فإنَّ التَّوبةَ وظيفةُ العمرِ. وهيَ خاتمةُ مجالسِ الكتابِ.
خَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابنُ حِبَّانَ في "صحيحه" مِن حديثِ: ابن عُمَرَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إنَّ الله ﷿ يَقْبَلُ توبةَ العبدِ ما لمْ يُغَرْغِرْ" (^١). قالَ التِّرْمِذِيُّ: حديثٌ حسنٌ.
• دَلَّ هذا الحديثُ على قبولِ اللهِ توبةَ عبدِهِ ما دامَتْ روحُهُ في جسدِهِ لمْ تَبْلُغِ
_________________
(١) (حسن صحيح). رواه: ابن الجعد (٣٥٢٩)، وأحمد (٢/ ١٣٢ و١٥٣)، وعبد بن حميد (٨٤٧)، وابن ماجه (٣٧ - الزهد، ٣٠ - التوبة، ٢/ ١٤٢٠/ ٤٢٥٣)، والترمذي (٤٩ - الدعو ات، ٩٩ - التوبة والاستغفار، ٥/ ٥٤٧/ ٣٥٣٧)، وأبو يعلى (٥٦٠٩ و٥٧١٧)، وابن حبّان (٦٢٨)، والطبراني في "الشاميّين" (١٩٤)، وابن عدي (٤/ ١٥٩٢)، والحاكم (٤/ ٢٥٧)، وأبو نعيم في "الحلية" (٥/ ١٩٠)، والبيهقي في "الشعب" (٧٠٦٣ و٧٠٦٤)، والبغوي في "السنّة" (١٣٠٦)، والذهبي في "النبلاء" (٥/ ١٦٠)؛ من طريق ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن ابن عمر … رفعه. قال البوصيري: "إسناد ضعيف لتدليس الوليد ومكحول". قلت: الوليد توبع، ورواية مكحول عن التابعي يستبعد فيها التدليس، وإنّما كان يرسل عن الصحابة. ولذلك قال الترمذي: "حسن غريب"، وأقرّه المنذري والنووي وابن كثير ابن رجب والعجلوني والألباني. وصحّحه ابن حبّان والحاكم والذهبي. وقال الذهبيّ في "النبلاء": "حديث عال صالح الإسناد". قلت: إنّما اكتفوا بتحسينه لحال ابن ثوبان فحديثه لا يرقى إلى الصحّة. وله شاهد من حديث عبد الرحمن بن البيلماني عن رجل من الصحابة سيأتي الكلام فيه (ص ٧٣١). وشاهد عند: القضاعي (١٠٨٥)، والخطيب (٨/ ٣١٧)؛ من وجهين، عن عبادة … رفعه. وشاهد عند: أبي الشيخ في "الطبقات" (٣/ ١٢٤)، وابن مردويه (النساء ١٧ - ابن كثير)؛ من طريق لا بأس بها، عن أبي هريرة … رفعه. وشاهد عند: ابن أبي شيبة (٣٥٠٦٧)، والطبري (٨٨٥٧)؛ من طريق قويّة، عن الحسن … مرسلًا. وشاهد عند ابن جرير (٨٨٥٨) من طريق قويّة، عن أيّوب بن بشير … مرسلًا. فالحديث صحيح بهذه الشواهد بلا ريب، وإلى تقويته مال أكثر أهل العلم كما تقدّم.
[ ٧١٨ ]
الحلقومَ والتَّراقيَ.
وقد دَلَّ القرآنُ على مثلِ ذلكَ [أيضًا]: قالَ اللهُ ﷿: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ١٧]. وعملُ السُّوءِ إذا أُفْرِدَ؛ دَخَلَ فيهِ (^١) جميعُ السَّيِّئاتِ صغيرُها وكبيرُها.
• والمرادُ بالجهالةِ الإقدامُ على عملِ السُّوءِ، وإنْ عَلِمَ صاحبُهُ أنَّهُ سوءٌ؛ فإنَّ كلَّ مَن عَصى الله فهوَ جاهلٌ وكلَّ مَن أطاعَهُ فهوَ عالمٌ، وبيانُهُ مِن وجهينِ:
• أحدُهُما: أن مَن كانَ عالمًا باللهِ وعظمتِهِ وكبريائِهِ وجلالِهِ؛ فإنَّهُ يَهابُهُ ويَخْشاهُ، فلا يَقَعُ منهُ معَ استحضارِ ذلكَ عصيانُهُ. كما قالَ بعضُهُم: لو تَفَكَّرَ النَّاسُ في عظمةِ اللهِ؛ ما عَصَوْهُ. وقالَ آخرُ: كَفى بخشيةِ اللهِ علمًا وكَفى بالاغترارِ باللهِ جهلًا.
• والثاني: أن مَن آثَرَ المعصيةَ على الطَّاعةِ؛ فإنَّما حَمَلَهُ على ذلكَ: جهلُهُ وظنُّهُ أنَّها تَنْفَعُهُ عاجلًا باستعجالِ لذَّتِها، وإنْ كانَ عندَهُ إيمانٌ؟ فهوَ يَرْجو التَّخلُّصَ مِن سوءِ عاقبتِها بالتَّوبةِ في آخرِ عمرِهِ. وهذا جهلٌ محضٌ؛ فإنَّهُ يَتَعَجَّلُ الإثمَ والخزيَ ويَفوتُهُ عزُّ التَّقوى وثوابُها ولذَّةُ الطَّاعةِ، وقد يَتَمَكَّنُ مِن التَّوبةِ بعدَ ذلكَ وقد يُعاجِلُهُ الموتُ بغتةً، فهوَ كجائعٍ أكَلَ طعامًا مسمومًا لدفعِ جوعِهِ الحاضرِ ورَجا أنْ يَتَخَلَّصَ مِن ضررِهِ بشربِ الدِّرياقِ (^٢) بعدَهُ، وهذا لا يَفْعَلُهُ إلَّا جاهلٌ.
وقد قالَ اللهُ تَعالى في حقِّ الذينَ يُؤْثِرونَ السِّحرَ: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢ - ١٠٣]. والمرادُ أنَّهُم آثَروا السِّحرَ على التَّقوى والإيمانِ لِما رَجَوْا فيهِ مِن منافعِ الدُّنيا المعجَّلةِ معَ علمِهِم أنَّهُم يَفوتُهُم بذلكَ ثوابُ الآخرةِ، وهذا جهلٌ منهُم؛ فإنَّهُم لو عَلِموا؛ لآثَروا الإيمانَ والتَّقوى على ما عَداهُما، فكانوا يُحْرِزونَ أجرَ الآخرةِ ويَأْمَنونَ عقابَها ويَتَعَجَّلونَ عزَّ التَّقوى في الدُّنيا، وربَّما وَصَلوا إلى ما يَأْمُلونَهُ في الدُّنيا
_________________
(١) في خ: "يدخل فيه"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٢) الدرياق والترياق: ما يشرب لتعديل أثر السمّ.
[ ٧١٩ ]
[أ] وإلى خيرٍ منهُ [وأنفعَ]؛ فإن أكثرَ ما يُطْلَبُ بالسِّحرِ قضاءُ حوائجَ محرَّمةٍ أو مكروهةٍ عندَ اللهِ، والمؤمنُ المتَّقي يُعَوِّضُهُ اللهُ في الدُّنيا خيرًّا ممَّا يَطْلُبُهُ السَّاحرُ ويُؤْثِرُهُ معَ تعجيلِهِ عزَّ التَّقوى وشرفَها وثوابَ الآخرةِ وعلوَّ درجاتِها، فتبَيَّنَ بهذا أن إيثارَ المعصيةِ على الطَّاعةِ إنَّما يَحْمِلُ عليهِ الجهلُ، فلذلكَ كانَ كلُّ مَن عَصى الله جاهلًا وكلُّ مَن أطاعَهُ عالمًا، وكَفى بخشيةِ اللهِ علمًا وبالاغترارِ بهِ جهلًا.
• فأمَّا التَّوبةُ مِن قريبٌ؛ فالجمهورُ على أن المرادَ بها التَّوبةُ قبلَ الموتِ. والعمرُ كلُّهُ قريبٌ، والدُّنيا كلُّها قريبٌ، فمَن تابَ قبلَ الموتِ؛ فقد تابَ مِن قريبٍ، ومَن ماتَ ولمْ يَتُبْ؛ فقد بَعُدَ كلَّ البعدِ. كما قيلَ:
فَهُمْ جِيرَةُ الأحْياءِ أمَّا مَزارُهُمْ … فَدانٍ وَأمَّا المُلْتَقى فَبَعيدُ
فالحيُّ قريبٌ، والميِّتُ بعيدٌ مِن الدُّنيا على قربِهِ منها؛ فإنَّ جسمَهُ في الأرضِ يَبْلى، وروحَهُ عندَ اللهِ تُنَعَّمُ أو تُعَذَّبُ، ولقاؤُهُ لا يُرْجى في الدُّنيا، كما قيلَ:
مُقيمٌ إلى أنْ يَبْعَثَ اللهُ خَلْقَهُ … لِقاؤُكَ لا يُرْجى وَأنْتَ قَريبُ
تَزيدُ بِلًى في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ … وَتُنْسى كَما تَبْلى وَأنْتَ حَبيبُ
وهذانِ البيتانِ سَمِعَهُما داوودُ الطَّائِيُّ ﵀ مِنِ امرأةٍ في مقبرةٍ تَنْدُبُ بهِما ميِّتًا لها، فوَقَعا مِن قلبِهِ موقعًا، فاسْتَيْقَظَ بهِما ورَجَعَ زاهدًا في الدُّنيا راغبًا في الآخرةِ وانْقَطَعَ إلى العبادةِ إلى أنْ ماتَ.
فمَن تابَ قبلَ أنْ يُغَرْغِرَ؛ فقد تابَ مِن قريبٍ، فتُقْبَلُ توبتُهُ.
ورُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ في قولِهِ تَعالى: ﴿يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]؛ قالَ: قبلَ المرضِ والموتِ.
وهذا إشارةٌ إلى أنَّ أفضلَ أوقاتِ التَّوبةِ هوَ أنْ يُبادِرَ الإنسانُ بالتَّوبةِ في صحَّتِهِ قبلَ نُزولِ المرضِ بهِ حتَّى يَتَمَكَّنَ حينئذٍ مِن العملِ الصَّالحِ. ولذلكَ قَرَنَ اللهُ التَّوبةَ بالعملِ الصَّالحِ في مواضعَ كثيرةٍ مِن القرآنِ.
وأيضًا؛ فالتَّوبةُ في الصِّحَّةِ ورجاءِ الحياةِ تُشبِهُ الصَّدقةَ بالمالِ في الصِّحَّةِ ورجاءِ البقاءِ، والتَّوبةُ في المرضِ عندَ حضورِ أماراتِ الموتِ تُشْبِهُ الصَّدقةَ بالمالِ عندَ الموتِ،
[ ٧٢٠ ]
فكأنَّ مَن لا يَتوبُ إلَّا في مرضِهِ قدِ اسْتَفْرَغَ صحَّتَهُ وقوَّتَهُ في شهواتِ نفسِهِ وهواهُ ولذَّاتِ دنياهُ، فإذا أيِسَ مِن الدُّنيا والحياةِ فيها؛ تابَ حينئذٍ وتَرَكَ ما كانَ عليهِ. فأينَ توبةُ هذا مِن توبةِ مَن يَتوبُ مِن قريب وهوَ صحيحٌ قويٌّ قادرٌ على عملِ المعاصي تاركٌ لها خوفًا مِن اللهِ ﷿ ورجاءً لثوابِهِ وإيثارًا لطاعتِهِ على معصيتِهِ؟!
دَخَلَ قومٌ على بِشْرٍ الحافي وهوَ مريضٌ، فقالوا لهُ: على ماذا عَزَمْتَ؟ قالَ: عَزَمْتُ على أنِّي إذا عوفِيتُ تُبْتُ. فقالَ لهُ رجلٌ منهُم: فهلَّا تُبْتَ السَّاعةَ! فقالَ: يا أخي! أما عَلِمْتَ أن الملوكَ لا تَقْبَلُ الأمانَ ممَّن في رجلِهِ القيدُ وفي رقبتِهِ الغلُّ، إنَّما يُقْبَلُ الأمانُ ممَّن هوَ راكبٌ الفرسَ والسَّيفُ مجرَّدٌ بيدِهِ؟! فبَكى القومُ جميعًا (^١).
ومعنى هذا أن التَّائبَ في صحَتِهِ بمنزلةِ مَن هوَ راكبٌ على متنِ جوادِهِ وبيدِهِ سيفٌ مشهورٌ، فهوَ يَقْدِرُ على الكرِّ والفرِّ والقتالِ وعلى الهربِ مِن الملكِ وعصيانِهِ، فإذا جاءَ على هذهِ الحالِ إلى بينَ يديِ الملكِ ذليلًا لهُ طالبًا لأمانِهِ؛ فقد صارَ بذلكَ مِن خواصِّ الملكِ وأحبابِهِ؛ لأنَّهُ جاءَهُ طائعًا مختارًا لهُ راغبًا في [قربِهِ وخدمتِهِ. وأمَّا مَن هوَ في أسرِ الملكِ وفي رجلِهِ قيدٌ وفي رقبتِهِ غلٌّ؛ فإنَّهُ إذا طَلَبَ] الأمان مِن الملكِ؛ فإنَّما طَلَبَهُ خوفًا على نفسِهِ مِن الهلاكِ، وقد لا يَكونُ محبًّا للملكِ ولا مؤثرًا لرضاهُ. فهذا مثلُ مَن لا يَتوبُ إلَّا في مرضِهِ عندَ موتِهِ، والأوَّل بمنزلةِ مَن يَتوبُ في صحَّتِهِ وقوَّتِهِ وشبيبتِهِ.
لكنَّ ملكَ الملوكِ أكرمُ الأكرمينَ وأرحمُ الرَّاحمينَ، وكلُّ خلقِهِ أسيرٌ في قبضتِهِ،
_________________
(١) أسعد الخلق بهذه النصيحة هو إبليس! ولا تخلو عبارة منها من نظر من وجوه: أوّلها: أنّه إن عزم على التوبة وهو مقيم على المعصية؛ فهذا تلعّب من الشيطان به كما سيأتي. وإن عزم على التوبة من معاص كان يفعلها أيّام صحّته؛ فهذا العزم توبة إن ندم صاحبه. والثاني: أنّ قياس الله تعالى بملوك الدنيا في هذه القضيّة من أفسد القياس وأبعده عن الصواب! أين الغنيّ الرحيم الكريم الحليم الصبور من ملوك الدنيا؟! أليس من العجب أن يقاس الجهلة الذين لا يعرفون خفايا النوايا بالذي يعلم السرّ وأخفى ويعلم من تاب حقًّا ومن يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟! والثالث: أن قياس راكب الفرس بالصحيح المعافى في هذا الباب قياس فاسد أيضًا؛ لأنّ راكب الفرس حامل السيف قد يخرج عن سلطان الملك وينجو من سطوته، بخلاف الصحيح المعافى الذي هو في قبضة الله وتحت قهره وسلطانه كالمريض سواء والرابع: وليت شعري! إذا أجّل المريض توبته انتظارًا للعافية ثمّ قبضه الله في مرضه ذاك؛ فأيّ مصيبة أعظم من مصيبته؟! وأيّ نفع سيجنيه من تلك الشقشقة؟! لا أظنّه والله إلّا فيمن يعضّ على يديه ويقول: يا ويلتا! ليتني لم أتّخذ فلانًا خليلًا!
[ ٧٢١ ]
لا يُعْجِزُهُ منهُم أحدٌ، لا يُعْجِزُهُ هاربٌ ولا يَفوتُهُ ذاهبٌ، كما قيلَ: لا أقْدَرَ ممَّن طَلِبَتُهُ في يدِهِ، ولا أعْجَزَ ممَّن هوَ في يدِ طالبِهِ. ومع هذا؛ فكلُّ مَن طَلَبَ الأمانَ مِن عذابِهِ مِن عبابٍ أمَّنَهُ على أيِّ حالٍ كانَ إذا عَلِمَ منهُ الصِّدقَ في طلبِهِ (^١).
أنْشَدَ بعضُ العارفينَ:
الأمانَ الأمانَ وِزْري ثَقيلُ … وَذُنوبي إذا عَدَدْتُ تَطولُ
أوْبَقَتْني وَأوْثَقَتْني ذُنوبي … فَتُرى لي إلى الخَلاصِ سَبيلُ
• وقولُهُ ﷿: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٨]: فسَوَّى بينَ مَن تابَ عندَ الموتِ ومَن ماتَ مِن غيرِ توبةٍ.
والمرادُ بالتَّوبةِ عندَ الموتِ التَّوبةُ عندَ انكشافِ الغطاءِ ومعاينةِ المحتضَرِ أُمورَ الآخرةِ ومشاهدةِ الملائكةِ؛ فإنَّ الإيمانَ والتَّوبةَ وسائرَ الأعمالِ إنَّما تَنْفَعُ بالغيبِ، فإذا كُشِفَ الغطاءُ وصارَ الغيبُ شهادةً؛ لمْ يَنْفَعِ الإيمانُ ولا التَّوبةُ في تلكَ الحالِ.
ورَوى ابنُ أبي الدُّنْيا بإسنادِهِ عن عَلِيٍّ؛ قالَ: لا يَزالُ العبدُ في مهلةٍ مِن التَّوبةِ ما لمْ يَأْتِهِ ملكُ الموتِ يَقْبِضُ روحَهُ، فإذا نَزَلَ ملكُ الموتِ؛ فلا توبةَ حينئذٍ.
وبإسنادِهِ عن الثَّوْريِّ؛ قالَ: قالَ ابنُ عُمَرَ: التَّوبةُ مبسوطةٌ ما لمْ يَنْزِلْ سلطانُ الموتِ.
وعنِ الحَسَنِ؛ قالَ: التَّوبةُ معروضةٌ لابنِ آدَمَ ما لمْ بَأْخْذِ الموتُ بكظمِهِ.
وعن بكْرٍ المُزَنيِّ؛ قالَ: لا تَزالُ التَّوبةُ للعبدِ مبسوطةً ما لمْ تَأْتِهِ الرُّسلُ، فإذا عايَنَهُمُ؛ انْقَطَعَتِ المعرفةُ.
وعن أبي مِجْلَزٍ؛ قالَ: لا يَزالُ العبدُ في توبةٍ ما لم يُعايِنِ الملائكةَ.
ورَوى في "كتاب الموت" بإسنادِهِ: عن أبي موسى الأشْعَرِيِّ" قالَ: إذا عايَنَ الميِّتُ الملَكَ؛ ذَهَبَتِ المعرفةُ.
وعن مجاهِدٍ نحوَهُ.
_________________
(١) فهذا - إن أنعمت فيه النظر - يدلّ على أن المصنّف لم يسلّم للحافي قالته وردّها عليه.
[ ٧٢٢ ]
وعن حُصَيْنٍ؛ قالَ: بَلَغَني أن ملكَ الموتِ إذا غَمَزَ وريدَ الإنسانِ حينئذٍ يَشْخَصُ بصرُهُ ويَذْهَلُ عن النَّاسِ.
وخَرَّجَ ابنُ ماجَهْ حديثَ أبي موسى مرفوعًا؛ [قالَ]: سَألْتُ النَّبيَّ - ﷺ -: متى تَنْقَطِعُ معرفةُ العبدِ مِن النَّاسِ؟ قالَ: "إذا عايَنَ" (^١). وفي إسنادِهِ مقالٌ، والموقوفُ أشبهُ.
وقد قيلَ: إنَّهُ مُنِعَ مِن (^٢) التَّوبةِ حينئذٍ؛ لأنَّهُ إذا انْقَطَعَتْ معرفتُهُ وذَهِلَ عقلُهُ؛ لم يُتَصَوَّرْ منهُ ندمٌ ولا عزمٌ؛ فإنَّ النَّدمَ والعزمَ إنَّما يَصِحُّ معَ حضورِ العقلِ، وهذا (^٣) ملازمٌ لمعاينةِ الملائكةِ، كما دَلَّتْ عليهِ هذهِ الأخبارُ (^٤).
• وقولُهُ - ﷺ - في حديثِ ابن عُمَرَ: "ما لمْ يُغَرْغِرْ"؛ يَعْني: ما لمْ تَبْلُغْ روحُهُ عندَ خروجِها منهُ إلى حلقِهِ. فشَبَّهَ تردُّدَها في حلقِ المحتضَرِ بما يَتَغَرْغَرُ بهِ الإنسانُ مِن الماءِ وغيرِهِ ويُرَدِّدُهُ في حلقِهِ.
وإلى ذلكَ الإشارةُ في القرآنِ: بقولِهِ ﷿: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ. وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾. [الوقعة: ٨٣] وبقولهِ ﷿: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦].
ورَوى ابنُ أبي الدُّنيا بإسنادِهِ عن الحَسَنِ؛ قالَ: أشدُّ ما يَكونُ الموتُ على العبدِ إذا بَلَغَتِ الرُّوحُ التَّراقيَ. قالَ: فعندَ ذلكَ يَضْطَرِبُ ويَعْلو نفسُهُ. ثمَّ بَكى الحَسَنُ ﵀.
عِشْ ما بَدَا لَكَ سالِمًا … في ظِلِّ شاهِقَةِ القُصورِ
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). رواه: ابن ماجه (٦ - الجنائز، ٥ - المؤمن يؤجر في النزع، ١/ ٤٦٧/ ١٤٥٣)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٨/ ٤٠٨)؛ من طريق نصر بن حمّاد، ثنا موسى بن كردم، عن محمّد بن قيس، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبي موسى … رفعه. قال البوصيري: "ضعيف، نصر بن حمّاد كذّبه ابن معين وغيره وأتّهم بالوضع". قلت: وأتى بموسى بن كردم لا يعرف من هو! فالسند ساقط، وقال الألباني: "ضعيف جدّا".
(٢) في خ: "وقد قيل إنّ ذلك سبب المنع من"، والأولى ما أثبتّه من ن وط.
(٣) يعني: الذهول وانقطاع المعرفة.
(٤) وأولى من ذلك أن يقال: إنّ الله تعالى إنّما أراد من عباده أن يؤمنوا به وبما عنده بالغيب، فإذا أصبح هذا الغيب مشهودًا للعبد عند المعاين؛ لم يعد للإيمان معنى؛ لأنّ جميع الخلق جنّهم وإنسهم كافرهم ومؤمنهم يؤمنون في تلك اللحظة ويقولون: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾!
[ ٧٢٣ ]
يُسْعى عَلَيْكَ بِما اشْتَهَيْـ … ــتَ لَدى الرَّواحِ وفي البُكورِ
فَإذا النُّفوسُ تَقَعْقَعَتْ … في ضيقِ حَشْرَجَةِ الصُّدورِ
فَهُناكَ تَعْلَمُ موقِنًا … ما كُنْتَ إلَّا في غُرورِ
• واعْلَمْ أنَّ الإنسانَ ما دامَ يُؤَمِّلُ الحياةَ فإنَّهُ لا يَقْطَعُ أملَهُ مِن الدُّنيا، وقد لا تَسْمَحُ نفسُهُ بالإقلاعِ عن لذَّاتِها وشهواتِها مِن المعاصي وغيرِها، ويُرَجِّيهِ الشَّيطانُ التَّوبةَ في آخرِ عمرِهِ، فإذا تَيَقَّنَ الموتَ وأيِسَ مِن الحياةِ؛ أفاقَ مِن سكرتِهِ بشهواتِ الدُّنيا، فنَدِمَ (^١) حينئذٍ على تفريطِهِ ندامةً يَكادُ يَقْتُلُ نفسَهُ، وطَلَبَ الرَّجعةَ إلى الدُّنيا لِيَتوبَ ويَعْمَلَ صالحًا، فلا يُجابُ إلى شيءٍ مِن ذلكَ، فيَجْتَمعُ عليهِ سكرة الموتِ معَ حسرةِ الفوتِ.
وقد حَذَّرَ اللهُ تَعالى عبادَهُ مِن ذلكَ في كتابِهِ لِيَسْتَعِدُّوا للموتِ قبلَ نزولِهِ بالتَّوبةِ والعملِ الصَّالحِ:
قالَ تَعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ. وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ. أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٤ - ٥٦].
وقد سُمعَ بعضُ المحتضَرينَ عندَ احتضارِهِ يَلْطِمُ على وجهِهِ وتقولُ: يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جنبِ اللهِ.
وسُمِعَ من آخرَ: سَخِرَتْ بيَ الدُّنيا حتَّى ذَهَبَتْ أيَّامي.
وقالَ آخرُ عندَ موتِهِ: لا تَغُرَّنَكُمُ الدُّنيا كما غَرَّتْني (^٢).
_________________
(١) في خ: "فيندم"، والأولى ما أثبته من ن وط.
(٢) وهؤلاء يرجى لهم القبول؛ فإن الندم توبة، والتوبة مقبولة ما لم يغرغر صاحبها! وفي الناس من هم شرّ حالًا من أُولئك! تراهم في لحظات النزع لا شغل لهم إلّا مظاهر الدنيا؛ هل جاء فلان؟! وماذا أحضر فلان من الهدايا؟! ولقد رأيت أحدهم في حال يرثى لها، فجاءه أنّ الوزير فلانًا في طريقه إليه، فشدّ نفسه ووضعت له الوسائد ووجم في الحاضرين حتّى ينصرفوا قبل حضور الضيف الكبير، ثمّ مات من ليلته! وقلت لمصاب بجلطة دماغيّة: عليك بالتوبة! فقال لي بصوت متلعثم: ما بقي ما يستحقّ التوبة! فتعجّبت من هذا الجواب الفظيع، ثمّ حضرني قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
[ ٧٢٤ ]
وقالَ اللهُ ﷾: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُون لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ. كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠].
وقالَ تَعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١٠].
وقالَ تَعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤]. وفَسَّرَهُ طائفةٌ مِن السَّلفِ - منهُم عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ - بأَنَّهُم طَلَبوا التَّوبةَ حينَ حيلَ بينَهُم وبينَها.
قالَ الحَسَنُ: اتَّقِ الله يا أبنَ آدَمَ! لا يَجْتَمعُ عليكَ خصلتانِ؛ سكرةُ الموتِ، وحسرةُ الفوتِ.
وقالَ ابنُ السَّمَّاكِ: احْذَرِ السَّكرةَ والحسرةَ؛ أنْ يَفْجَأكَ الموتُ وأنتَ على الغرَّةِ، فلا يَصِفُ واصفٌ قدرَ ما تَلْقى ولا قدرَ ما ترى.
وقالَ الفُضَيْلُ: يَقولُ اللهُ ﷿: ابنَ آدَمَ! إذا كُنْتَ تتقَلَّبُ في نعمتي وأنتَ تتقَلَّبُ في معصيتي؛ فاحْذَرْني لا أصْرَعُكَ بينَ معاصِيَّ.
وفي بعضِ الإسرائيليَّاتِ: ابنَ آدَمَ! احْذَرْ لا يَأْخُذُكَ اللهُ على ذنبٍ فتَلْقاهُ لا حجَّةَ لكَ.
• ماتَ كثيرٌ مِن المصرِّينَ على المعاصي على أقبحِ أحوالِهِم وهُم مباشرونَ للمعاصي، فكانَ ذلكَ خزيًا لهُم في الدُّنيا مع ما صاروا إليهِ مِن عذابِ الآخرةِ. وكثيرًا ما يَقَعُ هذا للمصرِّينَ على الخمرِ المدمنينَ لشربِها، كما قالَ القائلُ (^١):
_________________
(١) في حاشية خ هنا: "ذكر المصنف ﵀ في مجلس يوم عرفة قال: روي ابن أبي الدنيا وغيره أن رجلًا رأى في منامه أن الله غفر لأهل الموسم كلّهم إلا رجل من بلخ فسأل عنه حتى وقع عليه، فسأله عن حاله، فذكر أنّه كان مدمنًا لشرب الخمر، فجاء ليله وهو سكران، فعاتبته أُمّه وهي تسجر تنورًا فاحتملها فألقاها فيه حتى احترقت. قال أبو نصر القصّار: حضر رجل من الصالحين بين يدي ابن عقيل؛ قال: بينما أنا ذات ليلة من الليل وقد أشرق القمر، إذا بعشرة سكاري قد أقبلوا حتّى دنوا من المسجد، فنزلوا نهر عيسى، فتقيّأ بعضهم وغسل بعضهم فمه، فقال بعضهم لبعض: ألا نصلّي؟ فقلت من نفسي: هؤلاء يذكرون الصلاة! فقال أحدهم من يصلّي بنا؟ فتقدم أحدهم واصطف التسعة وراءه على حالهم بلا وضوء، فالتفت عن يمينه فقال استووا لا رضي الله عنكم. ثم التفت عن يساره فقال استوا لا رحمكم الله. ثم كبّر وكبّروا، ثم قرأ: ﴿﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ =
[ ٧٢٥ ]
أتَأْمَنُ أيُّها السَّكْرانُ جَهْلًا … بِأنْ تَفْجَاكَ في السُّكرِ المَنِيَّهْ
فَتَضْحى عِبْرَةً لِلنَّاسِ طُرًّا … وَتَلْقى الله مِن شَرِّ البَرِيَّهْ
سَكِرَ بعضُ المتقدِّمينَ ليلةً، فعاتَبَتْهُ زوجتُهُ على تركِ الصَّلاةِ، فحَلَفَ بطلاقِهما ثلاثًا لا يُصَلِّي ثلاثةَ أيَّامٍ، فاشْتَدَّ عليهِ فراقُ زوجتِهِ، فاسْتَمَرَّ على تركِ الصَّلاةِ مدَّةَ الأيَّامِ الثَّلاثةِ، فماتَ فيها على حالِهِ وهوَ مصرٌّ على الخمرِ تاركٌ للصَّلاةِ.
كانَ بعضُ المصرِّينَ على الخمرِ يُكْنى أبا عمرٍو، فنامَ ليلةً وهوَ سكرانُ، فرَأى في منامِهِ قائلًا يَقولُ لهُ:
جَدَّ بِكَ الأمْرُ أبا عَمْرِو … وَأنْتَ مَعْكوفٌ عَلى الخَمْرِ
تَشْرَبُ صَهْباءَ صُراحِيَّةً … سالَ بِكَ السَّيْلُ وَلاتَدْري
فاسْتَيْقَظَ منزعجًا وأخْبَرَ مَن عندَهُ بما رَأى، ثمَّ غَلَبَهُ سكرُهُ فنامَ، فلمَّا كانَ وقتُ الصُّبحِ؛ ماتَ فجأةً.
قالَ يَحْيى بنُ مُعاذٍ: الدُّنيا خمرُ الشَّيطانِ، مَن سَكِرَ منها لمْ يُفِقْ إلَّا في عسكرِ الموتى نادمًا معَ الخاسرينَ.
_________________
(١) = اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ﴾. قال: فرأيت الأرض وقد ساخت بالكلّ حتّى لم يبق لهم أثر. فقال ابن عقيل: آلله يشهد عليك أنّك رأيت هذا؟! قال: إي والله، والله يطالبني يوم القيامة بهذا؛ فإنّي رأيته بعيني. قال: فكتبها ابن عقيل في "الفنون". وفي المسند" عن عبد الله بن عمرو ﵁، قال النبيّ - ﷺ -: "من ترك الصلاة سكرًا مرّة واحدة؛ فكأنّما كانت له الدنيا وما عليها ثمّ سلبها، ومن ترك الصلاة سكرًا أربع مرّات؛ كان حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال". قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: "عصارة أهل جهنّم". وفي "المسند" مرفوعًا: "من شرب الخمر شربة لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب؛ تاب الله عليه، فإن عاد؛ لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب؟ تاب الله عليه". ولا أدري في الثالثة أو الرابعة: "فإن عاد؛ كان حقًّا على الله أن يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامة". وفي "المسند" من حديث أبي موسى، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من مات مدمنًا للخمر سقاه الله من نهر الغوطة". قيل: وما نهر الغوطة؟ قال: "نهر يجري من فروج المومسات، يؤذي أهل النار ريح فروجهنّ". ثمّ زاد في رأس: "ذكر ابن الجوزيّ ﵀ في "التبصرة": عن عبد العزيز بن أبي روّاد؛ قال: حضرت رجلًا في النزع، فجعلت أقول له: قل لا إله إلَّا الله. فكان يقول: فلمّا كان آخر ذلك؛ قلت له: قل لا إله إلَّا الله. فقال: كم تقول؟ إنّي كافر بما تقول! وقبض على ذلك، فلم أحضره، وسألت أمرأته عن أمره، فقالت: كان مدمن خمر. فكان عبد العزيز يقول: أتّقوا الذنوب فهي أوقعته".
[ ٧٢٦ ]
وفي حديثٍ خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مرفوعًا: "ما مِن أحدٍ يَموتُ إلَّا نَدِمَ". قالوا: وما ندامتُهُ؟ قالَ: "إنْ كانَ محسنًا نَدِمَ أنْ لا يَكونَ ازْدادَ، وإنْ كانَ مسيئًا نَدِمَ أنْ لا يَكونَ اسْتَعْتَبَ" (^١).
إذا نَدِمَ المحسنُ عندَ الموتِ؛ فكيفَ يَكونُ حالُ المسيءِ؟!
غايةُ أُمنيةِ الموتى في قبورِهِم حياةُ ساعةٍ يَسْتَدْرِكونَ فيها ما فاتَهُم مِن توبةٍ وعملٍ صالحٍ، وأهلُ الدُّنيا يُفَرِّطونَ في حياتِهِم فتَذْهَبُ أعمارُهُم في الغفلةِ ضياعًا، ومنهُم مَن يَقْطَعُها بالمعاصي.
قالَ بعضُ السَّلفِ: أصْبَحْتُم في أُمنيةِ ناسٍ كثيرٍ؛ يَعْني: أن الموتى كلَّهُم يَتَمَنَّوْنَ حياةَ ساعةٍ لِيَتوبوا [فيها] ويَجْتَهِدوا في الطَّاعةِ، ولا سبيلَ لهُم إلى ذلكَ.
وقد أنْشَدَ بعضُهُم:
لَوْ قيلَ لِلْقَوْمِ مُناكُمْ (^٢) طَلَبوا … حَياةَ يَوْمٍ لِيَتوبوا فَاعْلَمِ
وَيْحَكِ يا نَفْسُ ألا تَيَقُّظٌ … يَنْفَعُ قَبْلَ أنْ تَزِلَّ قَدَمي
مَضى الزَّمانُ في تَوانٍ وَهوى … فَاسْتَدْرِكي ما قَدْ بَقِيَ وَاغْتَنِمي
• الناسُ في التَّوبةِ على أقسامٍ:
* فمنهُم: مَن لا يُوَفَّقُ لتوبةٍ نصوحٍ، بل يُيَسَّرُ له عملُ السَّيِّئاتِ مِن أوَّلِ عمرِهِ إلى آخرِهِ حتَّى يَموتَ مصرًّا عليها، وهذهِ حالةُ الأشقياءِ.
• وأقبحُ مِن ذلكَ: مَن يُسِّرَ لهُ في أوَّلِ عمرِهِ عملُ الطَّاعاتِ، ثمَّ خُتِمَ لهُ بعملِ سوءٍ حتَّى ماتَ عليهِ: كما في الحديثِ الصَّحيحِ: "إنَّ أحدَكُم لَيَعْمَلُ بعملِ أهلِ الجنَّةِ، حتَّى ما يَكونُ بينَهُ وبينَها إلَّا ذراعٌ، فيَسْبِقُ عليهِ الكتابُ، فيَعْمَلُ بعملِ أهلِ النَّارِ، فيَدْخُلُها" (^٣). وفي الحديثِ الذي خَرَّجَهُ أهلُ "السُّنن": "إنَّ العبدَ لَيَعْمَلُ بعملِ أهلِ الجنَّةِ سبعينَ عامًا، ثمَّ يَحْضُرُهُ الموتُ، فيَجورُ في وصيَّتِهِ، فيَدْخُلُ
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٦٦٠).
(٢) يعني: اذكروا مناكم ورجاءكم. وفي خ وم ون وط: "لو قيل للقوم ما مناكم"! ولا يستقيم الوزن إلَّا بحذف "ما"، والأبيات من الرجز.
(٣) رواه: البخاري (٥٩ - الخلق، ٦ - ذكر الملائكة، ٦/ ٣٠٣/ ٣٢٠٨)، ومسلم (٤٦ - القدر، ١ - كيفيّة الخلق، ٤/ ٢٠٣٦/ ٢٦٤٣)؛ من حديث ابن مسعود.
[ ٧٢٧ ]
النَّارَ" (^١).
ما أصعبَ الانتقالَ مِن البصرِ إلى العمى! وأصعبُ منهُ الضَّلالةُ بعدَ الهدى والمعصيةُ بعدَ التُّقى.
كم مِن وجوهٍ خاشعةٍ وُقِّعَ على قصصِ أعمالِها: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ. تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٣ - ٤]! كم مَن شارَفَ مركبُهُ ساحلَ النَّجاةِ، فلمَّا هَمَّ أنْ يَرْتَقِيَ؛ لَعِبَ بهِ موجُ الهوى فغَرِقَ. الخلقُ كلُّهُم تحتَ هذا الخطرِ. قلوبُ العبادِ بينَ أُصبعينِ مِن أصابعِ الرَّحمنِ يقَلِّبُها كيفَ يَشاءُ.
قالَ بعضُهُم: ما العجبُ ممَّن هَلَكَ كيفَ هَلَكَ، إنَّما العجبُ ممَّن نَجا كيفَ نَجا! وأنْشَدَ:
يا قَلْبُ إلامَ تُطالِبُني … بِلِقا الأحْبابِ وَقَدْ رَحَلوا
أرْسَلْتُكَ في طَلَبي لَهُمُ … لِتَعودَ فَضِعْتَ وَما حَصَلوا
سَلِّمْ وَأصْبِرْ وَأخْضَعْ لَهُمُ … كَمْ قَبْلَكَ مِثْلَكَ قَدْ قَتَلوا
ما أحْسَنَ ماعَلَّقْتَ بِهِ … آمالَكَ مِنْهُمْ لَوْ فَعَلوا
• وقسمٌ: يُفْني عمرَهُ في الغفلةِ والبطالةِ، ثمَّ يُوَفَّقُ لعملٍ صالحٍ فيَموتُ عليهِ. وهذهِ حالُ مَن عَمِلَ بعملِ أهلِ النَّارِ حتَّى ما يَكونُ بينَهُ وبينَها إلَّا ذراعٌ، فيَسْبِقُ عليهِ الكتابُ، فيَعْمَلُ بعملِ أهلِ الجنَّةِ، فيَدْخُلُها (^٢).
الأعمالُ بالخواتيمِ.
_________________
(١) (ضعيف). رواه: عبد الرزّاق (١٦٤٥٥)، وإسحاق (١/ ١٩٤/ ١٤٧)، وأحمد (٢/ ٢٧٨)، وعبد بن حميد (النساء ١٤ - الدرّ)، وابن ماجه (٢٢ - الوصايا، ٣ - الحيف في الوصيّة، ٢/ ٩٠٢/ ٢٧٠٤)، وأبو داوود (١٢ - الوصايا، ٣ - كراهية الإضرار، ٢/ ١٢٦/ ٢٨٦٧)، والترمذي (٣١ - الوصايا، ٣ - الضرار في الوصية، ٤/ ٤٣١/ ٢١١٧)، والطبراني في "الأوسط" (٣٠٢٦)، والبيهقي (٦/ ٢٧١)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (١٤/ ٣٠٦)، والخطيب في "الجمع والتفريق" (١/ ٢٣٩)؛ من طريق قويّة، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة … رفعه. قال الترمذي: "حسن صحيح غريب"، وأقرّه المنذري. وشهر لا يحسّن ما أنفرد به فضلًا عن أن يصحّح، وبه أعلّه المناوي والألباني. ورواه الحاكم في "المعرفة" (ص ٣٦) عن مسلمة بن عليّ … مرسلًا. ومسلمة ساقط.
(٢) كما تقدّم في الحديث المتّفق عليه.
[ ٧٢٨ ]
وفي الحديثِ: "إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا؛ عَسَلهُ". قالوا: وما عَسَلَهُ؟ قالَ: "وَفَّقَهُ لعملٍ صالحٍ ثمَّ يَقْبِضُهُ عليهِ" (^١).
وهؤلاءِ: منهُم مَن يوقَظُ قبلَ موتِهِ بمدَّةٍ يَتَمَكَّنُ فيها مِن التَّزوُّدِ بعملٍ صالحٍ يَخْتِمُ بهِ عمرَهُ. ومنهُم مَن يوقَظُ عندَ حضورِ الموتِ فيُوَفَّقُ لتوبةٍ نصوحٍ يَموتُ عليها.
قالَتْ عائشةُ ﵂: إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا؛ قَيَّضَ لهُ ملكًا قبلَ موتهِ بعامٍ فيُسَدِّدُهُ ويُيَسِّرُهُ حتَّى يَموتَ وهوَ خيرٌ ممَّا كانَ، فيَقولُ النَّاسُ: ماتَ فلانٌ خيرَ ما كانَ.
وخَرَّجَهُ البَزَّارُ عنها مرفوعًا، ولفظُهُ: "إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا؛ بَعَثَ إليهِ ملكًا مِن
_________________
(١) (صحيح). وقد جاء عن جماعة من الصحابة: فرواه: أحمد (٤/ ٢٠٠)، وابن أبي عاصم في "السنّة" (٤٠٠)، والدولابي في "الكنى" (١١٦٥)، والطبراني في "الشاميّين" (٨٣٩)، والعسكري في "التصحيفات" (٢/ ٧١٨)، والقضاعي في "المسند، (١٣٨٩)، وابن الأثير في "الغابة" (٥/ ٥٧)؛ من طرق، عن بقيّة، ثنا محمَّد بن زياد الألهاني، عن أبي عنبة الخولاني … رفعه. وهذا سند يمكن أن يعلّ من أوجه: أحدها: تدليس بقية، ولكنّه صرّح بالتحديث من غيرما وجه. والثاني: أنّ العسكريّ زاد بين الألهاني والخولاني عبد الله بن أبي قيس. فإن كانت هذه الزيادة محفوظة؛ فلا يبعد أن يكون الألهاني سمعه من أبي عنبة مباشرة وبالواسطة، وإلّا؛ فقد علمت الواسطة، وهي ثقة ثبت. والثالث: أنهم اختلفوا في صحبة أبي عنبة، على قولين، وليس الجزم بأحدهما بالسهل، فإن ثبتت صحبته؛ فالحديث قويّ من هذا الوجه، وإلّا؛ فهو مرسل قويّ. ورواه: الطبراني في "الكبير" (٨/ ١١٠/ ٧٥٢٢ و٧٧٢٥) و"الشاميّين" (٨١٩ و١٥٨٥)، والقضاعي في "المسند" (١٣٨٨)؛ من طرق ثلاث، عن أبي أُمامة … رفعه. ولا يخلو شيء من طرقه من ضعف، ولكنّ اجتماعها يفيد أنّ للحديث أصلًا عن أبي أُمامة. ورواه: أحمد (٤/ ١٣٥، ٥/ ٢٢٤)، وعبد بن حميد (٤٨١)، والبخاري في "التاريخ" (٨/ ٣٠٢)، وابن قتيبة في "غريب الحديث" (١/ ٣٠١)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٢٣٤٠ - ٢٣٤٢)، والبزّار (٦/ ٢٨٦ / ٢٣١٠)، والطحاوي في "المشكل" (٣/ ٢٦١)، وابن قانع (٢/ ٢٢٥/ ٧٣٤)، وابن حبّان (٣٤٢ و٣٤٣)، والطبراني في "الأوسط" (٣٣٢٢) و"الشاميّين" (١٨٣)، والعسكري في "التصحيفات" (١/ ٢٠٠)، والحاكم (١/ ٣٤٠)، والبيهقي في "الزهد" (٨١٨)، والخطيب في "التاريخ" (١١/ ٤٣٣)، والرافعي في "قزوين" (٤/ ١٠١)، والذهبي في "النبلاء" (١٩/ ١٠٥)؛ من طرق، عن جبير بن نفير، عن عمرو بن الحمق … رفعه. وله أكثر من طريق قويّة عن جبير، وجبير ثقة، فالسند صحيح، وقد صحّحه الحاكم والذهبي والألباني. وله طريق أُخرى عند البزّار (٦/ ٢٨٦/ ٢٣١٠) حسنة أو حسنة في الشواهد على الأقلّ. وحديث عمرو بن الحمق صحيح لذاته، فكيف إذا أضيف له حديثا أبي عنبة وأبي أُمامة؟! فكيف وله شواهد صحيحة بمعناه لكن بلفظ "استعمله" بدل "عسله"؟! وقد صحّحه ابن حبّان والحاكم والمنذري والذهبي والهيثمي والسيوطي والمناوي والألباني.
[ ٧٢٩ ]
عامِهِ الذي يَموتُ فيهِ، فيُسَدِّدُهُ ويُيَسِّرُهُ، فإذا كانَ عندَ موتِهِ؛ أتاهُ ملكُ الموتِ، فقَعَدَ عندَ رأْسِهِ، فقالَ: أيَّتُها النَّفسُ المطمئنَّةُ! اخْرُجي إلى مغفرةٍ مِن اللهِ ورضوانٍ. فذلكَ حينَ يُحِبُّ لقاءَ اللهِ ويُحِبُّ اللهُ لقاءَهُ. وإذا أرادَ اللهُ بعبدٍ شرًّا؛ بَعَثَ إليهِ شيطانًا مِن عامِهِ الذي يَموتُ فيهِ، فأغواهُ، فإذا كانَ عندَ موتِهِ؛ أتاهُ ملكُ الموتِ، فقَعَدَ عندَ رأْسِهِ، فقالَ (^١): أيَّتُها النَّفسُ الخبيثةُ! اخْرُجي إلى سخطٍ مِن اللهِ وغضبٍ، فتَتَفَرَّقُ في جسدِهِ، فذلكَ حينَ يُبْغِضُ لقاءَ اللهِ ويُبْغِضُ اللهُ لقاءَهُ" (^٢).
وفي الدُّعاءِ المأْثورِ: "اللهمَّ! اجْعَلْ خيرَ عملي خاتمتَهُ وخيرَ عمري آخرَهُ" (^٣).
وفي "المسند": عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرِو بن العاص؛ قالَ: "مَن تابَ قبلَ موتهِ عامًا؛ تيبَ عليهِ، ومَن تابَ قبلَ موتِهِ شهرًا؛ تيبَ عليهِ". حتَّى قالَ: "يومًا". حتَّى قالَ:
_________________
(١) في خ وم ون: "فيقول"! والصواب ما أثبتّه من ط.
(٢) (صحيح). رواه: عبد الرزّاق (٦٧٤٩)، وإسحاق بن راهويه (٣/ ٩٠٥/ ١٥٩١)، وعبد بن حميد (١١/ ٣٥٩ - فتح)، والحسين المروزي في "زوائد الزهد" (٩٧٢)، وابن أبي الدنيا في "ذكر الموت" (١٠/ ٢٧٣ - إتحاف السادة)، والبزّار في "مسنده" (٧٢٩ - لطائف المعارف)، وأبو منصور البغدادي في "ما استدركته عائشة" (٢٣٥٦ - كشف الخفاء)؛ من طريق الأعمش، [عن خيثمة بن عبد الرحمن]، عن أبي عطيّة، عن عائشة … صرّحت برفعه حينًا ولم تصرّح به حينا. وهذا سند قويّ، رجاله ثقات رجال الشيخين، ومنهم من أسقط خيثمة من السند، ولا يبعد أنّ الأعمش سمعه من أبي عطيّة مباشرة وبواسطة، وإن كان الأرجح إثبات الواسطة، وهي ثقة من رجال الشيخين. والتصريح بالرفع حينًا والسكوت عنه حينًا لا يضرّ السند شيئًا؛ لأنّ ظاهر الحديث الرفع؛ لأنّ السيدة عائشة إنّما جاءت به إتمامًا لحديث ابن مسعود المرفوع، ثمّ له حكم الرفع على كلّ حال لأنّه ممّا لا يقال اجتهادًا ..
(٣) (ضعيف موقوفًا ومرفوعًا). رواه: الطبراني "الأوسط" (٩٤٠٧)، وابن السنّي في "اليوم والليلة" (١٢١)؛ من طريق عبد الملك بن الحسين أبي مالك النخعي، (قال مرّة: عن أبي المحجل عن ابن أخي أنس، ومرّة: عن ابن جدعان)، عن أنس … رفعه. قال الهيثمي (١٠/ ١١٣): "فيه أبو مالك النخعي وهو ضعيف". قلت: متروك، وقد اضطرب فيه على وجهين أحدهما ضعيف كما ترى! ورواه: الطبراني في "الأوسط" (٩٤٤٤) من طريق هشيم، عن حميد، عن أنس؛ انّ أعرابيًّا دعا بهذا الدعاء فوهبه النبيّ - ﷺ - ذهبًا جزاء لحسن ثنائه على ربّه. قال الهيثمي (١٠/ ١٦١): "رجال الصحيح غير الأذرمي وهو ثقة". قلت: هشيم كثير التدليس وقد عنعن. ورواه ابن أبي شيبة (٢٩٥٠١) من طريق قويّة، عن المطّلب بن عبد الله بن حنطب، عن أبي بكر … موقوفًا عليه. وسنده ضعيف، المطّلب لم يسمع أبا بكر وما أراه أدركه. فالمرفوع في هذا ساقط، وتقريره - ﷺ - للأعرابي ضعيف، والموقوف على أبي بكر كذلك.
[ ٧٣٠ ]
"ساعةً". حتَّى قالَ: "فواقًا". فقالَ لهُ إنسانٌ: أرَأيْتَ إنْ كانَ مشركًا فأسْلَمَ؟ قالَ: إنَّما أُحَدِّثُكُم ما سَمِعْتُ مِن رسولِ اللهِ - ﷺ - (^١).
وفيهِ أيضًا: عن عَبْدِ الرَّحمنِ البَيْلَمانِيِّ؛ قالَ: اجْتَمَعَ أربعةٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - ﷺ -: فقالَ أحدُهُم: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يَقولُ: "إنَّ الله ﷿ يَقْبَلُ توبةَ العبدِ قبلَ أنْ يَموتَ بيومٍ". قالَ الآخرُ: أنتَ سَمِعْتَ هذا مِن رسولِ اللهِ - ﷺ -؟ قالَ: نعم. قالَ: وأنا سَمِعْتُ مِن رسولِ اللهِ - ﷺ - يَقولُ: "إن الله ﷿ يَقْبَلُ توبةَ العبدِ قبل أنْ يَموتَ بنصفِ يومٍ". فقالَ الثَّالثُ: أنتَ سَمِعْتَ هذا مِن رسولِ اللهِ - ﷺ -؟ قالَ: نعم. قالَ: وأنا سَمِعْتُ مِن رسولِ اللهِ - ﷺ - يَقولُ: "إنَّ الله تقْبَلُ توبةَ العبدِ قبلَ أنْ يَموتَ بضحوةٍ". قالَ الرَّابعُ: أنتَ سَمِعْتَ هذا مِن رسولِ اللهِ - ﷺ -؟ قالَ: نعم. قالَ: وأنا سَمِعْتُ مِن رسولِ اللهِ - ﷺ - يَقولُ: "إنَّ الله يَقْبَلُ توبةَ العبدِ ما لمْ يُغَرْغِرْ بنفسِهِ" (^٢).
_________________
(١) (ضعيف بهذا التمام). رواه: الطيالسي (٢٢٨٤)، وأحمد (٢/ ٢٠٦)، والبخاري في "التاريخ" (١/ ٤٢٧)، والطبري (٨٨٦٤)، والبيهقي في "الشعب" (٧٠٦٧)؛ من طريق شعبة، عن إبراهيم بن ميمون، [عن رجل من بني الحارث بن كعب]، عن رجل منّا يقال له أيّوب، سمعت ابن عمرو … رفعه. قال الهيثمي (١٠/ ٢٠٠): "فيه راو لم يسمّ، وبقيّة رجاله ثقات". قلت: أيّوب مجهول. ورواه الحاكم (٤/ ٢٥٨) من طريق عمير بن مدراس، ثنا عبد الله بن نافع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البيلماني، سمعت ابن عمرو … رفعه. وعمير مجهول، وعبد الله بن نافع هو الصائغ ليّن، وهشام حسن في الشواهد، وقد خالفوا رواية الثقات عن زيد بن أسلم عن ابن البيلماني عن جماعة من الصحابة كما سيأتي في الحاشية التالية، فروايتهم منكرة. وله شاهد عند الخطيب في "التاريخ" (٨/ ٣١٧) من حديث عبادة بن الصامت بنحوه. وفي سنده محمّد بن مروان السدّي متّهم. وشاهد عند: الطبراني (١٢/ ٣٣٨/ ١٣٦٠٨)، وابن مردويه (النساء ١٨ - ابن كثير)؛ من حديث ابن عمر مرفوعًا بنحوه. وفي سنده: يحيى بن عبد الله البابلتّي ضعيف، وأيّوب بن نهيك واه شبه المتروك. وشاهد من حديث ابن البيلماني يأتي بعده. فالطريق الأولى لحديث ابن عمرو واهية والثانية منكرة، وحديثا عبادة وابن عمر ساقطان، وحديث ابن البيلماني واه سيأتيك الكلام فيه، ومثل هذه الأسانيد لا تكتسب باجتماعها قوّة. والله أعلى وأعلم.
(٢) (ضعيف بهذا التمام). رواه: سعيد بن منصور (٥٩٧)، وأحمد (٣/ ٤٢٥، ٥/ ٣٦٢)، وابن أبي الدنيا في "التوبة" (١٥٠)، والحاكم (٤/ ٢٥٧ و٢٥٨)، والبيهقي في "الشعب" (٧٠٦٨ و٧٠٦٩)؛ من طرق ثلاث قويّة، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البيلماني … به. وهذا سند واه فيه علل: أولاها: ضعف ابن البيلماني هذا ونكارة حديثه. والثانية: قول صالح جزرة: "لا يعرف أنّه سمع من أحد من الصحابة إلّا =
[ ٧٣١ ]
وفيهِ أيضًا: عن أبي سَعيدٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إنَّ الشَّيطانَ قالَ: وعزَّتِكَ يا ربِّ! لا أبْرَحُ أُغْوي عبادَكَ ما دامَتْ أرواحُهُم في أجسادِهِم. فقالَ الرَّبُّ ﷿: وعزَّتي وجلالي؛ لا أزالُ أغْفِرُ لهُم ما اسْتَغْفَروني" (^١).
ذَكَرَ ابنُ أبي الدُّنْيا بإسنادٍ لهُ: أن رجلًا مِن ملوكِ البصرةِ كانَ قد تَنَسَّكَ، ثمَّ مالَ إلى الدُّنيا والسُّلطانِ، فبَنى دارًا وشَيدَها وأمَرَ بها ففُرِشَتْ لهُ ونُجِّدَتْ، واتَّخَذَ مأْدبةً وصَنَعَ طعامًا ودَعا النَّاسَ، فجَعَلوا يَدْخُلونَ فيَأْكُلونَ ويَشْرَبونَ ويَنْطرونَ إلى بنائِهِ ويَتَعَجَّبون منهُ ويَدْعونَ لهُ ويَتَفَرَّقونَ. فمَكَثَ بذلكَ أيَّامًا حتَّى فَرَغَ مِن [أمرِ] النَّاسِ، ثُمَّ جَلَسَ في نفرٍ مِن خاصَّةِ إخوانِهِ فقالَ: قد تَرَوْنَ سروري بداري هذهِ، وقد حَدَّثْتُ نفسي أنْ أتَّخِذَ لكلِّ واحدٍ مِن ولدي مثلَها، فأقيموا عندي أيَّامًا أسْتَمْتعُ بحديثِكُم وأُشاوِرُكُم فيما أُريدُ مِن هذا البناءِ لولدي. فأقاموا عندَهُ أيَّامًا يَلْهُونَ ويَلْعَبونَ ويُشاوِرُهُم كيفَ يَبْني لولد وكيفَ يُريدُ أنْ يَصْنَعَ. فبينَما هُم ذاتَ ليلةٍ في لهوِهِم؛ إذْ سَمِعوا قائلًا
_________________
(١) = سوق"، فعلى هذا فحديثه مرسل. والثالثة: أنّه لا يحتمل من أمثاله أن يتفرّدوا عن أربعة من الصحابة بمتون لا يتابعهم عليها أحد! ورواه الحاكم (٤/ ٢٥٨) من طريق مؤمّل بن إسماعيل، ثنا سفيان الثوري، كتبت إلى [محمّد بن] عبد الرحمن بن البيلماني فكتب إليّ أنّ أباه جلس إلى نفر … إلخ. ومؤمّل حسن في الشواهد، وقد أسقط محمّدًا من السند، ولا بدّ منه؛ لأنّ سفيان لم يلحق ابن البيلماني، ولم يتنبّه الحاكم يرحمه الله لذلك فراح يردّ رواية الثوري ويرجّح غيرها عليها. ومحمّد بن عبد الرحمن ساقط لا يفرح بروايته. وقد أوردت في الحاشية السابقة جملة من شواهد هذا الحديث وبيّنت ضعفها وأنّها لا تقوم بهذا المتن ولا تزحزحه عن ضعفه. والله أعلم.
(٢) (حسن). رواه: أحمد (٣/ ٢٩ و٧٦)، وأبو يعلى (١٣٩٩)، والحاكم (٤/ ٢٦١)، والبيهقي في "الصفات" (٢٦٥)، والبغوي في "السنّة" (١٢٩٣)؛ كلّهم من طريق ابن لهيعة إلّا الحاكم فمن طريق عمرو بن الحارث كلاهما عن درّاجٍ، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد … رفعه. قال الحاكم: "صحيح الإسناد"، وأقرّه المنذري والذهبي، خلافًا لقوله في "العلوّ": "درّاج واه"، وهو الأولى بالصواب، فدرّاج لا يعدو أن يكون حسنًا في الشواهد، وروايته عن أبي الهيثم ضعيفة، وهذا منها. ورواه: أحمد (٣/ ٢٩ و٤١)، وأبو يعلى (١٢٧٣)، والطبراني في "الأوسط" (٨٧٨٣) و"الدعاء" (١٧٧٩)، وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٣٣٢)؛ من طريق قويّة، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أبي سعيد … رفعه. قال الهيثمي (١٠/ ٢١٠): "رجاله رجال الصحيح". قلت: ولكنّه منقطع؛ فإنّهم لم يذكروا لعمرو رواية عن أبي سعيد، وعلم التاريخ لا يدعم هذه الرواية. على أنّ الحديث حسن بطريقيه، وقد قوّاه الحاكم والمنذري والذهبي والهيثمي والمناوي والألباني.
[ ٧٣٢ ]
يَقولُ مِن أقاصي الدَّارِ:
يا أيُّها الباني النَّاسي مَنِيَّتَهُ … لا تَأْمَنَنَّ فَإن المَوْتَ مَكْتوبُ
عَلى الخَلائِقِ إنْ سُرُّوا وَإنْ فَرِحوا … فَالمَوْتُ حَتْفٌ لِذي الآمالِ مَنْصوبُ
لا تَبْنِيَنَّ دِيارًا لَسْتَ تَسْكُنُها … وَراجِعِ النُّسْكَ كَيْما يُغْفَرَ الحُوبُ
قالَ: ففَزِعَ مِن ذلكَ، وفَزِعَ أصحابُهُ فزعًا شديدًا وراعَهُم ما سَمِعوا مِن ذلكَ، فقالَ لأصحابِهِ: هل سَمِعْتُمْ ما سَمِعْتُ؟ قالوا: نعم. قالَ: فهل تَجِدونَ ما أجِدُ؟ قالوا: وما تَجِدُ؟ قالَ: أجِدُ واللهِ مسكةً على فؤادي ما أراها إلَّا علَّةَ الموتِ. قالوا: كلَّا؛ بل البقاءُ والعافيةُ. قالَ: فبَكى وقالَ: أنتُم أخلَّائي وإخواني، فما لي عندَكُم؟ قالوا: مُرْنا بما أحْبَبْتَ. قالَ: فأمَرَ بالشَّرابِ فأُهْريقَ وبالملاهي فأُخْرِجَتْ. ثمَّ قالَ: اللهمَّ! إنِّي أُشْهِدُكَ ومَن حَضَرَ مِن عبادِكَ أنِّي تائبٌ إليكَ مِن جميعِ ذنوبي، نادمٌ على ما فَرَّطْتُ أيَّامَ مهلتي، وإياكَ أسْألُ إنْ أقَلْتَني أنْ تُتِمَّ عليَّ نعمتَكَ بالإنابةِ إلى طاعتِكَ وإنْ أنتَ قَبَضْتَني إليكَ أنْ تَغْفِرَ لي ذنوبي تفضُّلًا منكَ علي. واشْتَدَّ بهِ الأمرُ فلمْ يَزَلْ تقولُ: الموتُ واللهِ! الموتُ واللهِ! حتَّى خَرَجَتْ نفسُهُ. فكانَ الفقهاءُ يَرَوْنَ أنَّهُ ماتَ على توبةٍ.
ورَوى عَبْدُ الواحدِ في كتابِ "قتلى القرآنِ" بإسنادِهِ: أن رجلًا مِن أشرافِ أهلِ البصرةِ كانَ منحدرًا إليها في سفينةٍ ومعَهُ جاريةٌ لهُ، فشَرِبَ يومًا وغَنَّتْهُ جاريتُهُ بعودٍ [لها]، وكانَ معَهُم في السَّفينةِ رجلٌ صالحٌ. فقالَ لهُ: يا فتى! هل تُحْسِنُ مثلَ هذا؟ قالَ: أُحْسِنُ ما هوَ أحسنُ مِن هذا. وكانَ الفقيرُ حسنَ الصَّوتِ، فاسْتَفتَحَ ثمَّ قَرَأ: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا. أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٧ - ١٧٨]. فرَمى الرَّجلُ ما بيدِهِ مِن الشَّرابِ في الماءِ، وقالَ: أشْهَدُ أن هذا أحسنُ ممَّا سَمِعْتُ، فهل غيرَ هذا؟ قالَ: نعم. وتَلا عليهِ: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]. فوَقَعَتْ مِن قلبِهِ موقعًا، ورَمى الشَّرابَ في الماءِ، وكَسَرَ العودَ، ثمَّ قالَ: يا فتى! هل هنا فرجٌ؟ قالَ: نعم. ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
[ ٧٣٣ ]
الرَّحِيمُ﴾ الآيةَ [الزمر: ٥٣]. فصاحَ صيحةً عظيمةً، فنَظَروا إليهِ، فإذا هوَ قد ماتَ.
ورَوى ابنُ أبي الدُّنْيا بإسنادِهِ: أن صالِحًا المُرِّيَّ ﵀ كانَ يومًا جالسًا في مجلسِهِ يَقُصُّ على النَّاسِ، فقَرَأ عندَهُ قارئ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]، فذَكَرَ صالحٌ النَّارَ وحالَ العصاةِ فيها وصفةَ سياقِهِم إليها وبالَغَ في ذلكَ، وبَكى النَّاسُ، فقامَ فتًى كانَ حاضرًا في مجلسِهِ وكانَ مسرفًا على نفسِهِ، فقالَ: أكلُّ هذا في القيامةِ؟ قالَ صالحٌ: نعم، وما هوَ أكبرُ منهُ، لقد بَلَغَني أنَّهُم يَصْرُخونَ في النَّارِ حتَّى تَنْقَطعَ أصواتُهُم فلا يَبْقى منهُم إلَّا كهيئةِ الأنينِ مِن المريضِ المدنفِ. فصاحَ الفتى: إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ! وا غفلتاهُ عن نفسي أيَّامَ الحياةِ! ووا أسفاهُ على تفريطي في طاعتِكَ يا سيِّداه! ووا أسفاهُ على تضييعِ عمري في دارِ الدُّنيا! ثمَّ اسْتَقْبَلَ القبلةَ، وعاهَدَ الله على توبةٍ نصوحٍ، ودَعا الله أنْ يَتَقَبَّلَ منهُ، وبَكى حتَّى غُشِيَ عليهِ، فحُمِلَ مِن المجلسِ صريعًا، فمَكَثَ صالحٌ وأصحابُهُ يَعودونَهُ أيَّامًا، ثمَّ ماتَ، فحَضَرَهُ خلقٌ كثيرٌ، فكانَ صالِحٌ يَذْكُرُهُ كثيرًا في مجلسِهِ [ويَقولُ]: بأبي قتيلُ القرآن! وبأمِّي قتيلُ المواعظِ والأحزان! فرَآهُ رجلٌ في منامِهِ فقالَ: ما صَنَعْتَ؟ قالَ: عَمَّتْني بركةُ مجلسِ صالِحٌ فدَخَلْتُ في سعةِ رحمةِ اللهِ التي ﴿وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
مَن آلَمَتْهُ سياطُ المواعظِ فصاحَ فلا جناح، ومَن زادَ ألمُهُ فماتَ فدمُهُ مباح (^١).
قَضى اللهُ في القَتْلى قِصاصَ دِمائِهِمْ … وَلكِنْ دِماءُ العاشِقينَ جُبارُ
• وبَقِيَ هاهُنا قسمٌ آخرُ، وهوَ أشرفُ الأقسامِ وأرفعُها، وهوَ مَن يُفْني عمرَهُ في الطَّاعةِ، ثمَّ يُنَبَّهُ على قربِ الأجلِ لِيَجِدَّ في التَّزوُّدِ ويَتَهَيَّأ للرَّحيلِ بعملٍ يَصْلُحُ للِّقاءِ ويَكونُ خاتمةً للعملِ.
قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لمَّا نَزَلَتْ على النَّبيِّ - ﷺ - ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [سورة النصر]؛ نُعِيَتْ لرسولِ اللهِ - ﷺ - نفسُهُ، فأخَذَ في أشدِّ ما كانَ اجتهادًا في أمرِ
_________________
(١) كان أصحاب النبيّ - ﷺ -، خير البريّة بعد الأنبياء، يسمعون مواعظ خير الخلق وأعلمهم بالله وأدلّهم عليه، فتوجل قلوبهم وتذرف أعينهم ويسمع خنينهم، ثمّ لا يصيحون ولا يرقصون ولا يموتون!
[ ٧٣٤ ]
الآخرةِ (^١).
قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - في آخرِ أمرِهِ لا يَقومُ ولا يَقْعُدُ ولا يَذْهَبُ ولا يَجيءُ إلَّا قالَ: "سبحانَ اللهِ وبحمدِه". فذَكَرْتُ ذلكَ لهُ، فقالَ: "إنِّي أُمرْتُ بذلكَ"، وتَلا هذهِ السُّورةَ (^٢).
وكانَ مِن عادتِهِ - ﷺ - أنْ يَعْتكِفَ في كلِّ عامٍ في رمضانَ عشرًا ويَعْرِضَ القرآنَ على جِبْريلَ مرَّةً، فاعْتكَفَ في ذلكَ العامِ عشرينَ يومًا وعَرَضَ القرآنَ مرَّتينِ (^٣). وكانَ يَقولُ: "ما أرى ذلكَ إلَّا لاقترابِ أجلي" (^٤).
ثمَّ حَجَّ حجَّةَ الوداعِ وقالَ للنَّاسِ: "خُذوا عنِّي مناسكَكُم، فلعلِّي لا ألْقاكُمْ بعدَ عامي هذا"، وطَفِقَ يُوَدِّعُ النَّاسَ. فقالوا: هذهِ حجَّةُ الوداعِ (^٥).
ثمَّ رَجَعَ إلى المدينةِ، فخَطَبَ قبلَ وصولِهِ إليها وقالَ: "أيُّها النَّاسُ! إنَّما أنا بشرٌ، يُوشِكُ أنْ يَأْتِيَني رسولُ ربِّي فأُجيبَ"، ثمَّ أمَرَ بالتَّمسُّكِ بكتابِ اللهِ (^٦).
ثمَّ تُوُفِّيَ بعدَ وصولهِ إلى المدينةِ بيسيرٍ - ﷺ -.
إذا كانَ سيِّدُ المحسنينَ يُؤْمَرُ أنْ يَخْتِمَ عمرَهُ بالزِّيادةِ في الإحسان؛ فكيفَ حالُ المسيءِ المفرِّطِ في عمرِهِ بالأماني والنِّسيانِ.
خُذْ في جِدٍّ فَقَدْ تَوَلَّى العُمُرُ … كَمْ ذا التَّفْريطُ قَدْ تَدانى الأمْرُ
أقْبِلْ فَعَسى يُقْبَلُ مِنْكَ العُذْرُ … كَمْ تَبْني كَمْ تَنْقُضُ كَمْ ذا الغَدْرُ
مَرِضَ بعضُ العابدينَ، فوُصِفَ لهُ داوءٌ يَشْرَبُهُ، فأُتِيَ في منامِهِ فقيلَ لهُ: أتَشْرَبُ الدَّواءَ والحورُ العينُ لكَ تُهَيَّأُ؟! فانْتَبَهَ فزعًا، فصَلَّى في ثلاثةِ أيَّامٍ حتَّى انْحَنى صلبُهُ، ثمَّ ماتَ في اليومِ الثَّالثِ.
_________________
(١) (حسن صحيح). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٢٤٦).
(٢) (صحيح). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٢٤٧).
(٣) متفق عليه. تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٢٤٧).
(٤) جاء هذا في بعض ألفاظ حديث مسارّته - ﷺ - لابنته فاطمة المتّفق عليه الذي تقدّم (ص ٢٦٠).
(٥) رواه مسلم. تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٢٥٠).
(٦) رواه مسلم. تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٢٥٠).
[ ٧٣٥ ]
وكانَ رجلٌ قدِ اعْتَزَلَ وتَعَبَّدَ، فرَأى في منامِهِ قائلًا يَقولُ لهُ: يا فلانُ! ربُّكَ يَدْعوكَ فتَجَهَّزْ واخْرُجْ إلى الحجِّ ولَسْتَ عائدًا، فخَرَجَ إلى الحجِّ، فماتَ في الطَّريقِ.
ورَأى بعضُ الصَّالحينَ في منامِهِ مَن يُنْشِدُهُ:
تَأهَّبْ لِلَّذي لا بُدَّ مِنْهُ … مِنَ المَوْتِ المُوَكَّلِ بِالعِبادِ
• وخَرَّجَ ابنُ ماجَهْ مِن حديثِ: جابِرٍ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - خَطَبَ، فقالَ في خطبتِهِ: "أيُّها النَّاسُ! توبوا إلى ربِّكُم قبلَ أنْ تَموتوا، وبادِروا بالأعمالِ الصَّالحةِ قبلَ أنْ تُشْغَلوا" (^١). فأمَرَ بالمبادرةِ بالتَّوبةِ قبلَ الموتِ. وكلُّ ساعةٍ تَمُرُّ على أبنِ آدَمَ فإنَّهُ يُمْكِنُ
_________________
(١) (ضعيف). رواه: ابن ماجه (٥ - الإقامة، ٧٨ - فرض الجمعة، ١/ ٣٤٣/ ١٠٨١)، وأبو يعلى (١٨٥٦)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٢/ ١٢٨)، والعقيلي (٢/ ٢٩٨)، وابن عدي (٤/ ١٤٩٨)، والقضاعي في "المسند" (٧٢٣)، والبيهقي في "السنن" (٣/ ١٧١) و"الشعب" (٣٠١٤)، والواحدي في "التفسير"، والأصبهاني في "الترغيب" (٩١٦ و٩١٧)، والمزّي في "تهذيب الكمال" (١٦/ ١٠٣)؛ من طريق الوليد بن بكير أبي جناب، ثني عبد الله بن محمّد العدوي (إلّا أبا يعلى وإحدى روايتي ابن أبي حاتم فقال: ثني محمّد بن عليّ)، عن عليّ بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة … رفعه. قال البيهقي: "عبد الله بن محمّد هو العدوي منكر الحديث لا يتابع في حديثه". وقال ابن عبد البرّ: "جماعة أهل العلم بالحديث يقولون: إنّ هذا الحديث من وضع عبد الله بن محمّد العدوي، وهو عندهم موسوم بالكذب". قلت: ومن هنا تعلم تقصير المنذري بقوله عن سند أبي يعلى: "ليّن"، وسكوته عن سند ابن ماجه مع أنّه واحد! وقال البوصيري: "ضعيف لضعف عليّ بن زيد وعبد الله بن محمّد العدوي". قلت: وقد اضطرب العدويّ فيه فرواه مرّة عن عمر بن عبد العزيز عن عبادة بن عبد الله عن طلحة مرفوعًا. رواه: الباغندي في "مسند عمر بن عبد العزيز" (٨٨)، وأبو ظاهر الأنباري في "مشيخته" (٥٩١ - إرواء)، والضياء المقدسي (٥٩١ - إرواء). وقد توبع هذا العدوي فرواه: عبد بن حميد (١١٣٦) والبزّار والقضاعي في "المسند" (٧٢٤) وابن عساكر من طريق بقيّة عن حمزة بن حسّان، والضياء المقدسي (٥٩١ - إرواء)؛ من طريق فروة الحنّاط عن أبي فاطمة؛ كلاهما عن علي بن زيد، عن سعيد، عن أبي هريرة … رفعه. وهذا من شرّ حديث بقيّة؛ فإنّه عنعن وأتى بمجهول لا يعرف، وفي الطريق الأُخرى فروة وأبو فاطمة لا يعرفان، فالمتابعة واهية. قال البيهقي (٣/ ١٧١): "وروى كاتب الليث عن نافع بن يزيد، وأبو يحيى الوقّار عن خالد بن عبد الدائم عن نافعٍ بن يزيد؛ عن زهرة بن معبد، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - معنى هذا في الجمعة، وهو أيضًا ضعيف". قلت: لم يبيّن يرحمه الله لفظ هذه الطريق لنتعرّف إلى قيمتها كشاهد، وهل فيها ما يشهد للمذكور أو هي مختصّة بالجمعة، لكنّه أحسن ببيان ضعفها حتّى لا نأسى على ما فاتنا منها. ورواه: ابن خزيمة، وعنه ابن حبّان في "المجروحين" (٢/ ٣٠٥)، والضياء في "المنتقى" (٥٩١ - إرواء)؛ من ثلاث طرق أُخرى، عن جابر … رفعه. وفي طريقي ابن خزيمة وابن حبّان محمّد بن عبد الرحمن =
[ ٧٣٦ ]
أنْ يَكونَ ساعةَ موتِهِ، بل كلُّ نَفَسٍ:
لا تَأْمَنِ المَوْتَ في طَرْفٍ وَلا نَفَسِ … وَلَوْ تَمَنَّعْتَ بِالحُجَّابِ وَالحَرَسِ
قالَ لُقْمانُ لابنِهِ: يا بنيَّ! لا تُؤَخِّرِ التَّوبةَ؛ فإنَّ الموتَ يَأْتي بغتةً.
وقالَ بعضُ الحكماءِ: لا تَكُنْ ممَّن يَرْجو الآخرةَ بغيرِ عمل ويُؤَخِّرُ التَّوبةَ لطولِ الأمل.
إلى اللهِ تُبْ قَبْلَ انْقِضائِكَ لِلْعُمْرِ … أُخَيَّ وَلا تَأْمَنْ مُفاجَأةَ الأمْرِ
وَلا تَتَّهِمْني في دُعائِي فَإنَّما … دَعَوْتُكَ إشْفاقًا عَلَيْكَ مِنَ الوِزْرِ
فَقَدْ حَذَّرَتْكَ الحادِثاتُ نُزولَها … وَنادَتْكَ إلَّا أنَّ سَمْعَكَ ذو وَقْرِ
تَنوحُ وَتَبْكي لِلأحِبةِ إنْ مَضَوْا … وَنَفْسَكَ لا تَبْكي وَأنْتَ عَلى الإثْرِ
قالَ بعضُ السَّلفِ: أصْبِحوا تائبينَ وأمْسُوا تائبينَ. يُشيرُ إلى أن المؤمنَ لا يَنْبَغي أنْ يُصْبِحَ ويُمْسِيَ إلَّا على توبةٍ؛ فإنَّهُ لا يَدْري متى يَفْجَؤُهُ الموتُ صباحًا أو مساءً. فمَن أصْبَحَ أو أمْسى على غيرِ توبةٍ، فهوَ على خطرٍ؛ لأنَّهُ يُخْشى أنْ يَلْقى الله غيرَ تائبٍ فيُحْشَرَ في زمرةِ الظَّالمينَ، قالَ تَعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١].
تُبْ مِنْ خَطاياكَ وَابْكِ خَشْيَةَ ما … أُثْبِتَ مِنْها عَلَيْكَ في الكُتُبِ
أيَّةَ حالٍ تَكونُ حالُ فَتًى … صارَ إلى رَبِّهِ وَلَمْ يَتُبِ
تأْخيرُ التَّوبةِ في حالِ الشَّبابِ قبيحٌ، ففي حالِ المشيبِ أقبحُ وأقبحُ. اللهمَّ! ألْهِمْنا رُشْدَنا.
نَعى لَكَ ظِلَّ الشَّبابِ المَشيبُ … وَنادَتْكَ بِاسْمِ سِواكَ الخُطوبُ
فَكُنْ مُسْتَعِدًّا لِداعِي الفَناءِ … فَكُلُّ الذي هُوَ آتٍ قَريبُ
_________________
(١) = بن غزوان وضّاع وقح، وفي طريق الضياء نصر بن حمّاد متّهم. فالحديث جاء عن ابن جدعان من ثلاث أوجه ساقطة كما رأيت، وابن جدعان نفسه ضعيف. وتوبع ابن جدعان متابعة ضعيفة بشهادة البيهقي وما أراها إلّا ساقطة على ما ألفته من عادة البيهقي في التراخي في التضعيف. وله شاهد جاء عن جابر من أوجه ثلاث ساقطة. فالحديث ضعيف بجملة طرقه وتفصيلها، وإلى تضعيفه مال البخاري وأبو حاتم وابن خزيمة وابن حبَّان والعقيلي وابن عدي والدارقطني وابن عبد البرّ والبيهقي والمنذري والبوصيري والعسقلاني والألباني.
[ ٧٣٧ ]
ألَسْنا نَرى شَهَواتِ النُّفو … سِ تَفْنى وَتَبْقى عَلَيْنا الذُّنوبُ
يَخافُ عَلى نَفْسِهِ مَنْ يَتوبُ … فَكَيْفَ يَكُنْ حالُ مَنْ لا يَتوبُ (^١)
فأَمَّا إذا نَزَلَ المرضُ بالعبدِ؛ فتأخيرُهُ للتَّوبةِ حينئذٍ أقبحُ مِن كلِّ قبيحٍ؛ فإنَّ المرضَ نذيز الموتِ.
ويَنْبَغي لمَن عادَ مريضًا أنْ يُذَكِّرَهُ التَّوبةَ والاستغفارَ، فلا أحْسَنَ مِن ختامِ العملِ بالتَّوبةِ والاستغفارِ: فإنْ كانَ العملُ سيِّئًا؛ كانَ كفَّارةً لهُ، وإنْ كانَ حسنًا؛ كانَ كالطَّابعِ عليه.
وفي حديثِ سيِّدِ الاستغفارِ المخرَّجِ في الصَّحيحِ (^٢): أن مَن قالَهُ إذا أصْبَحَ وإذا أمْسى ثمَّ ماتَ مِن يومِهِ أو ليلتِهِ؛ كانَ مِن أهلِ الجنَّةِ.
ولْيُكْثِرْ في مرضِهِ مِن ذكرِ اللهِ، خصوصًا مِن كلمةِ التَّوحيدِ؛ فإنَّهُ مَن كانَتْ آخرَ كلامِهِ دَخَلَ الجنَّةَ.
وفي حديثِ أبي سَعيدٍ وأبي هُرَيْرَةَ: عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ أنَّهُ قالَ: "مَن قالَ في مرضِهِ: لا إلهَ إلَّا اللهُ واللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، لا إلهَ إلَّا اللهُ ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ؛ فإنْ ماتَ في مرضِهِ؛ لمْ تَطْعَمْهُ النَّارُ" (^٣). خَرَّجَهُ النَّسائِيُّ وابنُ ماجَهْ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ.
_________________
(١) في خ وم: "فكيف بحال من لا يتوب"! وفي ط: "فكيف يكون الذي لا يتوب"، والأوّل فاسد عروضيًّا، والثاني سليم لغويًّا وعروضيًّا، لكن أخشى أن يكون لقلم المحقّق فيه دور، وأثبتّ ما في ن لأنّه سليم عروضيًّا وله وجه لغة.
(٢) البخاري (٨٠ - الدعوات، ٢ - أفضل الاستغفار، ١١/ ٩٧/ ٦٣٠٦) من حديث شدّاد بن أوس.
(٣) (صحيح). رواه: عبد بن حميد (٩٤٣ و٩٤٤)، وابن ماجه (٣٣ - الأدب، ٥٤ - لا إله إلّا الله، ٢/ ١٢٤٦/ ٣٧٩٤)، والترمذي (٤٩ - الدعوات، ٣٧ - ما يقول إذا مرض، ٥/ ٤٩٢/ ٣٤٣٠)، والنسائي في "الكبرى" (٩٨٥٨ و٩٨٥٩) و"اليوم والليلة" (٣١ و٣٢)، وأبو يعلى (١٢٥٨ و٦١٥٣ و٦١٥٤ و٦١٦٣)، وابن حبّان (٨٥١)، والطبراني في "الأوسط" (٢٩٨٢) و"الصغير" (٢٣٤)، والدارقطني في "العلل" (١٦٠٣)، والحاكم (١/ ٥)، والبيهقي في "الشعب" (٦٦٣) و"الصفات" (١٨٧)، والرافعي (٣/ ٤٤٢)؛ من طريق أبي إسحاق، عن الأغرّ أبي مسلم، عن أبي هريرة وأبي سعيد … رفعه مطوّلًا ومختصرًا بهذا السياق وبنحوه. وهذا سند يمكن أن يعلّ بعلل: أولاها تخليط أبي إسحاق، وليس بالقادح، فقد رواه عنه جماعة منهم إسرائيل، وروايته عنه في "صحيح البخاري"، فالظاهر أنّها قديمة. ومنهم أيضًا شعبة، وروايته عنه أمان من =
[ ٧٣٨ ]
وفي روايةٍ للنَّسائِيِّ: "مَن قالَهُنَّ في يومٍ أو في ليلةٍ أو في شهرٍ، ثمَّ ماتَ في ذلكَ اليومِ أو في تلكَ الليلةِ أو في ذلكَ الشَّهرِ؛ غُفِرَ لهُ ذنبُهُ" (^١).
ويُرْوى مِن حديثِ: حُذَيْفَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "مَن خُتِمَ لهُ بقولِ لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ دَخَلَ الجنَّةَ، ومَن خُتِمَ لهُ بصيامِ يوم أرادَ بهِ وجهَ اللهِ؛ أدْخَلَهُ اللهُ الجنَّةَ، ومَن خُتِمَ لهُ بإطعامِ مسكينٍ أرادَ بهِ وجهَ اللهِ؛ أدْخَلَهُ اللهُ الجنَّةَ" (^٢).
_________________
(١) = التخليط والتدليس، لكنّها جاءت مختصرة جدًّا، فالعمدة في تقوية هذا السياق على رواية إسرائيل ومن تابعه. والعلّة الثانية الوقف: فقد رواه: الترمذي (الموضع السابق)، والنسائي في "الكبرى" (٩٨٦٠) و"اليوم والليلة" (٣٢)، والدارقطي في "العلل" (١٦٠٣)؛ من طريق قويّة، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأغرّ، في أبي هريرة وأبي سعيد … موقوفًا. وبه أعلّه الترمذي، وقال الدارقطني: "وهو الصحيح". قلت: لا ريب أنّ رواية شعبة عن أبي إسحاق متينة وراجحة، لكنّها لا تضرّ الرفع لأمور: أوّلها: أن الرفع جاء عن شعبة من وجه قويّ كما تقدّم. والثَّاني: أن رفع إسرائيل زيادة ثقة يتعيّن المصير إليها. والثالث: أن من المستبعد أن يتّفق أبو هريرة وأبو سعيد على مقالة كهذه دون أن يكون أصلها مرفوعًا. والرابع: أنّ لهذا المتن حكم الرفع لأنّه لا يقال اجتهادًا. فهذه العلّة غير قادحة أيضًا. والعلّة الثالثة الاضطراب: عن أبي إسحاق، عن أبي صالح، عن أبي هريرة … رفعه. وأبو بشر هو عبد الله بن بشر الرقي ليس بذاك القويّ، فروايته شاذّة، ولو سلّمنا أنّها محفوظة؛ فلا تضرّ الحديث؛ لأنه تردّد بين وجهين قويّين. ويدفع هذه العلل الثلاث ما رواه: عبد بن حميد (٩٤٥)، والرافعي في "التدوين" (٣/ ٤٤٢)؛ من طريقين، عن إسرائيل، عن أبي جعفر الفرّاء، عن الأغرّ، عن أبي سعيد وأبي هريرة … رفعاه مطوّلًا ومختصرًا. فهذه متابعة من أبي جعفر الفرّاء الثقة لأبي إسحاق تقوّي حديثه وتنفي علله. وإلى تقوية هذا الحديث مال الترمذي وابن حبّان والحاكم والنووي والمنذري والعسقلاني والألباني.
(٢) (شاذّ). رواه: النسائي في "الكبرى" (٩٨٥٧) و"اليوم والليلة" (٢٩)، والإسماعيلي في "شيوخه" (٣٩٠)؛ من طريق جعفر بن برقان، عن أبي بشر عبد الله بن بشر الرقي وغيره، عن أبي إسحاق، عن أبي صالح، عن أبي هريرة … رفعه. وهذا سند ضعيف: أبو بشر، ليس بالقويّ، وروايته عن أبي إسحاق متأخّرة، وقد خالف في السند والمتن معًا، فروايته بين الشذوذ والنكارة. والمحفوظ في هذا الحديث اللفظ المتقدّم بالسند المتقدّم.
(٣) (ضعيف بهذا التمام). يرويه نعيم بن أبي هند واختلف عليه فيه على ثلاثة وجوه: روى أوّلها: البزّار (٧/ ٢٧٠/ ٢٨٥٤)، وابن بشران في "الأمالي" (١٦٤٥ - صحيحة)، والبيهقي في "الصفات" (٦٥٢)؛ من طريق الحسن بن أبي جعفر، عن محمّد بن جحادة، عن نعيم، عن ربعيّ، عن حذيفة … رفعه. والحسن هذا هو الجفري ضعيف. وروى الثاني: الطبراني في "الشاميّين" (٢٤٤٩) وأبو نعيم في "الحلية" (٥/ ٢٠٨) من طريق عطاء الخراساني، والأصبهاني في "الترغيب" (١٠٤) من طريق عديّ بن الفضل عن عثمان البتّي؛ كلاهما عن نعيم، عن أبي مسهر (وفي الحلية: أبي سهل)، عن حذيفة … رفعه. وعطاء حسن في الشواهد لكنه عنعن علي تدليسه، وعديّ متروك، فاجتماع الطريقين لا يزحزح هذا الوجه عن الضعف، زد على ذلك أن =
[ ٧٣٩ ]
• كانَ السَّلفُ يَرَوْنَ أنَّ مَن ماتَ عقيبَ عملٍ صالحٍ كصيامِ رمضانَ أو عقيبَ حجٍّ أو عمرةٍ؛ أنَّهُ يُرْجى لهُ أنْ يَدْخُلَ الجنَّةَ.
وكانوا معَ اجتهادِهِم في الصِّحَّةِ في الأعمالِ الصَّالحةِ يُجَدِّدونَ التَّوبةَ والاستغفارَ عندَ الموتِ ويَخْتِمونَ أعمالَهُم بالاستغفارِ وكلمةِ التَّوحيدِ.
لمَّا احْتُضِرَ العَلاءُ بنُ زِيادٍ؛ بَكى. فقيلَ لهُ: ما يُبْكيكَ؟ قالَ: كُنْتُ واللهِ أُحِبُّ أنْ أسْتَقْبِلَ الموتَ بتوبةٍ. قالوا: فافْعَلْ رَحِمَكَ اللهُ. فدَعا بطهورٍ فتَطَهَّرَ، ثمَّ دَعا بثوبٍ لهُ جديدٍ فلَبِسَهُ، ثمَّ اسْتَقْبَلَ القبلةَ، فأوْمَأ برأْسِهِ مرَّتينِ أو نحوَ ذلكَ، ثمَّ اضْطَجَعَ فماتَ.
ولمَّا احْتُضِرَ عامِرُ بنُ عَبْدِ اللهِ؛ بَكى وقالَ: لمثلِ هذا المصرعِ فلْيَعْمَلِ العاملونَ. اللهمَّ! إنِّي أسْتَغْفِرُكَ مِن تقصيري وتفريطي، وأتوبُ إليكَ مِن جميعِ ذنوبي، لا إلهَ إلَّا اللهُ. ثمَّ لمْ يَزَلْ يُرَدِّدُها حتَّى ماتَ ﵀.
وقالَ عَمْرُو بنُ العاصِ عندَ موتهِ: اللهمَّ! أمَرْتَنا فعَصَيْنا، ونَهَيْتَنا فرَكِبْنا، ولا يَسَعُنا إلَّا عفوُكَ، لا إلهَ إلَّا اللهُ. ثمَّ رَدَّدها حتَّى ماتَ.
وقالَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ عندَ موتِهِ: أجْلِسوني. فأجْلَسوهُ. فقالَ: أنا الذي أمَرْتَني
_________________
(١) = أبا مسهر هذا لا يعرف. وقد تابع أبو خالد الواسطي نعيمًا عن أبي مسهر عند بحشل في "التاريخ" (ص ١٠٨)، لكنّ أبا خالد كذّاب والراوي عنه الجرّاح بن منهال متّهم. فسقطت هذه المتابعة. وروى الثالث: أحمد (٥/ ٣٩١) والبيهقي في "الصفات" (٦٥١) من وجه قويّ عن عثمان البتّي، وابن حبَّان في "الثقات" (٧/ ٥٧٠) وأبو الشيخ في "الطبقات" (٤/ ٣٥٧) وابن شاهين في "الأفراد" (١٦٤٥ - صحيحة) والمخلّص في "الفوائد" (١٦٤٥ - صحيحة) وأبو نعيم في "أصبهان" (١/ ٢١٨) من طريق هشام بن القاسم؛ كلاهما عن نعيم، عن حذيفة … رفعه. قال المنذري: "إسناد لا بأس به"، وقال الهيثمي (٣/ ١٨٦، ٧/ ٢١٨): "رجال الصحيح غير عثمان بن مسلم البتّي وهو ثقة"، وتعقّب الألباني قول المنذري فقال: "الصواب ما قلته"؛ يعني: أنّ الإسناد صحيح وليس كما وصفه المنذري! قلت: فاتهم يرحمهم الله أنّ نعيمًا هذا لم يلحق حذيفة وروايته عنه منقطعة، فبين وفاتيهما ٧٤ سنة، وما ذكروا له عنه رواية، ولو لحقه للحق جلّ الصحابة! وللقطعتين الأوليين شاهد من حديث عليّ عند الخطيب في "الجمع والتفريق" (١/ ٨٠) بسند ساقط مسلسل بالضعفاء والمجاهيل. وخلاصة القول: أنّ الوجهين الأوّلين في حديث حذيفة منكرين جمعا الضعف إلى المخالفة فالمعروف عن حذيفة الثالث، وهو ضعيف لانقطاعه. ولم أقف على شاهد للحديث بطوله. بلى هاهنا شواهد مجملة لا تقوم بهذه التفاصيل. وشاهد للقطعتين الأوليين فقط من حديث علي، ولكنّه على قصوره شديد الضعف. وأما القطعة الأولى فشواهدها كثيرة مخرجة في الصحاح وغيرها عن جماعة من الصحابة فهي صحيحة بلا ريب.
[ ٧٤٠ ]
فقَصَّرْتُ ونَهَيْتَني فعَصَيْتُ، ولكنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ. ثمَّ رَفَعَ راسَهُ فأحَدَّ النَّظرَ. فقالوا لهُ: إنَّكَ تَنْظُرُ نظرًا شديدًا يا أميرَ المؤمنينَ! قالَ: إنِّي أرى حضرةً ما هُم بإنسٍ ولا جنٍّ. ثمَّ قُبِضَ رحمةُ اللهِ عليهِ. وسَمِعوا تاليًا يَتْلو: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣].
يا غافِلَ القَلْبِ عَنْ ذِكْرِ المَنِيَّاتِ … عَمَّا قَليلٍ سَتَثْوي بَيْنَ أمْواتِ
فَاذْكُرْ مَحَلَّكَ مِنْ قَبْلِ الحُلولِ بِهِ … وَتُبْ إلى اللهِ مِنْ لَهْوٍ وَلَذَّاتِ
إنَّ الحِمامَ لَهُ وَقْتٌ إلى أجَلٍ … فَاذْكُرْ مَصائِبَ أيَّامٍ وَساعاتِ
لا تَطْمَئِنَّ إلى الدُّنْيا وَزينَتِها … قَدْ حانَ لِلْمَوْتِ يا ذا اللُبِّ أنْ يَاتي
• التَّوبةَ التَّوبة، قبلَ أنْ يَصِلَ إليكُم مِن الموتِ النَّوبة، فيَحْصُلَ المفرِّطُ على النَّدمِ والخيبة. الإنابةَ الإنابة، قبلَ غلقِ بابِ الإجابة. الإفاقةَ الإفاقة؛ فقد قَرُبَ وقتُ الفاقة.
ما أحسنَ قلقَ التُّوَّاب! ما أحلى قدومَ الغيَّاب! ما أجملَ وقوفَهُم بالباب!
أسَأْتُ وَلَمْ أُحْسِنْ وَجِئْتُكَ تائِبًا … وَأنَّى لِعَبْدٍ مِنْ مَواليهِ مَهْرَبُ
يُؤَمِّلُ غُفْرانًا فَإنْ خابَ ظَنُّهُ … فَما أحَدٌ مِنْهُ عَلى الأرْضِ أخْيَبُ
مَن نَزَلَ بهِ الشَّيبُ فهوَ بمنزلةِ الحاملِ التي تَمَّتْ شهورُ حملِها فما تَنْتَظِرُ إلَّا الولادةَ، كذلكَ صاحبُ الشَّيبِ لا يَنْتَظِرُ غيرَ الموتِ، فقبيحٌ منهُ الإصرارُ على الذَّنبِ حينئذٍ.
أيَّ شَيْءٍ تُريدُ مِنِّي الذُّنوبُ … شُغِفَتْ بي فَلَيْس عَنِّي تَغيبُ
ما يَضُرُّ الذُّنوبَ لَوْ أعْتَقَتْني … رَحْمَةً بي فَقَدْ عَلاني المَشيبُ
ولكنْ توبةُ الشَّبابِ أحسنُ وأفضل.
في حديثٍ مرفوعٍ خَرَّجَهُ ابنُ أبي الدُّنيا: "إن الله يُحِبُّ الشَّابَّ التَّائبَ" (^١).
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). رواه: ابن أبي الدنيا في "التوبة" (١٨٤)، وابن عديّ (٦/ ٢٠٣٧)، وأبو الشيخ في "الثواب"، والذهبي في "الميزان" (٣/ ٣٣٥) تعليقًا، والعسقلاني في "اللسان" (٤/ ٤٨٦) تعليقًا؛ من طريق غسّان بن عبيد، عن طريف بن سليمان أبي عاتكة، عن أنس … رفعه. وغسّان بن عبيد هذا هو الموصلي ضعيف، وأبو عاتكة واه ذاهب الحديث، ولذلك قال العراقي: "سنده ضعيف"، وأقرّه المناوي والعجلوني والألباني، والسند دون ذلك.
[ ٧٤١ ]
قالَ عُمَيْرُ بنُ هانئ: تَقولُ التَّوبةُ للشَّابِّ: أهلًا ومرحبًا، وتَقولُ للشَّيخِ: نَقْبَلُكَ على ما كانَ منكَ.
الشَّابُّ تَرَكَ المعصيةَ معَ قوَّةِ الدَّاعي إليها، والشَّيخُ قد ضَعُفَتْ شهوتُهُ وقَلَّ داعيهِ، فلا يَسْتَوِيانِ.
وفي بعضِ الآثارِ: يَقولُ اللهُ تَعالى: أيُّها الشَّابُّ التَّاركُ شهوتَهُ المبتذلُ شبابَهُ لأجلي! أنتَ عندي كبعضِ ملائكتي (^١).
قالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ في قولهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٣]: همُ الذينَ يَشْتَهونَ المعاصيَ ولا يَعْمَلونَ بِها (^٢).
كم بينَ حالِ الذي قالَ معاذَ اللهِ إنَّهُ ربِّي أحْسَنَ مثوايَ وبينَ شيخٍ عِنِّينٍ يُدْعى لمثلِ ذلكَ!
_________________
(١) (خبر إسرائيلي موضوع مرفوعًا). رواه: ابن عدي (٣/ ٣٥٨)، والسهمي في "التاريخ" (ص ٣٧٧)، والذهبي في "الميزان" (٢/ ١٢١) تعليقًا، والعسقلاني في "اللسان" (٣/ ٢١) تعليقًا؛ من طريق سعد بن سعيد الجرجاني، عن الثوري، عن منصور، عن أبي الضحى ومسروق، عن علقمة، عن ابن مسعود … رفعه. قال ابن عدي: "لا يتابع عليه (يعني: سعدًا) ". وقال: "دخلته غفلة الصالحين، ولم أر للمتقدّمين فيه كلامًا، وهو من أهل بلدنا، ونحن أعلم به". قلت: يعني أنّه ليس بالكذاب الوضّاع المتعمّد، وإنّما هو رجل من الصالحين الذين لا يفرّقون بين قصّة وخبر إسرائيليّ ومرفوع بل ينسبونها كلّها إلى النبيّ - ﷺ - جهلًا. وقال الذهبي: "موضوع على الثوري"، وأقرّه العسقلاني. ورواه أبو نعيم في "الحلية" (٤/ ١٣٨) من طريق يحيى بن أيّوب، ثنا عبد الجبّار بن وهب، ثنا محمّد بن عبد الله السلمي، عن شريح، حدّثني البدريّون ومنهم عمر، عن النبيّ - ﷺ - … رفعه. وعبد الجبّار لا يعرف، والسلمي ما عرفته، وما أرى البلاء إلّا من أحدهما. ورواه: ابن المبارك في "الزهد" (٣٤٦)، وأبو نعيم في "الحلية" (٥/ ٢٣٧)؛ من طريق قويّة، عن يزيد بن ميسرة بن حلبس: إنّ الله تعالى يقول … فذكره. وهذا موقوف قويّ، وأصله إسرائيليّ كما هو واضح؛ فإنّ ابن حلبس هذا مشهور برواية الإسرائيليّات. فبان بهذا أنّه أثر إسرائيليّ تناقله بعض الصالحين والوعّاظ، ثمّ رفعوه إلى النبيّ - ﷺ - عمدًا أو جهلًا، وقد أحسن ابن رجب إذ لم يرفعه، ولكنّه قصّر بالاكتفاء بقوله "في بعض الآثار"؛ فإنّها حمالة لأوجه.
(٢) كذا في خ وم. وفي ن وط: "قال عمر بن الخطّاب ﵁ إنّ الذين يشتهون المعاصي ولا يعملون بها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ …﴾ " فأتمّ الآية ولم يذكر ما بعدها.
[ ٧٤٢ ]
كانَ عُمَرُ ﵁ يَعُسُّ بالمدينةِ، فسَمعَ امرأةً غابَ عنها زوجُها تُنْشِدُ:
تَطاوَلَ هذا اللَّيْلُ تَسْري كَواكِبُهْ … وَأرَّقَني أنْ لا خَليلٌ أُلاعِبُهْ
فوَاللهِ لَوْلا اللهُ لا رَبَّ غَيْرُهُ … لَحُرِّكَ مِنْ هذا السَّريرِ جَوانِبُهْ
وَلكِنَّني أخْشى رَقيبًا مُوَكَّلًا … بِأنْفُسِنا لا يَفْتُرُ الدَّهْرَ كاتِبُهْ
فقالَ لها عُمَرُ: يَرْحَمُكِ اللهُ! يَرْحَمُكِ اللهُ! ثمَّ بَعَثَ إلى زوجِها فأمَرَهُ أنْ يَقْدُمَ عليها، وأمَرَ أنْ لا يَغيبَ أحدٌ عن امرأتِهِ أكثرَ مِن ستَّةِ أشهرٍ.
الشَّيخُ قد تَرَكَتْهُ الذُّنوبُ فلا حمدَ لهُ على تركِها، كما قيلَ:
تارَكَكَ الذَّنْبُ فَتارَكْتَهُ … بِالفِعْلِ وَالشَّهْوَةُ في القَلْبِ
فَالحَمْدُ لِلذَّنْبِ عَلى تَرْكِهِ … لا لَكَ في تَرْكِكَ لِلذَّنْبِ
أما تَسْتَحي منَّا؟! لمَّا أعْرَضَتْ لذَّاتُ الدُّنيا عنكَ فلمْ يَبْقَ لها فيكَ رغبةٌ وصِرْتَ مِن سَقَطِ المتاع لا حاجةَ لأحدٍ فيكَ؛ جِئْتَ إلى بابِنا فقُلْتَ: أنا تائبٌ! ومعَ هذا؛ فكلُّ مَن أوى إلينا آوَيْناه، وكلُّ مَنِ اسْتَجارَ بنا أجَرْناه، ومَن تابَ إلينا أحْبَبْناه. أبْشِرْ؛ فربَّما يَكونُ الشَّيبُ شافعًا لصاحبِهِ في العفوِ.
ماتَ شيخٌ كانَ مفرِّطًا، فرُّئِيَ في المنامِ، فقيلَ لهُ: ما فَعَلَ اللهُ بكَ؟ قالَ: قالَ لي: لولا أنَّكَ شيخٌ لَعَذَّبْتُكَ.
وَقَفَ شيخٌ بعرفةَ، والنَّاسُ يَضِجُّونَ بالدُّعاءِ وهوَ ساكتٌ، ثمَّ قَبَضَ على لحيتِهِ وقالَ: يا ربِّ! شيخٌ! شيخٌ يَرْجو رحمتَكَ.
لَمَّا أتَوْا وَالشَّيْبُ شافِعُهُمْ … وَقَدْ تَوالى عَلَيْهِمُ الخَجَلُ
قُلْنا لِسودِ الصَّحائِفِ انْقَلِبي … بيضًا فَإنَّ الشُيوخَ قَدْ قُبِلوا
كانَ بعضُ الصَّالحينَ يَقولُ: إن الملوكَ إذا شابَتْ عبيدُهُم في رقِّهِم عَتَقوهُم، وقد شِبْتُ في رقِّكَ فأعْتِقْني.
إنَّ المُلوكَ إذا شابَتْ عَبيدُهُمُ … في رِقِّهِمْ عَتَقوهُمْ عِتْقَ أبْرارِ
وَأنْتَ يا خالِقي أوْلى بِذا كَرَمًا … قَدْ شِبْتُ في الرِّقِّ فَأعْتِقْني مِنَ النَّارِ
• أيُّها العاصي! ما يَقْطَعُ مِن صلاحِكَ الطَّمَع، ما نَصَبْنا شركَ المواعظِ إلَّا لِتَقَع.
[ ٧٤٣ ]
إذا خَرَجْتَ مِنَ المجلسِ وأنتَ عازمٌ على التَّوبةِ؛ قالَتْ لكَ ملائكةُ الرَّحمةِ: مرحبًا وأهلًا، فإنْ قالَ لكَ رفاقُ المعصيةِ: هلمَّ إلينا؛ فقُلْ لهُم: كلَّا، ذاكَ خمرُ الهوى الذي عَهِدْتُموهُ قدِ اسْتَحالَ خَلًّا.
يا مَن سَوَّدَ كتابَهُ بالسِّيِّئاتِ! قد آنَ لكَ بالتَّوبةِ أنْ تَمْحو. يا سكرانَ القلبِ بالشَّهوات! أما آنَ لفؤادِكَ أنْ يَصْحو.
يا نَدامايَ صَحا القَلْبُ صَحا … فَاطْرُدوا عَنِّي الصِّبا وَالمَرَحا
زَجَرَ الوَعْظُ فُؤادي فَارْعَوى … وَأفاقَ القَلْبُ مِنِّي وَصَحا
هَزَمَ العَزْمُ جُنودًا لِلْهَوى … فاسِدي لا تَعْجَبُوا إنْ صَلَحا
بادِروا التَّوْبَةَ مِنْ قَبْلِ الرَّدى … فَمُناديهِ يُنادينا الوَحا
آخرُها، أحْسَنَ اللهُ خاتمتَها، وكانَ الفراغُ منها على يدِ أفقرِ عبادِ اللهِ وأحوجِهِم إلى رحمتِهِ النَّادمِ على ما كانَ من كسبِهِ إلْياسَ بن خَضِرِ بن مُحَمَّدٍ الدَّاعي لمالكِهِ وكاتبِهِ بطولِ البقاءِ وعلوِّ الدَّرجاتِ والارتقاءِ، وهو الشيخُ الإمامُ العالمُ العاملُ وحيدُ دهرِهِ وفريدُ عصرِهِ ونسيجُ وحدِهِ الشَّيخُ علاءُ الدِّينِ عليُّ بنُ سليمانَ المِرْداوِيُّ أمْتَعَ اللهُ بطولِ بقائِهِ وأعادَ علينا وعلى المسلمينَ مِن بركاتِهِ غَفَرَ اللهُ لهُ ولوالديهِ ولكاتبِ هذهِ الأسطرِ ولجميعِ المسلمينَ والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ وذلكَ في اليومِ الثَّاني والعشرينَ من شهرِ اللهِ المحرَّمِ من شهورِ سنة خمسينَ وثمانِ مئةٍ بالمدرسةِ الموسومةِ بالشَّيخِ أبي عُمَرَ جَعَلَها اللهُ تَعالى دائمةً ما دامتِ السَّماواتُ والأرضُ ولا أخْلاها ممَّا فيها إنَّهُ على ما يَشاءُ قديرٌ وبالإجابةِ جديرٌ وصَلَّى اللهُ على سيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصحبِهِ وسَلَّمَ وحسبُنا اللهُ ونعمَ الوكيلُ (^١).
* * * * *
_________________
(١) في حاشية خ: "الحمد لله على جميع نعمه. بلغ مقابلة حسنة صحيحة على نسختين وذلك برباط العبّاس عمّ نبينا محمّد - ﷺ - ورضي عنه وذلك بمكة المشرّفة على يد كاتبها؛ إلّا الصفحة الأخيرة فإنّ كاتبها المسمّى فيها. قال ذلك وكتب عليّ بن سليمان المرداويّ الحنبليّ عفا الله عنه بمنّه وكرمه وذلك في أيّام آخرها نهار السبت خامس عشر من جمادى الآخرة سنة سبع وخمسين وثمان مئة".
[ ٧٤٤ ]