خَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابنُ حِبَّانَ في "صحيحه" مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁؛ قالَ: قُلْنا: يا رسولَ اللهِ! ما لَنا إذا كُنَّا عندَكَ رَقَّتْ قلوبُنا وزَهِدْنا في الدُّنيا وكنَّا مِن أهلِ الآخرةِ، فإذا خَرَجْنا مِن عندِكَ فآنَسْنا أهلَنا (^١) وشَمَمْنا أولادَنا أنْكَرْنا أنفُسَنا؟! فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "لو أنَّكم إذا خَرَجْتُمْ مِنْ عِنْدي كُنْتُم على حالِكُم ذلِكُم؛ لَزارَتْكُمُ الملائكةُ في بيوتِكُم. ولو لمْ تُذْنِبوا لَجاءَ اللهُ بخلقٍ جديدٍ حتَّى يُذْنِبوا فيَغْفِرَ لهُم". قلتُ: يا رسولَ اللهِ! ممَّ خُلِقَ الخلقُ؟ قالَ: "مِن الماءِ". قُلْتُ: الجنَّةُ ما بناؤُها (^٢)؟ قالَ: "لَبِنَةٌ مِن ذهب ولَبِنَةٌ مِن فضَّةٍ، ومِلاطُها المسكُ الأذفرُ، وحصباؤُها اللؤلؤُ والياقوتُ، وتربتُها الزَّعفرانُ، مَن يَدْخُلُها يَنْعَمُ لا يَبْأسُ ويَخْلُدُ لا يَموتُ، لا تَبْلى ثيابُهُم ولا يَفْنى شبابُهُم" (^٣).
_________________
(١) في خ وم: "عافسنا أهلنا"، وأثبتّ ما في ط لأنّه لفظ الترمذي الذي لا يستقيم السياق إلّا به.
(٢) في خ: "فممّ خلق الخلق … ممّا بناؤها"، وما أثبتّه من م وط أولى بسياق "المسند".
(٣) (حسن بشواهده). حديث مطوّل مؤلّف من خمسة أحاديث رواها مجموعة أو مفرّقة: ابن المبارك في "الزهد" (١٠٧٥)، والطيالسي (٢٥٨٣ و٢٥٨٤)، والحميدي (١١٥٠)، وإسحاق (١/ ٣١٧ / ٣٠٣٠ - ٣٠)، وأحمد (٢/ ٣٠٤ و٣٠٥ و٤٤٤ و٤٤٥ و٤٧٧)، وهنّاد في "الزهد" (١٣٠)، وعبد بن حميد (١٤٢٠)، والدارمي (٢/ ٣٣٣)، والبخاري في "الكنى" (ص ٧٤)، وابن ماجه (٧ - الصيام، ٤٨ - الصائم لا تردّ دعوته، ١/ ٥٥٧/ ١٧٥٢)، والترمذي (٤٩ - الدعوات، ١٢٩ - العفو والعافية، ٥/ ٥٧٨/ ٣٥٩٨)، والحارث (١٠٧١ - الهيثمي)، وابن خزيمة (١٩٠١)، وابن حبَّان (٣٤٢٨ و٧٣٨٧)، والطبراني في "الأوسط" (٧١٠٧)، وأبو نعيم في "الجنّة" (١٠٠ و١٣٦)، والبيهقي في "السنن" (٥/ ٣٤٣، ٨/ ١٦٢، ١٠/ ٨٨) و"الشعب" (٧١٠١) و"البعث" (٢٥٨)، والخطيب في "الكفاية" (ص ٢٤٩)، والبغوي في "السنّة" (١٣٩٥)، والمزّي في "التهذيب" (٣٤/ ٢٦٩)؛ من طرق، عن سعد الطائي أبي مجاهد، عن أبي المدلّة، عن أبي هريرة … رفعه، وزاد بعضهم فيه: "ثلاثة لا تردّ دعوتهم: الصائم حتّى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم". قال الترمذي: "حسن … وأبو مدلّة هو مولى عائشة وإنّما نعرفه بهذا الحديث". وتعقّبه الألباني في =
[ ٤٦ ]
• كانَتْ مجالسُ النَّبيِّ - ﷺ - معَ أصحابِهِ عامَّتُها مجالسَ تذكيرٍ باللهِ وترغيبٍ وترهيبٍ: إمَّا بتلاوةِ القرآنِ، أو بما آتاهُ اللهُ مِن الحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ وتعليمِ ما يَنْفَعُ في الدِّينِ. كما أمَرَهُ اللهُ تَعالى في كتابهِ أنْ يُذَكِّرَ ويَعِظَ ويَقُصَّ، وأنْ يَدْعُوَ إلى سبيلِ ربِّهِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، وأنْ يُبَشِّرَ ويُنْذِرَ.
وسَمَّاهُ اللهُ مبشِّرًا ونذيرًا وداعيًا إلى اللهِ. والتَّبشيرُ والإنذارُ هوَ التَّرغيبُ والتَّرهيبُ، فلذلكَ كانَتْ تلكَ المجالسُ تُوجِبُ لأصحابِهِ - كما ذَكَرَ أبو هُرَيْرَةَ في هذا الحديثِ - رقَّةَ القلوبِ؛ والزُّهدَ في الدُّنيا والرَّغبةَ في الآخرةِ.
* فأمَّا رقَّةُ القلوبِ؛ فتَنْشَأُ عن الذِّكْرِ؛ فإنَّ ذكرَ اللهِ يوجِبُ خشوعَ القلبِ وصلاحَهُ ورقَّتَهُ ويَذْهَبُ [بـ]ـــالغفلةِ عنهُ:
قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
وقالَ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢].
وَقالَ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ. الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحجّ: ٣٥ - ٣٤].
وقالَ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا
_________________
(١) = "الضعيفة" (١٣٥٨) فقال: "إذا كان كذلك فالقواعد تقتضي أنّه رجل مجهول". قلت: صحّح له الترمذي وابن خزيمة وابن حبّان ونصّ بعض الرواة على توثيقه عند أحمد وابن ماجه وغيرهما، وأشار المزّي في "التحفة" (١٥٤٥٧) إلى رواية سعيد بن عبيد الطائي عنه، فإن كان محفوظًا ارتفعت عنه الجهالة، وإن كان وهمًا أو تحريفًا فالرجل لا يعدو أن يكون مقبولًا كما ذكر العسقلاني. ورواه: الضبّي في "الدعاء" (١٢٨)، ومن طريقه الترمذي (٣٩ - الجنّة، ٢ - صفة الجنّة ونعيمها، ٤/ ٦٧٢/ ٢٥٢٦)؛ عن حمزة الزيّات، عن زياد الطائي، عن أبي هريرة … رفعه بطوله. قال الترمذي: "ليس إسناده بذلك القويّ، وليس هو عندي بمتّصل". قلت: زياد مجهول، وروايته عن أبي هريرة مرسلة، ولا يبعد أن يكون تلقّاه عن أبي مجاهد أو عن أبي مدلّة فتؤول هذه الطريق إلى الأولى. لكن لا يخلو شيء من قطع الحديث من طرق أخرى أو شواهد تقوّيه سيأتي تفصيل القول فيها تباعًا عند شرحه فلا أطيل بذكرها هنا، ولذلك قوّاه الترمذي وابن خزيمة وابن حبّان والبغوي والعسقلاني والألباني.
[ ٤٧ ]
﴿يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦].
وَقالَ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣].
وَقالَ العِرْباضُ بنُ سارِتةَ: وَعَظَنا رسولُ اللهِ - ﷺ - موعظةً بليغةً وَجِلَتْ مِنها القلوبُ وذَرَفَتْ مِنها العيونُ (^١).
وقالَ ابنُ مَسْعودٍ: نِعْمَ المجلسُ المجلسُ الذي تُنْشَرُ فيهِ الحكمةُ وتُرْجى فيهِ الرَّحمةُ؛ مجلسُ الذِّكرِ (^٢).
وشَكا رجلٌ إلى الحَسَنِ قساوةَ قلبِهِ فقالَ: أدْنِهِ مِن الذِّكرِ.
وقالَ: مجالسُ الذِّكرِ مَحْياةُ العلمِ وتُحْدِثُ في القلبِ الخشوعَ.
القلوبُ الميِّتةُ تَحْيا بالذِّكرِ كما تَحْيا الأرضُ المَيْتةُ بالقَطْرِ.
بِذِكْرِ اللهِ تَرْتاحُ القُلوبُ … ودُنْيانا بِذِكْراهُ تَطيبُ
* وأمَّا الزُّهدُ في الدُّنيا والرَّغبةُ في الآخرةِ؛ فبما يَحْصُلُ في مجالسِ الذِّكرِ: مِن
_________________
(١) (صحيح). قطعة من حديث جليل طويل من الأحاديث التي عليها مدار الإسلام رواه: أحمد (٤/ ١٢٦ - ١٢٧)، والدارمي (١/ ٤٤)، والبخاري في "التاريخ" (٢/ ٣٦٥)، وابن ماجه (المقدّمة، ٦ - اتّباع سنّة الراشدين، ١/ ١٥/ ٤٢ - ٤٤)، وأبو داوود (٣٤ - السنّة، ٥ - لزوم السنّة، ٢/ ٦١١/ ٤٦٠٧)، والترمذي (٤٢ - العلم، ٦ - الأخذ بالسنة، ٥/ ٤٤/ ٢٦٧٦)، والحارث بن أبي أسامة (٥٥ و٥٦ - زوائد الهيثمي)، وابن أبي عاصم في "السنّة" (٢٦ - ٣٤ و٤٨ و٤٩ و٥٤ - ٥٩ و١٠٣٧ - ١٠٤٥)، وابن نصر في "السنّة" (٦٩ - ٧٢)، والطحاوي في "المشكل" (٢/ ٦٩)، وابن حبّان (٥)، والطبراني في "الكبير" (١٨/ ٢٤٥/ ٦١٧ - ٦٢٤ و٦٤٢) و"الشاميّين" (٤٣٧ و٤٣٨ و٧٨٦)، والآجرّي في "الشريعة" (٧٩ - ٨١)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٩٧ - ٩٥) و"المدخل" (١/ ٧٩ - ٨١)، واللالكائي في "السنّة" (٧٩ - ٨١)، وأبو نعيم في "المستخرج" (١ - ٥)، والداني في "السنن" (١٢٤)، والبيهقي في "السنن" (٦/ ٥٤١) و"المدخل" (٥٠ و٥١)، والخطيب في "الجمع والتفريق" (٢/ ٤٨٩)، والبغوي في "شرح السنّة" (١٠٢)، وابن عساكر (٤٠/ ١٧٦)؛ من طرق كثيرة، عن العرباض … به مطوّلًا ومختصرًا. وبعض طرق هذا الحديث حسن لذاته، وأكثرها حسن في الشواهد، وبعضها يسير الضعف، والحديث بمجموعها صحيح غاية، ولذلك تتابع أهل العلم على تقويته كالترمذي وابن خزيمة وابن حبّان والحاكم وأبي نعيم والبغوي والمنذري والنووي والذهبي والعسقلاني والألباني.
(٢) في خ: "مجالس الذكر"، وما أثبتّه من ط أولى بالسياق.
[ ٤٨ ]
ذكرِ عيوبِ الدُّنيا وذمِّها والتَّزهيدِ فيها، وذكرِ فضلِ الجنَّةِ ومدحِها والتَّرغيبِ فيها، وذكرِ النَّارِ وأهوالِها والتَّرهيب مِنها.
وفي مجالسِ الذِّكرِ تتَنَزَّلُ الرَّحمةُ وتَغْشى السَّكينةُ وتَحُفُّ الملائكةُ ويَذْكُرُ اللهُ أهلَها فيمَن عندَهُ (^١).
وهمُ القومُ لا يَشْقى بهِم جليسُهُم: فربَّما رُحِمَ معَهُم مَن جَلَسَ إليهِم وإنْ كانَ مذنبًا، وربَّما بَكى فيهِم باكٍ مِن خشيةِ اللهِ فوُهِبَ أهلُ المجلسِ كلُّهُم لهُ.
وهيَ رياضُ الجنَّةِ؛ قالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "إذا مَرَرْتُمْ برياضِ الجنَّةِ فارْتَعُوا". قالوا: وما رياضُ الجنَّةِ؟ قالَ: "مجالسُ الذّكرِ" (^٢).
_________________
(١) جاء في حاشية خ هنا: "وعن أبي هريرة وأبي سعيد؛ أنّهما شهدا على رسول الله - ﷺ - أنّه قال: لا يقعد قوم يذكرون الله تعالى إلّا حفّتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده". والغالب أنّه من تعقّبات النسّاخ.
(٢) (صحيح بطرقه وشواهده). وقد جاء عن جماعة من الصحابة. * فرواه: أبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٣٥٤)، والخطيب في "الفقيه والمتفقّه" (١/ ١٢)؛ من طريقين إحداهما قويّة، عن محمّد بن عبد بن عامر السمرقندي (وسمّاه أبو نعيم: محمّد بن عبد الله بن عامر)، عن قتيبة بن سعيد، ثنا مالك بن أنس، عن نافع، (زاد أبو نعيم: عن سالم)، عن ابن عمر … رفعه. قال أبو نعيم: "غريب من حديث مالك، لم نكتبه إلّا من حديث محمّد بن عبد الله بن عامر". قال الألباني في "الصحيحة" (٢٥٦٢): "ولم أعرفه، ويحتمل أن (عامر) محرّف من (نمير)، فإن كان كذلك؛ فهو ثقة. ثمّ رأيت ما يرجّح أنّه هو، فقد ذكره المزّي في الرواة عن قتيبة". قلت: ذكر المزّي له في الرواة عن قتيبة دليل ظنّي وليس بالحاسم، ولو وقف الشيخ رحمة الله عليه على سند الخطيب؛ لعلم أنّه ليس بتحريف، ولكنّه محمّد بن عبد بن عامر السمرقنديّ الكذاب الوضّاع. وعليه؛ فالسند ساقط. ورواه الدارقطني في "غرائب مالك" (٥/ ٨٤ - لسان) من طريق محمّد بن إسحاق الصيرفي أبي ذرٍّ، عن عليّ بن معبد بن نوح، عن عليّ بن معبد بن شدّاد، عن مالك … به فذكره. قال الدارقطني: "باطل موضوع، وأبو ذرٍّ هذا كان ضعيفًا". * ورواه الخطيب في "الفقيه والمتفقّه" (١/ ١٣) من طريق أبي عثمان سعيد بن عثمان الحمصي، نا عبيد بن جناد صدوق، نا عطاء بن مسلم الحلبي، عن زيد العمّي، عن القاسم بن محمّد، عن عبد الله بن عمرو … رفعه. وهذا واه فيه علل: أولاها: أنّ سعيدًا وعطاء وزيدًا ضعاف. والثانية: أنّ سعيدًا خولف فرواه الخطيب (بعده) من طريق موسى بن مروان، عن عطاء، عن زيد بن حبّان، عن القاسم بن الوليد، عن ابن مسعود … رفعه بنحوه. ورواية موسى أرجح لأنّه صدوق كما تفيده ترجمته في "التهذيب"، فالحديث لابن مسعود، لولا أنّ زيدًا لا يعدو أن يكون صالحًا في المتابعات ورواية القاسم عن ابن مسعود مرسلة. والثالثة: أنّ عطاء هذا خولف، فرواه الخطيب (بعده) من طريق مسلسلة بالأئمة الثقات، عن القاسم بن الوليد، عن =
[ ٤٩ ]
• فإذا انْقَضى مجلسُ الذِّكرِ؛ فأهلُهُ بعدَ ذلكَ على أقسامٍ:
* فمنهُم مَن يَرْجِعُ إلى هواهُ فلا يَتَعَلَّقُ بشيءٍ ممَّا سَمِعَهُ في مجلسِ الذِّكرِ ولا يَزْدادُ هدًى ولا يَرْتَدعُ عن ردًى. هؤلاءِ شرُّ الأقسامِ، ويَكونُ ما سَمِعوهُ حُجَّةً عليهِم فتَزْدادُ بهِ عقوبتُهُم (^١)، وهؤلاءِ الظَّالمونَ لأنفسِهِم، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ
_________________
(١) = الضحّاك، قال ابن مسعود … فذكره موقوفًا. والضحّاك عن ابن مسعود مرسل. وخلاصة القول أنّ إسناد الحديث إلى ابن عمرو منكر واه والمحفوظ إسناده إلى ابن مسعود، والرفع في حديث ابن مسعود منكر والمحفوظ فيه الوقف، والوقف أيضا ضعيف منقطع. • ورواه الطبراني (١١/ ٧٨/ ١١١٥٨) من طريق أحمد بن العبّاس صاحب الشامة، ثنا الحارث بن عطيّة، ثنا بعض أصحابنا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عبّاس … رفعه لكن قال: "مجالس العلم". قال المنذري والهيثمي (١/ ١٣١): "فيه رجل لم يسمّ". قلت: والحارث يهم. • ورواه الترمذي (٤٩ - الدعوات، ٨٣ - باب، ٥/ ٥٣٢/ ٣٥٠٩) من طريق يزيد بن حبّان، أنّ حميدًا المكّيّ حدّثه، أنّ عطاء بن أبي رباح حدّثه، عن أبي هريرة … رفعه لكن قال: "المساجد". قال الترمذي: "حسن غريب". قلت: يزيد كثير الخطأ وحميد مجهول. لكن له طريق أخرى بلفظ الترجمة تقريبًا عند ابن شاهين أشار إليها العجلوني في "كشف الخفاء" فلعلّه يتقوّى بها. • ورواه: أحمد (٣/ ١٥٠)، والترمذي (٤٩ - الدعوات، ٨٣ - باب، ٥/ ٥٣٢/ ٣٥١٠)، والبزّار (٣٠٦٣ - كشف)، وأبو يعلى (٣٤٣٢)، وابن حبّان في "المجروحين" (٢/ ٢٥٢)، وابن عدي (٦/ ٢١٤٧)، والبيهقي في "الشعب" (٥٢٩)، والأصبهاني (١٣٤٧)؛ من طريق محمّد بن ثابت البناني، ثني أبي، عن أنس … رفعه. قال الترمذي: "حسن غريب"، وأقرّه المنذري. قلت: محمَّد بن ثابت ضعيف. ورواه: ابن أبي الدنيا، والطبراني في "الدعاء" (١٨٩٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٢٦٨)، والخطيب في "الفقيه" (١/ ١٢)؛ من طريقين قوّيتين، عن زائدة بن أبي الرقاد، عن زياد النميري، عن أنس … رفعه. وهذا واهٍ: زائدة منكر الحديث، وزياد ضعيف. * ورواه: عبد بن حميد في "المسند" (١١٠٧)، وابن أبي الدنيا، والبزّار (٣٠٦٤ - كشف الأستار)، وأبو يعلى في "المسند" (١٨٦٥ و١٨٦٦ و٢١٣٨)، وابن حبّان في "المجروحين" (٢/ ٨١)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (٢٥٢٢) و"الدعاء" (١٨٩١)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٤٩٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٥٢٨)، والقشيري في "الرسالة" (ص ١٠١)، والأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (١٣٥٤)؛ من طرق، عن عمر مولى غفرة، عن أيّوب بن خالد بن صفوان، عن جابر … رفعه. قال البزّار: "لا يروى إلّا بهذا الإسناد، تفرّد به عمر". وصحّحه الحاكم، ووافقه البوصيري، وأعلّه المنذري والذهبي والهيثمي بعمر مولى غفرة، قلت: عمر وأيّوب ليّنان والسند ضعيف. وملخّص ما تقدّم هنا أنّ هذا المتن: موضوع على ابن عمر، منكر من حديث ابن عمرو، ومنكر مرفوعًا عن ابن مسعود، وأمّا أحاديث ابن عبّاس وأبي هريرة وأنس وجابر فمتراوحة بين الضعف واللين، فاجتماعها يقوّي هذا المتن ويصحّحه، وإلى ذلك مال الترمذي والحاكم والمنذري والعسقلاني والألباني.
(٢) في خ: "فيزدادوا به عقوبة"! وهو خطأ نحويّ! والأولى ما أثبتّه من م وط.
[ ٥٠ ]
وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٨].
* ومنهُم مَن يَنْتَفعُ بِما سَمِعَهُ. وهُم على أقسامٍ: فمِنْهُم مَن يَرُدُّهُ ما سَمِعَهُ عن المحرَّماتِ ويُوجبُ لهُ التزامَ الواجباتِ، وهؤلاءِ المقتصدونَ أصحابُ اليمينِ. ومنهُم مَن يَرْتَقي عن ذَلكَ إلى التَّشميرِ في نوافلِ الطَّاعات والتَّورُّعِ عَن دقائقِ المكروهات ويَشْتاقُ إلى اتِّباعِ آثارِ مَن سَلَفَ مِن السَّادات، وهؤلاءِ السابقونَ المقرَّبونَ.
• ويَنْقَسِمُ المنتفعونَ بسماعِ مجلسِ الذكرِ في استحضارِ ما سَمِعوهُ (^١) في المجلسِ والغفلةِ عنهُ إلى أقسامٍ ثلاثةٍ:
• فقسمٌ يَرْجِعونَ إلى مصالحِ دنياهُمُ المباحةِ فيَشْتَغِلونَ بها فتَذْهَلُ بذلكَ قلوبُهُم عمَّا كانوا يَجِدونَهُ في مجلسِ الذِّكرِ مِنِ استحضارِ عظمةِ اللهِ وجلالِهِ وكبريائِهِ ووعدِهِ ووعيدِهِ وثوابِهِ وعقابِهِ، وهذا هوَ الذي شَكاهُ الصَّحابةُ إلى النَّبيِّ - ﷺ - وخَشُوا - لكمالِ معرفتِهِم وشدَّةِ خوفِهِم - أنْ يَكونَ نفاقًا، فأعْلَمَهُمُ النَّبيُّ - ﷺ - أنَّهُ ليسَ بنفاقٍ.
وفي "صحيح مسلم" (^٢): عن حَنْظَلَةَ؛ أنَّهُ قالَ: يا رسولَ اللهِ! نافَقَ حَنْظَلَةُ. قالَ: "وما ذاكَ؟ ". قالَ: نَكونُ عندَكَ فتُذَكِّرُنا بالجنَّةِ والنَّارِ كأنَّهُما رَأْيُ عينٍ، فإذا رَجَعْنا مِن عندِكَ؛ عافَسْنا (^٣) الأزواجَ والضَّيْعَةَ ونَسِينا كثيرًا. فقالَ: "لو تَدومونَ على الحالِ التي تَقومونَ بِها مِن عندي؛ لَصافَحَتكُمُ الملائكةُ في مجالسِكُم وفي طرقِكُم، ولكنْ يا حَنْظَلَةُ! ساعةً وساعةً". وفي روايةٍ لهُ أيضًا: "لَو كانَتْ تكونُ قلوبُكُم كَما تَكونُ عندَ الذِّكرِ؛ لَصافَحَتْكُمُ الملائكةُ حتَّى تُسَلِّمَ عليكُمْ في الطُّرفِ".
ومعنى هذا أن استحضارَ ذكرِ الآخرةِ بالقلبِ في جميعِ الأحوالِ عزيزٌ جدًّا، ولا يَقْدِرُ كثيرٌ مِن النَّاسِ أو أكثرُهُم عليهِ، فيُكْتَفى منهُم بذكرِ ذلكَ أحيانًا وإنْ وَقَعَتِ الغفلةُ عنهُ في حالِ التَّلبُّسِ بمصالحِ الدُّنيا المباحةِ. ولكنَّ المؤمنَ لا يَرْضى مِن نفسِهِ بذلكَ، بل يَلومُ نفسَهُ عليهِ ويَحْزُنُهُ ذلكَ من نفسِهِ.
_________________
(١) فالتقسيم الأوّل باعتبار انتفاعهم بما سمعوه وهذا باعتبار استحضارهم له.
(٢) (٤٩ - التوبة، ٣ - فضل دوام الذكر، ٤/ ٢١٠٦/ ٢٧٥٠)؛ الروايتين.
(٣) في حاشية خ: "أي: عالجنا".
[ ٥١ ]
العارفُ يَتَأسَّفُ في وقتِ الكدرِ على زمنِ الصَّفاء، ويَحِنُّ إلى زمنِ القربِ والوصالِ في حالةِ الجفاء.
ما أذْكُرُ عَيْشَنا الَّذي قَدْ سَلَفا … إلَّا وَجَفَ القَلْبُ وَكَمْ قَدْ وَجَفا
واهًا لِزَمانِنا الَّذي كانَ صَفا … واأسَفا وَهَلْ يَرُدُّ فائتًا واأسَفا (^١)
* وقسمٌ آخرُ يَسْتَمِرُّونَ على استحضارِ حالِ مجلسِ سماعِ الذِّكرِ، فلا يَزالُ تذكُّرُ ذلكَ بقلوبِهِم ملازمًا لهُم، وهؤلاء على قسمينِ:
أحدُهُما: مَن يَشْغَلُهُ ذلكَ عن مصالحِ دنياهُ المباحةِ، فيَنْقَطعُ عن الخلقِ فلا يَقْوى على مخالطتِهِم ولا القيامِ بوفاءِ حقوقِهِم. وكانَ كثيرٌ مِن السَّلفِ (^٢) على هذهِ الحالِ: فمنهُم مَن كانَ لا يَضْحَكُ، ومنهُم مَن كانَ يَقولُ: لو فارَقَ ذكرُ الموتِ قلبي ساعةً؛ لفَسَدَ.
والثَّاني: مَن يَسْتَحْضِرُ ذكرَ اللهِ وعظمتَهُ وثوابَهُ وعقابَهُ بقلبِهِ، ويَدْخُلُ ببدنِهِ في مصالحِ دنياهُ مِنِ اكتسابِ الحلالِ والقيامِ على العيالِ، ويُخالِطُ الخلقَ فيما يُوصِلُ إليهِم بهِ النَّفعَ ممَّا هوَ عبادةٌ في نفسِهِ، كتعليمِ العلمِ والجهادِ والأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكرِ. وهؤلاء أشرفُ القسمينِ، وهُم خلفاءُ الرُّسلِ، وهمُ الذينَ قالَ فيهِم عَلِيٌّ ﵁: صَحِبوا الدُّنيا بأبدانٍ أرواحُها معلَّقةٌ بالمحلِّ الأعلى (^٣).
وقد كانَ حالُ النَّبيِّ - ﷺ - عندَ الذِّكرِ يَتَغَيَّرُ ثمَ يَرْجِعُ بعدَ انقضائِهِ إلى مخالطةِ النَّاسِ والقيامِ بحقوقِهِم:
ففي "مسند البزَّار" و"معجم الطَّبرانيِّ": عن جابرٍ؛ قالَ: كانَ النَّبيُّ - ﷺ - إذا نَزَلَ عليهِ الوحيُ؛ قلتَ: نذيرُ قومٍ، فإذا سُرِّيَ عنهُ؛ فأكثرُ النَّاسِ ضحكًا وأحسنُهُم خُلُقًا (^٤).
_________________
(١) في حاشية خ: "خ لو كان يردّ فائتًا واأسفا"؛ يعني أنّه في نسخة كذلك.
(٢) العباد أو الزهّاد أو الصوفية، وستأتيك كلمة "السلف" بهذا المعنى كثيرًا، فتنبّه.
(٣) قطعة من وصيته الطويلة لكميل بن زياد، وقد أطال ابن القيم في شرحها واستفرغ الوسع، فانظره في "مفتاح دار السعادة" (١/ ٣٤٧ - ٤١٢ - ط. ابن خزيمة).
(٤) (منكر بهذا السياق). رواه: البزّار (٢٤٧٧ - كشف)، وابن عدي (٦/ ٢١٩٤)، والذهبي في "الميزان" (٣/ ٦١٥) و"النبلاء" (٦/ ٣١٥)؛ عن طريق أبي حفص الأبار، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن جابر … به.
[ ٥٢ ]
وفي "مسند الإمام أحمد": عن عَلِيٍّ أوِ الزُّبَيْرِ؛ قالَ: كانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَخْطُبُنا فيُذَكِّرُنا بأيَّامِ اللهِ حتى يُعْرَفَ ذلكَ في وجهِهِ، وكأنَّهُ نذيرُ جيشٍ يُصَبِّحُهُمُ الأمرُ غُدوةً. وكانَ إذا كانَ حديثَ عهدٍ بجبْريلَ لمْ يَتبَسَّمْ ضاحكًا حتى يَرْتَفعَ عنهُ (^١).
وفي "صحيح مسلم" (^٢): عن جابرٍ ﵁؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - كانَ إذا خَطبَ [وذَكَرَ السَّاعةَ] اشْتَدَّ غضبُهُ وعَلا صوتُهُ كأنَّهُ منذرُ جيشٍ تقولُ صَبَّحَكُمْ ومَسَّاكُمْ.
وفي الصَّحيحين (^٣): عن عَدِيِّ بن حاتِمٍ؛ أن رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: "اتَّقُوا النَّارَ". قالَ: وأشاحَ. ثمَّ قالَ: "اتَّقُوا النَّارَ". ثمَّ أعْرَضَ وأشاحَ. ثلاثًا. حتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ يَنْظُرُ إليها. ثمَّ قالَ: "اتَّقُوا النَّارَ ولو بشِقِّ تمرةٍ، فمَن لم يَجِدْ؛ فبكلمةٍ طيِّبةٍ".
وسُئِلَتْ عائِشَةُ ﵂: كيفَ كان رسولُ اللهِ - ﷺ - إذا خَلا معَ نسائِهِ؟ قالَتْ: كانَ كرجلٍ مِن رجالِكُم؛ إلَّا أنَّهُ كانَ أكرمَ النَّاسِ وأحسنَ النَّاسِ خُلُقًا، وكانَ ضحَّاكًا بسَّامًا (^٤).
_________________
(١) = قال الهيثمي في "المجمع" (٩/ ٢٠): "إسناده حسن". قلت: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى سيّئ الحفظ جدًّا لا يحتمل منه هذا التفرّد، ولا سيما أن الحديث جاء عن جابر عند مسلم بغير هذا السياق، وأن الصحيح المشهور أنَّه - ﷺ - كان لا يضحك إلا تبسمًا. ولذلك أورد ابن عدي هذا الحديث في منكرات ابن أبي ليلى، وقال الذهبي: "هذا حديث منكر".
(٢) (حسن بشواهده). رواه: إسحاق (كما في المختارة)، وأحمد (١/ ١٦٧)، والبزّار (٢/ ١٩١ - مجمع)، وأبو يعلى (٦٧٧)، والطبراني في "الكبير" (٢/ ١٩١ - مجمع) و"الأوسط" (٢٦٥٥)، والضياء في "المختارة" (٣/ ٧٢/ ٨٧٧ و٨٧٨)؛ من طريق أبي الزبير، عن عبد الله بن سلمة، عن عليّ أو الزبير … به. وهذا سند فيه ضعف يسير من أجل ابن سلمة فإنه لا يعدو أن يكون صالحًا في المتابعات، وأبو الزبير فالمشهور تدليسه عن الصحابة ولم أر من يذكر له تدليسًا عن التابعين. لكن يشهد لأوّله حديث مسلم الآتي بعده، ويشهد لآخره الحديث السابق وحديث الصحيحين المشهور فيما كان يأخذه - ﷺ - من الشدة عند نزول الوحي، وإلى تقويته مال الضياء والهيثمي والعسقلاني.
(٣) (٧ - الجمعة، ١٣ - تخفيف الصلاة والخطبة، ٢/ ٥٩٢/ ٨٦٧).
(٤) البخاري (٨١ - الرقاق، ٥١ - صفة الجنة والنار، ١١/ ٤١٧/ ٦٥٦٣)، ومسلم (١٢ - الزكاة، ٢٠ - الحث على الصدقة، ٢/ ٧٠٤/ ١٠١٦).
(٥) (ضعيف جدًّا). رواه: ابن سعد (١/ ٣٦٥)، وإسحاق (٢/ ٤٣٤/ ١٠٠١، ٣/ ١٠٠٨/ ١٧٥٠)، وهنّاد في "الزهد" (١٢٨٧)، وابن أبي الدنيا في "المكارم" (٣٩٧)، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" (٦٣)، وأبو الشيخ في "أخلاق النبي - ﷺ - " (٢٤)، وتمّام في "الفوائد" (١٤١٨)؛ من طرق، عن حارثة بن محمّد بن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة … به.
[ ٥٣ ]
فهذِهِ الطَّبقةُ خلفاءُ الرُّسلِ؛ عامَلوا الله بقلوبِهِم، وعاشَروا الخَلْقَ بأبدانِهِم، كما قالَتْ رابِعَةُ:
وَلَقَدْ جَعَلْتُكَ في الفُؤادِ مُحَدِّثي … وَأبَحْتُ جِسْمِيَ مَنْ أرادَ جُلوسي
فَالجِسْمُ مِنِّي لِلْجَليسِ مُؤانِسٌ … وَحَبيبُ قَلْبِيَ في الفُؤادِ أنيسي
• المواعظُ سياطٌ تُضْرَبُ بها القلوبُ فتُؤَثِّرُ فيها كتأْثيرِ السِّياطِ في البدنِ، والضَّربُ لا يُؤَثِّرُ بعدَ انقضائِهِ كتأْثيرِهِ في حالِ وجودِهِ، لكنْ يَبْقى أثرُ التَّألُّمِ بحسبِ قوَّتهِ وضعفِهِ، فكلَّما قَوِيَ الضَّرْبُ؛ كانَتْ مدَّةُ بقاءِ الألمِ أكثرَ.
كانَ كثيرٌ مِن السَّلفِ إذا خَرَجوا مِن مجلسِ سماعِ الذِّكرِ خَرَجوا وعليهِمُ السَّكينةُ والوَقارُ: فمنهُم مَن كانَ لا يَسْتَطيعُ أنْ يَأْكُلَ طعامًا عَقيبَ ذلكَ، ومِنهم مَن كانَ يَعْمَلُ بمقتضى ما سَمِعَهُ مدَّةً.
أفضلُ الصَّدقةِ تعليمُ جاهلٍ أو إيقاظُ غافلٍ.
ما وُصِلَ المُسْتَثْقِلُ في نومِ (^١) الغفلةِ بأفضلَ مِن ضربِهِ بسياطِ الموعظةِ لِيَسْتَيْقِظَ.
المواعظُ كالسِّياطِ تَقَعُ على نِياطِ القلوبِ: فمَن آلَمَتْهُ فصاحَ؛ فلا جُناح، ومَن زادَ ألمُهُ فماتَ؛ فدمُهُ مباح.
قَضَى اللهُ في القَتْلى قِصاصَ دِمائِهِمْ … وَلكِنْ دِماءُ العاشِقينَ جُبارُ (^٢)
وَعَظَ عَبْدُ الواحِدِ بنُ زَيْدٍ [يومًا]، فصاحَ رجلٌ: يا أبا عُبَيْدَةَ! كُفَّ! فقدْ كَشَفْتَ [بـ]ـالموعظةِ قناعَ قلبي. فأتَمَّ عَبْدُ الواحِدِ موعظتَهُ، فماتَ الرَّجلُ.
صاحَ رجلٌ في حلْقةِ الشِّبْلِيِّ فماتَ، فاسْتَعْدى أهلُهُ على الشِّبْلِيِّ إلى الخليفةِ، فقالَ الشِّبْلِيُّ: نفسٌ رَنَتْ فحَنَّتْ، فدُعِيَتْ فأجابَتْ، فما ذنبُ الشِّبْلِيِّ (^٣)؟
_________________
(١) = وهذا سند واه من أجل حارثة فإنه في حد الترك، وقد ذكر ابن عدي والذهبي هذا الحديث في منكراته، وليس الشأن في كونه - ﷺ - أكرم الناس وأحسنهم خلقًا فلعمر الله قد كان فوق ذلك، ولكن الشأن في صحّة نسبة هذا الكلام لعائشة، فلا يصح، وفي قولها "ضحاكًا" نكارة على كل حال.
(٢) من هنا يبدأ الأصل الخطي المساعدن.
(٣) جبار: مهدورة لا قصاص فيها.
(٤) ذنبه أنه رأس هذه البدعة وفاتح باب الضلالة! يمنّون الشاب الغضّ الغرّ بالمكاشفة والمكافحة =
[ ٥٤ ]
فَكَّرَ في أفْعالِهِ ثُمَّ صاحْ … لا خَيْرَ في الحُبِّ بِغَيْرِ افْتِضاحْ
قَدْ جِئْتكُمْ مُسْتَأْمِنًا فَأرْحَموا … لا تَقْتُلوني قَدْ رَمَيْتُ السِّلاحْ
إنَّما يَصْلُحُ التَّأديبُ بالسَّوطِ مِن صحيحِ البدنِ ثابتِ القلبِ قويِّ الذِّراعينِ، فيُؤْلِمُ ضربُهُ، فيَرْدَعُ. فأمَّا مَن هوَ سَقيمُ البدنِ لا قوَّةَ لهُ؛ فماذا يَنْفَعُ تأْديبُهُ بالضَّربِ؟!
كانَ الحَسَنُ إذا خَرَجَ إلى النَّاسِ فكأنَّهُ رجلٌ عايَنَ الآخرةَ ثمَّ جاءَ يُخْبِرُ عنها، وكانوا إذا خَرَجوا مِن عندِهِ؛ خَرَجوا وهُم لا يَعُدُّونَ الدُّنيا شيئًا.
وكانَ سُفْيانُ يُتَعَزَّى بمجالسِهِ عن الدُّنيا.
وكانَ أحْمَدُ لا تُذْكَرُ الدُّنيا في مجلسِهِ ولا تُذْكَرُ عندَهُ.
قالَ بعضُهُم: لا تَنْفَعُ الموعظةُ إلَّا إذا خَرَجَتْ مِن القلبِ؛ فإنَّها تَصِلُ إلى القلبِ، فأمَّا إذا خَرَجَتْ مِن اللسانِ؛ فإنَّها تَدْخُلُ مِن الأذنِ ثمَّ تَخْرُجُ مِن الأخرى.
قالَ بعضُ السَّلفِ: إنَّ العالِمَ إذا لمْ يُرِدْ بموعظتِهِ وجهَ اللهِ؛ زَلَّتْ موعظتُهُ عن القلوبِ كما يَزِلُّ القَطْرُ عن الصَّفا.
كانَ يَحْيى بنُ مُعاذٍ يُنْشِدُ في مجالسِهِ:
مَواعِظُ الواعِظِ لَنْ تُقْبَلا … حَتَّى يَعِيَها قَلْبُهُ أوَّلا
يا قَوْمِ مَنْ أظْلَمُ مِنْ واعِظٍ … خالَفَ ما قَدْ قالَهُ في المَلا
أظْهَرَ بَيْنَ النَّاسِ إحْسانَهُ … وَبارَزَ الرَّحْمنَ لَمَّا خَلا
العالمُ الذي لا يَعْمَلُ بعلمِهِ مَثَلُهُ كمَثَلِ المصباحِ يُضيءُ للنَّاسِ ويُحْرِقُ نفسَهُ.
قالَ أبو العَتاهِيَةِ:
وَبَّخْتَ غَيْرَكَ بِالعَمى فَأفَدْتَهُ … بَصَرًا وَأنْتَ مُحَسِّنٌ لِعَماكا
وَفَتيلَةُ المِصْباحِ تُحْرِقُ نَفْسَها … وَتُضيءُ لِلأعْشى وَأنْتَ كَذاكا
المواعظُ دِرياقُ (^١) الذُّنوبِ، فلا يَنْبَغي أنْ يَسْقِيَ الدِّرياقَ إلَّا طبيبٌ حاذقٌ معافى،
_________________
(١) = والوصول، ويزيّنون له الجوع والسهر والذكر المرهق، فينهار جسده تحت وطأة هذا ويتوقّف قلبه! ثمّ يقولون: ما ذنبنا؟! يقول شيخ الإسلام: "إذا كان السبب محظورًا لم يكن السكران معذورًا". فهذا كذاك.
(٢) الدرياق والترياق واحد، وهو الدواء المضاد للسم.
[ ٥٥ ]
فأمَّا لَديغُ الهوى؛ فهوَ إلى شربِ الدِّرياقِ أحوجُ مِن أنْ يَسْقِيَهُ لغيرِهِ.
في بعضِ الكتبِ السَّالفةِ: إذا أرَدْتَ أنْ تَعِظَ النَّاسَ؛ فعِظْ نفسَكَ، فإنِ اتَّعَظَتْ، وَإلَّا؛ فاسْتَحْيِ مِنِّي.
وَغَيْرُ تَقِيٍّ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالتُّقى … طَبيبٌ يُداوِي النَّاسَ وَهْوَ سَقيمُ (^١)
يا أيُّها الرَّجُلُ المُقَوِّمُ غَيْرَهُ … هَلَّا لِنَفْسِكَ كانَ ذا التَّقْويمُ (^٢)
فَابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَها عَنْ غَيِّها … فَإنِ انْتَهَتْ عَنْهُ فَأنْتَ حَكيمُ
فَهُناكَ يُقْبَلُ ما تَقولُ وَيُقْتَدى … بِالقَوْلِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التَّعْليمُ
لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ … عارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظيمُ
لمَّا جَلَسَ عَبْدُ الواحِدِ بنُ زَيْدٍ للوعظِ؛ أتَتْهُ امرأةٌ مِن الصَّالحاتِ فأنْشَدَتْهُ:
يا واعِظًا قامَ لاحْتِسابٍ … يَزْجُرُ قَوْمًا عَنِ الذُّنوبِ
تَنْهى وَأنْتَ المُريبُ حقًّا … هذا مِنَ المُنكَرِ العَجيبِ
لَوْ كُنْتَ أصْلَحْتَ قَبْلَ هذا … عَيْبَكَ أوْ تُبْتَ مِنْ قَريبِ
كانَ لِما قُلْتَ يا حَبيبي … مَوْقِعُ صِدْقٍ مِنَ القُلوبِ
تَنْهى عَنِ الغَيِّ وَالتَّمادي … وَأنْتَ في النَّهْيِ كَالمُريبِ
لمَّا حاسَبَ المتَّقونَ أنفسَهُم؛ خافوا مِن عاقبةِ الوعظِ والتَّذكيرِ.
قالَ رجلٌ لابنِ عَبَّاسٍ: أريدُ أنْ آمُرَ بالمعروفِ وأنْهى عن المنكر. فقالَ لهُ: إنْ لمْ تَخْشَ أنْ تَفْضَحَكَ هذهِ الآياتُ الثَّلاثُ؛ فافْعَلْ، وإلَّا؛ فأبْدَأْ بنفسِكَ. ثمَّ تَلا: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]، وقولَهُ تَعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣]. وقولَهُ حكايةً عن شُعَيْبٍ ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨].
_________________
(١) هذا البيت من البحر الطويل، والأبيات التي تليه من البحر الكامل، وهذا يدل على ضرورة فصله عن تلك المقطوعة لأنه لا ينتمي إليها.
(٢) في خ: "يا أيها الرجل المعلم … ذا التعليم"، وفوق "المعلم" "المقوم" وفوق "التعليم" "التقويم". وأثبتّ ما في م ون وط.
[ ٥٦ ]
قالَ النَّخَعِيُّ: كانوا يَكْرَهونَ القَصَصَ لهذهِ الآياتِ الثَّلاثِ.
قيلَ لمُوَرِّقٍ العِجْلِيِّ (^١): ألا تَعِظُ أصْحابَكَ؟ قال: أكْرَهُ أنْ أقول ما لا أفْعَلُ.
تَقَدَّمَ بعضُ الصَّالحينَ لِيُصَلِّي بالنَّاسِ إمامًا، فالْتَفَتَ إلى المأْمومينَ يُعَدِّل الصُّفوفَ وقال: اسْتَوُوا! فغُشِيَ عليهِ، فسُئِلَ عن سببِ ذلكَ، فقال: لمَّا قُلْتُ لهُمُ: اسْتَقيموا؛ فَكَّرْتُ في نفسي فقُلْتُ لَها: فأنتِ، هلِ اسْتَقَمْتِ معَ اللهِ طرفةَ عينٍ (^٢)؟
ما كُلُّ مَنْ وَصَفَ الدَّوا يَسْتَعْمِلُهْ … وَلا كُلُّ مَنْ وَصَفَ التُّقى [هُوَ] ذو تُقى (^٣)
وَصَفْتُ التُّقى حَتَّى كَأنِّيَ ذو تُقى … وَريحُ الخَطايا مِن ثِيابِيَ تَسْطَعُ
ومعَ هذا كلِّهِ فلا بُدَّ للنَّاسِ مِن الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكرِ والوعظِ والتَّذكيرِ، ولو لمْ يَعِظِ النَّاسَ إلَّا معصومٌ مِن الزَّللِ؛ لمْ يَعِظْ بعدَ رسول اللهِ - ﷺ - أحدٌ؛ لأنَّهُ لا عصمةَ لأحدٍ بعدَهُ.
لَئِنْ لَمْ يَعِظِ العاصِينَ مَنْ هُوَ مُذْنِبُ … فَمَنْ يَعِظُ العاصِينَ بَعْدَ مُحَمَّدِ (^٤)
ورَوى ابنُ أبي الدُّنيا بإسناد فيهِ ضعفٌ: عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "مُروا بالمعروفِ وإنْ لمْ تَعْمَلوا بهِ كلِّهِ، وانْهَوْا عن المنكرِ وإنْ لمْ تَنْتَهوا عنهُ كلِّهِ" (^٥).
_________________
(١) في خ ون: "لمطرّف العجلي"! وجاء فوقها في ن: "لمورّق". وجاءت في م وط على الجادّة.
(٢) فأبقِ هذا سرًّا بينك وبين ربك ولا تبح به للخلق! ما أكثر ما كان يغشى على أصحاب الدعاوى.
(٣) في ن: "الدواء استعمله"، وأثبتّ ما في خ وم، وأضفت [هو] ليستقيم الوزن.
(٤) صدر البيت غير مستقيم وزنًا، وعجزه من الطويل.
(٥) (ضعيف جدًّا). رواه ابن أبي الدنيا في "المعروف" (٢٢٨٣ - ضعيفة) والبيهقي في "الشعب" (٧٥٧٠) من طريق طلحة بن عمرو المكّي، ورواه ابن عديّ في "الكامل" (٦/ ٢٣٠٠) ثنا محمَّد بن أحمد بن عيسى المرّوذي ثنا الحسن بن عرفة ثنا المحاربي عن العلاء بن المسيّب؛ كلاهما عن عطاء، عن أبي هريرة … رفعه. قال ابن عدي: "غير محفوظ". قلت: في طريق البيهقي وابن أبي الدنيا طلحة المكيّ متروك، وفي طريق ابن عديّ المرّوذي وضّاع. ومن هنا يتبين لك ما في قول ابن رجب ﵀: "بإسناد فيه ضعف"! ورواه: الطبراني في "الصغير" (٩٨٢) و"الأوسط" (٦٦٢٤)، وابن عساكر في "التاريخ" (٣٦/ ٤٣٢)؛ من طريق محمّد بن عبد الله بن محمَّد بن عثمان الأنصاري، ثنا عبد القدّوس بن عبد السلام بن عبد القدّوس بن حبيب الكلاعيّ، عن أبيه، عن جدّه، عن الحسن، عن أنس … رفعه. قال الطبراني: "لم يروه عن الحسن إلّا عبد القدوس، تفرّد به ولده". وقال الهيثمي (٧/ ٢٨٠): فيه "عبد السلام بن عبد القدّوس بن حبيب عن أبيه وهما ضعيفان". قلت: قصّر يرحمه الله تعالى: الأنصاريّ وعبد القدّوس الحفيد مجهولان، وعبد السلام متروك، وعبد القدّوس الجد كذاب.
[ ٥٧ ]
وقيلَ للحَسَن: إنَّ فلانًا لا يَعِظُ وتقولُ: أخافُ أنْ أقولَ ما لا أفْعَلُ. [فـ]ـقالَ الحَسَنُ: وأيُّنا يَفْعَلُ ما يَقولُ؟! وَدَّ الشَّيطانُ أنَّهُ قدْ ظَفِرَ بهذا فلمْ يَأْمُرْ أحدٌ بمعروفٍ ولمْ يَنْهَ عن منكرٍ.
وقال مالِكٌ: عن رَبيعَةَ، قال سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: لو كانَ المرءُ لا يَأْمُرُ بالمعروفِ ولا يَنْهى عن المنكرِ حتَّى لا يَكونَ فيهِ شيءٌ؟ ما أمَرَ أحدٌ بمعروفٍ ولا نَهى عن منكرٍ. قال مالِكٌ: وصَدَقَ، ومَن [ذا] الذي ليسَ فيهِ شيءٌ؟!
مَنْ ذا الَّذي ما ساءَ قَطْ … وَمَنْ لَهُ الحُسْنى فَقَطْ (^١)
خَطَبَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ ﵀ يومًا، فقال في موعظتِهِ: إنِّي لأقولُ هذهِ المقالةَ وما أعْلَمُ عندَ أحدٍ مِن الذُّنوبِ أكثرَ ممَّا أعْلَمُ عندي، فأسْتَغْفِرُ الله وأتوبُ إليهِ.
وكَتَبَ إلى بعضِ نوَّابِهِ على بعضِ الأمصارِ كتابًا يَعِظُهُ فيهِ فقال في آخرِهِ: وإنِّي لأعِظُكَ بهذا، وإنِّي لكثيرُ الإسرافِ على نفسي، غيرُ مُحْكِمٍ لكثيرٍ مِن أمري، ولو أن المرءَ لا يَعِظُ أخاهُ حتَّى يُحْكِمَ نفسَهُ؛ إذًا لتَواكَلَ النَّاسُ الخيرَ (^٢)، وإذا لَرُفعَ الأمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عن المنكرِ، وإذًا لاسْتُحِلَّتِ المحارمُ وقَلَّ الواعظونَ والسَّاعون للهِ بالنَّصيحةِ في الأرضِ، والشَّيطانُ وأعوانُهُ يَوَدُّونَ أنْ لا يَأمُرَ أحدٌ بمعروفٍ ولا يَنْهى عن منكرٍ، وإذا أمَرَهُمْ أحدٌ أو نَهاهُمْ؛ عابوهُ بما فيهِ وبما ليسَ فيهِ، كما قيلَ:
وَأُعْلِنَتِ الفَواحِشُ في البَوادي … وَصارَ النَّاسُ أعْوانَ المُريبِ
إذا ما عِبْتُهُمْ عابوا مَقالي … لِما في القَوْمِ مِنْ تِلْكَ العُيوبِ
وَوَدُّوا لَوْ كَفَفْنا فَاسْتَوَيْنا … فَصارَ النَّاسُ كَالشَّيْءِ المَشوبِ
وَكُنَّا نَسْتَطِبُّ إذا مَرِضْنا … فَصارَ هَلاكُنا بِيَدِ الطَّبيبِ
كانَ بعضُ العلماءِ المشهورينَ لهُ مجلسٌ للوعظِ، فجَلَسَ فيهِ يومًا، فنَظَرَ إلى مَن
_________________
(١) = فحديث أبي هريرة ساقط بوجهيه، وحديث أنس دونه بكثير، واجتماعهما لا يفيد الحديث شيئًا، وقد مال إلى ضعفه ابن عدي والهيثمي، وقال الألباني: "ضعيف جدًّا".
(٢) زاد في حاشية خ هنا: "محمد الهادي الذي عليه جبريل هبط".
(٣) يعني: ترك كلّ واحد من الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لغيره بحجّة أنّه عاصٍ لله تعالى لا يليق أن يتولّى هذه المهمة.
[ ٥٨ ]
حولَهُ - وهُم خلقٌ كثيرٌ وما منهُم إلَّا مَن قد رَقَّ قلبُهُ أو دَمَعَتْ عينُهُ -، فقالَ لنفسِهِ فيما بينَهُ وبينَها: كيفَ بكِ إنْ نَجا هؤلاءِ وهَلَكْتِ أنتِ؟ ثمَّ قالَ في نفسِهِ: اللهمَّ! إنْ قَضَيْتَ عليَّ غدًا بالعذابِ؛ فلا تُعْلِمْ هؤلاءِ بعذابي؛ صيانةً لكرمِكَ لا لأجلي؛ لئلَّا يُقالَ: عَذَّبَ مَن كانَ في الدُّنيا يَدُلُّ عليهِ. إلهي! قدْ قيلَ لنبيِّكَ - ﷺ -: اقْتُلِ ابنَ أبيٍّ المنافقَ! فقالَ: "لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أن مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصحابَهُ" (^١)، فامْتَنَعَ مِن عقابِهِ لمَّا كانَ في الظَّاهرِ يُنْسَبُ إليهِ، وأنا على كلِّ حالٍ فإليكَ أُنْسَبُ.
زَوَّرَ رجلٌ شفاعةً إلى بعضِ الملوكِ على لسانِ بعضِ أكابرِ الدَّولةِ، فاطَّلَعَ المزوَّرُ عليهِ على الحالِ، فسَعى عندَ الملكِ في قضاءِ تلكَ الحاجةِ واجْتَهَدَ حتَّى قُضِيَتْ، ثمَّ قالَ للمزوِّرِ عليهِ: ما كنَّا نُخَيِّبُ مَن عَلَّقَ أملَهُ بنا ورَجا النَّفعَ مِن جهتِنا.
إلهي! فأنتَ أكرمُ الأكرمين وأرحمُ الرَّاحمين، فلا تُخَيِّبْ مَن عَلَّقَ أملَهُ ورجاءَهُ بكَ وانْتَسَبَ إليكَ ودَعا عبادَكَ إلى بابِكَ، و[إنْ] كانَ متطفِّلًا على كرمِكَ ولمْ يَكُنْ أهلًا للسَّمسرةِ بينَكَ وبينَ عبادِكَ، لكنَّـ[ـهُ]، طَمعَ في سعةِ جودِكَ وكرمِكَ، فأنتَ أهلُ الجودِ والكرمِ، وربَّما اسْتَحْيا الكريمُ مِن رَدِّ مَن تَطَفَّلَ على سِماطِ كرمِهِ.
إنْ كُنْتُ لا أصْلُحُ لِلْقُرْبِ … فَشَأْنكُمْ صَفْح عَنِ الذَّنْبِ
• وقولُهُ - ﷺ -: "لو لمْ تذْنِبوا؛ لجاءَ اللهُ بخلقٍ جديدٍ حتَّى يُذْنِبوا فيَغْفِرَ لهُم":
وخَرَّجَهُ مُسْلِمٌ (^٢) مِن وجهٍ آخرَ: عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "لو لمْ تُذْنِبوا؛ لَذَهَبَ اللهُ بكم، ثمَّ جاءَ بقومٍ يُذْنِبونَ ثمَّ يَسْتَغْفِرونَ فيَغْفِرُ لهُم".
ومِن حديثِ: أبي أيُّوبَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ [قالَ]: "لولا أنَّكُم تُذْنِبونَ؛ لَخَلَقَ اللهُ خلقًا يُذْنِبونَ، ثمَّ يَغْفِرُ لهُم". وفي رواية [لهُ] أيضًا: "لو لمْ يَكُنْ لكُم ذنوبٌ يَغْفِرُها اللهُ؛ لَجاءَ اللهُ بقومٍ لهُم ذنوبٌ، فيَغْفِرُها لهُم" (^٣).
_________________
(١) رواه: البخاري (٦١ - المناقب، ٨ - ما ينهى من دعوى الجاهليّة، ٦/ ٥٤٦/ ٣٥١٨)، ومسلم (٤٥ - البرّ، ١٦ - نصر الأخ، ٤/ ١٩٩٨/ ٢٥٨٤)؛ من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(٢) (٤٩ - التوبة، ٢ - سقوط الذُّنوب بالاستغفار، ٤/ ٢١٠٦/ ٢٧٤٩).
(٣) وكلا الروايتين عند مسلم (الموضع السابق، ٤/ ٢١٠٥/ ٢٧٤٨).
[ ٥٩ ]
والمرادُ بهذا أنَّ للهِ حكمةً في إلقاءِ الغفلةِ على قلوبِ عبادِهِ أحيانًا حتَّى يَقَعَ مِنهم بعضُ الذُّنوبِ؛ فإنَّهُ لوِ اسْتَمَرَّ [تْ] لهُمُ اليقظةُ التي يكونونَ عليها في حالِ سماعِ الذِّكرِ؛ لَما وَقَعَ منهُم ذنبٌ. وفي إيقاعِهِم في الذُّنوبِ أحيانًا فائدتانِ عظيمتانِ (^١):
إحداهما: اعترافُ المذنبينَ بذنوبِهِم وتقصيرِهِم في حقِّ مولاهُم وتنكيسُ رؤوسِ عُجْبِهِم، وهذا أحَبُّ إلى اللهِ مِن فعلِ كثيرٍ مِن الطَّاعاتِ؛ فإنَّ دوامَ الطَّاعاتِ قدْ يوجِبُ لصاحبِها العُجْبَ.
وفي الحديثِ: "لو لمْ تُذْنِبوا؛ لَخَشِيتُ عليكُم ما هوَ أشدُّ مِن ذلكَ؛ العُجْبَ" (^٢).
قالَ الحَسَن: لو أن ابنَ آدمَ كلَّما قالَ أصابَ وكلَّما عَمِلَ أحْسَنَ؛ أوْشَكَ أنْ يُجَنَّ مِن العُجْبِ.
قالَ بعضُهُم: ذنبٌ أفْتَقِرُ بهِ إليهِ أحَبُّ إليَّ مِن طاعةٍ أدلُّ بها عليهِ.
أنينُ المذنبينَ أحَبُّ إليهِ مِن زَجَلِ المسبِّحينَ (^٣)؛ لأنَّ زَجَلَ المسبِّحينَ ربَّما شابَهُ الافتخارُ، وأنينُ المذنبينَ يَزِينُهُ الانكسارُ والافتقارُ.
_________________
(١) فصّل ابن القيّم في الحكم الإلهيّة في قضاء المعصية على العباد فأتى بفوائد فذّة وبدائع مطربة. فانظرها في: "مدارج السالكين" (١/ ٢٧٩) و"مفتاح دار السعادة" (١/ ٧٧).
(٢) (حسن). رواه: البزار (٣٦٣٣ كشف)، والعقيلي (٢/ ١٥٩)، وابن عديّ في "الكامل" (٣/ ١١٥٢)، والقضاعي في "الشهاب" (١٤٤٧)، والبيهقي في "الشعب" (٧٢٥٥)؛ من طريقين قويتين، عن سلام بن أبي الصهباء، عن ثابت، عن أنس … رفعه. قال البزار: "لا نعلم رواه عن ثابت إلّا سلّام، وهو مشهور". وقال العقيلي: "لا يتابع عليه عن ثابت، وقد روي بغير هذا الإسناد بإسناد صالح". وقال المنذري والهيثمي: "إسناده جيد". قلت: هو كذلك إن كان سلّام بن أبي الصهباء هو سلّام بن سليمان المزني المترجم في "التهذيب"، وهو وجيه جدًّا. وإن كان غيره؛ فحديثه لا يعدو أن يكون صالحًا في الشواهد. ولهذا قال الذهبي عقبه في "الميزان" (٢/ ١٨٠): "ما أحسنه من حديث لو صحّ". وتعقّبه الألباني في "الصحيحة" (٦٥٨) بقوله: "هو حسن على الأقل بشاهده الآتي وغيره؛ فقد أخرجه أبو الحسن القزويني في "الأمالي" (١٢/ ١) عن كثير بن يحيى، ثنا أبي، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد … مرفوعًا. وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد، رجاله ثقات، غير يحيى والد كثير، وهو يحيى بن كثير أبو النضر صاحب البصري، قال الحافظ: ضعيف". وجملة القول أنه: إن كان ابن أبي الصهباء هو سلّام بن سليمان المزني؛ فالحديث فوق الحسن، وإن كانا اثنين؛ فالحديث حسن بشاهده، وقد مال إلى تقويته العقيلي والمنذري والهيثمي والمناوي والألباني.
(٣) زجل المسبّحين: أصواتهم عند التسبيح.
[ ٦٠ ]
في حديثٍ: "إنَّ الله لَيَنْفَعُ العبدَ بالذَّنبِ يُذْنِبُهُ" (^١).
قالَ الحَسَنُ: إنَّ العبدَ لَيَعْمَلُ الذَّنبَ فلا يَنْساهُ ولا يَزالُ متخوِّفًا منهُ حتَّى يَدْخُلَ الجنَّةَ.
المقصودُ: مِن زللِ المؤمنِ ندمُهُ، ومِن تفريطِهِ أسفُهُ، ومنِ اعوجاجِهِ تقويمُهُ، ومِن تأخُّرِهِ تقديمُهُ، ومِن زلقِهِ في هوَّةِ الهوى أنْ يُؤْخَذَ بيدِهِ فيُنَجَّى إلى نجوةِ النَّجاةِ، كما قيلَ:
قُرَّةَ عَيْني لا بُدَّ لي مِنْكَ وإنْ … أوْحَشَ بَيْني وَبَيْنَكَ الزَّلَلُ
قُرَّةَ عَيْني أنا الغَريقُ فَخُذْ … كَفَّ غَريق عَلَيْكَ يَتَّكِلُ
الفائدةُ الثَّانيةُ: حصولُ المغفرةِ والعفوِ مِن اللهِ تَعالى لعبدِهِ؛ فإنَّ الله يُحِبُّ أنْ يَعْفُوَ ويَغْفِرَ، ومِن أسمائِهِ الغفَّارُ والعفوُّ والتَّوَّابُ (^٢)، فلو عَصَمَ الخلقَ؛ فلِمَن كانَ يَكونُ العفوُ والمغفرةُ؟
قالَ بعضُ السَّلفِ: أوَّلَ ما خَلَقَ اللهُ القلمَ كَتَبَ: إنِّي أنا التَّوَّاب، أتوبُ على مَن تاب.
قالَ أبو الجَلْدِ: قالَ رجلٌ مِن العاملينَ للهِ بالطَّاعةِ: اللهمَّ! أصْلِحْني صلاحًا لا فسادَ عليَّ بعدَهُ. فأوْحى اللهُ إليهِ أن عبادِيَ المؤمنينَ كلَّهُم يَسْألونَني مثلَ ما سَألْتَ، فإذا أصْلَحْتُ عبادي كلَّهُم؛ فعلى مَن أتَفَضَّلُ وعلى مَن أجودُ بمغفرتي؟!
كانَ بعضُ السَّلفِ تقولُ: لو أعْلَمُ أحبَّ الأعمالِ إلى اللهِ؛ لأجْهَدْتُ نفسي فيها. فرَأى في منامِهِ قائلًا يَقولُ لهُ: إنَّكَ تُريدُ ما لا يَكونُ، إن الله يُحِبُّ أنْ يَغْفِر (^٣).
_________________
(١) (ضعيف). رواه: العقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٢٥٨)، وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ١٩٨ و١٩٩)، والقضاعي في "الشهاب" (١٠٩٥)، وابن الجوزي في "الواهيات" (١٣١٥)؛ من طريق قوية، عن مضر بن نوح السلمي، ثنا عبد العزيز بن أبي روّاد، عن نافع، عن ابن عمر … رفعه. وهذا سند ضعيف من أجل مضر هذا؛ فإنه مجهول لا يعرف بالنقل، وجاء بحديث لم يشاركه فيه أحد، ولذلك ضعّفه العقيلي وابن الجوزي والذهبي والعراقي والعسقلاني والمناوي والألباني.
(٢) في خ: "الغفّار والغفور والتوّاب"، والأولى ما أثبته من م ون وط.
(٣) يتوسع ابن رجب رحمة الله عليه في هذا الكتاب في استعمال عبارة "بعض السلف" لتشمل كثيرًا من العباد والزهاد والصوفية! وقد سأل بعض الصحابة رضوان الله عليهم النبي - ﷺ - عن أحب الأعمال إلى الله =
[ ٦١ ]
قالَ يَحْيى بنُ مُعاذٍ: لو لمْ يَكُنِ العفوُ أحبَّ الأشياءِ إليه؛ لم يَبْتَلِ بالذَّنبِ أكرمَ الخلقِ عليه.
يا رَبِّ أنْتَ رَجائي … وفيكَ أحْسَنْتُ ظَنِّي
يا رَبِّ فَاغْفِرْ ذُنوبي … وَعافِني وَاعْفُ عَنِّي
العَفْوُ مِنْكَ إلهي … وَالذَّنْبُ قَدْ جاءَ مِنِّي
وَالظَّنُّ فيكَ جَميلٌ … حَقِّقْ بِحَقِّكَ ظَنِّي
• وقولُهُ - ﷺ - لأبي هُرَيْرَةَ - لمَّا سَألَهُ: ممَّ خُلِقَ الخلقُ، فقالَ لهُ: "مِن الماءِ" - يَدُلُّ على أن الماءَ أصلُ جميعِ المخلوقاتِ ومادَّتُها وجميعُ المخلوقاتِ خُلِقَتْ منهُ (^١).
وفي "المسندِ" مِن وجهٍ آخرَ عن أبي هُرَيْرَةَ؛ قالَ: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ! إذا رَأيْتُكَ؛ طابَتْ نفسي وقَرَّتْ عيني، فأنْبِئْني عن كلِّ شيءٍ. فقالَ: "كلُّ شيءٍ خُلِقَ مِن ماءٍ" (^٢).
_________________
(١) = فأجابهم في غير ما حديث صحيح بغير هذا الجواب الغريب العجيب! وفي هذا الجواب إشكال من جهة أنّ العفو هو من أحبّ أفعال الربّ تعالى إلى نفسه وليس هو أحبّ أفعال العباد إلى الربّ، فتأمّل الفرق.
(٢) زاد في حاشية خ هنا: "أورد السيوطي في كتاب … قال: خاتمة: أخرج الطبراني عن مسلم الهجري؛ قال: قلت لعبد الله بن عمرو: ممّ خلق الخلق؟ قال: من ماء وريح ونور وظلمة. فأتيت ابن عبّاس فسألته عن ذلك؟ فقال فيها كما قال عبد الله بن عمرو ﵃. والله أعلم. وبها ختم كتابه".
(٣) (صحيح). رواه: إسحاق (١/ ١٨٤/ ١٣٣)، وأحمد (٢/ ٢٩٥ و٣٢٣ و٣٢٤ و٤٩٣)، وابن أبي الدنيا في "التهجّد" (٤)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (الأنبياء، ٣٠ - ابن كثير)، وابن حبّان (٥٠٨ و٢٥٥٩)، والحاكم (٤/ ١٢٩ و١٦٠)، وابن مردويه (الأنبياء ٣٠ - الدرّ)، وأبو نعيم في "الحلية" (٩/ ٥٩)، والبيهقي في "الشعب" (٨٠٥١) و"الصفات" (٨٠٨)؛ كلّهم من طريق همّام بن يحيى إلّا ابن أبي حاتم فمن طريق سعيد بن بشير، كلاهما عن قتادة، عن أبي ميمونة (ووقع في مسند إسحاق: هلال بن أبي ميمونة، وهو خطأ، فقد رواه ابن حبّان عن إسحاق نفسه على الجادة)، عن أبي هريرة … رفعه وزاد: قلت: يا رسول الله! أنبئني عن أمر إذا أخذت به دخلت الجنّة. قال: "أفش السلام وأطعم الطعام وصل الأرحام وقم بالليل والناس نيام وادخل الجنّة بسلام". وهذا سند يمكن أن يعلّ من أحد وجهين: أشار إلى أولهما: ابن كثير بقوله: "رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلًا". قلت: لم أقف عليه، ولكن الوصل زيادة ثقة - وهو همَّام بن يحيى - تابعه عليها ضعيف - وهو سعيد بن بشير - فيتعيّن المصير إليها. وأشار إلى الثاني الألباني في "الضعيفة" (١٣٢٤) بقوله: "ضعيف. قال الدارقطني: أبو ميمونة عن أبي هريرة وعنه قتادة مجهول يترك … "، ثمّ ذكر تصحيح الحاكم والذهبي وقال: "مع أنّه أورد أبا ميمونة في "الميزان" ونقل عن الدارقطني ما ذكرته آنفًا من التجهيل وأقرّه". قال: "وأمّا الحاكم فلعله ظنّ أبا ميمونة هذا =
[ ٦٢ ]
وقد حَكى ابنُ جَريرٍ وغيرُهُ عن ابن مَسْعودٍ وطائفةٍ مِن السَّلفِ: أن أوَّل المخلوقاتِ الماءُ.
وقد رَوى الجُوزْجانِيُّ بإسنادِهِ عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو؛ أنَّهُ سُئِلَ عن بدءِ الخَلْقِ. فقال: مِن ترابٍ وماءٍ وطينٍ ومِن نارٍ وظلمةٍ. فقيلَ لهُ: فما بدءُ الخلقِ الذي ذَكَرْتَ؟ قال: مِن ماءٍ يَنْبوعٍ.
وقد أخْبَرَ اللهُ في كتابِهِ أن الماءَ كانَ موجودًا قبلَ خلقِ السَّماواتِ والأرضِ، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾
_________________
(١) = هو الفارسي وليس الأبّار أو أنّه ظنّ أنَّهما واحد، والراجح التفريق، وإليه ذهب الشيخان وأبو حاتم وغيرهم كالدارقطني؛ فإنّه وثّق الفارسيّ في "كناه"، قال الحافظ في "التهذيب" عقبه: وهذا ممّا يؤيّد أنّه غير الفارسيّ". قلت: هذا كلام طويل يحتاج إلى تفصيل:
(٢) فأمّا البخاريّ؛ فلم ينصّ على التفريق بين الرجلين، ولا أتى للفظة "الأبّار" في "الكنى" (ص ٧٤) على ذكر، ولو كانا عنده اثنين لترجم لهما ترجمتين منفصلتين في "الكنى" تقطعان الشكّ. وأمّا قوله في "التاريخ" (٤/ ١٢٩) "أراه الفارسيّ" فظن محض حمّال لأوجه، ولعلّه ترجم للأبّار ثمّ ختم بقوله "أراه الفارسي" يعني نفسه! [٢] وأمّا مسلم؛ فقد تابع البخاريّ في "الكنى" حذو القذّة بالقذّة [٣] ولم يصرّح الدارقطني بالتفريق بين الرجلين، وتجهيله صاحب قتادة وتوثيقه الآخر ليس بالدليل الحاسم، فما أكثر ما يذهل أهل الجرح والتعديل ويتردّدون في هذا الباب فيقوّون الرجل تارة ويضعّفونه أخرى. [٤] وإيراد الذهبيّ لترجمة ما في "الميزان" لا تفيد بالضرورة إقراره إيّاها؛ فقد التزم فيه ألّا يخلّ بترجمة أوردها أصحاب الضعفاء حتّى لا تستدرك عليه، ولذلك رأيناه عندما ذكر خلاصة رأيه في المسألة في "الكاشف" يجعلهما رجلًا واحدًا ثقة. [٥]، وكدلك فعل العسقلاني، فترجم لهما ترجمة واحدة في "التقريب" ثمّ قال: "ومنهم من فرّق بين الفارسيّ والأبّار"، ولم يجزم فيهما بقول. [٦] وأمّا أبو حاتم وابنه فكلامهما في "الجرح" (٢/ ٢٨٤، ٤/ ٢١٢، ٩/ ٤٤٧) ظاهر في أنّ الفارسي والأبار رجل واحد وليس العكس. [٧]، وكذلك مال الإمام أحمد والمزّيّ إلى أنّهما رجل واحد. [٨] ومن المستبعد - فيما أرى - أن يجتمع رجلان في مدينة واحدة في عصر واحد وعلى شيخ واحد وكنية واحدة ولا يعرف لكلّ منهما اسم ولا يروي كل منهما إلّا حديثًا واحدًا أو حديثين ثمّ لا يفرّق الرواة بينهما تفريقًا حاسمًا صريحًا! [٩] وعلى فرض أنّهما أثنان؛ فينبغي أن يكون الأبّار ثقة كالفارسيّ ولا فرق؛ فقد قال ابن معين: "أبو ميمونة الأبّار صالح"، وتابعه أبو حاتم وابنه، وصحّح له ابن خزيمة وابن حبّان والحاكم، فهذا أولى من تجهيل الدارقطني، ولا سيّما أنّه لم يأت بحديث منكر. [١٠]، وعلى فرض أنّه ضعيف مجهول، وأنّ السند كذلك، فهو حسن على الأقلّ بشاهده المتقدّم (ص ٤٦) من حديث أبي هريرة نفسه. وقد صحّح هذا الحديث ابن حبّان والحاكم ووافقه الذهبي والمنذري، وقال ابن كثير: "على شرط الصحيحين؛ إلّا أنّ أبا ميمونة من رجال السنن، واسمه سليم، والترمذي يصحّح له"، وقال الهيثمي (٥/ ١٩): "رجال الصحيح خلا أبي ميمونة وهو ثقة"، وقال العسقلاني في "الفتح" (٥/ ٢٩): "إسناده صحيح". وقوّاه شاكر.
[ ٦٣ ]
[هود: ٧].
وفي "صحيح البخاريِّ" (^١): عن عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "كانَ اللهُ ولمْ يَكُنْ شيءٌ قبلَهُ (وفي روايةٍ: معَهُ)، وكانَ عرشُهُ على الماءِ، وكَتَبَ في الذِّكرِ كلَّ شيء، ثمَّ خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ".
وفي "صحيح مسلم" (^٢): عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إن الله قَدَّرَ مقاديرَ الخلائقِ قبلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنةٍ، وكانَ عرشُهُ على الماءِ".
ورَوى ابنُ جَريرٍ وغيرُهُ عن ابن عَبَّاس (^٣): إنَّ الله ﷿ كانَ عرشُهُ على الماءِ، ولمْ يَخْلُقْ شيئًا غيرَ ما خَلَقَ قبلَ الماءِ، فلمَّا أرادَ أنْ يَخْلُقَ [الخلقَ]؛ أخْرَجَ مِن الماءِ دخانًا، فارْتَفَعَ فوقَ الماءِ فسَما عليهِ، فسُمِّيَ سماءً، ثمَّ أيْبَسَ الماءَ فجَعَلَهُ أرضًا واحدةً، ثمَّ فتَقَها فجَعَلَها سبعَ أرضينَ، ثمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهيَ دخانٌ، وكانَ ذلكَ الدُّخانُ مِن نَفَسِ الماءِ حينَ تنفَّسَ، [ثمَّ] جَعَلَها سماءً واحدةً، ثمَّ فَتَقَها فجَعَلَها سبعَ سماواتٍ.
وعَن وَهْبٍ: إنَّ العرشَ كانَ قبلَ أنْ تُخْلَقَ السَّماواتُ والأرضُ على الماءِ، فلمَّا أرادَ اللهُ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرضَ؛ قَبَضَ مِن صفاءِ الماءِ قبضةً، ثمَّ فَتَحَ القبضةَ فارْتَفَعَتْ دخانًا، ثمَّ قَضاهُنَّ سبعَ سماواتٍ في يومينِ، ثمَّ أخَذَ طينةً مِن الماءِ فوَضَعَها في مكانِ البيتِ، ثمَّ دَحا الأرضَ منها.
والآثارُ في هذا البابِ كثيرةٌ (^٤).
_________________
(١) (٥٩ - بدء الخلق، ١ - ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، ٦/ ٢٨٦/ ٣١٩٠ و٣١٩١).
(٢) (٤٦ - القدر، ٢ - حجاج آدم وموسى، ٤/ ٢٠٤٤/ ٢٦٥٣).
(٣) بسند واهٍ.
(٤) وأغلبها روايات إسرائيليّة صريحة، وما أسند منها إلى الصحابة فأكثره لا يصحّ، وما صحّ منها عنهم فممّا تلقّوه عن أهل الكتاب. والتناقض هاهنا كبير لا يكاد الباحث المدقّق معه يخرج بغير الحيرة. ومن العصمة النافعة والله أن يتمسك المرء هاهنا بالصحيح الصريح من المرفوعات - كقوله - ﷺ -: "أوّل ما خلق الله القلم، ثمَّ قال له اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة" - ويكفّ عمّا وراء ذلك من التفاصيل التي ليس لها أثر عمليّ نافع في حياة المسلم ولا تعدو أن تكون صحيحة غير صريحة أو صريحة غير صحيحة، ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾.
[ ٦٤ ]
وهذا كلُّهُ يُبَيِّنُ أن السَّماواتِ والأرضَ خُلِقَتْ مِن الماءِ.
والخلافُ في أنَّ الماءَ هل هوَ أوَّلُ المخلوقاتِ أم لا مشهورٌ: وحديثُ أبي هُرَيْرَةَ يَدُلُّ على أن الماءَ مادَّةُ جميعِ المخلوقاتِ. وقد دَلَّ القرآنُ على أن الماءَ مادَّةُ جميعِ الحيواناتِ: قالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وقالَ تَعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥].
وقولُ مَن قالَ: إنَّ المرادَ بالماءِ النُّطفةُ التي يُخْلَقُ منها الحيواناتُ بعيدٌ؛ لوجهينِ:
أحدُهُما: أن النُّطفةَ لا تُسَمَّى ماءً مطلقًا بل مقيَّدًا: كقولهِ تَعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٦ - ٧]، وقولِهِ تَعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠].
والثَّاني: أن مِن الحيواناتِ ما يَتَوَلَّدُ مِن غيرِ نطفةٍ، كدودِ الخلِّ والفاكهةِ ونحوِ ذلكَ، فليسَ كل حيوانٍ مخلوقًا مِن نطفةٍ (^١)، والقرآنُ دَلَّ على خلقِ جميعِ ما يَدُبُّ وما فيهِ حياةٌ مِن ماءٍ، فعُلِمَ بذلكَ أن أصلَ جميعِها الماءُ المطلقُ (^٢).
ولا يُنافي هذا قولُهُ تَعالى ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] وقولُ النَّبيِّ - ﷺ - "خُلِقَتِ الملائكةُ مِن نورٍ" (^٣)؛ فإن حديثَ أبي هُرَيْرَةَ دَلَّ على أن أصلَ النُّورِ والنَّارِ الماءُ، كما أن أصلَ التُّرابِ الذي خُلِقَ منهُ آدَمُ الماءُ؛ فإنَّ آدَمَ خُلِقَ مِن طينٍ، والطِّينُ ترابٌ مختلطٌ بماءٍ، والترابُ خُلِقَ مِن الماءِ، كما تَقَدَّمَ عن ابن عَبَّاسٍ وغيرِهِ (^٤).
_________________
(١) فيه نظر! والكيمياء الحيويّة الجريئيّة المعاصرة تؤكد وقوع التكاثر الجنسي في جميع الكائنات الحيّة الحيوانيّة والنباتية، ودود الخلّ والفاكهة وغيره ممّا هو فوقه أو دونه خاضع لهذه العمومية.
(٢) ويمكن أن يضاف هاهنا أيضًا أن لفظة "ماء" إذا أطلقت فإنما تنصرف إلى الماء الذي يسقط من السماء وتجري به الينابيع والأنهار، والأصل أن لا يصرف اللفظ عن ظاهره إلّا بقرينة، ولا قرينة. ثمّ هذه النطفة؛ أليست ماء؟! ألا تسبح في الماء؟!
(٣) رواه مسلم (٥٣ - الزهد، ١٠ - أحاديث متفرّقة، ٤/ ٢٢٩٤/ ٢٩٩٦) من حديث عائشة.
(٤) ويشهد له حديثًا أبي هريرة وابن عمرو الصحيحان اللذان تقدّما آنفًا.
[ ٦٥ ]
وزَعَمَ مُقاتِلٌ أن الماءَ خُلِقَ مِن النُّورِ! وهوَ مردودٌ بحديثِ أبي هُرَيْرَةَ هذا وغيرِهِ.
ولا يُسْتَنكرُ خَلْقُ النَّارِ مِن الماءِ؛ فإنَّ الله بقدرتِهِ جَمَعَ بينَ الماءِ والنَّارِ في الشَّجرِ الأخضرِ، وجَعَلَ ذلكَ مِن أدلَّةِ القدرةِ على البعثِ. وقد ذَكَرَ الطَّبائعيُّونَ أن الماءَ بانحدارِهِ يَصيرُ بخارًا، والبخارُ يَنْقَلِبُ هواءً، والهواءُ يَنْقَلِبُ نارًا (^١). واللهُ أعلمُ.
• وقولُهُ - ﷺ - لأبي هُرَيْرَةَ حينَ سألَهُ عن بناءِ الجنَّةِ فقالَ: "لَبِنَةٌ مِن ذهبٍ، ولَبِنَةٌ مِن فضَّةٍ، وملاطُها المسكُ الأذفرُ، وحصباؤُها اللؤلؤُ والياقوتُ، وتربتُها الزَّعفرانُ".
وقد رُوِيَ أيضًا هذا عن النَّبيِّ - ﷺ - مِن حديثِ أبنِ عُمَرَ مرفوعًا (^٢)، خَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ. فهذهِ أربعةُ أشياءَ:
• أحدُها: بناءُ الجنَّةِ: ويُحْتَمَل أن المرادَ بنيانُ قصورِها ودورِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بناءُ حائطِها وسورِها المحيطِ بها، وهوَ أشبهُ.
وقد رُوِيَ مِن وجهٍ آخرَ عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا وموقوفًا - وهوَ أشبهُ -: "حائطُ الجنَّةِ لبنةٌ مِن فضَّةٍ ولبنةٌ مِن ذهبٍ، ودرجُها الياقوتُ واللؤلؤُ". [قال]: وكُنَّا نَتَحَدَّثُ أن رَضْراضَ أنهارِها اللؤلؤُ وترابَها الزَّعفرانُ (^٣).
_________________
(١) نظريّات قديمة مبنية على الحدس والأوهام أسقطها العلم الحديث. نعم؛ من غير المستنكر اليوم أن يتحول الماء بتأثير الصواعق أو الشحنات الكهربائية القويّة إلى شوارد قابلة للاشتعال. وإنّما ذكرت ذلك توثيقًا لكلام ابن رجب رحمة الله عليه، وإلّا؛ فالمعتمد عند أهل السنّة أنّ الحديث الصحيح حجّة قائمة بنفسها لا تحتاج إلى دليل علميّ لتوثيقها.
(٢) (صحيح بشواهده). رواه: ابن أبي شيبة (٣٣٩٤٤)، وابن أبي الدنيا في "الجنّة" (١٢)، وابن الأعرابي في "المعجم"، والطبراني في "الكبير" (١٠/ ٤٠٠ - مجمع)، وابن مردويه (١٠/ ٤٩٦ - بداية ونهاية)، وأبو نعيم في "الجنة" (٩٦ و١٣٩ و٢٣٨)؛ من طريق أبي ربيعة عمر بن ربيعة الإيادي، عن الحسن، عن ابن عمر … رفعه. قال البوصيري: "إسناد حسن". وقال الهيثمي: "رواه الطبراني بإسناد حسّن الترمذي لرجاله". قلت: أبو ربيعة لا يعدو أن يكون صالحًا في الشواهد، والحسن عنعن على تدليسه. لكن يشهد له حديث أبي هريرة الطويل المتقدم (ص ٤٦). ولهذه القطعة طريق أُخرى عن أبي هريرة عند: ابن طهمان في "مشيخته" (٣٣)، وأحمد (٢/ ٣٦٢)، والبزّار (٣٥٠٩ - كشف)، والطبراني في "الأوسط" (٢٥٥٣)، وأبي نعيم في "الحلية" (٢/ ٢٤٨ و٢٤٩) وفي "الجنّة" (١٣٧ و١٣٨)، والبيهقي في "البعث" (٢٥٦ و٢٥٧)؛ من طريقين إحداهما قويّة، عن العلاء بن زياد العدوي، عن أبي هريرة … رفعه. قال الهيثمي (١٠/ ٣٩٧): "رجاله رجال الصحيح"، وصحّحه العسقلاني.
(٣) (صحيح). يرويه قتادة واختلف عليه فيه على ثلاثة أوجه: روى أولها: معمر في "الجامع" =
[ ٦٦ ]
وفي "مسند البزَّار": عن أبي سَعيدٍ مرفوعًا: "خَلَقَ اللهُ الجنَّةَ لبنةً مِن فضَّةٍ ولبنةً مِن ذهبٍ، ومِلاطُها المسكُ، فقالَ لها: تَكَلَّمي، فقالَتْ: قدْ أفْلَحَ المؤمنونَ، فقالَتِ الملائكةُ: طوبى لكِ منزلَ الملوكِ" (^١).
وممَّا يُبيِّنُ أن المرادَ ببناءِ الجنَّةِ في هذهِ الأحاديثِ بناءُ سورِها المحيطِ بها:
ما في الصَّحيحين (^٢): عن أبي موسى، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "جنَّتانِ مِن ذهبٍ
_________________
(١) = (٢٠٨٧٥)، وابن أبي الدنيا، ونعيم بن حمّاد في "زوائد الزهد" (٢٥٢)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٢٤٩) تعليقًا، والبغوي في "السنّة" (٤٣٩١)؛ من طريق معمر، عن قتادة، عن العلاء بن زياد، عن أبي هريرة … وقفه. وروى الثاني: نعيم في "زوائد الزهد" (٢٥١) عن سليمان التيمي، عن قتادة، عن أبي هريرة … وقفه. وروى الثالث: ابن طهمان في "مشيخته" (٣٣)، وأبو نعيم في "الجنّة" (١٣٨)، والبيهقي في "البعث"؛ من طريق مطر الورّاق، عن العلاء، عن أبي هريرة … رفعه بنحوه. ومن الواضح هنا أنّ الوجه الأوّل هو أرجح الأوجه؛ لأنّ معمرًا ثقة ثبت، فوصله للحديث زيادة معتبرة يتعين المصير إليها. والوجه الثاني يزيده قوّة. وأمّا الرفع؛ فتفرّد به مطر الورّاق وهو ضعيف، فالرفع هنا منكر. ومع ذلك؛ فلهذا المتن حكم الرفع لأمور: أولاها: أنّه لا يقال اجتهادًا. والثاني: أنّه وقع في بعض المصادر "وكنّا نحدّث"، فهذا يرجّح أنّ له حكم الرفع. والثالث: أنّ لأكثره شواهد مرفوعة صحيحة.
(٢) (صحيح). يرويه سعيد الجريري واختلف عليه فيه على أوجه: روى أوّلها: ابن أبي الدنيا في "الجنّة"، والبزّار (٣٥٠٨ - كشف)، والطبراني في "الأوسط" (٣٧١٣)، وأبو الشيخ، وأبو نعيم، في "الحلية" (٦/ ٢٠٤) و"الجنّة" (١٤٠ و٢٣٧)، والمخلص في "الفوائد"، والبيهقي في "البعث" (٢١٤)؛ من طريق عديّ بن الفضل، عن الجريريّ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد … رفعه. قال البزّار: "لا نعلم أحدًا رفعه إلّا ابن الفضل وليس بالحافظ". قلت: قصّر يرحمه الله فإنه متروك. وقال أبو نعيم: "تفرّد به الجريري عن أبي نضرة، فرواه وهيب بن خالد عن الجريري نحوه". قلت: اختلفت الرواية عن وهيب فجاءت مرة بالرفع عند البيهقي في "البعث" (٢٦١) ومرّة بالوقف كما سيأتي. وروى الثاني: البزّار (٣٥٠٧ - كشف) من طريق قويّة عن حمّاد بن سلمة، وأبو نعيم في "الجنة" (٢٣٧) من طريق قويّة عن وهيب بن خالد، كلاهما عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد … وقفه. وهذا قوفي. وروى الثالث: يحيى في "زوائد الزهد" (١٤٥٧) من طريق الخفّاف، أنا أبو مسعود، عن أبي نضرة … وقفه. وهذا لا بأس به من أجل الخفّاف؛ ففي حفظه شيء. ومن البيّن هنا أن الوجه الثاني هو أرجح الأوجه: لتتابع ثقتين عليه خلافًا للأول ولأنّ فيه زيادة ثقة يتعيّن المصير إليها خلافًا للثالث. فالمعروف إذا في هذا المتن وقفه على أبي سعيد ورفعه منكر. ومع ذلك فالمسألة لا تعدو أن تكون اصطلاحية؛ لأن للموقوف هنا حكم الرفع لأنّه لا يقال إلّا بتوقيف، وقد أحسن الهيثمي إذ قال (١٠/ ٤٠٠): "رجال الموقوف رجال الصحيح، وأبو سعيد لا يقول هذا إلا بتوقيف". ثمّ له شواهد أخرى بنحوه مرفوعة ستأتي قريبًا.
(٣) البخاري (٩٧ - التوحيد، ٢٤ - وجوه يومئذ ناضرة، ١٣/ ٤٢٣/ ٧٤٤٤)، ومسلم (١ - الإيمان، ٨٠ - رؤية المؤمنين ربهم، ١/ ١٦٣/ ١٨٠).
[ ٦٧ ]
آنيتُهُما وما فيهِما، وجنَّتانِ مِن فضَّةٍ آنيتُهُما وما فيهِما".
وقد رُوِيَ عن أبي موسى مرفوعًا وموقوفًا: "جنَّتانِ مِن ذهبٍ للمقرَّبينَ، وجنَّتانِ مِن فضَّةٍ لأصحابِ اليمينِ" (^١).
وفي "الصَّحيحِ" (^٢) أيضًا عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ أنَّهُ قالَ: "إنَّها جنانٌ كثيرةٌ". وقد رُوِيَ أن بناءَ بعضِها مِن درٍّ وياقوتٍ:
خَرَّجَ ابنُ أبي الدُّنيا من حديثِ أنسٍ مرفوعًا: "خَلَقَ اللهُ جنَّةَ عدنٍ بيدِهِ؛ لَبِنةً مِن درَّةٍ بيضاءَ ولَبِنَةً مِن ياقوتةٍ حمراءَ ولَبِنَةً مِن زَبَرْجَدَةٍ خضراءَ، مِلاطُها المسكُ وحصباؤُها اللؤلؤُ وحشيشُها الزَّعفرانُ، ثمَّ قالَ لها: انْطِقي! قالَتْ: قدْ أفْلَحَ المؤمنونَ. قالَ: وعزَّتي لا يُجاوِرُني فيكِ بخيلٌ" (^٣).
_________________
(١) (صحيح موقوفًا منكر مرفوعًا). وقد اختلف في متن هذا الحديث وفي رفعه: * فرواه: الطبري (٣٣٠٨٩)، وابن أبي حاتم (١٣/ ٤٣١ - فتح الباري)، وابن مردويه (الرحمن ٤٦ - در)، والبيهقي في "البعث" (١٠/ ٤٨٩ - بداية)؛ من طريق مؤمّل، عن حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبي موسى … فذكره بلفظ الترجمة. قال حمّاد: لا أعلمه (يعني: ثابتًا) إلّا رفعه. قال العسقلاني: "رجاله ثقات". قلت: مؤمّل كثير الخطأ لا يعدو أن يكون صالحًا في الشواهد، فإن كان ابن أبي حاتم وابن مردويه روياه من طريقه - وهو الغالب الراجح - فالسند ضعيف. * ورواه أبو نعيم في "الجنة" (٤٣٦) من طرق، عن الحارث بن عبيد، عن أبي عمران، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبي موسى … رفعه بلفظ: "جنتان من ذهب للسابقين، وجنّتان من فضة للتابعين". والحارث بن عبيد كثير الخطأ لا يعدو أن يكون صالحًا في الشواهد، فالسند ضعيف. * ورواه: ابن أبي شيبة (٣٤٨٠٣) والحاكم (٢/ ٤٧٤) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، والحاكم (١/ ٨٤) من طريق آدم بن أبي إياس، وأبو نعيم في "الجنّة" (١٤٢) من طريق معاذ بن معاذ؛ ثلاثتهم عن حماد، عن ثابت أو عن أبي عمران أو عنهما، عن أبي بكر بن أبي موسى … به موقوفًا باللفظ الثاني. فأما المتن؛ فالأمر فيه قريب ومعنى اللفظين واحد، وإن كان الأظهر أن ابن رجب ذكره بالمعنى. والرفع عن حماد منكر له علل: أولاها: أنّه جاء على الشك لا يقينًا، والثانية: أنه تفرّد به مؤمل وهو سيئ الحفظ. والثالثة: أن الثقات خالفوه فرووه عنه موقوفًا. والرفع عن أبي عمران منكر أيضًا له علّتان: أولاهما: أنّه تفرد به الحارث وهو سيئ الحفظ، والثانية: أنّه خالفه الثقات فرووه عنه موقوفًا. فبان أن الصواب في هذا المتن الوقف، ورفعه منكر، وليس للموقوف هاهنا حكم الرفع؛ لأنّه قد يقال اجتهادًا من باب التفسير.
(٢) البخاري (٥٦ - الجهاد، ١٤ - من أتاه سهم، ٦/ ٢٥/ ٢٨٠٩) من حديث أنس.
(٣) (موضوع). رواه: ابن أبي الدنيا في "الجنّة" (٢٠)، وأبو نعيم في "الجنّة" (١٧) مختصرًا؛ من طريق محمَّد بن زياد بن زبار، ثنا بشر بن حسين، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس … رفعه.
[ ٦٨ ]
ورَوى عَطِيَّةُ عن أبي سَعيدٍ؛ قالَ: إنَّ الله خَلَقَ جنَّةَ عدنٍ مِن ياقوتةٍ حمراءَ، ثمَ قالَ لَها: تَزَيَّني، فتَزَيَّنَتْ، ثمَّ قالَ لَها: تَكَلَّمي، فقالَتْ: طوبى لِمَن رَضِيتَ عنهُ، ثمَ أطْبَقَها وعَلَّقَها بالعرشِ، فهيَ تُفْتَحُ في كل سَحَرٍ، فذلكَ بردُ السَّحرِ (^١).
وعنِ ابن عَبَّاسٍ؛ قالَ: كانَ عرشُ اللهِ على الماءِ، ثمَّ اتَّخَذَ لنفسِهِ جنَّةً، ثمَّ اتَّخَذَ دونَها أُخرى، وطَبَّقهُما بلؤلؤةٍ واحدةٍ لا يَعْلَمُ الخلائقُ ما فيهِما، وهُما اللتانِ ﴿لَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] (^٢).
وذَكَرَ صَفْوانُ بنُ عَمْرٍو عن بعضِ مشايخِهِ؛ قالَ: الجنَّةُ مئةُ درجةٍ: أوَّلُها: درجةُ فضَّةٍ، وأرضُها فضَّةٌ، ومساكنُها فضَّةٌ، وترابُها المسكُ. والثانيةُ: ذهبٌ، وأرضُها ذهبٌ، وآنيتُها ذهبٌ، وترابُها المسكُ. والثَّالثةُ: لؤلؤٌ، [وأرضُها لؤلؤٌ]، وآنيتُها لؤلؤٌ، وترابُها المسكُ. وسبعٌ وتسعونَ بعدَ ذلكَ ما لا عينٌ رأتْ ولا أُذنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ على قلبِ بشرٍ. ثمَّ تَلا: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧].
وفي الصَّحيحينِ (^٣): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "يَقولُ اللهُ ﷿: أعْدَدْتُ لعبادي الصَّالحينَ: ما لا عين رَأتْ، ولا اذن سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلبِ بشرٍ". ثمَّ يَقولُ أبو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤوا إنْ شِئْتُمْ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧].
وفي "صحيح مسلم" (^٤): عن المُغيرَةِ بن شُعْبَةَ يَرْفَعُهُ: "سَألَ موسى رَبَّهُ؛ قالَ: يا ربِّ! ما أدنى أهلِ الجنَّةِ منزلةً؟ قالَ: هوَ رجلٌ يَجيءُ بعدَما أدْخِلَ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ، فيُقالُ لهُ: أدْخُلِ الجنَّةَ، فيَقولُ: يا ربِّ! كيفَ وقد أخَذَ النَّاسُ منازلَهُم وأخَذوا
_________________
(١) = وهذا سند ساقط: محمد بن زياد بن زبار الكلبي ضعيف في أحسن أحواله، وبشر بن حسين هو صاحب الزبير بن عديّ كذّاب وضاع، وقد سكت المنذري وابن كثير يرحمهما الله عن هذا السند، وضعّفه الألباني فحسب لأنه تحرف عليه اسم بشر هذا فلم يتبيّن حقيقة أمره وأن أحاديثه موضوعة.
(٢) رواية عطية العوفي عن أبي سعيد ساقطة، وهذا المتن أشبه بالموضوعات، وإنّما أشرت إلى ذلك على غير منهجي في الموقوفات حتى لا يقال: له حكم الرفع.
(٣) إن صحّ إلى ابن عباس - وما إخاله - فليس له حكم الرفع؛ لأنّه قد يقال جمعًا بين النصوص.
(٤) البخاري (٥٩ - الخلق، ٨ - الجتة، ٦/ ٣١٨/ ٣٢٤٤)، ومسلم (٥١ - الجنّة، ٤/ ٢١٧٤/ ٢٨٢٤).
(٥) (١ - الإيمان، ٨٤ - أدنى أهل الجنّة منزلة، ١/ ١٧٦/ ١٨٩).
[ ٦٩ ]
أخَذاتِهِم؟ فيُقالُ لهُ: أتَرْضى أنْ يَكونَ لكَ مثلُ ملكٍ مِن ملوكِ الدُّنيا؟ فيَقولُ: رَضِيتُ يا ربِّ! فيَقولُ: لكَ ذلكَ ومثلُهُ ومثلُهُ ومثلُهُ ومثلُهُ. فقالَ في الخامسةِ (^١): رَضِيتُ يا ربِّ! فيُقالُ: هذا لكَ وعشرةُ أمثالِهِ، ولكَ ما اشْتَهَتْ نفسُكَ ولَذَّتْ عينُكَ. فيَقولُ: رَضِيتُ ربِّ! قالَ: فأعلاهُم منزلةً؟ قالَ: أولئكَ الذينَ أرَدْتُ، غَرَسْتُ كرامتَهُم بيدي وخَتَمْتُ عليها، فلم تَرَ عينٌ ولم تَسْمَعْ أُذنٌ ولم يَخْطُرْ على قلبِ بشرٍ". قالَ: ومصداقُهُ في كتابِ اللهِ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧].
* الثَّاني: مِلاطُ الجنَّةِ وأنَّهُ المسكُ الأذفرُ، وقد تَقَدَّمَ مثلُ ذلكَ في غيرِ حديثٍ. والمِلاطُ هوَ الطِّينُ، ويُقالُ: الطِّينُ الذي يُبْنى منهُ البنيانُ. والأذفرُ: الخالصُ.
وفي الصَّحيحينِ (^٢): عن أنَسٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "دَخَلْتُ الجنَّةَ، فإذا فيها جَنابِذُ اللؤلؤِ، وإذا ترابُها المسكُ". والجنابذُ: مثلُ القباب. وقد قيلَ: إنَّهُ أرادَ بترابِها ما خالَطَهُ الماءُ، وهوَ طينُها، كما في "صحيح البُخارِيِّ" (^٣): عن أنسَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ [أنَّهُ] قالَ في الكوثرِ: "طينُهُ المسكُ الأذفرُ".
وقد قيلَ في تأْويلِ قولهِ تَعالى ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦]: إنَّ المرادَ بالختامِ ما يَبْقى في سُفْلِ الشَّرابِ مِن الثُّفْلِ، وهذا يَدُلُّ على أن أنهارَها تَجْري على المسكِ، ولذلكَ يَرْسُبُ منهُ في الإناءِ في آخرِ الشَّرابِ كما يَرْسُبُ الطِّينُ في آنيةِ الماءِ في الدُّنيا.
* الثَّالثُ: حصباءُ الجنَّةِ وأنَّهُ اللؤلؤُ والياقوتُ، والحصباءُ: الحصى الصِّغارُ، وهوَ الرَّضْراضُ.
وفي "المسند": عن أنَسٍ، عن النَّبي - ﷺ -؛ في ذكرِ الكوثرِ أن "رضراضُهُ اللؤلؤُ". وفي روايةٍ: "حصباؤُهُ اللؤلؤُ" (^٤).
_________________
(١) في خ: "يقول في الخامسة"، وأثبتّ ما في ن لوافقته نصّ مسلم.
(٢) البخاري (٨ - الصلاة، ١ - كيف فرضت الصلوات، ١/ ٤٥٨/ ٣٤٩)، ومسلم (١ - الإيمان، ٧٤ - الإسراء بالنبيّ - ﷺ -، ١/ ١٤٨/ ١٦٣)؛ من حديث أنس عن أبي ذر.
(٣) (٨١ - الرقاق، ٥٣ - الحوض، ١١/ ٤٦٤/ ٦٥٨١).
(٤) (صحيح). أصله عند البخاري (٨١ - الرقاق، ٥٣ - الحوض، ١١/ ٤٦٤/ ٦٥٨١) دون هذه =
[ ٧٠ ]
وفي التِّرْمِذِيِّ مِن حديثِ: ابن عُمَرَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -: أن "مجراهُ على الدُّرِّ والياقوتِ" (^١).
وفي الطَّبَرانِيِّ مِن حديثِ: عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو، عن النَّبِيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "حالُهُ المسكُ الأبيضُ، ورَضْراضُهُ الجوهرُ، وحصباؤُهُ اللؤلؤُ" (^٢).
وفي "المسند" مِن حديثِ: ابن مَسْعودٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "حالُهُ المسكُ، ورضراضُهُ التُّومُ" (^٣). والتُّومُ: الجوهرُ، والحالُ: الطِّينُ.
_________________
(١) = القطعة، وهذه عند: أحمد (٣/ ١٥٢ و٢٣١ و٢٤٧)، والبزّار (١٠/ ٣٦٩ - مجمع)، وأبو يعلى (٣٢٩٠ و٣٥٢٩)، وابن حبّان (٦٤٧١)، وابن عديّ (٥/ ١٧٩٧)؛ من طرق ثلاث صحيحة، عن أنس … رفعه.
(٢) (صحيح). رواه: الطيالسي في "المسند" (١٩٣٣)، وابن أبي شيبة في "المصنّف" (٣١٦٥٣ و٣٤٠٨٧)، وأحمد (٢/ ٦٧ و١١٢ و١٥٨)، وهنّاد في "الزهد" (١٣٢ و١٣٣)، والدارمي (٢/ ٣٣٧)، وابن ماجه (٣٧ - الزهد، ٣٩ - الجنّة، ٢/ ١٤٥٠/ ٤٣٣٤)، والترمذي (٤٨ - التفسير، ٩٠ - سورة الكوثر، ٥/ ٤٤٩ / ٣٣٦١)، والحسين المروزي في "زوائد الزهد" (١٦١٣)، وابن جرير في "التفسير" (٣٨١٣٤ و٣٨١٣٥)، وابن المنذر (الكوثر ١ - الدر)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (الكوثر ١ - ابن كثير)، والحاكم في "المستدرك" (٣/ ٥٤٣)، وابن مردويه (الكوثر ١ - الدرّ)، وأبو نعيم في "صفة الجنّة" (٣٢٦)، والبيهقي في "البعث والنشور" (١٢٨)، والبغوي في "شرح السنّة" (٣٣٤١) وفي "التفسير" (الكوثر ١)؛ من طرق، عن عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر، .. رفعه. وهذا من صحيح حديث عطاء، ففي الرواة عنه هنا حمّاد بن زيد، وهو ممّن روى عنه قبل الاختلاط. وقد قال الترمذيّ: "حسن صحيح"، وأقرّه ابن كثير والعسقلاني، وصححه الحاكم وشاكر والألباني.
(٣) (ضعيف جدًّا). قطعة من حديث رواه: ابن مردويه (الكوثر ١ - الدرّ)، والطبراني في "الشاميّين" (٩٥)؛ من طريق الوليد بن الوليد، ثني ابن ثوبان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه … رفعه. وهذا ساقط: الوليد هذا هو الدمشقي متروك منكر الحديث، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان لا يعدو أن يكون حسنًا في الشواهد. فمثل هذا السند لا تقوّيه متابعة ولا شاهد، وإنّما يستغنى عنه بما ورد في الباب، وهو كثير طيّب والحمد لله، ولا سيّما أنّ بقيّة الحديث ظاهرة النكارة والصناعة. والله أعلم.
(٤) (ضعيف جدًّا). قطعة من حديث طويل رواه: أحمد (١/ ٣٩٨)، والبزّار (١٥٣٤)، والطبراني في "الكبير" (١٠/ ٨٠/ ١٠٠١٧ و١٠٠١٨)، والحاكم (٢/ ٣٦٤)، وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٢٣٨)؛ من طريق عليّ بن الحكم، عن عثمان بن عمير، عن إبراهيم (وجاء عند الطبراني في الثانية: عن أبي وائل)، [عن علقمة والأسود]، عن ابن مسعود … رفعه. قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرّجاه، وعثمان بن عمير هو ابن اليقظان". قلت: كذا! والذي في كتب الرجال أنه أبو اليقظان. وقال الذهبي: "لا والله، فعثمان ضعّفه الدارقطني". وقال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٣٦٥): "في أسانيدهم كلّهم عثمان بن عمير وهو ضعيف". قلت: منكر الحديث في حدّ الترك، والسند واهٍ، وفي الصحيح ما يغني عنه.
[ ٧١ ]
قالَ أبو العاليةِ (^١): قَرَأْتُ في بعضِ الكتبِ: يا معشرَ الرَّبَّانيِّينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ! انْتَدِبوا لدارٍ أرضُها زبرجدٌ أخضرُ، تَجْري عليها أنهارُ الجنَّةِ، فيها الدُّرُّ والياقوتُ واللؤلؤُ، وسورُها زبرجدٌ أخضرُ، متدلِّيًا عليها أشجارُ الجنَّةِ بثمارِها.
* الرَّابعُ: ترابُ الجنَّةِ، وأنَّهُ الزَّعفرانُ. وقد سَبَقَ في روايةٍ أُخرى: الزَّعفرانُ والورسُ (^٢). وقد قيلَ: إنَّ المرادَ بالتُّرابِ هاهُنا تربةُ الأرضِ التي لا ماءَ عليها. فأمَّا ما كانَ عليهِ ماءٌ؛ فإنَّهُ مسكٌ، كما سَبَقَ. وسَبَقَ أيضًا في بعضِ الرِّواياتِ: حشيشُها الزَّعفرانُ (^٣)، وهوَ نباتُ أرضِها وترابِها. فأمَّا حديثُ "ترابُها المسكُ": فقد قيلَ: إنَّهُ محمولٌ على تراب يُخالِطُهُ الماءُ، كما تَقَدَّمَ. وقيلَ: إن المرادَ أن ريحَ ترابِها ريحُ المسكِ ولونُهُ لونُ الزَّعفرانِ. ويَشْهَدُ لهذا حديثُ الكوثرِ أن حالَهُ المسكُ الأبيضُ، فريحُهُ ريحُ المسكِ، ولونُهُ مشرقٌ لا يُشْبِهُ لونَ مسكِ الدُّنيا، بل هو أبيضُ، وقد يَكونُ منهُ أبيضُ ومنهُ أصفرُ. واللهُ أعلمُ.
وفي "صحيح مسلم" (^٤) مِن حديثِ أبي سَعيدِ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - سَألَ ابنَ صَيَّادِ عن تربةِ الجنَّةِ، فقالَ: دَرْمَكَةٌ (^٥) بيضاءُ مسكٌ خالصٌ، فصَدَّقَهُ النَّبيُّ - ﷺ -. وفي روايةٍ أن ابنَ صَيَّادٍ سَألَ النَّبيَّ - ﷺ - وصَدَّقَهُ.
وفي "المسند" والتِّرْمِذِيِّ: عن البَراءِ بن عازِبِ (^٦)؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - قالَ: "تربةُ الجنَّةِ دَرْمَكَةٌ". ثمَّ سَألَ اليهودَ، فقالوا: خبزةٌ. فقالَ: "الخبزُ مِن الدَّرْمَكِ" (^٧).
_________________
(١) في خ: "قال أبو العتاهية"، وهو تحريف بيّن صوابه ما جاء في م ون وط.
(٢) في بعض طرق حديث أبي هريرة الحسن بشواهده الذي صدر المصنّف يرحمه الله به المجلس. ولهذا اللفظ شواهد عند: ابن المبارك (١٣٦٨)، وابن أبي شيبة (٣٣٩٤٦)، وأحمد في "السنّة" (٣٨٤)، وهنّاد في "الزهد" (٤٦). فهو أيضًا حسن بشواهده.
(٣) وتقدم بيان أنها موضوعة (ص ٦٨).
(٤) (٥٢ - الفتن، ١٩ - ذكر ابن صياد، ٤/ ٢٢٤٣/ ٢٩٢٨)؛ الروايتين.
(٥) الدرمك: الدقيق الخالص البياض.
(٦) وهم يرحمه الله، وإنّما هو عندهما من حديث جابر بن عبد الله كما سيأتيك.
(٧) (حسن بطرقه). رواه: أحمد (٣/ ٣٦١)، والترمذي (٤٨ - التفسير، ٧ - المدثر، ٥/ ٤٢٩ / ٣٣٢٧)، والبزار (المدثر ٣٠ - ابن كثير)، وأبو نعيم في "الجنّة" (١٥٣ و١٥٩)؛ من طريق مجالد، عن =
[ ٧٢ ]
والذي تَجْتَمعُ بهِ هذهِ الأحاديثُ كلُّها أن تربةَ الجنَّةِ في لونها بيضاءُ، ومنها ما يُشْبِهُ لونَ الزَّعفرانِ في بهجتِهِ وإشراقِهِ، وريحُها ريحُ المسكِ الأذفرِ الخالصِ، وطعمُها طعمُ الخبزِ الحُوَّارَى الخالصِ، وقد يَخْتَصُّ هذا بالأبيضِ منها. فقدِ اجْتَمَعَتْ لها الفضائلُ كلُّها، [لا حَرَمَنا اللهُ تَعالى ذلكَ برحمتِهِ وكرمِهِ].
• وقولُهُ - ﷺ -: "مَن يَدْخُلُها يَنْعَمُ لا يَبْأسُ ويَخْلُدُ لا يَموتُ، لا تَبْلى ثيابُهُم ولا يَفْنى شبابُهُم": إشارةٌ إلى بقاءِ الجنَّةِ وبقاءِ جميعِ ما فيها مِن النَّعيمِ، وأنَّ صفاتِ أهلِها الكاملةَ مِن الشَّبابِ لا تتَغَيَّرُ أبدًا، وملابسُهُمُ التي عليهِم مِن الثِّيابِ لا تَبْلى أبدًا.
وقد دَلَّ القرآنُ على مثلِ هذا في مواضعَ كثيرةٍ: كقولِهِ تَعالى: ﴿وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١]. وقولِهِ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥]. وقولِهِ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ في مواضعَ كثيرةٍ.
وفي "صحيح مسلم" (^١): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "مَن يَدْخُلُ الجنَّةَ يَنْعَمُ لا يَبْأسُ؛ لا تَبْلى ثيابُهُ، ولا يَفْنى شبابُهُ".
وفيهِ أيضًا (^٢): عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إذا دَخَلَ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ؛ نادى منادٍ: إنَّ
_________________
(١) = الشعبي، عن جابر … رفعه. قال الترمذي: "غريب، إنّما نعرفه من هذا الوجه من حديث مجالد". وقال البزّار: "لا يعرف إلا من حديث مجالد". قلت: بلى؛ سيأتي من حديث غيره. وقال الهيثمي (١٠/ ٤١٥): "إسناده حسن"، وقال (١٠/ ٤٠٢): "رجال الصحيح غير مجالد ووثّقه غير واحد". قلت: هو ليّن. ورواه ابن أبي حاتم (المدّثّر ٣٠ - ابن كثير) من طريق مسلسلة بالثقات، عن الحارث، عن عامر، عن البراء … رفعه. قال ابن كثير: "كذا وقع عند ابن أبي حاتم والمشهور عن جابر بن عبد الله". قلت: الحارث ما عرفته، وأشار محقّق "الجنة" لأبي نعيم إلى أنّه تحريف لحريث، وهو ابن أبي مطر، وهذا محتمل جدًّا، والسند ضعيف على كلّ حال لضعف الحريث. ورواه: ابن أبي الدنيا في "الجنة" (٦)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٥٩٩)، وأبو نعيم في "الجنّة" (١٥٢ و١٥٦)؛ من طريق ابن أبي نجيح، [عن أبي موسى، ووقع في العظمة عن الزبير بن موسى عن أبيه وهو خطأ]، عن جابر … رفعه. وهذا سند حسن، ولكنه جاء مختصرًا دون سؤال اليهود. وأخلص من هذا كله إلى أنّ السياق المذكور حسن بمجموع الطريقين الأوليين، وقطعة تربة الجنّة صحيحة بطرقها والشاهد المتقدم عند مسلم، وقد مال ابن كثير والترمذي إلى تقوية الحديث وضعّفه الألباني.
(٢) (٥١ - الجنة، ٨ - دوام نعيم أهلها، ٤/ ٢١٨١/ ٢٨٣٦).
(٣) (الموضع السابق، ٤/ ٢١٨٢/ ٢٨٣٧) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد.
[ ٧٣ ]
لكُم أنْ تَنْعَموا فلا تَبْأسوا أبدًا، وإنَّ لكُم أنْ تَصِحُّوا فلا تَسْقَموا أبدًا، وإنَّ لكُم أنْ تَشِبُّوا فلا تَهْرَموا أبدًا، ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] ".
وفي روايةٍ لغيرِهِ (^١) زيادةُ: "وأنْ تَحْيَوا فلا تَموتوا أبدًا".
وفي التِّرْمِذِيِّ: عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: "أهلُ الجنَّةِ جُرْدٌ مُرْدٌ كُحْلٌ، لا يَفْنى شبابُهُم ولا تَبْلى ثيابُهُم" (^٢).
وعن أبي سَعيدٍ مرفوعًا: "يَدْخُلُ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ أبناءَ ثلاثينَ لا يَزيدونَ عليها أبدًا" (^٣).
_________________
(١) بل هي عنده في الموضع نفسه.
(٢) (حسن صحيح). رواه: الدارمي (٢/ ٣٣٥)، والترمذي (٣٩ - الجنّة، ٨ - ثياب أهل الجنّة، ٤/ ٦٧٩/ ٢٥٣٩)، وأبو نعيم في "الجنّة" (٢٥٦)؛ من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، عن عامر الأحول، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة … رفعه. قال الترمذي: "حسن غريب". قلت: شهر لين. وروى القطعة الأولى: ابن أبي شيبة (٣٣٩٩٥)، وأحمد (٢/ ٢٩٥ و٣٤٣)، وابن أبي الدنيا في "الجنّة" (١٥)، وابن أبي داوود في "البعث" (٦٣)، والطبراني في "الأوسط" (٥٤١٨) و"الصغير" (٨٠٩)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٥٩٦)، وأبو نعيم في "الجنة" (٢٥٥)، والبيهقي في "البعث" (٤١٩ و٤٢٠)، والبغوي في "التفسير" (الواقعة ٣٧)؛ من طرق، عن حمّاد بن سلمة، عن عليّ بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة … رفعه بلفظ: "يدخل أهل الجنّة جردًا مردًا مكحّلين". قال الهيثمي (١٠/ ٤٠٢): "إسناده حسن". قلت: ابن جدعان لا يعدو أن يكون صالحًا في الشواهد. وللقطعة الثانية طريق أخرى عند مسلم تقدّمت قبله. وله شاهد عند: البخاري في "التاريخ" (٨/ ٢١٩)، وابن أبي الدنيا في "الجنّة" (٢١٥)، وابن أبي داوود في "البعث" (٦٤)، والطبراني في "الصغير" (١١٦٦)، وأبي الشيخ في "العظمة" (٥٨٤)، وتمّام في "الفوائد" (١٧٧٩)، وأبي نعيم في "الجنّة" (٢٥٥) و"الحلية" (٣/ ٥٦)، والبيهقي في "البعث" (٤١٨)؛ من حديث أنس بسند جوّده الهيثمي وفيه كلام. وحديث أبي هريرة حسن بطريقيه صحيح بشاهده المذكور وشواهد أخرى عديدة بمعناه، وقد مال إلى تقويته الترمذي والمنذري والهيثمي والألباني.
(٣) (منكر). رواه: الترمذي (٣٩ - الجنّة، ٢٣ - ما لأدنى أهل الجنّة، ٤/ ٦٩٥/ ٢٥٦٢)، وابن أبي الدنيا في "الجنّة" (١٧ و٢٥٩)، وابن أبي داوود في "البعث" (٧٨)، ونعيم في "زوائد الزهد" (٤٢٢)، والبغوي في "السنة" (٤٣٨١)، والأصبهاني في "الترغيب" (٩٨٢)؛ من طريق عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد … رفعه. قال الترمذي: "لا نعرفه إلّا من حديث رشدين". قلت: تابعه لبن وهب - وهو ثقة - عند ابن أبي الدنيا وابن أبي داوود، إنّما العلّة رواية درّاج عن أبي الهيثم، فإنّها ضعيفة، ثم =
[ ٧٤ ]
ومِن حديثِ عَلِيٍّ مرفوعًا: "إنَّ في الجنَّةِ مجتمعًا للحورِ العِينِ، يَرْفَعْنَ بأصواتٍ لمْ تَسْمَعِ الخلائقُ مثلَها، يَقُلْنَ: نحنُ الخالداتُ فلا نَبيدُ، ونحنُ النَّاعماتُ فلا نَبْأسُ، ونحنُ الرَّاضياتُ فلا نَسْخَطُ، طوبى لمَن كانَ لنا وكنَّا لهُ" (^١).
وخَرَّجَ الطَّبَرانِيُّ مِن حديثِ ابن عُمَرَ مرفوعًا: "إنَّ ممَّا يُغَنِّينَ بهِ (يَعْني: الحورَ العِينَ): نحنُ الخالداتُ فلا نَمُتْنَهْ، نحنُ الآمناتُ فلا نَخَفْنَهْ، نحنُ المقيماتُ فلا نَظْعَنَّهْ" (^٢).
_________________
(١) = هي مخالفة للمعروف من أحاديث معاذ وأنس وأبي هريرة والمقدام وغيرهم من أنّهم أبناء ثلاث وثلاثين، وهذا حدّ النكارة، ولذلك ضعفها الترمذي والألباني. ورواه: أبو يعلى (١٤٠٥)، والطبراني (١٠/ ٤٠٢ - مجمع)؛ من طريق ابن لهيعة، عن درّاج … به فقال: "ستّين سنة". قال الهيثمي: "ضعيف، فيه ابن لهيعة، وهو مخالف للثقات فيما رووه".
(٢) (ضعيف). رواه: ابن أبي شيبة (٣٣٩٦٠)، وهنّاد في "الزهد" (٩)، والحسين المروزي في "زوائد الزهد" (١٤٨٧)، والترمذي (٣٩ - الجنّة، ٢٤ - كلام الحور، ٤/ ٦٩٦/ ٢٥٦٤)، وابن أبي الدنيا في "صفة الجنّة" (٢٤٩)، وعبد الله بن أحمد (١/ ١٥٦)، والبزار (٧٠٣ و٧٠٤)، وأبو يعلى (٢٦٨ و٤٢٩)، والمحاملي (١١٨)، وابن عدي (٤/ ١٦١٣)، وأبو نعيم في "الجنّة" (٤١٨)، وتمّام في "الفوائد" (١٧٨٦)، والبيهقي في "البعث" (٣٧٦)، والثقفي في "الثقفيّات" (١٩٨٢ - ضعيفة)، والبغوي في "السنّة" (٤٣٨٨)، والضياء في "الجنة"، وابن الجوزي في "الواهيات" (١٥٥٥) و"الموضوعات" (٣/ ٢٥٦)، والذهبي في "النبلاء" (١١/ ٣٩٧) و"التذكرة" (٢/ ٤٩٨)؛ من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن عليّ … رفعه. قال البزّار: "لا نعلم رواه عن النبيّ - ﷺ - إلّا عليّ بهذا الإسناد". قلت: وهو واهٍ فيه علل ثلاث: أولاها: ابن إسحاق هذا هو أبو شيبة الواسطي ضعيف وحديثه عن النعمان منكر. والثانية: النعمان مجهول. والثالثة: الوقف؛ قاله الذهبي. وتعقّب السيوطي ابن الجوزي فأورد له في "اللآلى" (٢/ ٤٥٥) طريقًا أُخرى عند ابن عساكر عن: محمّد بن الفرات الجرمي، سمعت أبا إسحاق، يذكر عن الحارث، عن عليّ … رفعه. وابن الفرات كذبوه، وأبو إسحاق تغيّر بأخرة وكان يدلس، والحارث واهٍ. فهذا يصدق فيه "كالمستجير من الرمضاء بالنار". وله شاهد عند: أبي الشيخ في "العظمة" (٦٠٥)، وأبي نعيم في "الجنّة" (٣٧٨ و٤٣١)؛ من حديث ابن أبي أوفى بسند ضعيف. فالضعف لازم لهذا المتن ولو اجتمعت طرقه لشدة وهائها، ولكنّه ليس بالموضوع، بل هو ضعيف كما ذكر الترمذي وابن عدي والبغوي وابن الجوزي مرّة والمنذري وابن كثير والعراقي والألباني.
(٣) (حسن بشواهده). رواه: الطبراني في "الأوسط" (٤٩١٤) و"الصغير" (٧٣٥)، وأبو نعيم في "الجنّة" (٣٢٢ و٤٣٠)، والضياء في "الجنة"، من طريق عمارة بن وثيمة، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا محمّد بن جعفر بن أبي كثير، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر … رفعه. قال الطبراني وأبو نعيم: "تفرد به سعيد بن أبي مريم". قلت: تفرّد أمثاله من المتقنين لا يضرّ. وقال =
[ ٧٥ ]
ومِن حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ مرفوعًا: "إنَّ نساءَ أهلِ الجنَّةِ يَقُلْنَ: نحنُ الخالداتُ فلا نَموتُ [أبدًا]، ونحنُ النَّاعماتُ فلا نَبْأسُ أبدًا، ونحنُ المقيماتُ فلا نَظْعَنُ أبدًا، ونحنُ الرَّاضياتُ فلا نَسْخَطُ أبدًا، طوبى لمَن كنَّا لهُ وكانَ لنا" (^١).
• وفيما ذَكَرَهُ - ﷺ - في صفةِ مَن يَدْخُلُ الجنَّةَ تعريضٌ بذمِّ الدُّنيا الفانيةِ؛ فإنَّهُ مَن يَدْخُلُها وإنْ نُعِّمَ فيها فإنَّهُ يَبْأسُ، ومَن أقامَ فيها فإنَّهُ يَموتُ ولا يُخَلَّدُ، ويَفْنى شبابُهُمْ وتَبْلى ثيابُهُمْ، بل تَبْلى أجسامُهُمْ.
وفي القرآنِ نظيرُ هذا، وهوَ التَّعريضُ بذمِّ الدُّنيا وفنائِها مع مدحِ الآخرةِ وذكرِ كمالِها وبقائِها:
كما قالَ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ. قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٥].
وقالَ تَعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ …﴾ الَايةَ، ثمَّ قالَ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ
_________________
(١) = المنذري والهيثمي (١٠/ ٤٢٢): "رجاله رجال الصحيح". قلت: إلا عمارة؛ فهو مؤرخ مشهور، روى عنه جماعة، ونقل عنه أهل العلم، ولم يجرحه أحد، فلا أقلّ من أن يكون صالحًا في الشواهد، ثمَّ هو حسن بحديث ابن أبي أوفى المتقدّم ذكره في الحديث السابق وغيره، ويستأنس له بحديثي عليّ وأم سلمة.
(٢) (ضعيف جدًّا). قطعة من حديث طويل رواه: العقيلي (٢/ ١٣٨)، والطبراني في "الكبير" (٢٣/ ٣٦٨/ ٨٧٠) و"الأوسط" (٣١٦٥)، وابن عديّ (٣/ ١١١٢)، وابن جرير (٢٩٣٧٠ و٣٣١٧٢ و٣٣٣٣٠ و٣٣٤٠٢)؛ من طريق بكر بن سهل الدمياطي، ثنا عمرو بن هاشم البيروتي، ثنا سليمان بن أبي كريمة، عن هشام بن حسّان، عن الحسن، عن أمّه، عن أم سلمة … مرفوعًا مطولًا ومختصرًا. قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن هشام بن حسّان إلا سليمان بن أبي كريمة، تفرد به عمرو بن هاشم". وقال الهيثمي (٧/ ١٢٢، ١٠/ ٤٢١): "فيه سليمان بن أبي كريمة، ضعّفه أبو حاتم وابن عديّ، وهو ضعيف". قلت: بكر بن سهل ضعيف، وعمرو بن هاشم فيه ضعف، وسليمان منكر الحديث، وهشام ثقة تكلموا في روايته عن الحسن لكثرة إرساله عنه. فالسند واهٍ.
[ ٧٦ ]
وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٥ - ٢٦].
وقالَ تَعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا. الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٥ - ٤٦].
وقالَ: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤].
وقالَ تَعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ …﴾ إلى قولهِ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢٠ - ٢١].
وقالَ تَعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧].
وقالَ تَعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨].
وقالَ تَعالى عن مؤمنِ آلِ فِرْعَوْنَ إنَّهُ قالَ لقومِهِ: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩]، والمتاعُ: هو ما يَتَمَتَّعُ بهِ صاحبُهُ برهةً ثمَّ يَنْقَطعُ ويَفْنى.
فما عِيبَتِ الدُّنيا بأبلغَ مِن ذكرِ فنائِها وتقلُّبِ أحوالِها، وهوَ أدلُّ دليلٍ على انقضائِها وزوالِها. فتَتبَدَّلُ: صحَّتُها بالسَّقمِ، ووجودُها بالعدمِ، وشبيبتُها بالهرمِ، ونعيمُها بالبؤسِ، وحياتُها بالموتِ فتُفارِقُ الأجسامَ النُّفوسُ (^١)، وعمارتُها بالخرابِ،
_________________
(١) في خ ون: "فتفارق الأجسام للنفوس"، والأولى ما أثبتّه من م.
[ ٧٧ ]
واجتماعُها بفرقةِ الأحبابِ، وكلُّ ما فوقَ التُّرابِ ترابٌ.
قالَ بعضُ السَّلفِ في يومِ عيدٍ وقد نَظَرَ إلى كثرةِ النَّاسِ وزينةِ لباسِهِم: هل تَرَوْنَ إلَّا خرقًا تَبْلى أو لحمًا يَأْكُلُهُ الدُّودُ غدًا؟
كانَ الإمامُ أحْمَدُ يَقولُ: يا دارُ! تَخْرَبينَ وَيَموتُ سكَّانُكِ.
وفي الحديثِ: "عجبًا لمَن رَأى الدُّنيا وسرعةَ تقلُّبِها بأهلِها كيفَ يَطْمَئِنُّ إليها" (^١).
_________________
(١) (ضعيف). قطعة من حديث أبي ذر الطويل الذي جاء عنه من طرق: * روى الأولى منها: عبد بن حميد (الأعلى ١٩ - الدرّ)، وابن حبّان في "الصحيح" (٣٦١) و"المجروحين" (٣/ ١٣٠)، والطبراني (٤/ ٢١٦ - مجمع، ٢/ ١٥٧/ ١٦٥١)، والَاجرّي (النساء ١٦٥ - كثير)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٢٦١)، وابن مردويه (النساء ١٦٥ - ابن كثير، ٢/ ٧٠ - بداية ونهاية)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ١٨ و١٦٦ - ١٦٧)، والقضاعي في "الشهاب" (٦٥١ و٧٤٠ و٨٣٧)، والبيهقي في "الشعب" (٨٠٣١)، وابن عبد البر في "التمهيد" (٩/ ١٩٩)، وابن عساكر (٢٣/ ٢٧٣ - ٢٧٥)؛ من طريق إبراهيم بن هشام بن يحيى الغسّاني، ثنا أبي، عن جدّي، عن أبي إدريس، عن أبي ذرّ … رفعه مطوّلًا ومختصرًا. قال الهيثمي: "فيه إبراهيم بن هشام وثّقه ابن حبّان وضعفه أبو حاتم وأبو زرعة". قلت: متروك لا ينبغي أن يحدّث عنه. ولكنّه توبع. قال ابن عساكر (٢٣/ ٢٧٦): "رواه أبو الحسن بن جوصا: عن أبي حارثة أحمد بن إبراهيم، عن هشام، عن أبيه". قلت: أبو حارثة هذا هو ابن إبراهيم، تابع أباه فرواه عن جده، لكن لم أقف فيه على توثيق فحدّه الستر، ولم يذكروا له رواية عن جده فأخشى أن يكون حمله عن أبيه عن جدّه ثمّ سقط ذكر أبيه عمدًا أو سهوًا! ورواه أيضًا مولى ليزيد بن معاوية عن أبي إدريس فيما ذكره ابن عساكر، وهذا المولى مجهول، والله أعلم بحال الطريق إليه. ورواه أيضًا: الطبري في "التاريخ" (١/ ٢٦٧)، وابن عساكر (٢٣/ ٢٧٦) معلّقًا؛ من طريق الماضي بن محمّد، عن أبي سليمان، عن القاسم بن محمّد الثقفي، عن أبي إدريس، عن أبي ذر … رفعه. والماضي ضعيف منكر الحديث وأبو سليمان والقاسم مجهولان. قال أبو نعيم: "ورواه المختار بن غسّان عن إسماعيل بن سلمة عن أبي إدريس". قلت: المختار وإسماعيل مجهولان، والله أعلم بحال الطريق إليهما. * وروى الثانية: ابن حبّان في "المجروحين" (٣/ ١٢٩)، وابن عدي (٧/ ٢٦٩٩)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٢٠٨) مختصرًا، والحاكم (٢/ ٥٩٧) مختصرًا، وأبو نعيم (١/ ١٦٨ - ١٦٩)، والبيهقي (٩/ ٤)، وابن عساكر (٢٣/ ٢٧٦ - ٢٧٧)؛ من طريق يحيى بن سعيد القرشي السعدي، ثنا ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبيد بن عمير، عن أبي ذرّ … رفعه. قال ابن عدي: "هذه أنكر الروايات"، وقال ابن حبّان نحوه. قلت: لأن تفرّد القرشي المتروك عن ابن جريج بهذا دون ثقات أصحابه موضع اتّهام. * وروى الثالثة: ابن أبي حاتم (٢/ ٧٠ - بداية ونهاية)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ١٦٧) تعليقًا؛ من =
[ ٧٨ ]
قالَ الحَسَنُ: إنَّ الموتَ قد فَضَحَ الدُّنيا فلمْ يَدَعْ لذي لبٍّ بها فرحًا.
وقالَ مُطَرِّفٌ: إنَّ هذا الموتَ قد أفْسَدَ على أهلِ النَّعيمِ نعيمَهُم، فالْتَمِسوا نعيمًا لا موتَ فيهِ.
وقالَ بعضُهُم: ذَهَبَ ذكرُ الموتِ بلذَّةِ كلِّ عيشٍ وسرورِ [كلِّ نعيمٍ]. ثمَّ بَكى وقالَ: واهًا لدارٍ لا موتَ فيها!
وقالَ يونُسُ بنُ عُبَيْدٍ: ما تَرَكَ ذكرُ الموتِ لنا قُرَّةَ عينٍ في أهلٍ ولا مالٍ.
وقالَ يَزيدُ الرَّقاشِيُّ: أمِنَ أهلُ الجنَّةِ الموتَ فطابَ لَهُمُ العيشُ، وأمِنوا مِن الأسقام فهنيئًا لهُم في جوارِ اللهِ طولُ المقام.
عيوبُ الدُّنيا بادية، وهيَ بعبرِها ومواعظِها منادية، لكنَّ حبَّها يُعْمي ويُصِمُ، فلا يَسْمَعُ محبُّها نداءَها، ولا يَرى كشفَها للعبرِ وإبداءَها.
قَدْ نادَتِ الدُّنْيا عَلى نَفْسِها … لَوْ كانَ في العالَمِ مَنْ يَسْمَعُ
كَمْ واثِقٍ بِالعُمْرِ أفْنَيْتُهُ … وَجامِعٍ بَدَّدْتُ ما يَجْمَعُ
كم قد تَبَدَّلَ نعيمُها بالبوس، كم أصْبَحَ مَن هوَ واثقٌ بملكِها وأمْسى وهوَ منها قنوطٌ يؤوس.
_________________
(١) = طريق معان بن رفاعة، عن عليّ بن يزيد الألهاني، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن أبي ذرّ … رفعه مختصرًا جدًّا. قال ابن كثير: "ضعيف، فيه ثلاثة من الضعفاء؛ معان وشيخه وشيخ شيخه". قلت: الألهاني متروك، والسند ساقط، والمتن مختصر قاصر عن هذه القطعة. * وروى الرابعة: أحمد (١٧٨٥ و١٧٩)، والنسائي في "الكبرى" (١١٩٦٨ - تحفة)، والبزّار (١٦٠)؛ من طريق المسعودي، عن أبي عمر الشامي، عن عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذرّ … رفعه مختصرًا جدًّا. والمسعوديّ اختلط أو تغيّر، والشاميّ ليّن، وابن الخشخاش ضعيف، فالسند واه على قصور المتن واختصاره. * وروى الخامسة: أبو نعيم (١/ ١٦٨) معلقًا، وابن عساكر (٢٣/ ٢٧٦)؛ من طريق عبد الله بن صالح، ثنا معاوية بن صالح، عن أبي عبد الملك محمّد بن أيّوب وغيره من المشيخة، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن أبي ذر … رفعه. وعبد الله بن صالح ومحمّد بن أيّوب لا يعدوان أن يكونا صالحين في الشواهد، لكنّ محمّدًا توبع من غيره كما جاء في السند، فلم يبق لهذا السند علة إلا عبد الله، فهو صالح في الشواهد. فالطريق الأولى بمتابعاتها ساقطة، والثانية والثالثة ساقطتان بمتروك، والرابعة واهية قاصرة، فلم يبق للطريق الأخيرة الضعيفة ما يشدها. نعم؛ لكثير من مفردات الحديث طرق أخرى تشدّها، ولكنّها قاصرة عن هذه القطعة، فالله أعلم بماذا قوّاها الألباني رحمة الله عليه في "موارد الظمآن"!
[ ٧٩ ]
قالَتْ بعضُ بناتِ ملوكِ العربِ (^١) الذينَ نُكِبوا: أصْبَحْنا وما في العربِ أحدٌ إلَّا وهوَ يَحْسُدُنا، وأمْسَيْنا وما في العربِ أحدٌ إلَّا [وهوَ] يَرْحَمُنا، ثمَّ قالَتْ:
وَبَيْنا نَسوسُ النَّاسَ وَالأمْرُ أمْرُنا … إذا نَحْنُ فيهِمْ سُوقَةٌ لَيْسَ نُنْصَفُ
فَأُفٍّ لِدارٍ لا يَدومُ نَعيمُها … تَقَلَّبُ تاراتٍ بِنا وَتَصَرَّفُ
دَخَلَتْ أمُّ جَعْفَرِ بن يَحْيى البَرْمَكِيِّ على قومٍ في عيدِ أضحى تَطْلُبُ جلدَ كبشٍ تَلْبَسُهُ، وقالَتْ: هَجَمَ عليَّ مثلُ هذا العيدِ وعلى رأْسي أربعُ مئةِ وصيفةٍ قائمةٍ وأنا أزْعُمُ أن ابني جعفرًا عاقٌّ لي.
كانَتْ أُختُ أحْمَدَ بن طُولُونَ صاحبِ مِصْرَ كثيرةَ السَّرَفِ في إنفاقِ المالِ، حتَّى إنَّها زَوَّجَتْ بعضَ لُعَبِها فأنْفَقَتْ على وليمةِ عرسِها مئةَ ألفِ دينارٍ، فما مَضى إلَّا قليلٌ حتَّى رُئِيَتْ في سوقٍ مِن أسواقِ بغدادَ وهيَ تَسْألُ النَّاسَ.
خُلِعَ بعضُ خلفاءِ بني العَبَّاسِ وكُحِلَ وحُبسَ ثمَّ أَطْلِقَ، فاحْتاجَ إلى أنْ وَقَفَ يومَ الجمعةِ في الجامعِ وقالَ للنَّاسِ: تَصَدَّقوا عليَّ فأَنا مَن قد عَرَفْتُمْ.
اجْتازَ بعضُ الصَّالحينَ بدارٍ فيها فرحٌ وقائلةٌ تَقولُ في غنائِها:
ألا يا دارُ لا يَدْخُلْكِ حُزْنٌ … وَلا يُودي بِصاحِبِكِ الزَّمانُ
ثمَّ اجْتازَ بها عن قريبٍ، وإذا البابُ مُسْوَدٌّ وفي الدَّارِ بكاءٌ وصراخٌ، فسَألَ عنهُم، فقيلَ: ماتَ ربُّ الدَّارِ، فطَرَقَ البابَ وقالَ: سَمِعْتُ مِن هذهِ الدَّارِ قائلةً تَقولُ كذا وكذا، فبَكَتِ امرأةٌ وقالَتْ: يا عبدَ اللهِ! إنَّ الله يُغَيِّرُ ولا يَتَغَيَّرُ، والموتُ غايةُ كلِّ مخلوقٍ، فانْصَرَفَ مِن عندِهِم باكيًا.
بَعَثَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ في خلافتِهِ وفدًا إلى اليمنِ، فاجْتازوا في طريقِهِم بماءٍ مِن مياهِ العربِ، عندَهُ قصورٌ مَشِيدَةٌ، وهناكَ مواشٍ عظيمةٌ ورقيقٌ كثيرٌ،
_________________
(١) زاد في حاشية خ: "القائلة لذلك هي حرقة بنت النعمان بن المنذر. وقالت أيضًا: ما نحن فيه اليوم خير مما كنا فيه بالأمس، إنّا نجد في الكتب أنه ليس من أهل بيت يعيشون في حبرة إلّا سيعقبون بعدها عبرة وأن الدهر لم يظهر لقوم بيوم يحبّونه إلّا بطن لهم بيوم يكرهونه. وبكت أيضًا حرقة وهي في عزّها فقيل: ما يبكيك؟ لعلّ أحدًا آذاك! قالت: لا؛ ولكن رأيت … في أهلي، وقلما امتلأت دار سرورًا إلا امتلأت حزنًا" اهـ.
[ ٨٠ ]
ورَأوا نسوةً كثير [ا] تٍ مجتمعاتٍ في عرسٍ لهُنَّ، وجاريةً بيدِها دفٌّ وهيَ تَقولُ:
مَعْشَرَ الحُسَّادِ موتوا كَمَدا … كَذا نَكونُ ما بَقِينا أبَدا
فنَزَلوا بقربِهِم، فأكْرَمَهُم سيِّدُ الماءِ واعْتَذَرَ إليهِم باشتغالِهِ بالعرسِ، فدَعَوْا لهُ وارْتَحَلوا. ثمَّ إنَّ بعضَ أولئكَ الوفدِ أرْسَلَهُم مُعاوِيَةُ إلى اليمنِ، فمَرُّوا بالقربِ مِن ذلكَ الماءِ، فعَدَلوا إليهِ لِيَنْزِلوا فيهِ، فإذا القصورُ المَشِيدَةُ قد خَرِبَتْ كلُّها وليسَ هناكَ ماءٌ ولا أنيسٌ، ولمْ يَبْقَ مِن تلكَ الآثارِ إلَّا تلٌّ خرابٌ، فذَهَبوا إليهِ، فإذا عجوزٌ عمياءُ تَأْوي إلى نقبٍ في ذلكَ التَّلِّ، فسَألوها عن أهلِ ذلكَ الماءِ، فقالَتْ: هَلَكوا كلُّهُم، فسَألوها عن ذلكَ العرسِ المتقدِّمِ، فقالَتْ: كانَتِ العروسُ أُختي، وأنا كُنْتُ صاحبةَ الدُّفِّ، فطَلَبوا أنْ يَحْمِلوها معَهُم، فأبَتْ وقالَتْ: عزيزٌ عليَّ أنْ أُفارِقَ هذهِ العظامَ الباليةَ حتى أصيرَ إلى ما صارَتْ إليهِ. فبينَما هيَ تُحَدِّثُهُمْ إذْ مالَتْ فنَزَعَتْ نزعًا يسيرًا ثمَّ ماتَتْ، فدَفَنوها وانْطَلَقوا.
حُمِلَ إلى سُلَيْمانَ بن عَبْدِ المَلِكِ في خلافتِهِ مِن خُراسانَ ستَّةُ أحمالِ مسكٍ إلى الشَّامِ، فأُدْخِلَتْ على ابنِهِ أيُّوبَ وهوَ وليُّ عهدِهِ، فدَخَلَ عليهِ الرَّسولُ بها في دارِهِ، فدَخَلَ إلى دارٍ بيضاءَ وفيها غلمانٌ عليهِم ثيابٌ بيضٌ وحليتُهُم فضَّة، ثمَّ دَخَلَ إلى دارٍ صفراءَ فيها غلمانٌ عليهِم ثيابٌ صفرٌ وحليتُهُمُ الذَّهبُ، ثمَّ دَخَلَ إلى دارٍ خضراءَ فيها غلمانٌ عليهِم ثيابٌ خضرٌ وحليتُهُمُ الزُّمرُّدُ، ثمَّ دَخَلَ على أيُّوبَ وهوَ وجاريتُهُ على سرير فلمْ يَعْرِفْ أحدَهُما مِن الآخرِ لقربِ شبهِهِما، فوُضِعَ المسكُ بينَ يديهِ فانْتَهَبَهُ كلَّهُ الغلمانُ، ثمَّ خَرَجَ الرَّسولُ فغابَ بضعةَ عشرَ يومًا، ثمَّ رَجَعَ فمرَّ بدارِ أيُّوبَ وهيَ بلاقعُ، فسَألَ عنهُم، فقيلَ لهُ: أصابَهُمُ الطَّاعونُ فماتوا.
كانَ يَزيدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ - وهوَ الذي انْتَهَتْ إليهِ الخلافةُ بعدَ عُمَرَ بن عَبْدِ العَزيزِ - لهُ جاريةٌ تُسَمَّى حُبَابَةَ، وكانَ شديدَ الشَّغفِ بها، ولمْ يَقْدِرْ على تحصيلِها إلَّا بعدَ جهدٍ شديدٍ، فلمَّا وَصَلَتْ إليهِ؛ خَلا بِها يومًا في بستانٍ وقد طارَ عقلُهُ فرحًا بِها، فبينَما هوَ يُلاعِبُها ويُضاحِكُها إذْ رَماها بحبَّةِ رمَّانٍ أو حبَّةِ عنبٍ وهيَ تَضْحَكُ، فدَخَلَتْ في فيها، فشَرِقَتْ بِها، فماتَتْ، فما سَمَحَتْ نفسُهُ بدفنِها حتَّى أراحَتْ (^١)، فعوتبَ على ذلكَ،
_________________
(١) أراحت: خرجت من جثّتها روائح الإنتان.
[ ٨١ ]
فدَفنَها. ويُقالُ: إنَّهُ نَبَشَها بعدَ دفنِها. ويُروى أنَّهُ دَخَلَ بعدَ موتِها إلى خزائنِها ومقاصيرِها ومعَهُ جاريةٌ لها، فتَمَثَّلَتِ الجاريةُ:
كَفى حَزَنًا بالوالِهِ الصَّبِّ أنْ يَرى … مَنازِلَ مَنْ يَهْوى مُعَطَّلَة قَفْرا
فصاحَ وخَرَّ مغشيًّا عليهِ، فلم يُفِقْ إلى أنْ مَضى هَوِيٌّ مِن الليلِ، ثمَّ أفاقَ فبَكَى بقيَّةَ ليلتِهِ ومِن الغدِ، فدَخَلوا عليهِ فوَجَدوهُ ميتًا.
قالَ بعضُ السَّلفِ: ما مِن حَبْرَةٍ إلَّا يَتْبَعُها عبرةٌ، وما كانَ ضحكٌ في الدُنيا إلَّا كانَ بعدَهُ بكاءٌ.
مَن عَرَفَ الدُّنيا حقَّ معرفتِها؛ حَقَرَها وأبْغَضَها، كما قيلَ:
أمَّا لَوْ بِيعَتِ الدُّنْيا بِفَلْسٍ … أنِفْتُ لِعاقِلٍ أنْ يَشْتَرِيها،
ومَن عَرَفَ الآخرةَ وعظمتَها رَغِبَ فيها.
عبادَ اللهِ! هَلُمُّوا إلى دارٍ لا يَموتُ سكَانُها، ولا يَخْرَبُ بنيانُها، ولا يَهْرَمُ شبَّانُها، ولا يَتَغَيَّرُ حسنُها وإحسانُها، هواؤُها النَّسيمُ وماؤُها التَّسنيمُ، يَتَقَلَّبُ أهلُها في رحمةِ أرحمِ الرَّاحمين، ويَتَمَتَعونَ بالنَّظرِ إلى وجهِهِ الكريمِ كلَّ حين، ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
قالَ عَوْنُ بنُ عَبْدِ اللهِ بن عُتْبَةَ: بَنى ملكٌ ممَّن كانَ قبلَكُم مدينةً، فتَنَوَّقَ في بنيانِها، ثمَّ صَنَعَ طعامًا ودَعا النَّاسَ إليهِ وأقْعَدَ على أبوابِها ناسًا يَسْألونَ كلَّ مَن خَرَجَ: هلْ رَأيْتُمْ عيبًا؟ فيَقولونَ: لا. حتَّى جاءَ في آخرِ النَّاسِ قومٌ عليهِم أكسيةٌ، فسَألُوهُم: هلْ رَأيْتُمْ عيبًا؟ قالوا: عيبينِ. فأدخَلوهُمْ على الملكِ، فقالَ: هلْ رَأيْتُمْ عيبًا؟ فقالوا: عيبينِ. قالَ: وما هُما؟ قالوا: تَخْرَبُ ويَموتُ صاحبُها. قالَ: فتَعْلَمونَ دارًا لا تَخْرَبُ ولا يَموتُ صاحبُها؟ قالوا: نعم؛ دارُ الجنَّةِ. فدَعَوْهُ فاسْتَجابَ لهُم وانْخَلَعَ مِن ملكِهِ وتَعَبَّدَ معَهُم. فحَدثَ عَوْنٌ بهذا الحديثِ عُمَرَ بنَ عَبْدِ العَزيزِ، فوَقَعَ منهُ موقعًا، حتَّى هَمَ أنْ يَخْلَعَ نفسَهُ مِن الملكِ. فأتاهُ ابنُ عمِّهِ مَسْلَمَةُ، فقالَ: اتَّقِ الله يا أميرَ المؤمنينَ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، فواللهِ؛ لئنْ فَعَلْتَ لَيَقْتَتِلُنَّ بأسيافِهِم. قالَ: ويحكَ يا مَسْلَمَةُ! حُمِّلْتُ ما لا
[ ٨٢ ]
أُطيقُ، وجَعَلَ يُرَدِّدُها، ومَسْلَمَةُ يُناشِدُهُ حتَّى سَكَنَ.
بَنى بعضُ ملوكِ العربِ الخَوَرْنَقَ والسَّديرَ، فنَظَرَ إلى ملكِهِ يومًا فقالَ: هلْ عَلِمْتُمْ أحدًا أُوتِيَ مثلَ ما أُوتيتُ؟ [فـ]ـقالوا: لا. ورجلٌ منهُم ساكتٌ، فقالَ: أيُّها الملكُ! إنْ أذِنْتَ لي تَكَلَّمْتُ. قالَ: تَكَلَّمْ. قالَ: أرَأيْتَ ما جَمَعْتَ، أشيءٌ هوَ لكَ لمْ يَزُلْ ولا يَزولُ، أم هوَ شيءٌ كانَ لمَن قبلَكَ وزالَ عنهُ وصارَ إليكَ وكذلكَ يَزولُ عنكَ؟ قالَ: بل كانَ لمَن قبلي وصارَ إليَّ ويَزولُ عنِّي. قالَ: فسُرِرْتَ بشيءٍ تَزولُ عنكَ لذَّتُهُ وتَبْقى تَبِعَتُهُ عليكَ، تَكونُ فيهِ قليلًا وتُرْهَنُ بهِ طويلًا. فبَكى وقالَ: أينَ المهربُ؟ قالَ: إمَّا أنْ تُقيمَ وتَعْمَلَ بطاعةِ ربِّكَ، وإمَّا أنْ تَنْخَلعَ مِن ملكِكَ وتُقيمَ وحدَكَ وتَعْبُدَ رَبَّكَ حتَّى يَأْتِيَكَ أجلُكَ. قالَ: فإذا فَعَلْتُ ذلكَ فما لي؟ قالَ: حياةٌ لا تَموتُ، وشبابٌ لا يَهْرَمُ، وصحَّةٌ لا تَسْقَمُ، وملكٌ جديدٌ لا يَبْلى. قالَ: فأيُّ خيبر فيما يَفْنى (^١)؟! واللهِ لأطْلُبَنَّ عيشًا لا يَزولُ أبدًا. فانْخَلَعَ عن ملكِهِ، وسارَ في الأرضِ (^٢).
وفيهِ يَقولُ عَدِيُّ بنُ زَيْدٍ أبياتَهُ المشهورةَ السَّائرةَ:
أيُّها الشَّامِتُ المُعَيِّرُ (^٣) بِالدَّهـ … ـرِ أأنْتَ المُبَرَّأُ المَوْفورُ
أمْ لَدَيْكَ العَهْدُ الوَثيقُ مِنَ الأيْـ … يامِ بَلْ أنْتَ جاهِلٌ مَغْرورُ
مَنْ رَأيْتَ المَنونَ أخْلَدْنَ أمْ مَنْ … ذا عَلَيْهِ مِنْ أنْ يُضامَ خَفيرُ
أيْنَ كِسْرى كِسْرى المُلوكِ أنوشِرْ … وانُ أمْ أيْنَ قَبْلَهُ سابورُ
وَبنو الأصْفَرِ الكِرامُ مُلوكُ الرْ … رومِ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمُ مَذْكورُ
وَأخو الحَضْر (^٤) إذْ بَناهُ وَإذْ دِجْـ … ـلةُ تُجْبى إلَيْهِ والخابورُ
شادَهُ مَرْمَرًا وَجَلَّلَهُ كِلْـ … ـسًا فَلِلطَّيْرِ في ذُراهُ وُكورُ
_________________
(١) في خ: "فيما بقي"! وهذا تحريف صوابه ما أثبتّه من م وط.
(٢) إذا خلع الصالحون أنفسهم وتجرّدوا عن مسؤوليّاتهم وساروا في الأرض! فمن يبقى لسياسة أمور المسلمين ولمّ شعثهم ورأب صدعهم؟! فهذا وأمثاله غيض من فيض من بلاء الصوفية الذي جثم على صدر الأمّة وأردف أعجازًا وناء بكلكل.
(٣) في خ وم: "الشامت المغترّ"، والتصويب من: "حماسة البحتري (ص ١٢٢).
(٤) الحضر: مدينة بين دجلة والفرات. وأخو الحضر: الساطرون بن أسطيرون الجرمقي.
[ ٨٣ ]
لَمْ يَهْنِهِ رَيْبُ المَنونِ فَبادَ الْـ … ـمُلْكُ عَنْهُ فَبابُهُ مَهْجورُ
وَتَذَكَّرْ رَبَّ الخَوَرْنَقِ (^١) إذْ أشْـ … ـرَفَ يَوْمًا وَلِلْهُدى تَفْكيرُ
سَرَّهُ مالُهُ وَكَثْرَةُ ما يَمْـ … ـلِكُ وَالبَحْرُ مُعْرِضًـ[ـا] وَالسَّديرُ (^٢)
فَارْعَوى قَلْبُهُ وَقالَ وَما غِبْـ … ـطَةُ حَيٍّ إلى المَماتِ يَصيرُ
ثُمَّ أضْحَوْا كَأنَّهُمْ وَرَقٌ جَفْـ … ـفَ [فَـ]ـألْوَتْ بِهِ الصَّبا وَالدَّبورُ (^٣)
ثُمَّ بَعْدَ الفَلاحِ والإمَّةِ (^٤) والْـ … ـمُلْكِ وارَتْهُمُ هُناكَ القُبورُ
* * * * *
_________________
(١) الخورنق: قصر بالعراق بناه النعمان بن المنذر.
(٢) السدير: نهر بناحية الحيرة، وقيل: قصر آخر قرب الخورنق. والزيادة من "الحماسة" (ص ١٢٢). وفي م: "معترض".
(٣) الصبا: الريح الشرقيّة، الدبور: الغربية. والزيادة من "الحماسة" (ص ١٢٢). وفي م: "ألمّت به".
(٤) الإمة: طيب العيش والتقلّب في النعم.
[ ٨٤ ]