• بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، وبهِ ثقتي.
الحمدُ للهِ الملكِ القهَّار، العزيزِ الجبَّار، الرَّحيمِ الغفَّار، مقلِّبِ القلوبِ والأبصار، مقدِّرِ الأُمورِ كما يَشاءُ ويَخْتار، مكوِّرِ النَّهارِ على الليلِ ومكوِّرِ الليلِ على النَّهار. أسْبَلَ ذيلَ الليلِ فأظْلَمَ للسُّكونِ والاستتار، وأنارَ منارَ النَّهارِ فأضاءَ للحركةِ والانتشار، وجَعَلَهُما مواقيتَ للأعمالِ ومقاديرَ للأعمار. وسَخَّرَ الشَّمسَ والقمرَ يَجْرِيانِ بحسبانٍ ومقدار، ويَعْتَقِبانِ في دارةِ الفَلَكِ الدَّوَّارِ على تعاقبِ الأدوار، وجَعَلَهُما معالمَ تُعْلَمُ بهِما أوقاتُ الليالي والأيَّامِ والشُّهورِ والأعوامِ في هذهِ الدَّار، ويُهْتَدى بهِما إلى ميقاتِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والحجِّ والصِّيامِ والإفطار؛ حجَّهً قائمةً قاطعةً للأعذار، وحكمةً بالغةً مِن حكيمٍ عليمٍ ذي اقتدار (^١). أحْمَدُهُ وحلاوةُ محامدِهِ تَزْدادُ معَ التكرار، وأشْكُرُهُ وفضلُهُ على مَن شَكَرَ مدرار.
وأشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ شهادةً تُبَرِّئُ قائلَها مِن الشِّركِ بصحَّةِ الإقرار وتُبَوِّئُ قائلَها دارَ القرار.
وأشْهَدُ أن مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ؛ البدرُ جبينُهُ إذا سُرَّ اسْتَنار، واليمُّ يمينُهُ فإذا سُئِلَ أعطى عطاءَ مَن لا يَخْشى الإقتار، والحنيفيَّةُ دينُهُ الدِّينُ القيِّمُ المختار، رَفَعَ اللهُ ببعثِهِ عن أُمَّتِهِ الأغلالَ والآصار، وكَشَفَ بدعوتِهِ أذى البصائرِ (^٢) وقذى الأبصار، وفَرَّقَ
_________________
(١) لاحظ حسن المطلع ومناسبته لموضوع الكتاب.
(٢) كذا قال متابعة للجناس اللفظيّ، ولو قال "عمى البصائر"؛ لكان أبلغ في الدلالة على الحقيقة؛ فإنّ بصائر الخلق جميعًا عربهم وعجمهم كانت في عمى حقيقيّ قبل مجيئه - ﷺ -. ومن هنا عزف المحدثون من أهل الأدب عن الجناس والسجع ونحوه ووصفوه بالصنعة اللفظيّة واتّهمهوه بتعسير الطريق وتطويله.
[ ٣٧ ]
بشريعتِهِ بينَ المتَّقينَ والفجَّار، حتَّى امْتازَ أهلُ اليمينِ مِن أهلِ اليسار، وانْفَتَحَتْ أقفالُ القلوبِ فانْشَرَحَتْ بالعلمِ والوقار، وزالَ عن الأسماعِ أثقالُ الأوقار (^١). صَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ أُولي الإقدامِ والأقدار، وعلى أصحابِهِ أقطابِ الأقطار، صلاةً تُبَلِّغُهُم في تلكَ الأوطانِ نهايةَ الأوطار، وسَلَّمَ تسليمًا.
• أمَّا بعدُ؛ فقد قالَ اللهُ ﷿: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء: ١٢]. وقالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥]. فأخْبَرَ ﷾ أنَّهُ عَلَّقَ معرفةَ السِّنينَ والحسابَ على تقديرِ القمرِ منازلَ. وقيلَ: بل على جعلِ الشَّمسِ ضياءً والقمرِ نورًا؛ لأنَّ حسابَ السَّنةِ والشَّهرِ يُعْرَفُ بالقمرِ، واليومِ والأُسبوعِ يُعْرَفُ بالشَّمسِ، وبهِما يَتِمُّ الحسابُ (^٢).
وقولُهُ تَعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ﴾: لمَّا كانَ الشَّهرُ الهلاليُّ لا يَحْتاجُ إلى عدٍّ لتوقيتِهِ بما بينَ الهلالينِ؛ لمْ تقُلْ: لِتَعْلَموا عددَ الشُّهورِ؛ فإنَّ الشَّهرَ لا يُحْتاجُ إلى عدِّهِ إلَّا إذا غُمَّ آخرُهُ، فيُكْمَلُ عددُهُ بالاتِّفاقِ؛ إلَّا في شهرِ شَعْبانَ إذا غُمَّ آخرُهُ بالنِّسبةِ إلى صومِ رمضانَ خاصَّةً؛ فإنَّ فيهِ اختلافًا مشهورًا (^٣). وأمَّا السَّنةُ؛ فلا بدَّ مِن عددِها؛ إذ ليسَ لها حدٌّ ظاهرٌ في السَّماءِ، فيُحْتاجُ إلى عددِها بالشُهورِ، ولا سيَّما معَ تطاولِ السِّنينَ وتعدُّدِها (^٤).
_________________
(١) الأوقار: جمع وقر بفتح الواو، وهو ثقل السمع أو ذهابه.
(٢) وفي كلا القولين نظر: أمّا الأوّل؛ فلأنّه راعى بعض آية يونس ولم يلتفت إلى آية الإسراء بالكلّيّة. وأمّا الثاني؛ فلأنّه اقتصر على بعض آية يونس وأغفل بعضها، وآية يونس ظاهرة في أنه تعالى علّق حساب الأزمنة المختلفة بالأمرين معًا. وقولهم "الأسبوع يعرف بالشمس" فيه نظر أيضًا؛ لأنّ حساب الأسابيع بالقمر أيسر، وهو ما يعرف بالتربيع عند أهل الفلك.
(٣) قال ابن عبد الهادي رحمة الله عليه: "الذي دلّت عليه الأحاديث وهو مقتضى القواعد؛ أنّه أيّ شهر غمّ أكمل ثلاثين، سواء في ذلك شعبان ورمضان وغيرهما". وهو مذهب الجمهور وأحد أقوال الإمام أحمد في المسألة. وانظر "فتح الباري" (٤/ ١٢٢).
(٤) فيه نظر فيما يتعلّق بالسنة الواحدة على الخصوص؛ لأنّ اختلاف منازل الشمس في قبّة السماء =
[ ٣٨ ]
وجَعَلَ اللهُ السَّنةَ اثنيْ عشرَ (^١) شهرًا، كما قالَ تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٦]، وذلكَ بعددِ البروجِ التي تَكْمُلُ بدَوْرِ الشَّمسِ فيها السَّنةُ الشَّمسيَّةُ، فإذا دارَ القمرُ فيها كلِّها؛ كَمَلَتْ دورتُهُ السَّنويَّةُ (^٢).
وإنَّما جَعَلَ اللهُ الاعتبارَ بدورِ القمرِ؛ لأنَّ ظهورَهُ في السَّماءِ لا يَحْتاجُ إلى حسابٍ ولا كتابٍ، بل هوَ أمرٌ ظاهرٌ يُشاهَدُ بالبصرِ، بخلافِ سيرِ الشَّمسِ؛ فإنَّهُ تَحْتاجُ معرفتُهُ إلى حسابٍ وكتابٍ (^٣)، فلم يُحْوِجْنا إلى ذلكَ، كما قالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نكتُبُ ولا نَحْسُبُ، الشَّهرُ هكذا وهكذا وهكذا (وأشارَ بأصابعِهِ العشرِ وخَنَسَ إبهامَهُ في الثَّالثةِ). صوموا لرؤيتِهِ وأفْطِروا لرؤيتِهِ، فإنْ غُمَّ عليكُم؛ فأكْمِلوا العِدَّةَ" (^٤).
وإنَّما عَلَّقَ اللهُ تَعالى على الشَّمسِ أحكامَ اليومِ مِن الصَّلاةِ والصِّيامِ حيثُ كانَ ذلكَ أيضًا مشاهدًا بالبصرِ لا يَحْتاجُ إلى حسابٍ ولا كتابٍ: فالصَّلاةُ تَتَعَلَّقُ بطلوعِ الفجرِ وطلوعِ الشَّمسِ وزوالِها وغروبِها ومصيرِ ظلِّ الشيءِ مثلَهُ وغروبِ الشَّفقِ، والصِّيامُ يَتَوَقَّتُ بمدَّةِ النَّهارِ مِن طلوعِ الفجرِ إلى غروبِ الشَّمسِ.
وقولُهُ تَعالى: ﴿وَالْحِسَابَ﴾، يَعْني بالحسابِ: حسابَ ما يَحْتاجُ إليهِ النَّاسُ مِن مصالحِ دينِهِم ودنياهُم كصيامِهِم وفطرِهِم وحجِّهِم وزكاتِهِم ونذورِهِم وكفَّاراتِهِم وعِدَدِ نسائِهِم ومُدَدِ إيلائِهِم ومُدَدِ إجاراتِهِم وحلولِ آجالِ ديونِهِم … وغيرِ ذلكَ ممَّا يَتَوَقَّتُ بالشُّهورِ والسِّنينَ. وقد قالَ اللهُ ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]: فأخْبَرَ أن الأهلَّةَ مواقيتُ للنَّاسِ عمومًا، وخَصَّ الحجَّ
_________________
(١) = وتنقّلها من برج لآخر حدّ سماويّ ظاهر لأهل الفلك والحساب يغني عن عدّ الشهور. وأمّا تعداد السنين؛ فنعم؛ فإنّه لا يعرف إلَّا بطرائق علميّة وحسابات فلكيّة دقيقة.
(٢) في خ: "اثنا عشر"؛ على حكاية لفظ الآية، وله وجه صحيح لغة، والأولى ما أثبتّه من ط.
(٣) وذلك أنّ القمر يدور على البروج التي تدور عليها الشمس جميعًا، لكن لمّا كانت حركة القمر بين النجوم أظهر؛ دقّقوا فيها أكثر، فقسّموا تلك البروج إلى ثمانية وعشرين منزلًا.
(٤) لأنّ ضوء النهار يحول دون رؤية النجوم ومعرفة البرج الذي تنزل فيه الشمس بالنظر المباشر.
(٥) رواه: البخاري (٣٠ - الصوم، ١٣ - لا نكتب ولا نحسب، ٤/ ١٢٦/ ١٩١٣)، ومسلم (١٣ - الصيام، ٢ - وجوب الصوم لرؤية الهلال، ٢/ ٧٦١/ ١٠٨٠)؛ من حديث ابن عمر. وليس عند أحدهما هذا السياق بطوله، ولكنّ ابن رجب ﵀ جمعه من رواياتهما المختلفة للحديث.
[ ٣٩ ]
مِن بين ما يُوَقَّتُ بهِ للاهتمامِ بهِ.
• وجَعَلَ اللهُ ﷾ في كلِّ يومٍ وليلةٍ لعبادِهِ المؤمنينَ وظائفَ موظَّفةً عليهِم مِن وظائفِ طاعتِهِ: فمنها ما هوَ مفترَضٌ كالصَّلواتِ الخمسِ، ومنها ما يُنْدَبونَ إليهِ مِن غيرِ افتراضٍ كنوافلِ الصَّلاةِ والذِّكرِ وغيرِ ذلكَ.
وجَعَلَ في شهورِ الأهلَّةِ وظائفَ موظَّفةً أيضًا على عبادِهِ: كالصِّيامِ، والزَّكاةِ، والحجِّ. ومنهُ فرضٌ مفروضٌ عليهِم كصيامِ رَمَضانَ وحَجَّةِ الإسلامِ، ومنهُ ما هوَ مندوبٌ كصيامِ شَعْبانَ وشَوَّالٍ والأشهرِ الحُرُمِ.
• وجَعَلَ اللهُ سبحانَهُ لبعضِ الشُّهورِ فضلًا على بعضٍ: كما قالَ تَعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]، وقالَ تَعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقالَ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن﴾ [البقرة: ١٨٥].
كما جَعَلَ الأيَّامَ واللياليَ بعضَها أفضلَ مِن بعضٍ، وجَعَلَ ليلةَ القَدْرِ خيرًا مِن ألفِ شهير، وأقْسَمَ بالعَشْرِ - وهوَ عشرُ ذي الحِجَّةِ على الصَّحيحِ كما سَنَذْكُرُهُ في موضعِهِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى -.
وما مِن هذهِ المواسمِ الفاضلةِ موسمٌ إلَّا وللهِ تَعالى فيهِ وظيفةٌ مِن وظائفِ طاعاتِهِ يُتَقَرَّبُ بها إليه، وللهِ فيهِ لطيفةٌ مِن لطائفِ نفحاتِهِ يُصيبُ بها مَن يَعودُ بفضلِهِ ورحمتِهِ عليه. فالسَّعيدُ مَنِ اغْتَنَمَ مواسمَ الشُّهورِ والأيَّامِ والسَّاعات، وتَقَرَّبَ فيها إلى مولاهُ بما فيها مِن وظائفِ الطَّاعات، فعَسى أنْ تُصيبَهُ نفحةٌ مِن تلكَ النَّفحات، فيَسْعَدُ بها سعادةً يَأْمَنُ بعدَها مِن النَّارِ وما فيها مِن اللفَحات.
وقد خَرَّجَ ابنُ أبي الدُّنْيا والطَّبَرانِيُّ وغيرُهُما مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: "اطْلُبوا الخيرَ دهرَكُم، وتَعَرَّضوا لنفحاتِ رحمةِ ربِّكُم؛ فإنَّ للهِ نفحاتٍ مِن رحمتِهِ يُصيبُ بِها مَن يَشاءُ مِن عبابٍ، وسَلُوا الله أنْ يَسْتُرَ عوراتِكُم ويُؤَمِّنَ روعاتِكُم" (^١)
_________________
(١) (ضعيف). رواه: الطبراني (١/ ٢٥٠/ ٧٢٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٢١)، والقضاعي في "الشهاب" (٧٠١)، والبيهقي في "الشعب" (١١٢١ و١١٢٢)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٥/ ٣٣٩)، والبغوي =
[ ٤٠ ]
وفي روايةٍ للطَّبَرانِيِّ مِن حديثِ مُحَمَّدِ بن مَسْلَمَةَ مرفوعًا: "إنَّ للهِ في أيَّامِ الدَّهرِ نفحاتٍ، فتَعَرَّضوا لها، فلَعَلَّ أحدَكُم أنْ تُصيبَهُ نفحةٌ فلا يَشْقى بعدَها أبدًا" (^١).
وفي "مسند الإمام أحْمَدَ": عن عُقْبَةَ بن عامِرٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "لَيْسَ مِن
_________________
(١) = في "السنّة" (١٣٧٨)، وابن عساكر (٢٤/ ١٢٣)، والرافعي في "التدوين" (٣/ ١٩٢)؛ من طريق يحيى بن أيّوب، عن عيسى بن موسى بن إياس بن بكير، عن صفوان بن سليم، عن أنس … رفعه. قال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٢٣٤): "رجال الصحيح، غير عيسى بن موسى بن إياس بن بكير وهو ثقة"! قلت: ضعّفه أبو حاتم وذكره ابن حبّان في "الثقات"، فالقول فيه قول أبي حاتم على أيّ مقاييس الجرح والتعديل جرينا، وعلى التنزّل فلا يعدو أن يكون صالحًا في المتابعات، فهذه علّة. والعلّة الثانية: أنّه اضطرب فيه، فقد رواه: ابن أبي الدنيا في "الفرج" (٢٧)، والبيهقي في "الشعب" (١١٢٣)، وابن عساكر (٢٤/ ١٢٣)؛ من طريق الليث بن سعد، عنه، عن صفوان بن سليم، عن رجل من أشجع، عن أبي هريرة … رفعه. قال البيهقي: "وهذا هو المحفوظ دون الأوّل". قلت: لأنّ الليث ثقة ثبت ويحيى صدوق ربّما أخطأ، وإن كان الأظهر أنّ الاضطراب هنا من عيسى نفسه، وهذا يدلّ على ضعفه أيضًا. والعلّة الثالثة: أنّ كلا الوجهين منقطع؛ لأنّ رواية صفوان عن أنس منقطعة، وروايته عن أبي هريرة فيها رجل مبهم وهذا صنو الانقطاع. وله شاهد ضعيف جدًّا من حديث محمَّد بن مسلمة يأتي الكلام عليه في الحاشية التالية. وآخر من حديث أبي هريرة ذكره الألباني في "الصحيحة" (١٨٩٠) ونسبه إلى الخرائطي في "المكارم" نقلًا عن "الجامع الكبير"، وقد تتبّعت "المكارم" حديثًا حديثًا فلم أقف عليه، والغالب أنّه من أوجه الاضطراب المشار إليها في حديث أنس وليس بالشاهد المستقلّ. والحديث؛ ضعّفه أبو نعيم والبغوي والسيوطي وابن عراق والشوكاني والمناوي، ومال إلى تقويته الهيثمي، وصحّحه الألباني بشاهديه، وقد تبيّن لك ما في أحدهما وسيأتيك ما في الآخر. وقد جاء موقوفًا على أبي الدرداء عند ابن أبي شيبة (٣٤٥٨٣) وأبي نعيم في "الحلية" (٢٢١) بسند لا بأس به، وهو أشبه.
(٢) (ضعيف جدًّا). رواه الطبراني في "الكبير" (١٩/ ٢٣٣/ ٥١٩) و، "الأوسط" (٢٨٧٧ و٦٢٤٣) من طريق الحسن بن صالح بن أبي الأسود، [ثنا عمّي منصور بن أبي الأسود]، عن شيخ يكنى أبا محمّد، عن شيخ يقال له المهاجر، عن ابن مسلمة … رفعه. قال الطبراني: "لا يروى عن ابن مسلمة إلَّا بهذا الإسناد". قلت: بل له إسناد آخر. وقال الهيثمي (١٠/ ٢٣٤): "فيه من لم أعرفهم، ومن عرفتهم وثقوا". قلت: الحسن مجهول زائغ وإنَّ وثّقه ابن حبّان، وأبو محمّد والمهاجر مجهولان، فالسند واهٍ. ورواه الرامهرمزي في "المحدّث" (ص ٤٩٧): ثنا همّام بن محمّد العبدي، ثنا إبراهيم بن الحسن العلّاف، ثنا نائل بن نجيح، ثني عائذ بن حبيب، عن محمّد بن سعيد؛ قال لمّا مات محمَّد بن مسلمة وجدنا في ذؤابة سيفه: وسمعت النبيّ - ﷺ - … فذكره. وهذا واهٍ أيضًا: همّام لم أقف له على ترجمة. ونائل ضعيف. ومحمّد بن سعيد أخشى أنّه الكذّاب المصلوب، وفي السند انقطاع أيضًا. وخلاصة القول أنّ السندين واهيان بمرّة، والضعف لازم للحديث جملة وتفصلًا.
[ ٤١ ]
عملِ يومٍ إلَّا يُخْتَمُ عليهِ" (^١).
ورَوى ابنُ أبي الدُّنْيا بإسنادِهِ عن مُجاهِدٍ، قالَ: ما مِن يومٍ إلَّا يَقولُ: ابنَ آدَمَ! قد دَخَلْتُ عليكَ اليومَ، ولنْ أرْجِعَ إليكَ بعدَ اليومِ، فانْظُرْ ماذا تَعْمَلُ فيَّ. فإذا انْقَضى؛ طَواهُ، ثمَّ يُخْتَمُ عليهِ فلا يُفَكُّ حتَّى يَكونَ اللهُ هوَ الذي يَفُضُّ ذلكَ الخاتَمَ يومَ القيامةِ، ويَقولُ اليومُ حينَ يَنْقَضي: الحمدُ للهِ الذي أراحَني مِن الدُّنيا وأهلِها. ولا ليلةٍ تَدْخُلُ على النَّاسِ إلَّا قالَتْ كذلكَ.
وبإسنادِهِ عن مالِكِ بن دينارٍ؛ قالَ: كانَ عيسى ﵇ يَقولُ: إنَّ هذا الليلَ والنَّهارَ خزانتانِ، فانْظُروا ما تَضَعونَ فيهِما. وكانَ يَقولُ: اعْمَلوا الليلَ لِما خُلِقَ لهُ، واعْمَلوا النَّهارَ لِما خُلِقَ لهُ.
وعنِ الحَسَن؛ قالَ: ليسَ يومٌ يَأْتي مِن أيَّامِ الدُّنيا إلَّا يَتكَلَّمُ يَقولُ: يا أيُّها النَّاسُ! إنِّي يومٌ جديدٌ، وإنِّي على ما يُعْمَلُ فيَّ شهيدٌ، وإنِّي لو قد غَرَبَتْ شمسي لمْ أرْجِعْ إليكُم إلى يومِ القيامةِ.
وعنهُ أنَّهُ كانَ يَقولُ: يا ابنَ آدَمَ! اليومُ ضيفُكَ، والضيفُ مرتحلٌ، يَحْمَدُكَ أو يَذُمُّكَ، وكذلكَ الليلُ.
وبإسنادِهِ عن بكرٍ المُزَنيِّ؛ أنَّهُ قالَ: ما مِن يومٍ أخْرَجَهُ اللهُ إلى أهلِ الدُّنيا إلَّا يُنادي: ابنَ آدَمَ! اغْتَنِمْني؛ لَعَلَّهُ لا يومَ لكَ بعدي. ولا ليلةٍ إلَّا تُنادي: ابنَ آدَمَ! اغْتَنِمْني؛ لَعَلَّهُ لا ليلةَ لكَ بعدي.
_________________
(١) (صحيح). رواه: أحمد (٤/ ١٤٦)، وابن أبي الدنيا في "المرض"، والروياني (١٧٧)، والطبراني في "الكبير" (١٧/ ٢٨٤/ ٧٨٢) و"الأوسط" (٣٢٥٧)، والحاكم (٤/ ٢٦٠ و٣٠٨)، والبغوي في "السنّة" (١٤٢٨)؛ من طريقين قويّتين، عن يزيد بن أبي حبيب، أن أبا الخير - وهو مرثد بن عبد الله - حدّثه، عن عقبة بن عامر، عن النبيّ - ﷺ -؛ قال: فذكره وزاد: "فإذا مرض المؤمن؛ قالت الملائكة: يا ربّنا! عبدك فلان قد حبسته. فيقول الربّ ﷿: اختموا له على مثل عمله حتّى يبرأ أو يموت". قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن يزيد إلّا ابن لهيعة". قلت: بل رواه عنه أيضًا الإمام الثقة الفقيه عمرو بن الحارث. وقال الهيثمي (٢/ ٣٠٦): "فيه ابن لهيعة وفيه كلام". قلت: رواه عنه ابن المبارك عند أحمد وابن أبي الدنيا وروايته عنه جيّدة وقد توبع، وبقيّة السند ثقات رجال الستّة، فهو صحيح. وقد صحّحه الحاكم وابن كثير والذهبي والألباني.
[ ٤٢ ]
وعن عُمَرَ بن ذَرٍّ؛ أنَّهُ كانَ يَقولُ: اعْمَلوا لأنفسِكُم رَحِمَكُمُ اللهُ في هذا الليلِ وسوادِهِ؛ فإنَّ المغبونَ مَن غُبِنَ خيرَ الليلِ والنَّهارِ والمحرومَ مَن حُرِمَ خيرَهُما، إنَّما جُعِلا سبيلًا للمؤمنينَ إلى طاعةِ ربِّهِم ووبالًا على الآخرينَ للغفلةِ عن أنفسِهِم، فأحْيُوا للهِ أنفسَكُم بذكرِهِ؛ فإنَّما تَحْيا القلوبُ بذكرِ اللهِ ﷿. كم مِن قائمٍ للهِ في هذا الليلِ قدِ اغْتبَطَ بقيامِهِ في ظلمةِ حفرتِهِ! وكم مِن نائمٍ في هذا الليلِ قد نَدِمَ على طولِ نومِهِ عندَما يَرى مِن كرامةِ اللهِ ﷿ للعابدينَ غدًا! فاغْتَنِموا ممرَّ السَّاعاتِ والليالي والأيَّامِ رَحِمَكُمُ اللهُ.
وعن داوودَ الطَّائِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّما الليلُ والنَّهارُ مراحلُ، يَنْزِلُها النَّاسُ مرحلةً مرحلةً، حتَّى يَنْتَهِيَ بهِم ذلكَ إلى آخرِ سفرِهِم، فإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تُقَدِّمَ في كلِّ مرحلةٍ زادًا لِما بينَ يديها؛ فافْعَلْ؛ فإنَّ انقطاعَ السَّفرِ عن قريبٍ ما هوَ، والأمرُ أعجلُ مِن ذلك، فتَزَوَّدْ لسفرِك، واقْضِ ما أنتَ قاضٍ مِن أمرِك، فكأنَّكَ بالأمرِ قد بَغَتَك.
قالَ ابنُ أبي الدُّنْيا: وأنْشَدَنا مَحْمودُ بنُ الحَسَنِ (^١):
مَضى أمْسُكَ الماضي شَهيدًا مُعَدَّلًا … وأعْقَبَهُ يَوْمٌ عَلَيْكَ جَديدُ
فَإنْ كُنْتَ بِالأمْسِ اقْتَرَفْتَ إساءَةً … فَثَنِّ بِإحْسانٍ وَأنْتَ حَميدُ
فَيَوْمُكَ إنْ أعْتَبْتَهُ عادَ نَفْعُهُ … عَلَيْكَ وَماضي الأمْسِ لَيْسَ يَعودُ (^٢)
فَلا تُرْجِ فِعْلَ الخَيْرِ يَوْمًا إلى غَدٍ … لَعَلَّ غَدًا يَأْتي وَأنْتَ فَقيدُ
وفي "تفسير عَبْدِ بن حُمَيْدٍ" وغيرِهِ مِن التَّفاسيرِ المسندةِ: عن الحَسَنِ، في قولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢]، قالَ: مَن عَجَزَ بالليلِ؛ كانَ لهُ مِن أوَّلِ النَّهارِ مُسْتَعْتَبٌ، ومَن عَجَزَ بالنَّهارِ؛ كانَ لهُ مِن الليلِ مُسْتَعْتَبٌ.
وعن قَتادَةَ: إنَّ المؤمنَ قد يَنْسى بالليلِ ويَذْكُرُ بالنَّهارِ ويَنْسى بالنَّهارِ ويَذْكُرُ
_________________
(١) في خ: "محمود بن الحسين"! وهو تحريف صوابه ما أثبتّه، وهو شاعر من أهل المواعظ روى عنه ابن أبي الدنيا. ترجمته في "أعلام النبلاء" (١١/ ٤٦١).
(٢) إن أعتبته: إن أزلت عتبه ولم تقصّر في أداء ما له من الحقوق؛ عاد نفع ذلك عليك.
[ ٤٣ ]
بالليلِ. قالَ: وجاءَ رجلٌ إلى سلْمانَ الفارِسيِّ فقالَ: إنِّي لا أسْتَطيعُ قيامَ الليلِ. قالَ لهُ: فلا تَعْجِزْ بالنَّهارِ. قالَ قَتادَةُ: فَأدُّوا إلى اللهِ مِن أعمالِكُم خيرًا (^١) في هذا الليلِ والنَّهارِ؛ فإنَّهُما مَطِيَّتانِ تُقْحِمانِ النَّاسَ إلى آجالِهِم، تُقَرِّبانِ كلَّ بعيدِ، وتُبْلِيانِ كلَّ جديدٍ، وتَجيئانِ بكلِّ موعودٍ، إلى يومِ القيامةِ.
• وقدِ اسْتَخَرْتُ الله تَعالى في أنْ أجْمَعَ في هذا الكتابِ وظائفَ شهورِ العام، وما يَخْتَصُّ بالشُّهورِ ومواسمِها مِن الطَّاعاتِ كالصَّلاةِ والصَّيام، والذِّكرِ والشُّكرِ وبَذْلِ الطَّعامِ وإفشاءِ السَّلام … وغيرِ ذلكَ مِن خصالِ البَرَرَةِ الكرام: لِيَكونَ ذلكَ عونًا لنفسي ولإخواني على التَّزوُّدِ للمعاد، والتَّأهُّبِ للموتِ قبلَ قدومِهِ والاستعداد، وأُفَوِّضُ أمري إلى اللهِ إنَّ الله بصيرٌ بالعباد. ويَكونَ أيضًا صالحًا لِمَن يُريدُ الانتصابَ للمواعظِ مِن المذكِّرين؛ فإنَّ مِن أفضلِ الأعمالِ عندَ اللهِ لِمَن أرادَ بهِ وجهَ اللهِ إيقاظَ الرَّاقدينَ وتنبيهَ الغافلين: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، ووَعَدَ مَن أمَرَ بصدقةٍ أو معروفِ يَبْتَغي بهِ وجهَهُ أجرًا عظيما، وأخْبَرَ نبيُّهُ - ﷺ - أن "مَن دَعا إلى هدًى؛ فلهُ مثلُ أجرِ مَن تَبِعَهُ" (^٢) وكَفى بذلكَ فضلًا عميما.
وقد جَعَلْتُ هذهِ الوظائفَ المتعلِّقةَ بالشُّهورِ مجالسَ مجالسَ، مرتَّبةً على ترتيبِ شهورِ السَّنةِ الهلاليَّةِ، فأبْدَأ بالمُحَرَّمِ وأخْتِمُ بذي الحِجَّةِ، وأذْكُرُ في كلِّ شهرٍ ما فيهِ مِن هذهِ الوظائفِ، وما لم يَكُنْ لهُ وظيفةٌ خاصَّةٌ لمْ أذْكُرْ فيهِ شيئًا. وخَتَمْتُ ذلكَ كلَّهُ بوظائفِ فصولِ السَّنةِ الشَّمسيَّةِ، وهيَ ثلاثةُ مجالِسَ في ذكرِ الرَّبيعِ والشِّتاءِ والصَّيفِ. وخَتَمْتُ الكتابَ كلَّهُ بمجلسٍ في التَّوبةِ والمبادرةِ بها قبلَ انقضاءِ العمرِ؛ فإنَّ التَّوبةَ وظيفةُ العمرِ كلِّهِ. وأبْدَأُ قبلَ ذكرِ وظائفِ الشُّهورِ بمجلسٍ في فضلِ التَّذكيرِ باللهِ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ بعضِ ما في مجالسِ التَّذكيرِ مِن الفضلِ. وسمَّيْتُهُ "لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف".
واللهُ المسؤولُ أنْ يَجْعَلَهُ خالصًا لوجهِهِ الكريم، ومقرِّبًا إليهِ وإلى دارِهِ دارِ السَّلامِ
_________________
(١) كذا في خ وط! وفي "الدر المنثور" (الفرقان ٦٢): "فأروا الله من أعمالكم خيرًا"، وهو أجود.
(٢) رواه مسلم (٤٧ - العلم، ٦ - من سنّ سنّة حسنة، ٤/ ٢٠٦٠/ ٢٦٧٤) من حديث أبي هريرة.
[ ٤٤ ]
والنَّعيمِ المقيم، وأنْ يَنْفَعَني بهِ وعبادَهُ المؤمنين، وأنْ يُوَفِّقَنا لِما يُحِبُّ ويَرْضى ويَخْتِمَ لَنا بخيرٍ في عافيةٍ؛ فإنَّهُ أكرمُ الأكرمينَ وأرحمُ الرَّاحمين، آمين.
وهذا أوانُ الشُّروعِ فيما أرَدْناه والبداءةِ بالمجلسِ الأوَّلِ كما شَرَطْناه، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله (^١).
* * * * *
_________________
(١) من هنا يبدأ الأصل الخطّيّ المساعد (م).
[ ٤٥ ]