعاء" (١٦٧٦)؛ من طريق عمران بن عبيد الله البصري، سمعت الحكم بن أبان، يحدّث عن عكرمة، عن ابن عبّاس … رفعه. قال المنذري: "إسناده حسن لا بأس به في المتابعات". وقال الهيثمي (١٠/ ٩٤): "رجاله موثّقون". قلت: عمران هذا لم أر من وثقه، بل غمزه البخاري شديدًا بقوله: "فيه نظر"، وهو رجل مجهول لا يعرف إلّا بهذا الحديث. ومع ذلك فالشواهد المتقدّمة كفيلة بتقوية هذا الأصل وتأييد المنذري والهيثمي فيما مالا إليه.
[ ١٤٥ ]
العظيمِ؛ بُنِيَ لهُ برجٌ في الجنَّةِ" (^١). ورُوِيَ موقوفًا.
وعنِ الحَسَنِ؛ قالَ: الملائكةُ يَعْمَلونَ لبني آدَمَ في الجنانِ يَغْرِسونَ ويَبْنونَ، فربَّما أمْسَكوا، فيُقالُ لهُم: قد أمْسَكْتُمْ؟ فيَقولونَ: حتَّى تَأْتِيَنا النَّفقاتُ. قالَ الحَسَنُ: فابْعَثوهُم بأبي أنتُم وأُمِّي على العملِ (^٢).
وقال بعضُ السَّلفِ: بَلَغَني أن دورَ الجنَّةِ تُبْنى بالذِّكرِ، فإذا أُمْسِكَ عن الذكرِ؛ أمْسَكوا عن البناءِ، فيُقالُ لهُم، فيقولونَ: حتَّى تَأْتِيَنا نفقةٌ.
أرضُ الجنَّةِ اليومَ قيعان، والأعمالُ الصَّالحةُ لها عمران، بها تُبْنى القصورُ وتُغْرَسُ أرضُ الجنان، فإذا تكامَلَ الغراسُ والبنيان، انْتَقَلَ إليهِ السُّكَّان.
رَأى بعضُ الصَّالحينَ في منامِهِ قائلًا تقولُ لهُ: قد أُمِرْنا بالفراغِ مِن بناءِ دارِكَ، واسمُها دارُ السُّرورِ، فأبْشِرْ، وقد أُمِرْنا بتنجيدِها وتزيينِها والفراغِ منها إلى سبعةِ أيَّامٍ. فلمَّا كانَ بعدَ سبعةِ أيَّامٍ؛ ماتَ، فرُئيَ في المنامِ، فقالَ: أدخِلْتُ دارَ السُّرورِ، وأنا في سرورٍ، فلا تَسْألْ عمَّا فيها، لمْ يُرَ مثلُ الكريمِ إذا حَلَّ بهِ مطيعٌ.
رَأى بعضُهُم كأنَّهُ أُدْخِلَ الجنَّةَ وعُرِضَ عليهِ منازلُهُ وأزواجُهُ، فلمَّا أرادَ أنْ يَخْرُجَ؛ تَعَلَّقَ بهِ أزواجُهُ وقالوا لهُ: باللهِ؛ حَسِّنْ عملَكَ، فكلَّما حَسَّنْتَ عملَكَ؛ ازْدَدْنا نحنُ حُسْنًا.
العاملونَ اليومَ يُسْلِفونَ رؤوسَ أموالِ الأعمالِ فيما تَشْتَهي الأنفسُ وتَلَذُّ الأعينُ إلى أجلِ يومِ المزيدِ في سوقِ الجنَّةِ، فإذا حَلَّ الأجلُ؛ دَخَلوا السُّوقَ فحَمَلوا منهُ ما شاؤوا بغيرِ نقدِ ثمنٍ على قدرِ ما سَلَفَ مِن تعجيلِ رأْس مالِ السَّلفِ، لكنْ بغيرِ مكيالٍ ولا ميزانٍ. فيا مَن عَزَمَ أنْ يُسْلِفَ اليومَ إلى ذَلكَ الموسمِ! عَجِّلْ بتقبيضِ رأْس المال؛ فإنَّ تأْخيرَ التَّقبيضِ يُفْسِدُ العقدَ.
_________________
(١) (ضعيف). رواه: البخاري في "التاريخ" (٣/ ٥٢٢)، وابن أبي الدنيا؛ من طريق سعيد بن سليمان، ثنا عقبة بن أبي الصهباء، سمعت سعيدًا شيخ له، سمعت أبا هريرة … رفعه. وهذا سند ضعيف من أجل سعيد هذا الشيخ المجهول. ولا يبعد أنّ روايته عن أبي هريرة منقطعة، فقد أشار أبو حاتم إلى أنه يروي عن الأعمش عن أبي هريرة. وله علّة ثالثة وهي الوقف كما ذكر ابن رجب.
(٢) في خ: "فأتعبوهم بالعمل"، والأولى ما أثبتّه من م وط.
[ ١٤٦ ]
فَللهِ واديها الذي (^١) هُوَ مَوْعِدُ الْـ … زيدِ لِوَفْدِ الحُبِّ لَوْ كُنْتَ مِنْهُمُ
فَما شِئْتَ خُذْ مِنْهُ بِلا ثَمَنٍ لَهُ … فَقَدْ أسْلَفَ التُّجَّارُ فيهِ وَأسْلَموا (^٢)
وفي الحديثِ: "إنَّ الجنَّةَ تَقولُ: يا ربِّ! ائْتِني بأهلي وبِما وَعَدْتَني؛ فقد كَثُرَ حريري وإستبرقي وسندسي ولؤلئي ومرجاني وزبرجدي وفضَّتي وذهبي وأباريقي وخمري وعسلي ولبني؛ فائْتِني بأهلي وبما وَعَدْتَني" (^٣).
وفي الحديثِ أيضًا: "مَن سَألَ الله الجنَّةَ؛ شَفَعَتْ لهُ الجنَّةُ إلى ربِّها وقالَتِ: اللهمَّ! أدْخِلْهُ الجنَّةَ" (^٤).
وفي الحديثِ أيضًا: "إنَّ الجنَّةَ تُفْتَحُ في كلِّ سحرٍ، ويُقالُ لها: ازْدادي طيبًا لأهلِكِ، فتَزْدادُ طيبًا، فذلكَ البردُ الذي يَجِدُهُ النَّاسُ في
_________________
(١) في خ وم: "فلله ذاك السوق الذي"، ولا يستوي الوزن إلّا بما أثبتّه من ط.
(٢) أسلموا: من السَّلَم، وهو كالسَّلَف وزنًا ومعنى.
(٣) (منكر). رواه: البزّار (٥٥ - كشف)، وابن جرير (٢٢٠٢١ و٢٢٠٢٢)، وابن أبي حاتم (الإسراء ١ - ابن كثير)، وأبو نعيم في "الجنة" (٢٢)، والبيهقي في "البعث"؛ من طرق، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية أو غيره، عن أبي هريرة … رفعه في سياق مطوّل جدَّا في قصّة الإسراء. قال ابن كثير: "في بعض ألفاظه غرابة ونكارة، وفيه شيء من حديث المنام في رواية سمرة بن جندب في المنام الطويل عند البخاريّ، ويشبه أن يكون مجموعًا من أحاديث شتّى أو منام أو قصّة أُخرى غير الإسراء". وقال أيضًا: فيه أبو جعفر الرازيّ، و"فيما تفرّد به نظر". وقال الهيثمي (١/ ٧٧): "رواه البزّار ورجاله موثقون، إلّا أنّ الربيع بن أنس قال عن أبي العالية أو غيره، فتابعيّه مجهول". قلت: فهاهنا علل ثلاث: سوء حفظ أبي جعفر، وتفرّده بغرائب لم ترد في شيء من أحاديث الإسراء، وجهالة التابعيّ، وعلى فرض أنّه أبو العالية فهو كثير الإرسال لم يصرّح بالسماع.
(٤) (صحيح). رواه: ابن أبي شيبة (٢٩٧٩٩)، وأحمد (٣/ ١١٧ و١٤١ و١٥٥ و٢٠٨ و٢٦٢)، وهنّاد في "الزهد" (١٧٥)، وابن ماجه (٣٧ - الزهد، ٣٩ - صفة الجنة، ٢/ ١٤٥٣/ ٤٣٤٠)، والترمذي (٣٩ - الجنّة، ٢٧ - صفة أنهار الجنة، ٤/ ٦٩٩/ ٢٥٧٢)، والنسائي (٥٥ - الاستعاذة، ٥٦ - الاستعاذة من حرّ النار، ٨/ ٢٧٩/ ٥٥٣٦) وفي "اليوم والليلة" (١١٠)، وأبو يعلى (٣٦٨٢ و٣٦٨٣)، وابن حبّان (١٠١٤ و١٠٣٤)، والطبراني في "الدعاء" (١٣١٠ و١٣١١ و١٣١٢)، والآجري في "الشريعة" (٩٤٠)، وأبو نعيم في "الجنّة" (٦٧)، والحاكم (١/ ٥٣٤)، والخطيب في "التاريخ" (١١/ ٣٧٨)، والبغوي في "السنّة" (١٣٦٥)، والضياء في "المختارة" (٤/ ٣٨٨/ ١٥٥٧ - ١٥٦٠)؛ من طريقين قويّتين، عن بريد بن أبي مريم، عن أنس … رفعه. صحّحه الحاكم ووافقه المنذري والذهبي. وقال الترمذي: "وقد روي عن أبي إسحاق عن بريد بن أبي مريم عن أنس موقوفًا أيضًا". قلت: الرفع زيادة ثقة يتعيّن قبولها، وللموقوف هنا حكم الرفع.
[ ١٤٧ ]
السَّحَرِ" (^١).
قلوبُ العارفينَ تَسْتَنْشِقُ أحيانًا نسيمَ الجنَّةِ.
قالَ أنَسُ بنُ النَّضْرِ يومَ أُحُدٍ: واهًا لريحِ الجنَّةِ، واللهِ؛ إنِّي لأجِدُ ريحَ الجنَّةِ مِن قِبَلِ أُحُدٍ، ثمَّ تَقَدَّمَ فقاتَلَ حتَّى قُتِلَ.
تَمُرُّ الصَّبا صَفْحًا (^٢) بِساكِنِ ذي الغَضا … وَيَصْدَعُ قَلْبي أنْ يَهُبَّ هُبوبُها
قَريبَةُ عَهْدٍ بالحَبيبِ وَإنَّما … هَوى كُلِّ نَفْسٍ حَيْثُ حَلَّ (^٣) حَبيبُها
كم للهِ مِن لطفٍ وحكمةٍ في إهباطِ آدَمَ إلى الأرضِ، لولا نزولُهُ؛ لما ظَهَرَ جهادُ المجاهدينَ واجتهادُ المجتهدين، ولا صَعِدَتْ زفراتُ (^٤) أنفاسِ التَّائبين، ولا نَزَلَتْ فطراتُ دموعِ المذنبين (^٥).
يا آدَمُ! إنْ كُنْتَ أُهْبِطْتَ مِن دارِ القربِ؛ فإنِّي قريبٌ أُجيبُ دعوةَ الدَّاعِ إذا دَعانِ، إنْ كانَ حَصَلَ لكَ بالإخراجِ مِن الجنَّةِ كسرٌ؛ فأنا عندَ المنكسرةِ قلوبُهُم مِن أجلي، إنْ كانَ فاتَكَ في السَّماءِ سماعُ زجلِ المسبِّحينَ؛ فقد تَعوَّضْتَ في الأرضِ بسماعِ أنينِ المذنبينَ، أنينُ المذنبينَ أحبُّ إلينا مِن زجلِ المسبِّحينَ، زجلُ المسبِّحينَ ربَّما يَشوبُهُ الافتخارُ وأنينُ المذنبينَ يَزينُهُ الانكسارُ.
لو لمْ تُذْنِبوا؛ لَذَهَبَ اللهُ بكُم، وجاءَ بقومٍ يُذْنِبونَ، ثمَّ يَسْتَغْفِرونَ، فيَغْفِرَ لهُم.
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). رواه الطبراني في "الأوسط" (١٠/ ٤١٥ - مجمع) و"الصغير" (٧٥) من طريق عمرو بن عبد الغفّار الفقيمي، ثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر … رفعه. قال الهيثمي: "فيه عمرو بن عبد الغفّار وهو متروك". ورواه: الخطيب في "التَّاريخ" (١١/ ٢١٣)، والذهبي في "الميزان" (٤/ ٣٨٢) تعليقًا؛ من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل، عن مجالد، عن عطيّة، عن أبي سعيد … رفعه. ويحيى متروك، ومجالد ضعيف، وعطيّة ضعيف سيّء التدليس عن أبي سعيد. ورواه أبو نعيم في "الحلية" (٥/ ٣٧٩) موقوفًا على كعب الأحبار، فلعلّ هذا أصله.
(٢) تمرّ الصبا صفحًا: تمرّ دون أن يشعر بها.
(٣) في خ: "أين حلّ"، والأولى ما أثبته من م وط.
(٤) في خ: "ولا صدعت زفرات"، وهو تحريف صوابه ما أثبته من م وط.
(٥) راجع تفاصيل هذه الحكم واللطائف في "مفتاح دار السعادة" (١/ ٧٧ - ٩٤)، فقد أتى ابن القيّم يرحمه الله في هذا الباب بفتوح لا تراها عند غيره.
[ ١٤٨ ]
سُبحانَ مَن إذا لَطَفَ بعبد في المحنِ قَلَبَها منحًا، وإذا خَذَلَ عبدًا لمْ يَنْفَعْهُ كثرةُ اجتهادِهِ وعادَ عليهِ وبالًا.
لُقِّنَ آدَمُ حجَّتَهُ وأُلقِيَ إليهِ ما تُتَقَبَّلُ بهِ توبتُهُ، ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]. وطُرِدَ إبْليسُ بعدَ طولِ خدمتِهِ فصارَ عملُهُ هباءً منثورًا، ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٤ - ٣٥] (^١).
إذا وَضَعَ عدلَهُ على عبدٍ؛ لمْ تَبْقَ لهُ حسنةٌ، وإذا بَسَطَ فضلَهُ على عبدٍ؛ لمْ تَبْقَ لهُ سيِّئةٌ.
يُعْطِي وَيَمْنَعُ مَنْ يَشاءُ كَما يَشا … وَهِباتُهُ لَيْسَتْ تُقارِنُها الرُّشا
لمَّا ظَهَرَ فضلُ آدَمَ على الخلائقِ بالعلمِ، وكانَ العلمُ لا يَكْمُلُ بدونِ العملِ بمقتضاهُ، والجنَّةُ ليست دارَ عمل ومجاهدةٍ وإنّما هيَ دارُ نعيمٍ ومشاهدةٍ؛ قيلَ لهُ: يا آدَمُ! اهْبِطْ إلى رباطِ الجهاد، وصابِرْ جنودَ الهوى بالجدِّ والاجتهاد، واذْرِ دموعَ الأسفِ على البعاد، فكأنَّكَ بالعيشِ الماضي وقد عادَ على أكملِ مِن ذلكَ الوجهِ المعتاد.
عُودوا إلى الوَصْلِ عُودوا … فَالهَجْرُ صَعْبٌ شَديدُ
لَوْ ذاقَ طَعْمَ الفِراقِ رَضْوى … لَكادَ مِنْ وَجْدِهِ يَميدُ
قَدْ حَمَّلوني عَذابَ شَوْقٍ … يَعْجِزُ عَنْ حَمْلِهِ الحَديدُ
قُلْتُ وَقَلْبي أسيرُ وَجْدٍ … مُتيَّمٌ في الجَفا عَميدُ
أنْتُمْ لَنا في الهوى مَوالٍ … وَنَحْنُ في أسْرِكُمْ عَبيدُ
_________________
(١) زاد في حاشية خ هنا: "أورد أحد المحقّقين سؤالًا وجوابًا؛ قال: إنّما طرد إبليس واستحقّ اللعنة وأخرج من الجنّة بكفره المجمع عليه. لكن هل كان كفره بامتناعه من السجود وعصيانه كما دلّ عليه سياق كلام ربّ العالمين، ويلزم منه كفر من عصى، ولا قائل. أو كفر بشيء زائد على ذلك، وهو الذي ذكره بعض المحقّقين. ثمّ اختلفوا؛ ما الذي كفر به؟ فقالوا: كفر بقوله لم أكن لأسجد لبشر خلقه من صلصال من حمأ مسنون، فأشار إلى أنّ أمر الحقّ تعالى بسجود الأعلى للأدنى من الجور؛ لأن عنصر النار أشرف من عنصر التراب على زعمه، ولا شك أن نسبة الحق تعالى إلى الجور كفر يستوجب فاعله اللعنة والطرد الأبديّ والعذاب السرمديّ" اهـ. وهذا على طريقة المتكلّمة الذين يخطر لهم من التأويلات ما لا يخطر لإبليس، وليس هذا أولى المحالّ بتفصيل ما فيه من نظر.
[ ١٤٩ ]