خَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حديثِ: جابرٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "لا تتمَنَّوُا الموتَ؛ فإنَّ هولَ المطَّلَعِ شديدٌ، وإنَّ مِن السَّعادةِ أنْ يَطول عمرُ العبدِ ويَرْزُقَهُ اللهُ الإنابةَ" (^٢).
_________________
(١) وهذه والله عجيبة لا تجدها إلّا عند عارفي (!) القوم! إذا كان هذا العارف (!) في يوم عيد؛ فأيّ مانع يمنعه من تكليم من جاءه وقضاء حاجته؟! وهل من سنن العيد عندهم عدم الكلام مع الخلق وقضاء حاجاتهم؟! وإذا كان السائل لا يعرف شيئًا عن هذا العيد المزعوم ولا عن سنّة أصحابه فيه؛ فهل يكون بطّالًا؟! أوليس نبذ هذا الرجل بأّنه بطّال معصية مفسدة للعيد المزعوم؟!
(٢) (لا بأس به). يرويه كثير بن زيد واختلف عليه فيه على وجوه: روى أوّلها الذهبي في "الميزان" (٣/ ٤٠٤) تعليقًا من طريق هشام بن عبيد الله، ثنا سليمان بن بلال، عنه، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة … رفعه. وروى الثاني: عبد بن حميد (١١٥٥)، والبخاري في "التاريخ" (٢/ ٢٨٥)؛ من طريق وكيع، عنه، عن سلمة بن أبي يزيد، عن جابر … رفعه. وروى الثالث: أحمد في "المسند" (٣/ ٣٣٢) و"الزهد" (١١٦)، والبخاري في "التاريخ" (٢/ ٢٨٥)، والبزّار (٣٢٤٠ و٣٤٢٢ - كشف)، والحاكم (٤/ ٢٤٠)، والبيهقي في "الشعب" (١٠٥٨٩) و"الزهد" (٦١٩)؛ من طريق وكيع وجماعة من الثقات، عنه، عن الحارث بن أبي يزيد، عن جابر … رفعه. فالوجه الثالث هنا هو رواية جماعة الثقات المحفوظة. والثاني تفرّد به وكيع مع أنّه رواه على الجادّة مرّة كما رواه غيره، فبان أنّ الرواية التي تفرّد بها شاذّة، ولذلك قال البخاري: "سلمة هنا لا =
[ ٦٤٧ ]
• تمنِّي الموتِ يَقَعُ على وجوهٍ:
• منها: تمنِّيهِ لضرٍّ دنيويٍّ يَنْزِلُ بالعبدِ، فيُنْهى حينئذٍ عن تمنِّي الموتِ.
وفي الصَّحيحين (^١): عن أنسٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "لا يَتَمَنَّيَنَ أحدُكُمُ الموتَ لضرٍّ نَزَلَ بهِ، فإنْ كانَ لا بدَّ فاعلًا؛ فلْيَقُلِ: اللهمَّ! أحْيِني ما كانَتِ الحياةُ خيرًا لي، وتَوَفَّني إذا كانَ الوفاةُ خيرًا لي".
[و] وجهُ كراهتِهِ في هذهِ الحالِ أنَّ المتمنِّيَ للموتِ لضرٍّ نَزَلَ بهِ، إنَّما يَتَمَنَّا [هُ]، تعجيلًا للاستراحةِ مِن ضرِّهِ، وهوَ لا يَدْري إلى ما يَصيرُ بعدَ الموتِ، فلَعَلَّهُ يَصيرُ إلى ضرٍّ أعظمَ مِن ضرِّهِ، فيَكونُ كالمستجيرِ مِن الرَّمضاءِ بالنَّارِ. وفي الحديثِ: عن النَّبِيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إنَّما يَسْتَريحُ مَن غُفِرَ له" (^٢). فلهذا لا يَنْبَغي لهُ أنْ يَدْعُوَ بالموتِ إلَّا أنْ
_________________
(١) = يصحّ". والوجه الأوّل تفرّد به هشام وله أوهام وخالف رواية الجماعة عن كثير فروايته أيضًا شاذّة. فإذا تبيّن لنا أنّ الوجه الثالث هو المحفوظ هنا فإنّ: كثير بن زيد صدوق لا بأس بحديثه. والحارث بن أبي يزيد: تابعيّ، روى عنه ثقتان، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقوّى حديثه الحاكم والمنذري والهيثمي، فحديثه لا بأس به، ولا سيّما أنّه لم يأت بمعنى منكر، بل هو معنى لا تعوزه الشواهد كما سيأتي. ولذلك قوّى هذا الحديث الحاكم والمنذري والذهبي مرّة والهيثمي والمناوي وقال الذهبيّ مرّة: "مع نكارته له علّة".
(٢) البخاري (٧٥ - المرضى، ١٩ - تمنّي المريض الموت، ١٠/ ١٢٧/ ٥٦٧١)، ومسلم (٤٨ - الذكر والدعاء، ٤ - تمني الموت، ٤/ ٢٠٦٤/ ٢٦٨٠).
(٣) (حسن صحيح). رواه: أحمد (٦/ ٦٩ و١٠٢)، والطبراني في "الأوسط" (٩٣٧٥)، وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٢٩٠) من طرق، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة … رفعته. وابن لهيعة خلّط، لكن في الرواة عنه هنا قتيبة بن سعيد ويحيى بن إسحاق السيلحيني وحديثهما عنه جيّد. وله طريق أُخرى يرويها محمّد بن عروة واختلف عليه فيها على وجوه: روى أوّلها ابن المبارك (٢٥١)، عن يونس بن يزيد، عن أبي مقرّن، عن محمّد بن عروة … مرسلًا. وروى الثاني: الحارث (٢٥٧ - زوائد الهيثمي) من طريق عثمان بن عمر، وأبو داوود في "المراسيل" (٥١٩) من طريق ابن وهب؛ كلاهما عن يونس، عن الزهري، عن محمّد بن عروة، عن أبيه … مرسلًا. وروى الثالث البزّار (٧٨٩ - كشف)، عن عثمان بن عمر، عن يونس، عن الزهري، عن محمّد بن عروة، عن أبيه، عن عاشة … مرفوعًا. فالوجه الأوّل هنا أضعف الوجوه لجهالة أبي مقرّن هذا فإنّي لم أقف له على ترجمة. والوجه الثاني أرجحها لاجتماع الثقتين عليه ولأن فيه زيادة على الوجه الأوّل لعيّن المصير إليها. والوجه الثالث قويّ السند، والوصل فيه زيادة ثقة فله حكمها، ولا سيّما أنّ الحديث جاء موصولًا من الطريق الأولى. وذكر الألباني أن للحديث شاهدًا عند ابن عساكر من حديث بلال لكنّه لم يذكر سنده ولم أقف عليه وأخشى أنّه راجع إلى هذه الطريق نفسها.
[ ٦٤٨ ]
يَشْتَرِطَ أنْ يَكونَ خيرًا لهُ عندَ اللهِ ﷿، وكذلكَ كلُّ ما لا يَعْلَمُ العبدُ فيهِ الخيرةَ لهُ، كالغنى والفقرِ وغيرِهِما، كما يُشْرَعُ لهُ استخارةُ اللهِ فيما يُريدُ أنْ يَعْمَلَهُ ممَّا لا يَعْلَمُ وجهَ الخيرةِ فيهِ، وإنَّما يُسْألُ اللهُ على وجهِ الجزمِ والقطعِ ما يُعْلَمُ (^١) أنَّهُ خيرٌ محضٌ، كالمغفرةِ والرَّحمةِ والعفوِ والعافيةِ والهدى والتَّقوى ونحوِ ذلكَ (^٢).
• ومنها: تمنِّيهِ خوفَ الفتنةِ في الدِّينِ، فيَجوزُ حينئذٍ، وقد تَمَنَّاهُ ودَعا بهِ خشيةَ الفتنةِ في الدِّينِ خلقٌ مِن الصَّحابةِ وأئمَّةِ الإسلامِ. وفي حديثِ المنامِ: "وإذا أرَدْتَ بقومٍ فتنةً؛ فأقْبِضْني إليكَ غيرَ مفتونٍ" (^٣).
• ومنها: تمنِّي الموتِ عندَ حضورِ أسبابِ الشَّهادةِ اغتنامًا لحصولِها، فيَجوزُ ذلكَ أيضًا. وسؤالُ الصَّحابةِ الشَّهادةَ وتعرُّضُهُم لها عندَ حضورِ الجهادِ كثيرٌ مشهورٌ، وكذلكَ سؤالُ معاذٍ لنفسِهِ وأهلِ بيتِهِ الطَّاعونَ لمَّا وَقَعَ بالشَّامِ.
• ومنها: تمنِّي الموتِ لمَن وَثِقَ بعملِهِ شوقًا إلى لقاءِ اللهِ ﷿، فهذا يَجوزُ أيضًا، وقد فَعَلَهُ كثير مِن السَّلفِ. قالَ أبو الدَّرْداءِ: أُحِبُّ الموتَ اشتياقًا إلى ربِّي (^٤). وقالَ أبو عِنَبَةَ الخَوْلانِيُّ: كانَ مَن قبلَكُم لقاءُ اللهِ أحبُّ إليهِم مِن الشَّهدِ. وقالَ
_________________
(١) = وله شاهد من حديث أبي قتادة مرفوعًا بلفظ: "مستريح ومستراح منه"؛ قاله - ﷺ - للجنازة. رواه: البخاري (٦٥١٢)، ومسلم (٩٥٠). فإن لم يكن الحديث صحيحًا بمجموع طريقيه المرفوعين فهو صحيح بشاهديه، وقد رجّح الدارقطني فيه الإرسال، وصحّح الألباني وصله.
(٢) في خ: "فيما يعلم"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٣) في حاشية خ هنا: "قال في "الآداب الكبرى": فصل: قال جعفر بن محمّد الصائغ: سمعت أحمد بن حنبل يقول: كلّ شيء من الخير فبادر به. وقال محمّد بن نصر العابد: سمعت أحمد بن حنبل يقول: كلّ شيء من الخير بادر فيه. قال: وشاورته في الخروج إلى الثغر فقال لي: بادر بادر. وهذا يحتمل أنّه لا الاستخارة فيه كما قاله بعض الفقهاء لظهور المصلحة، ويحتمل أنّ مراده بعد فعل ما ينبغي فعله من صلاة الاستخارة وغيرها، وهو ظاهر كلام الأصحاب؛ لظاهر حديث الاستخارة وغيره وقول جابر: كان النبيّ - ﷺ - يعلمنا الاستخارة في الأمور كلّها. وقد استخارت زينب لمّا أراد النبيّ - ﷺ - أن يتزوّجها. قال في "شرح مسلم": فيه استحباب صلاة الاستخارة لمن همّ بأمر، سواء كان الأمر ظاهر الخير أم لا. قال: ولعلّها استخارت من خوفها من تقصيرها في حقّه ﵇" اهـ.
(٤) (صحيح لشواهده). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ١٠٤ - ١٠٨).
(٥) الشوق إلى لقاء الله تعالى والنظر إلى وجهه الكريم أمر مستحبّ، ومحبّة الموت لذلك أمر لا =
[ ٦٤٩ ]
بعضُ العارفينَ: طالَتْ عليَّ الأيَّامُ والليالي بالشَّوقِ إلى لقاءِ اللهِ. وقالَ بعضُهُم: طالَ شوقي إليكَ فعَجِّلْ قدومي عليكَ. وقالَ بعضُهُم: لا تَطيبُ نفسي بالموتِ إلَّا إذا ذَكَرْتُ لقاءَ اللهِ؛ فإنَّني أشْتاقُ حينئذٍ إلى الموتِ، كشوقِ الظَّمآنِ الشَّديدِ ظمؤُهُ في اليومِ الحارِّ الشَّديدِ حرُّهُ إلى الماءِ الباردِ الشَّديدِ بردُهُ.
وفي هذا يَقولُ بعضُهُم:
أشْتاقُ إليْكَ يا قَريبًا نائي … شَوْقَ الظَّامي إلى زُلالِ الماءِ
وقد دَلَّ على جوازِ ذلكَ قولُ اللهِ ﷿: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دونِ النَّاسِ فتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقينَ﴾ [البقرة: ٩٤]، وقولُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذينَ هادوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكمْ أوْلِياءُ لِلهِ مِنْ دونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ [الجمعة: ٦]، فدَلَّ ذلكَ على أن أولياءَ اللهِ لا يَكْرَهونَ الموتَ بل يَتَمَنَّوْنَهُ، ثمَّ أخْبَرَ أنَّهُم ﴿لا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْديهِمْ﴾ [الجمعة: ٧]، فدَلَّ على أنَّهُ إنَّما يَكْرَهُ المَوْتَ مَن له ذنوبٌ يَخافُ القدومَ عليها، كما قالَ بعضُ السَّلفِ: ما يَكْرَهُ الموتَ إلَّا مريبٌ (^١).
_________________
(١) = بأس على فاعله، ومن أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه. لكن هذا شيء وتمنّي الموت واستعجاله شيء آخر، وهذا الأخير هو الذي نهى عنه النبيّ - ﷺ - نهيًا عامًّا للمحسن والمسيء. وليت شعري! إذا كان سعد بن أبي وقّاص وأصحابه قد نُهوا عن تمنّي الموت؛ فمن ذا السفيه الذي يرى عمله أوثق من أعمالهم ويحلّ لنفسه ما حرّم عليهم؟! فتنبّه لهذا الفرق الدقيق وقس عليه ما بعده من الأقوال يتبيّن لك صوابها من خطئها.
(٢) في هذا الاستدلال نظر من وجوه: أوّلها: أنّ تفسير تمنّي اليهود للموت بقول أحدهم "يا ليتني أموت الآن" ليس بالمسلّم، بل هذه الآيات دعوة لليهود إلى المباهلة بالدعاء بالموت على الكاذبين كما قيل للنصارى ﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١]، كما حقّقه شيخ الإسلام ثمّ قرّره ابن القيّم أحسن تقرير. والثاني: سلّمنا أنّ الآية على التفسير المذكور وأنّ أولياء الله يتمنّون الموت في بعض الظروف إقامة للحقّ ودرءًا للباطل، فأين فيها أنّهم يتمنّون الموت كلّ حين على الإطلاق؟! والثالث: أنّه قد يكون شرعًا لمن قبلنا ثمّ جاء شرعنا بالنهي عنه. والرابع: قصر كراهية الموت على صاحب الذنوب لا يخلو من نظر، فمن الناس من كره الموت حبًّا بظمأ النهار وقيام الأسحار وصحبة الأخيار وجهاد الكفّار ونشر العلم في الأمصار، ومنهم من كرهه من أجل أطفاله الصغار … إلخ. والخامس: من ذا الذي سلم من ذنوب كثيرة يتمنّى أن يعمّر ليحدث لها مزيدًا من التوبة والاستغفار!؟ والسادس: وقول من قال "ما يكره الموت إلَّا مريب" هو المريب! وقد قال تعالى في الحديث القدسيّ: "وما ترددت عن شيء أنا فاعله تردّدي عن نفس عبدي المؤمن؛ يكره الموت وأكره مساءته ولا بدّ له =
[ ٦٥٠ ]
وفي حديثِ: عَمَّارِ بن ياسِرٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -: "أسْألُكَ لذَّةَ النَّظرِ إلى وجهِكَ وشوقًا إلى لقائِكَ في غيرِ ضرَّاءَ مضرَّةٍ ولا فتنةٍ مضلَّةٍ" (^١). فالشَّوقُ إلى لقاءِ اللهِ إنَّما يَكونُ بمحبَّةِ الموتِ. وذلكَ (^٢) لا يَقَعُ غالبًا إلَّا عندَ [خوفِ] ضرَّاءَ مضرَّةٍ في الدُّنيا أو فتنةٍ مضلَّةٍ في الدِّينِ. وأمَّا إذا خَلا عن ذلكَ؛ كانَ شوقًا إلى لقاءِ اللهِ، وهوَ المسؤولُ في هذا الحديثِ (^٣).
وفي "المسند": عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -: "لا يَتَمَنَّيَنَّ الموتَ إلَّا مَن وَثِقَ بعملِهِ" (^٤).
فالمطيعُ للهِ مستأْنسٌ بربِّهِ، فهوَ يُحِبُّ لقاءَهُ، واللهُ يُحِبُّ لقاءَهُ. والعاصي
_________________
(١) = منه". وقالت أُمّ المؤمنين عائشة للنبيّ - ﷺ - - عندما قال: "من كره لقاء الله كره الله لقاءه" -: أكراهية الموت؟! فكلّنا يكره الموت! وكلاهما من مخرّجات الصحيح.
(٢) (صحيح). وقد جاء من طرق عن عمّار: فرواه: ابن أبي شيبة (٢٩٢٣٧)، وأحمد (٤/ ٢٦٤)، وابن أبي عاصم في "السنّة" (١٢٨ و٣٧٨) و"الآحاد" (٢٧٦)، والبزّار (٤/ ٢٢٨/ ١٣٩٢)، وعبد الله بن أحمد في "السنّة" (٢٧٦)، والنسائي في "الكبرى" (١٢٢٩) و"المجتبى" (١٣ - السهو، ٦٢ - نوع آخر، ٣/ ٥٥/ ١٣٠٥)، والطبراني في "الدعاء" (٦٢٥)، والدارقطني في "الرؤية" (١٥٩ أو ١٧٤ - ط. مصريّة)، والأصبهاني في "الترغيب" (١٢٨٥)؛ من طريق شريك، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن عمّار … رفعه. وهذا سند صالح في الشواهد من أجل شريك؛ فإنّه سيّء الحفظ. ورواه: الدارمي في "الردّ على الجهميّة" (٥١)، وابن أبي عاصم في "السنّة" (١٢٩ و٤٢٥)، والبزّار (٤/ ٢٢٩/ ١٣٩٣)، والنسائي في "الكبرى" (١٢٢٨) و"المجتبى" (قبله، ٣/ ٥٤/ ١٣٠٤)، وابن خزيمة في "التوحيد" (ص ١٢)، وابن حبّان (١٩٧١)، والطبراني في "الدعاء" (٦٢٤)، والدارقطني في "الرؤية" (١٥٨)، وابن منده في "الردّ على الجهميّة" (٨٦)، والحاكم (١/ ٥٢٤)، واللالكائي في "الاعتقاد" (٨٤٤ و٨٤٥)، والبيهقي في "الصفات" (٢٤٤ و٢٤٧)؛ من طرق، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عمّار … رفعه. وعطاء اختلط، لكن في الرواة عنه هنا حمّاد بن زيد، وروايته عنه صحيحة. وله أوجه أُخرى موقوفة عند ابن فضيل في "الدعاء" (٨٢) وابن أبي شيبة (٢٩٣٣٩) وأبي يعلى (١٦٢٤)، ولا تضرّه بعد أن صحّ مرفوعًا. ولذلك صحّحه الحاكم ووافقه الذهبي والألباني.
(٣) يعني: محبّة الموت.
(٤) لكن أوّل الحديث يدفع هذا الاستنتاج؛ فإنّ فيه: "اللهم أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي". فبان أنّ سؤال لذّة النظر إلى وجه الرحمن والشوق إلى لقائه لا يقتضي حبّ الموت واستعجاله بالضرورة.
(٥) (ضعيف بهذا التمام). سيأتي تفصيل القول فيه (ص ٦٥٥ - ٦٥٦).
[ ٦٥١ ]
مستوحشٌ، بينَهُ وبينَ مولاهُ وحشةُ الذُّنوبِ، فهوَ يَكْرَهُ لقاءَ ربِّهِ، ولا بدَّ لهُ منهُ.
قالَ ذو النُّونِ: كلُّ مطيعٍ مستأْنسٌ، وكلُّ عاصٍ مستوحشٌ.
وفي هذا يَقولُ بعضُهُم:
أمُسْتَوْحِشٌ أنْتَ مِمَّا جَنَيْتَ … فَأحْسِنْ إذا شِئْتَ وَاسْتَأْنِسِ
قالَ أبو بَكْرٍ الصَدِّيقُ لِعُمَرَ ﵄ في وصيَّتِهِ لهُ عندَ موتِهِ: إنْ حَفِظْتَ وصيَّتي؛ لمْ يكُنْ غائبٌ أحبَّ إليكَ مِن الموتِ ولا بدَّ لكَ منهُ، وإنْ ضَيَّعْتَها؛ لم يَكُنْ غائبٌ أكرَهَ إليكَ مِن الموتِ ولنْ تُعْجِزَهُ (^١).
قالَ أبو حازِمٍ: كلُّ عملٍ تَكْرَهُ الموتَ مِن أجلِهِ فاتْرُكْهُ ثمَّ لا يَضُرُّكَ متى مُتَّ.
العاصي يَفِرُّ مِن الموتِ لكراهيةِ لقاءِ اللهِ، وأينَ يَفِرُّ مَن هوَ في قبضةِ مَن يَطْلُبُهُ؟!
أيْنَ المَفَرُّ وَالإلهُ الطَّالِبُ … وَالمُجْرِمُ المَغْلوبُ لَيْسَ الغالِبُ
سُئِلَ أبو حازِمٍ: كيفَ القدومُ على اللهِ؟ قالَ: أمَّا الطَّائعُ؛ فكقدومِ الغائبِ على أهلِهِ المشتاقينَ إليهِ، وأمَّا العاصي؛ فكقدومِ الآبقِ على سيِّدهِ الغضبانِ.
رُئِيَ بعضُ الصَّالحينَ في النَّومِ، فقيلَ لهُ: ما فَعَلَ اللهُ بكَ؟ قالَ: خيرًا، لمْ يُرَ مثلُ الكريمِ إذا حَلَّ بهِ المطيعُ.
الدُّنيا كلُّها شهرُ صيامِ المتَّقينَ، وعيدُ فطرِهِم يومَ لقاءِ ربِّهِم. كما قيلَ:
وَقَدْ صُمْتُ عَنْ لَذَّاتِ دَهْرِيَ كُلِّها … وَيَوْمَ لِقاكُمْ ذاكَ فِطْرُ صِيامي
• ومنها: تمنِّي الموتِ على غيرِ الوجوهِ المتقدِّمةِ. فقدِ اخْتَلَفَ العلماءُ في كراهتِهِ
_________________
(١) زاد في حاشية خ هنا: "قال في "الآداب الكبرى": لما احتضر أبو بكر أرسل إلى عمر ﵄ فقال: يا عمر! إن وليت على الناس؛ فاتّق الله والزم الحقّ؛ فإنّما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتّباعهم الحقّ في الدنيا وثقله عليهم، وحقّ لميزان إذا وضع فيه الحقّ غدًا أن يكون ثقيلًا، وإنّما خفّت موازين من خفّت موازينه يوم القيامة باتّباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم، وحقّ لميزان وضع فيه الباطل أن يكون خفيفًا. واعلم أنّ لله عملًا بالليل لا يقبله بالنهار وعملًا بالنهار لا يقبله بالليل، وأنّه لا يقبل نافلة حتّى تؤدّى الفريضة. وإن الله ﷿ ذكر أهل الجنّة بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيّئاتهم فإذا ذكرتهم قلت إنّي لخائف أن لا ألحق بهم، وإنّ الله ذكر أهل النار بأسوأ أعمالهم وردّ عليهم حسنها فإذا ذكرتهم قلت إنّي لخائف أن أكون مع هؤلاء، وإن الله ﷿ ذكر آية الرحمة مع آية العذاب ليكون المؤمن راهبًا راغبًا لا يتمنّى على الله ولا يقنط من رحمته. فإن أنت حفظت وصيّتي … إلى آخر ما ذكره في الأصل" اهـ.
[ ٦٥٢ ]
واستحبابِهِ، وقد رَخَّصَ فيهِ جماعةٌ مِن السَّلفِ وكَرِهَهُ آخرونَ، وحَكى بعضُ أصحابِنا عن أحْمَدَ في ذلكَ روايتينِ، ولا يَصِحُّ؛ فإنَّ أحْمَدَ إنَّما نَصَّ على كراهةِ تمنِّي الموتِ لضررِ الدُّنيا وعلى جوازِ تمنِّيهِ خشيةَ الفتنةِ في الدِّينِ. وربَّما أدْخَلَ بعضُهُم في هذا الاختلافِ القسمَ الذي قبلَهُ، وفي ذلكَ نظرٌ.
واسْتَدَلَّ مَن كَرِهَهُ بعمومِ النَّهيِ عنهُ، كما في حديثِ جابرٍ الذي ذَكَرْناهُ، وفي معناهُ أحاديثُ أُخرُ يَأْتي بعضُها إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
• وقد عُلِّلَ النَّهيُ عن تمنِّي الموتِ في حديثِ جابرٍ بعلَّتينِ:
• إحداهُما: أنَّ هولَ المطَّلَعِ شديدٌ، وهولُ المطَّلعِ هوَ ما يُكْشَفُ للميِّتِ عندَ حضورِ الموتِ مِن الأهوالِ التي لا عهدَ لهُ بشيءٍ منها في الدُّنيا مِن رؤيةِ الملائكةِ ورؤيةِ أعمالِهِ مِن خيرٍ أو شرِّ وما يُبَشَّرُ بهِ عندَ ذلكَ مِن الجنَّةِ والنَّارِ، هذا مع ما يَلْقاهُ مِن شدَّةِ الموتِ وكربِهِ وغصصِهِ.
وفي الحديثِ الصَّحيحِ: "إذا حُمِلَتِ الجنازةُ وكانَتْ صالحةً؛ قالَتْ: قَدِّموني قَدِّموني، وإنْ كانَتْ غيرَ ذلكَ؛ قالَتْ: يا ويلَها! أينَ تَذْهَبونَ بها؟ يَسْمَعُ صوتَها كلُّ شيءٍ إلَّا الإنسانَ، ولو سَمِعَها الإنسانُ لَصَعِقَ" (^١).
قالَ الحَسَنُ: لو عَلِمَ ابنُ ادَمَ أن لهُ في الموتِ راحةً وفرحًا؛ لَشَقَّ عليهِ أنْ يَأْتِيَهُ الموتُ؛ لِما يَعْلَمُ مِن فظاعتِهِ وشدَّتِهِ وهولهِ، فكيفَ وهوَ لا يَعْلَمُ ما لهُ في الموتِ مِن نعيمٍ دائمٍ أو عذابٍ مقيمٍ (^٢)؟!
بَكى النَّخَعِيُّ عندَ احتضارِهِ وقالَ: أنْتَظِرُ ملكَ الموتِ لا أدْري يُبَشِّرُني بالجنَّةِ أوِ النَّارِ.
فالمتمنِّي للموتِ كأنَّهُ يَسْتَعْجِلُ حلولَ البلاءِ، وإنَّما أُمِرْنا بسؤالِ العافيةِ.
وسَمعَ ابنُ عُمَرَ رجلًا يَتَمَنَّى الموتَ، فقالَ: لا تَتَمَنَّ الموتَ؛ فإنَّكَ ميِّتٌ، ولكنْ
_________________
(١) رواه البخاري (٢٣ - الجنائز، ٥٠ - حمل الرجال الجنازة، ٣/ ١٨١/ ١٣١٤) عن أبي سعيد.
(٢) وهذا والله قول ورثة الأنبياء، وبه وبما بعده يتبيّن لك بطلان دعوى من قال "ما يكره الموت إلّا مريب"، كما بيّنته (ص ٦٥٠).
[ ٦٥٣ ]
سَلِ الله العافيةَ.
قالَ إبْراهيمُ بنُ أدْهَمَ: إنَّ للموتِ كأْسًا لا يَقْوى عليها إلَّا خائفٌ وَجِلٌ مطيعٌ للهِ كانَ يَتَوَقَّعُها.
وقالَ أبو العَتاهِيَةِ:
ألا لِلْمَوْتِ كَأْسٌ أيُّ كَاسِ … وَأنْتَ لِكَأْسِهِ لا بُدَّ حاسي
إلى كَمْ وَالمَماتُ إلى قَريبٍ … تُذَكَّرُ بِالمَماتِ وأنْتَ ناسي
جَزِعَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ ﵉ عندَ موتِهِ وقالَ: إنِّي أُريدُ أنْ أُشْرِفَ على ما لمْ أُشْرِفْ عليهِ قطُّ.
وبَكَى الحَسَنُ البَصْرِيُّ عندَ موتِهِ وقالَ: نُفَيْسَةٌ ضعيفةٌ وأمرٌ مهولٌ عظيمٌ، وإنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ.
وكانَ حَبيبٌ العَجَمِيُّ عندَ موتِهِ يَبْكي ويَقولُ: إنِّي أُريدُ أنْ أُسافِرَ سفرًا ما سافَرْتُهُ قطُّ، وأسْلُكَ طريقًا ما سَلَكْتُهُ قطُّ، وأزورَ سيِّدي ومولايَ وما رَأيْتُهُ قطُّ، وأُشْرِفَ على أهوالٍ ما شاهَدْتُها قطُّ.
فهذا كلُّهُ مِن هولِ المطَّلعِ الذي قَطَعَ قلوبَ الخائفينَ، حتَّى قالَ عُمَرُ عندَ موتِهِ: لو أن لي ما في الأرضِ لافْتَدَيْتُ بهِ مِن هولِ المطَّلعِ.
ومِن هولِ المطَّلعِ: ما يُكْشَفُ للميِّتِ عندَ نزولِهِ قبرَهُ مِن فتنةِ القبرِ؛ فإنَّ الموتى يُفْتَنونَ بالمسألةِ في قبورِهِم مثلَ أو قريبًا مِن فتنةِ المسيحِ الدَّجَّالِ، وما يُكْشَفُ لهُم في قبورِهِم عن منازلِهِم مِن الجنَّةِ والنَّارِ، وما يَلْقَوْنَ مِن ضمَّةِ القبرِ وضيقِهِ وهولِهِ وعذابِهِ إنْ لمْ يُعافِ اللهُ مِن ذلكَ.
ولأبي العَتاهِيَةِ يَبْكي نفسَهُ:
لأَبْكِيَنَّ عَلى نَفْسي وَحُقَّ لِيَهْ … يا عَيْنُ لا تَبْخَلي عَنِّي بِعَبْرَتِيَهْ
يا هَوْلَ مُطَّلَعي يا ضيقَ مُضْطَجَعي … يا نَأْيَ مُنْتَجَعي يا بُعْدَ شُقَّتِيَهْ
رُئِيَ بعضُ الصَّالحينَ في المنامِ بعدَ موتِهِ، فسُئِلَ عن حالِهِ، فأنْشَدَ:
وَلَيْسَ يَعْلَمُ ما في القَبْرِ داخِلُهُ … إِلَّا الإلهُ وساكِنُ الأجْداثِ
[ ٦٥٤ ]
كانَ سُفْيانُ يُنْشِدُ:
إنَّ امْرَءًا يَصْفو لَهُ عَيْشُهُ … لَغافِلٌ عَمَّا تُجِنُّ القُبورُ
نَحْنُ بَنو الأرْضِ وَسُكَّانُها … مِنْها خُلِقْنا وَإلَيْها نَصيرُ
• والعلَّةُ الثَّانيةُ: أن المؤمنَ لا يَزيدُهُ عمرُهُ إلَّا خيرًا، فمِن سعادتِهِ أنْ يَطولَ عمرُهُ ويَرْزُقَهُ اللهُ الإنابةَ إليهِ والتَّوبةَ مِن ذنوبِهِ السَّالفةِ والاجتهادَ في العملِ الصَّالحِ، فإذا تَمَنَّى الموتَ؛ فقد تَمَنَّى انقطاعَ عملِهِ الصَّالحِ، فلا يَنْبَغي لهُ ذلكَ.
ورَوى إبْراهيمُ الحَرْبِيُّ مِن روايةِ: ابن لَهِيعَةَ، عن ابن الهادِ، عن ابنِ المُطَّلِبِ، عن أبيهِ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - قالَ: "السَّعادةُ كلُّ السَّعادةِ طولُ العمرِ في طاعةِ اللهِ ﷿" (^١).
وقد رُوِيَ هذا المعنى عن النَّبيِّ - ﷺ - مِن وجوهٍ متعدِّدةٍ:
ففي "صحيح البُخارِيِّ" (^٢): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "لا يَتَمَنَّيَنَّ أحدُكُمُ الموتَ: إمَّا محسنًا فلَعَلَّهُ أنْ يَزْدادَ خيرًا، وإمَّا مسيئًا فلَعَلَّهُ أنْ يُسْتَعْتَبَ".
وفي "صحيح مُسْلِم" (^٣): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "لا يَتَمَنَّيَنَّ أحدُكُمُ الموتَ ولا يَدْعُ بهِ مِن قبلِ أنْ يَأْتِيَهُ، إنَّهُ إذا ماتَ أحدُكُمُ انْقَطَعَ عملُهُ، وإنَّهُ لا يَزيدُ المؤمنَ عمرُهُ إلَّا خيرًا".
وفي "مسند الإمام أحْمَد": عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "لا يَتَمَنَّيَنَّ أحدُكُمُ الموتَ ولا يَدْعُ بهِ مِن قبلِ أنْ يَأْتِيَهُ؛ إلَّا أنْ يَكونَ قد وَثِقَ بعملِهِ؛ فإنَّهُ إنْ ماتَ
_________________
(١) (حسن لغيره). رواه: ابن زنجويه (١٠٩٣ - البيان والتعريف)، والحربي (٦٥٥ - لطائف المعارف)، والخطيب في "التاريخ" (٦/ ١٦)؛ من طريق ابن لهيعة، عن ابن الهاد، عن [ابن] المطّلب، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ - … فذكره. وابن لهيعة قد عرف حاله، لكن في الرواة عنه قتيبة بن سعيد، وروايته عنه جيّدة. وابن المطّلب اثنان صدوقان عبد العزيز والحكم. ورواية المطّلب عن النبيّ - ﷺ - مرسلة. وله شاهد ضعيف من حديث ابن عمر عند القضاعي في "الشهاب" (٣١٢). وشاهد من حديث جابر تقدّم أوّل المجلس. والحديث ضعّفه العراقي، وقال العجلوني: "حسن لغيره"، وهو أولى بالصواب إن شاء الله.
(٢) (٧٥ - المرضى، ١٩ - تمنّي المريض الموت، ١٠/ ١٢٧/ ٥٦٧٣).
(٣) (٤٨ - الذكر والدعاء، ٤ - تمنّي الموت، ٤/ ٢٠٦٥/ ٢٦٨٢).
[ ٦٥٥ ]
أحدُكُمُ انْقَطَعَ عنهُ عملُهُ، [و] إنَّهُ لا يَزيدُ المؤمنَ عمرُهُ إلَّا خيرًا" (^١).
وفيهِ: عن أُمِّ الفَضْلِ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - سَمِعَ العَبَّاسَ وهوَ يَشْتكي يَتَمَنَّى الموتَ، فقالَ: "لا تَتَمَنَّ الموتَ؛ فإنَّكَ إنْ كنْتَ محسنًا تَزْدادُ إحسانًا إلى إحسانِكَ، وإنْ كُنْتَ مسيئًا فأنْ تُؤَخَّرَ تَسْتَعْتِبُ مِن إساءتِكَ خيرٌ لكَ" (^٢).
وفيهِ أيضًا: عن أبي أُمَامَةَ؛ قالَ: جَلَسْنا إلى رسولِ اللهِ - ﷺ - فذَكَّرَنا ورَقَّقَنا. فبَكى سَعْدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ فأكْثَرَ البكاءَ وقالَ: يا لَيْتَني مُتُّ. فقالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "يا سَعْدُ! إنْ كُنْتَ خُلِقْتَ للجنَّةِ؛ فما طالَ مِن عمرِكَ وحَسُنَ مِن عملِكَ، فهوَ خيرٌ لكَ" (^٣).
وفي المعنى أحاديثُ أُخرُ كثيرةٌ، كلُّها تَدُلُّ على النَّهيِ عن تمنِّي الموتِ بكلِّ حالٍ وأنَّ طولَ عمرِ المؤمنِ خيرٌ لهُ؛ فإنَّهُ يَزْدادُ فيهِ خيرًا.
_________________
(١) (صحيح لشواهده دون قوله "إلّا أن يكون وثق بعمله" فإنّه ضعيف). رواه أحمد (٢/ ٣٥٠): ثنا حسن، ثنا ابن لهيعة، ثنا أبو يونس، عن أبي هريرة … رفعه. قال الهيثمي (١٠/ ٢٠٩): "فيه ابن لهيعة، وهو مدلّس وفيه ضعف وقد وثّق، وبقية رجاله رجال الصحيح". قلت: إعلاله بتدليس ابن لهيعة غير متّجه؛ فقد صرّح بالتحديث، إنّما العلّة في اختلاط ابن لهيعة ورواية حسن عنه بعد اختلاطه. ولقوله "إلّا أن يكون وثق بعمله" شاهد عند الطبراني في "الكبير" (١٠/ ٢٠٩ - مجمع)، لكنّه واه، قال الهيثمي: "فيه جماعة لم أعرفهم". ولباقي الحديث شواهد كثيرة منها ما تقدّم وما يأتي، فهو بها صحيح.
(٢) (صحيح لشواهده). رواه: ابن سعد (٤/ ٢٣)، وأحمد (٦/ ٣٣٩)، والحارث (١٠٨٢ و١٠٨٣ - زوائد الهيثمي)، وأبو يعلى (٧٠٧٦)، والطبراني (٢٥/ ٢٨/ ٤٤)، والحاكم (١/ ٣٣٩)؛ من طرق، عن يزيد بن الهاد، عن هند بنت الحارث، عن أُمّ الفضل … رفعته. قال الحاكم: "على شرط الشيخين"، ووافقه المنذري والذهبي! وقال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٢٠٥): "رجال الصحيح، غير هند بنت الحارث، فإن كانت هي القرشيّة أو الفارسيّة فقد احتجّ بها في الصحيح، وإن كانت الخثعميّة فلم أعرفها". قلت: هي الخثعميّة، مجهولة، لم يوثّقها إلّا ابن حبّان ولم يرو عنها إلّا يزيد، والسند ضعيف من أجلها، وإنّما صحّحه الحاكم والمنذري والذهبي لظنّهم أنّها القرشيّة. لكنّ القسم المرفوع من هذا الحديث صحيح بما قبله وبعده.
(٣) (ضعيف جدًّا). رواه: أحمد (٥/ ٢٦٦)، والعقيلي (٣/ ٤٧٦)، والطبراني (٨/ ٢١٧/ ١٨٧٠)، وابن عساكر في "التاريخ" (٢٠/ ٣٣٧)، وابن الجوزي في "الواهيات" (١٣٦٩)؛ من طريق عليّ بن يزيد الألهاني، عن القاسم، عن أبي أُمامة … رفعه. عدّه العقيلي والذهبي في منكرات القاسم. وقال ابن الجوزي: "لا يصحّ عن رسول الله - ﷺ - ولا يعرف إلّا بالقاسم". قلت: نعم؛ للقاسم مناكير، لكن الأولى هنا ما قاله الهيثمي (١٠/ ٢٠٦): "فيه عليّ بن يزيد الألهاني وهو ضعيف". قلت: جدًّا في حدّ الترك. وقال العسقلاني: "سند ليّن".
[ ٦٥٦ ]
وهذا، قد قيلَ: إنَّهُ يَدْخُلُ فيهِ تمنِّيه للشَّوقِ إلى لقاءِ اللهِ، وفيهِ نظرٌ؛ فإنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قد تَمَنَّاهُ في تلكَ الحالِ (^١).
• واخْتَلَفَ السَّالكونَ: أيُّما أفضلُ؛ مَن تَمَنَّى الموتَ شوقًا إلى لقاءِ اللهِ، أو مَن تَمَنَّى الحياةَ رغبةً في طاعةِ اللهِ، أو مَن فَوَّضَ الأمرَ إلى اللهِ ورَضِيَ باختيارِهِ لهُ ولم يَخْتَرْ لنفسِهِ شيئًا؟
واسْتَدَلَّ طائفةٌ مِن الصَّحابةِ على تفضيلِ الموتِ على الحياةِ بقولِ اللهِ ﷿: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] (^٢).
ولكنَّ الأحاديثَ الصَّحيحةَ تَدُلُّ على أنَّ عمرَ المؤمنِ كلَّما طالَ ازْدادَ بذلكَ ما لَهُ عندَ اللهِ مِن الخيرِ، فلا يَنْبَغي لهُ أنْ يَتَمَنَّى انقطاعَ ذلكَ، اللهمَّ! إلَّا أنْ يَخْشى الفتنةَ على دينِهِ؛ فإنَّهُ إذا خَشِيَ الفتنةَ على دينِهِ؛ فقد خَشِيَ أنْ يَفوتَهُ ما عندَ اللهِ مِن الخيرِ ويَتَبَدَّلَ ذلكَ بالشَّرِّ، عياذًا باللهِ مِن ذلكَ، والموتُ خيرٌ مِن الحياةِ على هذهِ الحالِ.
قالَ مَيْمونُ بنُ مِهْرانَ: لا خيرَ في الحياةِ إلَّا لتائبٍ أو رجلٍ يَعْمَلُ في الدَّرجاتِ. يَعْني: أن التَّائبَ يَمْحو بالتَّوبةِ ما سَلَفَ مِن السَّيِّئاتِ، والعاملُ يَجْتَهِدُ في علوِّ الدَّرجاتِ، ومَن عداهُما فهوَ خاسرٌ.
كما قالَ تَعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]. فأقْسَمَ اللهُ تَعالى أن كلَّ الإنسانِ خاسرٌ إلَّا مَنِ اتَّصَفَ بهذهِ الأوصافِ الأربعةِ: الإيمانِ، والعملِ الصَّالحِ، والتَّواصي بالحقِّ، والتَّواصي بالصَّبرِ على الحقِّ. فهذهِ السُّورةُ ميزانٌ [لـ]ـلأعمالِ، يَزِنُ المؤمنُ بها نفسَهُ فيَتَبَيَّنُ لهُ بها ربحُهُ مِن خسرانِهِ، ولهذا قالَ الشَّافِعِيُّ: لو فَكَّرَ النَّاسُ
_________________
(١) أين تمنّي الموت في قوله - ﷺ -: "أسألك لذّة النظر إلى وجهك وشوقًا إلى لقائك"؟! وإن قال الرجل: اللهمّ! أسألك الجنّة؛ فهل يعدّ هذا تمنّيًا للموت؟! كيف وقد قال - ﷺ - في الدعاء نفسه: "اللهمّ! أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي"؟!
(٢) لا ريب أنّ ما عند الله خير للعبد المؤمن ممّا له في الدنيا مهما عظم، وقد قال - ﷺ -: "ما من نفس مسلمة، لها عند الله خير، يقبضها ربّها، ثمّ تحبّ أن ترجع إليكم"، لكنّ هذا شيء وتمنّي الموت شيء آخر. فتنبّه ولا تخلط بين الأمرين.
[ ٦٥٧ ]
كلُّهُم فيها؛ لكَفَتْهُم.
رَأى بعضُ المتقدِّمينَ النَّبيَّ - ﷺ - في منامِهِ. فقالَ لهُ: أوْصِني. فقالَ لهُ: مَنِ اسْتَوى يوماهُ فهوَ مغبونٌ، ومَن كانَ يومُهُ شرًّا مِن أمسِهِ فهوَ ملعونٌ، ومَن لمْ يَتَفَقَّدِ الزِّيادةَ في عملِهِ فهوَ في نقصانٍ، ومَن كانَ في نقصانٍ فالموتُ خيرٌ لهُ (^١).
قالَ بعضُهُم: كانَ الصِّدِّيقونَ يَسْتَحْيونَ مِن اللهِ أنْ يَكونوا اليومَ على مثلِ حالِهِمِ بالأمسِ. يُشيرُ إلى أنَّهُم كانوا لا يَرْضَوْنَ كلَّ يومٍ إلَّا بالزِّيادةِ مِن عملِ الخيرِ، ويَسْتَحْيون مِن فقدِ ذلكَ ويَعُدُّونَهُ خسرانًا (^٢)، [كما قيلَ]:
ألَيْسَ مِنَ الخُسْرانِ أنَّ لَيالِيًا … تَمُرُّ بِلا نَفْعٍ وَتُحْسَبُ مِنْ عُمْري
• فالمؤمنُ القائمُ بشروطِ الإيمانِ لا يَزْدادُ بطولِ عمرِهِ إلَّا خيرًا، ومَن كانَ كذلكَ فالحياةُ خيرٌ لهُ مِن الموتِ.
وفي دعاءِ النَّبيِّ - ﷺ -: "اللهمَّ! اجْعَلِ الحياةَ زيادةً لي في كلِّ خيرٍ، والموتَ راحةً لي مِن كلِّ شرٍّ". خَرَّجَهُ مسلمٌ (^٣).
وفي "التِّرْمِذِيِّ" عنهُ - ﷺ -؛ أنَّهُ سُئِلَ: أيُّ النَّاسِ خيرٌ؟ قالَ: "مَن طالَ عمرُهُ وحَسُنَ عملُهُ". قيلَ: فأيُّ النَّاسِ شرٌّ؟ قالَ: "مَن طالَ عمرُهُ وساءَ عملُهُ" (^٤).
وفي "المسند" وغيرِهِ: أن نفرًا ثلاثةً قَدِموا على النَّبيِّ - ﷺ -، فأسْلَموا، فكانوا عندَ
_________________
(١) هذا المتقدّم هو واحد من مشايخ القوم على الأغلب! وكلامه هذا منكر جدًّا من منكرات كلامهم! ثمّ إنّه تجرّأ ونسبه للنبيّ - ﷺ - وهمًا أو بهتانًا! وإذا كان العبد على عمل صالح، ثمّ داوم عليه اتّباعًا لسنّة النبيّ - ﷺ - في المداومة على الصالحات، ثمّ لم يزد على ذلك في اليوم التالي اتّباعًا لسنّته - ﷺ - في عدم الغلوّ ومشادّة الدين وخشية الانقطاع؛ فأيّ غبن في هذا؟! هذا الغبن المزعوم كان حال الصحابة ﵃ وأرضاهم! وإذا أقبل العبد على ربّه مدّة واسترسل في النوافل، ثمّ مرّت به أيّام أدبر فيها قلبه فارتدّ إلى الفرائض ولم يقصّر فيها؛ فهل يستحقّ اللعنة؟! أما قال النبيّ - ﷺ -: "ولكن ساعة وساعة"؟! وقوله: "ومن كان في نقصان فالموت خير له" معارضة صريحة لنهيه - ﷺ - المسيء عن تمنّي الموت لعلّه يستعتب؛ أي: يتوب ويستغفر! فهذه عيّنة من عبارات القوم ووصاياهم، يظنّها المرء للوهلة الأولى من أحسن الكلام وأطيبه، فإذا تفكّر فيها ووزنها بميزان العلم الذي لا يخيب حامله؛ ظهر له ما فيها من الهجنة والنكارة.
(٢) وألحق هذا بالذي قبله. والله المستعان.
(٣) (٤٨ - الذكر والدعاء، ١٨ - التعوّذ من شرّ ما عمل، ٤/ ٢٠٨٧/ ٢٧٢٠) من حديث أبي هريرة.
(٤) (صحيح بشواهده). تقدّم تفصيل القول في هذا (ص ٢٢٢).
[ ٦٥٨ ]
طَلْحَةَ. فبَعَثَ النَّبيُّ - ﷺ - بعثًا، فخَرَجَ فيهِ أحدُهُم فاسْتُشْهِدَ. ثمَّ بَعَثَ بعثًا آخرَ، فخَرَجَ آخرُ منهُم فاسْتُشْهِدَ. ثمَّ ماتَ الثَّالثُ على فراشِهِ. قالَ طَلْحَةُ: فرَأيْتُهُم في الجنَّةِ، ورَأيْتُ الميِّتَ على فراشِهِ أمامَهُم، ورَأيْتُ الذي اسْتُشْهِدَ آخرًا يَليهِ، ورَأيْتُ الذي اسْتُشْهِدَ أوَّلَهُم آخرَهُم. فأتَيْتُ النَّبيَّ - ﷺ -، فذَكَرْتُ ذلكَ لهُ، فقالَ: "وما أنْكَرْتَ مِن ذلكَ؟ ليس أفضلَ عندَ اللهِ ﷿ مِن مؤمنٍ يُعَمَّرُ في الإسلامِ لتسبيحِهِ وتكبيرِهِ وتهليلِهِ" (^١). وفي روايةٍ؛ قالَ: "ألَيْسَ قد مَكَثَ هذا بعدَهُ سنةً؟ ". قالوا: بلى. قالَ: "وأدْرَكَ رمضانَ فصامَهُ؟ ". قالوا: بلى. قالَ: "وصَلَّى كذا وكذا سجدةً في السَّنةِ؟ ". قالوا: بلى. قالَ: "فلَما بينَهُما أبعدُ ممَّا بينَ السَّماءِ والأرضِ" (^٢).
قيلَ لبعضِ السَّلفِ: طابَ الموتُ. قالَ: لا تَفْعَلْ، لساعةٌ تَعيشُ فيها تَسْتَغْفِرُ الله ﷿ خيرٌ لكَ مِن موتِ الدَّهرِ.
وقيلَ لشيخٍ كبيرٍ منهُم: تُحِبُّ الموتَ؟ قالَ: لا. قيلَ: ولمَ؟ قالَ: ذَهَبَ الشَّبابُ وشرُّهُ، وجاءَ الكبرُ وخيرُهُ، فإذا قُمْتُ قُلْتُ: بسمِ اللهِ، وإذا قَعَدْتُ قُلْتُ: الحمدُ للهِ، فأنا أُحِبُّ أنْ يَبْقى لي هذا.
وقيلَ لشيخٍ آخرَ منهُم: ما بَقِيَ ممَّا تُحِبُّ لهُ الحياةَ؟ قالَ: البكاءُ على الذُّنوبِ.
ولهذا كانَ السَّلفُ الصَّالحونَ يَتَأسَّفونَ عندَ موتِهِم على انقطاعِ أعمالِهِم عنهُم بالموتِ.
وبَكى مُعاذٌ عندَ موتِهِ وقالَ: إنَّما أبْكي على ظَمَأ الهواجرِ وقيامِ ليلِ الشِّتاءِ ومزاحمةِ العلماءِ بالرُّكبِ عندَ حلقِ الذِّكرِ.
وبَكى عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الأسْوَدِ عندَ موتِهِ وقالَ: وا أسفاهُ على الصَّومِ والصَّلاةِ! ولم يَزَلْ يَتْلو القرآنَ حتَّى ماتَ.
وبَكى يَزيدُ الرِّقاشِيُّ عندَ موتِهِ وقالَ: أبْكي على ما يَفوتُني مِن قيامِ الليلِ وصيامِ النَّهارِ. ثمَّ بَكى وقالَ: مَن يُصَلِّي لكَ يا يَزيدُ بعدَكَ؟ ومَن يَصومُ؟ ومَن يَتَقَرَّبُ لكَ
_________________
(١) (صحيح). تقدّم تفصيل القول في هذا (ص ٣٤٩).
(٢) (صحيح). تقدّم تفصيل القول في هذا (ص ٣٤٩).
[ ٦٥٩ ]
بالأعمالِ الصَّالحةِ؟ ومَن يَتوبُ لكَ مِن الذُّنوبِ السَّالفةِ؟
وجَزِعَ بعضُهُم عندَ موتِهِ وقالَ: إنَّما أبْكي على أنْ يَصومَ الصَّائمونَ للهِ ولَسْتُ فيهِم ويُصَلِّيَ المصلُّونَ ولَسْتُ فيهِم ويَذْكُرَ الذَّاكرونَ ولَسْتُ فيهِم، فذلكَ الذي أبْكاني.
تَحَمَّلَ أصْحابي وَلَمْ يَجِدوا وَجْدي … وَلِلنَّاسِ أشْجانٌ وَلي شَجَنٌ وَحْدي
أُحِبُّكُمُ ما دُمْتُ حَيًّا فَإنْ أمُتْ … فَوا أَسَفا مِمَّنْ يُحِبُّكُمُ بَعْدي
في "التِّرْمِذِيِّ": عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: "ما مِن ميِّتٍ ماتَ إلَّا نَدِمَ: إنْ كانَ محسنًا نَدِمَ أنْ لا يَكونَ ازْدادَ، وإنْ كانَ مسيئًا نَدِمَ أنْ لا يَكونَ اسْتَعْتَبَ" (^١).
إذا كانَ المحسنُ يَنْدَمُ على تركِ الزِّيادةِ؛ فكيفَ يَكونُ حالُ المسيءِ؟!
رَأى بعضُ المتقدِّمينَ في المنامِ قائلًا يَقولُ لهُ: قُلْ:
يا خَدُّ إنَّكَ إنْ تُوَسَّدْ لَيِّنا … وُسِّدْتَ بَعْدَ المَوْتِ صُمَّ الجَنْدَلِ
فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ في حَياتِكَ صالِحًا … فَلَتَنْدَمَنَّ غَدًا إذا لَمْ تَفْعَلِ
ورَأى آخرُ في المنامِ قائلًا يَقولُ لهُ:
إنْ كُنْتَ لا تَرْتابُ أنَّكَ مَيِّتٌ … وَلَسْتَ لِبَعْدِ المَوْتِ ما أنْتَ تَعْمَلُ
فَعُمْرُكَ ما يُغْني وَأنْتَ مُفَرِّطٌ … وَإسْمُكَ في المَوْتى مُعَدٌّ مُحَصَّلُ
رُئِيَ بعضُ الموتى في المنامِ، فقالَ: ما عندَنا أكثرُ مِن النَّدامةِ، وما عندَكُم أكثرُ مِن الغفلةِ.
وُجِدَ على قبرٍ مكتوبٌ:
نَدِمْتُ عَلى ما كانَ منِّي نَدامَةً … وَمَنْ يَتَّبِعْ ما تَشْتَهي (^٢) النَّفْسُ يَنْدَمُ
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). رواه: ابن المبارك في "الزهد" (٣٣)، والترمذي (٣٧ - الزهد، ٥٨ - باب، ٤/ ٦٠٣/ ٢٤٠٣)، وابن عدي (٧/ ٢٦٦٠)، وأبو نعيم (٨/ ١٧٨)، والبيهقي في "الزهد" (٧١٠)، والذهبي في "الميزان" (٤/ ٣٩٥)؛ من طريق يحيى بن عبيد الله بن موهب، سمعت أبي، سمعت أبا هريرة … رفعه. قال الترمذي: "يحيى بن عبيد الله قد تكلّم فيه شعبة". وقال أبو نعيم: "غريب من حديث يحيى". ورمز السيوطي له بالصحّة وردّه المناوي بقوله: "ضعّفه المنذري، وقال الذهبي: يحيى ضعّفوه، ووالده قال أحمد: له مناكير". وقال الألباني: "ضعيف". قلت: يحيى متروك، وأبوه مجهول، والسند واه.
(٢) في خ: "ما تطلب"، وما أثبتّه من م ون وط أقوى.
[ ٦٦٠ ]
ألَمْ تَعْلَموا أنَّ الحِسابَ أمامَكُمْ … وَأنَّ وَراكُمْ طالِبًا لَيْسَ يَسْأمُ
فَخافُوا لِكَيْما تَأْمَنوا بَعْدَ مَوْتِكُمْ … سَتَلْقَوْنَ ربًّا عادِلًا لَيْسَ يَظْلِمُ
فَلَيْسَ لِمَغْرورٍ بِدُنْياهُ راحَةٌ … سَيَنْدَمُ إنْ زَلَّتْ بهِ النَّعْلُ فَاعْلَموا
الموتى في قبورِهِم يَتَحَسَّرونَ على زيادةٍ في أعمالِهِم بتسبيحةٍ أو بركعةٍ، ومنهُم مَن يَسْألُ الرَّجعةَ إلى الدُّنيا لذلكَ فلا يَقْدِرونَ على ذلكَ قد حيلَ بينَهُم وبينَ العملِ وغَلِقَتْ منهُمُ الرُّهونُ.
ورُئِيَ بعضُهُم في المنامِ فقالَ: قَدِمْنا على أمرٍ عظيمٍ، نَعْلَمُ ولا نَعْمَلُ، وأنتُم تَعْمَلونَ ولا تَعْلَمونَ! واللهِ؛ لتسبيحةٌ أو تسبيحتانِ أو ركعةٌ أو ركعتانِ في صحيفةِ أحدِنا أحبُّ إليهِ مِن الدُّنيا وما فيها.
قالَ بعضُ السَّلفِ: كلُّ يومٍ يَعيشُ فيهِ المؤمنُ غنيمةٌ.
وقالَ بعضُهُم: بقيَّةُ عمرِ المؤمنِ لا قيمةَ لهُ. يَعْني: أنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يَمْحُوَ فيهِ ما سَلَفَ مهنهُ مِن الذُّنوبِ بالتَّوبةِ، وأنْ يَجْتَهِدَ فيهِ في بلوغِ الدَّرجاتِ العاليةِ بالعملِ الصَّالحِ. فأمَّا مَن فَرَّطَ في بقيَّةِ عمرِهِ؛ فإنَّهُ خاسرٌ، فإنِ ازْدادَ فيهِ مِن الذُّنوبِ؛ فذلكَ هوَ الخسرانُ المبينُ.
الأعمالُ بالخواتيمِ: مَن أصْلَحَ فيما بَقِيَ غُفِرَ لهُ ما مَضى، ومَن أساءَ فيما بَقِيَ أُخِذَ بما بَقِيَ وما مَضى (^١).
يا بائِعَ عُمْرِهِ مُطيعًا أمَلَهْ … في مَعْصِيَةِ اللهِ كَفِعْلِ الجَهَلَهْ
إنْ ساوَمَكَ الجَهْلُ بِباقيهِ فَقُلْ … باقي عُمُرِ المُؤْمِنِ لا قيمَةَ لَهْ
• ما مَضى مِن العمرِ وإنْ طالَتْ أوقاتُه فقد ذَهَبَتْ لذَّاتُهُ وبَقِيَتْ تبعاتُه، وكأنَّهُ لم يَكُنْ إذا جاءَ الموتُ وميقاتُه.
قالَ اللهُ تَعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧].
_________________
(١) في خ: "أخذ بما أخذ وما مضى"، وهذا سبق قلم صوابه ما أثبتّه من م ون وط.
[ ٦٦١ ]
تلا بعضُ السَّلفِ هذهِ الآيةَ وبَكى وقالَ: إذا جاءَ الموتُ؛ لمْ يُغْنِ عن المرءِ ما كانَ فيهِ مِن اللذَّةِ والنَّعيمِ.
وفي هذا المعنى ما أنْشَدَهُ أبو العَتَاهِيَةِ للرَّشيدِ حينَ بَنى قصرَهُ واسْتَدْعى إليهِ ندماءَهُ.
عِشْ ما بَدا لَكَ سالِمًا … في ظِلِّ شاهِقَةِ القُصورِ
يُسْعى عَلَيْكَ بِما اشْتَهَيْـ … ـتَ لَدى الرَّواحِ وفي البُكورِ
فَإذا النُّفوسُ تَقَعْقَعَتْ … في ضيقِ حَشْرَجَةِ الصُّدورِ
فَهُناكَ تَعْلَمُ موقِنًا … ما كُنْتَ إلَّا في غُرورِ
في "صحيح البُخارِي" (^١): عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "أعْذَرَ اللهُ إلى مَن بَلَّغَـ[ـهُ] ستِّينَ مِن عمرِهِ".
وفي "التِّرْمِذِيِّ": "أعمارُ أُمَّتي ما بينَ السِّتِّينَ إلى السَّبعينَ، وأقلُّهُم مَن يَجوزُ ذلكَ" (^٢). وفي روايةٍ: "حصادُ أُمَّتي" (^٣).
مَن بَلَغَ الخمسينَ؛ فقد تنصَّفَ المئةَ، فماذا يَنْتَظِرُ؟!
لَهْفي عَلى خَمْسينَ عامًا [قَدْ] مَضَتْ … كانَتْ أمامي ثُمَّ خَلَّفْتُها
لَوْ كانَ عُمْري مئةً هَدَّني … تَذَكُّري أنِّي تَنَصَّفْتُها
في بعضِ الكتبِ السَّالفةِ: إنَّ للهِ مناديًا يُنادي كلَّ يومٍ: أبناءَ الخمسينَ! زرعٌ دَنا حصادُهُ. أبناءَ السِّتِّينَ! هَلُمُّوا إلى الحسابِ. أبناءَ السَّبعينَ! ماذا قَدَّمْتُمْ وماذا أخَّرْتم؟ أبناءَ الثَّمانينَ! لا عذرَ لكُم.
لَيْتَ الخلقَ لم يُخْلَقوا! ولَيْتَهُم إذ خُلِقوا عَلِموا لماذا خُلِقوا وتَجالَسوا بينَهُم فتذاكَروا ما عَمِلوا! ألا أتَتْكُمُ السَّاعةُ فخُذوا حذرَكُم.
وقالَ وهبٌ (^٤): إنَّ للهِ مناديًا يُنادي في السَّماءِ الرَّابعةِ كلَّ صباحٍ: أبناءَ الأربعين!
_________________
(١) (٨١ - الرقاق، ٥ - من بلغ الستّين، ١١/ ٢٣٨/ ٦٤١٩) من حديث أبي هريرة.
(٢) (صحيح). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٢٤٨).
(٣) (صحيح). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٢٤٩).
(٤) رواه أبو نعيم في "الحلية" (٨/ ١٥٨) من حديث وهيب بن الورد عن وهب بن منبّه، فنسبته صحيحة إلى الاثنين.
[ ٦٦٢ ]
زرعٌ دَنا حصادُهُ، أبناءَ الخمسينَ! ماذا قَدَّمْتُمْ وماذا أخَّرْتُم؟ أبناءَ السِّتِّينَ! لا عذرَ لكُم.
وفي حديثٍ: "إنَّ الله تَعالى يَقولُ للحفظةِ: ارْفُقوا بالعبدِ ما دامَ في حداثةٍ، فإذا بَلَغَ الأربعينَ؛ حَقِّقا وتَحَفَّظا" (^١). فكانَ بعضُ رواتِهِ يَبْكي عندَ روايتِهِ ويَقولُ: حينَ كَبِرَتِ السِّنُّ ورَقَّ العظمُ وَقَعَ التَّحفُّظُ.
قالَ مَسْروقٌ: إذا أتَتْكَ الأربعونَ؛ فخُذْ حذرَكَ.
وقالَ النَّخَعِيُّ: كانَ يُقالُ لصاحبِ الأربعينَ: احْتَفِظْ بنفسِكَ.
وكانَ كثيرٌ مِن السَّلفِ إذا بَلَغَ الأربعينَ تَفَرَّغَ للعبادةِ.
وقالَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ: تَمَّتْ حجَّةُ اللهِ على ابن الأربعينَ. فماتَ لها.
ورَأى في منامِهِ قائلًا يَقولُ لهُ:
إذا [ما] أتَتْكَ الأرْبَعونَ فَعِنْدَها … فَاخْشَ الإلهَ وَكُنْ لِلْمَوْتِ حَذَّارا (^٢)
يا أبناءَ العشرينَ! كم ماتَ مِن أقرانِكُم وتَخَلَّفْتُم. يا أبناءَ الثَّلاثينَ! أُصِبْتُمْ بالشَّبابِ على قربٍ مِن العهدِ فما تأسَّفْتُم. يا أبناءَ الأربعينَ! ذَهَبَ الصِّبا وأنتُم على اللهوِ قد عَكَفْتُم. يا أبناءَ الخمسينَ! [قد] تنصَّفْتُمُ المئةَ وما أنْصَفْتُم. يا أبناءَ السِّتِّينَ! أنتُم على معتركِ المنايا قد أشْرَفْتُم، أتَلْهُونَ وتَلْعَبونَ؟! لقد أسْرَفْتُم!
وَإذا تَكامَلَ لِلْفَتى مِنْ عُمْرِهِ … خَمْسونَ وَهْوَ إلى التُّقى لا يَجْنَحُ
عَكَفَتْ عَلَيْهِ المُخْزِياتُ فَما لَهُ … مُتَأخَّرٌ عَنْها ولا مُتَزَحْزَحُ
وَإذا رَأى الشَّيْطانُ غُرَّةَ وَجْهِهِ … حَيَّا وقالَ فَدَيْتُ مَنْ لا يُفْلِحُ
قالَ الفُضَيْلُ لرجلٍ: كم أتى عليكَ؟ قالَ: ستُّونَ سنةً. قالَ لهُ: [أنتَ] منذُ ستِّينَ سنةً تَسيرُ إلى ربِّكَ يوشِكُ أنْ تَصِلَ.
وَإنَّ امْرَأً قَدْ سارَ سِتِّينَ حِجَّةً … إلى مَنْهَلٍ مِنْ وِرْدِهِ لَقَريبُ
• يا مَن يَفْرَحُ بكثرةِ مرورِ السِّنينَ عليهِ! إنَّما تَفْرَحُ بنقصِ عمرِكَ.
_________________
(١) (لم أقف عليه).
(٢) الشطر الأوّل من البحر الطويل والشطر الثاني من البسيط!
[ ٦٦٣ ]
قالَ أبو الدَّرْداءِ والحَسَنُ (^١): إنَّما أنتَ أيَّامٌ، كلَّما مَضى منكَ يومٌ؛ مَضى بعضُكَ.
[وأنْشَدَ بعضُهُم]:
إنَّا لَنَفْرَحُ بِالأيَّامِ نَقْطَعُها … وَكُلُّ يَوْمٍ مَضى يُدْني مِنَ الأجَلِ
فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ المَوْتِ مُجْتَهِدًا … فَإنَّما الرِّبْحُ وَالخُسْرانُ في العَمَلِ
قالَ بعضُ الحكماءِ: كيفَ يَفْرَحُ بالدُّنيا مَن يومُهُ يَهْدِمُ شهرَهُ، وشهرُهُ يَهْدِمُ سنتَهُ، وسنتُهُ تَهْدِمُ عمرَهُ؟! كيفَ يَفْرَحُ مَن يَقودُهُ عمرُهُ إلى أجلِهِ وحياتُهُ إلى موتِهِ؟!
تَزيدُ سُرورًا (^٢) بِالهِلالِ إذا بَدا … وَما هُوَ إلَّا السَّيْفُ لِلْحَتْفِ يُنْتَضَى
إذا قيلَ تَمَّ العامُ فَهْوَ كِنايَةٌ … وَتَرْجَمَةٌ عَنْ شَطْرِ عُمْرٍ قَدِ انْقَضى
قالَ الحَسَنُ: الموتُ معقودٌ بنواصيكُم، والدُّنيا تُطْوى مِن ورائِكُم.
نَسيرُ إلى الآجالِ في كُلِّ لَحْظَةٍ … وَأعْمارُنا تُطْوى وَهُنَّ مَراحِلُ
تَرَحَّلْ مِن الدُّنْيا بِزادٍ مِنَ التُّقى … فَعُمْرُكَ أيَّامٌ وَهُنَّ قَلائِلُ
قالَ بعضُ الحكماءِ: مَن كانَتِ الليالي والأيَّامُ مطاياهُ؛ سارَتْ بهِ وإنْ لمْ يَسِرْ.
وما هذهِ الأيَّامُ إلَّا مَراحِلٌ … يَحُثُّ بِها حادٍ إلى المَوْتِ قاصِدُ
وَأعْجَبُ شَيْءٍ لَوْ تَأمَّلْتَ أنَّها … مَنازِلُ تُطْوى وَالمُسافِرُ قاعِدُ
قالَ بعضُ الحكماءِ: قدِ اعْتَوَرَكَ الليلُ والنَّهارُ، فالليلُ يَدْفَعُكَ إلى النَّهارِ والنَّهارُ يَدْفَعُكَ إلى الليلِ، حتَّى يَأْتِيَكَ الموتُ.
أيا وَيْحَ نَفْسي مِنْ نَهارٍ يَقودُها … إلى عَسْكَرِ المَوْتى وَلَيْلٍ يَذودُها
• يا مَن كلَّما طالَ عمرُهُ زادَ ذنبُه! يا مَن كلَّما أبْيَضَّ شعرُهُ بمرورِ الأيَّامِ اسْوَدَّ بالآثامِ قلبُه!
شَيْخٌ كَبيرٌ لَهُ ذُنوبُ … تَعْجِزُ عَنْ حَمْلِها المَطايا
قَدْ بَيَّضَتْ شَعْرَهُ الليالي … وَسَوَّدَتْ قَلْبَهُ الخَطايا
يا مَن تَمُرُّ عليهِ سنةٌ بعدَ سنة وهوَ مستثقلٌ في نومِ الغفلةِ والسِّنة! يا مَن يَأْتي عليهِ
_________________
(١) كذا في خ ون وط، وفي م: "قال الحسن عن أبي الدرداء".
(٢) في خ: "تجدد سرورًا"! وفي ن: "نجد سرورًا"! والصواب ما أثبتّه من م.
[ ٦٦٤ ]
عامٌ بعدَ عام وقد غَرِقَ في بحرِ الخطايا فهامَ (^١)! يا مَن يُشاهِدُ الآياتِ والعبرَ كلَّما توالَتْ عليهِ الأعوامُ والشُّهور، ويَسْمَعُ الآياتِ والسُّورَ ولا يَنْتَفِعُ بما يَسْمَعُ ولا بما يَرى مِن عظائمِ الأُمور! ما الحيلةُ فيمَن سَبَقَ عليهِ الشَّقاءُ في الكتابِ المسطور؟! ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]! ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠].
خَليلَيَّ كَمْ مِنْ مَيِّتٍ قَدْ حَضَرْتُهُ … وَلكِنَّني لَمْ أنْتَفِعْ بِحُضوري
وَكَمْ مِنْ لَيالي قَدْ أرَتْني عَجائِبًا … لَهُن وَأيَّامٍ خَلَتْ وَشُهورِ
وَكَمْ مِنْ سِنينٍ قَدْ طَوَتْني كَثيرَةٍ … وَكَمْ مِنْ أُمورٍ قَدْ جَرَتْ وَأُمورِ
وَمَنْ لَمْ يَزِدْهُ السِّنُّ ما عاشَ عِبْرَةً … فَذاكَ الَّذي لا يَسْتَنيرُ بِنورِ
* * * * *
_________________
(١) في خ ون: "فعام"، وله وجه، والأولى ما أثبتّه من م وط.
[ ٦٦٥ ]