في الصَّحيحينِ (^١): عن عائِشَةَ - ﵂ -؛ قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - إذا دَخَلَ العشرُ؛ شَدَّ مئزرَهُ وأحْيا ليلَهُ وأيْقَظَ أهلَهُ. هذا لفظُ البُخارِيِّ. ولفظُ مسلمٍ: أحيا الليلَ وأيْقَظَ أهلَهُ وجَدَّ وشَدَّ المئزرَ.
وفي روايةٍ لمسلمٍ (^٢) عنها؛ قالَتْ: كانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَجْتَهِدُ في العشرِ الأواخرِ ما لا يَجْتَهِدُ في غيرِهِ.
كانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَخُصُّ العشرَ الأواخرَ مِن رمضانَ بأعمالٍ لا يَعْمَلُها في بقيَّةِ الشَّهرِ.
• فمنها: إحياءُ الليلِ
فيُحْتَمَلُ أن المرادَ إحياءُ الليلِ كلِّهِ.
وقد رُوِيَ من حديثِ عائِشَةَ - ﵂ - مِن وجهٍ فيهِ ضعفٌ بلفظِ: "وأحيا الليلَ كلَّهُ" (^٣).
_________________
(١) = الخدمة أداء مصلحة للمخدوم، سواء أكان أعلى رتبة من الذي يخدمه أو أدنى منه، والله تعالى غنيّ عن العباد وأعمالهم. وأمّا من حيث الشرع؛ فلا أصل لـ "الخدمة" في كتاب ولا سنّة ولا قول السلف الصالح، فكان الأولى نبذها والالتزام بالمصطلحات الشرعيّة، ولا سيّما أنّها قاصرة عن إفادة معانيها. وقد تسرّبت هذه اللفظة إلى الصوفيّة من طريق أهل الكتاب أو الثقافات الوثنيّة الأُخرى، فالنصارى يكثرون ذكر "التفرّغ لخدمة الربّ"، وكان عند المجوس والهندوس سدنة (أي: خدّام) للمعابد والنار … والخدمة عند الصوفيّة أعظم من مجرّد العبوديّة! فعل الذين قال الله فيهم: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾!
(٢) البخاري (٣٢ - ليلة القدر، ٥ - العمل في العشر الأواخر، ٤/ ٢٦٩/ ٢٠٢٤)، ومسلم (١٤ - الاعتكاف، ٣ - الاجتهاد في العشر الأواخر، ٢/ ٨٣٢/ ١١٧٤).
(٣) (الموضع السابق، ١١٧٥).
(٤) (منكر). لم أقف عليه بعد طول بحث، ولا ذكره العسقلاني عند شرحه للحديث مع استقصائه في تفاصيل الروايات، فحسبي فيه تضعيف المصنّف، ثمّ هو مخالف لرواية مسلم الآتية، وهذا حدّ النكارة.
[ ٤٢٦ ]
وفي "المسند" من وجهٍ آخرَ عنها؛ قالَتْ: كانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَخْلِطُ العشرينَ بصلاةٍ ونومٍ، فإذا كانَ العشرُ شَمَّرَ وشَدَّ المئزرَ (^١).
وخَرَّجَ الحافظُ أبو نُعَيْمٍ بإسنادٍ فيهِ ضعفٌ عن أنَسٍ: كانَ النَّبيُّ - ﷺ - إذا شَهِدَ رمضانَ؛ قامَ ونامَ، فإذا كانَ أربعًا وعشرينَ؛ لم يَذُقْ غمضًا (^٢).
ويُحْتَمَلُ أنْ يُريدَ بإحياءِ الليلِ إحياءَ غالبِهِ.
وقد رُوِيَ عن بعضِ المتقدِّمينَ مِن بني هاشمٍ (ظَنَّهُ الرَّاوي أبا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بنَ عَلِيٍّ) أنَّهُ فَسَّرَ ذلكَ بإحياءِ نصفِ الليلِ، وقالَ: مَن أحيا نصفَ الليلِ؛ فقد أحيا الليلَ.
وقد سَبَقَ مثلُ هذا في قولِ عائِشَةَ: كانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَصومُ شعبانَ كلَّهُ، كانَ يَصومُهُ إلَّا قليلًا (^٣).
ويُؤَيِّدُهُ ما في "صحيح مسلم" (^٤): عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: ما أعْلَمُهُ - ﷺ - قامَ ليلةً حتَّى الصَّباحِ.
وذَكَرَ بعضُ الشَّافعيَّةِ في إحياءِ ليلتي العيدينِ أنَّهُ تَحْصُلُ فضيلةُ الإحياءِ بمعظمِ الليلِ. قالَ: وقيلَ: تَحْصُلُ بساعةٍ. وقد نَقَلَ الشَّافِعِيُّ في "الأُمِّ" عن جماعةٍ مِن خيارِ أهلِ المدينةِ ما يُؤَيِّدُهُ.
ونَقَلَ بعضُ أصحابِهِم عن ابن عَبَّاسٍ أن إحياءَها يَحْصُلُ بأنْ يُصَلِّيَ العشاءَ في
_________________
(١) (موضوع). رواه: أحمد (٦/ ٦٨/ ١٤٦)، وابن النجّار (٢٤٤٨١ - كنز)؛ من طريق جابر، عن يزيد بن مرّة، عن لميس، عن عائشة … رفعته. وهذا ساقط: جابر متروك متّهم، وقد أتانا بيزيد المجهول الذي لا يعرف إلّا بهذا ولميس المجهولة التي لا تعرف إلّا به أيضًا، ولذلك قال البخاري: "لا يصحّ"، وقال العسقلاني: "فيه نظر".
(٢) (ضعيف جدًّا). رواه: العقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٣٦٩)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٣٠٦)؛ من طريق سعيد بن عثمان (وفي الحلية: سعيد بن عمرو الأمويّ)، ثنا عنبسة بن جبير، ثنا الربيع بن صبيح، عن الحسن، عن أنس … رفعه. وهذا سند مظلم مسلسل بالعلل: سعيد بن عثمان وسعيد بن عمرو جماعة أكثرهم مجاهيل لم يتبيّن لي المراد منهم هنا، وعنبسة لا يعرف إلّا بهذا الخبر، والربيع ضعيف، والحسن عنعن علي تدليسه. وقد استنكر الحديث العقيلي والذهبي والعسقلاني، وقال ابن رجب: "إسناده ضعيف".
(٣) متّفق عليه. تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٣٠٥).
(٤) (٦ - المسافرين، ٨ - جامع صلاة الليل، ١/ ٥١٢/ ٧٤٦).
[ ٤٢٧ ]
جماعةٍ ويَعْزِمَ على أنْ يُصَلِّيَ الصُّبحَ في جماعةٍ.
وقالَ مالِكٌ في "الموطَّأ": بَلَغَني أن ابنَ المُسَيَّبِ قالَ: مَن شَهِدَ العشاءَ ليلةَ القدرِ (يَعْني: في جماعةٍ)؛ فقد أخَذَ بحظِّهِ منها.
وكذا قالَ الشَّافِعِي في القديمِ: مَن شَهِدَ العشاءَ والصُّبحَ ليلةَ القدرِ؛ فقد أخذَ بحظِّهِ منها.
وقد رُوِيَ هذا مِن حديثِ أبي هُرَيرَةَ مرفوعًا: "مَن صَلَّى العشاءَ الآخرةَ في جماعةٍ في رمضانَ؛ فقد أدْرَكَ ليلةَ القدرِ" (^١). خَرَّجَهُ أبو الشَّيخِ الأصْبَهانِيُّ، ومِن طريقِهِ أبو موسى المَدِينِيُّ وذَكَرَ أنَّهُ رُوِيَ مِن وجهِ آخرَ عن أبي هُرَيْرَةَ نحوُهُ.
ويُرْوى مِن حديثِ عَلِيِّ بن أبي طالِبٍ مرفوعًا (^٢)، لكنَّ إسنادَهُ ضعيفٌ جدًّا.
ويُرْوى مِن حديثِ أبي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بن عَلِيٍّ مرسلًا؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - قالَ: "مَن أتى عليه رمضانُ صحيحًا مسلمًا، فصامَ نهارَهُ، وصَلَى وردًا مِن ليلِهِ، وغَضَّ بصرَهُ، وحَفِظَ فرجَهُ ولسانَهُ ويدَهُ، وحافَظَ على صلاتِهِ في الجماعةِ، وبَكَّرَ إلى جمعِهِ (^٣)؛ فقد صامَ الشَّهرَ واسْتكْمَلَ الأجرَ وأدْرَكَ ليلةَ القدرِ وفازَ بجائزةِ الرَّبِّ ﷿". قالَ أبو جَعْفَرٍ: جائزةٌ لا تُشْبِهُ جوائزَ الأُمراءِ (^٤). خَرَّجَهُ ابنُ أبي الدُّنيا.
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). رواه: ابن خزيمة (٢١٩٥)، وأبو الشيخ في "الثواب"، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣٧٠٦) و"فضائل الأوقات" (١٣٨)، والذهبي في "ميزان الاعتدال" (٣/ ٨٥)؛ من طريق عبد الله بن عبد المجيد الحنفي (وقال الذهبي: أبو عليّ الحنفي)، ثنا فرقد بن الحجّاج، سمعت عقبة بن أبي الحسناء، سمعت أبا هريرة - ﵁ - … رفعه. وهذا سند ساقط: عبد الله بن عبد المجيد: إن كان هو عبد الله بن محرّر كما استظهر الدارقطني فمتروك، وإن كان غيره فمجهول لا يعرف. وفرقد: يخطئ. وعقبة بن أبي الحسناء مجهول.
(٢) (ضعيف جدًّا). رواه البيهقي في "الشعب" (٣٧٠٥) من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن الحسن بن محمّد بن علي، عن علي … موقوفًا. وهذا سند ضعيف: عبد الله بن عبد الرحمن بن موهب ضعيف، والحسن بن محمّد لم يدرك عليًّا. ثمّ هو موقوف، وليس له حكم الرفع. وأمّا الرواية المرفوعة التي أشار إليها ابن رجب فما وقفت عليها، لكن الظاهر أنّها دون هذه، فابن رجب لا يقول "إسناده ضعيف جدًّا" إلَّا في الأباطيل والموضوعات.
(٣) في خ: "إلى الجمعة"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٤) (ضعيف جدًّا). لم أقف عليه، لكنّه معضل واهٍ، ورواية أبي جعفر عن التابعين لا عن الصحابة،=
[ ٤٢٨ ]
ولو نَذَرَ قيامَ ليلةِ القدرِ؛ لَزِمَهُ أنْ يَقومَ مِن ليالي شهرِ رمضانَ ما يُتَيَقَّنُ بهِ قيامُها: فمَن قالَ مِن العلماءِ إنَّها في جميعِ الشَّهرِ يَقولُ: يَلْزَمُهُ قيامُ جميعِ ليالي الشَّهرِ، ومَن قالَ هيَ في النِّصفِ الأخيرِ مِن الشَّهرِ قالَ: يَلْزَمُهُ قيامُ ليالي النِّصفِ الأخيرِ منهُ، ومَن قالَ: هيَ في العشرِ الأواخرِ مِن الشَّهرِ قالَ: يَلْزَمُهُ قيامُ ليالي العشرِ كلِّها، وهوَ قولُ أصحابِنا.
وإنْ كانَ نذرُهُ كذلكَ وقد مَضى بعضُ ليالي العشرِ: فإنْ قُلْنا إنَّها لا تَنْتَقِلُ في العشرِ؛ أجْزَأهُ مِن نذرِهِ أنْ يَقومَ ما بَقِيَ مِن ليالي العشرِ ويَقومَ مِن عامٍ قابلٍ مِن أوَّلِ العشرِ إلى وقتِ نذرِهِ. وإنْ قُلْنا: إنَّها تَنْتَقِلُ في العشرِ؛ لم يَخْرُجْ مِن نذرِهِ بدونِ قيامِ ليالي العشرِ كلِّها بعدَ عامِ نذرِهِ.
ولو نَذَرَ قيامَ ليلةٍ غيرِ معيَّنةٍ؛ لَزِمَهُ قيامُ ليلةٍ تامَّةٍ، فإنْ قامَ نصفَ ليلةٍ ثمَّ نامَ؛ أجْزَأهُ أنْ يَقومَ مِن ليلةٍ أُخرى نصفَها. قالَهُ الأوْزاعِيُّ، نَقَلَهُ عنهُ الوليدُ بنُ مُسْلِمٍ في كتابِ "النُّذور"، وهوَ شبيهٌ بقولِ مَن قالَ مِن أصحابِنا وغيرِهِم: إنَّ الكفَّارةَ يُجْزئُ فيها أنْ يُعْتِقَ نصفي رقبتينِ.
• ومنها: أن النَّبيَّ كانَ يوقِظُ أهلَهُ للصَّلاةِ في ليالي العشرِ دونَ غيرِهِ مِن الليالي.
وفي حديثِ أبي ذَرٍّ أن النَّبيَّ - ﷺ - لمَّا قامَ بهِم ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ وخمسٍ وعشرينَ وسبعٍ وعشرينَ؛ ذَكَرَ أنَّهُ دَعا أهلَهُ ونساءَهُ ليلةَ سبعٍ وعشرينَ خاصَّةً (^١). وهذا يَدُلُّ على أنَّهُ يَتَأكَّدُ إيقاظُهُم في آكدِ الأوتارِ التي تُرْجى فيها ليلةُ القدرِ.
وخَرَّجَ الطَّبَرانِيُّ مِن حديثِ عَلِيٍّ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - كانَ يوقِظُ أهلَهُ في العشرِ الأواخرِ مِن رمضانَ وكلَّ صغيرٍ وكبيرٍ يُطيقُ الصَّلاةَ (^٢).
_________________
(١) = والإعضال من أعظم آفات السند، وما أكثر ما ألّف الكذّابون على لسان أبي جعفر يرحمه الله.
(٢) (صحيح). قطعة من حديث تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٣٩٦ - ٣٩٧).
(٣) (موضوع بهذا التمام). رواه الطبراني في "الأوسط" (٧٤٢١) من طريق إسماعيل بن عمرو البجلي، ثنا عبد الغفار بن القاسم، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ وهبيرة، عن عليّ … رفعه. وهذا سند ساقط مسلسل بالعلل: وقد أشار الهيثمي (٣/ ١٧٧) إلى أولاها بقوله: "في إسناد الطبراني عبد الغفّار بن القاسم أبو مريم وهو ضعيف". قلت: قصّر يرحمه الله؛ فإنّه كذّاب يضع. والثانية: إسماعيل هذا متّهم منكر الحديث أيضًا. والثالثة: أنّ: الطيالسي (١١٨)، وعبد الرزّاق (٧٧٠٣)، وابن أبي شيبة (٩٥٤٤)، وأحمد (١/ ٩٨ و١٢٨ و١٣٢ و١٣٣ و١٣٧)، وعبد بن حميد (٩٣ - منتخب)، والترمذي (٧٩٥)، والبزّار =
[ ٤٢٩ ]
قالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: أحبُّ إليَّ إذا دَخَلَ العشرُ الأواخرُ أنْ يَتَهَجَّدَ بالليلِ ويَجْتَهِدَ فيهِ ويُنْهِضَ أهلَهُ وولدَهُ إلى الصَّلاةِ إنْ أطاقوا ذلكَ.
وقد صَحَّ عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّهُ كانَ يَطْرُقُ فاطِمَةَ (^١) وعَلِيًّا ليلًا فيَقولُ لهُما: "ألا تَقومانِ فتُصَلِّيانِ" (^٢).
وكانَ يوقِظُ عائِشَةَ بالليلِ إذا قضى تهجُّدَهُ وأرادَ أنْ يوتِرَ (^٣).
ووَرَدَ التَّرغيبُ في إيقاظِ أحدِ الزَّوجينِ صاحبَهُ للصَّلاةِ ونضحِ الماءِ في وجهِهِ.
وفي "الموطَّأ": أن عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ كانَ يُصَلِّي مِن الليلِ ما شاءَ اللهُ أنْ يُصَلِّيَ، حتَّى إذا كانَ نصفُ الليلِ؛ أيْقَظَ أهلَهُ للصَّلاةِ، يَقولُ لهُمُ: الصَّلاةَ الصَّلاةَ، ويَتْلو هذهِ الآيةَ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢].
كانَتِ امرأةُ حَبِيبٍ أبي مُحَمَّدٍ تَقولُ لهُ بالليلِ: قد ذَهَبَ الليلُ، وبينَ أيدينا طريقٌ بعيدٌ، وزادُنا قليلٌ، وقوافلُ الصَّالحينَ قد سارَتْ قدَّامَنا، ونحنُ قد بَقِينا!
يا نائِمً [ـــا بِـ]ــــاللَيْلِ كَمْ تَرْقُدُ … قُمْ يا حَبِيبي قَدْ دَنا المَوْعِدُ
وَخُذْ مِنَ اللَيْلِ وَأوْقاتِهِ … وِرْدًا إذا ما هَجَعَ الرُّقَّدُ
مَنْ نامَ حَتَّى يَنْقَضي لَيْلُهُ … لَمْ يَبْلُغِ المَنْزِلَ أوْ يَجْهَدُ
• ومنها: أن النَّبيَّ - ﷺ - كانَ يَشُدُّ المئزرَ
واخْتَلَفوا في تفسيرِهِ: فمنهُم مَن قالَ: هوَ كنايةٌ عن شدَّةِ جدِّهِ واجتهادِهِ في العبادةِ، كما يُقالُ: فلانٌ يَشُدُّ وسطَهُ ويَسْعى في كذا. وهذا فيهِ نظرٌ؛ فإنَّها قالَتْ: "جَدَّ وشَدَّ المئزرَ"، فعطَفَتْ شَدَّ المئزرَ على جدِّهِ.
_________________
(١) = (٧٢٥)، وأبا يعلى (٢٨٢ و٣٧٢ - ٣٧٤)، وغيرهم؛ رووه من طريق شعبة وإسرائيل والثوري وغيرهم، عن هبيرة، عن عليّ … رفعه دون هذه الزيادة. فبان أنّها ممّا اقترفته يدا عبد الغفّار أو البجليّ.
(٢) في خ: "كان يطرق باب فاطمة"، وما أثبتّه من م ون وط أولى بسياق الصحيحين.
(٣) رواه: البخاري (١٩ - التهجّد، ٥ - تحريضه - ﷺ - على صلاة الليل، ٣/ ١٠/ ١١٢٧)، ومسلم (٦ - المسافرين، ٢٨ - من نام الليل أجمع، ١/ ٥٣٧/ ٧٧٥)؛ من حديث عليّ.
(٤) رواه: البخاري (٨ - الصلاة، ١٠٣ - الصلاة خلف النائم، ١/ ٥٨٧/ ٥١٢)، ومسلم (٤ - الصلاة، ٥١ - الاعتراض بين يدي المصلّي، ١/ ٣٦٦/ ٥١٢)؛ من حديث عائشة.
[ ٤٣٠ ]
والصَّحيحُ أن المرادَ اعتزالُهُ للنِّساءِ، وبذلكَ فَسَّرَهُ السَّلفُ والأئمَّةُ المتقدِّمونَ، منهُمُ الثَّورِيُّ.
وقد وَرَدَ ذلكَ صريحًا مِن حديثِ عائِشَةَ وأنَسٍ، ووَرَدَ تفسيرُهُ بأنَّهُ لم يَأْوِ إلى فراشِهِ حتَّى يَنْسَلخَ رمضانُ، وفي حديثِ أنَسٍ: "وطَوى فراشَهُ، واعْتَزَلَ النِّساءَ" (^١).
وقد كانَ النَّبيُّ - ﷺ - غالبًا يَعْتكِفُ العشرَ الأواخرَ، والمعتكفُ ممنوعٌ مِن قربانِ النِّساءِ بالنَّصِّ والإجماعِ، وقد قالَ طائفةٌ مِن السَّلفِ في تفسيرِ قولِهِ تَعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]: إنَّهُ طلبُ ليلةِ القدرِ. والمعنى في ذلكَ أن الله تَعالى لمَّا أباحَ مباشرةَ النِّساءِ في ليالي الصِّيامِ إلى أنْ يَتبَيَّنَ الخيطُ الأبيضُ مِن الخيطِ الأسودِ؛ أمَرَ معَ ذلكَ بطلبِ ليلةِ القدرِ، لئلَّا يَشْتَغِلَ المسلمونَ في طولِ ليالي الشَّهرِ بالاستمتاعِ المباحِ فيفوتُهُم طلبُ ليلةِ القدرِ، فأمَرَ معَ ذلكَ بطلبِ ليلةِ القدرِ بالتَّهجُّدِ مِن الليلِ، خصوصًا في الليالي المرجوِّ فيها ليلةُ القدرِ، فمِن هُنا كانَ النَّبيُّ - ﷺ - يُصيبُ مِن أهلِهِ في العشرينَ مِن رمضانَ، ثمَّ يَعْتَزِلُ نساءَهُ ويَتَفَرَّغُ لطلبِ ليلةِ القدرِ في العشرِ الأواخرِ.
• ومنها: تأْخيرُهُ للفطورِ إلى السَّحَرِ
رُوِيَ عنهُ مِن حديثِ عائِشَةَ وأنَسٍ أنَّهُ - ﷺ - كانَ في ليالي العشرِ يَجْعَلُ عشاءَهُ سحورًا.
ولفظُ حديثِ عائِشَةَ: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - إذا كانَ رمضانُ؛ قامَ ونامَ، فإذا دَخَلَ العشرُ؛ شَدَّ المئزرَ واجْتَنَبَ النِّساءَ واغْتَسَلَ بينَ الأذانينِ وجَعَلَ العشاءَ سحورًا (^٢).
_________________
(١) (منكر). سيأتي بطوله وتخريجه بعد سطور.
(٢) (منكر). لم أقف عليه، ولا ذكره العسقلاني عند شرحه لحديث عائشة في "الفتح"، وفيه زيادات غريبة عن رواية الثقات للحديث، فهذه لا تحتمل من الأسانيد المقاربة - على التسليم بأنّ الإسناد مقارب وفي القلب منه أشياء - بل لا بدّ فيها من الرواة الثقات الأثبات. ثمّ وقفت على زيادة "واجتنب النساء" في الحديث عند الطبراني في "الأوسط" (٧٥٧٣) من طريق نهشل، عن الضحّاك، عن مسروق، عن عائشة … رفعته. ونهشل متّهم متروك، والضحّاك كثير الإرسال، وقد رواه الشيخان عن مسروق دون هذه الزيادة، فبان أنّها منكرة، والزيادات الأُخرى أشدّ نكارة.
[ ٤٣١ ]
أخْرَجَهُ ابنُ أبي عاصِمٍ، وإسنادُهُ مقاربٌ.
وحديثُ أنَسٍ خَرَّجَهُ الطبَرانِيُّ، ولفظُهُ: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - إذا دَخَلَ العشرُ الأواخرُ مِن رمضانَ؛ طَوى فراشَهُ واعْتَزَلَ النِّساءَ وجَعَلَ عشاءَهُ سحورًا (^١). وفي إسنادِهِ حَفْصُ بنُ واقِدٍ؛ قالَ ابنُ عَدِيٍّ: هذا الحديثُ مِن أنكرِ ما رَأيْتُ لهُ.
ورُوِيَ أيضًا نحوُهُ مِن حديثِ جابِرٍ (^٢)، خَرَّجَهُ أبو بكْرٍ الخَطيبُ، وفي إسنادِهِ مَن لا يُعْرَفُ حالُهُ.
وفي الصَّحيحينِ ما يَشْهَدُ لهذهِ الرِّواياتِ، ففيهِما (^٣): عن أبي هُرَيْرَةَ؛ قالَ: نَهَى رسولُ اللهِ - ﷺ - عن الوصالِ في الصَّومِ. فقالَ لهُ رجلٌ مِن المسلمينَ: إنَّكَ تُواصِلُ يا رسولَ اللهِ. قالَ: "وأيكُّم مثلي؟ إنِّي أبيتُ يُطْعِمُني ربِّي ويَسْقيني". فلمَّا أبَوْا أنْ يَنْتَهوا عن الوِصالِ؛ واصلَ بهِم يومًا، ثمَّ يومًا، ثمَّ رَأَوُا الهلالَ. فقالَ: "لو تأخَّرَ لَزِدْتُكُمْ"، كالتَّنكيلِ لهُم حينَ أبَوْا أنْ ينْتَهوا. فهذا يَدُلُّ على أنَّهُ واصلَ بالنَّاسِ في آخرِ الشَّهرِ.
ورَوى: عاصِمُ بنُ كلَيْبٍ، عن أبيهِ، عن أبي هُرَيْرَةَ؛ قالَ: ما واصلَ النَّبيُّ - ﷺ - وصالَكُم قطُّ، غيرَ أنَّهُ قد أخَّرَ الفطرَ إلى السَّحرِ (^٤). وإسنادُهُ لا بأْسَ بهِ.
وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حديثِ عَلِيٍّ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - كانَ يُواصِلُ إلى السَّحَرْ (^٥).
_________________
(١) (منكر). رواه: الطبراني في "الأوسط" (٥٦٤٩)، وابن عدي في "الكامل" (٢/ ٨٠٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٢٨١)؛ من طريق حفص بن واقد، ثنا هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أنس … رفعه. قال الهيثمي (٣/ ١٧٧): "فيه حفص بن واقد البصري، قال ابن عدي: له أحاديث منكرة. قلت: هذا أنكرها على ما نقل المصنّف. وقال ابن عديّ أيضًا: "بعض متنه قد شورك فيه وبعض متنه لا يرويه عن هشام غير حفص". قلت: هذه علامة ضعف الراوي ونكارة حديثه.
(٢) (ضعيف). لم أقف عليه في "تاريخ بغداد" بعد طول بحث ولا في كثير ممّا بين يدي من كتب الخطيب، فحسبي فيه شهادة ابن رجب يرحمه الله بقوله: "في إسناده من لا يعرف حاله".
(٣) البخاري (٣٠ - الصوم، ٤٩ - التنكيل لمن أكثر الوصال، ٤/ ٢٠٥/ ١٩٦٥)، ومسلم (١٣ - الصيام، ١١ - النهي عن الوصال، ٢/ ٧٧٤/ ١١٠٢).
(٤) (لا بأس به إن سلمت الطريق إلى عاصم). ولم أقف عليه.
(٥) (صحيح لشواهده). رواه: عبد الرزّاق (٧٧٥٢)، وابن أبي شيبة (٩٥٨٩)، وأحمد في "المسند" (١/ ٩١ و١٤١) و"الفضائل" (١٢٣٦)، وعبد بن حميد (٨٥ - منتخب)، والطبراني (١/ ١٠٩/ ١٨٥)، والضياء في "المختارة" (٢/ ١٩٩/ ٥٨٢ و٧٢٥)؛ من طريق إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن محمد بن علي (وجاء مرّة:=
[ ٤٣٢ ]
وخَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ مِن حديثِ جابِرٍ أيضًا (^١).
وخَرَّجَ ابنُ جَريرٍ الطَّبَرِيُّ مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - كانَ يُواصِلُ إلى السَّحَرِ، ففَعَلَ ذلكَ بعضُ أصحابِهِ، فنَهاهُ، فقالَ: أنتَ تَفْعَلُ ذلكَ. فقالَ: "إنَّكُم لستُم مثلي، إنِّي أظَلُّ عند ربِّي يُطْعِمُني ويَسْقيني" (^٢).
وزَعَمَ ابنُ جَريرٍ أن النَّبيَّ - ﷺ - لمْ يَكُنْ يُواصِلُ في صيامِهِ إلَّا إلى السَّحَرِ خاصَّةً، وأنَّ ذلكَ يَجوزُ لمَن قَوِيَ عليهِ ويُكْرَهُ لغيرِهِ، وأنْكَرَ أنْ يَكونَ استدامةُ الصِّيامِ في الليلِ كلِّهِ طاعة عندَ أحدٍ منَ العلماءِ؛ قالَ: وإنَّما كانَ يُمْسِكُ بعضُهُم لمعنًى آخرَ غيرِ الصِّيامِ: إمَّا لِيَكونَ أنشطَ لهُ على العبادةِ، أو إيثارًا بطعامِهِ على نفسِهِ، أو لخوفٍ مقلقٍ مَنَعَهُ طعامَهُ، أو نحوِ ذلكَ. فمقتضى كلامِهِ: أنَّ مَن واصَلَ ولم يُفْطِرْ لِيَكونَ أنشطَ لهُ على العبادةِ مِن غيرِ أنْ يَعْتَقِدَ أن إمساكَ الليلِ قربةٌ أنَّهُ جائزٌ (^٣). وإنْ أمْسَكَ تعبُّدًا بالمواصلةِ، فإنْ كانَ إلى السَّحرِ وقَوِيَ عليهِ لم يُكْرَهْ، وإلَّا كُرِهَ.
_________________
(١) = عن أبي عبد الرحمن)، [عن عليّ] … رفعه. قال الهيثمي (٣/ ١٦١): "رجال الصحيح". قلت: عبد الأعلى هذا هو ابن عامر الثعلبي، ما هو من رجال الصحيح، وحديثه أقرب إلى الضعف، وقد اضطرب فجعله مرّة عن أبي عبد الرحمن السلمي ومرّة عن ابن الحنفيّة. لكن يشهد له ما قبله وما بعده، فهو حسن به على الأقلّ.
(٢) (صحيح لشواهده). رواه: الحارث بن أبي أُسامة (٣٢٦ - زوائد الهيثمي) من طريق محمّد بن عمر ثنا سعيد بن مسلم بن بانك، والطبراني في "الأوسط" (٣٧٦٨) من طريق شريك؛ كلاهما عن عبد الله بن محمّد بن عقيل، عن جابر … رفعه بنحوه. قال الهيثمي (٣/ ١٦١): "حديث حسن". قلت: طريق الحارث فيها الواقدي المتّهم، فالمعوّل على طريق "الأوسط" وحدها، وفيها شريك سيئ الحفظ وابن عقيل ليّن، لكن يشهد له ما قبله وما بعده.
(٣) (شاذّ بهذا التمام). رواه: ابن خزيمة (٢٠٧٢)، وابن جرير؛ من طريق عبيدة بن حميد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة … رفعه. قال العسقلاني في "الفتح" (٤/ ٢٠٩): "المحفوظ في حديث أبي صالح إطلاق النهي عن الوصال دون تقييد بالسحر، ولذلك اتفّق عليه جميع الرواة عن أبي هريرة، فرواية عبيدة هذه شاذّة". وقال الألباني: "إسناده صحيح على شرط البخاري". قلت: هو كذلك عند النظر إليه على وجه الاستقلال، لكنّ زيادة "إلى السحر" هنا تفرّد بها عبيدة بن حميد دون سائر الرواة عن الأعمش وعن أبي صالح، وهي زيادة تخالف إذنه - ﷺ - بالوصال إلى السحر الآتي في حديث أبي سعيد بعده، فبان أنّها شاذّة كما قال العسقلاني.
(٤) إن كان لا يراه قربة؛ فهلّا شرب جرعة ماء أو عصير تشدّ أوده!
[ ٤٣٣ ]
ولذلكَ قالَ أحْمَدُ وإسْحاقُ: لا يُكْرَهُ الوصالُ إلى السَّحرِ.
وفي "صحيح البخاريِّ" (^١): عن أبي سَعيدٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "لا تُواصِلوا، فأيُّكُم أرادَ أنْ يُواصِلَ؛ فلْيُواصِلْ إلى السَّحرِ". قالوا: فإنَّكَ تُواصِلُ يا رسولَ اللهِ! قالَ: "إنِّي لستُ كهيئتِكُم، إنِّي أبيتُ لي مطعمٌ يُطْعِمُني وساقٍ يَسْقيني".
وظاهرُ هذا يَدُلُّ على أنَّهُ - ﷺ - كانَ يُواصِلُ الليلَ كلَّهُ، وقد يَكونُ النَّبيُّ - ﷺ - إنَّما فَعَلَ ذلكَ لأنَّهُ رَآهُ أنشطَ لهُ على الاجتهادِ في ليالي العشرِ، ولم يَكُنْ ذلكَ مضعِفًا لهُ عن العملِ؛ فإنَّ الله كانَ يُطْعِمُهُ ويَسْقيهِ.
واخْتُلِفَ في معنى إطعامِهِ: فقيلَ: إنَّهُ كانَ يُؤْتَى بطعامٍ مِن الجنَّةِ يَأْكُلُهُ. وفي هذا نظرٌ؛ فإنَّهُ لو كانَ كذلكَ؛ لم يَكُنْ مواصلًا، وقد أقَرَّهُم على قولِهِم لهُ: إنَّكَ تُواصِلُ.
لكنْ رَوى عَبْدُ الرَّزَّاقِ في "كتابِهِ": عن ابن جُرَيْجٍ، أخْبَرَني عَمْرُو بنُ دينارٍ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - نَهى عن الوصالِ. قالوا: فإنَّكَ تُواصِلُ! قالَ: "وما يُدْريكُم! لعلَّ ربِّي يُطْعِمُني ويَسْقِيني" (^٢). وهذا مرسلٌ.
وفي روايةٍ لمسلمٍ (^٣) مِن حديثِ أنَسٍ: "إنِّي أظَلُّ يُطْعِمُني ربِّي ويَسْقيني". وإنَّما يُقالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كذا إذا كانَ نهارًا، ولو كانَ أكلًا حقيقيًّا؛ كانَ منافيًا للصِّيامِ.
والصَّحيحُ أنَّهُ إشارةٌ إلى ما كانَ اللهُ تَعالى يَفْتَحُهُ عليهِ في صيامِهِ وخلوتِهِ بربِّهِ لمناجاتِهِ وذكرِهِ مِن موادِّ أُنسهِ ونفحاتِ قدسِهِ، فكانَ يَرِدُ بذلكَ على قلبِهِ مِن المعارفِ الإلهيَّةِ والمنحِ الرَّبَّانيَّةِ ما يُغَذِّيهِ ويُغْنيهِ عن الطَّعامِ والشَّرابِ. كما قيلَ:
لَها أحاديثُ مِنْ ذِكْراكَ تَشْغَلُها … عَنِ الطَّعامِ وتُلْهيها عن الزَّادِ
لَها بِوَجْهِكَ نورٌ تَسْتَضيءُ بِهِ … وَقْتَ المَسيرِ وفي أعْقابِها حادي
إذا شَكَتْ مِنْ كَلالِ السَّيْرِ أوْعَدَها … رَوْحُ القُدومِ فَتَحْيا عِنْدَ ميعادِ
_________________
(١) (٣٠ - الصوم، ٤٨ - الوصال، ٤/ ٢٠٢/ ١٩٦٣).
(٢) (ضعيف بهذا السياق). رواه عبد الرزّاق (٧٧٥٦) بالسند المذكور، والمرسل من أنواع الضعيف.
(٣) (١٣ - الصيام، ١١ - النهي عن الوصال، ٢/ ٧٧٦/ ١١٠٤). وهو عند البخاري (٣٠ - الصوم، ٤٨ - الوصال، ٤/ ٢٠٢/ ١٩٦١) لكن بغير هذا اللفظ.
[ ٤٣٤ ]
الذِّكرُ قوتُ قلوبِ (^١) العارفينَ، يُغْنيهِم عن الطَّعامِ والشَّرابِ، كما قيلَ:
أنْتَ رِيِّي إذا ظَمِئْتُ إلى الما … ءِ وَقُوتي إذا أرَدْتُ الطَّعاما
لمَّا جاعَ المتهجِّدونَ، شَبِعوا مِن طعامِ المناجاةِ. فأُفٍّ لمَن باعَ لذَّةَ المناجاةِ بفضلِ لقمةٍ.
يا مَنْ لِحَشا المُحِبِّ بِالشَّوْقِ حَشا … ذا سِرُّ سُراكَ في الدُّجى كَيْفَ فَشا
هذا المُوَلَّى إلى المَماليكِ مَشى … لا كانَ عَيْشًا أوْرَثَ القَلْبَ غِشا (^٢)
ويَتأكَّدُ تأْخيرُ الفطرِ في الليالي التي تُرْجى فيها ليلةُ القدرِ (^٣).
قالَ زِرُّ بنُ حُبَيْشٍ في ليلةِ سبعٍ وعشرينَ: مَنِ اسْتَطاعَ منكُم أن يُؤخِّرَ فطرَهُ؛ فلْيَفْعَلْ، ولْيُفْطِرْ على ضَياحِ لبنٍ. ورَواهُ بعضُهُم عن زِرٍّ عن أُبَيِّ بن كَعْبٍ مرفوعًا، ولا يَصِحُّ (^٤). وضِياحُ اللبنِ ويُرْوى ضَيْحُ - بالضَّادِ المعجمةِ والياءِ آخرِ الحروفِ - هوَ اللبنُ الخاثرُ الممزوجُ بالماءِ.
ورَوَى أبو الشَّيخِ الأصْبَهانِيُّ بإسنادِهِ: عن عَلِيٍّ؛ قالَ: إنْ وافَقَ ليلةَ القدرِ وهوَ يَأْكُلُ؛ أوْرَثَهُ داءً لا يُفارِقُهُ حتَّى يَموتَ (^٥). وخَرَّجَهُ مِنْ طريقِهِ أبو موسى المَدِينِيُّ. وكأنَّهُ يُريدُ: إذا وافَقَ دخولُها أكلَهُ. واللهُ أعلمُ.
• ومنها: اغتسالُهُ - ﷺ - بينَ العشاءينِ
وقد تَقَدَّمَ مِن حديثِ عائِشَةَ: "واغْتَسَلَ بينَ الأذانينِ" (^٦). والمرادُ: أذانُ المغربِ
_________________
(١) في خ: "الذكر قرّة قلوب"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٢) يعني: غشاء، والبيتان غير موزونين، أقرب إلى الكلام المنثور.
(٣) إذا كان النبي - ﷺ - قد: نهى عن الوصال، وحذّر أصحابه من فعله، وأراد أن ينكّل بمن لم يستجب إليه حتّى يدعه، ووصف من فعله بالمتعمّق، وبيّن للناس أنّ مواصلته ليست كمواصلتهم وأنّه يبيت يطعمه ربّه ويسقيه، ثمّ لمّا رأى إلحاح بعض الناس على ذلك أذن لهم بالمواصلة إلى الفجر لا أكثر؛ فكيف يقال: هذه المواصلة مستحبّة؟! أو: هي متأكدة في الوقت الفلانيّ؟! هذه المواصلة قصاراها أن تكون من المباح! وذهب جماعة من أهل العلم إلى كراهتها مطلقًا، وما هو ببعيد عن الصواب. والله أعلم.
(٤) أثر زرّ هذا رواه: عبد الرزّاق (٧٧٠١)، وابن أبي شيبة (٨٦٦٧). ولم أقف عليه مرفوعًا، وما هو بصحيح، بل هو ظاهر النكارة سندًا على ما ذكر ابن رجب ومتنًا على ما تقدّم آنفًا من النهي عن الوصال.
(٥) كذا! مع أن عليًا - ﵁ - ممّن نهى عن الوصال مطلقًا.
(٦) (منكر). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤٣١).
[ ٤٣٥ ]
والعشاءِ.
ورُوِيَ مِن حديثِ عَلِيٍّ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - كانَ يَغْتَسِلُ بينَ العشاءينِ كل ليلةٍ، يَعْني: مِن العشرِ الأواخر (^١). وفي إسنادِهِ ضعفٌ.
ورُوِيَ عن حُذَيْفَةَ؛ أنَّهُ قامَ معَ النَّبيِّ - ﷺ - ليلةً مِن رمضانَ، فاغْتَسَلَ النَّبيُّ - ﷺ - وسَتَرَهُ حُذَيْفَةُ، وبقِيَتْ فضلةٌ فاغْتَسَلَ بها حُذَيْفَةُ وسَتَرَهُ النَّبيُّ - ﷺ - (^٢). خَرجَهُ ابنُ أبي عاصِمٍ.
وفي روايةٍ أُخرى عن حُذَيْفَةَ؛ قالَ: قامَ النَّبيُّ - ﷺ - ذاتَ ليلةٍ مِن رمضانَ في حجرةٍ مِن جريدِ النَّخلِ، فصَبَّ عليهِ دلوًا مِن ماءٍ (^٣).
وقالَ ابنُ جَريرٍ: كانوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ يَغْتَسِلوا كلَّ ليلةٍ مِن ليالي العشرِ الأواخرِ.
وكانَ النَّخَعِيُّ يَغْتَسِلُ في العشرِ كلَّ ليلةٍ.
ومنهُم مَن كانَ يَغْتَسِلُ ويَتَطَيَّبُ في الليالي التي تكونُ أرجى لليلةِ القدرِ:
فأمَرَ زِرُّ بنُ حُبَيْشٍ بالاغتسالِ ليلةَ سبعٍ وعشرينَ مِن رمضانَ.
ورُوِيَ عن أنَسِ بن مالِكٍ، أنَّهُ إذا كانَ ليلةُ أربعٍ وعشرينَ مِن رمضانَ، اغْتَسَلَ وتَطَيَّبَ ولَبِسَ حلَّةً إزارًا ورداءً، فإذا أصْبَحَ، طَواهُما فلم يَلْبَسْهُما إلى مثلِها مِن قابلٍ.
وكانَ أيُّوبُ السُّخْتِيانِيُّ يَغْتَسِلُ ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ وأربعٍ وعشرينَ، ويَلْبَسُ ثوبينِ جديدينِ، ويَسْتَجْمِرُ، ويَقولُ: ليلةُ ثلاثٍ وعشرينَ هيَ ليلةُ أهلِ المدينةِ، والتي تَلِيها ليلتُنا؛ يَعْني: البصريِّينَ.
وقالَ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ: كانَ ثابِتٌ البُنانِيُّ وحُمَيْدٌ الطَويلُ يَلْبَسانِ أحسنَ ثيابِهِما ويَتَطَيَّبانِ ويُطَيِّبونَ المسجدَ بالنَّضوحِ والدُّخنةِ في الليلةِ التي تُرْجى فيها ليلةُ القدرِ.
وقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ: كانَ لتَميمٍ الدَّارِيِّ حلَّةٌ اشْتَراها بألفِ درهمٍ، كانَ يَلْبَسُها في الليلةِ التي يُرْجى فيها ليلةُ القدرِ.
_________________
(١) (ضعيف). ولم أقف عليه، فحسبي فيه حكم من وقف على سنده.
(٢) (لم أقف عليه).
(٣) (ضعيف). رواه ابن أبي شيبة في "المصنّف" (٢٣٩٨ و٧٦٩٦) من طريق قويَة، عن طلحة بن يزيد الأنصاري، عن حذيفة … رفعه. وهذا سند منقطع، طلحة بن يزيد لم يسمع حذيفة، بينه وبينه رجل كما تقدّم تفصيله آنفًا، ولم أقف على هذه القطعة موصولة بخلاف حديث حذيفة المتقدّم (ص ٣٩٤ - ٣٩٥).
[ ٤٣٦ ]
فتبَيَّنَ بهذا أنَّهُ يُسْتَحَبُّ في الليالي التي تُرْجى فيها ليلةُ القدرِ التَّنظُّفُ والتَّزيُّنُ والتَّطيُّبُ بالغسلِ والطِّيبِ واللباسِ الحسنِ، كما يُشْرَعُ ذلكَ في الجمعِ والأعيادِ. وكذلكَ يُشْرَعُ أخذُ الزِّينةِ بالثِّيابِ في سائرِ الصَّلواتِ، كما قالَ تَعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. وقالَ ابنُ عُمَرَ: اللهُ أحقُّ أنْ يُتَزَيَّنَ لهُ. ويُرْوى عنهُ مرفوعًا (^١).
ولا يَكْمُلُ التَّزيُّنُ الظَّاهرُ إلَّا بتزيُّنِ الباطنِ بالتَّوبةِ والإنابةِ إلى اللهِ وتطهيرِهِ مِن أناسِ الذُّنوبِ وأوضارِها؛ فإنَّ زينةَ الظَّاهرِ معَ خراب الباطنِ لا تُغْني شيئًا. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]:
إذا المَرْءُ لَمْ يَلْبَسْ ثِيابًا مِنَ التُّقى … تَقَلَّبَ عُرْيانًا وَإنْ كانَ كاسِيا
لا يَصْلُحُ لمناجاةِ الملوكٍ في الخلواتِ إلَّا مَن زَيَّنَ ظاهرَهُ وباطنَهُ وطَهَّرَهُما،
_________________
(١) (صحيح موقوفًا منكر مرفوعًا). يرويه نافع مولى ابن عمر واختلف عليه فيه على وجوه: روى الأوَّل: عبد الرزّاق (١٣٩٠ و١٣٩١)، والبخاري في "التاريخ" (٧/ ٣٧٦)، وابن خزيمة (٧٦٦)، والطحاوي (١/ ٣٧٧ و٣٧٨)، وابن عدي (٤/ ١٦٠٦)، والبيهقي (٢/ ٢٣٦)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٦/ ٣٦٩ و٣٧١)، والضياء في "المختارة" (١/ ٣٠٩/ ٢٠٠)؛ من طرق ثمان، عن نافع، عن ابن عمر … موقوفًا. وبعض طرقه صحيح لذاته، وأكثرها قويّ، والوقف باجتماعها صحيح جدًّا. وروى الثاني: الحاكم في "المدخل إلى الصحيح" (ص ١٤٢) من طريق سعيد بن داورد الزنبري أبي عثمان، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر … رفعه. قال الحاكم: "موضوع". قلت: من أجل سعيد هذا؛ فإنه كذاب روى هذا الحديث عن مالك فرفعه وخالف ثقات أصحابه الذين رووه عن مالك موقوفًا على الوجه الأول. لكنّه توبع، فرواه: الطحاوي في "المعاني" (١/ ٣٧٧)، والطبراني في "الأوسط" (٩٣٦٤)؛ من طريق زهير بن عبّاد، ثنا حفص بن ميسرة، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر … رفعه. قال الطبراني: "تفرّد به زهير بن عبّاد". وقال الهيثمي (٢/ ٥٤): "إسناده حسن". قلت: زهير ضعيف، وحفص يهم. وروى الثالث: الطبراني في "الأوسط" (٧٠٥٨) من طريق عبد الله بن جعفر، عن عمر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر … لا أعلمه إلّا رفعه. وهاهنا علّتان: أولاهما: عبد الله بن جعفر هذا هو ابن المديني واهٍ. والأخرى: أنّه تردّد في رفعه فلم يجزم. لكنّه توبع، فرواه البيهقي (٢/ ٢٣٥) من طريق أحمد بن منصور المديني، ثنا محمّد بن إسحاق المسيّبي، ثنا أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر … لا أراه إلّا رفعه. وأحمد بن منصور مجهول. وخلاصة هذا أن المعروف في هذا المتن الوقف، وأمّا الرفع فقد جاء على الجزم من وجهين واهيين وعلى الشكّ من وجهين واهيين أيضًا. وقد صحّح الألباني الحديث مرفوعًا باجتماع الطريقين إلى موسى بن عقبة، وفيه نظر: لاختلافهما جزمًا وشكًّا، ولضعفهما، ولمخالفتهما رواية الثقات الكثر للمتن موقوفًا.
[ ٤٣٧ ]
خصوصًا ملكَ الملوكِ الذي يَعْلَمُ السِّرَّ وأخفى وهوَ لا يَنْظُرُ إلى صورِكُم وإنَّما يَنْظُرُ إلى قلوبِكُم وأعمالِكُم، فمَن وَقَفَ بينَ يديهِ؛ فلْيُزَيِّنْ [لهُ] ظاهرَهُ باللباسِ وباطنَهُ بلباسِ التَّقوى.
أنْشَدَ الشِّبْلِيُّ:
قالوا غَدا العيدُ ماذا أنْتَ لابِسُهُ … فَقُلْتُ خِلْعَةَ ساقٍ حُبَّهُ جُرَعا
فَقْرٌ وصَبْرٌ هُما ثَوْبانِ تَحْتَهُما … قَلْبٌ يَرى إلْفَهُ الأعيادَ وَالجُمَعا
أحْرى الملابسِ أنْ تَلْقى الحَبيبَ بِهِ … يَوْمَ التَّزاوُرِ في الثَّوْبِ الذي خَلَعا
فَالدَّهْرُ لي مَأْتَمٌ إنْ غِبْتَ يا أمَلِي … وَالعيدُ ما كُنْتَ لي مَرْأًى وَمُسْتَمَعا (^١)
• ومنها: الاعتكافُ
ففي الصَّحيحينِ (^٢): عن عائِشَةَ - ﵂ -؛ أن النَّبي - ﷺ - كانَ يَعْتكِفُ العشرَ الأواخرَ مِن رمضانَ حتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ.
وفي "صحيح البُخارِيِّ" (^٣): عن أبي هُرَيْرَةَ؛ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يَعْتكِفُ في كلِّ رمضانَ عشرةَ أيامٍ، فلمَّا كانَ العامُ الذي قُبِضَ فيهِ؛ اعْتكفَ عشرينَ.
وإنَّما كانَ يَعْتكِفُ - ﷺ - في هذهِ العشرِ التي يُطْلَبُ فيها ليلةُ القدرِ قطعًا لأشغالِهِ وتفريغًا لبالِهِ وتخلِّيًا لمناجاةِ ربِّهِ وذكرِهِ ودعائِهِ. وكانَ - ﷺ - يَحْتَجِرُ حصيرًا يَتَخَلَّى فيها عن النَّاسِ فلا يُخالِطُهُم ولا يَشْتَغِلُ بهِم (^٤).
ولهذا ذَهَبَ الإمامُ أحْمَدُ إلى أن المعتكفَ لا يُسْتَحَبُّ لهُ مخالطةُ النَّاسِ، حتَّى ولا لتعليمِ علمٍ وإقراءِ قرآنٍ، بلِ الأفضلُ لهُ الانفرادُ بنفسِهِ والتَّخلِّي بمناجاةِ ربِّهِ وذكرِهِ
_________________
(١) تقدّم هذا البيت في خ على ما قبله، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٢) البخاري (٣٣ - الاعتكاف، ١ - الاعتكاف في العشر الأواخر، ٤/ ٢٧١/ ٢٠٢٦)، ومسلم (١٤ - الاعتكاف، ١ - اعتكاف العشر الأواخر، ٢/ ٨٣٠/ ١١٧٢).
(٣) (٣٣ - الاعتكاف، ١٧ - الاعتكاف في العشر الأوسط، ٤/ ٢٨٤/ ٢٠٤٤).
(٤) رواه: البخاري (١٠ - الأذان، ٨١ - صلاة الليل، ٢/ ٢١٤/ ٧٣٠ و٧٣١)، ومسلم (٦ - المسافرين، ٣٠ - فضيلة العمل الدائم، ١/ ٥٤٠/ ٧٨٢ و٧٨١)؛ من حديث عائشة وزيد بن ثابت على الترتيب. ومعنى احتجار الحصير: اتخاذه كالحجرة بجعله حاجزًا بينه وبين الناس.
[ ٤٣٨ ]
ودعائِهِ.
وهذا الاعتكافُ هوَ الخلوةُ الشَّرعيَّةُ، وإنَّما يَكونُ في المساجدِ؛ لئلَّا يُتْرَكَ بهِ الجمعُ والجماعاتُ؛ فإنَّ الخلوةَ القاطعةَ عن الجمعِ والجماعاتِ منهيٌّ عنها.
سُئِلَ ابنُ عَبَّاسٍ عن رجلٍ يَصومُ النَّهارَ ويَقومُ الليلَ ولا يَشْهَدُ الجمعةَ والجماعةَ؟ قالَ: هوَ في النَّارِ.
فالخلوةُ المشروعةُ لهذهِ الأُمَّةِ هيَ الاعتكافُ في المساجدِ، خصوصًا في شهرِ رمضانَ، خصوصًا في العشرِ الأواخرِ منهُ، كما كانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَفْعَلُهُ.
فالمعتكفُ قد حَبَسَ نفسَهُ على طاعةِ اللهِ وذكرِهِ، وقَطَعَ عن نفسِهِ كلَّ شاغلٍ يَشْغَلُهُ عنهُ، وعَكَفَ بقلبِهِ وقالبِهِ على ربِّهِ وما يُقرِّبُهُ منهُ، فما بَقِيَ لهُ همٌّ سوى اللهِ وما يُرْضيهِ عنهُ.
كما كانَ داوردُ الطَّائِيُّ يَقولُ في ليلِهِ: همُّكَ عَطَّلَ عليَّ الهمومَ وحالَفَ بيني وبينَ السُّهادِ، وشوقي إلى النَّظرِ إليكَ أوْبَقَ منِّيَ اللذَّاتِ وحالَ بيني وبينَ الشَّهواتِ.
ما لي شُغُلٌ سِواهُ ما لي شُغُلُ … ما يَصْرِفُ عَنْ هَواهُ قَلْبي عَذَلُ
ما أصْنَعُ إنْ جَفا وَخابَ الأمَلُ … مِنِّي بَدَلٌ وَمِنْهُ ما لي بَدَلُ
فمعنى الاعتكاف وحقيقتُهُ قطعُ العلائقِ عن الخلائقِ للاتِّصالِ بخدمةِ الخالقِ، وكلَّما قَوِيَتِ المعرفةُ باللهِ والمحبَّةُ لهُ والأُنسُ بهِ؛ أوْرَثَتْ صاحبَها الانقطاعَ إلى اللهِ تَعالى بالكلِّيَّةِ على كلِّ حالٍ.
كانَ بعضُهُم لا يَزالُ منفردًا في بيتِهِ خاليًا بربِّهِ، فقيلَ لهُ: أما تَسْتَوْحِشُ؟ قالَ: كيفَ أسْتَوْحِشُ وهوَ يَقولُ: أنا جليسُ مَن ذَكَرَني؟!
أوْحَشَتْني خَلَواتي … بِكَ مِنْ كُلِّ أنِيسي
وَتَفَرَّدْتُ فَعايَنـ … تُكَ بِالغَيْبِ جَليسي
• يا ليلةَ القدرِ! للعابدينَ أشْهَدي، يا أقدامَ القانتينَ! ارْكَعي لربِّكِ واسْجُدي، يا ألسنةَ السَّائلينَ! جُدِّي في المسألةِ واجْتَهِدي.
[ ٤٣٩ ]
يا رِجالَ اللَيْلِ جُدُّوا … رُبَّ داعٍ لا يُرَدُّ
ما يَقومُ اللَيْلَ إلَّا … مَنْ لَهُ عَزْمٌ وَجِدُّ
ليلةُ القدرِ عندَ المحبِّينَ ليلةُ الحظوةِ بأُنسِ (^١) مولاهُم وقربِهِ، وإنَّما يَفِرُّونَ مِن ليالي البعدِ والهجرِ.
كانَ ببغدادَ موضعانِ يُقالُ لأحدِهِما دارُ الملكِ وللأُخرى القطيعةُ، فجازَ بعضُ العارفينَ بملَّاحٍ في سفينةٍ، فقالَ لهُ: احْمِلْني معَكَ إلى دارِ الملكِ. فقالَ لهُ الملَّاحُ: ما أقْصِدُ إلَّا القطيعةَ. فصاحَ العارفُ: لا باللهِ لا باللهِ، منها أفِرُّ.
وَلَيْلَةٍ بِتُّ بِأكْنافِها … تَعْدِلُ عِنْدِيَ لَيْلَةَ القَدْرِ
كانَتْ سَلامًا لِسُروري بِها … بِالْوَصْلِ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ
يا مَن ضاعَ عمرُهُ في لا شيء! اسْتَدْرِكْ ما فاتَكَ في ليلةِ القدرِ؛ فإنَّها تُحْسَبُ بالعمرِ.
وَلَيْلَةِ وَصْلٍ باتَ مُنْجِزُ وَعْدِهِ … سَمِيرِيَ فيها بَعْدَ طولِ مَطالِ
شَفَيْتُ بِها قَلْبًا أُظيلَ عَليلُهُ … زَمانًا فَكانَتْ لَيْلَةً بِلَيالي
قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ١ - ٣].
قالَ مالِكٌ: بَلَغَني أن رسولَ اللهِ - ﷺ - أُريَ أعمارَ النَّاسِ قبلَهُ أو ما شاءَ اللهُ مِن ذلكَ، فكأنَّهُ تَقاصَرَ أعمارَ أُمَّتِهِ ألَّا يَبْلُغوا مِن العملِ الذي بَلَغَ غيرُهُم في طولِ العمرِ، فأعْطاهُ اللهُ ليلةَ القدرِ خيرًا مِن ألفِ شهرٍ (^٢).
_________________
(١) في خ: "ليلة الخلوة بأنس"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٢) (ضعيف). رواه: مالك في "الموطّأ" (١/ ٣٢١)، والبيهقي في "الشعب" (٣٦٦٧)؛ من طريق مالك، أنّه سمع من يثق به من أهل العلم، عن النبي - ﷺ - … به. قال ابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٤/ ٣٧٣): "لا أعلم هذا الحديث يروى مسندًا من وجه من الوجوه ولا أعرفه في غير "الموطّأ" مرسلًا ولا مسندًا". وقال ابن كثير: "هذا الذي قاله مالك يقتضي تخصيص هذه الأُمّة بليلة القدر … والذي دلّ عليه الحديث أنّها كانت في الأُمم الماضين كما هي في أُمّتنا". قلت: يريد حديث أبي ذرّ الذي سيأتي بيان ضعفه قريبًا. وقال السيوطي: "هذا من الأربعة التي لا تعرف"؛ يعني: البلاغات التي أوردها مالك في "موطّئه". قلت: هو مرسل أو معضل، وفيه المخالفة التي أشار إليها ابن كثير.
[ ٤٤٠ ]
ورُوِيَ عن مجاهِدٍ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - ذَكَرَ رجلًا مِن بني إسْرائيلَ لَبِسَ السِّلاحَ ألفَ شهرٍ، فعَجِبَ المسلمونَ مِن ذلكَ، فأنْزَلَ اللهُ تَعالى هذهِ السُّورةَ ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ الذي لَبِسَ فيها ذلكَ الرَّجلُ السِّلاحَ في سبيلِ اللهِ ألفَ شهرٍ (^١).
وقالَ النَّخَعِيُّ: العملُ فيها خيرٌ مِن العملِ في ألفِ شهرٍ.
وفي الصَّحيحينِ (^٢): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "مَن قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا؛ غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذنبِهِ".
وفي "المسند": عن عُبادَةَ بن الصَّامِتِ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ أنَّهُ قالَ: "مَن قامَها ابتغاءَها، ثمَّ وَقَعَتْ لهُ؛ غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذنبِهِ وما تأخَّرَ" (^٣).
وفي "المسند" و"النَّسائِيِّ": عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ أنَّهُ قالَ في شهرِ رمضانَ: "فيهِ ليلةٌ خيرٌ مِن ألفِ شهرٍ، مَن حُرِمَ خيرَها فقد حُرِمَ" (^٤).
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). رواه: ابن أبي حاتم في "التفسير" (القدر - ابن كثير)، وابن المنذر في "التفسير" (القدر - الدرّ المنثور)، والبيهقي في "السنن" (٤/ ٣٠٦) و"الشعب" (٣٦٦٨)؛ من طريق مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن النبي - ﷺ - … به. وهذا واهٍ من أوجه: أوّلها: أنّ الزنجي ليّن. الثاني: أنّ ابن أبي نجيح لم يسمع التفسير من مجاهد. الثالث: أنّه مرسل. الرابع: أنّ ابن جرير رواه (٣٧٧١٣) بنحوه عن مجاهد موقوفًا عليه.
(٢) البخاري (٣١ - التراويح، ١ - فضل من قام رمضان، ٤/ ٢٥٠/ ٢٠٠٨ و٢٠٠٩)، ومسلم (٦ - المسافرين، ٢٥ - الترغيب في قيام رمضان، ١/ ٥٢٣/ ٧٥٩).
(٣) (ضعيف بهذا التمام). رواه: أحمد (٥/ ٣١٨ و٣٢١ و٣٢٤)، والشاشي (١٢٨٨ و١٢٨٩)، والطبراني (٣/ ١٧٨ - مجمع)؛ من طريق عبد الله بن محمّد بن عقيل، عن عمر بن عبد الرحمن، عن عبادة … رفعه. قال الهيثمي: "فيه عبد الله بن محمّد بن عقيل، وفيه كلام، وقد وثّق". قلت: ابن عقيل ليّن الحديث، وعمر بن عبد الرحمن مجهول لم يرو عنه سوى ابن عقيل، فالسند ضعيف. وله طريق أُخرى عند أحمد (٥/ ٣٢٤) عن بقيّة، ثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عبادة … بنحوه مرفوعًا. قال الهيثمي (٣/ ١٧٨): "رجاله ثقات". قلت: لا يثبت لخالد سماع من عبادة. قال العسقلاني في "الفتح" (٤/ ١١٥): "حديث عبادة بن الصامت عند الإمام أحمد من وجهين إسناده حسن". قلت: ليس شيء من الإسنادين حسنًا كما ترى، وتقوية أحدهما بالآخر فيها نظر؛ لأنه لا يبعد أن يكون خالد تلقّاه عن ابن عقيل أو عمر بن عبد الرحمن من الوجه الأوّل ثمّ أرسله. فلم يبق إلّا تقويته بالشواهد، وهي قاصرة عن بعض ما ورد فيه من الزيادات كقوله "ثمّ وقعت له" وقوله "وما تأخّر" وغيره.
(٤) (صحيح). رواه: عبد الرزّاق (٧٣٨٣)، وابن أبي شيبة (٨٨٦٧)، وإسحاق في "المسند" (١ و٢)، وأحمد (٢/ ٢٣٠ و٣٨٥ و٤٢٥)، وعبد بن حميد (١٤٢٩)، والنسائي في "الكبرى" (٢٤١٦) =
[ ٤٤١ ]
قالَ جُوَيْبِرٌ: قُلْتُ للضَّحَّاكِ: أرَأيْتَ النُّفساءَ والحائضَ والمسافرَ والنَّائمَ لهُم في ليلةِ القدرِ نصيبٌ؟ قالَ: نعم، كلُّ مَن تَقَبَّلَ اللهُ عملَهُ سَيُعْطِيهِ نصيبَهُ مِن ليلةِ القدرِ.
إخواني! المعوَّلُ على القبولِ لا على الاجتهادِ، والاعتبارُ بسيرِ القلوبِ (^١) لا بعملِ الأبدانِ.
ربَّ قائمٍ حظُّهُ مِن قيامِهِ السَّهرُ!
كم مِن قائمٍ محروم ومِن نائمٍ مرحوم! هذا نامَ وقلبُهُ ذاكر، وهذا قامَ وقلبُهُ فاجر.
إنَّ المَقاديرَ إذا ساعَدَتْ … ألْحَقَتِ النَّائِمَ بِالقائِمِ (^٢)
لكنَّ العبدَ مأْمورٌ بالسَّعيِ في اكتسابِ الخيراتِ والاجتهادِ في الأعمالِ الصَّالحاتِ، وكلٌّ ميسَّرٌ لِما خُلِقَ لهُ، أمَّا أهلُ السَّعادةِ؛ فيُيَسَّرونَ لعملِ أهلِ السَّعادةِ، وَأَمَّا أهلُ الشَّقاوةِ؛ فيُيَسَّرونَ لعملِ أهلِ الشَّقاوةِ.
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠].
فالمبادرةَ المبادرةَ إلى اغتنامِ العملِ فيما بَقِيَ مِن الشَّهرِ، فعسى أنْ يُسْتَدْرَكَ بهِ ما فاتَ مِن ضياعِ العمرِ.
تَوَلَّى العُمْرُ في سَهْوٍ … وَفي لَهْوٍ وَفي خُسْرِ
فيا ضَيْعَةَ ما أنْفَقـ … ــــــتُ في الأيَّامِ مِنْ عُمْري
وَما لي في الذي ضَيَّعـ … ـــتُ مِنْ عُمْرِيَ مِنْ عُذْرِ
_________________
(١) = و"المجتبى" (٢٢ - الصيام، ٥ - الاختلاف على معمر، ٤/ ١٢٩/ ٢١٠٥)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣٦٠٠)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (١٦/ ١٥٤)، والرافعي في "التدوين" (٢/ ٢٥٢)؛ من طرق، عن أيّوب، عن أبي قلابة، [عن أبي هريرة] … رفعه. قال المنذري: "لم يسمع أبو قلابة من أبي هريرة فيما أعلم". قلت: كذلك يقال، وسماعه منه محتمل. وله شاهد من حديث أنس عند ابن ماجه (١٦٤٤) بسند قوّاه البوصيري. وآخر من حديث عبادة بن الصامت عند الطبراني في "الكبير" (٣/ ١٤٥ - مجمع) بسند ضعيف. فإن سمعه أبو قلابة من أبي هريرة فهو صحيح، وإلّا فهو صحيح شواهده، وقد صحّحه الألباني.
(٢) في م وط: "ببرّ القلوب"، وأثبتّ ما في خ ون، وكلاهما حسن.
(٣) في حاشية خ: "ألحقت العاجز بالقائم"، وما أثبتّه من متن خ وم وط أولى وأقوى.
[ ٤٤٢ ]
فَما أغْفَلَنا عَنْ وا … جِباتِ الحَمْدِ وَالشُّكْر
أما قَدْ خَصَّنا اللهُ … بِشَهْرٍ أيِّما شَهْرِ
بِشَهْرٍ أنْزَلَ الرَّحْما … نُ فيهِ أشْرَفَ الذِّكْر
وَهَلْ يُشْبِهُهُ شَهْرٌ … وَفيهِ لَيْلَةُ القَدْرِ
فَكَمْ مِنْ خَبَرٍ صَحَّ … بِما فيها مِنَ الخَيْر (^١)
رَوَيْنا كَنْ ثِقاتٍ أنـ … ـــنَها تُطْلَبُ في الوِتْرِ
فَطوبى لامْرِئ يَطْلُـ … ـــبُها في هذِهِ العَشْرِ
فَفِيها تَنْزِلُ الأمْلا … كُ بِالأنْوارِ وَالبِرِّ
وقَدْ قالَ سَلامٌ هـ … ـــــــيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ
ألا فَادَّخِروها إنـ … ـــــنَها مِنْ أنْفَسِ الذُّخْرِ
فَكَمْ مِنْ مُعْتَقٍ فيها … مِنَ النَّارِ وَلا يَدْري