في الصَّحيحينِ (^٢) مِن حديثِ: أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "مَن صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا؛ غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذنبِهِ، ومَن قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا؛ غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذنبِهِ".
وفيهِما (^٣) أيضًا مِن حديثِ: أبي هُرَيْرَةَ أيضًا، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "مَن قامَ
_________________
(١) في خ وم: "فاعف عنه"! ولا يستقيم الوزن إلّا بحذف "عنه".
(٢) البخاري (٣٠ - الصوم، ٦ - من صام رمضان، ٤/ ١١٥/ ١٩٠١)، ومسلم (٦ - المسافرين، ٢٥ - الترغيب في قيام رمضان، ١/ ٥٢٣/ ٧٦٠).
(٣) البخاري (٣١ - التراويح، ١ - من قام رمضان، ٤/ ٢٥٠/ ٢٠٠٨ و٢٠٠٩)، ومسلم (٦ - المسافرين، ٢٥ - الترغيب في قيام رمضان، ١/ ٥٢٣/ ٧٥٩).
[ ٤٦٨ ]
رمضانَ إيمانًا واحتسابًا؛ غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذنبِهِ".
ولِلنَّسائِيِّ في روايةٍ: "مَن صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا؛ غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذنبِهِ وما تَأخَّرَ" (^١).
وقد سَبَقَ في قيامِ ليلةِ القدرِ مثلُ ذلكَ مِن روايةِ عُبادَةَ بن الصَّامتِ (^٢).
• والتَّكفيرُ بصيامِهِ [قد] وَرَدَ مشروطًا بالتَّحفُّظِ ممَّا يَنْبَغي أنْ يُتَحَفَّظَ منهُ.
_________________
(١) (شاذّ بهذا التمام). رواه النسائي في "الكبرى" (٢٥١٢): أنبأ قتيبة بن سعيد ومحمّد بن عبد الله بن يزيد قالا: ثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة … رفعه. بمثل رواية الشيخين ثمَّ قال: "في حديث قتيبة: وما تأخّر". وهذا سند رجاله ثقات رجال الشيخين لكنّ له عللًا: أولاها: أن قتيبة نفسه لم يستقرّ على هذه الزيادة. فرواه النسائي (٢٥١٣): أنبأ قتيبة، ثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة … رفعه دون ذكر "وما تأخّر". والثانية: أنّ جمهور أصحاب سفيان رووا هذا الحديث عنه ولم يذكروا فيه هذه الزيادة. والثالثة: أن جمهور أصحاب الزهري رووا هذا الحديث عنه ولم يذكروا هذه الزيادة. ولذلك جزم ابن عبد البرّ في "التمهيد" (٧/ ١٠٥) بشذوذها. تنبيه: قال العسقلاني في "الفتح" (٤/ ١١٥): "زاد أحمد من طريق حمّاد بن سلمة عن محمّد بن عمرو عن أبي سلمة "وما تأخّر"، وقد رواه أحمد أيضًا عن يزيد بن هارون عن محمّد بن عمرو بدون هذه الزيادة، ومن طريق يحيى بن سعيد عن أبي سلمة بدونها. ووقعت هذه الزيادة أيضًا في رواية الزهري عن أبي سلمة أخرجها النسائي عن قتيبة عن سفيان عنه، وتابعه حامد بن يحيى عن سفيان أخرجه ابن عبد البرّ في "التمهيد" واستنكره، وليس بمنكر فقد تابعه قتيبة كما ترى، وهشام بن عمّار وهو في "الجزء الثاني عشر من فوائده"، والحسين بن الحسن المروزي أخرجه في "كتاب الصيام" له، ويوسف بن يعقوب النجاحي أخرجه أبو بكر بن المقرئ في "فوائده"؛ كلّهم عن سفيان، والمشهور عن الزهري بدونها. وقد وقعت هذه الزيادة أيضًا في حديث عبادة بن الصامت عند الإمام أحمد من وجهين وإسناده حسن. وقد استوعبت الكلام على طرقه في كتاب "الخصال المكفّرة للذنوب المقدّمة والمؤخّرة"، وهذا محصّله" اهـ. قلت: فبعد هذا التفصيل أقرّ يرحمه الله بأن المشهور عن الزهريّ إسقاط هذه الزيادة، وهذا يقتضي أنّ أثباتها شاذّ، فعاد محصّل الكلام إلى حكم ابن عبد البرّ بشذوذها. وأمّا تتابع جماعة من الرواة على إثبات هذه الزيادة؛ فلا يزيدها قوّة؛ لأن كلًّا منهم لا يخلو أن يكون شاذًّا أو منكرًا في روايته هذه الزيادة عن شيخه، واجتماع الروايات الشاذة والمنكرة لا يقوّيها؛ لأنّه يقابلها من الجهة الأُخرى اجتماع الروايات المشهورة المعروفة، فترجح الأخيرة وتطيش الأولى. وأمّا تحسين حديث عبادة بهذه الزيادة؛ فلا يخلو من نظر تقدّم (ص ٤٤١) بيانه. والذي أراه - والله يغفر لي - أنّ هذه الزيادة من نوع العلل التي سمّاها بعض أهل الحديث "لزوم الطريق" حيث يدرج لسان الراوي أو يزلّ قلمه أو تنصرف أذنه عن اللفظ المسموع حقيقة إلى لفظ مشهور يشبهه، ولفظ آية الفتح ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ دارج على لسان الصغير والكبير وأسماعهم. والله أعلم.
(٢) (ضعيف بهذا التمام). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤٤١).
[ ٤٦٩ ]
ففي "المسند" و"صحيح ابن حِبَّانَ" عن: أبي سَعيدٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "مَن صامَ رمضانَ فعَرَفَ حدودَهُ وتَحَفَّظَ ممَّا يَنْبَغي أنْ يَتَحَفَّظَ منهُ؛ كَفَّرَ ذلكَ ما قبلَهُ" (^١).
• والجمهورُ على أن ذلكَ إنَّما يُكَفِّرُ الصَّغائرَ.
ويَدُلُّ عليهِ ما خَرَّجَهُ مسلمٌ (^٢) مِن حديثِ: أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "الصَّلواتُ الخمسُ والجمعةُ إلى الجمعةِ ورمضانُ إلى رمضانَ مكفِّراتٌ لما بينَهُنَّ ما اجْتُنِبَتِ الكبائرُ".
وفي تأْويلِهِ قولانِ:
أحدُهُما: أن تكفيرَ هذهِ الأعمالِ مشروطٌ باجتنابِ الكبائرِ، فمَن لم يَجْتَنِبِ الكبائرَ؛ لمْ تُكَفِّرْ لهُ هذهِ الأعمالُ كبيرةً ولا صغيرةً.
والثَّاني: أن المرادَ أن هذهِ الفرائضَ تُكَفِّرُ الصَّغائرَ خاصَّةً بكلِّ حالٍ، وسواءٌ اجْتُنِبَتِ الكبائرُ أو لمْ تُجْتَنَبْ، وأنَّها لا تُكَفِّرُ الكبائرَ بحالٍ.
وقد قالَ ابنُ المُنْذِرِ في قيامِ ليلةِ القدرِ: إنَّهُ يُرْجى بهِ مغفرةُ الذُّنوبِ كبائرِها وصغائرِها. وقالَ غيرُهُ مثلَ ذلكَ في الصَّومِ أيضًا. والجمهورُ على أن الكبائرَ لا بدَّ لها مِن توبةٍ نَصوحٍ.
وهذهِ المسائلُ قد ذَكَرْناها مستوفاةً في مواضعَ أُخرَ.
• فدَلَّ حديثُ أبي هُرَيْرَةَ على أن هذهِ الأسبابَ الثَّلاثةَ كلُّ واحدٍ منها مكفِّرٌ لِما سَلَفَ مِن الذُّنوبِ، وهيَ: صيامُ رمضانَ، وقيامُهُ، وقيامُ ليلةِ القدرِ.
• فقيامُ ليلةِ القدرِ بمجرَّدِهِ يُكَفِّرُ الذُّنوبَ لمَن وَقَعَتْ لهُ، كما في حديثِ عُبادَةَ بن
_________________
(١) (ضعيف). رواه: أحمد (٣/ ٥٥)، وأبو يعلى (١٠٥٨)، وابن حبّان (٣٤٣٣)، وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ١٨٠)، والبيهقي في "السنن" (٤/ ٣٠٤) و"الشعب" (٣٦٢٣)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٨/ ٣٩٢)؛ من طريق عبد الله بن قرط (أو: قريط)، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد … رفعه. صحّحه ابن حبّان وأقرّه المنذري والعسقلاني! وقال أبو نعيم: "لم يروه عن عطاء إلّا عبد الله بن قرط". وقال الهيثمي (٣/ ١٤٧): "ابن قريط ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا". قلت: ولم يرو عنه إلّا رجل واحد، ولذلك قال الحسيني: "مجهول". فهو علّة هذا السند، والسند ضعيف.
(٢) (٢ - الطهارة، ٥ - الصلوات الخمس، ١/ ٢٠٩/ ٢٣٣).
[ ٤٧٠ ]
الصَّامِت (^١)، وقد سَبَقَ ذكرُهُ. وسواءٌ كانَـ[ـــــــتْ] في أوَّلِ العشرِ أو أوسطِهِ أو آخرِهِ، وسواءٌ شَعَرَ بها أو لم يَشْعُرْ. ولا يَتَأخَّرُ تكفيرُ الدُّنوبِ بها إلى انقضاءِ الشَّهرِ.
• وأمَّا صيامُ شهرِ رمضانَ وقيامُهُ؛ فيَتَوَقَّفُ التَّكفيرُ بهِما على تمامِ الشَّهرِ، فإذا تَمَّ الشَّهرُ؛ فقد كَمَلَ للمؤمنِ صيامُهُ وقيامُهُ، فيَتَرَتَّبُ لهُ على ذلكَ مغفرةُ ما تَقَدَّمَ مِن ذنبِهِ بتمامِ السَّببينِ، وهُما صيامُ رمضانَ وقيامُهُ.
وقد يُقالُ: إنَّهُم يُغْفَرُ لهُم عندَ استكمالِ القيامِ في آخرِ ليلةٍ مِن رمضانَ بقيامِ رمضانَ قبلَ تمامِ نهارِها، وتَتأخَّرُ المغفرةُ بالصِّيامِ إلى إكمالِ النَّهارِ بالصَّومِ، فيُغْفَرُ لهُم بالصَّومِ في ليلةِ الفطرِ.
ويَدُلُّ على ذلكَ ما خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ مِن حديثِ: أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "أُعْطِيَتْ أُمَّتي خمسَ خصالٍ في رمضانَ لمْ يُعْطَها أُمَّةٌ غيرُهُم: خلوفُ فمِ الصَّائمِ أطيبُ عندَ اللهِ مِن ريحِ المسكِ، وتَسْتَغْفِرُ لهُمُ الملائكةُ حتَّى يُفْطِروا، ويُزَيِّنُ اللهُ كلَّ يومٍ جنَّتهُ ويَقولُ: يوشِكُ عبادي أنْ يُلْقُوا عنهُمُ المؤنةَ والأذى ويَصيروا إليكِ، وتُصَفَّدُ فيه مردةُ الشَّياطينِ فلا يَخْلُصونَ فيهِ إلى ما كانوا يَخْلُصونَ إليهِ في غيرِهِ، ويُغْفَرُ لهُم في آخرِ ليلةٍ فيهِ". فقيلَ لهُ: يا رسولَ اللهِ! أهيَ ليلةُ القدرِ؟ قالَ: "لا، ولكنَّ العاملَ إنَّما يُوَفَّى أجرَهُ إذا قَضى عملَهُ" (^٢).
وقد رُوِيَ أن الصَّائمينَ يَرْجعونَ يومَ الفطرِ مغفورًا لهُم، وأنَّ يومَ الفطرِ يُسَمَّى يومَ الجوائزِ (^٣)، وفيهِ أحاديثُ ضعيفةٌ.
_________________
(١) (ضعيف بتمامه وأكثره صحيح لشواهده). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤٤١).
(٢) (ضعيف جدًّا). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤٢٢).
(٣) (ضعيف جدًّا). وقد جاء من أوجه: فذكره مسلم في "المقدّمة" (١/ ١٨) والعسقلاني في "اللسان" (٣/ ٩٦) في منكرات سليمان بن الحجّاج - أحد الواهين - ولم أقف على لفظه بطوله. ورواه: الحسن بن سفيان في "مسنده" (١/ ٨٨ - إصابة) والطبراني (١/ ٢٢٦/ ٦١٨) والمعافى في "الجليس" (١/ ٨٨ - إصابة) من طريق سعيد بن عبد الجبّار عن توبة (أو: أبي توبة)، والطبراني (١/ ٢٢٦/ ٦١٧) وأبو نعيم في "المعرفة" (٢/ ٣٦١ و٣٦٢) والخطيب في "تالي التلخيص" (١٧٤) وأبو موسى المديني (١/ ١٧٠ - غابة) من طريق عمرو بن شمّر عن جابر الجعفي عن أبي الزبير؛ كلاهما عن سعيد بن أوس =
[ ٤٧١ ]
وقالَ الزُّهْرِيُّ: إذا كانَ يومُ الفطرِ؛ خَرَجَ النَّاسُ إلى الجَبَّانِ (^١)، اطَّلَعَ اللهُ عليهِم فقالَ: يا عبادي! لي صُمْتُمْ، ولي قُمْتُمْ، ارْجِعوا مغفورًا لكُم.
قالَ مُوَرِّقٌ العِجْلِيُّ لبعضِ إخوانِهِ في المصلَّى يومَ الفطرِ: يَرْجِعُ هذا اليومَ قومٌ كما وَلَدَتْهُمْ أُمَّهاتُهُم.
وفي حديثِ أبي جَعْفَرٍ الباقِرِ المرسلِ: "مَن أتى عليهِ رمضانُ، فصامَ نهارَهُ، وصَلَّى وردًا مِن ليلِهِ، وغَضَّ بصرَهُ، وحَفِظَ فرجَهُ ولسانَهُ ويدَهُ، وحافَظَ على صلاتِهِ في الجماعةِ، وبَكَّرَ إلى جمعِهِ (^٢)؛ فقد صامَ الشَّهرَ واسْتكْمَلَ الأجرَ وأدْرَكَ ليلةَ القدرِ وفازَ بجائزة الرَّبِّ" (^٣). قالَ أبو جَغفَرٍ: جائزةٌ لا تُشْبِهُ جوائزَ الأُمراءِ.
إذا كَمَّلَ الصَّائمونَ صيامَ رمضانَ وقيامَهُ؛ فقد وَفَوْا ما عليهِم مِن العملِ، وبَقِيَ ما لَهُم مِن الأجرِ، وهوَ المغفرةُ، فإذا خَرَجوا يومَ عيدِ الفطرِ إلى الصَّلاةِ؛ قُسِّمَتْ عليهِم أُجورُهُم، فرَجَعوا إلى منازِلِهِم وقدِ اسْتَوْفَوُا الأجرَ واسْتكمَلُوهُ. كما في حديثِ ابن عَبَّاسٍ المرفوعِ: "إذا كانَ يومُ الفطرِ؛ هَبَطَتِ الملائكةُ إلى الأرضِ، فيَقومونَ على أفواهِ السِّككِ (^٤) يُنادونَ بصوتٍ يَسْمَعُهُ جميعُ مَن خَلَقَ اللهُ إلَّا الجنَّ والإنسَ، يَقولونَ: يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! اخْرُجوا إلى ربٍّ كريمٍ يُعْطي الجزيلَ ويَغْفِرُ الذَّنبَ العظيمَ، فإذا بَرَزوا إلى مصلَّاهُم؛ تقولُ اللهُ ﷿ لملائكتِهِ: يا ملائكتي! ما جزاءُ الأجيرِ إذا عَمِلَ عملَهُ؟ فيَقولونَ: إلهَنا وسيِّدَنا! أنْ تُوَفِّيَهُ أجرَهُ. فيَقولُ: إنِّي أُشْهِدُكمْ أنِّي قد جَعَلْتُ ثوابَهُم مِن صيامِهِم وقيامِهِم مرضاتي ومغفرتي، انْصَرِفوا مغفورًا
_________________
(١) = الأنصاري، عن أبيه … رفعه. وهذا سند واهٍ: سعيد بن أوس مجهول. والطريقان إليه ساقطتان، في الأولى سعيد بن عبد الجبّار وتوبة لم أقف لهما على ترجمة، وفي الثانية ابن شمّر كذّاب والجعفي متّهم متروك. ورواه العقيلي (٤/ ٣١٥) من طريق بحر بن كنيز السقاء، عن الوليد بن عيسى أبي وهب، عن ابن المنكدر، عن جابر … رفعه. وبحر والوليد واهيان شديدا الضعف. وجاء هذا أيضًا في أحاديث زخرفة الجنّة التي تقدّم بيان أنّها بين الضعيف جدًّا والموضوع.
(٢) الجبّان: الأرض المستوية، والمراد بها هنا المصلّى الذي يصلّي الناس به العيد.
(٣) في خ: "إلى الجمعة"، والأولى ما أثبته من م وط.
(٤) (ضعيف جدًّا). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤٢٨).
(٥) في خ: "فيقفون على أفواه السكك … "، والأولى ما أثبتّه من م وط.
[ ٤٧٢ ]
لكُم" (^١). خَرَّجَهُ سَلَمَةُ بنُ شَبِيبٍ في كتابِ "فضائل رمضان" وغيرُهُ. وفي إسنادِهِ مقالٌ.
وقد رُوِيَ مِن وجهٍ آخرَ عن عِكْرِمَةَ عن ابن عَبَّاسٍ موقوفًا بعضُهُ (^٢).
وقد رُوِيَ معناهُ مرفوعًا مِن وجوهٍ أُخَرَ فيها ضعفٌ (^٣).
• مَن وَفَّى ما عليهِ مِن العملِ كاملًا؛ وُفِّيَ لهُ الأجرُ كاملًا، ومَن سَلَّمَ ما عليهِ موفَّرًا؛ تَسَلَّمَ ما لهُ نقدًا لا مؤخَّرًا.
ما بِعْتُكُمْ مُهْجَتي إلَّا بِوَصْلِكُمُ … وَلا أُسَلِّمُها إلَّا يَدًا بِيَدِ
[فَإنْ وَفَيْتُمْ بِما قُلْتُمْ وَفَيْتُ أنا … وَإنْ أبَيْتُمْ يكونُ الرَّهْنُ تَحْتَ يَدي] (^٤)
ومَن نَقَصَ مِن العملِ الذي عليهِ؛ نُقِصَ مِن الأجرِ بحسبِ نقصِهِ، فلا يَلُمْ إلَّا نفسَهُ.
قالَ سَلْمانُ: الصَّلاةُ مكيالٌ، فمَن وَفَّى؛ وُفِّيَ لهُ، ومَن طَفَّفَ؛ فقد عَلِمْتُمْ ما قيلَ في المطفِّفينَ.
فالصِّيامُ وسائرُ الأعمالِ على هذا المنوالِ: مَن وَفَّاها؛ فهوَ مِن خيارِ عبادِ اللهِ الموفِّينَ، ومَن طَفَّفَ فيها؛ فويلٌ للمطفِّفينَ.
أما يَسْتَحي مَن يَسْتَوْفي مكيالَ شهواتِهِ ويُطَفِّفُ في مكيالِ صيامِهِ وصلاتِهِ؟! ألا بعدًا لِمَدْيَنَ!
في الحديثِ: "أسوأُ النَّاسِ سرقةً الذي يَسْرِقُ صلاتَهُ" (^٥).
_________________
(١) (موضوع). قطعة من حديث طويل تقدّم (ص ٣٧٣) أنّه موضوع أوّله "إن الحور العين تنادي في شهر رمضان … " إلخ.
(٢) فهذه علة أُخرى تضاف إلى ما تقدّم من العلل، ووقع في خ: "مرفوعًا بعضه"!
(٣) شديد جدًّا في السند ونكارة في المتن يجزم المرء معها أنّه موضوع كما تقدّم (ص ٣٧٣).
(٤) ليست في خ وم، وإنّما استفدتها من ط.
(٥) (صحيح). وقد جاء عن النبيّ - ﷺ - مرسلًا وموصولًا من أوجه: • فرواه: مالك في "الموطأ" (١/ ١٦٧)، وعبد الرزّاق (٣٧٤٠)، والشافعي في "المسند" (ص ١٦٣) و"اختلاف الحديث" (ص ٢١١)، وابن عبد البرّ (٢٣/ ٤٠٩)؛ من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن النعمان بن مرّة، عن النبيّ - ﷺ - … به. وهذا سند مرسل قويّ. • ورواه الحسن واختلفوا عليه فيه على وجهين: روى أوّلهما: الطبراني في "الأوسط" (٣٤١٦) و"الصغير" (٣٣٦)، والعسكري في "التصحيفات" (٢/ ٩٠٢)؛ من طريق زيد بن الحرشي (أو: الحريش)، ثنا عثمان بن الهيثم، ثنا عوف، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفّل … رفعه. وروى الثاني: ابن أبي شيبة =
[ ٤٧٣ ]
إذا كانَ الويلُ لمَن طَفَّفَ مكيالَ الدُّنيا؛ فكيفَ حالُ مَن طَفَّفَ مكيالَ الدِّينِ!
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥].
غَدًا تُوَفَّى النُّفوسُ ما كَسَبَتْ … وَيَحْصُدُ الزَّارِعونَ ما زَرَعوا
إنْ أحْسَنوا أحْسَنوا لِأنْفُسِهِمْ … وَإنْ أساؤوا فَبِئْسَ ما صَنَعوا
كانَ السَّلفُ الصَّالحُ يَجْتَهِدونَ في إتمامِ العملِ وإكمالِهِ وإتقانِهِ، ثمَّ يَهْتَمُّونَ بعدَ ذلكَ بقبولِهِ ويَخافونَ مِن ردِّهِ، وهؤلاءِ الذينَ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾
_________________
(١) = (٢٩٦٧): ثنا هشيم، أنا يونس، عن الحسن … مرسلًا. وزيد لا يعدو أن يكون مقبولًا في المتابعات، وعثمان تغيّر وصار يتلقّن، فالمعروف هنا الوجه الثاني المرسل، والوصل من مناكير زيد أو عثمان. • ورواه الأوزاعي واختلف عليه فيه على وجهين: روى أوّلهما: أحمد (٥/ ٣١٠)، والدارمي (١/ ٣٠٤)، وأبو يعلى في "المعجم" (١٥٠)، وابن خزيمة (٦٦٣)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٤٨٧)، والطبراني في "الكبير" (٣/ ٢٤٢/ ٣٢٨٣) و"الأوسط" (٨١٧٥)، والدارقطني في "العلل" (١٠٣٣)، والحاكم (١/ ٢٢٩)، والبيهقي (٢/ ٣٨٥ - ٣٨٦)، والخطيب في "التاريخ" (٨/ ٢٢٧)، وابن عساكر (١٥/ ٥٣ و٥٤)؛ من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه … رفعه. وروى الثاني: ابن حبّان (١٨٨٨)، والطبراني في "الأوسط" (٤٦٦٢)، والدارقطني في "العلل" (١٣٧٩)، والحاكم (١/ ٢٢٩)، والبيهقي (٢/ ٣٨٦)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٣/ ٤١٠)، وابن عساكر (١٥/ ٥٤)؛ من طريق عبد الحميد بن أبي العشرين، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة … رفعه. قال الحاكم: "كلا الإسنادين صحيح"، ووافقه الذهبي، وقوّى الهيثمي الوجه الأوّل وأعلّ الثاني بابن أبي العشرين. قلت: الوليد يدلّس ويسوّي، ولم يصرّح بالتحديث فأخشى أن يكون تلقّاه من أحد الضعفاء ثمّ أسقطه، فرواية ابن أبي العشرين - على لين فيه - أرجح، ولذلك قال أبو حاتم في حديث أبي قتادة: "منكر"، وقال الدارقطني: "يشبه أن يكون حديث أبي هريرة أثبت". ولحديث أبي هريرة طريق أُخرى رواها: إسحاق في "المسند" (١/ ٣٧٤/ ٣٩١)، والطبراني في "الشاميّين" (٢٣٤٧)؛ من طريق كلثوم بن محمّد بن أبي سدرة، ثنا عطاء بن مسلم الخراساني، عن أبي هريرة … رفعه. وكلثوم ضعيف، وعطاء صالح في المتابعات، وروايته عن أبي هريرة منقطعة. • ورواه: الطيالسي (٢٢١٩)، وابن أبي شيبة (٢٩٦٠)، وأحمد (٣/ ٥٦)، وعبد بن حميد (٩٩٠)، والبزّار (٥٣٦ - كشف)، وأبو يعلى (١٣١١)، وابن عدي (٥/ ١٨٤٣)، وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٣٠٢)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٣/ ٤٠٩ و٤١٠)؛ من طريق عليّ بن زيد، عن ابن المسيب، عن أبي سعيد … رفعه. قال أبو نعيم: "تفرّد به عليّ بن زيد". وقال الهيثمي (٢/ ١٢٣): "وهو مختلف في الاحتجاج به". قلت: هو أقرب إلى الضعف، والسند كذلك. فهاهنا مرسلان قويّان ومرفوع فيه ضعف ومرفوع لا بأس به بطريقيه، فاجتماع هذه يصحّح المتن بلا ريب، وقد مال إلى تقويته ابن خزيمة وابن حبّان والحاكم والمنذري والذهبي والهيثمي والشوكاني والألباني.
[ ٤٧٤ ]
[المؤمنون: ٦٠].
رُوِيَ عن عَلِيٍّ؛ قالَ: كونوا لقبولِ العملِ أشدَّ اهتمامًا منكُم بالعملِ، ألمْ تَسْمَعوا الله ﷿ يَقولُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
وعن فَضالَةَ بن عُبَيْدٍ؛ قالَ: لأنْ أكونَ أعْلَمُ أن الله قد تَقَبَّلَ منِّي مثقالَ حبَّةٍ مِن خردلٍ أحبُّ إليَّ مِن الدُّنيا وما فيها؛ لأنَّ الله يَقولُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.
وقالَ مالكُ دينارٍ: الخوفُ على العملِ أنْ لا يُتَقَبَّلَ أشدُّ مِن العملِ.
وقالَ عَطاءٌ السَّلِيمِيُّ: الحذرُ الاتِّقاءُ على العملِ أنْ لا يَكونَ للهِ.
وقالَ عَبْدُ العَزيزِ بنُ أبي رَوَّادٍ: أدْرَكْتُهُم يَجْتَهِدونَ في العملِ الصَّالحِ، فإذا فَعَلوهُ؛ وَقَعَ عليهِمُ الهمُّ؛ أتُقُبِّلَ [منهُم] أم لا؟
قالَ بعضُ السَّلفِ: كانوا يَدْعُونَ الله ستَّةَ أشهرٍ أنْ يُبَلِّغَهُم شهرَ رمضانَ، ثمَّ يَدْعُونَ الله ستَّةَ أشهرٍ أنْ يَتَقَبَّلَهُ منهُم.
خَرَجَ عُمَرُ بن عَبْدِ العزيزِ ﵀ في يومِ عيدِ فطرٍ، فقالَ في خطبتِهِ: أيُّها النَّاسُ! إنَّكُم صُمْتُمْ للهِ ثلاثينَ يومًا، وقُمْتُم ثلاثينَ ليلةً، وخَرَجْتُمُ اليومَ تَطْلُبونَ مِن اللهِ أنْ يَتَقَبَّلَ منكُم.
كانَ بعضُ السَّلفِ يَظْهَرُ عليهِ الحزن يومَ عيدِ الفطرِ. فيُقالُ لهُ: إنَّهُ يومُ فرحٍ وسرورٍ. فيَقولُ: صَدَقْتُمْ، ولكنِّي عبدٌ أمَرَني مولايَ أنْ أعْمَلَ لهُ عملًا، فلا أدْري أيَقْبَلُهُ منِّي أم لا؟
رَأى وُهَيْبُ بنُ الوَرْدِ قومًا يَضْحَكونَ [في] يومِ عيدٍ، فقالَ: إنْ كانَ هؤلاءِ تُقُبِّلَ منهُم صيامُهُم؛ فما هذا فعلَ الشَّاكرينَ، وإنْ كانوا لمْ يُتَقَبَّلْ منهُم صيامُهُم؛ فما هذا فعلَ الخائفينَ (^١).
وعنِ الحَسَنِ؛ قالَ: إنَّ الله جَعَلَ شهرَ رمضانَ لخلقِهِ مضمارًا يَسْتَبِقونَ فيهِ بطاعتِهِ إلى مرضاتِهِ، فسَبَقَ قومٌ ففازوا وتَخَلَّفَ آخرونَ فخابوا، فالعجب مِن اللاعبِ
_________________
(١) فماذا يفعل المسلم يوم العيد إذًا؟! يعتزل الناس يبكي حزنًا وأسفًا! هل هذه هي الحنيفيّة السمحة التي جاء بها الإسلام؟! هل هذا هو التبشير والتيسير الذي سنّه النبيّ - ﷺ - وسار عليه أصحابه؟!
[ ٤٧٥ ]
الضَّاحكِ في اليومِ الذي يَفوزُ فيهِ المحسنونَ ويَخْسَرُ فيهِ المبطلونَ.
لَعَلَّكَ غَضْبانٌ وَقَلْبِيَ غافِلٌ … سَلامٌ عَلى الدَّارَيْنِ إنْ كُنْتَ راضِيا
ورُوِيَ عن عَلِيٍّ؛ أنَّهُ كانَ يُنادي في آخرِ ليلةٍ مِن شهرِ رمضانَ: يا ليتَ شعري! مَن هذا المقبولُ فنُهَنِّيَهُ، ومَن هذا المحرومُ فنُعَزِّيَهُ؟
وعنِ ابن مَسْعودٍ؛ أنَّهُ كانَ يَقولُ: مَن هذا المقبولُ منَّا فنُهَنِّيَهُ، ومَن هذا المحرومُ منَّا فنُعَزِّيَهُ (^١)؟
أيُّها المقبولُ! هنيئًا لكَ. أيُّها المردودُ! جَبَرَ اللهُ مصيبتَكَ.
لَيْتَ شِعْري مَنْ فيهِ يُقْبَلُ مِنَّا … فَيُهَنَّا [و] يا خَيْبَةَ المَرْدودِ
مَنْ تَوَلَّى عَنْهُ بِغَيْرِ قَبولٍ … أرْغَمَ اللهُ أنْفَهُ بِخِزْيٍ شَديدِ
• ماذا فاتَ مَن فاتَهُ خيرُ رمضان؟! وأيُّ شيءٍ أدْرَكَ مَن أدْرَكَهُ فيهِ الحرمان؟! كم بينَ مَن حظُّهُ فيهِ القبولُ والغفران ومَن كانَ حظُّهُ فيهِ الخيبة والخسران!
ربَّ قائمٍ حظُّهُ مِن قيامِهِ السَّهرُ وصائمٍ حظُّهُ مِن صيامِهِ الجوعُ والعطشُ.
ما أصْنِعُ هكَذا جَرى المَقْدورُ … الجَبْرُ لِغَيْري وَأنا المَكْسورُ
أسيرُ ذَنْبٍ مُقَيَّدٌ مَهْجورُ … هَلْ يُمْكِنُ أنْ يُغَيَّرَ المَقْدورُ
غيرُهُ:
سارَ القَوْمُ وَالشَّقا يُقْعِدُني … حازوا القُرْبَ وَالجَفا يُبْعِدُني
حَسْبِيَ حَسْبِي إلى مَتى تَطْرُدُني … أعدايَ دائي وَكُلُّهُمْ يَقْصِدُني
غيرُهُ:
أسْبابُ هَواكَ أوْهَنَتْ أسْبابي … مِنْ بَعْدِ جَفاكَ فَالضَّنى أوْلى بي
ضاقَتْ حِيَلي وَأنْتَ تَدْري ما بي … إِرْحَمْ فَالعَبْدُ واقِفٌ بِالبابِ
شهرُ رمضانَ تَكْثُرُ فيهِ أسبابُ الغفرانِ. فمِن أسبابِ المغفرةِ فيهِ صيامُهُ وقيامُهُ وقيامُ ليلةِ القدرِ فيهِ، كما سَبَقَ. ومنها تفطيرُ الصُّوَّامِ والتَّخفيفُ عن المملوكِ، وهُما
_________________
(١) تأمّل الفرق بين قول هذين الصحابيّين وما سبق من الأقوال! بين المؤمن العمليّ الذي يمارس نشاطه اليوميّ وقلبه متأرجح بين الخوف والرجاء، وبين المتقوقع المنغلق الذي ملأ قلبَهُ سوءُ الظنّ بالله.
[ ٤٧٦ ]
مذكورانِ في حديثِ سلمانَ المرفوعِ (^١). ومنها الذِّكرُ، وفي حديثٍ مرفوعٍ: "ذاكرُ اللهِ في رمضانَ مغفورٌ لهُ" (^٢). ومنها الاستغفارُ، والاستغفارُ طلبُ المغفرةِ، ودعاءُ الصَّائمِ يُسْتَجابُ في صيامِهِ وعندَ فطرِهِ، ولهذا كانَ ابنُ عُمَرَ إذا أفْطَرَ يَقولُ: اللهمَّ! يا واسعَ المغفرةِ! اغْفِرْ لي. وفي حديثِ أبي هُرَيْرَةَ المرفوعِ في فضلِ شهرِ رمضانَ: "ويُغْفَرُ فيهِ إلَّا لمَن أبى". قالوا: يا أبا هُرَيْرَةَ! ومَن يَأْبى؟! قالَ: يَأْبى أنْ يَسْتَغْفِرَ الله (^٣). ومنها: استغفارُ الملائكةِ للصَّائمينَ حتَّى يُفْطِروا، وقد تَقَدَّمَ ذكرُهُ.
فلمَّا كَثُرَتْ أسبابُ المغفرةِ في رمضانَ؛ كانَ الذي تَفوتُهُ المغفرةُ فيهِ محرومًا غايةَ الحرمانِ.
في "صحيح ابن حِبَّان": عن أبي هُرَيْرَةَ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - صَعِدَ المنبرَ فقالَ: "آمينَ، آمينَ، آمينَ". قيلَ: يا رسولَ اللهِ! إنَّكَ صَعِدْتَ المنبرَ فقُلْتَ آمينَ آمينَ آمينَ. قالَ: "إنَّ جِبْريلَ أتاني فقالَ: مَن أدْرَكَ شهرَ رمضانَ فلمْ يُغْفَرْ لهُ فدَخَلَ النَّارَ فأبْعَدَهُ اللهُ، قلْ آمينَ، [فـ[ـــــــقُلْتُ آمينَ. ومَن أدْرَكَ أبويهِ أو أحدَهُما فلم يَبَرَّهُما فماتَ فدَخَلَ النَّارَ فأبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ آمينَ، [فـ]ــــــــقُلْتُ آمينَ. ومَن ذُكِرْتَ عندَهُ فلم يُصَلِّ عليكَ فماتَ فدَخَلَ النَّارَ فأبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ آمينَ، فقُلْتُ آمينَ" (^٤).
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٣٥٥).
(٢) (موضوع). رواه: الطبراني في "الأوسط" (٦١٦٦ و٧٣٣٧)، وابن عدي (٤/ ١٦٠١)، والبيهقي في "الشعب" (٣٦٢٧)؛ من طريق عبد الرحمن بن قيس الضبّي، ثنا هلال بن عبد الرحمن، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيّب، عن عمر … رفعه. قال الهيثمي (٣/ ١٤٦): "فيه هلال بن عبد الرحمن وهو ضعيف". قلت: بل متروك. وعبد الرحمن بن قيس متّهم متروك. وعلي بن زيد ضعيف. فالسند مظلم، والحديث ساقط، وقال الألباني: "موضوع".
(٣) (ضعيف). رواه الخطيب في "تاريخ بغداد" (٥/ ١٨): ثنا محمّد بن عبد العزيز بن جعفر البردعي، أنا علي بن إبراهيم بن عزّة العطّار، ثنا محمّد بن السريّ القنطري، ثنا محمّد بن بكار بن الريّان، ثنا أبو معشر نجيح السندي، عن سعيد، عن أبي هريرة … رفعه. وهذا ضعيف: البردعيّ قال الخطيب: "فيه نظر مع أنّه لم يرو كبير شيء". وأبو معشر ضعيف.
(٤) (صحيح). رواه: أحمد (٢/ ٢٥٤)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٦٤٦)، والترمذي (٤٩ - الدعوات، ١٠١ - رغم أنف رجل، ٥/ ٥٥٠/ ٣٥٤٥)، وإسماعيل القاضي في "الصلاة على النبيّ - ﷺ -" (١٦ - ١٨)، والبزّار (٣١٦٩ - كشف)، وأبو يعلى (٥٩٢٢)، وابن خزيمة (١٨٨٨)، وابن حبّان (٩٠٧ =
[ ٤٧٧ ]
وخَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابنُ حِبَّانَ أيضًا مِن وجهٍ آخرَ عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ مرفوعًا بلفظِ: "رَغِمَ أنفُهُ" (^١). وحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وقالَ سَعيدٌ عن قَتادَةَ: كانَ يُقالُ: مَن لمْ يُغْفَرْ لهُ في رمضانَ؛ فلنْ يُغْفَرَ لهُ فيما سواهُ.
وفي حديثٍ آخرَ: "إذا لم يُغْفَرْ لهُ في رمضانَ فمتى" (^٢).
متى يُغْفَرُ لمَن لا (^٣) يُغْفَرُ لهُ في هذا الشَّهر؟! متى يُقْبَلُ مَن رُدَّ في ليلةِ القدر؟! متى يَصْلُحُ مَن لا يَصْلُحُ في رمضان؟! متى يَصِحُّ مَن كانَ [بهِ] فيهِ مِن داءِ الجهالةِ والغفلةِ مرضان؟ كلُّ ما لا يُثْمِرُ مِن الأشجارِ في أوانِ الثِّمار؛ فإنَّهُ يُقْطَعُ ثمَّ يُوقَدُ في النَّار. مَن فَرَّطَ في الزَّرعِ في وقتِ البذار؛ لم يَحْصُدْ يومَ الحصادِ غيرَ النَّدمِ والخسار.
تَرَحَّلَ الشَّهْرُ وا لَهْفاهُ وَانْصَرَما … وَاخْتَصَّ بِالفَوْزِ في الجَنَّاتِ مَن خَدَما
وَأصْبَحَ الغافِلُ المِسْكينُ مُنْكَسِرًا … مِثْلي فيا وَيْحَهُ يا عُظْمَ ما حُرِما
مَن فاتَهُ الزَّرْعُ في وَقْتِ البِذارِ فَما … تَراهُ يَحْصُدُ إلَّا الهَمَّ وَالنَّدَما
• شهرُ رمضانَ شهرٌ أوَّلُهُ رحمةٌ وأوسطُهُ مغفرةٌ وآخرُهُ عتقٌ مِن النَّارِ.
رُوِيَ هذا عن النَّبيِّ - ﷺ - مِن حديثِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ (^٤). خَرَّجَهُ ابنُ خُزَيْمَةَ في "صحيحه".
_________________
(١) = و٩٠٨)، والطبراني في "الأوسط" (٨١٢٧ و٨٩٨٩)، والحاكم (١/ ٥٤٩)، والبيهقي (٤/ ٣٠٤)، والمزّي في "التهذيب" (٩/ ٥٣)؛ من طرق ثلاث قويّة، عن أبي هريرة … رفعه. قال الترمذي: "حسن غريب". قلت: طريق الترمذيّ حسنة، وطريق البخاري حسنة، وطريق أبي يعلى حسنة، واجتماع هذه الطرق الثلاث يصحّح الحديث بلا ريب، وقد قوّاه ابن خزيمة وابن حبّان والترمذي والحاكم والمنذري والهيثمي والألباني، ورواه مسلم (٢٥٥١) مختصرًا، وشواهده كثيرة.
(٢) (صحيح). انظر ما قبله.
(٣) (ضعيف جدًّا). رواه: ابن أبي شيبة (٨٨٧١)، والطبراني في "الأوسط" (٧٦٢٣)، من طريق محمّد بن إسحاق، عن الفضل بن عيسى الرقاشي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس … رفعه. سكت عنه المنذري، وقال الهيثمي (٣/ ١٤٦): "فيه الفضل بن عيسى الرقاشي وهو ضعيف". قلت: هو منكر الحديث، وعمّه يزيد ضعيف منكر الحديث أيضًا، وابن إسحاق عنعن على تدليسه.
(٤) في خ: "فمتى يغفر له متى يغفر لمن لا"، وهذه إضافة ناسخ وليست من متن الحديث.
(٥) (ضعيف جدًّا). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٣٥٥).
[ ٤٧٨ ]
ورُوِيَ عنهُ أيضًا مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ (^١). خَرَّجَهُ ابنُ أبي الدُّنيا وغيرُهُ.
والشَّهرُ كلُّهُ شهرُ رحمةٍ ومغفرةٍ وعتقٍ، ولهذا في الحديثِ الصَّحيحِ؛ أنَّهُ تُفْتَحُ فيهِ أبوابُ الرَّحمةِ (^٢).
وفي التِّرْمِذِيِّ وغيرِهِ: "إنَّ للهِ عتقاءَ مِن النَّارِ، وذلكَ كلَّ ليلةٍ" (^٣).
ولكنَّ الأغلبَ على أوَّلِهِ الرَّحمةُ، وهيَ للمحسنينَ المتَّقينَ: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. وقالَ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. فيُفاضُ على المتَّقينَ في أوَّلِ الشَّهرِ خلعُ الرَّحمةِ والرُّضوان، ويُعامَلُ أهلُ الإحسانِ بالفضلِ والإحسان.
وأمَّا أوسطُ الشَّهرِ؛ فالأغلبُ عليهِ المغفرةُ، فيُغْفَرُ فيهِ للصَّائمينَ وإنِ ارْتَكَبوا بعضَ الذُّنوبِ الصَّغائرِ فلا يَمْنَعُهُم ذلكَ مِن المغفرةِ، كما قالَ تَعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرَّعد: ٦].
وأمَّا آخرُ الشَّهرِ؛ فيُعْتَقُ فيهِ مِن النَّارِ مَن أوْبَقَتْهُ الأوزار واسْتَوْجَبَ النَّارَ بالذُّنوبِ الكبار.
وفي حديثِ ابن عَبَّاسٍ المرفوعِ: "للهِ في كلِّ ليلةٍ في شهرِ رمضانَ عندَ الإفطارِ ألفُ ألفِ عتيقٍ مِن النَّارِ، كلُّهُم قدِ اسْتَوْجَبوا العذابَ، فإذا كانَ ليلةُ الجمعةِ أو يومُ الجمعةِ؛ أعْتَقَ في كلِّ ساعةٍ فيها ألفَ ألفِ عتيقٍ مِن النَّارِ، كلُّهُم قدِ اسْتَوْجَبـ[ـــــــوا] العذابَ، فإذا كانَ آخرُ ليلةٍ مِن شهرِ رمضانَ أعْتَقَ اللهُ في ذلكَ اليومِ بعددِ ما أعْتَقَ مِن أوَّلِ الشَّهرِ إلى آخرِهِ" (^٤). خَرَّجَهُ سَلَمَةُ بنُ شَبيبٍ وغيرُهُ.
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). رواه: ابن أبي الدنيا (٤٧٩ - لطائف المعارف)، والعقيلي (٢/ ١٦٢)، وابن عدي (٣/ ١١٥٧)، والخطيب في "الجمع والتفريق" (٢/ ١٤٧)، وابن الشجري، وابن عساكر، والديلمي؛ من طريق سلام بن سوار، عن مسلمة بن الصلت، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة … رفعه. وهذا سند واه: سلام ضعيف. ومسلمة: منكر الحديث متروك الحديث. وقد استنكر حديثه هذا أبو حاتم وابنه والعقيلي وابن عدي والخطيب والذهبي والعسقلاني والألباني.
(٢) متفق عليه. انظر ما تقدّم (ص ٤٢١).
(٣) (صحيح). قطعة من حديث طويل لأبي هريرة تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤٢١).
(٤) (موضوع). قطعة من حديث "إن الجنّة لتزيّن وتزخرف" الذي تقدّم (ص ٣٧٢).
[ ٤٧٩ ]
• وإنَّما كانَ يومُ الفطرِ مِن رمضانَ عيدًا لجميعِ الأُمَّةِ؛ لأنَّهُ يُعْتَقُ فيهِ أهلُ الكبائرِ مِن الصَّائمينَ مِن النَّارِ فيَلْتَحِقُ فيهِ المذنبونَ بالأبرارِ، كما أنَّ يومَ النَّحرِ هوَ العيدُ الأكبرُ؛ لأنَّ قبلَهُ يومَ عرفةَ، وهوَ اليومُ الذي لا يُرى في يومٍ مِن الدُّنيا أكثرَ عتقًا مِن النَّارِ منهُ. فمَن أُعْتِقَ مِن النَّارِ في اليومينِ؛ فلهُ يومُ عيدٍ، ومَن فاتَهُ العتقُ في اليومينِ؛ فلهُ يومُ وعيدٍ.
أنْشَدَ الشِّبْلِيُّ:
لَيْسَ عيدُ المُحِبِّ قَصْدَ المُصَلَّى … وَانْتِظارَ الأميرِ وَالسُّلْطانِ
إنَّما العيدُ أنْ تَكونَ لَدى الـ …
_________________
(١) اهِ كَريمًا مُقَرَّبًا في أمانِ ورُئِيَ بعضُ العارفينَ ليلةَ عيدٍ في فلاةٍ يَبْكي على نفسِهِ ويُنْشِدُ: بِحُرْمَةِ غُرْبَتي كَم ذا الصُّدودُ … ألا تَعْطِفْ عَلَيَّ ألا تَجودُ سُرورُ العيدِ قَدْ عَمَّ النَّواحي … وَحُزْني في ازْدِيادٍ لا يَبِيدُ فَإنْ كُنْتُ اقْتَرَفْتُ خِلالَ سَوْءٍ … فَعُذْري في الهَوى أنْ لا أعودُ لمَّا كانَتِ المغفرةُ والعتقُ مِن النَّارِ كلٌّ منهُما مرتَّبًا على صيامِ رمضانَ وقيامِهِ؛ أمَرَ اللهُ ﷾ عندَ إكمالِ العدَّةِ بتكبيرِهِ وشكرِهِ، فقالَ: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فشكرُ مَن أنْعَمَ على عبادِهِ بتوفيقِهِم للصِّيامِ وإعانتِهِم عليهِ ومغفرتِهِ لهُم بهِ وعتقِهِم بهِ مِن النَّارِ أنْ يَذْكُروهُ ويَشْكُروهُ ويَتَّقوهُ حقَّ تقاتِهِ. وقد فَسَّرَ ابنُ مَسْعودٍ تقواهُ حقَّ تقاتِهِ بأنْ يُطاعَ فلا يُعْصى ويُذْكَرَ فلا يُنْسى ويُشْكَرَ فلا يُكْفَرَ. فيا أربابَ الذُّنوبِ العظيمة! الغنيمةَ الغنيمةَ في هذهِ الأيامِ الكريمة؛ فما منها عوضٌ ولا لها قيمة! فكم يُعْتَقُ فيها مِن النَّارِ مِن ذي جريرةٍ وجريمة! فمن أُعْتِقَ فيها مِن النَّارِ فقد فازَ بالجائزةِ العميمةِ والمنحةِ الجسيمة. يا مَن أعْتَقَهُ مولاهُ مِن النَّار! إيَّاكَ أنْ تَعودَ بعدَ أنْ صِرْتَ حرًّا إلى رقِّ الأوزار. أيُبْعِدُكَ مولاكَ عن النَّارِ وأنتَ تتقَرَّبُ منها، ويُنْقِذُكَ منها وأنتَ توقِعُ نفسَكَ فيها ولا تَحيدُ عنها؟! وإنَّ امْرَءًا يَنْجو مِنَ النَّارِ بَعْدَما … تَزَوَّدَ مِن أعْمالِها لَسَعيدُ
[ ٤٨٠ ]
إنْ كانَتِ الرَّحمةُ للمحسنينَ؛ فالمسيءُ لا يَيْأسُ منها، وإنْ تَكُنِ المغفرةُ مكتوبةً للمتَّقينَ؛ فالظَّالمُ لنفسِهِ غيرُ محجوبٍ عنها.
إنْ كانَ عَفْوُكَ لا يَرْجوهُ ذو خَطإ … فَمَنْ يَجودُ على العاصينَ بِالكَرَمِ
غيرُهُ:
إنْ كانَ لا يَرْجوكَ إلَّا مُحْسِنٌ … فَمَنِ الذي يَرْجو ويَدْعو المُذْنِبُ
﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣].
فيا أيُّها العاصي! وكلُّنا ذلك، لا تَقْنَطْ مِن رحمةِ اللهِ لسوءِ أعمالِك، فكم يُعْتَقُ مِن النَّارِ في هذهِ الأيَّامِ مِن أمثالِك! فأحْسِنِ الظَّنَّ بمولاكَ وتُبْ إليهِ؛ فإنَّهُ لا يَهْلِكُ على اللهِ [إلَّا] هالك.
إذا أوْجَعَتْكَ الذُّنوبُ فَداوِها … بِرَفْعِ يَدٍ في اللَيْلِ وَاللَيْلُ مُظْلِمُ
وَلا تَقْنَطَنْ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إنَّما … قُنوطُكَ مِنْها مِنْ ذُنوبِكَ أعْظَمُ
فَرَحْمَتُهُ لِلْمُحْسِنينَ كَرامَةٌ … وَرَحْمَتُهُ لِلمُذْنِبينَ تَكَرُّمُ
• يَنْبَغي لمَن يَرْجو العتقَ مِن النَّارِ في شهرِ رمضانَ أنْ يَأْتِيَ بأسبابٍ توجِبُ العتقَ مِن النَّارِ، وهيَ متيسِّرةٌ في هذا الشَّهرِ.
وكانَ أبو قِلابَةَ يُعْتِقُ في آخرِ الشَّهرِ جارية حسناءَ مزيَّنةً يَرْجو بعتقِها العتقَ مِن النَّارِ.
وفي حديثِ سَلْمانَ المرفوعِ الذي في "صحيح ابن خُزَيْمَةَ": "مَن فَطَّرَ فيهِ صائمًا؛ كانَ عتقًا لهُ مِن النَّارِ، ومَن خَفَّفَ فيهِ عن مملوكِهِ؛ كانَ عتقًا لهُ مِن النَّارِ" (^١).
وفيهِ أيضًا: "فاسْتكْثِروا فيهِ مِن خصلتينِ تُرْضونَ بهِما ربَّكُم [وخصلتينِ] لا غنى بكُم عنهُما. فأمَّا الخصلتانِ اللتانِ تُرْضونَ بهِما ربَّكُم؛ فشهادةُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ والاستغفارُ. وأمَّا اللتانِ لا غنى بكُم عنهُما؛ فتَسْألونَ الله تَعالى الجنَّةَ وتَعُوذونَ بهِ مِن
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٣٥٥).
[ ٤٨١ ]
النَّارِ" (^١)
فهذهِ الخصالُ الأربعُ المذكورةُ في هذا الحديثِ؛ كلٌّ منها سببٌ للعتقِ والمغفرةِ:
• فأمَّا كلمةُ التَّوحيدِ؛ فإنَّها تَهْدِمُ الذُّنوبَ وتَمْحوها محوًّا ولا تُبْقي ذنبًا ولا يَسْبِقُها عملٌ، وهيَ تَعْدِلُ عتقَ الرِّقابِ الذي يوجِبُ العتقَ مِن النَّارِ. ومَن أتى بها أربعَ مرارٍ حينَ يُصْبِحُ وحينَ يُمْسي؛ أعْتَقَهُ اللهُ مِن النَّارِ، ومَن قالَها خالصًا مِن قلبِهِ؛ حَرَّمَهُ اللهُ على النَّارِ.
• وأمَّا كلمةُ الاستغفارِ؛ فمِن أعظمِ أسبابِ المغفرةِ؛ فإنَّ الاستغفارَ دعاءٌ بالمغفرةِ، ودعاءُ الصَّائمِ مستجابٌ في حالِ صيامِهِ وعندَ فطرِهِ. وقد سَبَقَ حديثُ أبي هُرَيْرَةَ المرفوعِ: "ويُغْفَرُ فيهِ (يَعْني: شهرَ رمضانَ) إلَّا لمَن أبى". قالوا: يا أبا هرَيْرَةَ! ومَن أبى؟ قالَ: مَن أبى أنْ يَسْتَغْفِرَ الله ﷿ (^٢). قالَ الحَسَنُ: أكْثِروا مِن الاستغفارِ؛ فإنَّكُم لا تَدْرونَ متى تَنْزِلُ الرَّحمةُ. وقالَ لُقْمانُ لابنِهِ: يا بنيَّ! عَوِّدْ لسانَكَ الاستغفارَ، فإنَّ للهِ ساعاتٍ لا يَرُدُّ فيهنَّ سائلًا.
وقد جَمَعَ اللهُ بينَ التَّوحيدِ والاستغفارِ في قولِهِ تَعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمَّد: ١٩]. وفي بعضِ الآثارِ؛ أن إبليسَ قالَ: أهْلَكْتُ النَّاسَ بالذُّنوبِ وأهْلَكوني بلا إلهَ إلَّا اللهُ والاستغفارُ (^٣).
والاستغفارُ ختامُ الأعمالِ الصَّالحةِ كلِّها: فتُخْتَمُ بهِ الصَّلاةُ والحجُّ وقيامُ الليلِ. ويُخْتَمُ بهِ المجالسُ: فإنْ كانَتْ ذكرًا؛ كانَ كالطَّابعِ عليها، وإنْ كانَتْ لغوًا؛ كانَ كفَّارةً
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٣٥٥).
(٢) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤٧٧).
(٣) (موضوع). قطعة من حديث رواه: ابن أبي عاصم في "السنّة" (٧)، وأبو يعلى (١٣٦)، والطبراني (١٠/ ٢١٠ - مجمع)، ومن طريقه الحسن بن أحمد العطّار الهمذاني في "فتياه" (١١)، والرافعي في "التدوين" (٣/ ٣٩)؛ من طريق عثمان بن مطر، عن عبد الغفور بن عبد العزيز بن سعيد، عن أبي نصيرة، عن أبي رجاء مولى أبي بكر، عن أبي بكر الصدّيق ﵁ … رفعه. قال الهيثمي (١٠/ ٢١٠): "فيه عثمان بن مطر وهو ضعيف". وقال ابن كثير: "عثمان وشيخه ضعيفان". قلت: عثمان ضعيف جدًّا في حدّ الترك بل اتّهمه ابن حبّان، وعبد الغفور متّهم، وأبو رجاء مجهول، والحديث موضوع كما قال الألباني.
[ ٤٨٢ ]
لها. فكذلكَ يَنْبَغي أنْ يُخْتَمَ صيامُ رمضانَ بالاستغفارِ.
كَتَبَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ إلى الأمصارِ يَأْمُرُهُم بختمِ شهرِ رمضانَ بالاستغفارِ والصَّدقةِ؛ صدقةِ الفطرِ؛ فإنَّ صدقةَ الفطرِ طهرةٌ للصَّائمِ مِن اللغوِ والرَّفثِ، والاستغفارُ يَرْقَعُ ما تَخَرَّقَ مِن الصِّيامِ باللغوِ والرَّفثِ.
ولهذا قالَ بعضُ العلماءِ المتقدِّمينَ: إنَّ صدقةَ الفطرِ للصَّائمِ كسجدتيِ السَّهوِ للصَّلاةِ.
وقالَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ في كتابِهِ: قولوا كما قالَ أبوكُم آدَمُ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقولوا كما قالَ نوحٌ: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧]، وقولوا كما قالَ إبْراهيمُ: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشُّعراء: ٨٢]، وقولوا كما قالَ موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]، وقولوا كما قالَ ذو النُّونِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
ويُرْوى عن أبي هُرَيْرَةَ؛ قالَ: الغيبةُ تُخَرِّقُ الصِّيامَ والاستغفارُ يُرَقِّعُهُ، فمَنِ اسْتَطاعَ منكُم أنْ يَجيءَ بصومٍ مرقَّعٍ، فلْيَفْعَلْ.
وعنِ ابن المُنْكَدِرِ معنى ذلكَ.
الصِّيامُ جُنَّةٌ مِن النَّارِ ما لمْ يُخَرِّقْها، والكلامُ السَّيِّئُ يُخَرِّقُ هذهِ الجُنَّةَ، والاستغفارُ يُرَقِّعُ ما تَخَرَّقَ منها.
فصيامُنا هذا يَحْتاجُ إلى استغفارٍ نافع وعملٍ صالحٍ لهُ شافع! كم نُخَرِّقُ صيامَنا بسهام الكلامِ ثمَّ نُرَقِّعُهُ وقدِ اتَّسَعَ الخرقُ على الرَّاقع! كم نَرْفو خروقَهُ بمِخْيَطِ الحسناتِ ثمَّ نَقْطعُهُ بحسامِ السَّيِّئاتِ القاطع!
كانَ بعضُ السَّلفِ إذا صَلَّى صلاةً اسْتَغْفَرَ مِن تقصيرِهِ فيها كما يَسْتَغْفِرُ المذنبُ مِن ذنبِهِ.
إذا كانَ هذا حالَ المحسنينَ في عباداتِهِم؛ فكيف حالُ المسيئينَ مثلِنا في عاداتِهِم؟!
ارْحَموا مَن حسناتُهُ سيِّئاتٌ وطاعاتُهُ كلُّها غفلاتٌ.
[ ٤٨٣ ]
أسْتَغْفِرُ الله مِنْ صِيامي … طولَ زَماني وَمِنْ صَلاتي
صِيامُنا كُلُّهُ خُروقُ … صَلاتُنا أيُّما صَلاتي
مُسْتَيْقِظٌ في الدُّجى وَلكِنْ … أحْسَنُ مِنْ يَقْظَتي سُباتي
وقريبٌ مِن هذا أمرُ النَّبيِّ - ﷺ - لعائِشَةَ في ليلةِ القدرِ بسؤالِ العفوِ (^١)؛ فإنَّ المؤمنَ يَجْتَهِدُ في شهرِ رمضانَ في صيامِهِ وقيامِهِ، فإذا قَرُبَ فراغُهُ وصادَفَ ليلةَ القدرِ، لم يَسْألِ الله إلَّا العفوَ كالمسيءِ المقصِّرِ.
كانَ صِلَةُ بنُ أشْيَمَ يُحْيي الليلَ، ثمَّ يَقولُ في دعائِهِ في السَّحرِ: اللهمَّ! إنِّي أسْألُكَ أنْ تُجيرَني مِن النَّارِ، ومثلي يَجْتَرِئُ أنْ يَسْألَكَ الجنَّةَ؟!
كانَ مُطَرِّف تقولُ في دعائِهِ: اللهمَّ! ارْضَ عنَّا، فإنْ لمْ تَرْضَ عنَّا؛ فاعْفُ عنَّا؛ فإنَّ السَّيِّدَ يَعْفو عن عبدٍ وهوَ عنهُ غيرُ راضٍ.
قالَ يَحْيى بنُ مُعاذٍ: ليسَ بعارفٍ مَن لمْ يَكُنْ غايةُ أملِهِ مِن اللهِ العفوَ.
إنْ كُنْتُ لا أصْلُحُ لِلْقُرْبِ … فَشَأْنُكُمُ عَفْوٌ عَنِ الذَّنْبِ
أنفعُ الاستغفارِ ما قارَنَتْهُ التَّوبةُ، وهيَ حلُّ عقدةِ الإصرارِ. فمَنِ اسْتَغْفَرَ بلسانِهِ وقلبُهُ على المعصيةِ معقود، وعزمُهُ أنْ يَرْجِعَ إلى المعاصي بعدَ الشَّهرِ ويَعود؛ فصومُهُ عليهِ مردود، وبابُ القبولِ عنهُ مسدود.
قالَ كعبٌ: مَن صامَ رمضانَ وهوَ يُحَدِّثُ نفسَهُ أنَّهُ إذا أفْطَرَ [بعدَ] (^٢) رمضانَ أنْ لا يَعْصِيَ الله؛ دَخَلَ الجنَّةَ بغيرِ مسألةٍ ولا حسابٍ، ومَن صامَ رمضانَ وهوَ يُحَدِّثُ نفسَهُ أنَّهُ إذا أفْطَرَ عَصى ربَّهُ؛ فصيامُهُ عليهِ مردودٌ. خَرَّجَهُ سَلَمَةُ بنُ شَبيبٍ.
وَلَوْلا التُّقى ثُمَّ النُّهى خَشْيَةَ الرَّدى … لَعاصَيْتُ في حُبِّ الصِّبا كُلَّ زاجِرِ
قَضى ما قَضى فيما مَضى ثُمَّ لا تُرى … لَهُ عَوْدَةٌ أُخْرى اللَيالي الغَوابِرِ
في "سنن أبي داوود" وغيرِهِ: عن أبي بَكْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "لا يَقولَنَّ أحدُكُم: صُمْتُ رمضانَ كلَّهُ، ولا قُمْتُ رمضانَ كلَّهُ". قالَ أبو بَكْرَةَ: فلا أدري؛ أكَرِهَ
_________________
(١) (صحيح). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤٦٦).
(٢) ليست من خ وم، استفدتها من ط ليستقيم السياق.
[ ٤٨٤ ]
التَّزكيةَ أم لا بدَّ مِن غفلةٍ (^١)؟
أين مَن كانَ إذا صامَ صانَ الصِّيامَ وإذا قامَ اسْتَقامَ في القيام؟! أحْسَنوا الإسلامَ ثمَّ رَحَلوا بسلام (^٢)! ما بَقِيَ إلَّا مَن إذا صامَ افْتَخَرَ بصيامِهِ وصال، وإذا قامَ أُعْجِبَ بقيامِهِ وقال! كم بينَ خَلِيٍّ وشَجِيٍّ وواجدٍ وفاقدٍ وكاتمٍ ومبدي!
• وأمَّا سؤالُ الجنَّةِ والاستعاذةُ مِن النَّارِ؛ فمِن أهمِّ الدُّعاءِ، وقد قالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "حولَها نُدَنْدِنُ" (^٣). فالصَّائمُ يُرْجى استجابةُ دعائِهِ، فيَنْبَغي ألَّا يَدْعُوَ إلَّا بأهمِّ الأُمورِ.
قالَ أبو مُسْلِمٍ: ما عَرَضَتْ لي دعوةٌ إلَّا صَرَفْتُها إلى الاستعاذةِ مِن النَّارِ.
وفي الحديثِ: "تَعَرَّضوا لنفحاتِ رحمةِ ربِّكُم؛ فإنَّ للهِ نفحاتٍ مِن رحمتِهِ يُصيبُ بها مَن يَشاءُ مِن عبابٍ، فمَن أصابَتْهُ سَعِدَ سعادةً لا يَشْقى بعدَها أبدًا" (^٤).
فمِن أعظمِ نفحاتِهِ مصادفةُ ساعةِ إجابةٍ يَسْألُ فيها العبدُ الجنَّةَ والنَّجاةَ مِن النَّارِ فيُجابُ سؤالُهُ فيَفوزُ بسعادةِ الأبدِ.
قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وقالَ: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠]. وقالَ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ …﴾ إلى قولِهِ: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي
_________________
(١) (ضعيف). رواه: إسحاق (١/ ٤٠٤/ ٤٥٠)، وأحمد (٥/ ٣٩ و٤٠ و٤١ و٤٨ و٥٢)، وأبو داوود (٢٤١٥)، والبزّار (٩/ ١٠٥/ ٣٦٤٥)، وابن حبّان (٣٤٣٩)، والبيهقي في "الشعب" (٣٢٨١ و٣٦٥٥)؛ من طريقين تقوّي إحداهما الأخرى، عن الحسن، عن أبي بكرة ..، رفعه. وهذا سند ضعيف من أجل الحسن؛ فإنّه عنعن على تدليسه والخلاف في سماعه من أبي بكرة. وقد ضعّفه الألباني.
(٢) في خ: "وباب القبول عليه مسدود … دخلوا بسلام"، والصواب ما أثبتّه من م وط.
(٣) (صحيح). رواه: أحمد (٣/ ٤٧٤)، وابن ماجه (٥ - إقامة الصلاة، ٢٦ - ما يقال في التشهّد، ١/ ٢٩٥/ ٩١٠ و٣٨٤٧)، وأبو داوود (٢ - الصلاة، ١٢٣ - تخفيف الصلاة، ١/ ٢٧٠/ ٧٩٢)، وابن خزيمة (٧٢٥)، وابن حبّان (٨٦٨)؛ تارة من طريق زائدة وتارة من طريق جرير، كلاهما عن الأعمش، (قال زائدة: عن رجل من أصحاب النبيّ، وقال جرير: عن أبي هريرة) … رفعه. وهذا سند صحيح رجاله ثقات رجال الستّة، وجهالة الصحابيّ لا تضرّ، على أنّه قد عرف من الطريق الأُخرى. ثمّ له شاهد مقطع من حديث سليم (رجل من بني سلمة) عند أحمد (٥/ ٧٤)، وآخر من حديث جابر عند أبي داوود (الموضع السابق، ٧٩٣) بسند حسن. وقد صحّحه النووي والبوصيري والسيوطي والألباني.
(٤) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤٠ - ٤١).
[ ٤٨٥ ]
الْجَنَّةِ﴾ [هود: ١٠٦ - ١٠٨].
لَيْسَ السَّعيدُ الَّذي دُنْياهُ تُسْعِدُهُ … إنَّ السَّعيدَ الذي يَنْجو مِنَ النَّارِ
• عبادَ اللهِ! [إنَّ] شهرَ رمضانَ قد عَزَمَ على الرَّحيل، ولم يَبْقَ منهُ إلَّا القليل. فمَن منكُم أحْسَنَ فيهِ فعليهِ التَّمام، ومَن كانَ فَرَّطَ فلْيَخْتِمْهُ بالحسنى فالعملُ بالختام. فاسْتَمْتِعوا منهُ بما بَقِيَ مِن الليالي اليسيرةِ والأيَّام، واسْتَوْدِعوهُ عملًا صالحًا يَشْهَدُ لكُم بهِ عندَ الملكِ العلَّام، ووَدِّعوهُ عندَ فراقِهِ بأزكى تحيَّةٍ وسلام.
سَلَامٌ مِنَ الرَّحْمنِ كُلَّ أوانِ … عَلى خَيْرِ شَهْرٍ قَدْ مَضى وَزَمانِ
سَلامٌ عَلى شَهْرِ الصِّيامِ فَإنَّهُ … أمانٌ مِنَ الرَّحْمنِ أيُّ أمانِ
لَئِنْ فَنِيَتْ أيَّامُكَ الغُرُّ بَغْتَةً … فَما الحُزْنُ مِنْ قَلْبي عَلَيْكَ بِفانِ
لقد ذَهَبَتْ أيَّامُهُ وما أطَعْتُم، وكُتِبَتْ عليكُم فيهِ آثامُهُ وما أضَعْتُم، وكأنَّكُم بالمشمِّرينَ فيهِ وقد وَصَلوا وانْقَطَعْتُم، أتُرى ما هذا التَّوبيخُ لكُم أو ما سَمِعْتُم؟!
ما ضاعَ مِن أيَّامِنا هَلْ يُغْرَمُ … هَيْهاتَ وَالأزمانُ كَيْفَ تُقَوَّمُ
يَوْمٌ بِأرْباحٍ يُباعُ وَيُشْتَرى … وَأخوهُ لَيْسَ يُسامُ فيهِ دِرْهَمُ (^١)
قلوبُ المتَّقينَ إلى هذا الشَّهرِ تَحِنُّ ومِن ألمِ فراقِهِ تَئِنُّ.
دَهاكَ الفِراقُ فَما تَصْنَعُ … أتَصبِرُ لِلْبَيْنِ أمْ تَجْزَعُ
إذا كُنْتَ تَبْكي وَهُمْ جِيرَةٌ … فَكَيْفَ تَكونُ إذا وَدَّعوا
كيفَ لا يَجْري للمؤمنِ على فراقِهِ دموعُ، وهوَ لا يَدْري هلْ بَقِيَ لهُ في عمرِهِ إليهِ رجوعُ؟!
تَذَكَّرْتُ أيامًا مَضَتْ وَلَيالِيا … خَلَتْ فَجَرَتْ مِنْ ذِكْرِهِنَّ دُموعُ
ألا هَلْ لَها يَوْمًا مِنَ الدَّهرِ عَوْدَةٌ … وَهَلْ لي إلى وَقْتِ الوِصالِ رُجوعُ
وَهَلْ بعدَ إعْراضِ الحَبيبِ تَواصُلٌ … وَهَلْ لِبُدورٍ قَدْ أفَلْنَ طُلوعُ
أينَ حُرَقُ المجتهدينَ في نهارِه؟! أينَ قلقُ المتهجِّدينَ (^٢) في أسحارِه؟
_________________
(١) في خ: "فقد ذهبت أيّامه … فهيهات … وأخوه بخس لا يساوي درهم"، وأثبت ما في م وط.
(٢) في خ: "قلق المجتهدين"، والأولى ما أثبتّه من م وط.
[ ٤٨٦ ]
إِسْمَعْ أنينَ العاشِقيـ … ــــــــــــنَ إنِ اسْتَطَعْتَ لَهُ سَماعا
راحَ الحَبيبُ فَشَيَّعَتْـ … ـهُ مَدامِعي تَهْمِي سِراعا
لَوْ كُلِّفَ الجَبَلُ الأصَمْ … مُ فِراقَ إلْفٍ ما اسْتَطاعا
إذا كانَ هذا جزعَ مَن رَبِحَ فيه؛ فكيفَ حالُ مَن خَسِرَ في أيَّامِهِ ولياليه؟! ماذا يَنْفَعُ المفرِّطَ فيهِ بكاؤُه وقد عَظُمَتْ فيهِ مصيبتُهُ وجَلَّ عزاؤُه؟! كم نُصِحَ المسكينُ فما قَبِلَ النُّصح! كم دُعِيَ إلى المصالحةِ فما أجابَ إلى الصُّلح! كم شاهَدَ الواصلينَ وهوَ متباعد! كم مَرَّتْ بهِ زمرُ السَّائرينَ وهوَ قاعد! حتَّى إذا ضاقَ بهِ الوقتُ وحاقَ بهِ المقتُ؛ نَدِمَ على التَّفريطِ حينَ لا يَنْفَعُ النَّدم، وطَلَبَ الاستدراكَ في وقتِ العدم.
أتَتْرُكُ مَنْ تُحِبُّ وَأنْتَ جارُ … وَتَطْلُبُهُمْ إذا بَعُدَ المَزارُ
وَتَبْكي بَعْدَ نَأْيِهِمُ اشْتِياقا … وَتَسْألُ في المَنازِلِ أينَ ساروا
تَرَكْتَ سُؤالَهُمْ وَهُمُ حُضورٌ … وَتَرْجو أنْ تُخَبِّرَكَ الدِّيارُ
فَنَفْسَكَ لُمْ وَلا تَلُمِ المَطايا … وَمُتْ كَمَدًا فَلَيْسَ لَكَ اعْتِذارُ
يا شهرَ رمضانَ! تَرَفَّقْ، دموعُ المحبِّينَ لذهابِكَ تَدَفَّق، قلوبُهُم مِن ألمِ الفراقِ تَشَقَّق، عَسى وقفةٌ للوداعِ تُطْفِئُ مِن نارِ الشَّوقِ ما أحْرَق، عسى ساعةُ توبةٍ وإقلاعٍ تَزفو مِن الصِّيامِ كلَّ ما تَخَرَّق، عَسى منقطِعٌ عن ركبِ المقبولينَ يَلْحَق، عسى مَنِ اسْتَوْجَبَ النَّارَ يُعْتَق، عسى أُسراءُ الأوزارِ تُطْلَق، عسى رحمةُ المولى لها العاصي يُوَفَّق.
عَسى وَعَسى مِنْ قَبْلِ وَقْتِ التَّفَرُّقِ … إلى كُلِّ ما تَرجو مِنَ الخَيْرِ تَرْتَقي
فَيُجْبَرَ مَكْسورٌ (^١) وَيُقْبَلَ تائِبٌ … وَيُعْتَقَ خَطَّاءٌ وَيَسْعَدَ مَنْ شَقِي
* * *
_________________
(١) في حاشية خ: "خ مردود خ مطرود"؛ يعني أنّه كذلك في بعض النسخ. وفي م: "فيقرب مردود ويقبل تائب ويجبر مكسور … ".
[ ٤٨٧ ]